Полный текст (1 066 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.
стр. 806
وَقَدْ أَحْسَنَ الْقَائِلُ:
قَدْ يُدْرِكُ الْمَجْدَ الْفَتَى وَإِزَارُهُ ... خَلَقٌ وَجَيْبُ قَمِيصِهِ مَرْقُوعُ
وَأَنْشَدَ ابْنُ دُرَيْدٍ لِبَعْضِ الْأَعْرَابِ:
يُغَايِظُونَا بِقُمْصَانٍ لَهُمْ جُدُدٍ ... كَأَنَّنَا لَا نَرَى فِي السُّوقِ قُمْصَانَا
لَيْسَ الْقَمِيصُ وَإِنْ جَدَّدْت رُقْعَتَهُ ... بِجَاعِلٍ رَجُلًا إلَّا كَمَا كَانَا
وَعَنْ مُسْلِمِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: إذَا لَبِسْتَ ثَوْبًا فَظَنَنْت أَنَّك فِيهِ أَفْضَلُ مِمَّا فِي غَيْرِهِ فَبِئْسَ الثَّوْبُ هُوَ لَكَ.
وَقَالَ مَنْصُورُ بْنُ عَمَّارٍ: مَنْ تَعَرَّى مِنْ لِبَاسِ التَّقْوَى لَمْ يَسْتَتِرْ بِشَيْءٍ مِنْ لِبَاسِ الدُّنْيَا وَقَدْ قِيلَ: لَا يَسُودُ الْمَرْءُ حَتَّى لَا يُبَالِيَ فِي أَيِّ ثَوْبَيْهِ ظَهَرَ.
وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ: رَأَيْت أَعْرَابِيًّا فَاسْتَنْشَدْتُهُ فَأَنْشَدَنِي أَبْيَاتًا وَرَوَى أَخْبَارًا، فَتَعَجَّبْت مِنْ مَقَالِهِ وَسُوءِ حَالِهِ، فَسَكَتَ سَكْتَةً ثُمَّ قَالَ هَذِهِ الْأَبْيَاتُ:
أَأُخَيَّ إنَّ الْحَادِثَا ... تِ تَرْكَنَنِي عَرَكَ الْأَدِيمِ
لَا تُنْكِرَنْ أَنْ قَدْ رَأَيْت ... أَخَاك فِي كَرْبٍ عَدِيمِ
إنْ كُنَّ أَثْوَابِي بُلِينَ ... فَإِنَّهُنَّ عَلَى كَرِيمِ
وَقَالَ آخَرُ وَعَزَاهَا فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى لِلْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ ﵀ وَرَضِيَ عَنْهُ:
عَلَيَّ ثِيَابٌ لَوْ تُقَاسُ جَمِيعُهَا ... بِفَلْسٍ لَكَانَ الْفَلْسُ مِنْهُنَّ أَكْثَرَا
وَفِيهِنَّ نَفْسٌ لَوْ يُقَاسُ بِبَعْضِهَا ... نُفُوسُ الْوَرَى كَانَتْ أَجَلَّ وَأَكْبَرَا
وَمَا ضَرَّ نَصْلَ السَّيْفِ إخْلَاقُ غِمْدِهِ ... إذَا كَانَ عَضْبًا حَيْثُ وَجَّهْته بَرَى
وَقَالَ بَعْضُهُمْ وَأَحْسَنَ:
لَا يُعْجِبَنَّكَ مَنْ يَصُونُ ثِيَابَهُ ... حَذَرَ الْغُبَارِ وَعِرْضُهُ مَبْذُولُ
وَلَرُبَّمَا افْتَقَرَ الْفَتَى فَرَأَيْته ... دَنِسَ الثِّيَابِ وَعِرْضُهُ مَغْسُولُ
وَقَالَ الْمُتَنَبِّي:
لَئِنْ كَانَ ثَوْبِي دُونَ قِيمَتِهِ فَلْسٌ ... فَلَا فِيهِ نَفْسٌ دُونَ قِيمَتِهَا الْإِنْسُ
فَثَوْبُك بَدْرٌ تَحْتَ أَنْوَارِهِ الدُّجَى ... وَثَوْبِي لَيْلٌ تَحْتَ أَطْمَارِهِ شَمْسٌ
стр. 807
وَقَالَ الْمَعَرِّيُّ فِي قَصِيدَتِهِ اللَّامِيَّةِ وَيُقَالُ لَهَا الطَّامَّاتُ:
تُعَدُّ ذُنُوبِي عِنْدَ قَوْمٍ كَثِيرَةً ... وَلَا ذَنْبَ لِي إلَّا الْعُلَا وَالْفَضَائِلُ
إلَى أَنْ يَقُولَ فِيهَا:
وَإِنِّي وَإِنْ كُنْت الْأَخِيرَ زَمَانُهُ ... لَآتٍ بِمَا لَمْ تَسْتَطِعْهُ الْأَوَائِلُ
وَأَيُّ جَوَادٍ لَمْ يُحَلَّ لِجَامُهُ ... وَنِضْوُ يَمَانٍ أَغْفَلَتْهُ الصَّيَاقِلُ
وَإِنْ كَانَ فِي لُبْسِ الْفَتَى شَرَفٌ لَهُ ... فَمَا السَّيْفُ إلَّا غِمْدُهُ وَالْحَمَائِلُ
وَعَلَى كُلِّ حَالٍ الْآدَمِيُّ خُلِقَ مِنْ التُّرَابِ، وَالتُّرَابُ مِنْ الْأَرْضِ، وَهِيَ تَارَةً تُعَرَّى وَأُخْرَى تُكْتَسَى. وَالْمَقْصُودُ أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَغْتَرُّ بِاللِّبَاسِ، فَإِنَّ الذَّاتَ أَشْرَفُ مِنْهُ، وَلَا يَغْتَرُّ بِالْأَجْسَامِ فَإِنَّ وَرَاءَ هَذَا الْجِسْمِ مَا هُوَ أَشْرَفُ مِنْهُ وَأَرْقَى مَنْزِلَةً، وَأَعْظَمَ شَأْنًا.
