Полный текст (1 066 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.
стр. 736
أَنَّهُ هُنَا بِفَتْحِ الرَّاءِ وَالْكَافِ.
قَالَ فِي الصِّحَاحِ: وَهُوَ مَنْبَتُ الْعَانَةِ.
وَفِي الْقَامُوسِ: الْعَانَةُ أَوْ مَنْبَتُهَا وَكَأَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - حَلْقُ الْعَانَةِ، كَأَنَّهُ لَمَّا أَمَرَهُمْ بِأَنْ يَخْشَوْشِنُوا قَالَ: وَمَعَ ذَلِكَ احْلِقُوا الْعَانَةَ.
قَالَ هَذَا مَا ظَهَرَ لِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى.
قُلْت: وَالْمُنَاسِبُ لِقَوْلِهِ وَاقْطَعُوا الرَّكَبَ وَانْزُوا أَنَّ الْمُرَادَ بِالرَّكَبِ مَا يُرْكَبُ فِيهِ.
قَالَ فِي الْقَامُوسِ: وَالرُّكُبُ كَكُتُبٍ جَمْعُ رِكَابَاتٍ، وَرَكَائِبُ مِنْ السَّرْجِ كَالْغَرْزِ مِنْ الرَّحْلِ.
وَيُؤَيِّدُ هَذَا قَوْلُ صَاحِبِ الْفُرُوعِ فِي تَفْسِيرِ وَانْزُوا أَيْ ثِبُوا وَثْبًا.
وَسَيَأْتِي تَحْقِيقُ ذَلِكَ قَرِيبًا عِنْدَ قَوْلِ النَّاظِمِ: وَسِرْ حَافِيًا أَوْ حَاذِيًا إلَخْ.
وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ مُعَاذٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «لَمَّا بَعَثَهُ إلَى الْيَمَنِ قَالَ إيَّاكَ وَالتَّنَعُّمَ فَإِنَّ عِبَادَ اللَّهِ لَيْسُوا بِالْمُتَنَعِّمِينَ» .
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: قَالَ فِي كَشْفِ الْمُشْكِلِ: الْآفَةُ فِي التَّنَعُّمِ مِنْ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ الْمُشْتَغِلَ بِهِ لَا يَكَادُ يُوفِي التَّكْلِيفَ حَقَّهُ.
الثَّانِي: أَنَّهُ مِنْ حَيْثُ الْأَكْلُ يُورِثُ الْكَسَلَ وَالْغَفْلَةَ وَالْبَطَرَ وَالْمَرَحَ.
وَمِنْ اللِّبَاسِ يُوجِبُ لِينَ الْبَدَنِ فَيَضْعُفُ عَنْ عَمَلٍ شَاقٍّ، وَيَضُمُّ ضِمْنَهُ الْخُيَلَاءَ.
وَمِنْ النِّكَاحِ يَضْعُفُ عَنْ أَدَاءِ اللَّوَازِمِ.
الثَّالِثُ: أَنَّ مَنْ أَلِفَهُ صَعُبَ عَلَيْهِ فِرَاقُهُ فَيُفْنِي زَمَنَهُ فِي اكْتِسَابِهِ، خُصُوصًا فِي النِّكَاحِ، فَإِنَّ الْمُتَنَعِّمَةَ بِهِ تَحْتَاجُ إلَى أَضْعَافِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ غَيْرُهَا.
قَالَ: وَالْإِشَارَةُ بِزِيِّ أَهْلِ الشِّرْكِ مَا يَنْفَرِدُونَ بِهِ.
فَنَهَى عَنْ التَّشَبُّهِ بِهِمْ وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ.
فَإِنْ قُلْت: قَدْ كَرِهَ النَّاظِمُ لِلْغَنِيِّ لُبْسَ الرَّدِيءِ، وَهُنَا نَدَبَ إلَى الرِّضَا بِاللِّبَاسِ الْأَدْنَى، فَهَلْ هَذَا إلَّا تَدَافُعٌ؟ قُلْت: لَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ مُرَادُهُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ الْإِنْسَانَ إذَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِنِعْمَةٍ أَحَبَّ أَنْ يَرَى عَلَيْهِ أَثَرَ نِعْمَتِهِ لِمَا أَسْلَفْنَا مِنْ الْفَوَائِدِ، فَلَا يَلْبَسُ لُبْسَ الْفُقَرَاءِ، وَلَكِنْ لِيَتَوَسَّطْ فِي مَلْبَسِهِ، أَوْ يَكُونُ لُبْسُهُ ثِيَابَ التَّجَمُّلِ أَحْيَانًا بِنِيَّةِ إظْهَارِ أَثَرِ نِعَمِ الْبَارِي جَلَّ شَأْنُهُ، فَمَا يَنْفَكُّ عَنْ عِبَادَتِهِ مَا دَامَ مُلَاحِظًا لِذَلِكَ.
وَهُنَا أَرَادَ أَنَّ مَنْ يَرْضَى بِالْأَدْنَى عَنْ الْأَعْلَى تَوَاضُعًا لِلَّهِ، وَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِمَا
стр. 737
لَا يَلْتَحِقُ بِهِ إلَى زِيِّ الْفُقَرَاءِ بَلْ يَتَوَسَّطُ، كَمَا حَكَاهُ فِي الْفُرُوعِ كَمَا أَسْلَفْنَاهُ عَنْهُ آنِفًا، وَيَخْرُجُ بِهِ عَنْ زِيِّ أَهْلِ الْخُيَلَاءِ فَتَكُونُ حَالَتُهُ بَيْنَ حَالَتَيْنِ فَخَيْرُ الْأُمُورِ أَوْسَطُهَا كَمَا قَدَّمْنَا، فَلِكُلِّ مَقَامٍ مَقَالٌ وَاَللَّهُ وَلِيُّ الْأَفْضَالِ جَلَّ شَأْنُهُ.
مَطْلَبٌ: يُسَنُّ حَمْدُ اللَّهِ تَعَالَى فِي كُلِّ حَالَةٍ لَا سِيَّمَا عِنْدَ لُبْسِ الثِّيَابِ
وَيَحْسُنُ حَمْدُ اللَّهِ فِي كُلِّ حَالَةٍ وَلَا سِيَّمَا فِي لُبْسِ ثَوْبٍ مُجَدَّدِ (وَيَحْسُنُ) بِمَعْنَى يُشْرَعُ (حَمْدُ اللَّهِ) جَلَّ شَأْنُهُ وَتَعَالَى سُلْطَانُهُ (فِي كُلِّ حَالَةٍ) مِنْ الْحَالَاتِ، أَمَّا فِي الْقَلْبِ فَمُطْلَقًا، وَأَمَّا بِاللِّسَانِ فَكَذَلِكَ إلَّا مَا اُسْتُثْنِيَ مِنْ الْأَمَاكِنِ الْقَذِرَةِ وَكَوْنِ الرَّجُلِ عَلَى حَاجَتِهِ وَزَوْجَتِهِ، وَكُلِّ مَكَان لَا يَحْسُنُ الذِّكْرُ وَالْقُرْآنُ فِيهِ كَمَا قَدَّمْنَا فِي آدَابِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ (وَلَا سِيَّمَا) تَقَدَّمَ أَنْ لَا سِيَّمَا يَدْخُلُ مَا بَعْدَهَا فِيمَا قَبْلَهَا مِنْ بَابِ أَوْلَى.
وَقَالَ ابْنُ الْهَاثِمِ: هِيَ مِنْ أَدَوَاتِ الِاسْتِثْنَاءِ عِنْدَ بَعْضِهِمْ.
وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْهَا بَلْ هِيَ مُضَادَّةٌ لِلِاسْتِثْنَاءِ، فَإِنَّ الَّذِي بَعْدَهَا دَاخِلٌ فِيمَا دَخَلَ فِيهِ قَبْلَهَا، وَمَشْهُودٌ لَهُ بِأَنَّهُ أَحَقُّ بِذَلِكَ مِنْ غَيْرِهِ انْتَهَى.
فَأَشْعَرَ كَلَامُ النَّاظِمِ أَنَّ حَمْدَ اللَّهِ مَشْرُوعٌ فِي كُلِّ حَالَةٍ وَيَحْسُنُ أَيْضًا مِنْ بَابِ أَوْلَى حَمْدُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ (فِي) حَالَةِ (لُبْسِ) الْإِنْسَانِ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى لِ (ثَوْبٍ) مِنْ الثِّيَابِ مِنْ إزَارٍ وَرِدَاءٍ وَقَمِيصٍ وَعِمَامَةٍ وَسَرَاوِيلَ وَنَحْوِهَا (مُجَدِّدٍ) أَيْ جَدِيدٍ لَمْ يَكُنْ اسْتَعْمَلَهُ قَبْلَ ذَلِكَ.
وَذَلِكَ لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد وَالْحَاكِمُ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ أَكَلَ طَعَامًا فَقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَنِي هَذَا وَرَزَقَنِيهِ مِنْ غَيْرِ حَوْلٍ مِنِّي وَلَا قُوَّةٍ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَمَنْ لَبِسَ ثَوْبًا جَدِيدًا فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي كَسَانِي هَذَا وَرَزَقَنِيهِ مِنْ غَيْرِ حَوْلٍ مِنِّي وَلَا قُوَّةٍ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ» هَكَذَا لَفْظُ أَبِي دَاوُد وَلَمْ يَقُلْ الْحَاكِمُ وَمَا تَأَخَّرَ.
مَطْلَبٌ: الْأَعْمَالُ الَّتِي مَنْ عَمِلَهَا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ وَمَا تَأَخَّرَ مِنْ ذَنْبِهِ
(فَائِدَةٌ) : ذَكَرَ الْعَلْقَمِيُّ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى الْجَامِعِ الصَّغِيرِ أَنَّ جُمْلَةَ الْأَعْمَالِ الْوَارِدَةِ الَّتِي مَنْ عَمِلَ بِهَا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ سِتَّةَ عَشَرَ جَمَعَهَا مِنْ الْأَحَادِيثِ وَنَظَمَهَا فَقَالَ:
стр. 738
قَدْ جَاءَ عَنْ الْهَادِي وَهُوَ خَيْرُ نَبِيٍّ ... أَخْبَارٌ مَسَانِيدُ قَدْ رُوِيَتْ بِإِيصَالِ
فِي فَضْلِ خِصَالٍ وَغَافِرَاتِ ذُنُوبِ ... مَا قُدِّمَ أَوْ أُخِّرَ لِلَّمَّاتِ بِأَفْضَالِ
حَجٌّ وَوُضُوءٌ قِيَامُ لَيْلَةِ قَدْرٍ ... وَالشَّهْرُ وَصَوْمٌ لَهُ وَوَقْفَةُ إقْبَالِ
آمِينَ وَقَارٍ فِي الْحَشْرِ وَمَنْ قَادَ ... أَعْمَى وَشَهِيدٌ إذَا الْمُؤَذِّنُ قَدْ قَالَ
تَسْعَى لِأَخٍ وَالضُّحَى وَعِنْدَ لِبَاسِ ... حَمْدٍ وَمَجِيءٍ مِنْ إيلْيَاءَ بِإِهْلَالِ
فِي الْجُمُعَةِ يَقْرَأُ قَوَاقِلًا وَصِفَاحَ ... مَعَ ذِكْرِ صَلَاةٍ عَلَى النَّبِيِّ مَعَ الْآلِ
وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁ قَالَ: لَبِسَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ ثَوْبًا جَدِيدًا فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي كَسَانِي مَا أُوَارِي بِهِ عَوْرَتِي وَأَتَجَمَّلُ بِهِ فِي حَيَاتِي، ثُمَّ قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ لَبِسَ ثَوْبًا جَدِيدًا فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي كَسَانِي مَا أُوَارِي بِهِ عَوْرَتِي وَأَتَجَمَّلُ بِهِ فِي حَيَاتِي ثُمَّ عَمَدَ إلَى الثَّوْبِ الَّذِي خَلِقَ فَتَصَدَّقَ بِهِ كَانَ فِي كَنَفِ اللَّهِ، وَفِي حِفْظِ اللَّهِ وَفِي سِتْرِ اللَّهِ حَيًّا وَمَيِّتًا» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَاللَّفْظُ لَهُ وَقَالَ غَرِيبٌ.
وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالْحَاكِمُ كُلُّهُمْ مِنْ رِوَايَةِ أَصْبَغَ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِي الْعَلَاءِ عَنْهُ. وَأَبُو الْعَلَاءِ قَالَ الْحَافِظُ الْمُنْذِرِيُّ: مَجْهُولٌ. وَأَصْبَغُ بْنُ زَيْدٍ الْجُهَنِيُّ مَوْلَاهُمْ الْوَاسِطِيُّ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ: صَدُوقٌ ضَعَّفَهُ ابْنُ سَعْدٍ. وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ: لَا يَجُوزُ الِاحْتِجَاجُ بِهِ. وَقَالَ النَّسَائِيُّ: لَا بَأْسَ بِهِ. وَوَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ وَالدَّارَقُطْنِيُّ.
وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ بِلَفْظِ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «مَنْ لَبِسَ ثَوْبًا أَحْسِبُهُ قَالَ جَدِيدًا فَقَالَ حِينَ يَبْلُغُ تَرْقُوَتِهِ مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ عَمَدَ إلَى ثَوْبِهِ الْخَلَقِ فَكَسَاهُ مِسْكِينًا لَمْ يَزَلْ فِي جِوَارِ اللَّهِ وَذِمَّةِ اللَّهِ، وَفِي كَنَفِ اللَّهِ حَيًّا وَمَيِّتًا حَيًّا وَمَيِّتًا حَيًّا وَمَيِّتًا مَا بَقِيَ مِنْ الثَّوْبِ سِلْكٌ» زَادَ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِهِ " فَقُلْت مِنْ أَيِّ الثَّوْبَيْنِ؟ قَالَ لَا أَدْرِي ".
وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَبُو يَعْلَى عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «عِنْدَ الْكِسْوَةِ» وَفِي لَفْظٍ «إذَا لَبِسَ ثَوْبًا جَدِيدًا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي رَزَقَنِي مِنْ الرِّيَاشِ مَا أَتَجَمَّلُ بِهِ فِي النَّاسِ وَأُوَارِي بِهِ عَوْرَتِي» .
وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَيْضًا وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَغَيْرُهُمْ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ «أَنَّ
стр. 739
رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى عَلَى عُمَرَ قَمِيصًا أَبْيَضَ غَسِيلًا فَقَالَ ثَوْبُك هَذَا غَسِيلٌ أَمْ جَدِيدٌ؟ قَالَ لَا بَلْ غَسِيلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْبِسْ جَدِيدًا وَعِشْ حَمِيدًا وَمُتْ - وَفِي لَفْظٍ - وَتَوَفَّ شَهِيدًا يَرْزُقْك اللَّهُ قُرَّةَ عَيْنٍ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ» .
وَفِي الْكَلِمِ الطَّيِّبِ لِلْإِمَامِ ابْنِ الْقَيِّمِ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا اسْتَجَدَّ ثَوْبًا سَمَّاهُ بِاسْمِهِ قَمِيصًا أَوْ إزَارًا أَوْ عِمَامَةً يَقُولُ اللَّهُمَّ لَك الْحَمْدُ أَنْتَ كَسَوْتنِيهِ، أَسْأَلُك مِنْ خَيْرِهِ وَخَيْرِ مَا صُنِعَ لَهُ، وَأَعُوذُ بِك مِنْ شَرِّهِ وَشَرِّ مَا صُنِعَ لَهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ قَالَ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ: حَدِيثٌ صَحِيحٌ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ.
وَقَالَ أَبُو نَضْرَةَ " وَكَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذَا رَأَى أَحَدُهُمْ عَلَى صَاحِبِهِ ثَوْبًا قَالَ: تُبْلِي، وَيُخْلِفُ اللَّهُ ذَكَرَهُ الْبَيْهَقِيُّ.
وَتَأْتِي الْإِشَارَةُ إلَيْهِ فِي كَلَامِ النَّاظِمِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -.
مَطْلَبٌ: يُطْلَبُ الشُّكْرُ فِي جَمِيعِ الْحَالَاتِ لَا سِيَّمَا عِنْدَ تَجَدُّدِ النِّعَمِ
وَكُنْ شَاكِرًا لِلَّهِ وَارْضَ بِقَسْمِهِ ... تُثَبْ وَتُزَدْ رِزْقًا وَإِرْغَامَ حُسَّدِ
(وَكُنْ) أَيُّهَا الْعَبْدُ (شَاكِرًا لِلَّهِ) عَلَى جَمِيعِ النِّعَمِ الَّتِي أَسَدَاهَا إلَيْك وَمَنَّ بِهَا عَلَيْك، وَاعْتَرِفْ بِقَلْبِك أَنَّك لَوْ أَنْفَقْت جَمِيعَ عُمْرِك فِي قِيَامِ اللَّيْلِ وَصِيَامِ النَّهَارِ وَلَمْ يَزَلْ لِسَانُك رَطْبًا بِذِكْرِ اللَّهِ لَمْ تُؤَدِّ شُكْرَ نِعَمِهِ، بَلْ وَلَا نِعْمَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ نِعَمِهِ، كَيْفَ، وَالتَّوْفِيقُ لِلشُّكْرِ نِعْمَةٌ أُخْرَى تَحْتَاجُ إلَى شُكْرٍ آخَرَ وَهَلُمَّ جَرًّا.
فَلَا سَبِيلَ لِلْعَبْدِ عَلَى الْقِيَامِ بِشُكْرِ نِعَمِهِ، كَمَا قِيلَ:
إذَا كَانَ شُكْرِي نِعْمَةَ اللَّهِ نِعْمَةً ... عَلَيَّ لَهُ فِي مِثْلِهَا يَجِبُ الشُّكْرُ
فَكَيْفَ بُلُوغُ الشُّكْرِ إلَّا بِفَضْلِهِ ... وَإِنْ طَالَتْ الْأَيَّامُ وَاتَّصَلَ الْعُمْرُ
إذَا مَسَّ بِالسَّرَّاءِ عَمَّ سُرُورُهَا وَإِنْ ... مَسَّ بِالضَّرَّاءِ أَعْقَبَهَا الْأَجْرُ
فَمَا مِنْهُمَا إلَّا لَهُ فِيهِ نِعْمَةٌ ... تَضِيقُ بِهَا الْأَوْهَامُ وَالسِّرُّ وَالْجَهْرُ
وَلَكِنَّ الشُّكْرَ قَصُّ جَنَاحِ النِّعَمِ فَلَا تَطِيرُ مِنْ عِنْدِك.
فَمِنْ ثَمَّ عَلَيْك شُكْرُهُ فِي جَمِيعِ الْحَالَاتِ، لَا سِيَّمَا عِنْدَ تَجَدُّدِ النِّعَمِ الَّتِي مِنْ جُمْلَتِهَا لُبْسُك الْجَدِيدُ.
стр. 740
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَأَمَّا شُكْرُ اللَّهِ عَلَى ذَلِكَ فَمُسْتَحَبٌّ.
قَالَ: وَفِي الْحَمْدِ عَلَى الطَّعَامِ خِلَافٌ فَيَتَوَجَّهُ مِثْلُهُ فِي اللِّبَاسِ.
ثُمَّ إنْ وَجَبَ يَعْنِي الْحَمْدَ عَلَى اللِّبَاسِ فَعَدَمُهُ يَعْنِي عَدَمَ الْحَمْدِ بِأَنْ تَرَكَهُ لَا يَمْنَعُ الْحِلَّ يَعْنِي لَا يَكُونُ اللِّبَاسُ بِعَدَمِ الْحَمْدِ حَرَامًا.
مَطْلَبٌ: الرِّضَا يُثَابُ عَلَيْهِ وَيَزِيدُ فِي الرِّزْقِ
(وَارْضَ) أَنْتَ (بِقَسْمِهِ) لَك فَإِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ، وَالْحَكِيمُ يَضَعُ الْأَشْيَاءَ فِي مَوَاضِعِهَا.
فَمِنْ عِبَادِهِ مَنْ لَمْ يُصْلِحْهُ إلَّا الْفَقْرُ وَلَوْ أَغْنَاهُ لَفَسَدَ عَلَيْهِ دِينُهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُصْلِحُهُ إلَّا الْغِنَى، وَلَوْ أَفْقَرَهُ لَفَسَدَ عَلَيْهِ دِينُهُ، وَكَذَلِكَ الصِّحَّةُ وَالسَّقَمُ وَنُفُوذُ الْكَلِمَةِ وَعَدَمُهُ وَغَيْرُ ذَلِكَ، فَمَهْمَا قَسَمَهُ لَك مِنْ ذَلِكَ فَكُنْ بِهِ رَاضِيًا مُطْمَئِنًّا لَا سَاخِطًا وَلَا مُتَلَوِّنًا، فَإِنَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ أَشْفَقُ مِنْ الْوَالِدَةِ عَلَى وَلَدِهَا.
وَمِنْ تَمَامِ حِكْمَتِهِ وَبَدِيعِ قُدْرَتِهِ أَنْ جَعَلَ عِبَادَهُ مَا بَيْنَ غَنِيٍّ وَفَقِيرٍ، وَجَلِيلٍ وَحَقِيرٍ، وَصَغِيرٍ وَكَبِيرٍ، وَمُسْتَأْجِرٍ وَأَجِيرٍ، ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَلِيمِ الْخَبِيرِ، فَإِنْ سَخِطْت شَيْئًا مِنْ أَقْدَارِهِ أَهْلَكْت نَفْسَك وَقَطَّعْتهَا حَسَرَاتٍ عَلَى الدُّنْيَا، وَلَمْ تَنَلْ مِنْهَا إلَّا مَا قَسَمَهُ لَك جَلَّ شَأْنُهُ، وَإِنْ تَرْضَ بِقِسْمَتِهِ لَك مِنْ جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ (تُثَبْ) ثَوَابَ الرَّاضِينَ عَلَى ذَلِكَ، وَيَحْصُلُ لَك الرِّضَا الْمَوْعُودُ بِهِ فِي قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ «فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا، وَمَنْ سَخِطَ فَعَلَيْهِ السُّخْطُ» وَتَثْبُتُ لَك حَقِيقَةُ الْعُبُودِيَّةِ وَتَسْلَمُ مِنْ الْإِبَاقِ الْمُتَوَعَّدِ بِهِ فِي قَوْلِهِ كَمَا فِي بَعْضِ الْأَخْبَارِ الْقُدْسِيَّةِ «مَنْ لَمْ يَرْضَ بِقَضَائِي وَيَصْبِرْ عَلَى بَلَائِي فَلْيَعْبُدْ رَبًّا سِوَايَ» .
