← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 25791

غذاء الألباب في شرح منظومة الآداب

السفاريني

Полный текст (1 066 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

الْإِقْنَاعِ وَغَيْرِهِ. وَذَلِكَ لِمَا رُوِيَ عَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «جَنِّبُوا مَسَاجِدَكُمْ صِبْيَانَكُمْ وَمَجَانِينَكُمْ وَشِرَاءَكُمْ وَبَيْعَكُمْ وَخُصُومَاتِكُمْ، وَرَفْعَ أَصْوَاتِكُمْ وَإِقَامَةَ حُدُودِكُمْ وَسَلَّ سُيُوفِكُمْ، وَاِتَّخِذُوا عَلَى أَبْوَابِهَا الْمَطَاهِرَ وَجَمِّرُوهَا فِي الْجُمَعِ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ وَأَبِي أُمَامَةَ وَوَاثِلَةَ. وَرَوَاهُ فِي الْكَبِيرِ أَيْضًا بِتَقْدِيمٍ وَتَأْخِيرٍ مِنْ رِوَايَةِ مَكْحُولٍ عَنْ مُعَاذٍ وَلَمْ يُسْمَعْ مِنْهُ. قَوْلُهُ جَمِّرُوهَا أَيْ بَخِّرُوهَا وَزْنُهُ وَمَعْنَاهُ. مَطْلَبٌ: يَحْرُمُ الْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ فِي الْمَسْجِدِ قَالَ فِي الْإِقْنَاعِ: وَيَحْرُمُ فِيهِ الْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ وَالْإِجَارَةُ لِلْمُعْتَكِفِ وَغَيْرِهِ، فَإِنْ فَعَلَ فَبَاطِلٌ. وَيُسَنُّ أَنْ يُقَالَ لِمَنْ يَبِيعُ أَوْ يَشْتَرِي فِيهِ لَا أَرْبَحَ اللَّهُ تِجَارَتَك، وَهَذَا الْمَذْهَبُ. وَقِيلَ يُكْرَهُ الْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ فِيهِ لَا أَنَّهُمَا يَحْرُمَانِ، قَطَعَ بِهِ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُصُولِ وَالسَّامِرِيُّ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَابْنُ أَبِي عُمَرَ فِي آخِرِ كِتَابِ الْبَيْعِ. وَحُكِيَ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ. فَعَلَى التَّحْرِيمِ فِي الصِّحَّةِ وَجْهَانِ الْمَذْهَبُ عَدَمُهَا وَقِيلَ بَلَى. وَلَا يَجُوزُ التَّكَسُّبُ فِي الْمَسْجِدِ بِالصَّنْعَةِ كَخِيَاطَةٍ وَغَيْرِهَا قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا لِحَاجَةٍ وَغَيْرِهَا. قَالَهُ فِي الْإِقْنَاعِ وَقَالَ: وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُتَّخَذَ الْمَسْجِدُ مَكَانًا لِلْمَعَاشِ وَقُعُودِ الصُّنَّاعِ وَالْفَعَلَةِ فِيهِ يَنْتَظِرُونَ مَنْ يَكْتَرِيهِمْ بِمَنْزِلَةِ وَضْعِ الْبَضَائِعِ فِيهِ يَنْتَظِرُ مَنْ يَشْتَرِيهَا، وَعَلَى وَلِيِّ الْأَمْرِ مَنْعُهُمْ مِنْ ذَلِكَ لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «خِصَالٌ لَا يَنْبَغِينَ فِي الْمَسْجِدِ: لَا يُتَّخَذُ طَرِيقًا، وَلَا يُشْهَرُ فِيهِ سِلَاحٌ وَلَا يُنْبَضُ فِيهِ بِقَوْسٍ، وَلَا يُنْثَرُ فِيهِ نَبْلٌ، وَلَا يُمَرُّ فِيهِ بِلَحْمٍ نِيءٍ، وَلَا يُضْرَبُ فِيهِ حَدٌّ، وَلَا يُقْتَصُّ فِيهِ مِنْ أَحَدٍ، وَلَا يُتَّخَذُ سُوقًا» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. وَرَوَى مِنْهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ «لَا تَتَّخِذُوا الْمَسَاجِدَ طُرُقًا إلَّا لِذِكْرٍ أَوْ صَلَاةٍ» وَإِسْنَادُ الطَّبَرَانِيِّ لَا بَأْسَ بِهِ. قَوْلُهُ " يُنْبَضَ فِيهِ بِقَوْسٍ " يُقَالُ انْبِضْ الْقَوْسَ بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ إذَا حَرَّكَ وَتَرَهَا لِتَرِنَّ. وَالنِّيءُ بِكَسْرِ النُّونِ وَهَمْزَةٍ بَعْدَ الْيَاءِ مَمْدُودًا، هُوَ الَّذِي لَمْ يُطْبَخْ وَقِيلَ: لَمْ يَنْضُجْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَإِنْ وَقَفُوا خَارِجَ أَبْوَابِهِ فَلَا بَأْسَ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵁: لَا أَرَى لِرَجُلٍ إذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ إلَّا أَنْ يُلْزِمَ نَفْسَهُ الذِّكْرَ وَالتَّسْبِيحَ فَإِنَّ

стр. 772

الْمَسَاجِدَ إنَّمَا بُنِيَتْ لِذَلِكَ وَلِلصَّلَاةِ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْ ذَلِكَ خَرَجَ إلَى مَعَاشِهِ. قَالَ أَيْ فِي الْإِقْنَاعِ: وَيُصَانُ عَنْ عَمَلِ صَنْعَةٍ يُكْرَهُ الْيَسِيرُ لِغَيْرِ التَّكَسُّبِ كَرَقْعِ ثَوْبِهِ وَخَصْفِ نَعْلِهِ، سَوَاءٌ كَانَ الصَّانِعُ يُرَاعِي الْمَسْجِدَ بِكَنْسٍ وَنَحْوِهِ أَوْ لَمْ يَكُنْ. وَذَكَرَ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى رِوَايَتَيْنِ: الْحُرْمَةُ وَالْكَرَاهَةُ، وَنَقَلَهُمَا فِي الْفُرُوعِ وَالْإِنْصَافِ وَغَيْرِهِمَا، وَالْمُرَادُ غَيْرُ الْكِتَابَةِ فَإِنَّ الْإِمَامَ أَحْمَدَ ﵁ سَهَّلَ فِيهَا. قَالَ الْحَارِثِيُّ: لِأَنَّ الْكِتَابَةَ نَوْعُ تَحْصِيلٍ لِلْعِلْمِ فَهِيَ فِي مَعْنَى الدِّرَاسَةِ. وَيَخْرُجُ عَلَى ذَلِكَ تَعَلُّمُ الصِّبْيَانِ لِلْكِتَابَةِ فِيهِ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَحْصُلَ ضَرَرٌ بِحِبْرٍ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ. مَطْلَبٌ: حُكْمُ رَفْعِ الصَّوْتِ فِي الْمَسْجِدِ وَيُسَنُّ أَنْ يُصَانَ عَنْ لَغَطٍ، وَكَثْرَةِ حَدِيثِ لَاغٍ وَرَفْعِ صَوْتٍ بِمَكْرُوهٍ. وَظَاهِرُ هَذَا عَدَمُ الْكَرَاهَةِ إذَا كَانَ مُبَاحًا أَوْ مُسْتَحَبًّا، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ. وَقَالَ فِي الْغُنْيَةِ: يُكْرَهُ إلَّا بِذِكْرِ اللَّهِ - تَعَالَى. وَمَذْهَبُ مَالِكٍ كَرَاهَةُ ذَلِكَ. قَالَ أَشْهَبُ: سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَفْعِ الصَّوْتِ فِي الْمَسْجِدِ فِي الْعِلْمِ وَغَيْرِهِ، قَالَ: لَا خَيْرَ فِي ذَلِكَ فِي الْعِلْمِ وَلَا فِي غَيْرِهِ، وَلَقَدْ أَدْرَكْت النَّاسَ قَدِيمًا يَعِيبُونَ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَكُونُ بِمَجْلِسِهِ، وَمَنْ كَانَ يَكُونُ ذَلِكَ فِي مَجْلِسِهِ كَانَ يُعْتَذَرُ مِنْهُ، وَأَنَا أَكْرَهُ ذَلِكَ، وَلَا أَرَى فِيهِ خَيْرًا، انْتَهَى. وَأَمَّا مَا اُشْتُهِرَ عَلَى الْأَلْسِنَةِ مِنْ قَوْلِهِمْ: «إنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: الْحَدِيثُ فِي الْمَسْجِدِ» ، وَبَعْضُهُمْ يُرِيدُ الْمُبَاحَ «يَأْكُلُ الْحَسَنَاتِ كَمَا تَأْكُلُ الْبَهِيمَةُ الْحَشِيشَ» ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ «كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الْحَطَبَ» فَهُوَ كَذِبٌ لَا أَصْلَ لَهُ. قَالَ فِي الْمُخْتَصَرِ: لَمْ يُوجَدْ. وَذَكَرَهُ الْقَارِئُ فِي مَوْضُوعَاتِهِ. قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُصُولِ: وَلَا بَأْسَ بِالْمُنَاظَرَةِ فِي مَسَائِلِ الْفِقْهِ وَالِاجْتِهَادِ فِي الْمَسَائِلِ إذَا كَانَ الْقَصْدُ طَلَبَ الْحَقِّ، فَإِنْ كَانَ مُغَالَبَةً وَمُنَافَرَةً دَخَلَ فِي خَبَرِ الْمِلَاحَةِ وَالْجِدَالِ فِيمَا لَا يَعْنِي، وَلَمْ يَجُزْ فِي الْمَسَاجِدِ. فَأَمَّا الْمِلَاحَةُ فِي غَيْرِ الْعُلُومِ فَلَا تَجُوزُ حَتَّى فِي غَيْرِ الْمَسَاجِدِ؛ «لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى لَيْلَةَ الْقَدْرِ فَخَرَجَ لِيُعْلِمَ النَّاسَ - فَتَلَاحَى رَجُلَانِ فِي الْمَسْجِدِ فَرُفِعَتْ» ، فَلَوْ كَانَ فِي الْمِلَاحَةِ خَيْرٌ لَمَا كَانَتْ سَبَبًا لِنِسْيَانِهَا. وَلِأَنَّ اللَّهَ صَانَ الْإِحْرَامَ عَنْ الْجِدَالِ فَقَالَ: ﴿وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧] .

стр. 773

وَيُسَنُّ أَنْ يُصَانَ عَنْ رَائِحَةٍ كَرِيهَةٍ مِنْ بَصَلٍ وَثُومٍ وَكُرَّاتٍ وَنَحْوِهَا. وَإِنْ دَخَلَهُ اُسْتُحِبَّ إخْرَاجُهُ. وَمِثْلُهُ مَنْ بِهِ بَخْرٌ وَصُنَانٌ قَوِيٌّ. وَمِثْلُهُ إخْرَاجُ الرِّيحِ فِيهِ مِنْ دُبُرِهِ فَهُوَ مَكْرُوهٌ. وَأَمَّا مَا يَذْكُرُهُ بَعْضُ مَنْ لَا عِلْمَ لَهُ بِالْمَنْقُولِ مِنْ أَنَّ الْإِنْسَانَ إذَا خَرَجَ مِنْ دُبُرِهِ رِيحٌ، وَهُوَ بِالْمَسْجِدِ يَتَلَقَّاهُ مَلَكٌ بِفَمِهِ، وَيَخْرُجُ بِهِ إلَى خَارِجِ الْمَسْجِدِ، فَإِذَا تَفَوَّهَ بِهِ مَاتَ الْمَلَكُ، فَهُوَ كَلَامٌ بَاطِلٌ لَمْ أَقِفْ لَهُ عَلَى أَصْلٍ يُسْنَدُ إلَيْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. . مَطْلَبٌ: حُكْمُ النَّوْمِ فِي الْمَسْجِدِ وَيُسَنُّ صَوْنُهُ عَنْ نَوْمٍ، وَعَنْهُ عَنْ نَوْمٍ كَثِيرٍ، وَعَنْهُ: إنْ اتَّخَذَهُ مَبِيتًا وَمَقِيلًا كُرِهَ مُطْلَقًا، وَإِلَّا فَلَا يُكْرَهُ مُطْلَقًا. كَذَا أَطْلَقُوا الْعِبَارَةَ. وَيَنْبَغِي أَنْ يَخْرُجَ مِنْ هَذَا نَوْمُ الْمُعْتَكِفِ قَالَهُ فِي الْآدَابِ، وَاسْتَثْنَاهُ سَيِّدُنَا الشَّيْخُ عَبْدُ الْقَادِرِ فِي الْغُنْيَةِ، وَاسْتَثْنَى الْغَرِيبَ أَيْضًا. وَذَكَرَ الشَّيْخُ ابْنُ عُمَرَ فِي الشَّرْحِ الْكَبِيرِ فِي أَوَاخِرِ بَابِ الْأَذَانِ أَنَّهُ يُبَاحُ النَّوْمُ فِي الْمَسْجِدِ وَلَمْ يُفَصِّلْ. وَقَالَ الْقَاضِي سَعْدُ الدِّينِ الْحَارِثِيُّ مِنْ أَئِمَّةِ الْأَصْحَابِ: لَا خِلَافَ فِي جَوَازِهِ لِلْمُعْتَكِفِ وَكَذَا مَا لَا يُسْتَدَامُ كَبَيْتُوتَةِ الضَّيْفِ وَالْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ وَقَيْلُولَةِ الْمُجْتَازِ وَيَجُوزُ ذَلِكَ، نَصَّ عَلَيْهِ يَعْنِي الْإِمَامَ مِنْ رِوَايَةِ غَيْرِ وَاحِدٍ. وَمَا يُسْتَدَامُ مِنْ النَّوْمِ كَنَوْمِ الْمُقِيمِ بِهِ فَعَنْ أَحْمَدَ الْمَنْعُ، وَحَكَى الْقَاضِي رِوَايَةً بِالْجَوَازِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَجَمَاعَةٍ. قَالَ: وَبِهَذَا أَقُولُ انْتَهَى. وَذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ﵁ فِي الْفَتَاوَى الْمِصْرِيَّةِ إنَّمَا يُرَخَّصُ فِي النَّوْمِ فِي الْمَسَاجِدِ لِذَوِي الْحَاجَةِ مِثْلُ مَا كَانَ أَهْلُ الصُّفَّةِ، كَانَ الرَّجُلُ يَأْتِي مُهَاجِرًا إلَى الْمَدِينَةِ لَيْسَ لَهُ مَكَانٌ يَأْوِي إلَيْهِ فَيُقِيمُ بِالصُّفَّةِ إلَى أَنْ يَتَيَسَّرَ لَهُ أَهْلٌ أَوْ مَكَانٌ يَأْوِي إلَيْهِ ثُمَّ يَنْتَقِلُ، وَمِثْلُ الْمِسْكِينَةِ الَّتِي كَانَتْ تَأْوِي إلَى الْمَسْجِدِ وَكَانَتْ تَقُمْهُ، وَمِثْلَ مَا كَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵁ يَبِيتُ فِي الْمَسْجِدِ وَهُوَ عَزَبٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ بَيْتٌ يَأْوِي إلَيْهِ حَتَّى تَزَوَّجَ. وَمِنْ هَذَا الْبَابِ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ﵁ لَمَّا تَقَاوَلَ هُوَ وَسَيِّدَتُنَا فَاطِمَةُ ﵂ ذَهَبَ إلَى الْمَسْجِدِ فَنَامَ فِيهِ. قَالَ: فَيَجِبُ الْفَرْقُ بَيْنَ الْأَمْرِ الْيَسِيرِ وَذَوِي الْحَاجَاتِ، وَبَيْنَ مَا يَصِيرُ عَادَةً وَيَكْثُرُ وَمَا يَكُونُ لِغَيْرِ

стр. 774

ذَوِي الْحَاجَاتِ وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: لَا يُتَّخَذُ الْمَسْجِدُ مَبِيتًا وَمَقِيلًا. وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ وَقَدْ سُئِلَ عَنْ الْمَبِيتِ فِي الْمَسْجِدِ: إنْ كَانَ الْمَبِيتُ لِحَاجَةٍ كَالْغَرِيبِ الَّذِي لَا أَهْلَ لَهُ وَالْقَرِيبِ الْفَقِيرِ الَّذِي لَا بَيْتَ لَهُ وَنَحْوِ ذَلِكَ إذَا كَانَ يَبِيتُ فِيهِ بِمِقْدَارِ الْحَاجَةِ ثُمَّ يَنْتَقِلُ فَلَا بَأْسَ، وَأَمَّا مَنْ اتَّخَذَهُ مَبِيتًا وَمَقِيلًا فَيُنْهَى عَنْ ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. . مَطْلَبٌ: حُكْمُ إنْشَادِ الشِّعْرِ فِي الْمَسْجِدِ وَيُسَنُّ صَوْنُهُ عَنْ إنْشَادِ شِعْرٍ مُحَرَّمٍ وَقَبِيحٍ وَغِنَاءٍ وَعَمَلِ سَمَاعٍ. رَوَى ابْنُ السُّنِّيِّ عَنْ ثَوْبَانَ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ رَأَيْتُمُوهُ يُنْشِدُ شِعْرًا فِي الْمَسْجِدِ فَقُولُوا: فَضَّ اللَّهُ فَاكَ قَالَهُ ﵇ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ» قَالَ فِي الْغَنِيمَةِ: لَا بَأْسَ بِإِنْشَادِ شِعْرٍ خَالٍ مِنْ سُخْفٍ وَهِجَاءٍ لِلْمُسْلِمِينَ قَالَ: وَالْأَوْلَى صِيَانَتُهُ عَنْهَا إلَّا أَنْ تَكُونَ مِنْ الزُّهْدِيَّاتِ فَيَجُوزُ الْإِكْثَارُ؛ لِأَنَّ الْمَسَاجِدَ وُضِعَتْ لِذِكْرِ اللَّهِ فَيَنْبَغِي أَنْ تُجَلَّ عَنْ غَيْرِ ذَلِكَ. قُلْت: وَمِثْلُ الزُّهْدِيَّاتِ بَلْ أَوْلَى مَا فِيهِ مَصْلَحَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ مِنْ هَجْوِ أَعْدَاءِ. اللَّهِ وَتَحْرِيضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْإِقْدَامِ عَلَى الْقِتَالِ. قَالَ فِي الْإِقْنَاعِ: وَيُبَاحُ فِيهِ عَقْدُ النِّكَاحِ. قُلْت: بَلْ اسْتَحَبَّهُ بَعْضُ الْأَصْحَابِ انْتَهَى. وَالْقَضَاءُ وَاللِّعَانُ وَالْحُكْمُ وَإِنْشَادُ الشِّعْرِ الْمُبَاحِ. وَيُبَاحُ لِلْمَرِيضِ أَنْ يَكُونَ فِيهِ. مَطْلَبٌ: حُكْمُ إنْشَادِ الضَّالَّةِ فِي الْمَسْجِدِ وَيُصَانُ عَنْ إنْشَادِ ضَالَّةٍ وَنِشْدَانِهَا، وَيَقُولُ سَامِعُهُ: لَا وَجَدْتهَا وَلَا رَدَّهَا اللَّهُ عَلَيْكَ. رَوَى ذَلِكَ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ. وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَالْحَاكِمُ وَقَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إذَا رَأَيْتُمْ مَنْ يَبِيعُ أَوْ يَبْتَاعُ فِي الْمَسْجِدِ فَقُولُوا: لَا أَرْبَحَ اللَّهُ

стр. 775

تِجَارَتَك، وَإِذَا رَأَيْتُمْ مَنْ يَنْشُدُ ضَالَّةً فَقُولُوا: لَا رَدَّهَا اللَّهُ عَلَيْك» . وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْهُ مَرْفُوعًا «مَنْ سَمِعَ رَجُلًا يَنْشُدُ ضَالَّةً فِي الْمَسْجِدِ فَلْيَقُلْ: لَا رَدَّهَا اللَّهُ عَلَيْك فَإِنَّ الْمَسَاجِدَ لَمْ تُبْنَ لِهَذَا» . وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ بُرَيْدَةَ ﵁ «أَنَّ رَجُلًا أَنْشَدَ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ: مَنْ دَعَا إلَى الْجَمَلِ الْأَحْمَرِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا وَجَدْت إنَّمَا بُنِيَتْ الْمَسَاجِدُ لِمَا بُنِيَتْ لَهُ» . وَيُصَانُ الْمَسْجِدُ عَنْ تَعْلِيقِ مُصْحَفٍ وَغَيْرِهِ فِي قِبْلَتِهِ دُونَ وَضْعِهِ بِأَرْضِهِ. (قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵁: يُكْرَهُ أَنْ يُعَلَّقَ بِالْقِبْلَةِ شَيْءٌ يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ، وَلَمْ يُكْرَهْ أَنْ يُوضَعَ فِي الْمَسْجِدِ الْمُصْحَفُ. . مَطْلَبٌ: حُكْمُ زَخْرَفَةِ الْمَسْجِدِ بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ قَالَ فِي الْإِقْنَاعِ: وَتَحْرِيمُ زَخْرَفَتِهِ بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ، وَتَجِبُ إزَالَتُهُ أَيْ إنْ حَصَلَ مِنْهُ شَيْءٌ بِعَرْضِهِ عَلَى النَّارِ. وَفِي الْآدَابِ الْكُبْرَى يُكْرَهُ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ: وَهَلْ تَحْرُمُ تَحْلِيَةُ الْمَسْجِدِ بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ وَتَجِبُ إزَالَتُهُ وَزَكَاتُهُ بِشَرْطِهَا أَوْ يُكْرَهُ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ. وَقَدَّمَ الْأَوَّلَ فِي الرِّعَايَةِ. قُلْت: وَهُوَ الْمَذْهَبُ كَمَا مَرَّ. وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ لَا بَأْسَ بِتَحْلِيَةِ الْمَسْجِدِ بِذَهَبٍ وَنَحْوِهِ؛ لِأَنَّهُ تَعْظِيمٌ لَهُ. وَمِنْهُمْ مَنْ اسْتَحَبَّهُ لِذَلِكَ. وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ يُكْرَهُ وَيُصَانُ عَنْهُ. وَهُوَ قَوْلٌ لِبَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ. وَلِلشَّافِعِيَّةِ فِي تَحْرِيمِهِ وَجْهَانِ. ذَكَرَ ذَلِكَ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى. قَالَ: وَأَوَّلُ مَنْ ذَهَّبَ الْكَعْبَةَ وَزَخْرَفَ الْمَسَاجِدَ الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ لَمَّا بَعَثَ خَالِدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْقَيْسَرِيَّ إلَى مَكَّةَ. وَتُكْرَهُ زَخْرَفَةُ الْمَسَاجِدِ بِنَقْشٍ وَصَبْغٍ وَكِتَابَةٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُلْهِي الْمُصَلِّيَ عَنْ صَلَاتِهِ غَالِبًا. وَإِنْ كَانَ مِنْ مَالِ الْوَقْفِ حَرُمَ وَوَجَبَ الضَّمَانُ. وَفِي الْغُنْيَةِ لَا بَأْسَ بِتَجْصِيصِهِ انْتَهَى. قَالَ فِي الْإِقْنَاعِ: أَيْ: يُبَاحُ تَجْصِيصُ حِيطَانِهِ وَهُوَ تَبْيِيضُهَا بِهِ، وَصَحَّحَهُ الْحَارِثِيُّ وَلَمْ يَرَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَقَالَ هُوَ مِنْ زِينَةِ الدُّنْيَا.