يَا خَادِمَ الْجِسْمِ كَمْ تَسْعَى لِخِدْمَتِهِ ... أَتَطْلُبُ الرِّبْحَ فِيمَا فِيهِ خُسْرَانُ
أَقْبِلْ عَلَى النَّفْسِ وَاسْتَكْمِلْ فَضَائِلَهَا ... فَأَنْتَ بِالرُّوحِ لَا بِالْجِسْمِ إنْسَانُ.
مَطْلَبٌ: فِي كَرَاهَةِ مِشْيَةِ الْمُطَيْطَا:
وَيُكْرَهُ فِي الْمَشْيِ الْمُطَيْطَا وَنَحْوُهَا ... مَظِنَّةَ كِبْرٍ غَيْرَ فِي حَرْبِ جُحَّدِ
(وَيُكْرَهُ) تَنْزِيهًا (فِي الْمَشْيِ) جَارٌّ وَمَجْرُورٌ مُتَعَلِّقٌ بِمَا قَبْلَهُ (الْمُطَيْطَا) نَائِبُ فَاعِلٍ أَيْ يَكْرَهُ الشَّارِعُ الْمُطَيْطَا كَجُمَيْزَا. قَالَ فِي الْقَامُوسِ: التَّبَخْتُرُ وَمَدُّ الْيَدَيْنِ فِي الْمَشْيِ، وَيُقْصَرُ كَالْمُطَيْطَا انْتَهَى. وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ فِي حَدِيثِ «إذَا مَشَتْ أُمَّتِي الْمُطَيْطَا» هِيَ بِالْمَدِّ وَالْقَصْرِ مِشْيَةٌ فِيهَا تَبَخْتُرٌ وَمَدُّ الْيَدَيْنِ، وَيُقَالُ مَطَوْت وَمَطَطْت بِمَعْنَى مَدَدْت، وَهِيَ مِنْ الْمُصَغَّرَاتِ الَّتِي لَمْ تُسْتَعْمَلْ لَهَا مُكَبَّرٌ. وَقَالَ الْحَجَّاوِيُّ فِي شَرْحِ هَذَا الْبَيْتِ: الْمُطَيْطَاءُ، بِضَمِّ الْمِيمِ مَمْدُودًا وَقَصَرَهُ النَّاظِمُ ضَرُورَةً. انْتَهَى. وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ الْقَصْرَ لُغَةٌ فِيهَا لَا ضَرُورَةٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَإِنَّمَا كُرِهَتْ مِشْيَةُ الْمُطَيْطَاءِ لِمَا فِيهَا مِنْ رَوَائِحَ لِلْكِبْرِ وَالْخُيَلَاءِ وَالزَّهْوِ وَالْعُجْبِ؛ فَلِهَذَا نَهَى عَنْهَا النَّبِيُّ ﷺ فِي ضِمْنِ مَا رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ عَنْ خَوْلَةَ بِنْتِ قَيْسٍ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «إذَا مَشَتْ أُمَّتِي الْمُطَيْطَاءَ، وَخَدَمَتْهُمْ فَارِسُ وَالرُّومُ سُلِّطَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ»
стр. 808
وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵄.
قَالَ الْحَافِظُ الْمُنْذِرِيُّ: الْمُطَيْطَاءُ بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الطَّاءَيْنِ الْمُهْمَلَتَيْنِ بَيْنَهُمَا يَاءٌ مُثَنَّاةٌ تَحْتُ مَمْدُودًا وَيُقْصَرُ التَّبَخْتُرُ وَمَدُّ الْيَدَيْنِ فِي الْمَشْيِ.
وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَوَاهَا الْإِمَامُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ وَالْبَغَوِيُّ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ «إذَا مَشَتْ أُمَّتِي الْمُطَيْطَاءَ وَخَدَمَتْهُمْ أَبْنَاءُ الْمُلُوكِ أَبْنَاءُ فَارِسَ وَالرُّومِ سَلَّطَ اللَّهُ - تَعَالَى - خِيَارَهَا عَلَى شِرَارِهَا» .