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَكَانَ الْمَرُّوذِيُّ مَعَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ فِي الْعَسْكَرِ فِي قَصْرٍ فَأَشَارَ إلَى شَيْءٍ عَلَى الْجِدَارِ قَدْ نُصِبَ، فَقَالَ لَهُ أَحْمَدُ: لَا تَنْظُرْ إلَيْهِ، قَالَ قُلْت: فَقَدْ نَظَرْت إلَيْهِ، قَالَ: فَلَا تَفْعَلْ.
قَالَ وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: تَفَكَّرْت فِي هَذِهِ الْآيَةِ ﴿وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه: ١٣١] ثُمَّ تَفَكَّرْت فِي وَفِيِّهِمْ وَأَشَارَ نَحْوَ الْعَسْكَرِ قَالَ ﴿وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه: ١٣١] ، قَالَ: رِزْقُ يَوْمٍ بِيَوْمٍ خَيْرٌ.
قَالَ: وَلَا تَهْتَمَّ لِرِزْقِ غَدٍ. انْتَهَى.
стр. 741
فَإِنْ فَعَلْت كَذَلِكَ (وَ) رَضَتْ نَفْسُك عَلَى هَذِهِ الْأَخْلَاقِ (تُزَدْ رِزْقًا) مِنْ اللَّهِ فَإِنَّهُ يَرْزُقُ عِبَادَهُ سِيَّمَا الَّذِينَ انْسَلَخُوا عَنْ الْحَوْلِ وَالْقُوَّةِ، وَطَرَحُوا عَلَى أَبْوَابِ الرَّجَاءِ وَالْمِنَّةِ، فَهُمْ عَلَيْهِ مُتَوَكِّلُونَ، وَإِلَيْهِ مُتَضَرِّعُونَ، وَعَلَى أَبْوَابِهِ وَاقِفُونَ، وَلِمِنَحِهِ مُنْتَظِرُونَ، فَإِنْ كُنْت مِنْهُمْ تُزَدْ رِزْقًا (وَ) تُزَدْ (إرْغَامَ) أَيْ ذُلَّ وَبَتْكَ وَإِهَانَةَ (حُسَّدِ) جَمْعُ حَاسِدٍ.
وَأَصْلُ الرِّغَامِ التُّرَابِ، كَأَنَّك لِشَرَفِ نَفْسِك وَرِضَاك بِقِسْمَةِ مَوْلَاك جَعَلْت أُنُوفَ أَعْدَائِك مُلْصَقَةً بِالتُّرَابِ، وَالْحَاسِدُ عَدُوُّ نِعَمِ اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّهُ يَطْلُبُ زَوَالَهَا مِمَّنْ نَالَهَا، وَهُوَ مِنْ إسَاءَةِ الْأَدَبِ عَلَى غَايَةٍ، وَلِذَا قِيلَ شِعْرٌ:
أَلَا قُلْ لِمَنْ كَانَ لِي حَاسِدًا ... أَتَدْرِي عَلَى مَنْ أَسَأْت الْأَدَبْ
أَسَأْت عَلَى اللَّهِ فِي حُكْمِهِ ... لِأَنَّك لَمْ تَرْضَ مَا قَدْ وَهَبْ
فَجَازَاك رَبِّي بِأَنْ زَادَنِي ... وَسَدَّ عَلَيْك وُجُوهَ الطَّلَبْ
(تَنْبِيهٌ) : قَدْ تَضَمَّنَ بَيْتُ النَّاظِمِ ثَلَاثَةَ أَشْيَاءَ: الشُّكْرُ، وَالرِّضَا، وَإِرْغَامُ أَهْلِ الْحَسَدِ، وَفِي ضِمْنِ ذَلِكَ ذَمُّ الْحَسُودِ.
فَأَمَّا الرِّضَا فَهُوَ مِنْ أَعْمَالِ الْقُلُوبِ، وَهُوَ إنْ كَانَ كَذَلِكَ فَكَمَالُهُ هُوَ الْحَمْدُ، حَتَّى إنَّ بَعْضَهُمْ فَسَّرَ الْحَمْدَ بِالرِّضَا، وَلِهَذَا جَاءَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ حَمْدُ اللَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَذَلِكَ يَتَضَمَّنُ الرِّضَا بِقَضَائِهِ.
وَالرِّضَا بِالْمَصَائِبِ أَشَقُّ عَلَى النُّفُوسِ مِنْ الصَّبْرِ، وَإِنْ كَانَ الصَّبْرُ مِنْ أَشَقِّ الْأَشْيَاءِ عَلَى النُّفُوسِ.
وَفِي جَامِعِ التِّرْمِذِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «إذَا أَحَبَّ اللَّهُ قَوْمًا ابْتَلَاهُمْ، فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا، وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السُّخْطُ» .
مَطْلَبٌ: الرِّضَا بِالْقَضَاءِ هَلْ هُوَ وَاجِبٌ أَوْ مُسْتَحَبٌّ؟
وَقَدْ تَنَازَعَ عُلَمَاؤُنَا وَغَيْرُهُمْ الرِّضَا بِالْقَضَاءِ، هَلْ هُوَ وَاجِبٌ أَوْ مُسْتَحَبٌّ عَلَى قَوْلَيْنِ:
فَعَلَى الْأَوَّلِ يَكُونُ مِنْ أَعْمَالِ الْمُقْتَصِدِينَ.
وَعَلَى الثَّانِي يَكُونُ مِنْ أَعْمَالِ الْمُقَرَّبِينَ.
ذَكَرَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ﵁.
فَالْعَبْدُ قَدْ يَصْبِرُ عَلَى الْمُصِيبَةِ، وَلَا يَرْضَى.
فَالرِّضَا أَعْلَى مَقَامِ الصَّبْرِ، لَكِنَّ الصَّبْرَ اتَّفَقُوا عَلَى وُجُوبِهِ، وَالرِّضَا اخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِهِ، وَالشُّكْرُ أَعْلَى مِنْ
стр. 742
مَقَامِ الرِّضَا، فَإِنَّهُ يَشْهَدُ الْمُصِيبَةَ نِعْمَةً، وَالْمِحْنَةَ مِنْحَةً فَيَشْكُرُ الْمُبْلِيَ عَلَيْهَا.
قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ﵁: أَمَّا الرِّضَا فَمَنْزِلَةٌ عَزِيزَةٌ أَوْ مَنِيعَةٌ، وَلَكِنْ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ فِي الصَّبْرِ مِعْوَلًا حَسَنًا.
وَقَالَ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زَيْدٍ: الرِّضَا بَابُ اللَّهِ الْأَعْظَمُ، وَجَنَّةُ الدُّنْيَا، وَسِرَاجُ الْعَابِدِينَ.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ﵁ قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «الصَّبْرُ رِضًا» فَهَذَا الْحَدِيثُ فِيهِ بِشَارَةٌ عَظِيمَةٌ لِأَهْلِ الْمَصَائِبِ؛ إذْ سَمَّى الصَّبْرَ رِضًا، وَلَعَلَّهُ مُرَادُ النَّاظِمِ.
فَإِنْ قِيلَ: غَالِبُ النَّاسِ يَصْبِرُونَ وَلَا يَرْضُونَ، فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ الرِّضَا بِالْمَكْرُوهِ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّ نُفُورَ الطَّبْعِ عَنْ الْمَكْرُوهِ لَا يُنَافِي رِضَا الْقَلْبِ بِالْمَقْدُورِ، فَإِنَّا نَرْضَى عَنْ اللَّهِ وَنَرْضَى بِقَضَائِهِ وَإِنْ كَرِهْنَا الْمَقْضِيَّ.
وَفِي صَيْدِ الْخَاطِرِ لِلْإِمَامِ الْحَافِظِ ابْنِ الْجَوْزِيِّ طَيَّبَ اللَّهُ ثَرَاهُ: الرِّضَا مِنْ جُمْلَةِ ثَمَرَاتِ الْمَعْرِفَةِ، فَإِذَا عَرَفْته رَضِيت بِقَضَائِهِ، وَقَدْ يَجْرِي فِي ضِمْنِ الْقَضَاءِ مَرَارَاتٌ يَجِدُ بَعْضَ طَعْمِهَا الرَّاضِي، وَأَمَّا الْعَارِفُ فَتَقِلُّ عِنْدَهُ الْمَرَارَةُ لِقُوَّةِ حَلَاوَةِ الْمَعْرِفَةِ، فَإِذَا تَرَقَّى بِالْمَعْرِفَةِ إلَى الْمَحَبَّةِ صَارَتْ مَرَارَةُ الْأَقْدَارِ حَلَاوَةً كَمَا قَالَ الْقَائِلُ:
عَذَابُهُ فِيك عَذْبٌ ... وَبَعْدُهُ فِيك قُرْبٌ
وَأَنْتَ عِنْدِي كَرُوحِي ... بَلْ أَنْتَ مِنْهَا أَحَبُّ
حَسْبِي مِنْ الْحُبِّ أَنِّي ... لِمَا تُحِبُّ أُحِبُّ
وَقَالَ بَعْضُ الْمُحِبِّينَ فِي هَذَا الْمَعْنَى:
وَيَقْبُحُ مِنْ سِوَاك الْفِعْلُ عِنْدِي ... فَتَفْعَلُهُ فَيَحْسُنُ مِنْك ذَاكَا
فَإِنْ قِيلَ: بِمَاذَا أُرْضَى قَدْرَ رَبِّي، أَرْضَى فِي أَقْدَارِهِ بِالْمَرَضِ وَالْفَقْرِ، أَفَأَرْضَى بِالْكَسَلِ عَنْ خِدْمَتِهِ وَالْبُعْدِ عَنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَبَيِّنِ لِي مَا الَّذِي يَدْخُلُ تَحْتَ الرِّضَا مِمَّا لَا يَدْخُلُ؟ فَقُلْت لَهُ: نَعَمْ مَا سَأَلْت فَاسْمَعْ الْفَرْقَ سَمَاعَ مَنْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ.
ارْضَ بِمَا مِنْهُ.
فَأَمَّا الْكَسَلُ وَالتَّخَلُّفُ فَذَاكَ مَنْسُوبٌ إلَيْك فَلَا تَرْضَ بِهِ مِنْ فِعْلِك، وَكُنْ مُسْتَوْفِيًا حَقَّهُ عَلَيْك مُنَاقِشًا نَفْسَك فِيمَا يُقَرِّبُك مِنْهُ غَيْرَ
стр. 743
رَاضٍ عَنْهَا بِالتَّوَانِي فِي الْمُجَاهَدَةِ.
فَأَمَّا مَا يُقَدِّرُهُ مِنْ الْأَفْضَلِيَّةِ الْمُجَرَّدَةِ الَّتِي لَا كَسْبَ لَك فِيهَا فَكُنْ رَاضِيًا بِهَا. انْتَهَى.
مُلَخَّصًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا الشُّكْرُ فَقَدْ عَلِمْت أَنَّهُ أَعْلَى مَنْزِلَةً مِنْ الصَّبْرِ وَالرِّضَا، وَهُوَ أَنْ نَرَى الْمِحْنَةَ مِنْحَةً.
وَإِنَّمَا يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ بِمُشَاهَدَتِك إلَى الْفَاعِلِ، وَأَنَّك تُقَدِّمُ رِضَاهُ وَمَا يَرْضَاهُ عَلَى رِضَاك.
وَأَيْضًا فَإِنَّ اللَّهَ جَلَّ شَأْنُهُ إذَا ابْتَلَى عَبْدَهُ لَمْ يُرِدْ هَلَاكَهُ، وَإِنَّمَا يُرِيدُ إمَّا تَمْحِيصَ ذُنُوبِهِ، وَإِمَّا لِيَنَالَ مَنْزِلَةً لَمْ يَبْلُغْهَا بِعَمَلِهِ، فَمَنْعُهُ عَطَاءٌ، وَابْتِلَاؤُهُ رِضًا.
وَالْمِحْنَةُ مِنْهُ مِنْحَةٌ.
فَسُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
قَالَ تَعَالَى ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٧] وَفِي كِتَابِ الشُّكْرِ لِلْإِمَامِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي الدُّنْيَا عَنْ مَنْصُورِ بْنِ تَمِيمِ بْنِ سَلَمَةَ قَالَ: حُدِّثْت أَنَّ الرَّجُلَ إذَا ذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ عَلَى طَعَامِهِ وَحَمِدَهُ عَلَى آخِرِهِ لَمْ يُسْأَلْ عَنْ نَعِيمِ ذَلِكَ الطَّعَامِ.
وَفِيهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «خَصْلَتَانِ مَنْ كَانَتَا فِيهِ كَتَبَهُ اللَّهُ صَابِرًا شَاكِرًا، وَمَنْ لَمْ يَكُونَا فِيهِ لَمْ يَكْتُبْهُ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا شَاكِرًا: مَنْ نَظَرَ فِي دِينِهِ إلَى مَنْ هُوَ فَوْقَهُ فَاقْتَدَى بِهِ، وَمَنْ نَظَرَ فِي دُنْيَاهُ إلَى مَنْ هُوَ دُونَهُ فَحَمِدَ اللَّهَ عَلَى مَا فَضَّلَهُ عَلَيْهِ كَتَبَهُ اللَّهُ صَابِرًا شَاكِرًا وَمَنْ نَظَرَ فِي دِينِهِ إلَى مَنْ هُوَ دُونَهُ وَنَظَرَ فِي دُنْيَاهُ إلَى مَنْ هُوَ فَوْقَهُ فَأَسِفَ عَلَى مَا فَاتَهُ مِنْهُ لَمْ يَكْتُبْهُ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا شَاكِرًا» .
وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ سُنْجِرَةَ بِمُهْمَلَةٍ ثُمَّ بِمُعْجَمَةٍ فَمُوَحَّدَةٍ وَزْنِ مُسْلِمَةٍ مَرْفُوعًا «مَنْ أُعْطِيَ فَشَكَرَ، وَابْتُلِيَ فَصَبَرَ، وَظَلَمَ فَاسْتَغْفَرَ، وَظُلِمَ فَغَفَرَ، أُولَئِكَ لَهُمْ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ» .
وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَا يَشْكُرُ اللَّهَ مَنْ لَا يَشْكُرُ النَّاسَ» إسْنَادُهُ صَحِيحٌ.
قَالَ فِي النِّهَايَةِ مَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - لَا يَقْبَلُ شُكْرَ الْعَبْدِ عَلَى إحْسَانِهِ إلَيْهِ إذَا كَانَ الْعَبْدُ لَا يَشْكُرُ إحْسَانَ النَّاسِ، وَيَكْفُرُ أَمْرَهُمْ لِاتِّصَالِ أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ بِالْآخَرِ.
وَقِيلَ مَعْنَاهُ مَنْ كَانَ عَادَتُهُ وَطَبْعُهُ كُفْرَانَ نِعْمَةِ النَّاسِ وَتَرْكَ شُكْرِهِ لَهُمْ كَانَ مِنْ عَادَتِهِ كُفْرُ نِعْمَةِ اللَّهِ وَتَرْكُ الشُّكْرِ لَهُ.
وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَنَّ مَنْ لَا يَشْكُرُ النَّاسَ كَانَ كَمَنْ لَا يَشْكُرُ اللَّهَ ، وَإِنْ
стр. 744
شَكَرَهُ، كَمَا تَقُولُ: لَا يُحِبُّنِي مَنْ لَا يُحِبُّك، أَيْ أَنَّ مَحَبَّتَك مَقْرُونَةٌ بِمَحَبَّتِي، فَمَنْ أَحَبَّنِي يُحِبُّك.
وَمَنْ لَا يُحِبُّك فَكَأَنَّهُ لَمْ يُحِبَّنِي.
وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى رَفْعِ اسْمِ اللَّهِ وَنَصْبِهِ. انْتَهَى.
وَعِنْدَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ فِي لَفْظٍ آخَرَ إنَّ أَشْكَرَ النَّاسِ لِلَّهِ - تَعَالَى - أَشْكَرُهُمْ لِلنَّاسِ.
وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَضَعَّفَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ وَقَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى: هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ عَنْ النُّعْمَانِ ﵁ مَرْفُوعًا «مَنْ لَمْ يَشْكُرْ الْقَلِيلَ لَمْ يَشْكُرْ الْكَثِيرَ، وَمَنْ لَمْ يَشْكُرْ النَّاسَ لَمْ يَشْكُرْ اللَّهَ » .
وَالتَّحَدُّثُ بِنِعْمَةِ اللَّهِ شُكْرٌ وَتَرْكُهَا كُفْرٌ.
وَالْجَمَاعَةُ رَحْمَةٌ، وَالْفُرْقَةُ عَذَابٌ ".
وَقَدْ قِيلَ لِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ﵀: الْمَجُوسِيُّ يُولِينِي خَيْرًا فَأَشْكُرُهُ؟ قَالَ نَعَمْ.
وَأَنْشَدَ بَعْضُهُمْ:
إنَّنِي أُثْنِي بِمَا أَوْلَيْتنِي ... لَمْ يَضِعْ حَسَنُ بَلَاءِ مَنْ شَكَرْ
إنَّنِي وَاَللَّهِ لَا أَكْفُرُكُمْ ... أَبَدًا مَا صَاحَ عُصْفُورُ الشَّجَرْ
وَقَالَ آخَرُ:
فَلَوْ كَانَ يَسْتَغْنِي عَنْ الشُّكْرِ مَا جَدَّ ... لِعِزَّةِ مُلْكٍ أَوْ عُلُوِّ مَكَانِ
لَمَا نَدَبَ اللَّهُ الْعِبَادَ لِشُكْرِهِ ... فَقَالَ اُشْكُرُونِي أَيُّهَا الثَّقَلَانِ
وَلَمَّا كَانَ الشُّكْرُ يَسْتَدْعِي الْمَزِيدَ مِنْ النِّعَمِ وَالْبِرِّ وَعَدَ النَّاظِمُ الشَّاكِرَ وَالرَّاضِيَ بِالْمَثُوبَةِ وَازْدِيَادِ الرِّزْقِ وَرَغْمَ الْأَعْدَاءِ وَالْحُسَّادِ، فَيُحْتَمَلُ أَنَّ ذَلِكَ يَحْصُلُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الرَّاضِي وَالشَّاكِرِ، وَهُوَ الْأَقْرَبُ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ عَلَى طَرِيقِ اللَّفِّ وَالنَّشْرِ الْمُشَوَّشِ أَيْ أَنَّ الرَّاضِيَ بِقِسْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى يُثَابُ ثَوَابَ الرَّاضِينَ.
وَالشَّاكِرُ يَزْدَادُ رِزْقًا وَإِرْغَامًا لِلْحَاسِدِينَ.
وَهَذَا أَنْسَبُ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى.
وَهُوَ مُنْتَزَعٌ مِنْ قَوْله تَعَالَى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧] .
وَمِنْ كَلَامِ بَعْضِهِمْ: الشُّكْرُ قَيْدٌ لِلنِّعَمِ الْمَوْجُودَةِ، وَصَيْدٌ لِلنِّعَمِ الْمَفْقُودَةِ.
وَمِنْ كَلَامِ آخَرَ: إنَّ حَقًّا عَلَى مَنْ لَعِبِ بِنِعَمِ اللَّهِ - تَعَالَى - أَنْ يَسْلُبَهُ إيَّاهَا.
وَقَالَ آخَرُ: كُفْرَانُ النِّعَمِ بَوَارٌ.
وَقَالَ آخَرُ: اسْتَدْعِ شَارِدَهَا بِالشُّكْرِ، وَاسْتَدِمْ رَاهِنَهَا بِلُزُومِ حُسْنِ الْجَوَارِ.
стр. 745
وَمِنْ كَلَامِهِمْ: لَا زَوَالَ لِلنِّعْمَةِ إذَا شُكِرَتْ، وَلَا بَقَاءَ لَهَا إذَا كُفِرَتْ.
حَصِّنْ نِعْمَتَك مِنْ الزَّوَالِ، بِحُسْنِ الشُّكْرِ وَالنَّوَالِ.
وَقَالَ الْإِمَامُ الْحَافِظُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي تَبْصِرَتِهِ: عِبَادَ اللَّهِ قَدْ تَوَفَّرَتْ النِّعَمُ عَلَيْكُمْ فَاشْكُرُوا، وَقَدْ أُعْطِيتُمْ مَا لَمْ تَسْأَلُوا فَاذْكُرُوا.
وَاعْرِفُوا الْمُنْعِمَ وَاعْلَمُوا أَنَّ النِّعَمَ مِنْهُ، وَتَعَبَّدُوا بِشُكْرِهِ، وَقُصُّوا أَجْنِحَةَ النِّعَمِ بِمِقْرَاضِ الشُّكْرِ.
فَقَلَّ أَنْ تَنْفِرَ فَتَعُودَ.
وَاحْذَرُوا لِبَاسَ الْبَطَرِ فِي النِّعَمِ، وَاطْلُبُوا بِالشُّكْرِ الْمَزِيدَ.
وَهَذَا بَابٌ وَاسِعٌ، وَفِيمَا ذَكَرْنَا كِفَايَةٌ.
مَطْلَبٌ: مَثَالِبُ الْحَسَدِ
وَأَمَّا مَثَالِبُ الْحَسَدِ فَهِيَ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُذْكَرَ.
وَأَشْهُرُ مِنْ أَنْ تُسْطَرَ.
وَلَكِنْ مَا لَا يُسْتَطَاعُ ذِكْرُ كُلِّهِ لَا يُتْرَكُ بَعْضُهُ.
فَاعْلَمْ - رَحِمَك اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ أَوَّلَ مَعْصِيَةٍ وَقَعَتْ مِنْ الْخَلْقِ الْحَسَدُ لَمَّا حَسَدَ إبْلِيسُ آدَمَ، ثُمَّ حَسَدَ قَابِيلُ هَابِيلَ.
وَالْحَسَدُ لَا يَكُونُ إلَّا عَلَى نِعْمَةٍ.