стр. 776

مَطْلَبٌ: فِي بَيَانِ مَا يَجِبُ أَنْ يُمْنَعَ مِنْ وُقُوعِهِ فِي الْمَسَاجِدِ . (النَّوْعُ الثَّالِثُ) : فِيمَا يَجِبُ أَنْ يُمْنَعَ مِنْ وُقُوعِهِ فِي الْمَسَاجِدِ. فَيَحْرُمُ عَلَى الْجُنُبِ أَنْ يَلْبَثَ فِي الْمَسْجِدِ بِلَا وُضُوءٍ وَلَا تَيَمُّمٍ بِلَا حَاجَةٍ، فَإِنْ تَوَضَّأَ جَازَ لَهُ اللُّبْثُ، وَلَوْ انْتَقَضَ وُضُوءُهُ حَتَّى قَبْلَ دُخُولِ الْمَسْجِدِ فِي الْمُعْتَمَدِ. وَيُمْنَعُ نَجِسُ الْبَدَنِ مِنْ اللُّبْثِ فِيهِ. وَيُمْنَعُ مِنْ اخْتِلَاطِ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ وَإِيذَاءِ الْمُصَلِّينَ بِقَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ. وَيُمْنَعُ السَّكْرَانُ مِنْ دُخُولِهِ. قَالَ الْإِمَامُ ابْنُ عَقِيلٍ: أَنَا أَبْرَأُ إلَى اللَّهِ - تَعَالَى - مِنْ جُمُوعِ أَهْلِ زَمَانِنَا فِي الْمَسَاجِدِ وَالْمَشَاهِدِ لَيَالِي يُسَمُّونَهَا إحْيَاءً، لَعَمْرِي إنَّهَا لِإِحْيَاءِ أَهْوَائِهِمْ. وَإِيقَادِ شَهَوَاتِهِمْ. قَالَ فِي الْآدَابِ: وَهَذَا فِي زَمَانِهِ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ نَحْوُ ثَلَاثِمِائَةِ سَنَةٍ. قَالَ وَمَا يَجْرِي بِالشَّامِ وَمِصْرَ وَالْعِرَاقِ وَغَيْرِهَا مِنْ بِلَادِ الْإِسْلَامِ فِي الْمَوَاسِمِ مِنْ الْمُنْكَرَاتِ فِي زَمَانِنَا أَضْعَافُ مَا كَانَ فِي زَمَانِهِ فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ. قُلْت: وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي آدَابِهِ فِي زَمَانِهِ، وَهُوَ ﵁ قَدْ تُوُفِّيَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ وَسَبْعِمِائَةٍ، فَمَا بَالُك بِعَصْرِنَا هَذَا الَّذِي نَحْنُ فِيهِ وَهُوَ فِي الْمِائَةِ الثَّانِيَةَ عَشَرَ، وَقَدْ انْطَمَسَتْ مَعَالِمُ الدِّينِ، وَطُفِّئَتْ إلَّا مِنْ بَقَايَا حَفَظَةِ الدِّينِ، فَصَارَتْ السُّنَّةُ بِدْعَةً، وَالْبِدْعَةُ شِرْعَةً، وَالْعِبَادَةُ عَادَةً وَالْعَادَةُ عِبَادَةً. فَعَالِمُهُمْ عَاكِفٌ عَلَى شَهَوَاتِهِ، وَحَاكِمُهُمْ مُتَمَادٍ فِي غَفَلَاتِهِ، وَأَمِيرُهُمْ لَا حُلْمَ لَدَيْهِ، وَلَا دِينَ، وَغَنِيُّهُمْ لَا رَأْفَةَ عِنْدَهُ، وَلَا رَحْمَةَ لِلْمَسَاكِينِ، وَفَقِيرُهُمْ مُتَكَبِّرٌ، وَغَنِيُّهُمْ مُتَجَبِّرٌ. مَطْلَبٌ: مُتَصَوِّفَةُ زَمَانِنَا وَمَا يَفْعَلُونَهُ مِنْ الْمُنْكَرَاتِ. فَلَوْ رَأَيْت جُمُوعَ صُوفِيَّةِ زَمَانِنَا، وَقَدْ أَوْقَدُوا النِّيرَانَ، وَأَحْضَرُوا آلَاتِ الْمَعَازِفِ بِالدُّفُوفِ الْمُجَلْجِلَةِ، وَالطُّبُولِ وَالنَّايَاتِ وَالشَّبَابِ، وَقَامُوا عَلَى أَقْدَامِهِمْ يَرْقُصُونَ وَيَتَمَايَلُونَ، لَقَضَيْت بِأَنَّهُمْ فِرْقَةٌ مِنْ بَقِيَّةِ أَصْحَابِ السَّامِرِيِّ وَهُمْ عَلَى عِبَادَةِ عِجْلِهِمْ يَعْكُفُونَ. أَوْ حَضَرْت مَجْمَعًا وَقَدْ حَضَرَهُ الْعُلَمَاءُ بِعَمَائِمِهِمْ الْكِبَارِ وَالْفِرَاءِ الْمُثَمَّنَةِ، وَالْهَيْئَاتِ الْمُسْتَحْسَنَةِ، وَقَدَّمُوا قَصَّابَ الدُّخَانِ، الَّتِي هِيَ لِجَامَاتُ الشَّيْطَانِ، وَقَدْ ابْتَدَرَ ذُو نَغْمَةٍ يَنْشُدُ مِنْ الْأَشْعَارِ الْمُهَيِّجَةِ

стр. 777

فَوَصَفَ الْخُدُودَ وَالنُّهُودَ وَالْقُدُودَ، وَقَدْ أَرْخَى الْقَوْمُ رُءُوسَهُمْ وَنَكَّسُوهَا، وَاسْتَمَعُوا لِلنَّغْمَةِ وَاسْتَأْنَسُوهَا، لَقُلْت وَهُمْ لِذَلِكَ مُطْرِقُونَ: مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ. فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ. وَكُلُّ هَذَا بِالنِّسْبَةِ لِطَائِفَةٍ زَعَمَتْ الْعِرْفَانَ يَهُونُ. فَإِنَّهُمْ مَعَ انْكِبَابِهِمْ عَلَى الشَّهَوَاتِ، وَارْتِكَابِهِمْ الْمَعَاصِيَ وَانْتِحَالِهِمْ الشُّبُهَاتِ، يَزْعُمُونَ الِاتِّحَادَ وَالْحُلُولَ، وَيَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ الطَّائِفَةُ النَّاجِيَةُ، وَأَنَّهُمْ هُمْ الْأَئِمَّةُ وَالْفُحُولُ. وَلَقَدْ صَدَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ كَمَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ ﵁ «لَا يَأْتِي عَامٌ إلَّا وَاَلَّذِي بَعْدَهُ شَرٌّ مِنْهُ سَمِعْته مِنْ نَبِيِّكُمْ ﷺ » . وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ. . مَطْلَبٌ: فِي بَيَانِ أَشْيَاءَ يَحْرُمُ فِعْلُهَا فِي الْمَسْجِدِ وَتُمْنَعُ مِنْهُ حَائِضٌ وَنُفَسَاءُ مُطْلَقًا. قَالَ فِي الْإِقْنَاعِ: وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: يَجِبُ صَوْنُهُ عَنْ جُلُوسِهِمَا فِيهِ. وَأَمَّا الْمُرُورُ فِيهِ فَيُسَنُّ صَوْنُهُ عَنْ ذَلِكَ بِأَنْ لَا يُجْعَلَ طَرِيقًا إلَّا لِحَاجَةٍ. قَالَ: وَكَوْنُهُ طَرِيقًا قَرِيبًا حَاجَةٌ. وَكَذَلِكَ الْجُنُبُ بِلَا وُضُوءٍ. وَيَحْرُمُ الْجِمَاعُ فِيهِ. وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: يُكْرَهُ الْجِمَاعُ فَوْقَهُ وَالتَّمَسُّحُ بِحَائِطِهِ، وَالْبَوْلُ عَلَيْهِ. وَجَوَّزَ فِي الرِّعَايَةِ الْوَطْءَ فِيهِ وَعَلَى سَطْحِهِ. وَالْمَذْهَبُ حُرْمَةُ ذَلِكَ كُلِّهِ مَا لَمْ يَكُنْ هَوَاءُ الْمَسْجِدِ لَيْسَ بِمَسْجِدٍ، مِثْلُ أَنْ يَبْنِيَ بَيْتًا فَوْقَ بَيْتٍ ثُمَّ يَجْعَلَ السُّفْلَ مِنْهُمَا مَسْجِدًا دُونَ الْأَعْلَى، فَهَذَا لَا يَحْرُمُ الْوَطْءُ فِيهِ. وَأَمَّا إذَا كَانَ السَّطْحُ تَابِعًا لِلْمَسْجِدِ فَيَحْرُمُ الْوَطْءُ عَلَيْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَيُمْنَعُ مِنْ الْبَوْلِ فِيهِ، وَلَوْ فِي إنَاءٍ، وَالْفَصْدُ وَالْحِجَامَةُ وَالْقَيْءُ وَنَحْوُ ذَلِكَ. وَإِنْ بَالَ خَارِجَهُ وَجَسَدُهُ فِيهِ دُونَ ذَكَرِهِ كُرِهَ. وَمَفْهُومُهُ: إذَا كَانَ ذَكَرُهُ فِي الْمَسْجِدِ حَرُمَ؛ لِأَنَّ الْهَوَاءَ تَابِعٌ لِلْقَرَارِ. وَقَدْ سُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵁ كَمَا فِي الْفَتَاوَى الْمِصْرِيَّةِ عَنْ رَجُلٍ مُجَاوِرٍ فِي مَسْجِدٍ، وَلَيْسَ بِهِ ضَرَرٌ، وَالسِّقَايَةُ بِالْقُرْبِ مِنْهُ، فَهَلْ لَهُ أَنْ يَبُولَ فِي وِعَاءٍ فِي الْمَسْجِدِ، وَالْحَالَةُ هَذِهِ؟ أَجَابَ ﵁: لَيْسَ لَهُ أَنْ يَبُولَ فِي وِعَاءٍ فِي الْمَسْجِدِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 778

وَسُئِلَ إذَا كَانَ فِي الْمَسْجِدِ بِرْكَةٌ يُغْلَقُ عَلَيْهَا بَابُ الْمَسْجِدِ لَكِنْ يَمْشِي حَوْلَهَا دُونَ أَنْ يُصَلِّيَ حَوْلَهَا، هَلْ يَحْرُمُ الْبَوْلُ عِنْدَهَا؟ أَجَابَ ﵁: هَذَا يُشْبِهُ الْبَوْلَ فِي الْمَسْجِدِ فِي الْقَارُورَةِ. وَمِنْ الْفُقَهَاءِ مَنْ نَهَى عَنْهُ؛ لِأَنَّ هَوَاءَ الْمَسْجِدِ كَقَرَارِهِ فِي الْحُرْمَةِ. وَمِنْهُمْ مَنْ يُرَخِّصُ لِلْحَاجَةِ. قَالَ: وَالْأَشْبَهُ أَنَّ هَذَا إذَا فُعِلَ لِلْحَاجَةِ فَقَرِيبٌ، وَأَمَّا اتِّخَاذُ ذَلِكَ مَبَالًا وَمُسْتَنْجًى فَلَا. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَبَعْضُ مَشَايِخِنَا فَصَّلَ تَفْصِيلًا حَسَنًا وَهُوَ مُرَادُهُمْ أَنَّ نَحْوَ الْبِرْكَةِ إنْ جُعِلَ حَوْلَهَا بَالُوعَةٌ وَمِثْلُ الْمَطْهَرَةِ الَّتِي تُجْعَلُ فِي الْمَسْجِدِ، فَإِنْ كَانَ وَضْعُهَا مُتَقَدِّمًا عَلَى الْمَسْجِدِ أَوْ مُسَاوِيًا فِي الْوَضْعِ أُبِيحَ فِي الْمَطْهَرَةِ، وَمَا أُعِدَّ لِذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ حَدَثَ ذَلِكَ بَعْدَ وَضْعِ الْمَسْجِدِ فَهُوَ مَسْجِدٌ، وَلَهُ حُكْمُهُ فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَلَيْسَ لِلنَّاسِ اسْتِعْمَالُ حُصُرِ الْمَسْجِدِ وَقَنَادِيلِهِ فِي أَغْرَاضِهِمْ كَالْأَعْرَاسِ وَالْأَعْزِيَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. مَطْلَبٌ: حُكْمُ دُخُولِ الْكَافِرِ الْمَسْجِدَ وَلَيْسَ لِكَافِرٍ دُخُولُ مَسَاجِدِ الْحِلِّ، وَلَوْ بِإِذْنِ مُسْلِمٍ. وَيَجُوزُ دُخُولُهَا لِلذِّمِّيِّ إذَا اُسْتُؤْجِرَ لِعِمَارَتِهَا. هَذَا الْمَذْهَبُ الْمُعْتَمَدُ. وَفِي الْآدَابِ الْكُبْرَى فِي جَوَازِ دُخُولِ الْكَافِرِ مَسَاجِدَ الْحِلِّ بِإِذْنِ مُسْلِمٍ لِمَصْلَحَةٍ رِوَايَتَانِ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَالْمَنْعُ مُطْلَقًا أَظْهَرُ، فَإِنْ جَازَ فَفِي جَوَازِ جُلُوسِهِ فِيهِ جُنُبًا وَجْهَانِ. وَحَكَى بَعْضُ أَصْحَابِنَا رِوَايَةَ الْجِوَارِ مِنْ غَيْرِ اشْتِرَاطِ إذْنٍ. وَقَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: هَلْ يَجُوزُ لِأَهْلِ الذِّمَّةِ دُخُولُ مَسَاجِدِ الْحِلِّ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. وَذُكِرَ فِي الشَّرْحِ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ هَلْ يَجُوزُ دُخُولُهَا بِإِذْنِ مُسْلِمٍ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. وَإِنَّ الصَّحِيحَ عَنْ الْمَذْهَبِ الْجَوَازُ. فَظَهَرَ مِنْ هَذَا أَنَّهُ هَلْ يَجُوزُ لِكَافِرٍ دُخُولُ مَسَاجِدِ الْحِلِّ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ. ثُمَّ هَلْ الْخِلَافُ فِي كُلِّ كَافِرٍ أَمْ فِي أَهْلِ الذِّمَّةِ فَقَطْ؟ فِيهِ طَرِيقَانِ. وَهَلْ مَحَلُّ الْخِلَافِ مَعَ إذْنِ الْمُسْلِمِ لِمَصْلَحَةٍ أَوْ لَا يُعْتَبَرَانِ، أَوْ يُعْتَبَرُ إذْنُ الْمُسْلِمِ فَقَطْ؟ فِيهِ ثَلَاثُ طُرُقٍ. وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ

стр. 779

جَوَازُ دُخُولِهِ بِإِذْنِ مُسْلِمٍ. وَمَذْهَبُ مَالِكٍ وَغَيْرِ وَاحِدٍ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ مُطْلَقًا. وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْكِتَابِيِّ دُونَ غَيْرِهِ. وَلَيْسَ لِكَافِرٍ دُخُولُ حَرَمِ مَكَّةَ وَلَا حَرَمِ الْمَدِينَةِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ مَطْلَبٌ: حُكْمُ غَرْسِ الشَّجَرِ فِي الْمَسْجِدِ . (الرَّابِعُ) : جَزَمَ عُلَمَاؤُنَا ﵃ بِعَدَمِ جَوَازِ غَرْسِ شَيْءٍ فِي الْمَسْجِدِ. قَالُوا: وَيُقْلَعُ مَا غُرِسَ فِيهِ، وَلَوْ بَعْدَ إيقَافِهِ. وَكَذَا حَفْرُ بِئْرٍ. قَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: لَا يَجُوزُ أَنْ يُغْرَسَ فِي الْمَسْجِدِ شَيْءٌ. وَلِلْإِمَامِ قَلْعُ مَا غُرِسَ فِيهِ بَعْدَ إيقَافِهِ. وَهَذَا كُلُّهُ مَعْنَى كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵁ فِي رِوَايَةِ الْفَرْحِ بْنِ الصَّبَّاحِ. وَقَطَعَ فِي التَّلْخِيصِ بِأَنَّهَا تُقْطَعُ كَمَا لَوْ غُرِسَتْ فِي أَرْضِ غَصْبٍ، وَهُوَ مَعْنَى كَلَامِهِ فِي الْمُحَرَّرِ. وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي مُوسَى وَأَبُو الْفَرَجِ فِي الْمُبْهِجِ أَنَّهُ يُكْرَهُ غَرْسُهَا. وَلَفْظُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵁ فِي رِوَايَةِ الْفَرْحِ بْنِ الصَّبَّاحِ: هَذِهِ غُرِسَتْ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَاَلَّذِي غَرَسَهَا ظَالِمٌ غَرَسَهَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ. وَسَأَلَهُ مُثَنَّى عَنْ هَذَا. قَالَ مُثَنَّى فَلَمْ يُعْجِبْهُ. وَفِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى يُسَنُّ أَنْ يُصَانَ عَنْ الزَّرْعِ فِيهِ، وَالْغَرْسِ وَأَكْلِ ثَمَرِهِ مَجَّانًا فِي الْأَشْهَرِ. وَفِي الْإِنْصَافِ: وَلَا يَجُوزُ غَرْسُ شَجَرَةٍ فِي الْمَسْجِدِ. هَذَا الْمَذْهَبُ. نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَقَطَعَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ كَصَاحِبِ الْهِدَايَةِ وَالْمُذْهَبِ وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ وَالْخُلَاصَةِ وَالْمُغْنِي وَالشَّرْحِ وَالْفَائِقِ وَغَيْرِهِمْ، وَقَدَّمَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَالْفُرُوعِ وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى وَغَيْرِهِمْ. وَذَكَرَ فِي الْإِرْشَادِ وَالْمُبْهِجِ أَنَّهُ يُكْرَهُ. وَفِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى إنْ غُرِسَتْ بَعْدَ وَقْفِهِ قُلِعَتْ إنْ ضَيَّقَتْ مَوْضِعَ الصَّلَاةِ. وَفِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَيَحْرُمُ غَرْسُهَا مُطْلَقًا. وَقِيلَ: إنْ ضَيَّقَتْ حَرُمَ وَإِلَّا كُرِهَ. وَجَزَمَ الشَّيْخُ مَرْعِي فِي غَايَتِهِ بِحُرْمَةِ ذَلِكَ لِغَيْرِ مَصْلَحَةٍ رَاجِحَةٍ، وَلَا بُدَّ أَنْ لَا تَكُونَ بِبُقَعِ مُصَلِّينَ مَطْلَبٌ: حُكْمُ أَكْلِ تَمْرِ شَجَرِ الْمَسْجِدِ وَفِي الْفُرُوعِ وَالْإِنْصَافِ وَالْإِقْنَاعِ وَالْمُنْتَهَى وَالْغَايَةِ وَغَيْرِهَا: فَإِنْ لَمْ تُقْلَعْ فَثَمَرَتُهَا لِمَسَاكِينِ الْمَسْجِدِ.