(وَ) يُكْرَهُ فِي الْمَشْيِ (نَحْوُهَا) أَيْ نَحْوُ الْمُطَيْطَاءِ وَفِي نُسْخَةٍ وَشَبَهُهَا بَدَلَ وَنَحْوُهَا، وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ يَعْنِي أَنَّ مِشْيَةَ الْمُطَيْطَاءِ وَمَا قَارَبَهَا مِنْ الْمِشْيَاتِ مَكْرُوهٌ حَيْثُ كَانَ ذَلِكَ (مَظِنَّةَ كِبْرٍ) أَيْ إنَّمَا كُرِهَتْ هَذِهِ الْمِشْيَةُ؛ لِأَنَّهَا مَظِنَّةُ الْكِبْرِ أَوْ لِئَلَّا يُظَنَّ بِهِ الْكِبْرُ، فَإِنْ كَانَ الْحَامِلُ لَهُ عَلَيْهَا الْكِبْرَ وَالْعُجْبَ حُرِّمَتْ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كَبِيرَةٌ، وَتَقَدَّمَ مِنْ مَثَالِبِ ذَلِكَ مَا فِيهِ غُنْيَةٌ، وَالْمَظِنَّةُ مَأْخُوذَةٌ مِنْ الظَّنِّ وَهُوَ تَرْجِيحُ أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ عَلَى الْآخَرِ، وَالْمَرْجُوحُ يُسَمَّى وَهْمًا.
مَطْلَبٌ: فِي عَدَمِ كَرَاهَةِ التَّبَخْتُرِ فِي الْحَرْبِ .
ثُمَّ لَمَّا لَمْ تَكُنْ كَرَاهَةُ ذَلِكَ مُطْلَقَةً، بَلْ قَدْ يُبَاحُ التَّبَخْتُرُ وَالْخُيَلَاءُ وَالتَّكَبُّرُ وَذَلِكَ فِي حَرْبِ الْكُفَّارِ أَشَارَ النَّاظِمُ إلَى اسْتِثْنَاءِ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ (غَيْرَ) أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ الْمُطَيْطَاءُ وَالتَّبَخْتُرُ وَلَا الْكِبْرُ وَالْخُيَلَاءُ (فِي) حَالَةِ (حَرْبِ جُحَّدِ) جَمْعُ جَاحِدٍ، أَيْ كُفَّارٌ، يُقَالُ جَحَدَهُ حَقَّهُ كَمَنَعَهُ جَحْدًا وَجُحُودًا أَنْكَرَهُ مَعَ عِلْمِهِ، وَالْكَافِرُ قَدْ أَنْكَرَ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، إنَّمَا لَمْ يُكْرَهْ فِي حَالَةِ الْحَرْبِ؛ لِأَنَّ الْمَطْلُوبَ إظْهَارُ الْقُوَّةِ وَالْجَلَدِ وَعَدَمِ الِاكْتِرَاثِ بِالْعَدُوِّ.
وَقَوْلُهُ ﵊ فِيمَا رَوَاهُ جَابِرُ بْنُ عَتِيكٍ عَنْهُ ﵊: «إنَّ مِنْ الْخُيَلَاءِ مَا يَبْغَضُ اللَّهُ وَمِنْهَا مَا يُحِبُّ، فَأَمَّا الَّتِي يُحِبُّ فَاخْتِيَالُ الرَّجُلِ عَلَى الْقِتَالِ وَاخْتِيَالُهُ عِنْدَ الصَّدَقَةِ، وَأَمَّا الَّتِي يَبْغَضُ اللَّهُ فَاخْتِيَالُهُ فِي الْبَغْيِ وَالْفَخْرِ» .