وَمَتَى أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَى عَبْدٍ نِعْمَةً فَأَحَبَّ أَحَدٌ أَنْ يَكُونَ لَهُ مِثْلُهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ تَزُولَ عَنْ الْمَحْسُودِ، فَذَلِكَ الْحَسَدُ يُسَمَّى غِبْطَةً وَلَا لَوْمَ فِيهِ وَلَا ذَمَّ.
وَإِنْ أَحَبَّ زَوَالَهَا عَنْ الْمَحْسُودِ فَهَذَا الْحَسَدُ الْمَذْمُومُ، وَصَاحِبُهُ الْمَلُومُ الظَّلُومُ.
ثُمَّ إنَّ هَذَا الْحَاسِدَ تَارَةً يُحِبُّ زَوَالَهَا عَنْ الْمَحْسُودِ وَمَجِيئَهَا إلَيْهِ، وَهَذَا قَبِيحٌ.
لِأَنَّهُ إيثَارٌ فِي ضِمْنِهِ اعْتِرَاضٌ.
وَأَقْبَحُ مِنْهُ طَلَبُ زَوَالِهَا عَنْ الْمَحْسُودِ، وَحُصُولِهَا إلَى غَيْرِهِ.
وَأَقْبَحُ مِنْهُمَا طَلَبُ زَوَالِهَا مُطْلَقًا، فَهَذَا عَدُوُّ نِعَمِ اللَّهِ - تَعَالَى.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «لَا تَبَاغَضُوا وَلَا تَقَاطَعُوا وَلَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَدَابَرُوا وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إخْوَانًا» .
وَفِي صَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ «لَا يَجْتَمِعُ فِي جَوْفِ عَبْدٍ الْإِيمَانُ وَالْحَسَدُ» وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ مَرْفُوعًا.
وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُد وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَيْضًا ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «إيَّاكُمْ وَالْحَسَدَ فَإِنَّ الْحَسَدَ يَأْكُلُ الْحَسَنَاتِ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الْحَطَبَ أَوْ قَالَ الْعُشْبَ» .
стр. 746
وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا وَغَيْرُهُمَا مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ ﵁ وَلَفْظُهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «الْحَسَدُ يَأْكُلُ الْحَسَنَاتِ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الْحَطَبَ، وَالصَّدَقَةُ تَطْفِيءُ الْخَطِيئَةَ كَمَا يُطْفِئُ الْمَاءُ النَّارَ، وَالصَّلَاةُ نُورُ الْمُؤْمِنِ، وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ مِنْ النَّارِ» .
وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ عَنْ ضَمْرَةَ بْنِ ثَعْلَبَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا لَمْ يَتَحَاسَدُوا» .
وَفِي حَدِيثٍ ضَعِيفٍ «لَيْسَ مِنِّي ذُو حَسَدٍ» .
وَرَوَى الْبَزَّارُ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمَا عَنْ الزُّبَيْرِ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «دَبَّ إلَيْكُمْ دَاءُ الْأُمَمِ قَبْلَكُمْ الْحَسَدُ وَالْبَغْضَاءُ، وَالْبَغْضَاءُ هِيَ الْحَالِقَةُ، وَأَمَّا إنِّي لَا أَقُولُ تَحْلِقُ الشَّعْرَ، وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ» .
مَطْلَبٌ: مُعَالَجَةُ دَاءِ الْحَسَدِ
فَإِنْ قِيلَ: قَدْ ذَكَرْت مِنْ صَرِيحِ الْآثَارِ، وَصَحِيحِ الْأَخْبَارِ، مَا يُنَفِّرُ عَنْ الْحَسَدِ وَيُبْعِدُ عَنْهُ كُلَّ أَحَدٍ، لَكِنَّ الْحَسَدَ مَرَضٌ بَاطِنِيٌّ، فَكَيْفَ السَّبِيلُ إلَى زَوَالِهِ؟ فَالْجَوَابُ: أَنَّ الْآدَمِيَّ قَدْ جُبِلَ عَلَى حُبِّ الرِّفْعَةِ، فَلَا يُحِبُّ أَنْ يَعْلُوَ عَلَيْهِ أَحَدٌ فِي نِعْمَةٍ مِنْ نِعَمِ الدُّنْيَا، فَإِذَا عَلَا أَحَدٌ عَلَيْهِ شَقَّ عَلَيْهِ وَأَحَبَّ زَوَالَ مَا عَلَا بِهِ.
وَمُعَالَجَةُ ذَلِكَ تَارَةً بِالزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا، وَأَنَّهَا لَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ، فَلَا وَجْهَ لِلْمُنَافَسَةِ فِيهَا عِنْدَ الْعُقَلَاءِ، وَتَارَةً بِالرِّضَا بِالْقَضَاءِ، فَإِنَّك إنْ لَمْ تَرْضَ لَمْ تَحْصُلْ إلَّا عَلَى النَّدَمِ وَفَوَاتِ الثَّوَابِ، وَغَضَبِ رَبِّ الْأَرْبَابِ، فَهُمَا مُصِيبَتَانِ أَوْ أَكْثَرُ، وَلَيْسَ لِلْعَاقِلِ حِيلَةٌ فِي دَفْعِ الْقَضَاءِ فَعَلَيْهِ بِالرِّضَا.
وَلِذَا قُلْت:
مَا لِي عَلَى مُرِّ الْقَضَا ... مِنْ حِيلَةٍ غَيْرِ الرِّضَا
أَنَا فِي الْهَوَى عَبْدٌ وَمَا ... لِلْعَبْدِ أَنْ يَتَعَرَّضَا
стр. 747
وَتَارَةً فِي النَّظَرِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِتِلْكَ النِّعَمِ مِنْ الْآفَاتِ، فَإِذَا لَمْ يَعْمَلْ بِمُقْتَضَى مَا فِي النَّفْسِ، وَلَمْ يَنْطِقْ لَمْ يَضُرَّهُ مَا وُضِعَ فِي الطَّبْعِ.
وَقَدْ رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «ثَلَاثَةٌ لَا يَنْجُو مِنْهُنَّ أَحَدٌ: الظَّنُّ، وَالطِّيَرَةُ، وَالْحَسَدُ وَسَأُحَدِّثُك بِالْمَخْرَجِ مِنْ ذَلِكَ: إذَا ظَنَنْت فَلَا تُحَقِّقْ، وَإِذَا حَسَدْت فَلَا تَبْغِ، وَإِذَا تَطَيَّرْت فَلَا تَرْجِعْ» أَيْ امْضِ لِمَا قَصَدْت لَهُ وَلَا تَصُدُّنَّك عَنْهُ الطِّيَرَةُ.
فَالْحَسَدُ أَوَّلًا يَضُرُّ الْحَاسِدَ فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا، وَلَا يَسْتَضِرُّ بِذَلِكَ الْمَحْسُودُ، فَلَا تُؤْذِ نَفْسَك.
أَمَّا ضَرَرُهُ فِي الدِّينِ فَإِنَّ الْحَاسِدَ قَدْ سَخِطَ قَضَاءَ اللَّهِ - تَعَالَى - فَكَرِهَ نِعْمَتَهُ عَلَى عِبَادِهِ، وَهَذَا قَذًى فِي بَصَرِ الْإِيمَانِ، وَيَكْفِيهِ أَنَّهُ شَارَكَ إبْلِيسَ فِي الْحَسَدِ وَفَارَقَ الْأَنْبِيَاءَ فِي حُبِّهِمْ الْخَيْرَ لِكُلِّ أَحَدٍ.
ثُمَّ إنَّ الْحَسَدَ يَحْمِلُ عَلَى إطْلَاقِ اللِّسَانِ فِي الْمَحْسُودِ بِالشَّتْمِ وَالتَّحَيُّلِ عَلَى أَذَاهُ.
وَأَمَّا ضَرَرُهُ فِي الدُّنْيَا فَإِنَّ الْحَاسِدَ يَتَأَلَّمُ وَلَا يَزَالُ فِي كَمَدٍ.
وَأَنْشَدُوا:
دَعْ الْحَسُودَ وَمَا يَلْقَاهُ مِنْ كَمَدِهِ ... كَفَاك مِنْهُ لَهَيْبُ النَّارِ فِي جَسَدِهْ
إنْ لُمْت ذَا حَسَدٍ نَفَّسْت كُرْبَتَهُ ... وَإِنْ سَكَتَّ فَقَدْ عَذَّبْته بِيَدِهْ
قَالَ الْأَصْمَعِيُّ سَمِعْت أَعْرَابِيًّا يَقُولُ: مَا رَأَيْت ظَالِمًا أَشْبَهَ بِمَظْلُومٍ مِنْ الْحَاسِدِ حُزْنٌ لَازِمٌ، وَنَفْسٌ دَائِمٌ، وَعَقْلٌ هَائِمٌ، وَحَسْرَةٌ لَا تَنْقَضِي.
فَإِنْ قِيلَ: هَلْ لِلْحَاسِدِ دَوَاءٌ؟ فَالْجَوَابُ: قَلَّ أَنْ يَنْجَعَ فِيهِ دَوَاءٌ لِأَنَّهُ جَهُولٌ ظَلُومٌ وَلَيْسَ يُشْفِي عِلَّةَ صَدْرِهِ وَيُزِيلُ حَزَّازَةَ الْحَسَدِ مِنْ قَلْبِهِ إلَّا زَوَالُ النِّعْمَةِ، فَحِينَئِذٍ يَتَعَذَّرُ الدَّوَاءُ أَوْ يَعِزُّ.
وَمِنْ هَذَا قَوْلُ بَعْضِهِمْ وَأَحْسَنُ:
وَكُلٌّ أُدَاوِيه عَلَى قَدْرِ دَائِهِ ... سِوَى حَاسِدِي فَهِيَ الَّتِي لَا أَنَالُهَا
وَكَيْفَ يُدَاوِي الْمَرْءُ حَاسِدَ نِعْمَةٍ ... إذَا كَانَ لَا يُرْضِيه إلَّا زَوَالُهَا
نَعَمْ إنْ كَانَ الْحَاسِدُ ذَا فَهْمٍ فَدَوَاؤُهُ أَنْ يَقْمَعَ أَسْبَابَ الْحَسَدِ مِنْ الْبَاطِنِ، فَإِنَّ سَبَبَهَا فِي الْغَالِبِ الْكِبْرُ وَعِزَّةُ النَّفْسِ، ثُمَّ يَتَكَلَّفُ مَدْحَ الْمَحْسُودِ وَالتَّوَاضُعَ لَهُ وَالْهَدِيَّةَ إلَيْهِ.
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّك إنَّمَا تَحْسُدُ إخْوَانَك عَلَى الدُّنْيَا وَحُطَامِهَا، وَأَمَّا قُوَّامُ اللَّيْلِ وَصُوَّامُ النَّهَارِ فَلَا أَرَاك تَحْسُدُهُمْ.
فَبِاَللَّهِ عَلَيْك اعْرِفْ قَدْرَ الدُّنْيَا وَاعْلَمْ أَنَّهَا
стр. 748
هُمُومٌ مُتَرَاكِمَةٌ، وَغُمُومٌ مُتَلَاطِمَةٌ، وَحِسَابٌ وَعَذَابٌ، وَهِيَ خِرَقٌ وَتُرَابٌ، وَصُوَرٌ وَخَرَابٌ.
فَرَحِمَ اللَّهُ امْرَأً عَرَفَ نَفْسَهُ، وَعَرَفَ الدُّنْيَا وَعَمِلَ عَلَى مُقْتَضَى كُلٍّ بِحَسَبِهِ.
وَاَللَّهُ الْمَسْئُولُ، أَنْ يَقْذِفَ فِي قُلُوبِنَا مِنْ النُّورِ.
مَا يَزُولُ بِهِ الدَّيْجُورِ، وَنُشَاهِدُ حَقَائِقَ الْأُمُورِ، عَلَى حَسَبِ مَا يُرْضِي الْغَفُورَ، إنَّهُ جَوَادٌ كَرِيمٌ، رَءُوفٌ رَحِيمٌ.
مَطْلَبٌ: مَا يُقَالُ لِمَنْ لَبِسَ ثَوْبًا جَدِيدًا
وَقُلْ لِأَخٍ أَبْلِ وَأَخْلِقْ وَيُخْلِفُ ... الْإِلَهُ كَذَا قُلْ عِشْ حَمِيدًا تُسَدِّدْ
(وَقُلْ) أَيْ يُنْدَبُ لَك أَنْ تَقُولَ (لِ) كُلِّ (أَخٍ) لَك فِي الْإِسْلَامِ إذَا لَبِسَ ثَوْبًا جَدِيدًا (أَبْلِ) مِنْ أَبْلَى الثَّوْبَ وَبَلَاهُ أَيْ أَفْنَى الثَّوْبَ (وَأَخْلِقْ) أَيْ صَيِّرْهُ خَلَقًا، يَعْنِي: اللَّهُ يُبْلِيه وَيُصَيِّرُهُ خَلَقًا، وَهَذَا دُعَاءٌ لِصَاحِبِ الثَّوْبِ بِطُولِ الْحَيَاةِ، كَأَنَّهُ دَعَا لَهُ أَنْ يُطَوِّلَ اللَّهُ عُمْرَهُ حَتَّى يُبْلِيَهُ وَيُخْلِقَهُ، وَلَا يَخْلُفُهُ وَرَاءَهُ تَرِكَةً (وَيُخْلِفُ) عَلَيْهِ (الْإِلَهُ) الْمَعْبُودُ بِحَقِّ الَّذِي يُعْطِي الْكَثِيرَ، وَيَرْضَى بِالْبِرِّ الْيَسِيرِ، جَلَّ شَأْنُهُ، تَعَالَى سُلْطَانُهُ، وَذَلِكَ لِمَا رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أُمِّ خَالِدٍ بِنْتِ خَالِدٍ ﵂ قَالَتْ «أَتَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِثِيَابٍ فِيهَا خَمِيصَةُ كِسَاءٍ سَوْدَاءَ، قَالَ مَنْ تَرَوْنَ نَكْسُوهَا هَذِهِ الْخَمِيصَةَ؟ فَأُسْكِتَ الْقَوْمُ، فَقَالَ ائْتُونِي بِأُمِّ خَالِدٍ، فَأَتَى بِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَلْبَسَنِيهَا بِيَدِهِ وَقَالَ: أَبْلِي وَأَخْلِقِي يَا أُمَّ خَالِدٍ، هَذَا سَنَا قَالَ ذَلِكَ مَرَّتَيْنِ» .
قَالَ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى: السَّنَا بِلِسَانِ الْحَبَشَةِ الْحُسْنُ.
قَالَ فِي النِّهَايَةِ: يُرْوَى أَخَلْقِي بِالْقَافِ مِنْ إخْلَاقِ الثَّوْبِ تَقْطِيعُهُ، وَقَدْ خَلِقَ الثَّوْبُ وَأَخْلَقَ.
وَيُرْوَى بِالْفَاءِ بِمَعْنَى التَّعْوِيضِ وَالْبَدَلِ، قَالَ: وَهُوَ أَشْبَهُ. انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الْمَطَالِعِ: أَبْلِي وَأَخْلِفِي، كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَأَبِي زَيْدٍ الْمَرُّوذِيِّ بِالْفَاءِ، وَلِغَيْرِهِمَا بِالْقَافِ مِنْ إخْلَاقِ الثَّوْبِ.
قَالَ: وَمَعْنَاهُ أَنْ يَكْتَسِبَ خَلَفَهُ بَعْدَ بَلَاهُ، يُقَالُ خَلَفَ اللَّهُ لَك مَالًا، وَأَخْلَفَهُ وَهُوَ الْأَشْهَرُ يَعْنِي بِالْفَاءِ رُبَاعِيٌّ انْتَهَى.
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ: قَوْلُهُ: أَخَلْقِي بِقَطْعِ الْهَمْزَةِ
стр. 749
وَالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَالْقَافِ أَمْرٌ بِالْإِخْلَاقِ، وَالْعَرَبُ تُطْلِقُ ذَلِكَ، وَتُرِيدُ الدُّعَاءَ بِطُولِ الْبَقَاءِ لِلْمُخَاطَبِ بِذَلِكَ أَيْ أَنَّهَا تَطُولُ حَيَاتُهَا حَتَّى يَبْلَى الثَّوْبُ وَيَخْلُقَ.
قَالَ الْخَلِيلُ: أَبْلِ وَأَخْلِقْ مَعْنَاهُ عِشْ وَخَرِّقْ ثِيَابَك وَارْقَعْهَا، وَأَخْلَقْت الثَّوْبَ أَخْرَجْت بَالِيَهُ وَلَفَّقْته قَالَ: وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي زَيْدٍ الْمَرُّوذِيِّ عَنْ الْقُرَيْرِيِّ وَأَخْلِفِي بِالْفَاءِ، وَهِيَ أَوْجَهُ مِنْ الَّتِي بِالْقَافِ؛ لِأَنَّ الْأُولَى تَسْتَلْزِمُ التَّأْكِيدَ؛ إذْ الْإِبْلَاءُ وَالْإِخْلَاقُ بِمَعْنًى لَكِنْ جَازَ الْعَطْفُ لِتَغَايُرِ اللَّفْظَيْنِ، وَالثَّانِيَةُ تُفِيدُ مَعْنًى زَائِدًا، وَهُوَ أَنَّهُ إذَا أَبْلَتْهُ أَخْلَفَتْ غَيْرَهُ.
وَعَلَى مَا قَالَهُ الْخَلِيلُ لَا تَكُونُ الَّتِي بِالْقَافِ لِلتَّأْكِيدِ. انْتَهَى.
وَالنَّظْمُ مَبْنِيٌّ عَلَى رِوَايَةِ الْقَافِ بِدَلِيلِ إتْيَانِهِ بِقَوْلِهِ: وَيَخْلُفُ الْإِلَهُ إلَخْ.
(كَذَا) أَيْ كَمَا تَقُولُ: أَبْلِ وَأَخْلِقْ وَيَخْلُفُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ (قُلْ) أَنْتَ لِأَخِيك مَا قَالَهُ النَّبِيُّ ﷺ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ آنِفًا الْبِسْ جَدِيدًا وَ (عِشْ حَمِيدًا) وَمُتْ شَهِيدًا.
فَإِنْ أَنْتَ قُلْت هَذَا (تُسَدَّدْ) أَيْ تُصِبْ فِي الْخِطَابِ، وَتُوَفَّقْ لِمُتَابَعَةِ سُنَّةِ النَّبِيِّ الْأَوَّابِ، فَإِنَّهَا الدِّينُ الْقَوِيمُ، وَالصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ، فَمَنْ تَمَسَّك بِهَا نَجَا، وَمَنْ حَادَ عَنْهَا وَقَعَ فِي ظُلُمَاتِ الدُّجَى.
فَنَسْأَلُ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَنْ يَمْنَحَنَا نَيْلَهَا، وَيَهْدِيَنَا سَبِيلَهَا، إنَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرٌ، وَبِالْإِجَابَةِ جَدِيرٌ.
مَطْلَبٌ: لَا بَأْسَ بِلُبْسِ الْخَاتَمِ مِنْ فِضَّةٍ وَفِيهِ عَشْرُ لُغَاتٍ
وَلَا بَأْسَ بِالْخَاتَمِ مِنْ فِضَّةٍ ... وَمِنْ عَقِيقٍ وَبِلَّوْرٍ وَشِبْهِ الْمُعَدَّدِ
(وَلَا بَأْسَ) أَيْ لَا حَرَجَ وَلَا كَرَاهَةَ (بِ) لُبْسِ (الْخَاتَامِ) بِوَزْنِ سَابَاطِ لُغَةٌ فِي الْخَاتَمِ بِفَتْحِ تَاءِ خَاتَمِ وَكَسْرِهَا، وَالرَّابِعَةُ: خَيْتَامَ بِوَزْنِ بَيْطَارَ، ذَكَرَهُ فِي الْمُطْلِعِ تَبَعًا لِلْجَوْهَرِيِّ.
وَزَادَ صَاحِبُ الْقَامُوسِ الْخَامِسَةَ الْخَتَمُ مُحَرَّكَةٌ.
وَالسَّادِسَةُ الْخَاتِيَامُ، وَالسَّابِعَةُ وَالثَّامِنَةُ خِتَامٌ بِكَسْرِ الْخَاءِ وَفَتْحِهَا، وَالتَّاسِعَةُ خَيْتُومٌ بِفَتْحِ الْخَاءِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ وَضَمِّ الْمُثَنَّاةِ بَعْدَهُمَا وَاوٌ، وَالْعَاشِرَةُ بِسُكُونِ تَاءِ خَتْمِ كَمَا فِي فَتْحِ الْبَارِي.
وَنُظِمَتْ فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ:
خُذْ نَظْمَ عَدِّ لُغَاتِ الْخَاتَمِ انْتَظَمَتْ ... ثَمَانِيًا مَا حَوَاهَا قَطُّ نِظَامٌ
خَاتَامٌ خَاتِمٌ خَتْمٌ خَاتَمٌ وَخَتَا ... مُ خَاتِيَامُ وَخَيْتُومٌ وَخَيْتَامٌ
وَهَمْزُ مَفْتُوحٍ تَاءُ تَاسِعٍ وَإِذَا ... سَاغَ الْقِيَاسُ أَتَمَّ الْعَشْرَ خَاتَامٌ
стр. 750
وَجَمْعُهُ خَوَاتِمُ وَخَوَاتِيمُ وَخَيَاتِيمُ بِإِبْدَالِ الْوَاوِ يَاءً وَبِلَا يَاءٍ أَيْضًا.
وَظَاهِرُ نِظَامِهِ إبَاحَةُ الْخَاتَمِ وَهُوَ الْمَذْهَبُ، جَزَمَ بِهِ فِي الْإِقْنَاعِ وَالْمُنْتَهَى وَالْغَايَةِ وَغَيْرِهَا.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵁ فِي خَاتَمِ الْفِضَّةِ لِلرَّجُلِ لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ اتِّفَاقًا.