стр. 780

قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: قَالَ الْحَارِثِيُّ: وَهُوَ الْمَذْهَبُ. قَالَ: وَالْأَقْرَبُ حِلُّهُ لِغَيْرِهِمْ مِنْ الْمَسَاكِينِ أَيْضًا. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵁: لَا أُحِبُّ الْأَكْلَ مِنْهَا، وَإِنْ غُرِسَتْ قَبْلَ بِنَائِهِ وَوُقِفَتْ مَعَهُ، فَإِنْ عَيَّنَ مَصْرِفَهَا عُمِلَ بِهِ، وَإِلَّا فَكَمُقَطَّعٍ يَعْنِي تُصْرَفُ عَلَى وَرَثَةِ الْوَاقِفِ نَسَبًا غَنِيِّهِمْ وَفَقِيرِهِمْ وَقْفًا عَلَيْهِمْ عَلَى قَدْرِ إرْثِهِمْ فَيَسْتَحِقُّونَهُ كَالْمِيرَاثِ وَيَقَعُ الْحُجُبُ بَيْنَهُمْ. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَقَارِبُ فَلِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَقْفًا عَلَيْهِمْ. وَقَالَ الْمُوَفَّقُ: يَجُوزُ الْأَكْلُ مِنْهَا، وَهُوَ مَنْصُوصُ الْإِمَامِ ﵁ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ. وَقَدَّمَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى. وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ: تُصْرَفُ فِي مَصَالِحِهِ، وَإِنْ اسْتَغْنَى عَنْهُ فَلِجَارِهِ أَكْلُ ثَمَرِهِ. نَصَّ عَلَيْهِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْفَائِقِ، وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ أَنَّهَا إذَا لَمْ يُعَيِّنْ مَصْرِفَهَا كَالْوَقْفِ الْمُنْقَطِعِ. جَزَمَ بِهِ فِي الْإِقْنَاعِ وَالْمُنْتَهَى وَالْغَايَةِ. مَطْلَبٌ: حُكْمُ حَفْرِ الْبِئْرِ فِي الْمَسْجِدِ . وَأَمَّا مَسْأَلَةُ حَفْرِ الْبِئْرِ فَجَزَمَ فِي الْإِقْنَاعِ وَالْمُنْتَهَى بِعَدَمِ جَوَازِ ذَلِكَ. قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى: وَلَوْ لِلْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ ؛ لِأَنَّ الْبُقْعَةَ مُسْتَحَقَّةٌ لِلصَّلَاةِ فَتَعْطِيلُهَا عُدْوَانٌ. وَفِي الْإِقْنَاعِ يُتَوَجَّهُ جَوَازُ حَفْرِ بِئْرٍ إنْ كَانَ فِيهِ مَصْلَحَةٌ، وَلَمْ يَحْصُلُ بِهِ ضِيقٌ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْغَايَةِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَحْرُمُ حَفْرُ بِئْرٍ فِيهِ، وَلَا تَغَطَّى بِالْمُغْتَسَلِ؛ لِأَنَّهُ لِلْمَوْتَى وَتُطَمُّ. نَقَلَ ذَلِكَ الْمَرُّوذِيُّ. وَفِي الرِّعَايَةِ فِي إحْيَاءِ الْمَوَاتِ أَنَّ الْإِمَامَ أَحْمَدَ لَمْ يَكْرَهْ حَفْرَهَا فِيهِ يَعْنِي الْمَسْجِدَ ثُمَّ قَالَ: قُلْت بَلَى إنَّهُ كَرِهَ الْوُضُوءَ فِيهِ. انْتَهَى كَلَامُهُ فِي الْفُرُوعِ. وَقَالَ فِي الْإِنْصَافِ: يَحْرُمُ حَفْرُ بِئْرٍ فِي الْمَسْجِدِ، فَإِنْ فُعِلَ طُمَّ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ. ثُمَّ نَقَلَ كَلَامَ الْفُرُوعِ بِالْحَرْفِ ثُمَّ قَالَ: وَقَالَ الْحَارِثِيُّ فِي الْغَصْبِ: وَإِنْ حَفَرَ بِئْرًا فِي الْمَسْجِدِ لِلْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ فَعَلَيْهِ ضَمَانُ

стр. 781

مَا تَلِفَ بِهَا؛ لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْهُ إذْ الْبُقْعَةُ مُسْتَحَقَّةٌ لِلصَّلَاةِ فَتَعْطِيلُهَا عُدْوَانٌ. وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَالْحَفْرِ فِي السَّابِلَةِ لِاشْتِرَاكِ الْمُسْلِمِينَ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا، فَالْحَفْرُ فِي إحْدَاهُمَا كَالْحَفْرِ فِي الْأُخْرَى، فَيَجْرِي فِيهِ رِوَايَةُ ابْنِ ثَوَابٍ بِعَدَمِ الضَّمَانِ. انْتَهَى. فَهَذَا تَحْرِيرُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. وَالْمُخْتَارُ مِنْ هَذَا الْمَنْقُولِ مَا اعْتَمَدَهُ الشَّيْخُ مَرْعِي فِي غَايَتِهِ مِنْ جَوَازِ حَفْرِ الْبِئْرِ وَغَرْسِ الشَّجَرَةِ لِلْمَصْلَحَةِ الرَّاجِحَةِ حَيْثُ كَانَتَا فِي غَيْرِ بُقَعِ الْمُصَلِّينَ. وَهَذَا - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - عَيْنُ الْيَقِينِ، فَإِنَّ مَسَاجِدَ بِلَادِنَا لَا تَتِمُّ مَصَالِحُهَا بِهَا لَا سِيَّمَا حَفْرُ الْآبَارِ، فَإِنَّ كَوْنَ الْبِئْرِ فِي الْمَسْجِدِ مِنْ أَعْظَمِ مَصَالِحِهِ وَأَكْبَرِ الْأَسْبَابِ الْمُعِينَةِ عَلَى الْعِبَادَةِ. وَهَذَا الَّذِي عَلَيْهِ الْعَمَلُ فِي سَائِرِ بِلَادِنَا وَغَيْرِهَا فِي زَمَانِنَا، وَمُنْذُ أَزْمَانٍ، وَاَللَّهُ وَلِيُّ الْإِحْسَانِ. وَالْخِلَافُ إنَّمَا هُوَ فِي تَجْدِيدِ الْآبَارِ، وَأَمَّا مَا كَانَ سَابِقًا فَحُكْمُهُ كَحُكْمِ الشَّجَرَةِ، وَإِنْ جُهِلَ الْحَالُ فَالْأَصْلُ عَدَمُ التَّجْدِيدِ، وَوَضْعُ الْأَشْيَاءِ عَلَى الْوَجْهِ الشَّرْعِيِّ حَتَّى يَثْبُتَ بِالْوَجْهِ الشَّرْعِيِّ وَضْعُهَا عَلَى خِلَافِ الشَّرْعِيِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. . مَطْلَبٌ: تَشْبِيكُ الْأَصَابِعِ فِي الْمَسْجِدِ . (الْخَامِسُ) : فِي أَشْيَاءَ تُكْرَهُ فِي الْمَسَاجِدِ: يُكْرَهُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَسْنُدَ ظَهْرَهُ إلَى الْقِبْلَةِ، بَلْ السُّنَّةُ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ فِي جُلُوسِهِ. وَأَنْ يُشَبِّكَ أَصَابِعَهُ فِيهِ. زَادَ فِي الرِّعَايَةِ: عَلَى خِلَافِ صِفَةِ مَا شَبَّكَهَا النَّبِيُّ ﷺ . كَذَا فِي الْإِقْنَاعِ. وَأَشَارَ فِي الرِّعَايَةِ إلَى مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إنَّ الْمُؤْمِنَ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا، وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ» وَفِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ «صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إحْدَى صَلَاتَيْ الْعِشَاءِ، فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ فَقَامَ إلَى خَشَبَةٍ مَعْرُوضَةٍ فِي الْمَسْجِدِ فَاتَّكَأَ عَلَيْهَا كَأَنَّهُ غَضْبَانُ، وَوَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ» .

стр. 782

قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ: حَدِيثُ أَبِي مُوسَى دَالٌّ عَلَى جَوَازِ التَّشْبِيكِ مُطْلَقًا. وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ دَالٌّ عَلَى جَوَازِهِ فِي الْمَسْجِدِ فَهُوَ فِي غَيْرِهِ أَجْوَزُ. وَوَقَعَ فِي بَعْضِ نُسَخِ الْبُخَارِيِّ قَبْلَ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ حَدِيثٌ آخَرُ وَنَصُّهُ: حَدَّثَنَا حَامِدُ بْنُ عُمَرَ حَدَّثَنَا عَاصِمٌ حَدَّثَنَا وَاقِدٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ «شَبَّكَ النَّبِيُّ ﷺ أَصَابِعَهُ» قَالَ مُغَلْطَاي: هَذَا الْحَدِيثُ لَيْسَ مَوْجُودًا فِي أَكْثَرِ نُسَخِ الْبُخَارِيِّ. وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ: هُوَ ثَابِتٌ فِي رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ شَاكِرٍ عَنْ الْبُخَارِيِّ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: الْمَقْصُودُ مِنْ هَذِهِ التَّرْجَمَةِ مُعَارَضَةُ مَا وَرَدَ فِي النَّهْيِ عَنْ التَّشْبِيكِ فِي الْمَسْجِدِ. وَقَدْ وَرَدَتْ فِيهِ مَرَاسِيلُ وَمُسْنَدٌ مِنْ طُرُقٍ غَيْرِ ثَابِتَةٍ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: التَّحْقِيقُ أَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ تَعَارُضٌ؛ إذْ الْمُنْهَى عَنْهُ فِعْلُهُ عَلَى وَجْهِ الْعَبَثِ. وَجَمَعَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ بِأَنَّ النَّهْيَ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا كَانَ فِي الصَّلَاةِ أَوْ قَاصِدًا إلَيْهَا إذْ مُنْتَظِرُ الصَّلَاةِ فِي حُكْمِ الْمُصَلِّي. وَقِيلَ: إنَّ حِكْمَةَ النَّهْيِ عَنْهُ لِمُنْتَظِرِ الصَّلَاةِ أَنَّ التَّشْبِيكَ يَجْلُبُ النَّوْمَ، وَهُوَ مِنْ مَظَانِّ الْحَدَثِ. وَقِيلَ إنَّ صُورَتَهُ تُشْبِهُ صُورَةَ الِاخْتِلَافِ فَكُرِهَ ذَلِكَ لِمَنْ هُوَ فِي حُكْمِ الصَّلَاةِ حَتَّى لَا يَقَعَ فِي الْمُنْهَى عَنْهُ، وَهُوَ قَوْلُهُ ﷺ لِلْمُصَلِّينَ «وَلَا تَخْتَلِفُوا فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُمْ» . وَفِي الْبُخَارِيِّ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ «رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِفِنَاءِ الْكَعْبَةِ مُحْتَبِيًا بِيَدِهِ هَكَذَا» زَادَ الْبَيْهَقِيّ «وَشَبَّكَ أَصَابِعَهُ» . وَقَدْ شَبَّكَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ يَدَيْهِ فِي عِدَّةِ أَحَادِيثَ لَيْسَ هَذَا مَحَلَّ إيرَادِهَا. وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ فِي قِصَّةِ ذِي الْيَدَيْنِ أَنَّهُ ﷺ شَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ. وَجَزَمَ فِي الْإِقْنَاعِ بِأَنَّهُ يُكْرَهُ لَهُ أَنْ يُشَبِّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ مِنْ حَيْثُ يَخْرُجُ يَعْنِي لِلصَّلَاةِ. قَالَ: وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ أَشَدُّ كَرَاهَةً، وَفِي الصَّلَاةِ أَشَدُّ وَأَشَدُّ. انْتَهَى.

стр. 783

وَنَقَلَ فِي الْفُرُوعِ كَرَاهَةَ تَشْبِيكِ الْأَصَابِعِ فِي الصَّلَاةِ، وَأَنَّهَا بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ. وَاسْتَدَلُّوا بِمَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ﵁ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى رَجُلًا قَدْ شَبَّكَ أَصَابِعَهُ فِي الصَّلَاةِ فَفَرَّجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ أَصَابِعِهِ» . وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ فِي الَّذِي يُصَلِّي وَهُوَ مُشَبِّكٌ " تِلْكَ صَلَاةُ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. وَقَالَ مُغَلْطَاي فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ عِنْدَ تَكَلُّمِهِ عَلَى الْأَحَادِيثِ الَّتِي أَوْرَدَهَا الْبُخَارِيُّ فِي التَّشْبِيكِ: زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ الَّتِي أَوْرَدَهَا الْبُخَارِيُّ فِي هَذَا الْبَابِ مُعَارِضَةٌ النَّهْيَ عَنْ التَّشْبِيكِ. وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: إنَّ حَدِيثَ النَّهْيِ لَيْسَ مُسَاوِيًا لِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ فِي الصِّحَّةِ. وَقَالَ الْأَكْثَرُ: حَدِيثُ النَّهْيِ مَخْصُوصٌ بِالصَّلَاةِ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ. رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: إنَّهُمْ لَيُنْكِرُونَ تَشْبِيكَ الْأَصَابِعِ فِي الْمَسْجِدِ، وَمَا بِهِ مِنْ بَأْسٍ، وَإِنَّمَا يُكْرَهُ فِي الصَّلَاةِ. قَالَ الْحَافِظُ السُّيُوطِيّ فِي كِتَابِهِ حُسْنِ التَّسْلِيكِ فِي حُكْمِ التَّشْبِيكِ: رَخَّصَ فِي التَّشْبِيكِ ابْنُ عُمَرَ وَسَالِمٌ ابْنُهُ فَكَانَا يُشَبِّكَانِ بَيْنَ أَصَابِعِهِمَا فِي الصَّلَاةِ. قَالَ مُغَلْطَاي: وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ حَدِيثِ النَّهْيِ عَنْ التَّشْبِيكِ وَبَيْنَ تَشْبِيكِهِ ﷺ بَيْنَ أَصَابِعِهِ مُعَارَضَةٌ، لِأَنَّ النَّهْيَ إنَّمَا وَرَدَ عَنْ فِعْلِهِ فِي الصَّلَاةِ أَوْ فِي الْمُضِيِّ إلَيْهَا، وَفِعْلُهُ ﷺ لِلتَّشْبِيكِ لَيْسَ فِي صَلَاةٍ، وَلَا فِي الْمُضِيِّ إلَيْهَا فَلَا مُعَارَضَةَ إذَنْ وَبَقِيَ كُلُّ حَدِيثٍ عَلَى حِيَالِهِ. انْتَهَى. قَالَ الْجَلَالُ السُّيُوطِيّ فِي آخِرِ كِتَابِهِ الْمَذْكُورِ: قَالَ الزَّرْكَشِيّ فِي أَحْكَامِ الْمَسَاجِدِ: يَجُوزُ التَّشْبِيكُ بَيْنَ الْأَصَابِعِ فِي الْمَسْجِدِ، فَفِي حَدِيثِ ذِي الْيَدَيْنِ أَنَّهُ ﷺ شَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، وَحَكَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَسَالِمٍ وَالْحَسَنِ وَغَيْرِهِمْ. وَحَكَى كَرَاهَتَهُ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ وَكَعْبٍ. وَالْأَحَادِيثُ الْوَارِدَةُ فِي النَّهْيِ عَنْهُ إنَّمَا هِيَ لِمَنْ هُوَ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ.

стр. 784

مَطْلَبٌ: تَشْبِيكُ الْأَصَابِعِ أَقْسَامٌ. قَالَ: وَقَسَّمَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ التَّشْبِيكَ إلَى أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا إذَا كَانَ الْإِنْسَانُ فِي الصَّلَاةِ، وَلَا شَكَّ فِي كَرَاهَتِهِ. وَثَانِيهَا: إذَا كَانَ فِي الْمَسْجِدِ مُنْتَظِرَ الصَّلَاةَ، أَوْ وَهُوَ عَامِدٌ إلَى الْمَسْجِدِ يُرِيدُهَا بَعْدَمَا تَطَهَّرَ، وَالظَّاهِرُ كَرَاهَتُهُ. قُلْت: لِمَا رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ «عَنْ مَوْلًى لِأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵄ قَالَ بَيْنَمَا أَنَا مَعَ أَبِي سَعِيدٍ، وَهُوَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذْ دَخَلْنَا الْمَسْجِدَ فَإِذَا رَجُلٌ جَالِسٌ وَسَطَ الْمَسْجِدِ مُحْتَبِيًا مُشَبِّكًا أَصَابِعَهُ بَعْضَهَا فِي بَعْضٍ فَأَشَارَ إلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ يَفْطِنْ الرَّجُلُ لِإِشَارَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَالْتَفَتَ إلَى أَبِي سَعِيدٍ فَقَالَ إذَا كَانَ أَحَدُكُمْ فِي الْمَسْجِدِ فَلَا يُشَبِّكَنَّ فَإِنَّ التَّشْبِيكَ مِنْ الشَّيْطَانِ، وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَزَالُ فِي صَلَاةٍ مَا كَانَ فِي الْمَسْجِدِ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْهُ» . وَلِحَدِيثِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ «إذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ ثُمَّ خَرَجَ عَامِدًا إلَى الْمَسْجِدِ فَلَا يُشَبِّكَنَّ بِيَدِهِ فَإِنَّهُ فِي صَلَاةٍ» رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ. وَرَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَالْحَاكِمُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، وَقَالَ الْحَاكِمُ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِهِمَا. وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَكَذَا ابْنُ حِبَّانَ. ثَالِثُهَا: أَنْ يَكُونَ فِي الْمَسْجِدِ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ الصَّلَاةِ، وَلَيْسَ يُرِيدُ صَلَاةً أُخْرَى، وَلَا يَنْتَظِرُهَا فَلَا يُكْرَهُ لِحَدِيثِ ذِي الْيَدَيْنِ. رَابِعُهَا: فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ فَهُوَ أَوْلَى بِالْإِبَاحَةِ وَعَدَمِ الْكَرَاهَةِ. انْتَهَى. قُلْت: وَكَأَنَّ مُرَادَ صَاحِبِ الرِّعَايَةِ إخْرَاجُ مَا إذَا شَبَّكَهَا عَقِبَ الصَّلَاةِ - وَلَيْسَ مُنْتَظِرًا لِصَلَاةٍ أُخْرَى - مِنْ الْكَرَاهَةِ بِقَوْلِهِ عَلَى خِلَافِ مَا شَبَّكَهَا النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ مُرَادٌ حَسَنٌ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ. . مَطْلَبٌ: فِي أَشْيَاءَ تُكْرَهُ فِي الْمَسْجِدِ . قَالَ فِي الْإِقْنَاعِ: وَيُكْرَهُ بِنَاءُ الْمَسْجِدِ وَتَطْيِينُهُ بِنَجِسٍ، وَكَذَا قَالَ. وَيُكْرَهُ لِغَيْرِ إمَامٍ مُدَاوَمَةُ مَوْضِعٍ مِنْهُ لَا يُصَلِّي إلَّا فِيهِ، فَإِنْ دَاوَمَ فَلَيْسَ هُوَ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِ، فَإِذَا قَامَ مِنْهُ فَلِغَيْرِهِ الْجُلُوسُ فِيهِ.

стр. 785

قُلْت: وَفِي إطْلَاقِ هَذَا نَظَرٌ يَظْهَرُ لِمَنْ تَتَبَّعَ الْأَحَادِيثَ النَّبَوِيَّةَ. وَأَمَّا السِّوَاكُ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي الْفَتَاوَى الْمِصْرِيَّةِ وَذَكَرَهُ فِي الْإِقْنَاعِ: مَا عَلِمْت أَحَدًا مِنْ الْعُلَمَاءِ كَرِهَ السِّوَاكَ فِي الْمَسْجِدِ، وَالْآثَارُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ السَّلَفَ كَانُوا يَسْتَاكُونَ فِي الْمَسْجِدِ. قَالَ: وَإِذَا سَرَّحَ شَعْرَهُ فِيهِ، وَجَمَعَهُ فَلَمْ يَتْرُكْهُ، فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ، سَوَاءٌ قُلْنَا بِطَهَارَةِ الشَّعْرِ أَوْ نَجَاسَتِهِ. وَأَمَّا إذَا تَرَكَ شَعْرَهُ فِيهِ فَهَذَا يُكْرَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ نَجِسًا، فَإِنَّ الْمَسْجِدَ يُصَانُ عَنْ الْقَذَاةِ الَّتِي تَقَعُ فِي الْعَيْنِ. وَقَالَ فِي الْآدَابِ: يُبَاحُ قَتْلُ الْبَرَاغِيثِ وَالْقَمْلِ فِيهِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَهَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى طَهَارَتِهَا، كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ. قَالَ: وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدَ بِإِخْرَاجِهِ مِنْهُ؛ لِأَنَّ إلْقَاءَ ذَلِكَ فِي الْمَسْجِدِ وَبَقَاءَهُ لَا يَجُوزُ. انْتَهَى وَتَقَدَّمَ فِي هَذَا الْكَلَامُ عَلَى الْبَرَاغِيثِ وَالْقَمْلِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. . وَيُكْرَهُ فِي الْمَسَاجِدِ الْخَوْضُ وَالْفُضُولُ وَحَدِيثُ الدُّنْيَا، لِمَا رَوَى ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا «سَيَكُونُ آخِرَ الزَّمَانِ قَوْمٌ حَدِيثُهُمْ فِي مَسَاجِدِهِمْ لَيْسَ لِلَّهِ فِيهِ حَاجَةٌ» وَإِخْرَاجُ حَصَاهَا وَتُرَابِهَا لِلتَّبَرُّكِ بِهِ. وَاسْتَوْجَهَ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى أَنَّ مُرَادَهُمْ بِكَرَاهَةِ إخْرَاجِ الْحَصَى وَالتُّرَابِ التَّحْرِيمُ، أَوْ يَتَقَيَّدُ ذَلِكَ بِالْيَسِيرِ، لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ أَبُو بَدْرٍ: أَرَاهُ رَفَعَهُ إلَى النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «إنَّ الْحَصَاةَ تُنَاشِدُ الَّذِي يُخْرِجُهَا مِنْ الْمَسْجِدِ» . وَقَدْ سُئِلَ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَذَكَرَ أَنَّهُ رُوِيَ مَوْقُوفًا عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ وَرَفْعُهُ وَهْمٌ مِنْ أَبِي بَدْرٍ، كَذَا قَالَ. قَالَ فِي الْإِقْنَاعِ: وَإِذَا دَخَلَ الْإِنْسَانُ الْمَسْجِدَ وَقْتَ السَّحَرِ فَلَا يَتَقَدَّمُ إلَى صَدْرِهِ. قَالَ جَرِيرُ بْنُ عُثْمَانَ: كُنَّا نَسْمَعُ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ تَكُونُ قَبْلَ الصُّبْحِ فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ. قَالَ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى: قَالَ الْقَاضِي: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى كَرَاهَةِ التَّقَدُّمِ فِي الْمَسْجِدِ وَقْتَ السَّحَرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. . مَطْلَبٌ: يُكْرَهُ السُّؤَالُ فِي الْمَسْجِدِ وَالتَّصَدُّقُ عَلَى السَّائِلِ فِيهِ . (السَّادِسُ) : قَالَ عُلَمَاؤُنَا: يُكْرَهُ السُّؤَالُ فِي الْمَسْجِدِ وَالتَّصَدُّقُ عَلَى السَّائِلِ فِيهِ لَا عَلَى غَيْرِهِ. وَنَصَّ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵁ أَنَّ مَنْ سَأَلَ قَبْلَ