وَفِي السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ عَنْ أَنَسٍ ﵁ وَالطَّبَرَانِيُّ عَنْ قَتَادَةَ بْنِ النُّعْمَانِ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ، وَالْبَزَّارُ عَنْ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ
стр. 809
- ﵃ فِي غَزْوَةِ أُحُدٍ قَالُوا: «عَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَيْفًا يَوْمَ أُحُدٍ فَبَسَطُوا أَيْدِيَهُمْ كُلُّ إنْسَانٍ يَقُولُ أَنَا، فَقَالَ: مَنْ يَأْخُذُهُ بِحَقِّهِ؟ فَأَحْجَمَ الْقَوْمُ، فَقَامَ رِجَالٌ فَأَمْسَكَهُ عَنْهُمْ» . وَعِنْدَ ابْنِ عُقْبَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا عَرَضَهُ طَلَبَهُ مِنْهُ عُمَرُ ﵁ فَأَعْرَضَ عَنْهُ، ثُمَّ طَلَبَهُ الزُّبَيْرُ ﵁ فَأَعْرَضَ عَنْهُ، فَوَجَدَا فِي أَنْفُسِهِمَا مِنْ ذَلِكَ» . وَعِنْدَ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ «أَنَّ الزُّبَيْرَ طَلَبَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، كُلُّ ذَلِكَ يُعْرِضُ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ » . وَفِي الطَّبَرَانِيِّ عَنْ قَتَادَةَ بْنِ النُّعْمَانِ «أَنَّ عَلِيًّا ﵁ قَامَ فَطَلَبَهُ، فَقَالَ لَهُ: اجْلِسْ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ يَأْخُذُهُ بِحَقِّهِ؟ فَقَامَ إلَيْهِ أَبُو دُجَانَةَ بِضَمِّ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَبِالْجِيمِ وَالنُّونِ ﵁ وَاسْمُهُ سِمَاكُ بْنُ خَرَشَةَ بِكَسْرِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ الْمِيمِ وَبِالْكَافِ وَفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ مِنْ خَرَشَةَ وَالرَّاءِ وَالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ أَخُو بَنِي سَاعِدَةَ،» «فَقَالَ: وَمَا حَقُّهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ أَنْ تَضْرِبَ بِهِ فِي الْعَدُوِّ حَتَّى يَنْحَنِيَ، قَالَ: أَنَا آخُذُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ بِحَقِّهِ، قَالَ لَعَلَّك إنْ أَعْطَيْتُكَهُ تُقَاتِلُ فِي الْكَيُّولِ، قَالَ لَا» ، قَالَ الشَّمْسُ الشَّامِيُّ: الْكَيُّولُ بِكَافٍ مَفْتُوحَةٍ فَمُثَنَّاةٍ تَحْتِيَّةٍ مَضْمُومَةٍ مُشَدَّدَةٍ وَتُخَفَّفُ فَوَاوٍ سَاكِنَةٍ فَلَامٍ: آخِرُ الْقَوْمِ أَوْ آخِرُ الصُّفُوفِ فِي الْحَرْبِ وَهُوَ فَيْعُولُ مِنْ كَالَ الزَّنْدَ يَكِيلُ كَيْلًا إذَا كَبَى أَيْ لَمْ يُخْرِجْ نَارًا، وَذَلِكَ لَا نَفْعَ فِيهِ، فَشَبَّهَ مُؤَخَّرَ الصُّفُوفِ بِهِ؛ لِأَنَّ مَنْ كَانَ فِيهِ لَا يُقَاتِلُ وَقِيلَ: الْكَيُّولُ الْجَبَانُ انْتَهَى فَأَعْطَاهُ إيَّاهُ، «وَكَانَ أَبُو دُجَانَةَ رَجُلًا شُجَاعًا يَخْتَالُ عِنْدَ الْحَرْبِ وَكَانَ لَهُ عِصَابَةٌ حَمْرَاءُ يُعْلَمُ بِهَا عِنْدَ الْحَرْبِ يَعْتَصِبُ بِهَا، فَإِذَا اعْتَصَبَ بِهَا عَلِمَ النَّاسُ أَنَّهُ سَيُقَاتِلُ، فَلَمَّا أَخَذَ السَّيْفَ مِنْ يَدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَخْرَجَ عِصَابَتَهُ تِلْكَ فَعَصَبَ بِهَا رَأْسَهُ، فَقَالَتْ الْأَنْصَارُ أَخْرَجَ أَبُو دُجَانَةَ عِصَابَةَ الْمَوْتِ، وَهَكَذَا كَانَتْ تَقُولُ إذَا اعْتَصَبَ بِهَا ثُمَّ جَعَلَ يَتَبَخْتَرُ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ رَآهُ يَتَبَخْتَرُ إنَّهَا لَمِشْيَةٌ يَبْغَضُهَا اللَّهُ إلَّا فِي مِثْلِ هَذَا الْمَوْطِنِ.»
стр. 810
قَالَ الزُّبَيْرُ: «وَلَمَّا أَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ السَّيْفَ لِأَبِي دُجَانَةَ وَجَدْت فِي نَفْسِي حِينَ سَأَلْته فَمَنَعَنِي وَأَعْطَاهُ إيَّاهُ وَقُلْت: أَنَا ابْنُ صَفِيَّةَ عَمَّةِ الرَّسُولِ ﷺ وَقَدْ قُمْت إلَيْهِ وَسَأَلْته إيَّاهُ قَبْلَهُ فَأَعْطَاهُ إيَّاهُ وَتَرَكَنِي، لَأَنْظُرَنَّ مَا يَصْنَعُ بِهِ، فَأَتْبَعْتُهُ فَخَرَجَ، وَهُوَ يَقُولُ:
أَنَا الَّذِي عَاهَدَنِي خَلِيلِي ... وَنَحْنُ بِالسَّفْحِ لَدَى النَّخِيلِ
أَنْ لَا أَقُومَ الدَّهْرَ فِي الْكُيُولِ ... أَضْرِبْ بِسَيْفِ اللَّهِ وَالرَّسُولِ
» الْقِصَّةَ وَمَحَلُّ الدَّلِيلِ تَبَخْتُرُ أَبِي دُجَانَةَ ﵁، وَقَوْلُ الرَّسُولِ ﷺ مَا قَالَ: وَذَلِكَ لِاسْتِهَانَتِهِ لِأَمْرِ الْمُشْرِكِينَ وَقِلَّةِ هَيْبَتِهِمْ عِنْدَهُ.