وَاحْتَجَّ بِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵄ كَانَ لَهُ خَاتَمٌ. وَهَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ وَأَنَّهُ كَانَ فِي الْيُسْرَى، وَرَوَاهُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَقَالَ إنَّمَا هُوَ شَيْءٌ يَرْوِيهِ أَهْلُ الشَّامِ. وَحَدَّثَ يَعْنِي الْإِمَامَ ﵁. بِحَدِيثِ أَبِي رَيْحَانَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَرِهَ عَشْرَ خِلَالٍ، وَفِيهَا الْخَاتَمُ إلَّا لِذِي سُلْطَانٍ، فَلَمَّا بَلَغَ هَذَا الْمَوْضِعَ تَبَسَّمَ كَالْمُتَعَجِّبِ. وَهَذَا الْخَبَرُ رَوَاهُ الْإِمَامُ فِي الْمُسْنَدِ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ غَيْلَانَ حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ فَضَالَةَ حَدَّثَنَا عَيَّاشُ بْنُ عَبَّاسٍ عَنْ أَبِي الْحُصَيْنِ الْهَيْثَمِ بْنِ شُفَيٍّ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ خَرَجْت أَنَا وَصَاحِبٌ لِي يُسَمَّى أَبَا عَامِرٍ رَجُلٌ مِنْ الْمُعَافِرِ لِنُصَلِّيَ بِإِيلْيَاءَ، وَكَانَ قَاضِيهِمْ رَجُلًا مِنْ الْأَزْدِ يُقَالُ لَهُ أَبُو رَيْحَانَةَ مِنْ الصَّحَابَةِ ﵃. قَالَ أَبُو الْحُصَيْنِ فَسَبَقَنِي صَاحِبِي إلَى الْمَسْجِدِ ثُمَّ أَدْرَكْته فَجَلَسْت إلَى جَنْبِهِ، فَسَأَلَنِي هَلْ أَدْرَكْت قَصَصَ أَبِي رَيْحَانَةَ؟ فَقُلْت: لَا، فَقَالَ: سَمِعْته يَقُولُ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ عَشْرَةٍ: عَنْ الْوَشْرِ، وَالْوَشْمِ، وَالنَّتْفِ، وَعَنْ مُكَامَعَةِ الرَّجُلِ بِغَيْرِ شِعَارٍ، وَمُكَامَعَةِ الْمَرْأَةِ بِغَيْرِ شِعَارِ، وَأَنْ يَجْعَلَ الرَّجُلُ فِي أَسْفَلِ ثَوْبِهِ حَرِيرًا مِثْلَ الْأَعَاجِمِ، وَأَنْ يَجْعَلَ عَلَى مَنْكِبِهِ حَرِيرًا مِثْلَ الْأَعَاجِمِ، وَعَنْ النَّهْيِ، وَعَنْ رُكُوبِ النُّمُورِ، وَلَبُوسِ الْخَاتَمِ إلَّا لِذِي سُلْطَانٍ» . وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ الْمُفَضَّلِ أَبِي عَامِرٍ. رَوَى عَنْهُ الْهَيْثَمُ وَعَبْدُ الْمَلِكِ الْخَوْلَانِيُّ وَذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَمْ أَجِدْ فِيهِ كَلَامًا، وَبَاقِي إسْنَادِهِ جَيِّدٌ. قَالَ: فَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَلَمْ يُضَعِّفْهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي جَامِعِ الْمَسَانِيدِ وَقَالَ: النَّهْيُ عَنْ الْخَاتَمِ لِيَتَمَيَّزَ السُّلْطَانُ بِمَا يَتَخَتَّمُ بِهِ.
وَفِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ سُئِلَ الْإِمَامُ مَالِكٌ عَنْ حَدِيثِ أَبِي رَيْحَانَةَ فَضَعَّفَهُ وَقَالَ سَأَلَ صَدَقَةُ بْنُ يَسَارٍ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ فَقَالَ: الْبِسْ الْخَاتَمَ وَأَخْبِرْ النَّاسَ
стр. 751
أَنِّي قَدْ أَفْتَيْتُك. انْتَهَى.
قَالَ فِي النِّهَايَةِ: الْمُكَامَعَةُ هُوَ أَنْ يُضَاجِعَ الرَّجُلُ صَاحِبَهُ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ لَا حَاجِزَ بَيْنَهُمَا.
وَالْكَمِيعُ الضَّجِيعُ، وَزَوْجُ الْمَرْأَةِ كَمِيعُهَا. انْتَهَى، وَالشِّعَارُ مَا وَلِيَ الْجَسَدَ مِنْ الثِّيَابِ.
وَقِيلَ التَّخَتُّمُ بِالْخَاتَمِ مُسْتَحَبٌّ.
قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ وَجَزَمَ ابْنُ تَمِيمٍ يُكْرَهُ بِقَصْدِ الزِّينَةِ.
وَذَكَرَهُ فِي الرِّعَايَةِ قَوْلًا.
وَإِنَّمَا يُبَاحُ الْخَاتَمُ حَيْثُ كَانَ (مِنْ فِضَّةٍ) لَا مِنْ ذَهَبٍ كَمَا سَيَذْكُرُ النَّاظِمُ مُحْتَرَزَهُ وَالْمَذْهَبُ: إبَاحَةُ الْخَاتَمِ مِنْ فِضَّةٍ وَلَوْ زَادَ عَلَى مِثْقَالٍ.
وَفِي الرِّعَايَةِ: يُسَنُّ دُونَ مِثْقَالٍ.
وَظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ وَالْأَصْحَابِ لَا بَأْسَ بِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ لِضَعْفِ خَبَرِ بُرَيْدَةَ وَهُوَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ عَنْ الْخَاتَمِ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ أَتَّخِذُهُ؟ قَالَ: مِنْ فِضَّةٍ وَلَا تُتِمَّهُ مِثْقَالًا» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدِيثٌ مُنْكَرٌ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَالْمُرَادُ مَا لَمْ يَخْرُجْ عَنْ الْعَادَةِ، وَإِلَّا حَرُمَ، لِأَنَّ الْأَصْلَ التَّحْرِيمُ خَرَجَ الْمُعْتَادُ لِفِعْلِهِ ﷺ وَفِعْلِ أَصْحَابِهِ ﵃ وَلَمْ يَخْرُجْ بِصِيغَةِ لَفْظٍ لِيَعُمَّ.
ثُمَّ لَوْ كَانَ خَرَجَ بِصِيغَةِ لَفْظٍ فَهُوَ بَيَانٌ لِلْوَاقِعِ.
وَإِنْ اتَّخَذَ لِنَفْسِهِ عِدَّةَ خَوَاتِمَ أَوْ مَنَاطِقَ، وَلَمْ يَخْرُجْ عَنْ الْعَادَةِ لَمْ يَحْرُمْ، وَلَمْ تَجِبْ فِيهَا الزَّكَاةُ.
وَإِنْ خَرَجَ عَنْ الْعَادَةِ حَرُمَ وَوَجَبَتْ.
وَعِنْدَ الشَّيْخِ ﵁ لَا يَحْرُمُ التَّحَلِّي بِالْفِضَّةِ عَلَى مَا سَبَقَ.
مَطْلَبٌ: لَا بَأْسَ بِالْخَاتَمِ مِنْ عَقِيقٍ وَفَائِدَةُ التَّخَتُّمِ بِهِ
وَلَا بَأْسَ بِالْخَاتَمِ أَيْضًا (مِنْ عَقِيقٍ) كَأَمِيرٍ.
قَالَ فِي الْقَامُوسِ: خَرَزٌ أَحْمَرُ يَكُونُ بِالْيَمَنِ وَبِسَوَاحِلِ بَحْرِ رُومِيَّةَ جِنْسٌ كَدُرٍّ كَمَا يَجْرِي مِنْ اللَّحْمِ الْمُمَلَّحِ وَفِيهِ خُطُوطٌ بِيضٌ خَفِيَّةٌ مَنْ تَخَتَّمَ بِهِ سَكَنَتْ رَوْعَتُهُ عِنْدَ الْخِصَامِ، وَانْقَطَعَ عَنْهُ الدَّمُ مِنْ أَيِّ مَوْضِعٍ كَانَ. انْتَهَى.
(تَنْبِيهَانِ) :
(الْأَوَّلُ) : ظَاهِرُ عِبَارَةِ النَّظْمِ أَنَّ التَّخَتُّمَ بِالْعَقِيقِ مُبَاحٌ لَا مُسْتَحَبٌّ، وَهَذَا اخْتِيَارُ ابْنِ الْجَوْزِيِّ.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ فِي كِتَابِ الْخَوَاتِمِ: وَظَاهِرُ كَلَامِ الْأَكْثَرِ لَا يُسْتَحَبُّ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵁ فِي رِوَايَةٍ مُهَنَّا وَقَدْ
стр. 752
سَأَلَهُ مَا السُّنَّةُ يَعْنِي فِي التَّخَتُّمِ؟ قَالَ: لَمْ يَكُنْ خَوَاتِيمُ الْقَوْمِ إلَّا فِضَّةً.
قَالَ الْعُقَيْلِيُّ: لَا يَصِحُّ فِي التَّخَتُّمِ بِالْعَقِيقِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ شَيْءٌ.
وَقَدْ ذَكَرَ الْإِمَامُ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ كُلَّ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ فِي كِتَابِهِ، وَأَعَلَّهَا.
وَجَزَمَ بِهَذَا فِي الْإِقْنَاعِ.
وَاسْتَحَبَّ التَّخَتُّمَ بِالْعَقِيقِ صَاحِبُ الْمُسْتَوْعِبِ وَالتَّلْخِيصِ وَابْنُ تَمِيمٍ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ وَالْآدَابِ وَالْفُرُوعِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُنْتَهَى، وَذَكَرَهُمَا فِي الْغَايَةِ الْعَلَّامَةُ الشَّيْخُ مَرْعِيٌّ مِنْ غَيْرِ اخْتِيَارِ شَيْءٍ مِنْهُمَا.
نَعَمْ قَدَّمَ عِبَارَةَ الْمُنْتَهَى عَلَى عِبَارَةِ الْإِقْنَاعِ، وَهَذَا لَا يُشْعِرُ بِاخْتِيَارٍ كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى ذِي بَصِيرَةٍ.
قَالَ الَّذِينَ اسْتَحَبُّوهُ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ «تَخَتَّمُوا بِالْعَقِيقِ فَإِنَّهُ مُبَارَكٌ» قَالَ الْعُقَيْلِيُّ: لَا يَثْبُتُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِي هَذَا شَيْءٌ. وَذَكَرَهُ الْإِمَامُ الْحَافِظُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْمَوْضُوعَاتِ. وَفِي إسْنَادِ هَذَا الْخَبَرِ يَعْقُوبُ بْنُ إبْرَاهِيمَ الزُّهْرِيُّ الَّذِي قَالَ ابْنُ عَدِيٍّ لَيْسَ بِالْمَعْرُوفِ وَبَاقِيهِ جَيِّدٌ، وَمِثْلُ هَذَا لَا يَظْهَرُ كَوْنُهُ مِنْ الْمَوْضُوعِ. قَالَ ذَلِكَ فِي الْفُرُوعِ. قُلْت: التَّخَتُّمُ بِالْعَقِيقِ ذَكَرَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ مِنْ عِدَّةِ طُرُقٍ، وَأَعَلَّهُ فَذَكَرَهُ عَنْ عَائِشَةَ " مَنْ تَخَتَّمَ بِالْعَقِيقِ لَمْ يُقْضَ لَهُ إلَّا بِاَلَّذِي هُوَ أَسْعَدُ وَأَعَلَّهُ بِمُحَمَّدِ بْنِ أَيُّوبَ بْنِ سُوَيْدٍ فَإِنَّهُ يَرْوِي الْمَوْضُوعَاتِ عَنْ أَبِيهِ وَلَيْسَ بِشَيْءٍ، وَأَخْرَجَهُ عَنْ فَاطِمَةَ الزَّهْرَاءِ ﵂ مَرْفُوعًا «مَنْ تَخَتَّمَ بِالْعَقِيقِ لَمْ يَزَلْ يَرَى خَيْرًا» وَأَعَلَّهُ بِأَنَّ فِيهِ أَبَا بَكْرِ بْنَ شُعَيْبٍ يَرْوِي عَنْ مَالِكٍ مَا لَيْسَ مِنْ حَدِيثِهِ، وَأَقَرَّهُ الْجَلَالُ السُّيُوطِيّ عَلَى إعْلَالِهِ فِي الْبَدِيعِيَّاتِ ثُمَّ قَالَ: قُلْت: لِحَدِيثِ فَاطِمَةَ ﵂ طَرِيقٌ أُخْرَى قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ حَدَّثَنَا أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ مَرْوَانَ أَنْبَأَنَا دَاوُد بْنُ رَشِيدٍ حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ نَاصِحٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ فَاطِمَةَ الصُّغْرَى عَنْ فَاطِمَةَ الْكُبْرَى قَالَتْ قَالَ رَسُولُ ﷺ «مَنْ تَخَتَّمَ بِالْعَقِيقِ لَمْ يُقْضَ لَهُ إلَّا بِاَلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ» انْتَهَى. وَقَالَ ابْنُ الدَّيْبَعِ فِي كِتَابِهِ تَمْيِيزِ الطَّيِّبِ مِنْ الْخَبِيثِ فِيمَا يَدُورُ عَلَى أَلْسِنَةِ النَّاسِ مِنْ الْحَدِيثِ حَدِيثُ «تَخَتَّمُوا بِالْعَقِيقِ فَإِنَّهُ يَنْفِي الْفَقْرَ» لَهُ طُرُقٌ كُلُّهَا وَاهِيَةٌ. وَكَذَا مَا رُوِيَ فِي الْيَاقُوتِ.
стр. 753
وَقَالَ فِي تَسْهِيلِ السَّبِيلِ: حَدِيثُ «تَخَتَّمُوا بِالْعَقِيقِ فَإِنَّهُ يَنْفِي الْفَقْرَ» ضَعِيفٌ. قُلْت: وَعِنْدَ ابْنِ عَدِيٍّ «تَخَتَّمُوا بِالْعَقِيقِ فَإِنَّهُ مُبَارَكٌ» وَهُوَ ضَعِيفٌ، بَلْ قَالَ فِي سَفَرِ السَّعَادَةِ: التَّخَتُّمُ بِخَاتَمِ عَقِيقٍ وَالتَّخَتُّمُ فِي الْيَمِينِ لَمْ يَثْبُتُ فِيهِ شَيْءٌ. انْتَهَى.
(الثَّانِي) : يَلْزَمُ مَنْ قَالَ بِاسْتِحْبَابِ التَّخَتُّمِ بِالْعَقِيقِ أَنْ يَقُولَ بِاسْتِحْبَابِهِ بِالْفِضَّةِ مِنْ بَابٍ أَوْلَى.
قُلْت: وَجَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى وَالْحَاوِيَيْنِ فَاسْتَحَبُّوهُ فِي بَابِ اللِّبَاسِ وَجَزَمُوا فِي بَابِ الْحُلِيِّ بِإِبَاحَتِهِ.
قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: فَظَاهِرُهُ التَّنَاقُضُ، أَوْ يَكُونُ مُرَادُهُمْ فِي بَابِ الْحُلِيِّ إخْرَاجَ الْخَاتَمِ مِنْ التَّحْرِيمِ لَا أَنَّ مُرَادَهُمْ لَا يُسْتَحَبُّ، وَهَذَا أَوْلَى انْتَهَى.
قُلْت: قَدَّمَ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى الِاسْتِحْبَابَ، وَعِبَارَتُهُ: يُسْتَحَبُّ التَّخَتُّمُ بِعَقِيقٍ أَوْ بِفِضَّةٍ دُونَ مِثْقَالٍ، ثُمَّ قَالَ: وَذَكَرَ ابْنُ تَمِيمٍ أَنَّ خَاتَمَ الْفِضَّةِ مُبَاحٌ وَأَنَّهُ لَا فَضْلَ فِيهِ عَلَى ظَاهِرِ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵁ وَقَطَعَ بِهِ فِي التَّلْخِيصِ وَغَيْرِهِ.
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵁ فِي خَاتَمِ الْفِضَّةِ لِلرِّجَالِ: لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ.
وَقَطَعَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَالتَّلْخِيصِ بِاسْتِحْبَابِ التَّخَتُّمِ بِالْيَسَارِ.
مَطْلَبٌ: يُبَاحُ اتِّخَاذُ الْخَاتَمِ مِنْ بِلَّوْرٍ وَيَاقُوتٍ وَزَبَرْجَدٍ وَنَحْوِهَا
وَلَا بَأْسَ أَيْضًا مِنْ (بِلَّوْرٍ) بِكَسْرِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ مَعَ فَتْحِ اللَّامِ كَسِنَّوْرٍ، وَبِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ مَعَ ضَمِّ اللَّامِ كَتَنُّورِ وَاللَّامُ مُشَدَّدَةٌ فِيهِمَا، وَهُوَ جَوْهَرٌ مَعْرُوفٌ مَعْدِنِيٌّ، وَأَجْوَدُ أَنْوَاعِهِ أَشَدُّ صَلَابَةً وَبَيَاضًا وَصَفَاءً، وَأَحْسَنُهُ مَا يُجْلَبُ مِنْ جَزَائِرِ الزِّنْجِ.
وَقِيلَ الْبِلَّوْرُ نَوْعٌ مِنْ الزُّجَاجِ إلَّا أَنَّهُ أَصْلَبُ مِنْهُ، فَيُبَاحُ التَّخَتُّمُ بِهِ فَلَا يُسْتَحَبُّ، وَلَا يُكْرَهُ وَلَا بَأْسَ بِالتَّخَتُّمِ مِنْ (شِبْهِ الْمَعْدِنِ) مِنْ بَقِيَّةِ الْجَوَاهِرِ مِنْ يَاقُوتٍ وَزَبَرْجَدٍ وَزُمُرُّدٍ وَفَيْرُوزِ وَنَحْوِهَا، فَيُبَاحُ اتِّخَاذُ الْخَاتَمِ مِنْ هَذِهِ الْمَعَادِنِ وَنَحْوِهَا وَأَمَّا مَا يُرْوَى فِي التَّخَتُّمِ بِبَعْضِهَا مِنْ الْفَضَائِلِ فَبَاطِلٌ مِثْلُ حَدِيثِ «تَخَتَّمُوا بِالزُّمُرُّدِ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ فَإِنَّهُ يَنْفِي
стр. 754
الْفَقْرَ» رَوَاهُ الدَّيْلَمِيُّ لَا يَصِحُّ كَمَا فِي الْبَدْرِ الْمُنِيرِ وَالتَّسْهِيلِ.
وَحَدِيثُ «تَخَتَّمُوا بِالزَّبَرْجَدِ فَإِنَّهُ يُسْرٌ لَا عُسْرَ فِيهِ» قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ: هُوَ مَوْضُوعٌ.
وَفِي النِّهَايَةِ «تَخَتَّمُوا بِالْيَاقُوتِ فَإِنَّهُ يَنْفِي الْفَقْرَ» قَالَ بَعْضُهُمْ: يُرِيدُ أَنَّهُ إذَا ذَهَبَ مَالُهُ فَبَاعَهُ وَجَدَ فِيهِ غِنًى.
قَالَ: وَالْأَشْبَهُ إنْ صَحَّ الْحَدِيثُ أَنْ يَكُونَ لِخَاصِّيَّةٍ فِيهِ.
وَذَكَرَهُ الْحَافِظُ السُّيُوطِيّ فِي مُخْتَصَرِ النِّهَايَةِ وَفِي شَرْحِ الشَّمَائِلِ.
وَفِي خَبَرٍ ضَعِيفٍ أَنَّ التَّخَتُّمَ بِالْيَاقُوتِ الْأَصْفَرِ يَمْنَعُ الطَّاعُونَ. انْتَهَى.
قُلْت: ذَكَرَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ عِنْدَ حَدِيثِ «تَخَتَّمُوا بِالْعَقِيقِ» لَهُ طُرُقٌ كُلُّهَا وَاهِيَةٌ، وَكَذَا مَا رُوِيَ فِي الْيَاقُوتِ، وَتَقَدَّمَ آنِفًا
وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ ﵄ قَالَ: مَا افْتَقَرَتْ كَفٌّ تَخَتَّمَتْ بِفَيْرُوزَجَ، قَالَ: وَقِيلَ الْخَوَاتِمُ أَرْبَعَةٌ: الْيَاقُوتُ لِلْعَطَشِ، وَالْفَيْرُوزَجُ لِلْفَأْلِ، وَالْعَقِيقُ لِلسِّنَةِ، وَالْحَدِيدُ الصِّينِيُّ لِلْحِرْزِ انْتَهَى.
وَقَدْ عَلِمْت أَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ عَنْ حَضْرَةِ الرِّسَالَةِ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
مَطْلَبٌ: يُكْرَهُ اتِّخَاذُ الْخَاتَمِ مِنْ نُحَاسٍ وَرَصَاصٍ وَحَدِيدٍ
وَيُكْرَهُ مِنْ صُفْرٍ رَصَاصِ حَدِيدِهِمْ ... وَيَحْرُمُ لِلذُّكْرَانِ خَاتَمُ عَسْجَدِ
(وَيُكْرَهُ) تَنْزِيهًا فِي الْأَصَحِّ لِلرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ اتِّخَاذُ خَاتَمٍ (مِنْ صُفْرٍ) بِضَمِّ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ كَقُفْلٍ نَوْعٌ مِنْ النُّحَاسِ، وَصَانِعُهُ يُقَالُ لَهُ: الصُّفَارُ كَمَا فِي الْقَامُوسِ. وَقَالَ فِي الْمُطْلِعِ: الصُّفْرُ ضَرْبٌ مِنْ النُّحَاسِ، وَقِيلَ: مَا صُفِرَ مِنْهُ، وَالصُّفْرُ لُغَةٌ فِيهِ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ وَحْدَهُ، وَالضَّمُّ أَجْوَدُ، وَنَفَى بَعْضُهُمْ الْكَسْرَ. انْتَهَى.
وَمُرَادُ النَّاظِمِ يُكْرَهُ اتِّخَاذُ الْخَاتَمِ مِنْ نُحَاسٍ.
وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَمَا فِي حَدِيثِ بُرَيْدَةَ قَالَ لِرَجُلٍ لَبِسَ خَاتَمًا مِنْ صُفْرٍ «أَجِدُ مِنْك رِيحَ الْأَصْنَامِ» احْتَجَّ بِهِ الْإِمَامُ ﵁ كَمَا فِي الْفُرُوعِ.
وَكَذَا يُكْرَهُ الْخَاتَمُ أَيْضًا مِنْ (رَصَاصٍ) بِفَتْحِ الرَّاءِ مَعْرُوفٌ الْقِطْعَةُ مِنْهُ رَصَاصَةٌ.