стр. 786

خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ ثُمَّ جَلَسَ لَهَا تَجُوزُ الصَّدَقَةُ عَلَيْهِ، يَعْنِي لَمْ تُكْرَهُ الصَّدَقَةُ عَلَيْهِ. وَكَذَلِكَ إنْ تُصُدِّقَ عَلَى مَنْ لَمْ يَسْأَلْ أَوْ سَأَلَ الْخَاطِبُ الصَّدَقَةَ عَلَى إنْسَانٍ جَازَ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ بَدْرٍ: صَلَّيْت يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَإِذَا أَحْمَدُ يَقْرَبُ مِنِّي، فَقَامَ سَائِلٌ فَسَأَلَ فَأَعْطَاهُ أَحْمَدُ قِطْعَةً، فَلَمَّا فَرَغُوا مِنْ الصَّلَاةِ قَامَ رَجُلٌ فَقَالَ لِلسَّائِلِ: أَعْطِنِي الْقِطْعَةَ وَأُعْطِيك دِرْهَمًا، فَأَبَى، فَمَا زَالَ يَزِيدُهُ إلَى خَمْسِينَ، فَقَالَ: لَا إنِّي أَرْجُو مِنْ بَرَكَةِ هَذِهِ الْقِطْعَةِ مَا تَرْجُوهُ أَنْتَ. ذَكَرَهُ الْإِمَامُ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَنَاقِبِ. وَنُقِلَ عَنْ أَبِي مُطِيعٍ الْبَلْخِيّ الْحَنَفِيِّ: لَا يَحِلُّ أَنْ يُعْطَى سُؤَّالُ الْمَسَاجِدِ. وَقَالَ خَلَفُ بْنُ أَيُّوبَ: لَوْ كُنْت قَاضِيًا لَمْ أَقْبَلْ شَهَادَةَ مَنْ تَصَدَّقَ يَعْنِي فِي الْمَسَاجِدِ. وَاخْتَارَ صَاحِبُ الْمُحِيطِ مِنْهُمْ أَنَّهُ إنْ سَأَلَ لِأَمْرٍ لَا بُدَّ مِنْهُ، وَلَا ضَرَرَ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ، وَإِلَّا كُرِهَ. وَسُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵁ عَنْ السُّؤَالِ فِي الْجَامِعِ هَلْ هُوَ حَلَالٌ أَوْ حَرَامٌ أَوْ مَكْرُوهٌ أَوْ أَنَّ تَرْكَهُ أَحَبُّ مِنْ فِعْلِهِ؟ أَجَابَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ. أَصْلُ السُّؤَالِ مُحَرَّمٌ فِي الْمَسْجِدِ وَخَارِجَ الْمَسْجِدِ إلَّا لِضَرُورَةٍ، فَإِنْ كَانَ بِهِ ضَرُورَةٌ، وَسَأَلَ فِي الْمَسْجِدِ وَلَمْ يُؤْذِ أَحَدًا كَتَخْطِيَةِ رِقَابِ النَّاسِ، وَلَمْ يَكْذِبْ فِيمَا يَرْوِيهِ وَيَذْكُرُ مِنْ حَالِهِ، وَلَمْ يَجْهَرْ جَهْرًا يَضُرُّ النَّاسَ، مِثْلُ أَنْ يَسْأَلَ وَالْخَطِيبُ يَخْطُبُ، أَوْ وَهُمْ يَسْمَعُونَ عِلْمًا يَشْغَلُهُمْ بِهِ وَنَحْوُ ذَلِكَ، جَازَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَسُئِلَ أَيْضًا: مَا تَقُولُ فِي هَؤُلَاءِ الصَّعَالِيكِ الَّذِينَ يَطْلُبُونَ مِنْ النَّاسِ فِي الْجَوَامِعِ وَيُشَوِّشُونَ عَلَى النَّاسِ، فَهَلْ يَجُوزُ الْإِنْكَارُ عَلَيْهِمْ بِسَبَبِ ذَلِكَ، وَهَلْ يَجُوزُ تَقْسِيمُ النَّاسِ بِالسِّتِّ نَفِيسَةَ وَبِالْمَشَايِخِ وَغَيْرِهِمْ؟ أَجَابَ ﵁ بِمَا لَفْظُهُ: أَمَّا إذَا ظَهَرَ مِنْهُمْ مُنْكَرٌ مِثْلُ رِوَايَتِهِمْ لِلْأَحَادِيثِ الْمَكْذُوبَةِ أَوْ سُؤَالِهِمْ، وَالْخَطِيبُ يَخْطُبُ. أَوْ تَخْبِيطِهِمْ لِلنَّاسِ فَإِنَّهُمْ يُنْهَوْنَ عَنْ ذَلِكَ. وَكَذَلِكَ إذَا سَأَلُوا بِغَيْرِ اللَّهِ، سَوَاءٌ سَأَلُوا بِأَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ أَوْ غَيْرِ الصَّحَابَةِ أَوْ نَفِيسَةَ، فَالصَّدَقَةُ إنَّمَا لِوَجْهِ اللَّهِ لَا لِأَحَدٍ

стр. 787

مِنْ الْمَخْلُوقِينَ. وَأَمَّا إذَا خَلَا سُؤَالُهُمْ عَنْ الْمُنْكَرَاتِ وَكَانُوا مُحْتَاجِينَ فَإِنَّهُ جَائِزٌ فِي أَظْهَرِ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ، كَمَا جَاءَ عَنْهُ ﷺ أَنَّ سَائِلًا سَأَلَ فِي الْمَسْجِدِ فَأَمَرَ بِإِعْطَائِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. انْتَهَى. . مَطْلَبٌ: فِي فَضْلِ الْمَشْيِ إلَى الْمَسَاجِدِ . (السَّابِعُ) : فِي الْمَشْيِ إلَى الْمَسَاجِدِ وَالِاشْتِغَالِ فِيهَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَنَحْوِ ذَلِكَ. رَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَغَيْرُهُمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «صَلَاةُ الرَّجُلِ فِي الْجَمَاعَةِ تُضَعَّفُ عَلَى صَلَاتِهِ فِي بَيْتِهِ وَفِي سُوقِهِ خَمْسًا وَعِشْرِينَ دَرَجَةً وَذَلِكَ أَنَّهُ إذَا تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ثُمَّ خَرَجَ إلَى الْمَسْجِدِ لَا يُخْرِجُهُ إلَّا الصَّلَاةُ لَمْ يَخْطُ خُطْوَةً إلَّا رُفِعَتْ لَهُ بِهَا دَرَجَةٌ وَحُطَّ عَنْهُ خَطِيئَةٌ، فَإِذَا صَلَّى لَمْ تَزَلْ الْمَلَائِكَةُ تُصَلِّي عَلَيْهِ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِ اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ، وَلَا يَزَالُ فِي صَلَاةٍ مَا انْتَظَرَ الصَّلَاةَ» . وَفِي رِوَايَةٍ «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ اللَّهُمَّ تُبْ عَلَيْهِ مَا لَمْ يُؤْذِ فِيهِ، مَا لَمْ يُحْدِثْ فِيهِ» . وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ رَاحَ إلَى مَسْجِدِ الْجَمَاعَةِ فَخُطْوَةٌ تَمْحُو سَيِّئَةً وَخُطْوَةٌ تُكْتَبُ حَسَنَةً ذَاهِبًا وَرَاجِعًا» وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ. وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ «خَلَتْ الْبِقَاعُ حَوْلَ الْمَسْجِدِ فَأَرَادَ بَنُو سَلَمَةَ أَنْ يَنْتَقِلُوا قُرْبَ الْمَسْجِدِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ بَلَغَنِي أَنَّكُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَنْتَقِلُوا قُرْبَ الْمَسْجِدِ، قَالُوا نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ أَرَدْنَا ذَلِكَ، فَقَالَ: يَا بَنِي سَلِمَةَ دِيَارَكُمْ تُكْتَبْ آثَارُكُمْ، دِيَارَكُمْ تُكْتَبْ آثَارُكُمْ، فَقَالُوا: مَا يَسُرُّنَا أَنَّا كُنَّا تَحَوَّلْنَا» وَرَوَاهُ غَيْرُ مُسْلِمٍ. وَفِي رِوَايَةٍ بِمَعْنَاهُ وَفِي آخِرِهِ «إنَّ لَكُمْ بِكُلِّ خُطْوَةٍ دَرَجَةً» . وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «الْأَبْعَدُ فَالْأَبْعَدُ مِنْ الْمَسْجِدِ أَعْظَمُ أَجْرًا» رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ وَالْحَاكِمُ وَقَالَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ مَدَنِيُّ الْإِسْنَادِ.

стр. 788

وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إنَّ أَعْظَمَ النَّاسِ أَجْرًا فِي الصَّلَاةِ أَبْعَدُهُمْ إلَيْهَا مَمْشًى، فَأَبْعَدُهُمْ، وَاَلَّذِي يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ حَتَّى يُصَلِّيَهَا مَعَ الْإِمَامِ أَعْظَمُ أَجْرًا مِنْ الَّذِي يُصَلِّيهَا ثُمَّ يَنَامُ» . وَأَخْرَجَ أَبُو يَعْلَى وَالْبَزَّارُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «إسْبَاغُ الْوُضُوءِ فِي الْمَكَارِهِ، وَأَعْمَالُ الْأَقْدَامِ إلَى الْمَسَاجِدِ، وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ يَغْسِلُ الْخَطَايَا غَسْلًا» . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ مَرْفُوعًا «مَنْ غَدَا إلَى الْمَسْجِدِ أَوْ رَاحَ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُ فِي الْجَنَّةِ نُزُلًا كُلَّمَا غَدَا أَوْ رَاحَ» . وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْهُ مَرْفُوعًا «إنَّ اللَّهَ لَيُضِيءُ لِلَّذِينَ يَتَخَلَّلُونَ إلَى الْمَسَاجِدِ فِي الظُّلَمِ بِنُورٍ سَاطِعٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» . وَفِي الْكَبِيرِ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ وَابْنِ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ مَرْفُوعًا «مَنْ مَشَى فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ إلَى الْمَسْجِدِ لَقِيَ اللَّهَ بِنُورٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» . وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ مَرْفُوعًا «بَشِّرْ الْمُدْلِجِينَ إلَى الْمَسَاجِدِ فِي الظُّلَمِ بِمَنَابِرَ مِنْ نُورٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَفْزَعُ النَّاسُ وَلَا يَفْزَعُونَ» . وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَزَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ وَعَائِشَةَ وَغَيْرِهِمْ ﵃ أَجْمَعِينَ -. وَعَنْ سَلْمَانَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «مَنْ تَوَضَّأَ فِي بَيْتِهِ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ثُمَّ أَتَى الْمَسْجِدَ فَهُوَ زَائِرُ اللَّهِ وَحَقٌّ عَلَى الْمَزُورِ أَنْ يُكْرِمَ الزَّائِرَ» ، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ بِإِسْنَادَيْنِ أَحَدُهُمَا جَيِّدٌ، وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ نَحْوَهُ مَوْقُوفًا عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمْ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إلَّا ظِلُّهُ: الْإِمَامُ الْعَادِلُ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ بِالْمَسَاجِدِ، وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَى ذَلِكَ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ إنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ، وَرَجُلٌ

стр. 789

تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ» . فَإِذَا دَخَلَ الْإِنْسَانُ الْمَسْجِدَ وَقَالَ مَا ذَكَرْنَا لَهُ أَوَّلًا فَيُسْتَحَبُّ لَهُ حِينَئِذٍ الْإِكْثَارُ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ بِالتَّسْبِيحِ وَالتَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ وَالتَّحْمِيدِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْأَذْكَارِ. وَيُسْتَحَبُّ الْإِكْثَارُ مِنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ. وَمِنْ الْمُسْتَحَبِّ فِيهِ قِرَاءَةُ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعِلْمِ الْفِقْهِ وَسَائِرِ الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ﴾ [النور: ٣٦] ﴿رِجَالٌ﴾ [النور: ٣٧] الْآيَةَ. وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢] ، وَقَالَ ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [الحج: ٣٠] . وَمِمَّا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنْوِيَ الِاعْتِكَافَ مَا دَامَ جَالِسًا فِي الْمَسْجِدِ. قَالَ أَصْحَابُنَا لَا سِيَّمَا إنْ كَانَ صَائِمًا. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: ذَكَرَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْمِنْهَاجِ وَمَعْنَاهُ فِي الْغُنْيَةِ. قُلْت: وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِقْنَاعِ وَالْمُنْتَهَى وَغَيْرِهِمَا وِفَاقًا لِلشَّافِعِيَّةِ، إلَّا أَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ أَصْحَابِنَا اعْتِبَارُ اللُّبْثِ وَهُمْ لَمْ يَعْتَبِرُوهُ، فَيَنْوِي الْمَارُّ كَمَا فِي الْأَذْكَارِ لِلْإِمَامِ النَّوَوِيِّ. وَلَمْ يَرَ " شَيْخُ الْإِسْلَامِ ذَلِكَ مُسْتَحَبًّا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. . مَطْلَبٌ: فِيمَنْ أَحْدَثَ مَقَاصِيرَ فِي الْمَسَاجِدِ . الثَّامِنُ: رُفِعَ لِشَيْخِ الْإِسْلَام ابْنِ تَيْمِيَّةَ سُؤَالٌ فِيمَنْ أَحْدَثَ مَقَاصِيرَ فِي الْمَسَاجِدِ وَيُخَصَّصُ بِهَا دُونَ غَيْرِهِ، أَوْ جَعَلَهَا لَهُ وَلِغَيْرِهِ، فَهَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ أَمْ لَا، وَهَلْ عَلَى وَلِيِّ الْأَمْرِ مَنْعُهُ؟ . أَجَابَ ﵁: لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَخْتَصَّ بِمَكَانٍ مِنْ الْمَسْجِدِ بِحَيْثُ يَمْنَعُهُ غَيْرَهُ فِي أَوْقَاتِ الْعِبَادَاتِ، فَكَيْفَ بِمَنْ يَتَّخِذُ مَقْصُورَةً فِي الْمَسْجِدِ بِمَنْزِلَةِ الْبَيْتِ الَّذِي يُقِيمُ فِيهِ وَيَمْنَعُ غَيْرَهُ مِنْ دُخُولِهِ، فَإِنَّ هَذَا غَيْرُ جَائِزٍ بِلَا نِزَاعٍ، بَلْ «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَنْهَى عَنْ تَوَطُّنِ الْمَكَانِ فِي الْمَسْجِدِ كَمَا يُوَطَّنُ الْبَعِيرُ» . قَالَ وَلِهَذَا نَهَى الْعُلَمَاءُ عَنْ أَنْ يَتَّخِذُ الرَّجُلُ مَكَانًا مِنْ الْمَسْجِدِ لَا يُصَلِّي إلَّا فِيهِ، وَجَعَلُوا هَذَا مِنْ الِاخْتِصَاصِ الْمُنْهَى عَنْهُ؛ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْفَسَادِ، مِثْلُ كَوْنِ الرَّجُلِ إذَا رَأَى غَيْرَهُ سَبَقَهُ إلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ أَوْ غَيْرِهَا أَبْغَضَهُ أَوْ سَبَّهُ أَوْ عَادَاهُ. وَالسُّنَّةُ فِي الْمَسْجِدِ أَنَّ مَنْ سَبَقَ إلَى بُقْعَةٍ مِنْهُ لِعَمَلٍ

стр. 790

جَائِزٍ فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا حَتَّى يَقُومَ. وَالسُّنَّةُ فِي الصَّلَاةِ أَنْ يُسَدَّ الصَّفُّ الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ «أَلَا تَصُفُّونَ كَمَا تَصُفُّ الْمَلَائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهَا، قَالَ يَسُدُّونَ الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ، وَيَتَرَاصُّونَ فِي الصَّفِّ» فَمَنْ سَبَقَ إلَى الصَّفِّ الْأَوَّلِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مَا دَامَ فِي الصَّلَاةِ. وَلَوْ سَبَقَ إلَى سَارِيَةٍ فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا بِذَلِكَ إلَّا أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ مُصَلِّي يُرِيدُ أَنْ يُصَلِّيَ إلَى السَّارِيَةِ فَإِنَّهُ أَحَقُّ بِهِ، كَمَا قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: الْمُصَلُّونَ أَحَقُّ بِالسَّوَارِي مِنْ غَيْرِهِمْ، وَهَذَا عِنْدَ الِازْدِحَامِ. وَلَوْ أَرَادَ الِاعْتِكَافَ فِي الْمَسْجِدِ فَهُوَ أَحَقُّ بِمُعْتَكَفِهِ مَا دَامَ مُعْتَكِفًا، فَإِنَّ الِاعْتِكَافَ عِبَادَةٌ مُخْتَصٌّ بِالْمَسْجِدِ. وَلَوْ احْتَاجَ أَنْ يَجْعَلَ لَهُ فِي اعْتِكَافِهِ مَا يَسْتُرُهُ مِنْ النَّاسِ مِثْلَ الْحُجْرَةِ الَّذِي احْتَجَرَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ كَانَ يَعْتَكِفُ كَانَ ذَلِكَ مَشْرُوعًا، بَلْ كَانَ السَّلَفُ يَنْصِبُونَ الْخِيَامَ فِي الْمَسَاجِدِ مُدَّةَ الِاعْتِكَافِ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، فَهَذَا مَشْرُوعٌ. وَكَذَلِكَ لَوْ أَقَامَ الرَّجُلُ فِي الْمَسْجِدِ مُدَّةَ إقَامَةٍ مَشْرُوعَةٍ، كَمَا أَذِنَ النَّبِيُّ ﷺ لِوَفْدِ ثَقِيفٍ أَنْ يَنْزِلُوا بِالْمَسْجِدِ لِيَكُونَ أَرَقَّ لِقُلُوبِهِمْ وَأَقْرَبَ إلَى دُخُولِ الْإِيمَانِ فِيهَا، وَكَمَا مَرِضَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ ﵁ فِي الْمَسْجِدِ لِيَكُونَ أَسْهَلَ لِعِيَادَتِهِ وَكَالْمَرْأَةِ الَّتِي كَانَتْ تَقُمُّ الْمَسْجِدَ وَكَانَ لَهَا حِفْشٌ فِيهِ، أَيْ وَالْحِفْشُ - كَمَا فِي الْمَطَالِعِ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالْفَاءِ فَشِينٍ مُعْجَمَةٍ - الدَّرَجُ وَجَمْعُهُ حِفَاشٌ. وَفِي الْحَدِيثِ «هَلَّا جَلَسَ فِي حِفْشِ أُمِّهِ أَيْ بَيْتِهَا» . شَبَّهَ بَيْتَ أُمِّهِ فِي صِغَرِهِ بِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁: هُوَ الْبَيْتُ الْقَرِيبُ السَّمْكِ. وَقَالَ مَالِكٌ ﵁: هُوَ الصَّغِيرُ الْخَرِبُ. وَقِيلَ: الْحِفْشُ شَبَهُ الْقُبَّةِ، تَجْمَعُ فِيهِ الْمَرْأَةُ غَزْلَهَا وَسَقَطَهَا، كَالدَّرَجِ يُصْنَعُ مِنْ الْخُوصِ يُشَبَّهُ بِهِ الْبَيْتُ الصَّغِيرُ الْحَقِيرُ. انْتَهَى. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: فَإِذَا احْتَاجَ أَحَدُ هَؤُلَاءِ إلَى سُتْرَةٍ كَخَيْمَةِ سَعْدٍ وَحِفْشِ الْمَرْأَةِ كَانَ جَائِزًا. فَأَمَّا أَنْ يَتَّخِذَ الْمَسْجِدَ مَسْكَنًا دَائِمًا وَيَتَّخِذَهُ مَبِيتًا وَمَقِيلًا وَيَخْتَصَّ بِالْحُجْرَةِ اخْتِصَاصَ أَهْلِ الدُّورِ بِدُورِهِمْ دَائِمًا فَهَذَا يَقْرُبُ مِنْ إخْرَاجِ هَذِهِ الْبُقْعَةِ عَنْ حُكْمِ الْمَسْجِدِ. وَلِهَذَا تَنَازَعَ الْفُقَهَاءُ الَّذِينَ يَشْتَرِطُونَ فِي الْجُمُعَةِ كَأَصْحَابِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ فِي صِحَّةِ الْجُمُعَةِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمَقَاصِيرِ عَلَى قَوْلَيْنِ. وَتَنَازَعَ مَنْ لَا يُجَوِّزُ الصَّلَاةَ فِي الْأَرْضِ الْمَغْصُوبَةِ كَإِحْدَى

стр. 791

الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵁ فِي صِحَّةِ هَؤُلَاءِ مُطْلَقًا فِي الْأَمَاكِنِ الْمُتَحَجِّرَةِ فِي الْمَسْجِدِ عَلَى قَوْلَيْنِ، وَلَمْ يَتَنَازَعُوا فِي أَنَّ فَاعِلَ ذَلِكَ آثِمٌ عَاصٍ يَجِبُ مَنْعُهُ مِنْ ذَلِكَ بَلْ لَهُ أَثَرُ نَصِيبٍ مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [البقرة: ١١٤] فَإِنَّ هَذِهِ الْبِقَاعَ مِنْ الْمَسَاجِدِ، فَإِذَا مُنِعَ مَنْ لَهُ فِيهَا حَقٌّ أَنْ يَذْكَرَ فِيهَا اسْمَ اللَّهِ بِصَلَاةٍ أَوْ قِرَاءَةٍ أَوْ دُعَاءٍ أَوْ ذِكْرٍ أَوْ تَعَلُّمٍ أَوْ تَعْلِيمٍ كَانَ ذَلِكَ نَوْعًا مِمَّا تَنَاوَلَتْهُ الْآيَةُ. وَكَذَلِكَ تَخْرِيبُ الْمَسَاجِدِ ضِدُّ عِمَارَتِهَا، وَلَيْسَتْ عِمَارَتُهَا الْمَحْمُودَةُ بِمُجَرَّدِ بُنْيَانِ الْحِيطَانِ وَالسُّقُوفِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَصِحُّ مِنْ الْكَافِرِ وَالْفَاسِقِ. وَقَدْ قَالَ - تَعَالَى -: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ﴾ [التوبة: ١٧] ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [التوبة: ١٨] الْآيَةَ. وَفِي التِّرْمِذِيِّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إذَا رَأَيْتُمْ الرَّجُلَ يَعْتَادُ الْمَسْجِدَ فَاشْهَدُوا لَهُ بِالْإِيمَانِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١٨] الْآيَةَ» . قُلْت: رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ كَمَا قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحَيْهِمَا وَالْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ دَرَّاجٍ أَبِي السَّمْحِ عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ. وَقَالَ الْحَاكِمُ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ. وَفِي أَوْسَطِ الطَّبَرَانِيِّ عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا «أَنَّ عُمَّارَ بُيُوتِ اللَّهِ هُمْ أَهْلُ اللَّهِ » . وَفِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا «مَنْ أَلِفَ الْمَسْجِدَ أَلِفَهُ» . وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵁ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «إنَّ لِلْمَسَاجِدِ أَوْتَادًا الْمَلَائِكَةُ جُلَسَاؤُهُمْ، إنْ غَابُوا يَفْتَقِدُوهُمْ، وَإِنْ مَرِضُوا عَادُوهُمْ، وَإِنْ كَانُوا فِي حَاجَةٍ أَعَانُوهُمْ» . مَطْلَبٌ: جَلِيسُ الْمَسْجِدِ عَلَى ثَلَاثِ خِصَالٍ. ثُمَّ قَالَ: «جَلِيسُ الْمَسْجِدِ عَلَى ثَلَاثِ خِصَالٍ: أَخٌ مُسْتَفَادٌ، أَوْ كَلِمَةٌ مُحْكَمَةٌ، أَوْ رَحْمَةٌ مُنْتَظَرَةٌ» وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ ﵁ دُونَ قَوْلِهِ جَلِيسُ الْمَسْجِدِ إلَى آخِرِهِ. وَقَالَ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ عَلَى شَرْطِهِمَا.