فَيَكُونُ ذَلِكَ مِنْ الْحَامِلِ لَهُ وَلِأَمْثَالِهِ عَلَى الْإِقْدَامِ وَالْجُرْأَةِ عَلَيْهِمْ وَالِاحْتِقَارِ لَهُمْ وَعَدَمِ الِاحْتِفَالِ بِشَأْنِهِمْ.
وَأَمَّا اخْتِيَالُ الْإِنْسَانِ عِنْدَ الصَّدَقَةِ يَعْنِي عِنْدَ دَفْعِهِ لِلصَّدَقَةِ فَلِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى عُلُوِّ هِمَّتِهِ وَشَرَفِ نَفْسِهِ فَلَا يَسْتَكْثِرُ كَثِيرَهَا، وَإِنْ جَلَّ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ. .
مَطْلَبٌ: الْمِشْيَاتُ عَشَرَةُ أَنْوَاعٍ (تَنْبِيهَاتٌ) :
(الْأَوَّلُ) : قَالَ الْإِمَامُ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي زَادِ الْمَعَادِ: الْمِشْيَاتُ عَشَرَةُ أَنْوَاعٍ، أَحْسَنُهَا وَأَسْكَنُهَا مِشْيَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا مَشَى تَكَفَّأَ تَكَفُّؤًا كَأَنَّمَا يَنْحَطُّ مِنْ صَبَبٍ» .
وَقَالَ مَرَّةً: «إذَا مَشَى تَقَلَّعَ» ، وَالتَّقَلُّعُ الِارْتِفَاعُ مِنْ الْأَرْضِ بِجُمْلَتِهِ كَحَالِ الْمُنْحَطِّ فِي الصَّبَبِ، يَعْنِي يَرْفَعُ رِجْلَيْهِ مِنْ الْأَرْضِ رَفْعًا بَائِنًا بِقُوَّةٍ، وَالتَّكَفُّؤُ التَّمَايُلُ إلَى قُدَّامَ، كَمَا تَتَكَفَّأُ السَّفِينَةُ فِي جَرْيِهَا، وَهُوَ أَعْدَلُ الْمِشْيَاتِ.
قُلْت: وَفِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَالتِّرْمِذِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «مَا رَأَيْت أَحَدًا أَسْرَعَ مِشْيَةً مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَكَأَنَّمَا الْأَرْضُ تُطْوَى لَهُ، كُنَّا إذَا مَشِينَا مَعَهُ نُجْهِدُ أَنْفُسَنَا، وَإِنَّهُ لَغَيْرُ مُكْتَرِثٍ» .
وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إذَا مَشَى مَشَى مُجْتَمِعًا لَيْسَ فِيهِ كَسَلٌ» .
стр. 811
وَابْنُ سَعْدٍ عَنْ مَرْثَدِ بْنِ مُرْشِدٍ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا مَشَى أَسْرَعَ حَتَّى يُهَرْوِلَ الرَّجُلُ فَلَا يُدْرِكُهُ» .
وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا مَشَى كَأَنَّمَا يَنْحَدِرُ مِنْ صَبَبٍ» . وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَزَادَ: «وَإِذَا مَشَى لَكَأَنَّمَا يَمْشِي فِي صُعُدٍ» . وَفِي رِوَايَةٍ لِابْنِ سَعْدٍ عَنْهُ ﵁ «أَنَّهُ ﷺ كَانَ إذَا مَشَى تَكَفَّأَ تَكَفُّؤًا كَأَنَّمَا يَنْحَطُّ مِنْ صَبَبٍ» . وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْهُ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا مَشَى تَقَطَّعَ كَأَنَّمَا يَنْحَدِرُ مِنْ صَبَبٍ» .
فَدَلَّتْ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ وَأَمْثَالُهَا مِمَّا لَمْ نَذْكُرْ أَنَّ مِشْيَتَهُ ﷺ لَمْ تَكُنْ بِمُمَاتَةٍ وَلَا بِمُهَانَةٍ، وَالصَّبَبُ بِفَتْحِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ الْأُولَى: الْمَوْضِعُ الْمُنْحَدِرُ مِنْ الْأَرْضِ، وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى سُرْعَةِ مَشْيِهِ؛ لِأَنَّ الْمُنْحَدِرَ لَا يَكَادُ يَثْبُتُ فِي مَشْيِهِ، وَالتَّقَطُّعُ الِانْحِدَارُ مِنْ الصَّبَبِ، وَالتَّقَطُّعُ مِنْ الْأَرْضِ قَرِيبٌ بَعْضُهُ مِنْ بَعْضٍ.