قَالَ فِي الْقَامُوسِ: الرَّصَاصُ كَسَحَابٍ: مَعْرُوفٌ وَلَا يُكْسَرُ ضَرْبَانِ، أَسْوَدُ، وَهُوَ الْأُسْرُبُّ وَالْأَبَّارُ، وَأَبْيَضُ وَهُوَ الْقَلَعِيُّ. انْتَهَى.
стр. 755
وَيُكْرَهُ أَيْضًا اتِّخَاذُ الْخَاتَمِ مِنْ (حَدِيدِهِمْ) يَعْنِي مِنْ الْحَدِيدِ، وَهُوَ مَعْدِنٌ مَعْرُوفٌ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: يُكْرَهُ لِلرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ خَاتَمُ حَدِيدٍ وَصُفْرٍ وَنُحَاسٍ وَرَصَاصٍ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةٍ جَمَاعَةٌ.
وَنَقَلَ مُهَنَّا عَنْهُ ﵁ أَكْرَهُ خَاتَمَ الْحَدِيدِ؛ لِأَنَّهُ حِلْيَةُ أَهْلِ النَّارِ.
وَسَأَلَهُ الْأَثْرَمُ عَنْ خَاتَمِ الْحَدِيدِ فَذَكَرَ خَبَرَ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِرَجُلٍ هَذِهِ حِلْيَةُ أَهْلِ النَّارِ» وَابْنُ مَسْعُودٍ قَالَ: لُبْسَةُ أَهْلِ النَّارِ.
وَابْنُ عُمَرَ ﵃ قَالَ: مَا طَهُرَتْ كَفٌّ فِيهَا خَاتَمٌ مِنْ حَدِيدٍ.
وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵁ فِي الْمُسْنَدِ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ ابْنِ عَجْلَانَ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى عَلَى بَعْضِ أَصْحَابِهِ خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ فَأَعْرَضَ عَنْهُ فَأَلْقَاهُ وَاِتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ، فَقَالَ: هَذَا شَرٌّ هَذَا حِلْيَةُ أَهْلِ النَّارِ، فَأَلْقَاهُ وَاِتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ وَرِقٍ فَسَكَتَ عَنْهُ» حَدِيثٌ حَسَنٌ وَرَوَاهُ الْإِمَامُ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ وَلَمْ يَقُلْ فِيهِ «حِلْيَةُ أَهْلِ النَّارِ» .
وَفِي فَتَاوَى ابْنِ الزَّاغُونِيِّ: الدُّمْلُوجُ الْحَدِيدُ وَالْخَاتَمُ الْحَدِيدُ نَهَى الشَّرْعُ عَنْهُمَا فَيُرْوَى عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «مَنْ عَلَّقَ عَلَيْهِ تَمِيمَةً أَوْ حَدِيدَةً فَقَدْ أَشْرَكَ» كَذَا قَالَ.
وَأَجَابَ أَبُو الْخَطَّابِ: يَجُوزُ دُمْلُوجٌ مِنْ حَدِيدٍ، فَيُتَوَجَّهُ مِثْلُهُ الْخَاتَمُ وَنَحْوُهُ وِفَاقًا لِلشَّافِعِيَّةِ.
وَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ الرَّصَاصُ لَا أَعْلَمُ فِيهِ شَيْئًا وَلَهُ رَائِحَةٌ.
قَالَ ذَلِكَ فِي الْفُرُوعِ وَالْمُعْتَمَدُ كَمَا فِي الْإِقْنَاعِ وَغَيْرِهِ كَرَاهَةُ ذَلِكَ حَتَّى الدُّمْلُوجِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
مَطْلَبٌ: يَحْرُمُ اتِّخَاذُ خَاتَمِ الذَّهَبِ لِلذُّكُورِ
(وَيَحْرُمُ لِلذُّكْرَانِ) جَمْعُ ذَكَرٍ وَمِثْلُهُمْ الْخُنْثَى الْمُشْكِلُ لَا لِلْإِنَاثِ (خَاتَمُ عَسْجَدٍ) أَيْ ذَهَبٍ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ اتِّفَاقًا.
قَالَ: وَذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ إجْمَاعًا.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَالْبَرَاءِ ﵄ وَلِمُسْلِمٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ فِي يَدِ رَجُلٍ فَنَزَعَهُ فَطَرَحَهُ، وَقَالَ: يَعْمِدُ أَحَدُكُمْ إلَى جَمْرَةٍ مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ
стр. 756
فَيَجْعَلُهَا فِي يَدِهِ فَقِيلَ لِلرَّجُلِ بَعْدَ أَنْ ذَهَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خُذْ خَاتَمَك انْتَفِعْ بِهِ، فَقَالَ: لَا وَاَللَّهِ لَا آخُذُهُ أَبَدًا، وَقَدْ طَرَحَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ » .
وَقَالَ عُلَمَاءُ السِّيَرِ: لَمَّا أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَكْتُبَ لِلْمُلُوكِ قِيلَ لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ: إنَّهُمْ لَا يَقْرَءُونَ كِتَابًا إلَّا إذَا كَانَ مَخْتُومًا، فَاِتَّخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ، فَاقْتَدَى بِهِ ذُو الْيَسَارِ مِنْ أَصْحَابِهِ فَصَنَعُوا خَوَاتِيمَ مِنْ ذَهَبٍ.
فَلَمَّا لَبِسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَلِكَ لَبِسُوا خَوَاتِيمَهُمْ، فَجَاءَهُ جِبْرِيلُ مِنْ الْغَدِ فَأَخْبَرَهُ بِأَنَّ لُبْسَ الذَّهَبِ حَرَامٌ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِهِ، فَطَرَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَلِكَ الْخَاتَمَ فَطَرَحَ أَصْحَابُهُ خَوَاتِيمَهُمْ وَاِتَّخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَهُ خَاتَمًا مِنْ وَرِقٍ.
مَطْلَبُ: يُسَنُّ جَعْلُ الْخَاتَمِ فِي خِنْصِرِ الْيُسْرَى
وَيَحْسُنُ فِي الْيُسْرَى كَأَحْمَدَ وَصَحْبِهِ وَيُكْرَهُ فِي الْوُسْطَى وَسَبَّابَةِ الْيَدِ (وَيَحْسُنُ) أَيْ يُسَنُّ لُبْسُ الْخَاتَمِ (فِي) خِنْصِرِ يَدِهِ (الْيُسْرَى كَفِعْلِ) (أَحْمَدَ) الْمُصْطَفَى ﷺ (وَ) فِعْلِ (صَحْبِهِ) - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ -.
قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْرُهُ: الْمَحْفُوظُ أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَتَخَتَّمُ فِي يَسَارِهِ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «لَبِسَ خَاتَمَ فِضَّةٍ فِي يَمِينِهِ» . وَلِمُسْلِمٍ «فِي يَسَارِهِ» .
وَفِي مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ ﷺ «لَمَّا لَبِسَ خَاتَمَ الذَّهَبِ جَعَلَهُ فِي يَمِينِهِ» .
قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: لَبِسَ الْخَاتَمَ فِي خِنْصِرِ يَدِهِ الْيُمْنَى وَالْيُسْرَى، وَلَا فَضْلَ فِي لُبْسِهِ فِي إحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى، قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَتَابَعَهُ فِي الْفُرُوعِ وَالْآدَابِ الْكُبْرَى، وَالْوُسْطَى.
قَالَ: وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّ التَّخَتُّمَ فِي الْيَسَارِ أَفْضَلُ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ وَالْفَضْلِ بْنِ زِيَادٍ.
قَالَ
стр. 757
الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵁: هُوَ أَقَرُّ وَأَثْبَتُ وَأَحَبُّ إلَيَّ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَالتَّلْخِيصِ وَالْبُلْغَةِ وَابْنِ تَمِيمٍ وَالْإِفَادَاتِ وَغَيْرِهِمْ.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ: وَقَدْ أَشَارَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا إلَى أَنَّ التَّخَتُّمَ فِي الْيَمِينِ مَنْسُوخٌ، وَأَنَّ التَّخَتُّمَ فِي الْيَسَارِ آخِرُ الْأَمْرَيْنِ. انْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ ابْنِ رَجَبٍ.
قَالَ فِي التَّلْخِيصِ: ضَعَّفَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵁ حَدِيثَ التَّخَتُّمِ فِي الْيَمِينِ.
قُلْت: الَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الْمَذْهَبُ اسْتِحْبَابُ كَوْنِ الْخَاتَمِ فِي خِنْصِرِ الْيُسْرَى.
مَطْلَبٌ: يُكْرَهُ الْخَاتَمُ فِي الْوُسْطَى وَالسَّبَّابَةِ
(وَيُكْرَهُ) لُبْسُ الْخَاتَمِ (فِي) الْأُصْبُعِ (الْوُسْطَى، وَ) كَذَا يُكْرَهُ لُبْسُهُ فِي (سَبَّابَةِ الْيَدِ) أَمَّا الْوُسْطَى إنَّمَا سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِتَوَسُّطِهَا بَيْنَ أَصَابِعِ الْيَدِ. وَأَمَّا السَّبَّابَةُ فَهِيَ الَّتِي تَلِي الْإِبْهَامَ.
قِيلَ سُمِّيَتْ سَبَّابَةٌ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يُشِيرُونَ بِهَا إلَى السَّبِّ وَالْمُخَاصَمَةِ وَيَعَضُّونَهَا عِنْدَ النَّدَمِ.
وَلِذَا قَالَ قَائِلُهُمْ:
غَيْرِي جَنَى وَأَنَا الْمُعَذَّبُ فِيكُمْ ... فَكَأَنَّنِي سَبَّابَةُ الْمُتَنَدِّمِ
وَيُقَالُ لَهَا الْمُسَبِّحَةُ بِتَشْدِيدِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ، اسْمُ فَاعِلٍ مَجَازًا؛ لِأَنَّهُمْ يُشِيرُونَ بِهَا عِنْدَ ذِكْرِ اللَّهِ - تَعَالَى - تَنْبِيهًا عَلَى التَّوْحِيدِ.
(تَنْبِيهَاتٌ) :
(الْأَوَّلُ) : ظَاهِرُ نِظَامِهِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: لَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ التَّخَتُّمِ رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً، وَقَيَّدَهُ فِي الْفُرُوعِ بِالرَّجُلِ، وَعِبَارَتُهُ: وَكَرِهَهُ أَحْمَدُ ﵁ فِي السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى لِلرَّجُلِ وِفَاقًا لِلثَّلَاثَةِ لِلنَّهْيِ الصَّحِيحِ عَنْ ذَلِكَ.
قُلْت: وَهُوَ مَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ ﵁ «نَهَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ أَتَخَتَّمَ فِي أُصْبُعِي هَذِهِ أَوْ هَذِهِ، فَأَوْمَأَ إلَى الْوُسْطَى وَاَلَّتِي تَلِيهَا» وَرُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ فِي غَيْرِ مُسْلِمٍ السَّبَّابَةُ وَالْوُسْطَى قَالَهُ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَغَيْرِهِ.
قَالَ: وَلَمْ يُقَيِّدْهُ فِي التَّرْغِيبِ وَغَيْرِهِ.
فَظَاهِرُ ذَلِكَ لَا يُكْرَهُ فِي غَيْرِهَا، وَإِنْ كَانَ الْخِنْصَرُ أَفْضَلَ اقْتِصَارًا عَلَى النَّصِّ، وَقَالَهُ فِي الْإِقْنَاعِ وَغَيْرِهِ.
وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي: وَالْإِبْهَامُ مِثْلُهُمَا.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَالْبِنْصِرُ مِثْلُهُ وَلَا فَرْقَ.
قَالَ
стр. 758
الْقَاضِي عَلَاءُ الدِّينِ فِي إنْصَافِهِ: لَوْ قِيلَ بِالْفَرْقِ لَكَانَ مُتَّجِهًا لِمُجَاوَرَتِهَا لَمَا يُبَاحُ التَّخَتُّمُ فِيهَا بِخِلَافِ الْإِبْهَامِ لِبُعْدِهِ وَاسْتِهْجَانِهِ انْتَهَى.
وَفِي الْفَرْقِ نَظَرٌ.
وَقَالَ فِي الْإِنْصَافِ: أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ لَمْ يُقَيِّدُوا الْكَرَاهَةَ فِي اللُّبْسِ بِالسَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى بِالرَّجُلِ بَلْ أَطْلَقُوا.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ فِي كِتَابِهِ: وَذَكَرَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ أَنَّ ذَلِكَ خَاصٌّ بِالرِّجَالِ. انْتَهَى.
وَلَمْ يُقَيِّدْهُ صَاحِبُ الْإِقْنَاعِ وَالْمُنْتَهَى وَالْغَايَةِ وَغَيْرُهُمْ.
وَالْقَيْدُ أَصْوَبُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّانِي) : الْأَفْضَلُ لِلَابِسِهِ جَعْلُ فَصِّهِ مِمَّا يَلِي كَفَّهُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ، وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ.
وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ يَجْعَلُهُ مِمَّا يَلِي ظَهْرَ كَفِّهِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد
قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: وَأَكْثَرُ النَّاسِ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ.
(الثَّالِثُ) : لِمُتَّخِذِي الْخَاتَمِ جَعْلُ فَصِّهِ مِنْهُ، وَمِنْ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ فِي الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ ﵁ كَانَ فَصُّهُ مِنْهُ.
وَلِمُسْلِمٍ كَانَ فَصُّهُ حَبَشِيًّا، وَتَقَدَّمَ أَنَّ لَهُ أَنْ يَجْعَلَ الْفَصَّ ذَهَبًا حَيْثُ كَانَ يَسِيرًا.
مَطْلَبٌ: حُكْمِ الْخَاتَمِ الْمَكْتُوبِ عَلَيْهِ قُرْآنٌ أَوْ ذِكْرُ اللَّهِ عِنْدَ دُخُولِ الْخَلَاءِ بِهِ
وَمَنْ لَمْ يَضَعْهُ فِي الدُّخُولِ إلَى الْخَلَا ... فَعَنْ كَتْبِ قُرْآنٍ وَذِكْرٍ بِهِ اُصْدُدْ
(وَمَنْ) لَبِسَ الْخَاتَمَ (وَلَمْ يَضَعْهُ) أَيْ لَمْ يُلْقِ الْخَاتَمَ مِنْ يَدِهِ (فِي) حَالِ (الدُّخُولِ) الصَّادِرِ مِنْهُ (إلَى) بَيْتِ (الْخَلَاءِ) لِأَجْلِ قَضَاءِ حَاجَتِهِ (فَعَنْ) الْفَاءُ وَاقِعَةٌ فِي جَوَابِ الشَّرْطِ وَ (كَتْبِ) مَجْرُورٌ بِعَنْ، وَ (قُرْآنٍ) مُضَافٌ إلَيْهِ (وَ) عَنْ كَتْبِ (ذِكْرِ) اللَّهِ (بِهِ) أَيْ الْخَاتَمِ (اُصْدُدْ) أَيْ امْنَعْ، وَالْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِ مُتَعَلِّقٌ بِ (اُصْدُدْ) وَالْمُرَادُ مَنْعُ كَرَاهَةٍ يَعْنِي لِلتَّنْزِيهِ.
قَالَ فِي الْإِقْنَاعِ وَالْغَايَةِ: وَيُكْرَهُ أَنْ يَكْتُبَ عَلَيْهِ يَعْنِي الْخَاتَمَ ذِكْرَ اللَّهِ - تَعَالَى - مِنْ قُرْآنٍ أَوْ غَيْرِهِ.
زَادَ فِي الْغَايَةِ: وَكَذَا عَلَى دَرَاهِمَ وَلَمْ يُقَيِّدَا بِدُخُولِ الْخَلَاءِ.
وَعِبَارَةُ الْفُرُوعِ: وَيُكْرَهُ أَنْ يُكْتَبَ عَلَى الْخَاتَمِ ذِكْرُ اللَّهِ قُرْآنٌ أَوْ غَيْرُهُ.
نَقَلَ إِسْحَاقُ أَظُنُّهُ ابْنَ مَنْصُورٍ: لَا يُكْتَبُ فِيهِ ذِكْرُ اللَّهِ.
قَالَ إِسْحَاقُ ابْنُ رَاهْوَيْهِ لِمَا يَدْخُلُ الْخَلَاءُ فِيهِ هَذَا لَفْظُهُ.
стр. 759
قَالَ ابْنُ قُنْدُسٍ فِي حَوَاشِي الْفُرُوعِ: يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ مَا مَصْدَرِيَّةً وَيَكُونَ الْمَعْنَى لِدُخُولِ الْخَلَاءِ فِيهِ انْتَهَى.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَعَلَّ أَحْمَدَ ﵁ كَرِهَهُ لِذَلِكَ قَالَ: وَعَنْهُ لَا يُكْرَهُ دُخُولُ الْخَلَاءِ بِذَلِكَ فَلَا كَرَاهَةَ هُنَا، وَلَمْ أَجِدْ لِلْكَرَاهَةِ دَلِيلًا سِوَى هَذَا، وَهِيَ تَفْتَقِرُ إلَى دَلِيلٍ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ.
وَنُقِلَ هَذَا فِي الْإِنْصَافِ وَصَوَّبَ عَدَمَ الْكَرَاهَةِ.
قَالَ: وَقَدْ وَرَدَ عَنْ كَثِيرٍ مِنْ السَّلَفِ كِتَابَةُ ذِكْرِ اللَّهِ عَلَى خَوَاتِيمِهِمْ ذَكَرَهُ ابْنُ رَجَبٍ فِي كِتَابِهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِهِ ﵊ حِينَ قَالَ لِلنَّاسِ: إنِّي اتَّخَذْت خَاتَمًا وَنَقَشْت فِيهِ (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ) فَلَا يَنْقُشْ أَحَدٌ عَلَى نَقْشِي؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا نَهَاهُمْ عَنْ نَقْشِهِمْ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ لَا عَنْ غَيْرِهِ.
وَمَفْهُومُ كَلَامِ النَّاظِمِ: أَنَّ مَنْ كَانَ يَضَعُهُ عِنْدَ دُخُولِهِ الْخَلَاءَ لَا يُكْرَهُ لَهُ أَنْ يَكْتُبَ عَلَيْهِ ذِكْرَ اللَّهِ - تَعَالَى، فَإِذَا كَانَ فِيهِ ذِكْرُ اللَّهِ - تَعَالَى - فَلَا يَدْخُلُ بِهِ الْخَلَاءَ بَلْ يَضَعُهُ «؛ لِأَنَّهُ ﵊ كَانَ إذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ وَضَعَ خَاتَمَهُ» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَأَبُو دَاوُد وَقَالَ: حَدِيثٌ مُنْكَرٌ فَإِذَا دَعَتْ الْحَاجَةُ إلَى الدُّخُولِ بِهِ كَخَوْفٍ عَلَيْهِ فَلْيَجْعَلْ فَصَّهُ فِي بَاطِنِ كَفِّهِ، أَعْنِي إذَا كَانَ فِيهِ ذِكْرُ اللَّهِ - تَعَالَى، وَدَخَلَ بِهِ الْخَلَاءَ.
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵁: الْخَاتَمُ إذَا كَانَ فِيهِ اسْمُ اللَّهِ يَجْعَلُهُ فِي بَاطِنِ كَفِّهِ، وَيَدْخُلُ الْخَلَاءَ.
وَقَالَ عِكْرِمَةُ: قُلْ بِهِ هَكَذَا فِي بَاطِنِ كَفِّك فَاقْبِضْ عَلَيْهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُ مَا وَرَدَ لَا يُكْرَهُ غَيْرُهُ.
وَقَالَ صَاحِبُ الرِّعَايَةِ: أَوْ ذِكْرُ رَسُولِهِ، قَالَ: وَيُتَوَجَّهُ احْتِمَالٌ لَا يُكْرَهُ ذَلِكَ وِفَاقًا لِمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ إلَى كِسْرَى وَقَيْصَرَ وَالنَّجَاشِيِّ، فَقِيلَ لَهُ: إنَّهُمْ لَا يَقْبَلُونَ كِتَابًا إلَّا بِخَاتَمٍ، فَصَاغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَاتَمًا حَلَقُهُ فِضَّةٌ وَنَقَشَ فِيهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَقَالَ لِلنَّاسِ إنِّي اتَّخَذْت خَاتَمًا مِنْ فِضَّةٍ وَنَقَشْت فِيهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ فَلَا يَنْقُشْ أَحَدُكُمْ عَلَى نَقْشِهِ.
وَلِلْبُخَارِيِّ: " مُحَمَّدٌ: سَطْرٌ، وَرَسُولُ: سَطْرٌ، وَاَللَّهُ: سَطْرٌ ".
стр. 760
قُلْت: ذَكَرَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ وَالْبَدْرُ الْعَيْنِيُّ عَنْ الْإِسْمَاعِيلِيِّ أَنَّ مُحَمَّدٌ: سَطْرٌ أَوَّلُ، وَالسَّطْرُ الثَّانِي: رَسُولُ، وَالثَّالِثُ: اللَّهُ. انْتَهَى كَلَامُهُمَا.
قُلْت: وَبِهِ تَعْلَمُ فَسَادَ قَوْلِ مَنْ قَالَ: إنَّ لَفْظَ الْجَلَالَةِ فِي السَّطْرِ الْأَوَّلِ، وَرَسُولُ فِي السَّطْرِ الثَّانِي، وَمُحَمَّدٌ فِي السَّطْرِ الثَّالِثِ، وَأَنَّ ذَلِكَ مِنْ خُصُوصِيَّاتِهِ ﵊.