стр. 792

وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَيْضًا عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إنَّ الشَّيْطَانَ ذِئْبُ الْإِنْسَانِ كَذِئْبِ الْغَنَمِ، يَأْخُذُ الشَّاةَ الْقَاصِيَةَ وَالنَّاحِيَةَ، فَإِيَّاكُمْ وَالشِّعَابَ، وَعَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ وَالْعَامَّةِ وَالْمَسْجِدِ» إلَى غَيْرِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي هَذَا الْبَابِ. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: فَبَيَّنَ أَنَّ إقَامَةَ الْجَمَاعَةِ فِيهَا عِمَارَةٌ لَهَا، وَهَذَا النَّهْيُ كُلُّهُ لِمَنْ يَقْتَصِرُ فِي الْأَمْكِنَةِ الْمُتَحَجِّرَةِ عَلَى مَا يُشْرَعُ فِي الْمَسْجِدِ مِنْ الْعِبَادَاتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَأَمَّا إذَا فَعَلَ فِيهَا الْمَحْظُورَاتِ مِنْ الْأَقْوَالِ الْمُحَرَّمَةِ وَالْأَفْعَالِ الْمُحَرَّمَةِ كَمُقَدِّمَاتِ الْفَوَاحِشِ وَتَنَاوُلِ الْمُنْكَرَاتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَلَا يَسْتَرِيبُ مُسْلِمٌ فِي النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ. وَإِنْ كَانَتْ هَذِهِ الْمَقَاصِيرُ مَظِنَّةً لِهَذِهِ الْمُحَرَّمَاتِ وَقَدْ شُهِرَ ذَلِكَ كَانَ ذَلِكَ بِلَا رَيْبٍ مُوجِبًا لِحَسْمِ الْمَادَّةِ وَالْمَنْعِ مِنْ أَنْ يَكُونَ فِي الْمَسَاجِدِ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ وَرَسُولُهُ. وَلَيْسَ هَذَا مِنْ بَابِ الْحُدُودِ الَّتِي تَتَوَقَّفُ عَلَى الْبَيِّنَةِ وَالْإِقْرَارِ، بَلْ هُوَ مِنْ بَابِ الصِّيَانَةِ وَالِاحْتِيَاطِ وَالذَّرَائِعِ كَاتِّقَاءِ مَوَاقِفِ التُّهَمِ «وَلِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لِلرَّجُلَيْنِ اللَّذَيْنِ رَآهُمَا، وَهُوَ مَعَ امْرَأَتِهِ صَفِيَّةَ إنَّهَا صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ، فَقَالَا سُبْحَانَ اللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ إنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنْ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ، وَإِنِّي خَشِيت أَنْ يَقْذِفَ فِي قُلُوبِكُمَا شَيْئًا» . وَكَمَا بَلَغَ عُمَرَ أَنَّ رَجُلًا تُجَالِسُهُ الْأَحْدَاثُ فَنَهَى عَنْ مُجَالَسَتِهِ. وَكَمَا نَفَى (نَصْرُ بْنُ الْحَجَّاجِ) لَمَّا خَافَ افْتِتَانَ النَّاسِ بِهِ. وَكَمَا نَهَى عَنْ الْخَلْوَةِ بِالْأَجْنَبِيَّةِ وَالسَّفَرِ بِهَا وَأَمْثَالِ ذَلِكَ، فَإِنَّ الْفِعْلَ إذَا كَانَ مَظِنَّةَ مُفْسِدَةٍ، وَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مَصْلَحَةٌ رَاجِحَةٌ فَإِنَّهُ يَنْهَى عَنْهُ شَرْعًا، وَعَلَى وُلَاةِ الْأُمُورِ الْقِيَامُ فِي ذَلِكَ بِمَا أَمَرَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَالنَّهْيُ عَمَّا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ وَرَسُولُهُ، وَتُقْلَعُ هَذِهِ الْمَقَاصِيرُ، كَمَا قُلِعَ أَمْثَالُهَا فِي جَامِعِ دِمَشْقَ وَجَامِعِ الْحَاكِمِ بِمِصْرَ وَغَيْرِهِمَا، فَإِنَّهُ كَانَ هُنَاكَ أَمْثَالُ هَذِهِ الْمَقَاصِيرِ حَتَّى قَلَعَهُ مِنْ وُلَاةِ الْأُمُورِ مَنْ حَمِدَهُ النَّاسُ عَلَى ذَلِكَ وَرَأَوْا فِعْلَهُ مِنْ أَحْسَنِ الْحَسَنَاتِ وَأَعْظَمِ

стр. 793

الْقُرُبَاتِ بَلْ مِنْ الْأَفْعَالِ الْوَاجِبَاتِ. وَإِذَا قَامَتْ فَإِنَّهَا تُصْرَفُ فِي مَصَالِحِ الْمَسْجِدِ، فَإِنْ نَفَعَتْ فِي عِمَارَتِهِ وَإِلَّا بِيعَتْ وَانْتَفَعَ الْمَسْجِدُ بِأَثْمَانِهَا. انْتَهَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ مَطْلَبٌ: فِي أَشْيَاءَ تُبَاحُ فِي الْمَسْجِدِ . (التَّاسِعُ) : فِي أَشْيَاءَ تُبَاحُ فِي الْمَسْجِدِ غَيْرِ مَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ: يُبَاحُ فِيهِ الْوُضُوءُ وَالْغُسْلُ بِلَا ضَرَرٍ إلَّا أَنْ يَحْصُلَ مَعَهُ بُصَاقٌ أَوْ مُخَاطٌ. وَيُبَاحُ غَلْقُ أَبْوَابِهِ فِي غَيْرِ أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ لِئَلَّا يَدْخُلَهُ مَنْ يُكْرَهُ دُخُولُهُ إلَيْهِ. وَيُبَاحُ الْأَكْلُ فِيهِ وَالِاسْتِلْقَاءُ فِيهِ لِمَنْ لَهُ سَرَاوِيلُ. فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ عَنْ عَمِّهِ «أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مُسْتَلْقِيًا فِي الْمَسْجِدِ وَاضِعًا إحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى» قَالَ الْمَرُّوذِيُّ: سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الرَّجُلُ يَسْتَلْقِي وَيَضَعُ إحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى؟ قَالَ: لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ قَدْ رُوِيَ. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: لَا بَأْسَ بِهِ إلَّا أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ سَرَاوِيلُ. وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ ﵁ قَالَ: «كُنَّا نَأْكُلُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ الْخُبْزَ وَاللَّحْمَ» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. قَالَ فِي الْإِقْنَاعِ: وَيُبَاحُ اتِّخَاذُ الْمِحْرَابِ فِي الْمَسْجِدِ وَفِي الْمَنْزِلِ. قَالَ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى: قَالَ بَعْضُهُمْ: وَيُبَاحُ اتِّخَاذُ الْمِحْرَابِ. نَصَّ عَلَيْهِ. وَقَدَّمَ فِي الْآدَابِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ اتِّخَاذُ الْمِحْرَابِ فِيهِ وَفِي الْمَنْزِلِ. قَالَ الشَّيْخُ وَجِيهُ الدِّينِ: بِنَاءُ الْمَسَاجِدِ وَالْجَامِعِ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ. قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يَنْبَغِي اتِّخَاذُ الْمِحْرَابِ فِيهِ لِيَسْتَدِلَّ بِهِ الْجَاهِلُ، وَقَطَعَ بِهِ ابْنُ الْجَوْزِيِّ، وَأَوْمَأَ إلَيْهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵁ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. مَطْلَبٌ: فِي الِاسْتِرْجَاعِ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ: وَيَحْسُنُ الِاسْتِرْجَاعُ فِي قَطْعِ شِسْعِهِ ... وَتَخْصِيصِ حَافٍ بِالطَّرِيقِ الْمُمَهَّدِ (وَيَحْسُنُ) أَيْ يُشْرَعُ وَيُسَنُّ (الِاسْتِرْجَاعُ) أَيْ قَوْلُ: إنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ وَيُقْرَأُ الِاسْتِرْجَاعُ فِي عِبَارَةِ النَّظْمِ بِالنَّقْلِ لِلْوَزْنِ (فِي قَطْعِ شِسْعِهِ) أَيْ فِي قَطْعِ شِسْعِ نَعْلِهِ، وَهُوَ بِكَسْرِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ أَحَدُ سُيُورِ النَّعْلِ، وَهُوَ

стр. 794

الَّذِي يَدْخُلُ بَيْنَ الْأُصْبُعَيْنِ وَيَدْخُلُ طَرَفُهُ فِي الثَّقْبِ الَّذِي فِي طَرَفِ النَّعْلِ الْمَشْدُودِ فِي الزِّمَامِ، وَهُوَ السَّيْرُ الَّذِي يُعْقَدُ فِيهِ الشِّسْعُ، وَالْجَمْعُ شُسُوعٌ مِثْلُ حِمْلٍ وَحُمُولٍ. رَوَى أَبُو مُحَمَّدٍ الْخَلَّالُ ﵀ وَرَضِيَ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «إذَا انْقَطَعَ شِسْعُ أَحَدِكُمْ فَلْيَسْتَرْجِعْ فَإِنَّهَا مُصِيبَةٌ» . وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ ﵄ أَنَّهُمَا سَمِعَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «مَا يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ مِنْ وَصَبٍ وَلَا نَصَبٍ وَلَا سَقَمٍ وَلَا حَزَنٍ حَتَّى الْهَمُّ يَهُمُّهُ إلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهِ مِنْ سَيِّئَاتِهِ» وَالْوَصَبُ وَالنَّصَبُ التَّعَبُ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَا مِنْ مُصِيبَةٍ تُصِيبُ الْمُسْلِمَ إلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا عَنْهُ حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا» . قَالَ الشَّيْخُ شَمْسُ الدِّينِ الْمِينَحِيُّ فِي كِتَابِهِ (تَسْلِيَةِ أَهْلِ الْمَصَائِبِ) ، وَهُوَ مِنْ أَئِمَّةِ الْمَذْهَبِ: قَدْ جَعَلَ اللَّهُ - سُبْحَانَهُ كَلِمَاتِ الِاسْتِرْجَاعِ وَهِيَ قَوْلُ الْمُصَابِ إنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ مَلْجَأً وَمَلَاذًا لِذَوِي الْمَصَائِبِ. وَعِصْمَةً لِلْمُمْتَحَنِينَ مِنْ الشَّيْطَانِ، لِئَلَّا يَتَسَلَّطَ عَلَى الْمُصَابِ فَيُوَسْوِسَ لَهُ بِالْأَفْكَارِ الرَّدِيئَةِ، فَيَهِيجَ مَا سَكَنَ وَيَظْهَرَ مَا كَمَنَ، فَإِذَا لَجَأَ إلَى هَذِهِ الْكَلِمَاتِ الْجَامِعَاتِ لِمَعَانِي الْخَيْرِ وَالْبَرَكَةِ فَقَدْ اعْتَصَمَ بِهَا مِنْ وَسْوَسَةِ الشَّيْطَانِ، فَإِنَّ قَوْلَهُ إنَّا لِلَّهِ تَوْحِيدٌ وَإِقْرَارٌ بِالْعُبُودِيَّةِ وَالْمُلْكِ، وَقَوْلَهُ: وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ إقْرَارٌ بِأَنَّ اللَّهَ يُهْلِكُنَا ثُمَّ يَبْعَثُنَا، فَهُوَ إيمَانٌ بِالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَهُوَ إيمَانٌ أَيْضًا بِأَنَّ لَهُ الْحُكْمَ فِي الْأُولَى وَلَهُ الْمَرْجِعُ فِي الْأُخْرَى، فَهُوَ مِنْ الْيَقِينِ أَنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ فَلَا مَلْجَأَ مِنْهُ إلَّا إلَيْهِ. ثُمَّ قَالَ: لِيَعْلَمَ الْعَبْدُ وَيَتَحَقَّقَ أَنَّ نَفْسَهُ وَأَهْلَهُ وَمَالَهُ وَوَلَدَهُ مِلْكٌ لِلَّهِ حَقِيقَةً، وَقَدْ جَعَلَهُ اللَّهُ عِنْدَ الْعَبْدِ عَارِيَّةً فَإِذَا أَخَذَهُ مِنْهُ فَهُوَ كَالْمُعِيرِ يَأْخُذُ عَارِيَّتَهُ مِنْ الْمُسْتَعِيرِ. وَأَيْضًا فَإِنَّهُ مَحْفُوفٌ بِعَدِمَيْنِ عَدَمٍ قَبْلَهُ وَعَدَمٍ بَعْدَهُ. وَمِلْكُ الْعَبْدِ لَهُ مُتْعَةٌ مُعَارَةٌ فِي زَمَنٍ يَسِيرٍ. وَأَيْضًا فَإِنَّهُ لَيْسَ هُوَ الَّذِي أَوْجَدَهُ عَنْ عَدَمٍ حَتَّى يَكُونَ مَالَهُ حَقِيقَةً، وَلَا هُوَ الَّذِي يَحْفَظُهُ مِنْ الْآفَاتِ بَعْدَ وُجُودِهِ، وَلَا يَبْقَى عَلَيْهِ وُجُودُهُ، فَلَيْسَ لَهُ فِيهِ تَأْثِيرٌ، وَلَا مِلْكٌ حَقِيقِيٌّ. وَأَيْضًا فَإِنَّهُ

стр. 795

مُتَصَرِّفٌ فِيهِ بِالْأَمْرِ تَصَرُّفَ الْعَبْدِ الْمَأْمُورِ الْمَنْهِيِّ لَا تَصَرُّفَ الْمُلَّاكِ، وَلِهَذَا لَا يُبَاحُ لَهُ مِنْ التَّصَرُّفَاتِ فِيهِ إلَّا مَا وَافَقَ أَمْرَ مَالِكِهِ الْحَقِيقِيِّ، ثُمَّ إنَّ مَصِيرَ الْعَبْدِ وَمَرْجِعَهُ إلَى اللَّهِ مَوْلَاهُ الْحَقِّ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَخْلُفَ الدُّنْيَا وَرَاءَ ظَهْرِهِ وَيَأْتِيَ رَبَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا كَمَا خَلَقَهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ بِلَا أَهْلٍ، وَلَا مَالٍ وَلَا عَشِيرَةٍ، وَلَكِنْ يَأْتِيهِ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ. فَإِذَا كَانَتْ هَذِهِ بِدَايَةَ الْعَبْدِ، وَمَا خَوَّلَهُ فِيهِ وَنِهَايَتُهُ وَحَالُهُ فِيهِ، فَكَيْفَ يَفْرَحُ الْعَبْدُ بِوَلَدٍ أَوْ مَالٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ مَتَاعِ الدُّنْيَا، أَمْ كَيْفَ يَأْسَى عَلَى مَفْقُودٍ؟ . فَفِكْرَةُ الْعَبْدِ فِي بِدَايَتِهِ وَنِهَايَتِهِ مِنْ أَعْظَمِ عِلَاجِ الْمَصَائِبِ. وَمِنْ عِلَاجِهِ أَنْ يَعْلَمَ عِلْمَ الْيَقِينِ أَنَّ مَا أَصَابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ، وَمَا أَخْطَأَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ. قَالَ تَعَالَى ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ - لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [الحديد: ٢٢ - ٢٣] . وَمَنْ تَأَمَّلَ هَذِهِ الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ وَجَدَ فِيهَا شِفَاءً وَدَوَاءً لِكُلِّ مُصِيبَةٍ. انْتَهَى. . مَطْلَبٌ: بِشَارَةٌ عَظِيمَةٌ (بِشَارَةٌ عَظِيمَةٌ) . وَرَدَ عَنْ النَّبِيِّ الْمُخْتَارِ، ﷺ مَا تَعَاقَبَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، أَنَّ مَنْ أُصِيبَ بِمُصِيبَةٍ فَذَكَرَهَا وَلَوْ بَعْدَ مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ فَجَدَّدَ لَهَا اسْتِرْجَاعًا وَصَبْرًا جَدَّدَ اللَّهُ لَهُ ثَوَابًا وَأَجْرًا. فَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي الْمُسْنَدِ عَنْ سَيِّدِنَا الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ ﵄ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «مَا مِنْ مُسْلِمٍ وَلَا مُسْلِمَةٍ يُصَابُ بِمُصِيبَةٍ فَيَذْكُرُهَا، وَإِنْ طَالَ عَهْدُهَا» - وَفِي لَفْظٍ، «وَإِنْ قَدُمَ عَهْدُهَا - فَيُحْدِثُ لِذَلِكَ اسْتِرْجَاعًا إلَّا جَدَّدَ اللَّهُ لَهُ عِنْدَ ذَلِكَ فَأَعْطَاهُ مِثْلَ أَجْرِهَا يَوْمَ أُصِيبَ بِهَا» . وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْحُسَيْنِ أَيْضًا وَلَفْظُهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «مَنْ أُصِيبَ بِمُصِيبَةٍ فَذَكَرَ مُصِيبَتَهُ فَأَحْدَثَ اسْتِرْجَاعًا وَإِنْ تَقَادَمَ عَهْدُهَا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ مِنْ الْأَجْرِ مِثْلَهُ يَوْمَ أُصِيبَ» قَالَ الشَّمْسُ الْمِينَحِيُّ: فِي إسْنَادِهِ مَقَالٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. .