يَعْنِي أَنَّهُ كَانَ يَسْتَعْمِلُ التَّثَبُّتَ وَلَا يُبَيَّنُ مِنْهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ اسْتِعْجَالٌ وَمُبَادَرَةٌ شَدِيدَةٌ، وَأَرَادَ بِهِ قُوَّةَ الْمَشْيِ، وَأَنَّهُ يَرْفَعُ رِجْلَيْهِ مِنْ الْأَرْضِ رَفْعًا قَوِيًّا لَا كَمَنْ يَمْشِي اخْتِيَالًا وَيُقَارِبُ خَطْوَهُ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ مَشْيِ النِّسَاءِ.
نَعَمْ يَنْبَغِي لِلْإِنْسَانِ أَنْ يُقَارِبَ خُطَاهُ إذَا كَانَ ذَاهِبًا إلَى الْمَسْجِدِ لِأَجْلِ الصَّلَاةِ كَمَا مَرَّ.
فَأَعْدَلُ الْمِشْيَاتِ مِشْيَتُهُ ﷺ فَإِنَّ الْمَاشِيَ إنْ كَانَ يَتَمَاوَتُ فِي مِشْيَتِهِ وَيَمْشِي قِطْعَةً وَاحِدَةً كَأَنَّهُ خَشَبَةٌ مَحْمُولَةٌ فَمِشْيَةٌ قَبِيحَةٌ مَذْمُومَةٌ.
قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀: الثَّانِيَةُ مِنْ الْمِشْيَاتِ: أَنْ يَمْشِيَ بِانْزِعَاجٍ وَاضْطِرَابٍ، مَشْيَ الْجَمَلِ الْأَهْوَجِ، وَهِيَ مَذْمُومَةٌ أَيْضًا، وَهِيَ عَلَامَةٌ عَلَى خِفَّةِ عَقْلِ صَاحِبِهَا، وَلَا سِيَّمَا إنْ كَانَ يُكْثِرُ الِالْتِفَاتَ يَمِينًا وَشِمَالًا.
الثَّالِثَةُ: أَنْ يَمْشِيَ هَوْنًا وَهِيَ مِشْيَةُ عِبَادِ الرَّحْمَنِ.
قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ السَّلَفِ: بِسَكِينَةٍ وَوَقَارٍ مِنْ غَيْرِ كِبْرٍ وَلَا تَمَاوُتٍ، وَهِيَ مِشْيَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
стр. 812
الرَّابِعَةُ: السَّعْيُ. الْخَامِسَةُ: الرَّمَلُ وَتُسَمَّى الْخَبَبَ، وَهِيَ إسْرَاعُ الْمَشْيِ مَعَ تَقَارُبِ الْخُطَا بِخِلَافِ السَّعْيِ. السَّادِسَةُ: السَّيَلَانُ، وَهُوَ الْعَدْوُ الْخَفِيفُ بِلَا انْزِعَاجٍ.
السَّابِعَةُ: الْخَوْزَلَى، وَهِيَ مِشْيَةٌ فِيهَا تَكَبُّرٌ وَتَخَنُّثٌ. الثَّامِنَةُ: الْقَهْقَرَى وَهِيَ الْمَشْيُ إلَى وَرَائِهِ.
التَّاسِعَةُ: الْجَمَزَى يَثِبُ فِيهَا وَثْبًا. الْعَاشِرَةُ: التَّمَايُلُ كَمِشْيَةِ النِّسْوَانِ. وَإِذَا مَشَى بِهَا الرَّجُلُ كَانَ مُتَبَخْتِرًا. وَأَعْلَاهَا مِشْيَةُ الْهَوْنِ وَالتَّكَفُّؤِ انْتَهَى.
مَطْلَبٌ: حُكْمُ الْمَشْيِ مَعَ الْغَيْرِ .
(الثَّانِي) : قَالَ الْإِمَامُ ابْنُ عَقِيلٍ: مَنْ مَشَى مَعَ إنْسَانٍ فَإِنْ كَانَ أَكْبَرَ مِنْهُ، وَأَعْلَمَ فَعَنْ يَمِينِهِ يُقِيمُهُ مَقَامَ الْإِمَامِ فِي الصَّلَاةِ، وَإِذَا كَانَا سَوَاءً اُسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يُخَلِّيَ لَهُ يَسَارَهُ حَتَّى لَا يُضَيِّقَ عَلَيْهِ جِهَةَ الْبُصَاقِ وَالِامْتِخَاطِ.
وَمُقْتَضَى كَلَامِهِ اسْتِحْبَابُ مَشْيِ الْجَمَاعَةِ خَلْفَ الْكَبِيرِ، وَإِنْ مَشَوْا عَلَى جَانِبَيْهِ فَلَا بَأْسَ كَالْإِمَامِ فِي الصَّلَاةِ.