وَيُعَضِّدُ ذَلِكَ عَدَمُ عَدِّ ذَلِكَ فِي الْخَصَائِصِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
مَطْلَبٌ: لَا يَجُوزُ أَنْ يُنْقَشَ عَلَى الْخَاتَمِ صُورَةُ حَيَوَانٍ
(تَنْبِيهَانِ) :
(الْأَوَّلُ) : لَا يَجُوزُ أَنْ يُنْقَشَ عَلَى الْخَاتَمِ صُورَةُ حَيَوَانٍ بِلَا نِزَاعٍ لِلنُّصُوصِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ، وَقَدْ قَدَّمْنَا مِنْهَا مَا يَحْصُلُ بِهِ الْمَقْصُودُ، لَكِنْ هَلْ يَحْرُمُ لُبْسُ الْخَاتَمِ الْمَنْقُوشِ عَلَيْهِ ذَلِكَ أَوْ يُكْرَهُ فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا يَحْرُمُ اخْتَارَهُ الْقَاضِي وَأَبُو الْخَطَّابِ وَابْنُ عَقِيلٍ فِي آخِرِ الْفُصُولِ، وَحَكَاهُ أَبُو حَكِيمٍ النَّهْرَوَانِيُّ عَنْ الْأَصْحَابِ.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ: وَهُوَ مَنْصُوصٌ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵁ فِي الثِّيَابِ وَالْخَوَاتِمِ وَذَكَرَ النَّصَّ.
قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: وَهُوَ الْمَذْهَبُ.
وَقَطَعَ بِهِ فِي الْإِقْنَاعِ وَالْغَايَةِ وَغَيْرِهِمَا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يُكْرَهُ وَلَا يَحْرُمُ، وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى وَذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ أَيْضًا فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ وَصَحَّحَهُ أَبُو حَكِيمٍ، وَإِلَيْهِ مَيْلُ الْحَافِظِ ابْنِ رَجَبٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّانِي) : ذَكَرَ بَعْضُ أَهْلِ التَّارِيخِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ بَلَغَهُ أَنَّ وَلَدَهُ اشْتَرَى فَصَّ خَاتَمٍ بِأَلْفِ دِينَارٍ فَكَتَبَ إلَيْهِ عَزَمْت عَلَيْك إلَّا مَا أَرْسَلْت خَاتَمَك أَوْ بِعْتَهُ بِأَلْفِ دِينَارٍ وَجَعَلْتهَا فِي بَطْنِ جَائِعٍ وَاسْتَعْمَلْت خَاتَمًا مِنْ وَرِقٍ وَنَقَشْت عَلَيْهِ: رَحِمَ اللَّهُ امْرَأً عَرَفَ نَفْسَهُ.
وَكَانَ نَقْشُ خَاتَمِ عَلِيٍّ ﵁: نِعْمَ الْقَادِرُ اللَّهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
مَطْلَبٌ: يُسَنُّ ابْتِدَاءُ الْمُنْتَعِلِ بِالْيُمْنَى
وَيَحْسُنُ فِي الْيُمْنَى ابْتِدَاءُ انْتِعَالِهِ ... وَفِي الْخَلْعِ عَكْسٌ وَاكْرَهْ الْعَكْسَ تَرْشُدْ
(وَيَحْسُنُ) يَعْنِي يُسَنُّ (بِ) الرِّجْلِ (الْيُمْنَى ابْتِدَاءُ انْتِعَالِهِ) يَعْنِي
стр. 761
أَوَّلَ مَا يَبْتَدِئُ فِي لُبْسِ النَّعْلِ أَنْ يُنْعِلَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى، وَجَمْعُ النَّعْلِ نِعَالٌ وَهِيَ مُؤَنَّثَةٌ. قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: هِيَ الَّتِي تُسَمَّى الْآنُ تَاسُومَةً. وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: هِيَ لِبَاسُ الْأَنْبِيَاءِ، وَإِنَّمَا اتَّخَذَ النَّاسُ غَيْرَهَا؛ لِمَا فِي أَرْضِهِمْ مِنْ الطِّينِ. وَقَدْ يُطْلَقُ النَّعْلُ عَلَى كُلِّ مَا يَقِي الْقَدَمَ. قَالَ صَاحِبُ الْمُحْكَمِ: النَّعْلُ وَالنَّعْلَةُ مَا وُقِيَتْ بِهِ الْقَدَمُ، وَهُوَ الْمُرَادُ لِلنَّاظِمِ وَغَيْرِهِ.
(وَ) يُسَنُّ (فِي الْخَلْعِ) أَيْ خَلْعِ نَعْلَيْهِ (عَكْسٌ) أَيْ عَكْسُ مَا صَنَعَ فِي حَالَةِ الِانْتِعَالِ، فَيُسَنُّ لَهُ فِي حَالَةِ الْخَلْعِ أَنْ يَبْتَدِئَ بِخَلْعِ نَعْلِ رِجْلِهِ الْيُسْرَى لِتَكُونَ الْيُمْنَى أَوَّلَ رِجْلَيْهِ انْتِعَالًا، وَآخِرَهُمَا خَلْعًا لِقَوْلِهِ ﷺ «إذَا انْتَعَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِالْيُمْنَى وَإِذَا نَزَعَ فَلْيَبْدَأْ بِالشِّمَالِ لِتَكُونَ الْيُمْنَى أَوَّلُهُمَا تُنْعَلُ وَآخِرُهُمَا تُنْزَعُ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَغَيْرُهُمَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁.
(وَاكْرَهْ) أَنْتَ تَنْزِيهًا (الْعَكْسَ) بِأَنْ تُنْعِلَ أَوَّلًا الْيُسْرَى وَتَخْلَعَ أَوَّلًا الْيُمْنَى فَيُكْرَهُ ذَلِكَ.
وَأَمَّا إذَا نَعَلْت أَوَّلًا الْيُمْنَى وَنَزَعْتهَا أَوَّلًا أَوْ بِالْعَكْسِ فَتَكُونُ قَدْ فَعَلْت مَسْنُونًا وَمَكْرُوهًا، وَلَا يَنْبَغِي ذَلِكَ، بَلْ عَلَيْك بِنَعْلِ الْيُمْنَى أَوَّلًا وَخَلْعِ الْيُسْرَى أَوَّلًا لِيَحْصُلَ التَّيَامُنُ، وَيَكُونُ ذَلِكَ بِيَدِك الْيُسْرَى.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: مَنْ بَدَأَ فِي الِانْتِعَالِ بِالْيُسْرَى أَسَاءَ لِمُخَالَفَةِ السُّنَّةِ، وَلَكِنَّهُ لَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ لُبْسُ نَعْلَيْهِ.
وَنَقَلَ عِيَاضٌ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ فِيهِ لِلِاسْتِحْبَابِ فَإِنْ تَمَسَّكْت بِذَلِكَ وَدُمْت عَلَيْهِ إلَّا مِنْ حَاجَةٍ (تُرْشَدْ) لِفِعْلِ الصَّوَابِ، وَمُتَابَعَةِ النَّبِيِّ ﷺ وَالْأَصْحَابِ.
وَقَدْ مَرَّ غَيْرُ مَرَّةٍ أَنَّ التَّيَامُنَ مُسْتَحَبٌّ فِي شَأْنِ الْإِنْسَانِ كُلِّهِ.
مَطْلَبٌ: يُكْرَهُ الْمَشْيُ فِي فَرْدِ نَعْلٍ وَاحِدَةٍ
وَيُكْرَهُ مَشْيُ الْمَرْءِ فِي فَرْدِ نَعْلِهِ اخْ ... تِيَارًا أَصِخْ حَتَّى لِإِصْلَاحِ مُفْسِدِ
(وَيُكْرَهُ) تَنْزِيهًا (مَشْيُ الْمَرْءِ) مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى (فِي فَرْدِ نَعْلِهِ) أَيْ فِي نَعْلٍ فَرْدٍ وَالْمُرَادُ بِلَا حَاجَةٍ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيُكْرَهُ الْمَشْيُ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ بِلَا حَاجَةٍ، وَنَصُّهُ يَعْنِي الْإِمَامَ ﵁: وَلَوْ يَسِيرًا.
وَلِذَا قَالَ النَّاظِمُ (اخْتِيَارًا) يَعْنِي فِي حَالِ اخْتِيَارِ الْمَاشِي مَعَ صِحَّةِ رِجْلَيْهِ بِخِلَافِ مَنْ لَهُ رِجْلٌ وَاحِدَةٌ.
أَوْ كَانَ بِإِحْدَى رِجْلَيْهِ مَا يَمْنَعُ لُبْسَ النَّعْلِ مِنْ قُرْحَةٍ وَنَحْوِهَا فَإِنَّهُ
стр. 762
لَا كَرَاهَةَ فِي حَقِّهِ بِلُبْسِهِ فَرْدَةَ نَعْلٍ وَاحِدَةٍ (أَصِخْ) مِنْ صَاخَ وَأَصَاخَ إذَا اسْتَمَعَ أَيْ اسْتَمِعْ نِظَامِي وَافْتَهِمْ كَلَامِي وَعِ لَمَا أُبْدِيهِ لَك مِنْ الْأَحْكَامِ، فَإِنَّ مَنْ اسْتَمَعَ وَتَفَهَّمَ، وَوَعَى وَتَعَلَّمَ، وَارْتَقَى بِسُلَّمِ التَّعْلِيمِ عَلَّ الْأَنَامَ، إلَى أَنْ تَشْهَدَ لَهُ الْخَلِيقَةُ بِأَنَّهُ إمَامٌ (حَتَّى) تَنْتَهِيَ كَرَاهَةُ لُبْسِ فَرْدَةِ نَعْلٍ وَاحِدَةٍ (لِ) أَجْلِ (إصْلَاحِ مُفْسِدٍ) أَيْ مِنْ نَعْلَيْهِ يَعْنِي أَنَّهُ لَوْ كَانَتْ إحْدَى نَعْلَيْهِ فَاسِدَةً غَيْرَ صَالِحَةٍ لِلُّبْسِ وَالْأُخْرَى صَالِحَةً لَمْ تَزَلْ الْكَرَاهَةُ بِذَلِكَ، بَلْ يُكْرَهُ لُبْسُهُ الصَّحِيحَةَ، وَالْحَالَةُ هَذِهِ حَتَّى يُصْلِحَ الْفَاسِدَةَ وَيَلْبَسَهُمَا مَعًا.
وَذَلِكَ لِمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَغَيْرُهُمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «لَا يَمْشِي أَحَدُكُمْ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ لِيَنْعَلْهُمَا جَمِيعًا أَوْ لِيَخْلَعْهُمَا جَمِيعًا» وَفِي رِوَايَةٍ «أَوْ لِيَحْفُهُمَا جَمِيعًا» .
وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ «إذَا انْقَطَعَ شِسْعُ نَعْلِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَمْشِ فِي الْأُخْرَى حَتَّى يُصْلِحَهَا» وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ ﵁. وَفِيهِ «وَلَا خُفٌّ وَاحِدٌ» .
وَالشِّسْعُ بِكَسْرِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ: قُبَالُ النَّعْلِ كَمَا فِي الْقَامُوسِ.
قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: إنَّمَا نَهَى عَنْ الْمَشْيِ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ لِئَلَّا تَكُونَ إحْدَى الرِّجْلَيْنِ أَرْفَعَ مِنْ الْأُخْرَى، وَيَكُونَ سَبَبًا لِلْعِثَارِ، وَيَقْبُحَ فِي الْمَنْظَرِ، وَيُعَابَ فَاعِلُهُ.
وَقَالَ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُصُولِ وَسَيِّدِي الشَّيْخُ عَبْدُ الْقَادِرِ فِي الْغُنْيَةِ: لَهُ لُبْسُ الصَّالِحَةِ وَحْدَهَا حَتَّى يُصْلِحَ الْفَاسِدَةَ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ، وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّ عَلِيًّا ﵁ مَشَى بِنَعْلٍ وَاحِدَةٍ، وَأَنَّ سَيِّدَتَنَا عَائِشَةَ ﵂ مَشَتْ فِي خُفٍّ وَاحِدٍ رَوَاهُمَا سَعِيدٌ.
قَالَ النَّاظِمُ: وَدَلِيلُ الرُّخْصَةِ مَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إذَا انْقَطَعَ شِسْعُ نَعْلِهِ مَشَى فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ، وَالْأُخْرَى فِي يَدِهِ حَتَّى يَجِدَ شِسْعًا» .
قَالَ: وَأَحْسِبُ هَذَا لَا يَصِحُّ.
وَنَقَلَهُ فِي الْفُرُوعِ وَقَالَ: لَعَلَّهُ مِنْ كَلَامِ الْقَاضِي يَعْنِي الِاسْتِدْلَالَ بِهَذَا الْخَبَرِ.
قُلْت: رَوَى الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ وَلَفْظُهُ: قَالَتْ: «رُبَّمَا انْقَطَعَ شِسْعُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَمَشَى فِي النَّعْلِ الْوَاحِدَةِ حَتَّى
стр. 763
يُصْلِحَهَا» أَشَارَ فِي الْفَتْحِ إلَى ضَعْفِهِ. وَرَجَّحَ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُ وَاحِدٍ وَقْفَهُ عَلَى عَائِشَةَ. وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْهَا أَيْضًا بِسَنَدٍ صَحِيحٍ أَنَّهَا كَانَتْ تَقُولُ: لَأُخَالِفَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ فَنَمْشِي فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ لَأَحْتَفِيَنَّ، وَمَعْنَاهُ لَأَفْعَلَنَّ فِعْلًا يُخَالِفُهُ.
وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي ضَبْطِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ، فَرُوِيَ لَأُخَالِفَنَّ، وَرُوِيَ لَأُحَنِّثَنَّ، وَرُوِيَ لَأُخِيفَنَّ بِكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ بَعْدَهَا تَحْتَانِيَّةٌ سَاكِنَةٌ ثُمَّ فَاءٌ، وَهِيَ تَصْحِيفٌ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَمْ يَأْخُذْ أَهْلُ الْعِلْمِ بِرَأْيِ عَائِشَةَ فِي ذَلِكَ.
وَقَدْ وَرَدَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عُمَرَ أَيْضًا أَنَّهُمَا فَعَلَا ذَلِكَ، وَكَأَنَّهُمَا حَمَلَا النَّهْيَ عَلَى التَّنْزِيهِ، أَوْ كَانَ زَمَنَ فِعْلِهِمَا يَسِيرًا أَوْ لَمْ يَبْلُغْهُمَا النَّهْيُ. انْتَهَى.
مَطْلَبُ حُكْمِ لُبْسِ النَّعْلِ فِي الصَّلَاةِ
وَلَا بَأْسَ فِي نَعْلٍ يُصَلِّي بِهِ بِلَا ... أَذًى وَافْتَقِدْهَا عِنْدَ أَبْوَابِ مَسْجِدِ
(وَلَا بَأْسَ) أَيْ لَا كَرَاهَةَ (فِي) لُبْسِ (نَعْلٍ) طَاهِرٍ (يُصَلِّي) الْإِنْسَانُ (بِهِ) أَيْ بِالنَّعْلِ، يَعْنِي يُصَلِّي وَهُوَ لَابِسٌ لَهُ حَيْثُ كَانَ (بِلَا أَذًى) يَعْنِي حَيْثُ خَلَا النَّعْلُ مِنْ النَّجَاسَةِ الَّتِي لَا يُعْفَى عَنْهَا.
وَاسْتَحَبَّ شَيْخُ الْإِسْلَامِ - طَيَّبَ اللَّهُ ثَرَاهُ - الصَّلَاةَ فِي النِّعَالِ.
قَالَ فِي الْفَتَاوَى الْمِصْرِيَّةِ: وَسُئِلَ ﵁ عَمَّنْ يُصَلِّي فِي النَّعْلَيْنِ هَلْ يَجُوزُ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ أَمْ لَا؟ .
أَجَابَ - قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ -: الصَّلَاةُ فِي النَّعْلَيْنِ سُنَّةٌ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ مَا يُلْبَسُ مِنْ حِذَاءٍ وَجُمْجُمٍ وَزُرْبُولٍ وَخُفٍّ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ «رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي فِي نَعْلَيْهِ» .
وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إنَّ الْيَهُودَ لَا يُصَلُّونَ فِي نِعَالِهِمْ فَخَالِفُوهُمْ، فَأَمَرَنَا أَنْ نُخَالِفَ الْيَهُودَ الَّذِينَ لَا يُصَلُّونَ فِي نِعَالِهِمْ» .
قَالَ: فَالصَّلَاةُ فِي النَّعْلَيْنِ مِمَّا أَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .
وَفِي السُّنَنِ أَيْضًا «أَنَّهُ صَلَّى فِي نَعْلِهِ، وَصَلَّى أَصْحَابُهُ فِي نِعَالِهِمْ، فَخَلَعَ نَعْلَيْهِ، فَخَلَعُوا نِعَالَهُمْ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَالَ: لِمَ خَلَعْتُمْ نِعَالَكُمْ؟ قَالُوا: رَأَيْنَاك خَلَعْت نَعْلَيْك فَخَلَعْنَا نِعَالَنَا، فَقَالَ: إنَّ جِبْرِيلَ أَتَانِي فَأَخْبَرَنِي أَنَّ فِيهِمَا أَذًى
стр. 764
فَإِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ الْمَسْجِدَ فَلْيَنْظُرْ فِي نَعْلَيْهِ فَإِنْ كَانَ فِيهِمَا أَذًى فَلْيَدْلُكْهُمَا بِالتُّرَابِ فَإِنَّ التُّرَابَ لَهُمَا طَهُورٌ» فَصَلَاةُ الرَّجُلِ لِلْفَرْضِ وَالتَّطَوُّعِ وَالْجِنَازَةِ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ فِي نَعْلَيْهِ مِنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
وَسَوَاءٌ كَانَ يَمْشِي بِهِمَا فِي طُرُقَاتِ الْمَدِينَةِ الَّتِي فِي الْأَسْوَاقِ أَوْ غَيْرِهِمَا فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَأَصْحَابَهُ كَانُوا يَمْشُونَ فِي طُرُقَاتِ الْمَدِينَةِ وَغَيْرِهَا بِنِعَالِهِمْ وَيُصَلُّونَ فِيهَا.
وَقَدْ أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِالصَّلَاةِ فِيهِمَا، بَلْ كَانُوا يَخْرُجُونَ بِهَا إلَى الْحُشُوشِ حَيْثُ يَتَغَوَّطُونَ وَيَطَئُونَ الْأَرْضَ بِمَا عَلَيْهَا، وَقَدْ بَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ إذَا رَأَى أَحَدُهُمْ فِي نَعْلَيْهِ أَذًى فَلْيَدْلُكْهُمَا بِالتُّرَابِ فَإِنَّ التُّرَابَ طَهُورُ النَّعْلَيْنِ.
وَهَذَا عَلَى رَأْيِهِ ﵁ وَهُوَ اخْتِيَارُهُ قَالَ: وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ مِنْ قَوْلِ أَهْلِ السُّنَّةِ نَصًّا وَقِيَاسًا.
وَأَطَالَ فِي اسْتِدْلَالٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ النَّاظِمُ: وَالْأَوْلَى الصَّلَاةُ حَافِيًا.
قَالَ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ مَرْفُوعًا «إذَا خَلَعَ نَعْلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ خَلَّصَهُ اللَّهُ - تَعَالَى - مِنْ ذُنُوبِهِ حَتَّى يَلْقَاهُ كَهَيْئَةِ يَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» رَوَاهُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْخَلَّالُ.
قَالَ الْقَاضِي: هَذَا يَدُلُّ عَلَى فَضْلِ خَلْعِ النَّعْلِ فِي الصَّلَاةِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَالَ ذَلِكَ فِي خَلْعِ نَعْلٍ كَانَ فِيهَا أَذًى.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: ذَكَرَ الْقَاضِي الِاسْتِحْبَابَ وَعَدَمَهُ لِلْخَبَرَيْنِ.
وَقَدْ رَوَى الْخَلَّالُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ خُذُوا زِينَةَ الصَّلَاةِ قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا زِينَةُ الصَّلَاةِ؟ قَالَ: الْبِسُوا نِعَالَكُمْ وَصَلُّوا فِيهَا» .
قَالَ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى وَالْيُونِينِيُّ فِي مُخْتَصَرِهَا بَعْدَ إيرَادِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ تُسْتَحَبُّ الصَّلَاةُ فِي النِّعَالِ.
قَالَا: وَذَكَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ أَنَّ الصَّلَاةَ فِي النَّعْلِ وَنَحْوِهِ مُسْتَحَبَّةٌ قَالَ: وَإِذَا شَكَّ فِي نَجَاسَةِ الْخُفِّ لَمْ تُكْرَهْ الصَّلَاةُ فِيهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[مَطْلَبُ: مَا يُسَنُّ لِدَاخِلِ الْمَسْجِدِ]
مَطْلَبٌ: يُسَنُّ لِدَاخِلِ الْمَسْجِدِ أَنْ يَتَعَاهَدَ نَعْلَهُ وَأَنْ يَبْدَأَ بِخَلْعِ الْيُسْرَى وَيُقَدِّمَ الْيُمْنَى فِي الدُّخُولِ وَيَقُولَ مَا وَرَدَ.
(وَافْتَقَدَهَا) أَيْ يُسَنُّ افْتِقَادُ النِّعَالِ (عِنْدَ) إرَادَةِ دُخُولِ (أَبْوَابِ)
стр. 765
جَمْعُ بَابِ (مَسْجِدٍ) لِإِزَالَةِ مَا عَلِقَ بِهَا مِنْ أَذًى؛ لِمَا رَوَى الْخَلَّالُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «تَعَاهَدُوا نِعَالَكُمْ عِنْدَ أَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ» قَالَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى: إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ خَوْفًا مِنْ أَنْ تَكُونَ فِيهَا نَجَاسَةٌ فَتُنَجِّسَ الْمَسْجِدَ.
وَتَقَدَّمَ مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ فِي فَتْوَاهُ قَرِيبًا.
قَالَ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى: وَيُسَنُّ أَنْ يَبْدَأَ بِخَلْعِ الْيُسْرَى وَلُبْسِ الْيُمْنَى.
بِيَسَارِهِ فِيهِمَا، وَالْمَسْجِدُ وَنَحْوُهُ فِيهِمَا سَوَاءٌ قَالَ الْمَرُّوذِيُّ: رَأَيْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ إذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ خَلَعَ نَعْلَيْهِ، وَهُوَ قَائِمٌ، وَيُقَدِّمُ الرَّجُلُ الْمُسْلِمُ وَالْمَرْأَةُ الْمُسْلِمَةُ يَعْنِي الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى الْيُمْنَى مِنْ رِجْلَيْهِ دُخُولًا وَالْيُسْرَى خُرُوجًا.