стр. 796

مَطْلَبٌ: فِي أَعْظَمِ الْمَصَائِبِ الْمُصِيبَةُ فِي الدِّينِ. (تَنْبِيهَانِ) : (الْأَوَّلُ) : الْمَصَائِبُ تَتَفَاوَتُ، فَأَعْظَمُهَا الْمُصِيبَةُ فِي الدِّينِ، نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنَّهَا أَعْظَمُ مِنْ كُلِّ مُصِيبَةٍ يُصَابُ بِهَا الْإِنْسَانُ. وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ «الْمَسْلُوبُ مَنْ سُلِبَ دِينُهُ» فَإِذَا رَأَيْت إنْسَانًا لَا يُبَالِي بِمَا أَصَابَهُ فِي دِينِهِ مِنْ ارْتِكَابِ الذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا وَفَوَاتِ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ وَأَوْقَاتِ الطَّاعَاتِ فَاعْلَمْ أَنَّهُ مَيِّتٌ لَا يُحِسُّ بِأَلَمِ الْمُصِيبَةِ، فَإِنَّك لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى. ثُمَّ بَعْدَ الْمُصِيبَةِ فِي الدِّينِ الْمُصِيبَةُ فِي النَّفْسِ، ثُمَّ فِي الْأَهْلِ وَهِيَ مُقَارِبَةٌ الْمُصِيبَةَ فِي النَّفْسِ، ثُمَّ الْمُصِيبَةُ فِي الْمَالِ، وَهَذِهِ كَاَلَّتِي قَبْلَهَا تَتَفَاوَتُ بِحَسَبِ فَخَامَةِ الْمُصَابِ فِيهِ وَحَقَارَتِهِ، فَأَعْظَمُهَا أَنْفَسُهَا إلَى أَنْ تَصِلَ إلَى شِسْعِ النَّعْلِ وَالشَّوْكَةِ فَإِنَّهُمَا فِي غَايَةِ الْحَقَارَةِ، فَإِنَّ حَرَّ الْمُصِيبَةِ تَنَالُ مِنْ الْقَلْبِ بِقَدْرِ مَا فَقَدَ وَتَأَلَّمَ، وَشِسْعُ النَّعْلِ فِي غَايَةِ الْخِسَّةِ. فَنَبَّهَ الْمُصْطَفَى عَلَى أَعْلَى الْمَصَائِبِ بِقَوْلِهِ «الْمَسْلُوبُ مَنْ سُلِبَ دِينُهُ» . مَطْلَبٌ: أَعْظَمِ الْمَصَائِبِ فِي الدِّينِ مَوْتُ النَّبِيِّ ﵊. وَيَقْرُبُ مِنْ هَذَا قَوْلُهُ ﷺ «أَيُّهَا النَّاسُ أَيُّمَا أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ أَوْ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أُصِيبَ بِمُصِيبَةٍ فَلْيَتَعَزَّ بِمُصِيبَتِهِ بِي عَنْ الْمُصِيبَةِ الَّتِي تُصِيبُهُ بِغَيْرِي، فَإِنَّ أَحَدًا مِنْ أُمَّتِي لَنْ يُصَابَ بِمُصِيبَةٍ بَعْدِي أَشَدَّ عَلَيْهِ مِنْ مُصِيبَتِي» . وَفِي رِوَايَةٍ ذَكَرَهَا ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ مُرْسَلًا أَنَّهُ ﷺ قَالَ «إذَا أَصَابَ أَحَدَكُمْ مُصِيبَةٌ فَلْيَذْكُرْ مُصَابَهُ بِي فَإِنَّهَا مِنْ أَعْظَمِ الْمَصَائِبِ» وَرَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو نُعَيْمٍ. وَالْأَوَّلُ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂. وَهَذِهِ الْمُصِيبَةُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ مِنْ أَعْظَمِ الْمَصَائِبِ فِي الدِّينِ. قَالَ فِي تَسْلِيَةِ أَهْلِ الْمَصَائِبِ: وَمِنْ أَعْظَمِ الْمَصَائِبِ فِي الدُّنْيَا مَوْتُ النَّبِيِّ ﷺ ؛ لِأَنَّ الْمُصِيبَةَ بِهِ أَعْظَمُ مِنْ كُلِّ مُصِيبَةٍ يُصَابُ بِهَا الْمُسْلِمُ؛ لِأَنَّ بِمَوْتِهِ ﷺ انْقَطَعَ الْوَحْيُ مِنْ السَّمَاءِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَانْقَطَعَتْ النُّبُوَّاتُ، وَكَانَ مَوْتُهُ أَوَّلَ ظُهُورِ الشَّرِّ وَالْفَسَادِ بِارْتِدَادِ الَّذِينَ ارْتَدُّوا

стр. 797

عَنْ الدِّينِ مِنْ الْأَعْرَابِ، فَهُوَ أَوَّلُ انْقِطَاعِ عُرَى الدِّينِ وَنُقْصَانِهِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأُمُورِ الَّتِي لَا تُحْصَى. قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁: مَا نَفَّضْنَا أَيْدِيَنَا مِنْ التُّرَابِ مِنْ قَبْرِ الرَّسُولِ ﷺ حَتَّى أَنْكَرْنَا قُلُوبَنَا. رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. وَلَقَدْ أَحْسَنَ أَبُو الْعَتَاهِيَةِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي قَوْلِهِ مُسَلِّيًا لِبَعْضِ إخْوَانِهِ فِي وَلَدٍ لَهُ اسْمُهُ مُحَمَّدٌ. اصْبِرْ لِكُلِّ مُصِيبَةٍ وَتَجَلَّدْ ... وَاعْلَمْ بِأَنَّ الْمَرْءَ غَيْرُ مُخَلَّدِ أَوَمَا تَرَى أَنَّ الْمَصَائِبَ جَمَّةٌ ... وَتَرَى الْمَنِيَّةَ لِلْعِبَادِ بِمَرْصَدِ مَنْ لَمْ يُصَبْ مِمَّنْ تَرَى بِمُصِيبَةٍ ... هَذَا سَبِيلٌ لَسْتَ فِيهِ بِأَوْحَدِ فَإِذَا ذَكَرْتَ مُحَمَّدًا وَمُصَابَهُ ... فَاذْكُرْ مُصَابَكَ بِالنَّبِيِّ مُحَمَّدِ وَقَدْ رَوَى ابْنُ مَاجَهْ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ «كَانَ النَّاسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذَا قَامَ الْمُصَلِّي لَمْ يَعْدُ بَصَرُ أَحَدِهِمْ مَوْضِعَ قَدَمَيْهِ فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ فَكَانَ النَّاسُ إذَا قَامَ أَحَدُهُمْ يُصَلِّي لَمْ يَعْدُ أَحَدُهُمْ مَوْضِعَ الْقِبْلَةِ فَتُوُفِّيَ أَبُو بَكْرٍ وَكَانَ عُمَرُ ﵁ فَكَانَ النَّاسُ إذَا قَامَ أَحَدُهُمْ يُصَلِّي لَمْ يَعْدُ بَصَرُ أَحَدِهِمْ مَوْضِعَ الْقِبْلَةِ فَكَانَ عُثْمَانُ ﵁ فَكَانَتْ الْفِتْنَةُ فَتَلَفَّتَ النَّاسُ فِي الصَّلَاةِ يَمِينًا وَشِمَالًا» إسْنَادُهُ مُقَارِبٌ. قُلْت: وَالْآنَ تَفَاقَمَ الْأَمْرُ وَتَلَاشَى الْحَالُ، فَكَمْ مِنْ قَائِمٍ فِي الصَّلَاةِ وَهُوَ غَيْرُ مُكْتَرِثٍ بِهَا حَتَّى لَا يُفَرِّقَ بِعَيْنِ قَلْبِهِ بَيْنَ وُقُوفِهِ فِيهَا وَبَيْنَ وُقُوفِهِ فِي الْأَسْوَاقِ. فَيَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قُلُوبَنَا عَلَى دِينِك يَا اللَّهُ إنَّك لَا تُخَيِّبُ مَنْ دَعَاك. مَطْلَبٌ: الِاسْتِرْجَاعُ مِنْ خُصُوصِيَّاتِ هَذِهِ الْأُمَّةِ (الثَّانِي) قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ﵀ وَرَضِيَ عَنْهُ: مَا أُعْطِيَ أَحَدٌ فِي الْمُصِيبَةِ مَا أُعْطِيَ هَذِهِ الْأُمَّةُ، يَعْنِي إنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ وَلَوْ أُعْطِيَ أَحَدٌ لَأُعْطِيَ نَبِيُّ اللَّهِ يَعْقُوبَ ﵇ أَلَمْ تَسْمَعْ إلَى قَوْلِهِ فِي فَقْدِ يُوسُفَ ﵇ ﴿يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٨٤] أُولَئِكَ أَصْحَابُ هَذِهِ الصِّفَةِ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمْ الْمُهْتَدُونَ، وَاَللَّهُ تَعَالَى الْمُوَفِّقُ. .

стр. 798

مَطْلَبٌ: يُسْتَحَبُّ لِلْمُنْتَعِلِ أَنْ يَفْسَحَ لِلِحَافِي . (وَ) يَحْسُنُ بِمَعْنَى يُسَنُّ (تَخْصِيصُ) إنْسَانٍ (حَافٍ) غَيْرِ مُنْتَعِلٍ (بِ) مَشْيِهِ فِي (الطَّرِيقِ) أَيْ السَّبِيلِ، وَيُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ، وَجَمْعُهُ أَطْرِقَةٌ وَطُرُقٌ. قَالَ فِي النِّهَايَةِ فِي قَوْلِهِ ﷺ «إنَّ الشَّيْطَانَ قَعَدَ لِابْنِ آدَمَ بِأَطْرُقِهِ» هِيَ جَمْعُ طَرِيقٍ عَلَى التَّأْنِيثِ؛ لِأَنَّ الطَّرِيقَ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ فَجَمْعُهُ عَلَى التَّذْكِيرِ أَطْرِقَةٌ كَرَغِيفٍ وَأَرْغِفَةٍ، وَعَلَى التَّأْنِيثِ أَطْرُقُ كَيَمِينٍ وَأَيْمُنٍ. انْتَهَى. وَفِي الْقَامُوسِ يُجْمَعُ عَلَى أَطْرُقٍ وَطُرُقٍ وَأَطْرِقَاءُ وَأَطْرِقَةٌ، وَجَمْعُ الْجَمْعِ طُرُقَاتٌ. انْتَهَى. وَقَالَ الْحَجَّاوِيُّ فِي لُغَةِ إقْنَاعِهِ: الطَّرِيقُ مُذَكَّرٌ فِي لُغَةِ نَجْدٍ، مُؤَنَّثٌ فِي لُغَةِ الْحِجَازِ. وَالْجَمْعُ طُرُقٌ بِضَمَّتَيْنِ وَجَمْعُ الطُّرُقِ طُرُقَاتٌ. انْتَهَى. (الْمُمَهَّدِ) أَيْ الْمُسَوَّى وَالْمُصَلَّحُ الْمَبْسُوطُ، يُقَالُ مَهَدَهُ كَمَنَعَهُ بَسَطَهُ كَمَهْدِهِ. وقَوْله تَعَالَى ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ مِهَادًا﴾ [النبأ: ٦] أَيْ بِسَاطًا مُمَكَّنًا لِلسُّلُوكِ. وَقَوْلُهُ ﴿وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [آل عمران: ١٢] أَيْ بِئْسَ مَا مَهَّدَ لِنَفْسِهِ فِي مُعَادِهِ، وَتَمْهِيدُ الْأَمْرِ تَسْوِيَتُهُ وَإِصْلَاحُهُ. وَالْعُذْرُ بَسْطُهُ وَقَبُولُهُ، وَمَاءٌ مُمَهَّدٌ لَا حَارٌّ وَلَا بَارِدٌ، وَتَمَهَّدَ تَمَكَّنَ، كُلُّهُ مِنْ الْقَامُوسِ. يَعْنِي أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلْإِنْسَانِ الْمُنْتَعِلِ أَنْ يَفْسَحَ لِأَخِيهِ الْحَافِي فِي الطَّرِيقِ، وَيَخُصَّهُ بِالْمَشْيِ فِيهَا، وَيَعْدِلَ هُوَ عَنْهَا لِأَجْلِ أَخِيهِ، رَأْفَةً مِنْهُ وَلُطْفًا وَمَوَدَّةً وَحِرْصًا عَلَى إيصَالِ النَّفْعِ لِأَخِيهِ الْمُسْلِمِ. وَامْتِثَالًا لِمَا رَوَى أَبُو مُحَمَّدٍ الْخَلَّالُ عَنْ جَابِرٍ ﵁ مَرْفُوعًا. «لِيُوَسِّعَ الْمُنْتَعِلُ لِلِحَافِي عَنْ جَدَدِ الطَّرِيقِ فَإِنَّ الْمُنْتَعِلَ بِمَنْزِلَةِ الرَّاكِبِ» . قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الْجَدَدُ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ الْأَرْضُ الصُّلْبَةُ. زَادَ فِي الْقَامُوسِ: الْمُسْتَوِيَةُ. وَفِيهِ: وَالْجَادَّةُ مُعْظَمُ الطَّرِيقِ. وَالْجَمْعُ جَوَادٌ وَجُدُدٌ بِالضَّمِّ. انْتَهَى. وَفِي الْمَطَالِعِ لِابْنِ قُرْقُولٍ: جَوَادٌ مَنْهَجٌ جَمْعُ جَادَّةٍ وَهِيَ أَوْضَحُ الطُّرُقِ وَأُمَّهَاتُهَا الَّتِي تُسْلَكُ عَلَيْهَا كَمَا يُقَالُ مَنْهَجٌ. قَالَ الْخَلِيلُ: وَقَدْ تُخَفَّفُ الدَّالُ.

стр. 799

[مَطْلَبُ: لُبْسِ النَّبِيِّ ﷺ النِّعَالَ السِّبْتِيَّةَ] مَطْلَبٌ: لُبْسُ النَّبِيِّ ﵇ النِّعَالَ السِّبْتِيَّةَ: وَقَدْ لَبِسَ السِّبْتِيَّ وَهُوَ الَّذِي خَلَا ... مِنْ الشَّعْرِ مَعَ أَصْحَابِهِ بِهِمْ اقْتَدِ (وَقَدْ لَبِسَ) النَّبِيُّ ﷺ (السِّبْتِيَّ) نِسْبَةً إلَى السِّبْتِ بِكَسْرِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ جُلُودُ الْبَقَرِ، أَوْ كُلُّ جِلْدٍ مَدْبُوغٍ أَوْ بِالْقَرَظِ بِالْقَافِ وَالظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ مُحَرَّكَةً، وَهُوَ وَرَقُ السَّلْمِ، وَالْقَارِظُ مُجْتَنِيهِ، وَكَشِدَادِ بَائِعُهُ. وَأَدِيمٌ مَقْرُوظٌ دُبِغَ بِهِ أَوْ صُبِغَ بِهِ مِنْ الْقَامُوسِ. وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ فِي الصِّحَاحِ: وَالسِّبْتُ بِالْكَسْرِ جُلُودُ الْبَقَرِ الْمَدْبُوغَةِ بِالْقَرَظِ تُحْذَى مِنْهُ النِّعَالُ السِّبْتِيَّةُ. وَفِي الْحَدِيثِ «يَا صَاحِبَ السِّبْتِيَّتَيْنِ اخْلَعْ سِبْتِيَّتَيْك» . ثُمَّ إنَّ النَّاظِمَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَشَارَ إلَى بَيَانِ السِّبْتِيِّ بِقَوْلِهِ (وَهُوَ) الْجِلْدُ الْمَدْبُوغُ مِنْ جُلُودِ الْبَقَرِ بِالْقَرَظِ (الَّذِي خَلَا) بِالدَّبْغِ، وَالنَّتْفُ نَحْوُهُ (مِنْ الشَّعْرِ) الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ حَتَّى صَارَ غَيْرَ ذِي شَعْرٍ، وَبِهَذَا فَسَّرَهُ وَكِيعٌ (مَعَ أَصْحَابِهِ) الْأَخْيَارِ الَّذِينَ شَادَ اللَّهُ بِهِمْ الدِّينَ، وَأَطْلَعَ شَمْسَ الْيَقِينِ، فَهُمْ نُجُومُ الْهُدَى، وَمَصَابِيحُ الدُّجَى، فَقَدْ نَالُوا بِصُحْبَتِهِ ﷺ مَا امْتَازُوا بِهِ عَنْ جَمِيعِ الْأُمَّةِ، وَاخْتَصَّهُمْ بِبَرَكَةِ مُشَاهَدَتِهِ حَتَّى صَارُوا أَئِمَّةً فَمَنْ اسْتَنَّ بِسُنَّتِهِمْ فَازَ وَأَفْلَحَ، وَمَنْ مَالَ عَنْ شِرْعَتِهِمْ هَلَكَ وَضَلَّ وَمَا أَنْجَحَ، فَعَلَيْهِمْ رِضْوَانُ اللَّهِ مَا تَجَلَّى بِذِكْرِهِمْ كِتَابٌ، وَمَا عَبِقَ نَشْرَ شَذَاهُمْ فَتَنَعَّمَ بِهِ ذَوُو الْأَلْبَابِ، وَلَمَّا كَانَ لَا نَجَاءَ لِأَحَدٍ مِنْ الْأُمَّةِ إلَّا بِالِاقْتِدَاءِ بِهِ ﷺ وَبِأَصْحَابِهِ؛ إذْ جَمِيعُ الطُّرُقِ إلَى اللَّهِ مَسْدُودَةٌ إلَّا طَرِيقَهُ الْمُسْتَقِيمَةَ الْمَعْهُودَةَ. قَالَ النَّاظِمُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - (بِهِمْ) أَيْ النَّبِيَّ ﷺ وَبِأَصْحَابِهِ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - (اقْتَدِ) فِعْلُ أَمْرٍ مَجْزُومٌ بِحَذْفِ الْيَاءِ وَالْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِهِ وَقُدِّمَ مَعَ مُنَاسَبَةِ الْقَافِيَةِ لِيُفِيدَ الْحَصْرَ أَوْ الِاهْتِمَامَ. يَعْنِي أَنَّ الِاقْتِدَاءَ إنَّمَا يَصْلُحُ بِهِمْ لَا بِزَيْدٍ وَلَا بِعَمْرٍو وَمَعْنَى اقْتَدِ اسْتَنَّ بِهِمْ، وَاحْذُ حَذْوَهُمْ، وَافْعَلْ مِثْلَ فِعْلِهِمْ مُتَأَسِّيًا بِهِمْ. وَفُلَانٌ قُدْوَةٌ أَيْ يُقْتَدَى بِهِ، وَالضَّمُّ

стр. 800

أَكْثَرُ مِنْ الْكَسْرِ. وَفِي الْقَامُوسِ: الْقُدْوَةُ مُثَلَّثَةٌ وَكَعُدَّةِ مَا تَسَنَّنْتَ بِهِ وَاقْتَدَيْتَ بِهِ. وَقَدْ رَوَى أَبُو بَكْرٍ الْآجُرِّيُّ فِي كِتَابِ اللِّبَاسِ بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ كَانَ يَلْبَسُ النَّعْلَ السِّبْتِيَّةَ، وَيَتَوَضَّأُ فِيهَا وَيَذْكُرُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ. وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُمَا. وَرَوَاهُ الْحَافِظُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ بِسَنَدِهِ إلَى عُبَيْدِ بْنِ جُرَيْجٍ «أَنَّهُ قَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: رَأَيْتُك تَلْبَسُ النِّعَالَ السِّبْتِيَّةَ، قَالَ إنِّي رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَلْبَسُ النِّعَالَ السِّبْتِيَّةَ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا شَعْرٌ وَيَتَوَضَّأُ فِيهَا» . وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ. قَالَ: وَقَالَ أَبُو ذَرٍّ ﵁: «رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي فِي نَعْلَيْنِ مَخْصُوفَيْنِ مِنْ جُلُودِ الْبَقَرِ» . مَطْلَبٌ: يُسْتَحَبُّ كَوْنُ النَّعْلِ أَصْفَرَ وَالْخُفِّ أَحْمَرَ أَوْ أَسْوَدَ. (تَنْبِيهَاتٌ) : (الْأَوَّلُ) : قَالَ عُلَمَاؤُنَا - رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى -: يُسْتَحَبُّ كَوْنُ النَّعْلِ أَصْفَرَ وَالْخُفِّ أَحْمَرَ أَوْ أَسْوَدَ. قَالَ فِي الْآدَابِ: وَيُرْوَى عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ أَنَّهُ قَالَ: النَّعْلُ السَّوْدَاءُ تُورِثُ الْهَمَّ. وَأَظُنُّ الْقَاضِيَ ذَكَرَهُ فِي كِتَابِ اللِّبَاسِ، قَالَ فَيُؤْخَذُ مِنْهُ الْكَرَاهَةُ. قَالَ: وَرَوَى أَبُو مُحَمَّدٍ الْخَلَّالُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: مَنْ لَبِسَ نَعْلًا صَفْرَاءَ لَمْ يَزَلْ يَنْظُرُ فِي سُرُورٍ ثُمَّ قَرَأَ ﴿صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾ [البقرة: ٦٩] . (الثَّانِي) : قَالَ فِي عَيْنِ الرِّعَايَةِ وَتَبِعَهُ فِي الْآدَابِ وَهُوَ مُرَادُ الْجَمِيعِ: يُبَاحُ الْمَشْيُ فِي قَبْقَابٍ خَشَبٍ وَقِيلَ مَعَ الْحَاجَةِ. وَذَكَرَ ابْنُ تَمِيمٍ أَنَّ الْإِمَامَ أَحْمَدَ ﵁ قَالَ: لَا بَأْسَ بِالْخَشَبِ أَنْ يَمْشِيَ فِيهِ إنْ كَانَ لِحَاجَةٍ. قَالَ الْيُونِينِيُّ فِي مُخْتَصَرِ الْآدَابِ: وَنَقَلْت مِنْ مَسَائِلِ حَرْبٍ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵁ قِيلَ لَهُ فَالنَّعْلُ مِنْ الْخَشَبِ؟ قَالَ: لَا بَأْسَ بِهَا إذَا كَانَ مَوْضِعُ ضَرُورَةٍ، وَهُوَ فِي الْآدَابِ، وَكَأَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ الْقَبْقَابِ وَالنَّعْلِ مِنْ الْخَشَبِ. وَالْمَذْهَبُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - لَا بَأْسَ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.