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْإِيمَانِ قَوْلُ يَحْيَى بْنِ يَعْمُرَ أَنَّهُ هُوَ وَحُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَشَيَا عَنْ جَانِبَيْ ابْنِ عُمَرَ ﵄.
وَقَالَ سَيِّدِي عَبْدُ الْقَادِرِ - قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ -: وَإِنْ كَانَ دُونَهُ فِي الْمَنْزِلَةِ يَجْعَلُهُ عَنْ يَمِينِهِ وَيَمْشِي عَنْ يَسَارِهِ.
وَقَدْ قِيلَ: الْمُسْتَحَبُّ الْمَشْيُ عَنْ الْيَمِينِ فِي الْجُمْلَةِ لِتَخَلِّي الْيَسَارِ لِلْبُصَاقِ وَغَيْرِهِ. انْتَهَى.
(الثَّالِثُ) : قَالَ الْإِمَامُ الْحَافِظُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ ﵀ وَرَضِيَ عَنْهُ -: إذَا أَذِنَ لَهُ، وَمَعَهُ مَنْ هُوَ أَكْبَرُ مِنْهُ بِيَوْمٍ قَدَّرَ الْأَكْبَرَ فِي الدُّخُولِ.
فَقَدْ رَوَى ابْنُ عُمَرَ ﵄ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «أَمَرَنِي جِبْرِيلُ أَنْ أُكَبِّرَ، وَقَالَ: قَدِّمُوا الْكَبِيرَ» . وَقَالَ مَالِكُ بْنُ مُعَوِّذٍ: كُنْت أَمْشِي مَعَ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ فَصِرْنَا إلَى مَضِيقٍ فَتَقَدَّمَنِي ثُمَّ قَالَ: لَوْ كُنْت أَعْلَمُ أَنَّك أَكْبَرَ مِنِّي بِيَوْمٍ مَا تَقَدَّمْتُكَ.
стр. 813
مَطْلَبٌ: فِي تَقْدِيمِ الصَّغِيرِ الْعَالِمِ عَلَى غَيْرِهِ .
قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: فَإِنْ كَانَ الْأَصْغَرُ أَعْلَمَ فَتَقْدِيمُهُ أَوْلَى. ثُمَّ رَوَى بِإِسْنَادِهِ عَنْ الْحُسَيْنِ بْنِ مَنْصُورٍ قَالَ: كُنْت مَعَ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ يَوْمًا نَعُودُ مَرِيضًا فَلَمَّا حَاذَيْنَا الْبَابَ تَأَخَّرَ إِسْحَاقُ وَقَالَ لِيَحْيَى تَقَدَّمْ أَنْتَ يَا أَبَا زَكَرِيَّا أَنْتَ أَكْبَرُ مِنِّي، قَالَ نَعَمْ أَنَا أَكْبَرُ مِنْك، وَأَنْتَ أَعْلَمُ مِنِّي، فَتَقَدَّمَ إِسْحَاقُ. انْتَهَى. قَالَ الْحَجَّاوِيُّ ﵀: وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ مَنْ لَهُ التَّقْدِيمُ يَتَقَدَّمُ عَمَلًا بِالسُّنَّةِ، وَأَنَّ ذَلِكَ يَحْسُنُ مِنْهُ، وَأَنَّ الْأَعْلَمَ يُقَدَّمُ مُطْلَقًا، وَلَا اعْتِبَارَ مَعَهُ إلَى سِنٍّ، وَلَا صَلَاحٍ، وَلَا شَيْءٍ، وَأَنَّ الْأَسَنَّ يُقَدَّمُ عَلَى الْأَوْرَعِ وَالْأَدْيَنِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ فَإِنْ اسْتَوَى اثْنَانِ فِي الْعِلْمِ وَالسِّنِّ فَيَنْبَغِي أَنْ يُقَدَّمَ مَنْ لَهُ مَزِيَّةٌ بِدِينٍ أَوْ وَرَعٍ أَوْ نَسَبٍ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
وَذَكَرَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ بَعْدَ ذَلِكَ حَدِيثَ «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يُجِلَّ كَبِيرَنَا وَيَرْحَمْ صَغِيرَنَا وَيَعْرِفْ لِعَالِمِنَا» رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ. قُلْت: وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ. وَلَفْظُ حَدِيثِ أَحْمَدَ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «لَيْسَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ لَمْ يُجِلَّ كَبِيرَنَا وَيَرْحَمْ صَغِيرَنَا وَيَعْرِفْ لِعَالِمِنَا» وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ أَيْضًا بِلَفْظِ «لَيْسَ مِنَّا» إلَخْ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
مَطْلَبٌ: فِي كَرَاهَةِ نَوْمِ اثْنَيْنِ عُرْيًا تَحْتَ لِحَافٍ وَاحِدٍ:
وَيُكْرَهُ لُبْسُ الْأُزُرِ وَالْخُفِّ قَائِمًا ... كَذَاك الْتِصَاقُ اثْنَيْنِ عُرْيًا بِمَرْقَدٍ
(وَيُكْرَهُ) تَنْزِيهًا (لُبْسُ الْأُزُرِ) جَمْعُ إزَارٍ (وَ) لُبْسُ (الْخُفِّ) أَيْضًا حَالَ كَوْنِ اللَّابِسِ لِوَاحِدٍ مِنْهَا (قَائِمًا) وَكَذَا السَّرَاوِيلُ وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ فِي الْكَلَامِ عَلَى اللِّبَاسِ (كَذَاك) أَيْ كَمَا يُكْرَهُ لُبْسُ الْأُزُرِ، وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِ قَائِمًا يُكْرَهُ أَيْضًا، وَهُوَ آكَدُ فِي الْكَرَاهَةِ مِمَّا قَبْلَهُ (الْتِصَاقُ) مِنْ لَصِقَ بِالصَّادِ وَالسِّينِ الْمُهْمَلَتَيْنِ.