وَيَقُولُ عِنْدَ الدُّخُولِ: أَعُوذُ بِاَللَّهِ الْعَظِيمِ وَبِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ وَسُلْطَانِهِ الْقَدِيمِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِك، ثُمَّ يَقُولُ: بِسْمِ اللَّهِ وَيَدْخُلُ عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا بِأَنْ يُقَدِّمَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى فِي الدُّخُولِ وَيُقَدِّمَ الْيُسْرَى فِي الْخُرُوجِ، وَيَقُولَ مَا ذَكَرْنَاهُ عِنْدَ خُرُوجِهِ إلَّا أَنَّهُ يَقُولُ أَبْوَابَ فَضْلِك بَدَلَ رَحْمَتِك.
فَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّهُ ﷺ قَالَ «إذَا دَخَلَ أَحَدُكُمْ الْمَسْجِدَ فَلْيُسَلِّمْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ لِيَقُلْ اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك مِنْ فَضْلِك» وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَغَيْرُهُمْ. وَلَيْسَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ «فَلْيُسَلِّمْ عَلَى النَّبِيِّ» ﷺ . وَهُوَ فِي رِوَايَةِ الْبَاقِينَ. زَادَ ابْنُ السُّنِّيِّ «وَإِذَا خَرَجَ فَلْيُسَلِّمْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ أَعِذْنِي مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ» رَوَى هَذِهِ الزِّيَادَةَ ابْنُ مَاجَهْ وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَأَبُو حَاتِمِ بْنُ حِبَّانَ بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ فِي صَحِيحِهِمَا.
وَرَوَى أَبُو دَاوُد بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄ «عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ إذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ قَالَ: أَعُوذُ بِاَللَّهِ الْعَظِيمِ وَبِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ وَسُلْطَانِهِ الْقَدِيمِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ قَالَ فَإِذَا قَالَ ذَلِكَ قَالَ الشَّيْطَانُ حَفِظَهُ مِنِّي سَائِرَ الْيَوْمِ» .
стр. 766
وَفِي كِتَابِ ابْنِ السُّنِّيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ عَنْ أُمِّهِ عَنْ جَدَّتِهِ ﵂ قَالَتْ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ حَمِدَ اللَّهَ - تَعَالَى، وَسَمَّى وَقَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِك، وَإِذَا خَرَجَ قَالَ مِثْلَ ذَلِكَ، وَقَالَ: اللَّهُمَّ افْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِك» .
وَفِي الْمُسْنَدِ وَالتِّرْمِذِيِّ وَسُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْحُسَيْنِ عَنْ جَدَّتِهَا فَاطِمَةَ الْكُبْرَى ﵃ قَالَتْ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ قَالَ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَسَلِّمْ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِك وَإِذَا خَرَجَ قَالَ مِثْلَهَا إلَّا أَنَّهُ يَقُولُ: أَبْوَابَ فَضْلِك» . وَلَفْظُ التِّرْمِذِيِّ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ صَلَّى عَلَى مُحَمَّدٍ وَسَلَّمَ» . قُلْت: وَهَذَا الْحَدِيثُ، وَاَلَّذِي قَبْلَهُ وَاحِدٌ. وَإِنَّمَا ذَكَرْنَاهُمَا بِصُورَةِ حَدِيثَيْنِ لِمَا فِي أَلْفَاظِهِمَا مِنْ التَّخَالُفِ، وَلِأَنَّ الشَّيْخَ أَبَا زَكَرِيَّا النَّوَوِيَّ ﵀ عَزَاهُ لِابْنِ السُّنِّيِّ فَقَطْ مَعَ أَنَّهُ فِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ وَسُنَنِ التِّرْمِذِيِّ وَسُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
مَطْلَبٌ: بَيَانُ مَحَلِّ وَضْعِ نَعْلِ الْمُصَلِّي ثُمَّ إنَّ الْإِنْسَانَ إذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَخَلَعَ نَعْلَيْهِ وَلَمْ يُصَلِّ فِيهِمَا تَرَكَهُمَا أَمَامَهُ.
وَعَنْهُ بَلْ عَنْ يَسَارِهِ «؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا خَلَعَ نَعْلَيْهِ، وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ جَعَلَهُمَا عَنْ يَسَارِهِ» . رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد.
وَقِيلَ: إنْ كَانَ مَأْمُومًا جَعَلَهُمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ لِئَلَّا يُؤْذِيَ مَنْ عَنْ يَمِينِهِ أَوْ شِمَالِهِ، وَإِنْ كَانَ مُنْفَرِدًا أَوْ إمَامًا جَعَلَهُمَا عَنْ يَسَارِهِ كَيْ لَا يُؤْذِيَ أَحَدًا.
قَالَ الْقَاضِي: وَإِنَّمَا اخْتَرْنَا جَانِبَ الْيَسَارِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَعَلَ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ، رَوَاهُ أَبُو حَفْصٍ وَالْخَلَّالُ وَلِأَنَّ الْيَسَارَ جُعِلَتْ لِلْأَشْيَاءِ الْمُسْتَقْذَرَةِ مِنْ الْأَفْعَالِ. قَالَ الْقَاضِي: فَأَمَّا مَوْضِعُهُمَا مِنْ غَيْرِ الْمُصَلِّي فَإِلَى جَنْبِهِ، كَذَا رَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ الْآجُرِّيُّ
стр. 767
فِي كِتَابِ اللِّبَاسِ بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: مِنْ السُّنَّةِ إذَا جَلَسَ الرَّجُلُ أَنْ يَخْلَعَ نَعْلَيْهِ فَيَضَعَهُمَا بِجَانِبِهِ.
قَالَ فِي الْإِقْنَاعِ كَغَيْرِهِ: وَلَا يَرْمِ بِهِمَا عَلَى وَجْهِ الْكِبْرِ وَالتَّعَاظُمِ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِإِتْلَافِ شَيْءٍ مِنْ أَرْضِ الْمَسْجِدِ أَوْ أَذَى أَحَدٍ لَمْ يَجُزْ، وَيَضْمَنُ مَا تَلِفَ بِسَبَبِهِ، وَالْأَدَبُ أَنْ لَا يَفْعَلَ ذَلِكَ. انْتَهَى.
مَطْلَبٌ: فِي فَضْلِ بِنَاءِ الْمَسَاجِدِ .
(تَتِمَّةٌ) فِي طَرَفٍ مِنْ آدَابِ الْمَسَاجِدِ وَاِتِّخَاذِهَا، وَذَلِكَ أَنْوَاعٌ:
(النَّوْعُ الْأَوَّلُ) : فِي بِنَائِهَا وَفَضْلِهَا الْقَائِمِ بِذَلِكَ.
اعْلَمْ - وَفَّقَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ لِكُلِّ فِعْلٍ حَمِيدٍ، وَعَمَلٍ سَدِيدٍ، وَقَوْلٍ مُفِيدٍ - أَنَّهُ يَجِبُ بِنَاءُ الْمَسَاجِدِ فِي الْأَمْصَارِ وَالْقُرَى وَالْمَحَالِّ وَنَحْوِهَا بِحَسَبِ الْحَاجَةِ، وَهِيَ أَحَبُّ الْبِلَادِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَأَبْغَضُ الْبِلَادِ إلَى اللَّهِ أَسْوَاقُهَا.
وَمَنْ بَنَى مَسْجِدًا لِلَّهِ بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ.
فَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ﵁ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «مَنْ بَنَى مَسْجِدًا يَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللَّهِ بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ» . وَفِي رِوَايَةٍ «بَنَى اللَّهُ لَهُ مِثْلَهُ فِي الْجَنَّةِ» .
وَرَوَى الْبَزَّارُ وَاللَّفْظُ لَهُ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الصَّغِيرِ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ ﷺ «مَنْ بَنَى لِلَّهِ مَسْجِدًا قَدْرَ مَفْحَصِ قَطَاةٍ بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ» وَرَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ وَلَفْظُهُ «وَمَنْ بَنَى مَسْجِدًا كَمَفْحَصِ قَطَاةٍ أَوْ أَصْغَرَ بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ» وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ. وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالْبَزَّارُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ إلَّا أَنَّهُمَا قَالَا «كَمَفْحَصِ قَطَاةٍ يَسَعُهَا لِبَيْضِهَا» وَمَفْحَصُ الْقَطَاةِ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ هُوَ مَجْثَمُهَا.
قَالَهُ الْحَافِظُ الْمُنْذِرِيُّ.
وَالْقَطَاةُ وَاحِدَةُ الْقَطَا طَائِرٌ مَعْرُوفٌ مِنْ أَنْوَاعِ الْحَمَامِ. وَسُمِّيَتْ قَطَاةً لِحِكَايَةِ صَوْتِهَا فَإِنَّهَا تَقُولُ كَذَلِكَ.
стр. 768
قَالَ فِي حَيَاةِ الْحَيَوَانِ لَمَّا تَكَلَّمَ عَلَى حَدِيثِ مَفْحَصِ الْقَطَاةِ: هُوَ بِفَتْحِ الْمِيمِ مَوْضِعُهَا الَّذِي تَجْثُمُ فِيهِ وَتَبِيضُ، كَأَنَّهَا تَفْحَصُ عَنْهُ التُّرَابَ أَيْ تَكْشِفُهُ، وَالْفَحْصُ الْبَحْثُ وَالْكَشْفُ.
خَصَّ الْقَطَاةَ بِهَذَا لِأَنَّهَا لَا تَبِيضُ فِي شَجَرَةٍ وَلَا عَلَى رَأْسِ جَبَلٍ إنَّمَا تَجْعَلُ مَجْثَمَهَا عَلَى بَسِيطِ الْأَرْضِ دُونَ سَائِرِ الطَّيْرِ، فَلِذَلِكَ شَبَّهَ بِهِ الْمَسْجِدَ، وَلِأَنَّهَا تُوصَفُ بِالصِّدْقِ، فَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى اعْتِبَارِ إخْلَاصِ النِّيَّةِ وَصِدْقِهَا فِي الْبِنَاءِ، كَمَا قَالَهُ أَبُو الْحَسَنِ الشَّاذِلِيُّ.
وَقِيلَ خَرَجَ ذَلِكَ مَخْرَجَ التَّرْغِيبِ بِالْقَلِيلِ مَخْرَجَ الْكَثِيرِ، كَمَا خَرَجَ مَخْرَجَ التَّحْذِيرِ بِالْقَلِيلِ عَنْ الْكَثِيرِ فِي قَوْلِهِ ﷺ «لَعَنَ اللَّهُ السَّارِقَ يَسْرِقُ الْبَيْضَةَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ، وَيَسْرِقُ الْحَبْلَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ» عَلَى أَحَدِ الْأَقْوَالِ فِي شَرْحِ هَذَا الْخَبَرِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَغَيْرُهُمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ «أَنَّ امْرَأَةً سَوْدَاءَ كَانَتْ تَقُمُّ الْمَسْجِدَ، فَفَقَدَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَسَأَلَ عَنْهَا بَعْدَ أَيَّامٍ فَقِيلَ لَهُ إنَّهَا مَاتَتْ قَالَ فَهَلَّا آذَنْتُمُونِي، فَأَتَى قَبْرَهَا فَصَلَّى عَلَيْهَا» وَرَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ إلَّا أَنَّهُ قَالَ «إنَّ امْرَأَةً كَانَتْ تَلْقُطُ الْخِرَقَ وَالْعِيدَانَ مِنْ الْمَسْجِدِ» وَرَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ أَيْضًا وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ قَالَ «كَانَتْ سَوْدَاءُ تَقُمُّ الْمَسْجِدَ فَتُوُفِّيَتْ لَيْلًا فَلَمَّا أَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أُخْبِرَ بِهَا فَقَالَ أَلَا آذَنْتُمُونِي، فَخَرَجَ بِأَصْحَابِهِ فَوَقَفَ عَلَى قَبْرِهَا فَكَبَّرَ عَلَيْهَا وَالنَّاسُ خَلْفَهُ وَدَعَا لَهَا ثُمَّ انْصَرَفَ»
وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ «أَنَّ امْرَأَةً كَانَتْ تَلْقُطُ الْقَذَى مِنْ الْمَسْجِدِ فَتُوُفِّيَتْ فَلَمْ يُؤْذَنْ النَّبِيُّ ﷺ بِدَفْنِهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ إذَا مَاتَ لَكُمْ مَيِّتٌ فَآذِنُونِي، وَصَلَّى عَلَيْهَا، وَقَالَ إنِّي رَأَيْتهَا فِي الْجَنَّةِ تَلْقُطُ الْقَذَى فِي الْمَسْجِدِ» .
وَرَوَى أَبُو الشَّيْخِ الْأَصْبَهَانِيُّ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ مَرْزُوقٍ قَالَ «كَانَتْ امْرَأَةٌ بِالْمَدِينَةِ تَقُمُّ الْمَسْجِدَ فَمَاتَتْ فَلَمْ يَعْلَمْ بِهَا النَّبِيُّ ﷺ فَمَرَّ عَلَى قَبْرِهَا فَقَالَ مَا هَذَا الْقَبْرُ؟ فَقَالُوا أُمُّ مِحْجَنٍ، قَالَ الَّتِي كَانَتْ تَقُمُّ الْمَسْجِدَ؟ قَالُوا نَعَمْ، فَصَفَّ النَّاسَ فَصَلَّى عَلَيْهَا ثُمَّ قَالَ أَيَّ الْعَمَلِ وَجَدْت أَفْضَلَ؟ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَسْمَعُ؟ قَالَ مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ مِنْهَا، فَذَكَرَ أَنَّهَا أَجَابَتْهُ قَمَّ الْمَسْجِدِ»
стр. 769
وَهَذَا مُرْسَلٌ.
وَقَمُّ الْمَسْجِدِ بِالْقَافِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ هُوَ كَنْسُهُ.
وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ وَأَشَارَ الْمُنْذِرِيُّ إلَى ضَعْفِهِ عَنْ أَبِي قِرْصَافَةَ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ «ابْنُوا الْمَسَاجِدَ وَأَخْرِجُوا الْقُمَامَةَ مِنْهَا، فَمَنْ بَنَى لِلَّهِ مَسْجِدًا بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ فَقَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَهَذِهِ الْمَسَاجِدُ الَّتِي تُبْنَى فِي الطَّرِيقِ؟ قَالَ نَعَمْ وَإِخْرَاجُ الْقُمَامَةِ مِنْهَا مُهُورُ الْحُورِ الْعِينِ» .
وَالْقُمَامَةُ بِالضَّمِّ الْكُنَاسَةُ.
وَاسْمُ أَبِي قِرْصَافَةَ بِكَسْرِ الْقَافِ جَنْدَرَةُ بْنُ خَيْشَنَةَ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ خُزَيْمَةَ بِسَنَدٍ مُحْتَمِلِ الْحُسْنِ كَمَا قَالَهُ الْحَافِظُ الْمُنْذِرِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ أَخْرَجَ أَذًى مِنْ الْمَسْجِدِ بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ» .
وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْكَنْسُ وَنَحْوُهُ يَوْمَ الْخَمِيسِ فَهُوَ سُنَّةٌ كَمَا فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى وَغَيْرِهَا، وَمَشَى عَلَيْهِ فِي الْإِقْنَاعِ وَغَيْرِهِ.
وَلَا شَكَّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِبِنَاءِ الْمَسَاجِدِ وَأَنْ تُنَظَّفَ وَتُطَيَّبَ كَمَا ثَبَتَ عَنْهُ ذَلِكَ فِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَسُنَنِ أَبِي دَاوُد وَابْنِ مَاجَهْ وَصَحِيحِ ابْنِ خُزَيْمَةَ وَغَيْرِهِمْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّانِي) فِي صِيَانَةِ الْمَسَاجِدِ عَنْ أَنْوَاعِ الْأَذَى.
قَالَ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى: يُسَنُّ أَنْ يُصَانَ كُلُّ مَسْجِدٍ عَنْ كُلِّ وَسَخٍ وَقَذَرٍ وَقَذَاةٍ وَمُخَاطٍ وَبُصَاقٍ، فَإِنْ بَدَرَهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ أَخَذَهُ بِثَوْبِهِ.
قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَيُسَنُّ أَنْ يُصَانَ أَيْضًا عَنْ تَقْلِيمِ الْأَظْفَارِ وَقَصِّ الشَّارِبِ وَنَتْفِ الْإِبْطِ.
وَفِي الْمُسْتَوْعِبِ: يُسْتَحَبُّ تَنْزِيهُ الْمَسْجِدِ عَنْ الْقَذَاةِ.
وَالْبَصْقَةُ فِي الْمَسْجِدِ خَطِيئَةٌ وَكَفَّارَتُهَا دَفْنُهَا إنْ كَانَتْ بِأَرْضِهِ وَكَانَتْ أَرْضُهُ حَصْبَاءَ وَنَحْوَهَا، وَإِلَّا مَسَحَهَا بِثَوْبِهِ أَوْ غَيْرِهِ، وَلَا يَكْفِي تَغْطِيَتُهَا بِحَصِيرٍ.
وَإِنْ لَمْ يُزِلْهَا فَاعِلُهَا لَزِمَ غَيْرَهُ إزَالَتُهَا بِدَفْنٍ أَوْ غَيْرِهِ.
وَإِنْ كَانَتْ عَلَى حَائِطٍ وَجَبَ إزَالَتُهَا.
وَيُسْتَحَبُّ تَخْلِيقُ مَوْضِعِهَا لِفِعْلِهِ ﵊.
فَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵁ مَا قَالَ «بَيْنَمَا النَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ يَوْمًا إذْ رَأَى نُخَامَةً فِي قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ فَتَغَيَّظَ عَلَى
стр. 770
النَّاسِ ثُمَّ حَكَّهَا قَالَ وَأَحْسَبُهُ قَالَ فَدَعَا بِزَعْفَرَانٍ فَلَطَّخَهُ بِهِ وَقَالَ إنَّ اللَّهَ قِبَلَ وَجْهِ أَحَدِكُمْ إذَا صَلَّى فَلَا يَبْصُقْ بَيْنَ يَدَيْهِ» وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ «أَنَّهُ ﷺ لَمَّا رَأَى النُّخَامَةَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: مَا بَالُ أَحَدِكُمْ يَقُومُ مُسْتَقْبِلَ رَبِّهِ فَيَتَنَخَّعُ أَمَامَهُ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يُسْتَقْبَلَ فَيُتَنَخَّعَ فِي وَجْهِهِ إذَا بَصَقَ أَحَدُكُمْ فَلْيَبْصُقْ عَنْ شِمَالِهِ أَوْ لِيَقُلْ هَكَذَا فِي ثَوْبِهِ يَعْنِي يَبْصُقُ فِي ثَوْبِهِ ثُمَّ يُدَلِّكُهُ» .
وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ مَرْفُوعًا عِنْدَ ابْنِ خُزَيْمَةَ «إنَّ أَحَدَكُمْ إذَا قَامَ فَإِنَّمَا يَسْتَقْبِلُ رَبَّهُ، وَالْمَلَكُ عَنْ يَمِينِهِ فَلَا يَبْصُقُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَا عَنْ يَمِينِهِ»
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا عَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «الْبُصَاقُ فِي الْمَسْجِدِ خَطِيئَةٌ وَكَفَّارَتُهَا دَفْنُهَا» وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ ﵁ بِلَفْظِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «التَّفْلُ فِي الْمَسْجِدِ سَيِّئَةٌ، وَدَفْنُهُ حَسَنَةٌ» .
وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُد وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي سَهْلَةَ السَّائِبِ بْنِ خَلَّادٍ - مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَرَضِيَ عَنْ أَبِي سَهْلَةَ قَالَ: «إنَّ رَجُلًا أَمَّ قَوْمًا فَبَصَقَ فِي الْقِبْلَةِ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَنْظُرُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ فَرَغَ: لَا يُصَلِّي لَكُمْ هَذَا فَأَرَادَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يُصَلِّيَ لَهُمْ فَمَنَعُوهُ وَأَخْبَرُوهُ بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: نَعَمْ وَحَسِبْت أَنَّهُ قَالَ: إنَّك آذَيْت اللَّهَ وَرَسُولَهُ» وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ عَنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، وَأَنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ صَلَاةَ الظُّهْرِ، فَلَمَّا كَانَتْ صَلَاةُ الْعَصْرِ مَنَعُوهُ، وَفِيهِ «فَآذَيْت اللَّهَ وَالْمَلَائِكَةَ» .
مَطْلَبٌ: يُصَانُ الْمَسْجِدُ عَنْ صَغِيرٍ وَمَجْنُونٍ وَيُسَنُّ أَنْ تُصَانَ الْمَسَاجِدُ عَنْ صَغِيرٍ.
قَالَ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى: أَطْلَقُوا الْعِبَارَةَ، وَالْمُرَادُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ -: إذَا كَانَ صَغِيرًا لَا يُمَيِّزُ غَيْرَ مَصْلَحَةٍ وَلَا فَائِدَةٍ.
وَعَنْ مَجْنُونٍ حَالَ جُنُونِهِ.
وَتَبِعَهُ فِي
стр. 771
الْإِقْنَاعِ وَغَيْرِهِ.
وَذَلِكَ لِمَا رُوِيَ عَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «جَنِّبُوا مَسَاجِدَكُمْ صِبْيَانَكُمْ وَمَجَانِينَكُمْ وَشِرَاءَكُمْ وَبَيْعَكُمْ وَخُصُومَاتِكُمْ، وَرَفْعَ أَصْوَاتِكُمْ وَإِقَامَةَ حُدُودِكُمْ وَسَلَّ سُيُوفِكُمْ، وَاِتَّخِذُوا عَلَى أَبْوَابِهَا الْمَطَاهِرَ وَجَمِّرُوهَا فِي الْجُمَعِ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ وَأَبِي أُمَامَةَ وَوَاثِلَةَ. وَرَوَاهُ فِي الْكَبِيرِ أَيْضًا بِتَقْدِيمٍ وَتَأْخِيرٍ مِنْ رِوَايَةِ مَكْحُولٍ عَنْ مُعَاذٍ وَلَمْ يُسْمَعْ مِنْهُ.
قَوْلُهُ جَمِّرُوهَا أَيْ بَخِّرُوهَا وَزْنُهُ وَمَعْنَاهُ.