стр. 801

الثَّالِثُ) : قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيُسَنُّ أَنْ يُقَابِلَ بَيْنَ نَعْلَيْهِ. «وَكَانَ لِنَعْلِهِ ﷺ قِبَالَانِ» بِكَسْرِ الْقَافِ، وَهُوَ السَّيْرُ بَيْنَ الْوُسْطَى وَاَلَّتِي تَلِيهَا، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي الشَّمَائِلِ وَابْنُ مَاجَهْ، وَفِي الْمُخْتَارَةِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ. قَالَ فِي النِّهَايَةِ: الْقِبَالُ زِمَامُ النَّعْلِ، وَهُوَ السَّيْرُ الَّذِي يَكُونُ بَيْنَ الْأُصْبُعَيْنِ، وَقَدْ أَقْبَلَ نَعْلَهُ، وَقَابَلَهَا. وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «قَابِلُوا النِّعَالَ» أَيْ اعْمَلُوا لَهَا قِبَالًا. وَنَعْلٌ مُقَبَّلَةٌ إذَا جُعِلَتْ لَهَا قِبَالًا، وَمَقْبُولَةٌ: إذَا شَدَدْت قِبَالَهَا. انْتَهَى. (الرَّابِعُ) يُكْرَهُ أَنْ يُخَالِفَ بَيْنَ نَعْلَيْهِ بِلَا حَاجَةٍ لِمَا فِيهِ مِنْ الشُّهْرَةِ وَالِاسْتِهْجَانِ مَطْلَبٌ: يُكْرَهُ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ لُبْسُ النِّعَالِ السِّنْدِيَّةِ: وَيُكْرَهُ سِنْدِيُّ النِّعَالِ لِعُجْبِهِ ... بِصَرَّارِهَا زِيُّ الْيَهُودِ فَأَبْعِدْ (وَيُكْرَهُ) لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ لُبْسُ (سَنْدِيِّ النِّعَالِ) أَيْ الْمَنْسُوبَةِ إلَى السِّنْدِ (لِ) أَجْلِ (عُجْبِهِ) أَيْ لَابِسُهَا (بِصَرَّارِهَا) أَيْ بِصَوْتِهَا وَجَلَبَتِهَا كَصَرِيرِ الْبَابِ. وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ﴾ [الذاريات: ٢٩] أَيْ حَالَ مَجِيئِهَا صَائِحَةً. نَصَّ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵁ عَلَى كَرَاهَةِ اتِّخَاذِ النِّعَالِ السِّنْدِيَّةِ. قَالَ لَهُ الْمَرُّوذِيُّ: أَمَرُونِي فِي الْمَنْزِلِ أَنْ أَشْتَرِيَ نَعْلًا سِنْدِيًّا لِلصِّبْيَةِ، فَقَالَ: لَا تَشْتَرِ. فَقُلْت: يُكْرَهُ لِلنِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ؟ قَالَ: نَعَمْ أَكْرَهُهُ، وَإِنْ كَانَ لِلْمَخْرَجِ وَالطِّينِ فَأَرْجُو، وَأَمَّا إنْ أَرَادَ الزِّينَةَ فَلَا. وَقَالَ عَنْ شَخْصٍ لَبِسَهَا يَتَشَبَّهُ بِأَوْلَادِ الْمُلُوكِ. وَقَالَ فِي رَايَةِ صَالِحٍ: إذَا كَانَ لِلْوُضُوءِ فَأَرْجُو، وَأَمَّا لِلزِّينَةِ فَأَكْرَهُهُ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، وَكَرِهَهُ أَيْضًا فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حَرْبٍ فَقَالَ: إنْ كَانَ لِلْكَنِيفِ وَالْوُضُوءِ يَعْنِي فَلَا كَرَاهَةَ. وَقَالَ ﵁: أَكْرَهُ الصَّرَّارَةَ: وَقَالَ: مِنْ زِيِّ الْعَجَمِ. وَلِذَا قَالَ النَّاظِمُ ﵀ (زِيُّ) أَيْ هِيَ زِيُّ (الْيَهُودِ) الْمَغْصُوبِ عَلَيْهِمْ (فَأَبْعِدْ) فِعْلُ أَمْرٍ مَجْزُومٌ وَحُرِّكَ بِالْكَسْرِ لِلْقَافِيَةِ. وَيُحْتَمَلُ قِرَاءَةُ زِيِّ بِالْفَتْحِ مَفْعُولٌ مُقَدَّمٌ لِأَبْعَدِ، أَيْ أَبْعِدْ زِيَّ الْيَهُودِ وَلَا تَقْرَبْهُ فَإِنَّا نُهِينَا عَنْ التَّشَبُّهِ بِهِمْ وَبِسَائِرِ الْأَعْجَامِ، وَفِي

стр. 802

الْآدَابِ الْكُبْرَى حَكَى ابْنُ الْجَوْزِيِّ عَنْ ابْنِ عَقِيلٍ تَحْرِيمَ الصَّرِيرِ فِي الْمَدَاسِ وَيَحْتَمِلُهُ كَلَامُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ. (فَائِدَةٌ) : فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ عَنْ جَابِرٍ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «اسْتَكْثِرُوا مِنْ النِّعَالِ فَإِنَّ الرَّجُلَ لَا يَزَالُ رَاكِبًا مَا انْتَعَلَ» . قَالَ الْقَاضِي: يَدُلُّ عَلَى تَرْغِيبِ اللُّبْسِ لِلنِّعَالِ وَلِأَنَّهَا قَدْ تَقِيهِ الْحَرَّ وَالْبَرْدَ وَالنَّجَاسَةَ. قَالَ النَّوَوِيُّ: أَيْ إنَّهُ شَبِيهٌ بِالرَّاكِبِ فِي خِفَّةِ الْمَشَقَّةِ وَقِلَّةِ التَّعَبِ وَسَلَامَةِ الرِّجْلِ مِنْ أَذَى الطَّرِيقِ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: هَذَا كَلَامٌ بَلِيغٌ، وَلَفْظٌ فَصِيحٌ بِحَيْثُ لَا يُنْسَجُ عَلَى مِنْوَالِهِ. وَلَا يُؤْتَى بِمِثَالِهِ، وَهُوَ إرْشَادٌ إلَى الْمَصْلَحَةِ، وَتَنْبِيهٌ عَلَى مَا يُخَفِّفُ الْمَشَقَّةَ، فَإِنَّ الْحَافِيَ الْمُدِيمَ لِلْمَشْيِ، يَلْقَى مِنْ الْآلَامِ وَالْمَشَقَّةِ بِالْعِثَارِ وَغَيْرِهِ مَا يَقْطَعُهُ عَنْ الْمَشْيِ وَيَمْنَعُهُ مِنْ الْوُصُولِ إلَى مَقْصُودِهِ، بِخِلَافِ الْمُنْتَعِلِ فَإِنَّهُ لَا يَمْنَعُهُ مِنْ إدَامَةِ الْمَشْيِ فَيَصِلُ إلَى مَقْصُودِهِ كَالرَّاكِبِ؛ فَلِذَلِكَ يُشَبَّهُ بِهِ. انْتَهَى. . مَطْلَبٌ: فِي السَّيْرِ حَافِيًا وَحَاذِيًا: وَسِرْ حَافِيًا أَوْ حَاذِيًا وَامْشِ وَارْكَبَنْ ... تَمَعْدَدْ وَاِخْشَوْشِنْ وَلَا تَتَعَوَّدْ (وَسِرْ) حَالَةَ كَوْنِك (حَافِيًا) بِلَا نَعْلٍ أَحْيَانًا اقْتِدَاءً بِسَيِّدِ الْعَالَمِ ﷺ (أَوْ) سِرْ فِي حَالِ كَوْنِك (حَاذِيًا) أَيْ مُنْتَعِلًا يُقَالُ: حَذَا النَّعْلَ حَذْوًا وَحِذَاءً قَدَّرَهَا وَقَطَعَهَا. وَحَذَا الرَّجُلُ نَعْلًا أَلْبَسَهُ إيَّاهَا كَأَحْذَاهُ. وَعَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ ﵁ «أَنَّهُ لَمَّا كَانَ أَمِيرًا بِمِصْرَ قَالَ لَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ لَا أَرَى عَلَيْك حِذَاءً قَالَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَأْمُرُنَا أَنْ نَحْتَفِيَ أَحْيَانًا» . وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَيُرْوَى هَذَا الْمَعْنَى عَنْ عُمَرَ ﵁. وَأَخْرَجَ الْبَزَّارُ بِرِجَالٍ ثِقَاتٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَمْشِي حَافِيًا وَنَاعِلًا» . قَالَ الْإِمَامُ الْمُحَقِّقُ فِي الْهَدْيِ النَّبَوِيِّ: «كَانَ ﷺ يَمْشِي حَافِيًا وَمُنْتَعِلًا» . قَالَ الشَّمْسُ الشَّامِيُّ: أَمَّا مَشْيُهُ مُنْتَعِلًا فَهُوَ أَكْثَرُ مَشْيِهِ، وَأَمَّا حَافِيًا فَذَكَرَهُ الْغَزَالِيُّ فِي الْإِحْيَاءِ أَيْضًا، وَاسْتَدَلَّ لَهُ الْحَافِظُ الْعِرَاقِيُّ بِمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

стр. 803

عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵁ فِي عِيَادَتِهِ ﷺ لِسَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ قَالَ: «فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقُمْنَا مَعَهُ، وَنَحْنُ بِضْعَةَ عَشَرَ مَا عَلَيْنَا نِعَالٌ وَلَا خِفَافٌ وَلَا قَلَانِسُ وَلَا قُمُصٌ نَمْشِي فِي السِّبَاخِ» وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَامْشِ) أَحْيَانًا (وَارْكَبَنْ) فِعْلُ أَمْرٍ مُؤَكَّدٌ بِالنُّونِ الْخَفِيفَةِ وَارْكَبْ أَحْيَانًا وَلَا تَتَنَعَّمْ كُلَّ النَّعَمِ، وَلَا تَتَقَشَّفْ كُلَّ التَّقَشُّفِ، فَتَارَةً هَكَذَا وَتَارَةً هَكَذَا مَطْلَبٌ: تَمَعْدَدُوا وَاخْشَوْشِنُوا . (تَمَعْدَدْ) أَيْ اتَّبِعْ سُنَّةَ مَعْدِ بْنِ عَدْنَانَ فِي التَّقَشُّفِ، وَعَدَمِ التَّنَعُّمِ (وَاخْشَوْشِنْ) قَدْ قَدَّمْنَا مَا رَوَاهُ أَبُو عَوَانَةَ فِي مُسْنَدِهِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَفِيهِ «وَتَمَعْدَدُوا وَاخْشَوْشِنُوا وَاقْطَعُوا الرَّكْبَ وَانْزُوا وَارْمُوا الْأَغْرَاضَ» . وَذَكَرْنَا أَيْضًا مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْمُعْجَمِ عَنْ أَبِي حَدْرَدٍ الْأَسْلَمِيِّ مَرْفُوعًا «تَمَعْدَدُوا وَاخْشَوْشِنُوا» . قَالَ فِي الْفُرُوعِ: قَوْلُهُ تَمَعْدَدُوا أَمْرٌ بِاللُّبْسَةِ الْخَشِنَةِ الْمَنْسُوبَةِ إلَى مَعْدِ بْنِ عَدْنَانَ، وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ: وَعَلَيْكُمْ بِالْمُعَدِّيَةِ. وَقِيلَ مَعْنَى تَمَعْدَدُوا أَيْ مِنْ الْغِلَظِ، وَمِنْهُ يُقَالُ لِلْغُلَامِ إذَا شَبَّ وَغَلُظَ تَمَعْدَدَ. قَالَ الْهَرَوِيُّ: وَيُقَالُ تَمَعْدَدُوا: تَشَبَّهُوا بِعَيْشِ مَعْدٍ وَكَانُوا أَهْلَ غِلَظٍ وَقَشَفٍ. وَقَالَ فِي الْقَامُوسِ: اخْشَوْشَنَ وَتَخَشَّنَ اشْتَدَّتْ خُشُونَتُهُ، أَوْ لَبِسَ الْخَشِنَ، أَوْ تَكَلَّمَ بِهِ، أَوْ عَاشَ عَيْشًا خَشِنًا، وَاخْشَوْشَنَ أَبْلَغُ فِي الْكُلِّ. وَقَالَ الْعَلْقَمِيُّ: اخْشَوْشِنُوا بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ الْأُولَى يَعْنِي الشِّينَ وَسُكُونِ الْوَاوِ وَبِكَسْرِ الثَّانِيَةِ أَمْرٌ مِنْ الْخُشُونَةِ. قَالَ فِي الدُّرِّ: أَيْ كُونُوا كَمَعْدِ بْنِ عَدْنَانَ وَكَانُوا أَهْلَ غِلَظٍ وَقَشَفٍ، وَعَلَيْكُمْ بِاللُّبْسَةِ الْمُعَدِّيَةِ أَيْ خُشُونَةُ اللِّبَاسِ. وَرَوَى «تَمَعْزَزُوا وَاخْشَوْشِنُوا» بِالزَّايِ، أَيْ كُونُوا أَشَدَّ صَبْرًا مِنْ الْمُعِزِّ، وَهُوَ الشِّدَّةُ كَمَا فِي النِّهَايَةِ انْتَهَى. وَكُنْت فِيمَا تَقَدَّمَ تَكَلَّمْت عَلَى قَوْلِهِ (وَاقْطَعُوا الرَّكْبَ) مِنْ عِنْدِي، ثُمَّ رَأَيْت الْعَلَّامَةَ ابْنَ قُنْدُسٍ ذَكَرَ فِي حَوَاشِي الْفُرُوعِ وَعِبَارَتُهُ: الظَّاهِرُ أَنَّ الرَّكْبَ جَمْعُ رِكَابٍ مِثْلُ كِتَابٍ وَكُتُبٍ، وَالْمُرَادُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّهُمْ يُلْقُونَ رَكْبَ

стр. 804

الْخَيْلِ وَيَرْكَبُونَ بِغَيْرِ رَكْبٍ وَيَنْزُونَ عَلَيْهَا نَزْوًا أَيْ يَثِبُونَ وَثْبًا لِأَنَّهُمْ يَأْلَفُونَ بِذَلِكَ الْقُوَّةَ وَالنَّشَاطَ وَالْخُشُونَةَ، قَالَ: وَلَمْ أَرَ فِي ذَلِكَ نَقْلًا أَعْتَمِدُ عَلَيْهِ فَيُعْلَمُ ذَلِكَ. وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ الْخَبَرَ وَفِيهِ «وَاقْطَعُوا الرَّكْبَ وَانْزُوا عَلَى الْخَيْلِ» وَهَذَا يُؤَكِّدُ الْمَعْنَى الْمُشَارَ إلَيْهِ وَفِيهِ وَاخْشَوْشِنُوا. قَالَ فِي نَظْمِ النِّهَايَةِ: وَاخْشَوْشِنُوا أَيْ: اخْشَنُوا فِي دِينِكُمْ ثُمَّ اُصْلُبُوا، فَأَفَادَنَا - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ طَلَبَ الْخُشُونَةِ الصَّلَابَةُ فِي الدِّينِ وَهُوَ - وَإِنْ كَانَ بَعِيدًا - حَسَنٌ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ. وَعَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ مَرْفُوعًا «اقْتَدُوا بِاَللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَاقْتَدُوا بِهَدْيِ عَمَّارٍ، وَتَمَسَّكُوا بِعَهْدِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قُلْت: مَا هَدْيُ عَمَّارٍ؟ قَالَ: التَّقَشُّفُ وَالتَّشْمِيسُ» . وَتَقَدَّمَ مَا فِيهِ كِفَايَةٌ. مَطْلَبٌ: لَا تَلْتَزِمُ عَادَةً وَاحِدَةً بَلْ كُنْ مَعَ الدَّهْرِ حَيْثُ كَانَ . ثُمَّ قَالَ النَّاظِمُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - (وَلَا تَتَعَوَّدْ) هَذِهِ لَا النَّاهِيَةُ وَتَتَعَوَّدُ مَجْزُومٌ بِهَا وَحُرِّكَ بِالْكَسْرِ لِلْقَافِيَةِ. أَيْ لَا تَلْتَزِمْ عَادَةً وَاحِدَةً بَلْ كُنْ مَعَ الدَّهْرِ حَيْثُ كَانَ، فَإِذَا وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْك فَلَا بَأْسَ أَنْ تُظْهِرَ أَثَرَ نِعْمَتِهِ عَلَيْك مِنْ غَيْرِ كِبْرٍ وَلَا عُجْبٍ وَلَا خُيَلَاءَ، وَإِذَا تَقَلَّصَ الْعَيْشُ فَأَلْزِمْ نَفْسَك الصَّبْرَ وَالرِّضَا بِالْقَضَاءِ وَكُنْ مُطْمَئِنَّ الْقَلْبِ مُنْشَرِحَ الصَّدْرِ تَكُنْ مِنْ خَيْرِ عِبَادِ اللَّهِ. وَلَا بُدَّ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ أَنْ يَكُونَ اللُّبْسُ لِلَّهِ فَإِنْ كَانَ جَمِيلًا يَكُونُ إظْهَارًا لِلنِّعْمَةِ، وَأَنْ يَرَى عَلَيْهِ أَثَرَهَا، وَلَا يَكُونُ سَبَبُ لُبْسِهِ أَنَّهُ غَارَ مِنْ غَيْرِهِ بِأَنْ رَأَى عَلَى غَيْرِهِ لِبَاسًا جَمِيلًا فَغَارَ مِنْهُ فَفَعَلَ مِثْلَهُ، وَلَا يَكُونُ اللُّبْسُ لِلشُّهْرَةِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ ثَوْبَ الشُّهْرَةِ تَارَةً يَكُونُ غَالِيًا لَهُ قِيمَةٌ كَثِيرَةٌ وَتَارَةً يَكُونُ نَازِلًا قَلِيلَ الثَّمَنِ لَهُ مَنْظَرٌ غَيْرُ حَسَنٍ وَهُمَا الشُّهْرَتَانِ وَقَدْ نُهِينَا عَنْهُمَا، وَلَا وَجْهَ لِلْمُنَافَسَةِ فِي الدُّنْيَا إذَا كُنْت عَلَى بَصِيرَةٍ مِنْ أَنَّهَا لَا تَعْدِلُ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ. فَائِدَتَانِ: (الْأُولَى) تَقَدَّمَ أَنَّ السَّلَفَ الصَّالِحَ كَانُوا لَا يَرُدُّونَ مَوْجُودًا، وَلَا يَتَكَلَّفُونَ مَفْقُودًا، بَلْ كَانَتْ حَالَتُهُمْ التَّسْلِيمَ لِلْعَلِيمِ الْحَكِيمِ، فَإِذَا قُدِّمَ إلَيْهِمْ الطَّيِّبُ لَمْ يَمْتَنِعُوا مِنْ تَنَاوُلِهِ، وَإِذَا حَصَلَ لَهُمْ الْخَشِنُ لَمْ يَأْنَفُوا مِنْ أَكْلِهِ

стр. 805

وَكَذَا اللِّبَاسُ، وَكُلُّ شُئُونِهِمْ كَانَتْ مُنْطَبِقَةً عَلَى هَذَا الشَّأْنِ. وَهَذَا الْمُرَادُ بِقَوْلِ النَّاظِمِ ﵀ وَلَا تَتَعَوَّدْ لِعَادَةٍ يَحْصُلُ لَكَ إذَا فَقَدْتَهَا بَعْضُ تَأَلُّمٍ أَوْ ضَرَرٍ، فَإِنَّ الطَّبِيعَةَ سَرَّاقَةٌ، فَمَنْ أَلِفَ التَّنَعُّمَ صَعُبَ عَلَيْهِ فِرَاقُهُ. فَيَنْبَغِي لِلْعَاقِلِ أَنْ يَكُونَ تَارَةً هَكَذَا وَتَارَةً هَكَذَا، وَهَذَا شَأْنُ الْعَبْدِ مَعَ سَيِّدِهِ إنْ مَنَحَهُ شَكَرَ، وَإِنْ مَنَعَهُ صَبَرَ. . مَطْلَبٌ: الْمُعْتَبَرُ مِنْ الْإِنْسَانِ الْمَعْنَى وَالصِّفَاتُ لَا الْمَلَابِسُ وَالذَّاتُ . (الثَّانِيَةُ) : الْمُعْتَبَرُ مِنْ الْإِنْسَانِ الْمَعْنَى وَالصِّفَاتُ، لَا الْمَلَابِسُ وَالذَّاتُ. وَقَدْ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: ﷺ «إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَبَذِّلَ الَّذِي لَا يُبَالِي مَا لَبِسَ» وَرَوَى أَبُو مَنْصُورٍ الدَّيْلَمِيُّ فِي مُسْنَدِ الْفِرْدَوْسِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَيْسَ الْبِرُّ فِي حُسْنِ اللِّبَاسِ وَالزِّيِّ وَلَكِنَّ الْبِرَّ فِي السَّكِينَةِ وَالْوَقَارِ» . وَرَوَى أَبُو الْقَاسِمِ الْأَصْبَهَانِيُّ التَّيْمِيُّ فِي التَّرْغِيبِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ قَالَ: رَأَى عَلَيَّ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - جُبَّةَ خَزٍّ فَقَالَ لِي: إنَّك حَسَنُ الْجُبَّةِ قُلْت وَمَا تُغْنِي عَنِّي، وَقَدْ أَفْسَدَهَا عَلَيَّ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ سَالِمٌ يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵃، قَالَ لِي أَصْلِحْ قَلْبَكَ وَالْبَسْ مَا شِئْت. قُلْت: وَقَدْ أَكْثَرَ الشُّعَرَاءُ مِنْ أَصْحَابِ الرِّقَاقِ وَالْبُلَغَاءِ وَأَصْحَابِ الْحِكَمِ وَالدَّقَائِقِ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى، فَمِنْهُ قَوْلُ ابْنِ الْوَرْدِيِّ فِي لَامِيَّتِهِ: خُذْ بِنَصْلِ السَّيْفِ وَاتْرُكْ غِمْدَهُ ... وَاعْتَبِرْ فَضْلَ الْفَتَى دُونَ الْحُلَلْ لَا يَضُرُّ الْفَضْلَ إقْلَالٌ كَمَا ... لَا يَضُرُّ الشَّمْسَ إطْبَاقُ الطَّفَلْ فَنَصْلُ السَّيْفِ حَدِيدَتُهُ، وَغِمْدُهُ جَفْنُهُ، وَالْحُلَلُ جَمْعُ حُلَّةٍ، وَالطَّفَلُ الظُّلْمَةُ مِنْ اللَّيْلِ السَّاتِرَةُ لِلشَّمْسِ. وَالْمَعْنَى: أَنَّ أَصْحَابَ الْفَضَائِلِ الْكَامِلَةِ لَا يَضُرُّهُمْ إقْلَالُهُمْ ذَاتَ يَدِهِمْ وَلَا أَخْلَاقُ ثِيَابِهِمْ كَمَا لَا يَضُرُّ الْفَرَسَ الْعَتِيقَ خَلَاقَةُ جِلِّهِ، وَلَا الْجَمَلَ الْكَرِيمَ رَثَاثَةُ قَتَبِهِ. وَمِثْلُهُ قَوْلُ بَعْضِهِمْ: وَمَا ضَرَّ نَصْلَ السَّيْفِ إخْلَاقُ غِمْدِهِ ... إذَا كَانَ عَضْبًا حِينَ يَضْرِبُ بَاتِرًا

стр. 806

وَقَدْ أَحْسَنَ الْقَائِلُ: قَدْ يُدْرِكُ الْمَجْدَ الْفَتَى وَإِزَارُهُ ... خَلَقٌ وَجَيْبُ قَمِيصِهِ مَرْقُوعُ وَأَنْشَدَ ابْنُ دُرَيْدٍ لِبَعْضِ الْأَعْرَابِ: يُغَايِظُونَا بِقُمْصَانٍ لَهُمْ جُدُدٍ ... كَأَنَّنَا لَا نَرَى فِي السُّوقِ قُمْصَانَا لَيْسَ الْقَمِيصُ وَإِنْ جَدَّدْت رُقْعَتَهُ ... بِجَاعِلٍ رَجُلًا إلَّا كَمَا كَانَا وَعَنْ مُسْلِمِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: إذَا لَبِسْتَ ثَوْبًا فَظَنَنْت أَنَّك فِيهِ أَفْضَلُ مِمَّا فِي غَيْرِهِ فَبِئْسَ الثَّوْبُ هُوَ لَكَ. وَقَالَ مَنْصُورُ بْنُ عَمَّارٍ: مَنْ تَعَرَّى مِنْ لِبَاسِ التَّقْوَى لَمْ يَسْتَتِرْ بِشَيْءٍ مِنْ لِبَاسِ الدُّنْيَا وَقَدْ قِيلَ: لَا يَسُودُ الْمَرْءُ حَتَّى لَا يُبَالِيَ فِي أَيِّ ثَوْبَيْهِ ظَهَرَ. وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ: رَأَيْت أَعْرَابِيًّا فَاسْتَنْشَدْتُهُ فَأَنْشَدَنِي أَبْيَاتًا وَرَوَى أَخْبَارًا، فَتَعَجَّبْت مِنْ مَقَالِهِ وَسُوءِ حَالِهِ، فَسَكَتَ سَكْتَةً ثُمَّ قَالَ هَذِهِ الْأَبْيَاتُ: أَأُخَيَّ إنَّ الْحَادِثَا ... تِ تَرْكَنَنِي عَرَكَ الْأَدِيمِ لَا تُنْكِرَنْ أَنْ قَدْ رَأَيْت ... أَخَاك فِي كَرْبٍ عَدِيمِ إنْ كُنَّ أَثْوَابِي بُلِينَ ... فَإِنَّهُنَّ عَلَى كَرِيمِ وَقَالَ آخَرُ وَعَزَاهَا فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى لِلْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ ﵀ وَرَضِيَ عَنْهُ: عَلَيَّ ثِيَابٌ لَوْ تُقَاسُ جَمِيعُهَا ... بِفَلْسٍ لَكَانَ الْفَلْسُ مِنْهُنَّ أَكْثَرَا وَفِيهِنَّ نَفْسٌ لَوْ يُقَاسُ بِبَعْضِهَا ... نُفُوسُ الْوَرَى كَانَتْ أَجَلَّ وَأَكْبَرَا وَمَا ضَرَّ نَصْلَ السَّيْفِ إخْلَاقُ غِمْدِهِ ... إذَا كَانَ عَضْبًا حَيْثُ وَجَّهْته بَرَى وَقَالَ بَعْضُهُمْ وَأَحْسَنَ: لَا يُعْجِبَنَّكَ مَنْ يَصُونُ ثِيَابَهُ ... حَذَرَ الْغُبَارِ وَعِرْضُهُ مَبْذُولُ وَلَرُبَّمَا افْتَقَرَ الْفَتَى فَرَأَيْته ... دَنِسَ الثِّيَابِ وَعِرْضُهُ مَغْسُولُ وَقَالَ الْمُتَنَبِّي: لَئِنْ كَانَ ثَوْبِي دُونَ قِيمَتِهِ فَلْسٌ ... فَلَا فِيهِ نَفْسٌ دُونَ قِيمَتِهَا الْإِنْسُ فَثَوْبُك بَدْرٌ تَحْتَ أَنْوَارِهِ الدُّجَى ... وَثَوْبِي لَيْلٌ تَحْتَ أَطْمَارِهِ شَمْسٌ

стр. 807

وَقَالَ الْمَعَرِّيُّ فِي قَصِيدَتِهِ اللَّامِيَّةِ وَيُقَالُ لَهَا الطَّامَّاتُ: تُعَدُّ ذُنُوبِي عِنْدَ قَوْمٍ كَثِيرَةً ... وَلَا ذَنْبَ لِي إلَّا الْعُلَا وَالْفَضَائِلُ إلَى أَنْ يَقُولَ فِيهَا: وَإِنِّي وَإِنْ كُنْت الْأَخِيرَ زَمَانُهُ ... لَآتٍ بِمَا لَمْ تَسْتَطِعْهُ الْأَوَائِلُ وَأَيُّ جَوَادٍ لَمْ يُحَلَّ لِجَامُهُ ... وَنِضْوُ يَمَانٍ أَغْفَلَتْهُ الصَّيَاقِلُ وَإِنْ كَانَ فِي لُبْسِ الْفَتَى شَرَفٌ لَهُ ... فَمَا السَّيْفُ إلَّا غِمْدُهُ وَالْحَمَائِلُ وَعَلَى كُلِّ حَالٍ الْآدَمِيُّ خُلِقَ مِنْ التُّرَابِ، وَالتُّرَابُ مِنْ الْأَرْضِ، وَهِيَ تَارَةً تُعَرَّى وَأُخْرَى تُكْتَسَى. وَالْمَقْصُودُ أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَغْتَرُّ بِاللِّبَاسِ، فَإِنَّ الذَّاتَ أَشْرَفُ مِنْهُ، وَلَا يَغْتَرُّ بِالْأَجْسَامِ فَإِنَّ وَرَاءَ هَذَا الْجِسْمِ مَا هُوَ أَشْرَفُ مِنْهُ وَأَرْقَى مَنْزِلَةً، وَأَعْظَمَ شَأْنًا. يَا خَادِمَ الْجِسْمِ كَمْ تَسْعَى لِخِدْمَتِهِ ... أَتَطْلُبُ الرِّبْحَ فِيمَا فِيهِ خُسْرَانُ أَقْبِلْ عَلَى النَّفْسِ وَاسْتَكْمِلْ فَضَائِلَهَا ... فَأَنْتَ بِالرُّوحِ لَا بِالْجِسْمِ إنْسَانُ. مَطْلَبٌ: فِي كَرَاهَةِ مِشْيَةِ الْمُطَيْطَا: وَيُكْرَهُ فِي الْمَشْيِ الْمُطَيْطَا وَنَحْوُهَا ... مَظِنَّةَ كِبْرٍ غَيْرَ فِي حَرْبِ جُحَّدِ (وَيُكْرَهُ) تَنْزِيهًا (فِي الْمَشْيِ) جَارٌّ وَمَجْرُورٌ مُتَعَلِّقٌ بِمَا قَبْلَهُ (الْمُطَيْطَا) نَائِبُ فَاعِلٍ أَيْ يَكْرَهُ الشَّارِعُ الْمُطَيْطَا كَجُمَيْزَا. قَالَ فِي الْقَامُوسِ: التَّبَخْتُرُ وَمَدُّ الْيَدَيْنِ فِي الْمَشْيِ، وَيُقْصَرُ كَالْمُطَيْطَا انْتَهَى. وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ فِي حَدِيثِ «إذَا مَشَتْ أُمَّتِي الْمُطَيْطَا» هِيَ بِالْمَدِّ وَالْقَصْرِ مِشْيَةٌ فِيهَا تَبَخْتُرٌ وَمَدُّ الْيَدَيْنِ، وَيُقَالُ مَطَوْت وَمَطَطْت بِمَعْنَى مَدَدْت، وَهِيَ مِنْ الْمُصَغَّرَاتِ الَّتِي لَمْ تُسْتَعْمَلْ لَهَا مُكَبَّرٌ. وَقَالَ الْحَجَّاوِيُّ فِي شَرْحِ هَذَا الْبَيْتِ: الْمُطَيْطَاءُ، بِضَمِّ الْمِيمِ مَمْدُودًا وَقَصَرَهُ النَّاظِمُ ضَرُورَةً. انْتَهَى. وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ الْقَصْرَ لُغَةٌ فِيهَا لَا ضَرُورَةٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَإِنَّمَا كُرِهَتْ مِشْيَةُ الْمُطَيْطَاءِ لِمَا فِيهَا مِنْ رَوَائِحَ لِلْكِبْرِ وَالْخُيَلَاءِ وَالزَّهْوِ وَالْعُجْبِ؛ فَلِهَذَا نَهَى عَنْهَا النَّبِيُّ ﷺ فِي ضِمْنِ مَا رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ عَنْ خَوْلَةَ بِنْتِ قَيْسٍ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «إذَا مَشَتْ أُمَّتِي الْمُطَيْطَاءَ، وَخَدَمَتْهُمْ فَارِسُ وَالرُّومُ سُلِّطَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ»

стр. 808

وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵄. قَالَ الْحَافِظُ الْمُنْذِرِيُّ: الْمُطَيْطَاءُ بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الطَّاءَيْنِ الْمُهْمَلَتَيْنِ بَيْنَهُمَا يَاءٌ مُثَنَّاةٌ تَحْتُ مَمْدُودًا وَيُقْصَرُ التَّبَخْتُرُ وَمَدُّ الْيَدَيْنِ فِي الْمَشْيِ. وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَوَاهَا الْإِمَامُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ وَالْبَغَوِيُّ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ «إذَا مَشَتْ أُمَّتِي الْمُطَيْطَاءَ وَخَدَمَتْهُمْ أَبْنَاءُ الْمُلُوكِ أَبْنَاءُ فَارِسَ وَالرُّومِ سَلَّطَ اللَّهُ - تَعَالَى - خِيَارَهَا عَلَى شِرَارِهَا» . (وَ) يُكْرَهُ فِي الْمَشْيِ (نَحْوُهَا) أَيْ نَحْوُ الْمُطَيْطَاءِ وَفِي نُسْخَةٍ وَشَبَهُهَا بَدَلَ وَنَحْوُهَا، وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ يَعْنِي أَنَّ مِشْيَةَ الْمُطَيْطَاءِ وَمَا قَارَبَهَا مِنْ الْمِشْيَاتِ مَكْرُوهٌ حَيْثُ كَانَ ذَلِكَ (مَظِنَّةَ كِبْرٍ) أَيْ إنَّمَا كُرِهَتْ هَذِهِ الْمِشْيَةُ؛ لِأَنَّهَا مَظِنَّةُ الْكِبْرِ أَوْ لِئَلَّا يُظَنَّ بِهِ الْكِبْرُ، فَإِنْ كَانَ الْحَامِلُ لَهُ عَلَيْهَا الْكِبْرَ وَالْعُجْبَ حُرِّمَتْ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كَبِيرَةٌ، وَتَقَدَّمَ مِنْ مَثَالِبِ ذَلِكَ مَا فِيهِ غُنْيَةٌ، وَالْمَظِنَّةُ مَأْخُوذَةٌ مِنْ الظَّنِّ وَهُوَ تَرْجِيحُ أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ عَلَى الْآخَرِ، وَالْمَرْجُوحُ يُسَمَّى وَهْمًا. مَطْلَبٌ: فِي عَدَمِ كَرَاهَةِ التَّبَخْتُرِ فِي الْحَرْبِ . ثُمَّ لَمَّا لَمْ تَكُنْ كَرَاهَةُ ذَلِكَ مُطْلَقَةً، بَلْ قَدْ يُبَاحُ التَّبَخْتُرُ وَالْخُيَلَاءُ وَالتَّكَبُّرُ وَذَلِكَ فِي حَرْبِ الْكُفَّارِ أَشَارَ النَّاظِمُ إلَى اسْتِثْنَاءِ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ (غَيْرَ) أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ الْمُطَيْطَاءُ وَالتَّبَخْتُرُ وَلَا الْكِبْرُ وَالْخُيَلَاءُ (فِي) حَالَةِ (حَرْبِ جُحَّدِ) جَمْعُ جَاحِدٍ، أَيْ كُفَّارٌ، يُقَالُ جَحَدَهُ حَقَّهُ كَمَنَعَهُ جَحْدًا وَجُحُودًا أَنْكَرَهُ مَعَ عِلْمِهِ، وَالْكَافِرُ قَدْ أَنْكَرَ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، إنَّمَا لَمْ يُكْرَهْ فِي حَالَةِ الْحَرْبِ؛ لِأَنَّ الْمَطْلُوبَ إظْهَارُ الْقُوَّةِ وَالْجَلَدِ وَعَدَمِ الِاكْتِرَاثِ بِالْعَدُوِّ. وَقَوْلُهُ ﵊ فِيمَا رَوَاهُ جَابِرُ بْنُ عَتِيكٍ عَنْهُ ﵊: «إنَّ مِنْ الْخُيَلَاءِ مَا يَبْغَضُ اللَّهُ وَمِنْهَا مَا يُحِبُّ، فَأَمَّا الَّتِي يُحِبُّ فَاخْتِيَالُ الرَّجُلِ عَلَى الْقِتَالِ وَاخْتِيَالُهُ عِنْدَ الصَّدَقَةِ، وَأَمَّا الَّتِي يَبْغَضُ اللَّهُ فَاخْتِيَالُهُ فِي الْبَغْيِ وَالْفَخْرِ» . وَفِي السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ عَنْ أَنَسٍ ﵁ وَالطَّبَرَانِيُّ عَنْ قَتَادَةَ بْنِ النُّعْمَانِ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ، وَالْبَزَّارُ عَنْ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ

стр. 809

- ﵃ فِي غَزْوَةِ أُحُدٍ قَالُوا: «عَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَيْفًا يَوْمَ أُحُدٍ فَبَسَطُوا أَيْدِيَهُمْ كُلُّ إنْسَانٍ يَقُولُ أَنَا، فَقَالَ: مَنْ يَأْخُذُهُ بِحَقِّهِ؟ فَأَحْجَمَ الْقَوْمُ، فَقَامَ رِجَالٌ فَأَمْسَكَهُ عَنْهُمْ» . وَعِنْدَ ابْنِ عُقْبَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا عَرَضَهُ طَلَبَهُ مِنْهُ عُمَرُ ﵁ فَأَعْرَضَ عَنْهُ، ثُمَّ طَلَبَهُ الزُّبَيْرُ ﵁ فَأَعْرَضَ عَنْهُ، فَوَجَدَا فِي أَنْفُسِهِمَا مِنْ ذَلِكَ» . وَعِنْدَ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ «أَنَّ الزُّبَيْرَ طَلَبَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، كُلُّ ذَلِكَ يُعْرِضُ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ » . وَفِي الطَّبَرَانِيِّ عَنْ قَتَادَةَ بْنِ النُّعْمَانِ «أَنَّ عَلِيًّا ﵁ قَامَ فَطَلَبَهُ، فَقَالَ لَهُ: اجْلِسْ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ يَأْخُذُهُ بِحَقِّهِ؟ فَقَامَ إلَيْهِ أَبُو دُجَانَةَ بِضَمِّ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَبِالْجِيمِ وَالنُّونِ ﵁ وَاسْمُهُ سِمَاكُ بْنُ خَرَشَةَ بِكَسْرِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ الْمِيمِ وَبِالْكَافِ وَفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ مِنْ خَرَشَةَ وَالرَّاءِ وَالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ أَخُو بَنِي سَاعِدَةَ،» «فَقَالَ: وَمَا حَقُّهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ أَنْ تَضْرِبَ بِهِ فِي الْعَدُوِّ حَتَّى يَنْحَنِيَ، قَالَ: أَنَا آخُذُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ بِحَقِّهِ، قَالَ لَعَلَّك إنْ أَعْطَيْتُكَهُ تُقَاتِلُ فِي الْكَيُّولِ، قَالَ لَا» ، قَالَ الشَّمْسُ الشَّامِيُّ: الْكَيُّولُ بِكَافٍ مَفْتُوحَةٍ فَمُثَنَّاةٍ تَحْتِيَّةٍ مَضْمُومَةٍ مُشَدَّدَةٍ وَتُخَفَّفُ فَوَاوٍ سَاكِنَةٍ فَلَامٍ: آخِرُ الْقَوْمِ أَوْ آخِرُ الصُّفُوفِ فِي الْحَرْبِ وَهُوَ فَيْعُولُ مِنْ كَالَ الزَّنْدَ يَكِيلُ كَيْلًا إذَا كَبَى أَيْ لَمْ يُخْرِجْ نَارًا، وَذَلِكَ لَا نَفْعَ فِيهِ، فَشَبَّهَ مُؤَخَّرَ الصُّفُوفِ بِهِ؛ لِأَنَّ مَنْ كَانَ فِيهِ لَا يُقَاتِلُ وَقِيلَ: الْكَيُّولُ الْجَبَانُ انْتَهَى فَأَعْطَاهُ إيَّاهُ، «وَكَانَ أَبُو دُجَانَةَ رَجُلًا شُجَاعًا يَخْتَالُ عِنْدَ الْحَرْبِ وَكَانَ لَهُ عِصَابَةٌ حَمْرَاءُ يُعْلَمُ بِهَا عِنْدَ الْحَرْبِ يَعْتَصِبُ بِهَا، فَإِذَا اعْتَصَبَ بِهَا عَلِمَ النَّاسُ أَنَّهُ سَيُقَاتِلُ، فَلَمَّا أَخَذَ السَّيْفَ مِنْ يَدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَخْرَجَ عِصَابَتَهُ تِلْكَ فَعَصَبَ بِهَا رَأْسَهُ، فَقَالَتْ الْأَنْصَارُ أَخْرَجَ أَبُو دُجَانَةَ عِصَابَةَ الْمَوْتِ، وَهَكَذَا كَانَتْ تَقُولُ إذَا اعْتَصَبَ بِهَا ثُمَّ جَعَلَ يَتَبَخْتَرُ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ رَآهُ يَتَبَخْتَرُ إنَّهَا لَمِشْيَةٌ يَبْغَضُهَا اللَّهُ إلَّا فِي مِثْلِ هَذَا الْمَوْطِنِ.»

стр. 810

قَالَ الزُّبَيْرُ: «وَلَمَّا أَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ السَّيْفَ لِأَبِي دُجَانَةَ وَجَدْت فِي نَفْسِي حِينَ سَأَلْته فَمَنَعَنِي وَأَعْطَاهُ إيَّاهُ وَقُلْت: أَنَا ابْنُ صَفِيَّةَ عَمَّةِ الرَّسُولِ ﷺ وَقَدْ قُمْت إلَيْهِ وَسَأَلْته إيَّاهُ قَبْلَهُ فَأَعْطَاهُ إيَّاهُ وَتَرَكَنِي، لَأَنْظُرَنَّ مَا يَصْنَعُ بِهِ، فَأَتْبَعْتُهُ فَخَرَجَ، وَهُوَ يَقُولُ: أَنَا الَّذِي عَاهَدَنِي خَلِيلِي ... وَنَحْنُ بِالسَّفْحِ لَدَى النَّخِيلِ أَنْ لَا أَقُومَ الدَّهْرَ فِي الْكُيُولِ ... أَضْرِبْ بِسَيْفِ اللَّهِ وَالرَّسُولِ » الْقِصَّةَ وَمَحَلُّ الدَّلِيلِ تَبَخْتُرُ أَبِي دُجَانَةَ ﵁، وَقَوْلُ الرَّسُولِ ﷺ مَا قَالَ: وَذَلِكَ لِاسْتِهَانَتِهِ لِأَمْرِ الْمُشْرِكِينَ وَقِلَّةِ هَيْبَتِهِمْ عِنْدَهُ. فَيَكُونُ ذَلِكَ مِنْ الْحَامِلِ لَهُ وَلِأَمْثَالِهِ عَلَى الْإِقْدَامِ وَالْجُرْأَةِ عَلَيْهِمْ وَالِاحْتِقَارِ لَهُمْ وَعَدَمِ الِاحْتِفَالِ بِشَأْنِهِمْ. وَأَمَّا اخْتِيَالُ الْإِنْسَانِ عِنْدَ الصَّدَقَةِ يَعْنِي عِنْدَ دَفْعِهِ لِلصَّدَقَةِ فَلِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى عُلُوِّ هِمَّتِهِ وَشَرَفِ نَفْسِهِ فَلَا يَسْتَكْثِرُ كَثِيرَهَا، وَإِنْ جَلَّ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ. . مَطْلَبٌ: الْمِشْيَاتُ عَشَرَةُ أَنْوَاعٍ (تَنْبِيهَاتٌ) : (الْأَوَّلُ) : قَالَ الْإِمَامُ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي زَادِ الْمَعَادِ: الْمِشْيَاتُ عَشَرَةُ أَنْوَاعٍ، أَحْسَنُهَا وَأَسْكَنُهَا مِشْيَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا مَشَى تَكَفَّأَ تَكَفُّؤًا كَأَنَّمَا يَنْحَطُّ مِنْ صَبَبٍ» . وَقَالَ مَرَّةً: «إذَا مَشَى تَقَلَّعَ» ، وَالتَّقَلُّعُ الِارْتِفَاعُ مِنْ الْأَرْضِ بِجُمْلَتِهِ كَحَالِ الْمُنْحَطِّ فِي الصَّبَبِ، يَعْنِي يَرْفَعُ رِجْلَيْهِ مِنْ الْأَرْضِ رَفْعًا بَائِنًا بِقُوَّةٍ، وَالتَّكَفُّؤُ التَّمَايُلُ إلَى قُدَّامَ، كَمَا تَتَكَفَّأُ السَّفِينَةُ فِي جَرْيِهَا، وَهُوَ أَعْدَلُ الْمِشْيَاتِ. قُلْت: وَفِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَالتِّرْمِذِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «مَا رَأَيْت أَحَدًا أَسْرَعَ مِشْيَةً مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَكَأَنَّمَا الْأَرْضُ تُطْوَى لَهُ، كُنَّا إذَا مَشِينَا مَعَهُ نُجْهِدُ أَنْفُسَنَا، وَإِنَّهُ لَغَيْرُ مُكْتَرِثٍ» . وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إذَا مَشَى مَشَى مُجْتَمِعًا لَيْسَ فِيهِ كَسَلٌ» .
следующие страницы →