مَطْلَبٌ: يَحْرُمُ الْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ فِي الْمَسْجِدِ قَالَ فِي الْإِقْنَاعِ: وَيَحْرُمُ فِيهِ الْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ وَالْإِجَارَةُ لِلْمُعْتَكِفِ وَغَيْرِهِ، فَإِنْ فَعَلَ فَبَاطِلٌ.
وَيُسَنُّ أَنْ يُقَالَ لِمَنْ يَبِيعُ أَوْ يَشْتَرِي فِيهِ لَا أَرْبَحَ اللَّهُ تِجَارَتَك، وَهَذَا الْمَذْهَبُ.
وَقِيلَ يُكْرَهُ الْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ فِيهِ لَا أَنَّهُمَا يَحْرُمَانِ، قَطَعَ بِهِ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُصُولِ وَالسَّامِرِيُّ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَابْنُ أَبِي عُمَرَ فِي آخِرِ كِتَابِ الْبَيْعِ.
وَحُكِيَ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ.
فَعَلَى التَّحْرِيمِ فِي الصِّحَّةِ وَجْهَانِ الْمَذْهَبُ عَدَمُهَا وَقِيلَ بَلَى.
وَلَا يَجُوزُ التَّكَسُّبُ فِي الْمَسْجِدِ بِالصَّنْعَةِ كَخِيَاطَةٍ وَغَيْرِهَا قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا لِحَاجَةٍ وَغَيْرِهَا.
قَالَهُ فِي الْإِقْنَاعِ وَقَالَ: وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُتَّخَذَ الْمَسْجِدُ مَكَانًا لِلْمَعَاشِ وَقُعُودِ الصُّنَّاعِ وَالْفَعَلَةِ فِيهِ يَنْتَظِرُونَ مَنْ يَكْتَرِيهِمْ بِمَنْزِلَةِ وَضْعِ الْبَضَائِعِ فِيهِ يَنْتَظِرُ مَنْ يَشْتَرِيهَا، وَعَلَى وَلِيِّ الْأَمْرِ مَنْعُهُمْ مِنْ ذَلِكَ لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «خِصَالٌ لَا يَنْبَغِينَ فِي الْمَسْجِدِ: لَا يُتَّخَذُ طَرِيقًا، وَلَا يُشْهَرُ فِيهِ سِلَاحٌ وَلَا يُنْبَضُ فِيهِ بِقَوْسٍ، وَلَا يُنْثَرُ فِيهِ نَبْلٌ، وَلَا يُمَرُّ فِيهِ بِلَحْمٍ نِيءٍ، وَلَا يُضْرَبُ فِيهِ حَدٌّ، وَلَا يُقْتَصُّ فِيهِ مِنْ أَحَدٍ، وَلَا يُتَّخَذُ سُوقًا» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
وَرَوَى مِنْهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ «لَا تَتَّخِذُوا الْمَسَاجِدَ طُرُقًا إلَّا لِذِكْرٍ أَوْ صَلَاةٍ» وَإِسْنَادُ الطَّبَرَانِيِّ لَا بَأْسَ بِهِ.
قَوْلُهُ " يُنْبَضَ فِيهِ بِقَوْسٍ " يُقَالُ انْبِضْ الْقَوْسَ بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ إذَا حَرَّكَ وَتَرَهَا لِتَرِنَّ.
وَالنِّيءُ بِكَسْرِ النُّونِ وَهَمْزَةٍ بَعْدَ الْيَاءِ مَمْدُودًا، هُوَ الَّذِي لَمْ يُطْبَخْ وَقِيلَ: لَمْ يَنْضُجْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَإِنْ وَقَفُوا خَارِجَ أَبْوَابِهِ فَلَا بَأْسَ.
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵁: لَا أَرَى لِرَجُلٍ إذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ إلَّا أَنْ يُلْزِمَ نَفْسَهُ الذِّكْرَ وَالتَّسْبِيحَ فَإِنَّ
стр. 772
الْمَسَاجِدَ إنَّمَا بُنِيَتْ لِذَلِكَ وَلِلصَّلَاةِ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْ ذَلِكَ خَرَجَ إلَى مَعَاشِهِ.
قَالَ أَيْ فِي الْإِقْنَاعِ: وَيُصَانُ عَنْ عَمَلِ صَنْعَةٍ يُكْرَهُ الْيَسِيرُ لِغَيْرِ التَّكَسُّبِ كَرَقْعِ ثَوْبِهِ وَخَصْفِ نَعْلِهِ، سَوَاءٌ كَانَ الصَّانِعُ يُرَاعِي الْمَسْجِدَ بِكَنْسٍ وَنَحْوِهِ أَوْ لَمْ يَكُنْ.
وَذَكَرَ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى رِوَايَتَيْنِ: الْحُرْمَةُ وَالْكَرَاهَةُ، وَنَقَلَهُمَا فِي الْفُرُوعِ وَالْإِنْصَافِ وَغَيْرِهِمَا، وَالْمُرَادُ غَيْرُ الْكِتَابَةِ فَإِنَّ الْإِمَامَ أَحْمَدَ ﵁ سَهَّلَ فِيهَا.
قَالَ الْحَارِثِيُّ: لِأَنَّ الْكِتَابَةَ نَوْعُ تَحْصِيلٍ لِلْعِلْمِ فَهِيَ فِي مَعْنَى الدِّرَاسَةِ.
وَيَخْرُجُ عَلَى ذَلِكَ تَعَلُّمُ الصِّبْيَانِ لِلْكِتَابَةِ فِيهِ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَحْصُلَ ضَرَرٌ بِحِبْرٍ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
مَطْلَبٌ: حُكْمُ رَفْعِ الصَّوْتِ فِي الْمَسْجِدِ وَيُسَنُّ أَنْ يُصَانَ عَنْ لَغَطٍ، وَكَثْرَةِ حَدِيثِ لَاغٍ وَرَفْعِ صَوْتٍ بِمَكْرُوهٍ.
وَظَاهِرُ هَذَا عَدَمُ الْكَرَاهَةِ إذَا كَانَ مُبَاحًا أَوْ مُسْتَحَبًّا، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ فِي الْغُنْيَةِ: يُكْرَهُ إلَّا بِذِكْرِ اللَّهِ - تَعَالَى.
وَمَذْهَبُ مَالِكٍ كَرَاهَةُ ذَلِكَ.
قَالَ أَشْهَبُ: سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَفْعِ الصَّوْتِ فِي الْمَسْجِدِ فِي الْعِلْمِ وَغَيْرِهِ، قَالَ: لَا خَيْرَ فِي ذَلِكَ فِي الْعِلْمِ وَلَا فِي غَيْرِهِ، وَلَقَدْ أَدْرَكْت النَّاسَ قَدِيمًا يَعِيبُونَ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَكُونُ بِمَجْلِسِهِ، وَمَنْ كَانَ يَكُونُ ذَلِكَ فِي مَجْلِسِهِ كَانَ يُعْتَذَرُ مِنْهُ، وَأَنَا أَكْرَهُ ذَلِكَ، وَلَا أَرَى فِيهِ خَيْرًا، انْتَهَى.
وَأَمَّا مَا اُشْتُهِرَ عَلَى الْأَلْسِنَةِ مِنْ قَوْلِهِمْ: «إنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: الْحَدِيثُ فِي الْمَسْجِدِ» ، وَبَعْضُهُمْ يُرِيدُ الْمُبَاحَ «يَأْكُلُ الْحَسَنَاتِ كَمَا تَأْكُلُ الْبَهِيمَةُ الْحَشِيشَ» ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ «كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الْحَطَبَ» فَهُوَ كَذِبٌ لَا أَصْلَ لَهُ.
قَالَ فِي الْمُخْتَصَرِ: لَمْ يُوجَدْ.
وَذَكَرَهُ الْقَارِئُ فِي مَوْضُوعَاتِهِ.
قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُصُولِ: وَلَا بَأْسَ بِالْمُنَاظَرَةِ فِي مَسَائِلِ الْفِقْهِ وَالِاجْتِهَادِ فِي الْمَسَائِلِ إذَا كَانَ الْقَصْدُ طَلَبَ الْحَقِّ، فَإِنْ كَانَ مُغَالَبَةً وَمُنَافَرَةً دَخَلَ فِي خَبَرِ الْمِلَاحَةِ وَالْجِدَالِ فِيمَا لَا يَعْنِي، وَلَمْ يَجُزْ فِي الْمَسَاجِدِ.
فَأَمَّا الْمِلَاحَةُ فِي غَيْرِ الْعُلُومِ فَلَا تَجُوزُ حَتَّى فِي غَيْرِ الْمَسَاجِدِ؛ «لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى لَيْلَةَ الْقَدْرِ فَخَرَجَ لِيُعْلِمَ النَّاسَ - فَتَلَاحَى رَجُلَانِ فِي الْمَسْجِدِ فَرُفِعَتْ» ، فَلَوْ كَانَ فِي الْمِلَاحَةِ خَيْرٌ لَمَا كَانَتْ سَبَبًا لِنِسْيَانِهَا.
وَلِأَنَّ اللَّهَ صَانَ الْإِحْرَامَ عَنْ الْجِدَالِ فَقَالَ: ﴿وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧] .
стр. 773
وَيُسَنُّ أَنْ يُصَانَ عَنْ رَائِحَةٍ كَرِيهَةٍ مِنْ بَصَلٍ وَثُومٍ وَكُرَّاتٍ وَنَحْوِهَا.
وَإِنْ دَخَلَهُ اُسْتُحِبَّ إخْرَاجُهُ.
وَمِثْلُهُ مَنْ بِهِ بَخْرٌ وَصُنَانٌ قَوِيٌّ.
وَمِثْلُهُ إخْرَاجُ الرِّيحِ فِيهِ مِنْ دُبُرِهِ فَهُوَ مَكْرُوهٌ.
وَأَمَّا مَا يَذْكُرُهُ بَعْضُ مَنْ لَا عِلْمَ لَهُ بِالْمَنْقُولِ مِنْ أَنَّ الْإِنْسَانَ إذَا خَرَجَ مِنْ دُبُرِهِ رِيحٌ، وَهُوَ بِالْمَسْجِدِ يَتَلَقَّاهُ مَلَكٌ بِفَمِهِ، وَيَخْرُجُ بِهِ إلَى خَارِجِ الْمَسْجِدِ، فَإِذَا تَفَوَّهَ بِهِ مَاتَ الْمَلَكُ، فَهُوَ كَلَامٌ بَاطِلٌ لَمْ أَقِفْ لَهُ عَلَى أَصْلٍ يُسْنَدُ إلَيْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. .
مَطْلَبٌ: حُكْمُ النَّوْمِ فِي الْمَسْجِدِ وَيُسَنُّ صَوْنُهُ عَنْ نَوْمٍ، وَعَنْهُ عَنْ نَوْمٍ كَثِيرٍ، وَعَنْهُ: إنْ اتَّخَذَهُ مَبِيتًا وَمَقِيلًا كُرِهَ مُطْلَقًا، وَإِلَّا فَلَا يُكْرَهُ مُطْلَقًا.
كَذَا أَطْلَقُوا الْعِبَارَةَ.
وَيَنْبَغِي أَنْ يَخْرُجَ مِنْ هَذَا نَوْمُ الْمُعْتَكِفِ قَالَهُ فِي الْآدَابِ، وَاسْتَثْنَاهُ سَيِّدُنَا الشَّيْخُ عَبْدُ الْقَادِرِ فِي الْغُنْيَةِ، وَاسْتَثْنَى الْغَرِيبَ أَيْضًا.
وَذَكَرَ الشَّيْخُ ابْنُ عُمَرَ فِي الشَّرْحِ الْكَبِيرِ فِي أَوَاخِرِ بَابِ الْأَذَانِ أَنَّهُ يُبَاحُ النَّوْمُ فِي الْمَسْجِدِ وَلَمْ يُفَصِّلْ.
وَقَالَ الْقَاضِي سَعْدُ الدِّينِ الْحَارِثِيُّ مِنْ أَئِمَّةِ الْأَصْحَابِ: لَا خِلَافَ فِي جَوَازِهِ لِلْمُعْتَكِفِ وَكَذَا مَا لَا يُسْتَدَامُ كَبَيْتُوتَةِ الضَّيْفِ وَالْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ وَقَيْلُولَةِ الْمُجْتَازِ وَيَجُوزُ ذَلِكَ، نَصَّ عَلَيْهِ يَعْنِي الْإِمَامَ مِنْ رِوَايَةِ غَيْرِ وَاحِدٍ.
وَمَا يُسْتَدَامُ مِنْ النَّوْمِ كَنَوْمِ الْمُقِيمِ بِهِ فَعَنْ أَحْمَدَ الْمَنْعُ، وَحَكَى الْقَاضِي رِوَايَةً بِالْجَوَازِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَجَمَاعَةٍ.
قَالَ: وَبِهَذَا أَقُولُ انْتَهَى.
وَذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ﵁ فِي الْفَتَاوَى الْمِصْرِيَّةِ إنَّمَا يُرَخَّصُ فِي النَّوْمِ فِي الْمَسَاجِدِ لِذَوِي الْحَاجَةِ مِثْلُ مَا كَانَ أَهْلُ الصُّفَّةِ، كَانَ الرَّجُلُ يَأْتِي مُهَاجِرًا إلَى الْمَدِينَةِ لَيْسَ لَهُ مَكَانٌ يَأْوِي إلَيْهِ فَيُقِيمُ بِالصُّفَّةِ إلَى أَنْ يَتَيَسَّرَ لَهُ أَهْلٌ أَوْ مَكَانٌ يَأْوِي إلَيْهِ ثُمَّ يَنْتَقِلُ، وَمِثْلُ الْمِسْكِينَةِ الَّتِي كَانَتْ تَأْوِي إلَى الْمَسْجِدِ وَكَانَتْ تَقُمْهُ، وَمِثْلَ مَا كَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵁ يَبِيتُ فِي الْمَسْجِدِ وَهُوَ عَزَبٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ بَيْتٌ يَأْوِي إلَيْهِ حَتَّى تَزَوَّجَ.
وَمِنْ هَذَا الْبَابِ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ﵁ لَمَّا تَقَاوَلَ هُوَ وَسَيِّدَتُنَا فَاطِمَةُ ﵂ ذَهَبَ إلَى الْمَسْجِدِ فَنَامَ فِيهِ.
قَالَ: فَيَجِبُ الْفَرْقُ بَيْنَ الْأَمْرِ الْيَسِيرِ وَذَوِي الْحَاجَاتِ، وَبَيْنَ مَا يَصِيرُ عَادَةً وَيَكْثُرُ وَمَا يَكُونُ لِغَيْرِ
стр. 774
ذَوِي الْحَاجَاتِ وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: لَا يُتَّخَذُ الْمَسْجِدُ مَبِيتًا وَمَقِيلًا.
وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ وَقَدْ سُئِلَ عَنْ الْمَبِيتِ فِي الْمَسْجِدِ: إنْ كَانَ الْمَبِيتُ لِحَاجَةٍ كَالْغَرِيبِ الَّذِي لَا أَهْلَ لَهُ وَالْقَرِيبِ الْفَقِيرِ الَّذِي لَا بَيْتَ لَهُ وَنَحْوِ ذَلِكَ إذَا كَانَ يَبِيتُ فِيهِ بِمِقْدَارِ الْحَاجَةِ ثُمَّ يَنْتَقِلُ فَلَا بَأْسَ، وَأَمَّا مَنْ اتَّخَذَهُ مَبِيتًا وَمَقِيلًا فَيُنْهَى عَنْ ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. .
مَطْلَبٌ: حُكْمُ إنْشَادِ الشِّعْرِ فِي الْمَسْجِدِ وَيُسَنُّ صَوْنُهُ عَنْ إنْشَادِ شِعْرٍ مُحَرَّمٍ وَقَبِيحٍ وَغِنَاءٍ وَعَمَلِ سَمَاعٍ.
رَوَى ابْنُ السُّنِّيِّ عَنْ ثَوْبَانَ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ رَأَيْتُمُوهُ يُنْشِدُ شِعْرًا فِي الْمَسْجِدِ فَقُولُوا: فَضَّ اللَّهُ فَاكَ قَالَهُ ﵇ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ»
قَالَ فِي الْغَنِيمَةِ: لَا بَأْسَ بِإِنْشَادِ شِعْرٍ خَالٍ مِنْ سُخْفٍ وَهِجَاءٍ لِلْمُسْلِمِينَ قَالَ: وَالْأَوْلَى صِيَانَتُهُ عَنْهَا إلَّا أَنْ تَكُونَ مِنْ الزُّهْدِيَّاتِ فَيَجُوزُ الْإِكْثَارُ؛ لِأَنَّ الْمَسَاجِدَ وُضِعَتْ لِذِكْرِ اللَّهِ فَيَنْبَغِي أَنْ تُجَلَّ عَنْ غَيْرِ ذَلِكَ.
قُلْت: وَمِثْلُ الزُّهْدِيَّاتِ بَلْ أَوْلَى مَا فِيهِ مَصْلَحَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ مِنْ هَجْوِ أَعْدَاءِ.
اللَّهِ وَتَحْرِيضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْإِقْدَامِ عَلَى الْقِتَالِ.
قَالَ فِي الْإِقْنَاعِ: وَيُبَاحُ فِيهِ عَقْدُ النِّكَاحِ.
قُلْت: بَلْ اسْتَحَبَّهُ بَعْضُ الْأَصْحَابِ انْتَهَى.
وَالْقَضَاءُ وَاللِّعَانُ وَالْحُكْمُ وَإِنْشَادُ الشِّعْرِ الْمُبَاحِ.
وَيُبَاحُ لِلْمَرِيضِ أَنْ يَكُونَ فِيهِ.
مَطْلَبٌ: حُكْمُ إنْشَادِ الضَّالَّةِ فِي الْمَسْجِدِ وَيُصَانُ عَنْ إنْشَادِ ضَالَّةٍ وَنِشْدَانِهَا، وَيَقُولُ سَامِعُهُ: لَا وَجَدْتهَا وَلَا رَدَّهَا اللَّهُ عَلَيْكَ.
رَوَى ذَلِكَ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ.
وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَالْحَاكِمُ وَقَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إذَا رَأَيْتُمْ مَنْ يَبِيعُ أَوْ يَبْتَاعُ فِي الْمَسْجِدِ فَقُولُوا: لَا أَرْبَحَ اللَّهُ
стр. 775
تِجَارَتَك، وَإِذَا رَأَيْتُمْ مَنْ يَنْشُدُ ضَالَّةً فَقُولُوا: لَا رَدَّهَا اللَّهُ عَلَيْك» .
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْهُ مَرْفُوعًا «مَنْ سَمِعَ رَجُلًا يَنْشُدُ ضَالَّةً فِي الْمَسْجِدِ فَلْيَقُلْ: لَا رَدَّهَا اللَّهُ عَلَيْك فَإِنَّ الْمَسَاجِدَ لَمْ تُبْنَ لِهَذَا» .
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ بُرَيْدَةَ ﵁ «أَنَّ رَجُلًا أَنْشَدَ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ: مَنْ دَعَا إلَى الْجَمَلِ الْأَحْمَرِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا وَجَدْت إنَّمَا بُنِيَتْ الْمَسَاجِدُ لِمَا بُنِيَتْ لَهُ» .
وَيُصَانُ الْمَسْجِدُ عَنْ تَعْلِيقِ مُصْحَفٍ وَغَيْرِهِ فِي قِبْلَتِهِ دُونَ وَضْعِهِ بِأَرْضِهِ.
(قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵁: يُكْرَهُ أَنْ يُعَلَّقَ بِالْقِبْلَةِ شَيْءٌ يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ، وَلَمْ يُكْرَهْ أَنْ يُوضَعَ فِي الْمَسْجِدِ الْمُصْحَفُ. .
مَطْلَبٌ: حُكْمُ زَخْرَفَةِ الْمَسْجِدِ بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ قَالَ فِي الْإِقْنَاعِ: وَتَحْرِيمُ زَخْرَفَتِهِ بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ، وَتَجِبُ إزَالَتُهُ أَيْ إنْ حَصَلَ مِنْهُ شَيْءٌ بِعَرْضِهِ عَلَى النَّارِ.
وَفِي الْآدَابِ الْكُبْرَى يُكْرَهُ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ: وَهَلْ تَحْرُمُ تَحْلِيَةُ الْمَسْجِدِ بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ وَتَجِبُ إزَالَتُهُ وَزَكَاتُهُ بِشَرْطِهَا أَوْ يُكْرَهُ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ.
وَقَدَّمَ الْأَوَّلَ فِي الرِّعَايَةِ.
قُلْت: وَهُوَ الْمَذْهَبُ كَمَا مَرَّ.
وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ لَا بَأْسَ بِتَحْلِيَةِ الْمَسْجِدِ بِذَهَبٍ وَنَحْوِهِ؛ لِأَنَّهُ تَعْظِيمٌ لَهُ.
وَمِنْهُمْ مَنْ اسْتَحَبَّهُ لِذَلِكَ.
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ يُكْرَهُ وَيُصَانُ عَنْهُ.
وَهُوَ قَوْلٌ لِبَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ.
وَلِلشَّافِعِيَّةِ فِي تَحْرِيمِهِ وَجْهَانِ.
ذَكَرَ ذَلِكَ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى.
قَالَ: وَأَوَّلُ مَنْ ذَهَّبَ الْكَعْبَةَ وَزَخْرَفَ الْمَسَاجِدَ الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ لَمَّا بَعَثَ خَالِدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْقَيْسَرِيَّ إلَى مَكَّةَ.
وَتُكْرَهُ زَخْرَفَةُ الْمَسَاجِدِ بِنَقْشٍ وَصَبْغٍ وَكِتَابَةٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُلْهِي الْمُصَلِّيَ عَنْ صَلَاتِهِ غَالِبًا.
وَإِنْ كَانَ مِنْ مَالِ الْوَقْفِ حَرُمَ وَوَجَبَ الضَّمَانُ.
وَفِي الْغُنْيَةِ لَا بَأْسَ بِتَجْصِيصِهِ انْتَهَى.
قَالَ فِي الْإِقْنَاعِ: أَيْ: يُبَاحُ تَجْصِيصُ حِيطَانِهِ وَهُوَ تَبْيِيضُهَا بِهِ، وَصَحَّحَهُ الْحَارِثِيُّ وَلَمْ يَرَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَقَالَ هُوَ مِنْ زِينَةِ الدُّنْيَا.
следующие страницы →