وَالْقَاعِدَةُ أَنَّ كُلَّ كَلِمَةٍ كَانَتْ السِّينُ فِيهَا وَجَاءَ بَعْدَهَا أَحَدُ الْحُرُوفِ الْأَرْبَعَةِ وَهِيَ الْخَاءُ وَالطَّاءُ وَالْغَيْنُ وَالْقَافُ فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يَجُوزُ إبْدَالُ الصَّادِ مِنْ السِّينِ مِثْلُ صَخَبٍ وَسِرَاطٍ وَسَغْبٍ وَصَقْرٍ.
وَمِنْهُ هَذِهِ اللَّفْظَةُ يُقَالُ لَسِقَ وَلَصِقَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ فَيُكْرَهُ الْتِصَاقُ (اثْنَيْنِ) يَعْنِي يُكْرَهُ
стр. 814
أَنْ يَتَجَرَّدَ ذَكَرَانِ أَوْ أُنْثَيَانِ (عُرْيًا) بِأَنْ يَنَامَا فِي إزَارٍ أَوْ لِحَافٍ وَاحِدٍ وَلَا ثَوْبٍ بَيْنَهُمَا (بِمَرْقَدٍ) مَحَلُّ الرُّقُودِ يَعْنِي النَّوْمَ.
وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «نَهَى عَنْ مُبَاشَرَةِ الرَّجُلِ الرَّجُلَ» .
وَثِنْتَيْنِ وَافْرُقْ فِي الْمَضَاجِعِ بَيْنَهُمْ ... لَوْ إخْوَةً مِنْ بَعْدِ عَشْرٍ تُسَدَّدْ
(وَ) كَذَا يُكْرَهُ الْتِصَاقُ (ثِنْتَيْنِ) يَعْنِي أُنْثَيَيْنِ «لِنَهْيِهِ ﷺ عَنْ مُبَاشَرَةِ الْمَرْأَةِ الْمَرْأَةَ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ» .
قُلْت: فَإِنْ مَسَّ أَحَدُهُمَا عَوْرَةَ الْآخَرِ حُرِّمَ عَلَى الْمَاسِّ؛ لِأَنَّ اللَّمْسَ كَالنَّظَرِ، وَأَوْلَى.
وَذَكَرَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي الرِّعَايَةِ وَقَيَّدَ الْكَرَاهَةَ بِكَوْنِهِمَا مُمَيَّزَيْنِ، ثُمَّ قَالَ فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا ذَكَرًا غَيْرَ زَوْجٍ وَسَيِّدٍ وَمَحْرَمٍ احْتَمَلَ التَّحْرِيمَ. قُلْت: إنْ لَزِمَ مِنْ ذَلِكَ الِاخْتِلَاءُ فَلَا شَكَّ فِي الْحُرْمَةِ.
وَإِلَّا فَكَذَلِكَ فِيمَا يَظْهَرُ. ثُمَّ رَأَيْته فِي الْآدَابِ مُصَرَّحًا.
(وَافْرُقْ) أَيُّهَا الْوَلِيُّ (فِي الْمَضَاجِعِ) جَمْعُ مَضْجَعٍ مَوْضِعُ الضُّجُوعِ يَعْنِي النَّوْمَ وَأَصْلُهُ وَضْعُ الْجَنْبِ بِالْأَرْضِ (بَيْنَهُمْ) أَيْ بَيْنَ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ مِنْ أَوْلَادِك وَمَنْ لَك عَلَيْهِمْ الْوِلَايَةُ وَلَا تَدَعْهُمْ يَنَامُونَ سَوِيَّةً وَلَوْ كَانُوا (إخْوَةً) سَدًّا لِبَابِ الذَّرَائِعِ وَحَسْمًا لِمَادَّةِ الْفَسَادِ، وَيَكُونُ ذَلِكَ مِنْك (مِنْ بَعْدِ) بُلُوغِهِمْ لِ (عَشْرٍ) مِنْ السِّنِينَ مِنْ حِينِ وِلَادَتِهِمْ، فَإِنْ فَعَلْت مَا أُمِرْت بِهِ (تُسَدَّدْ) أَيْ تُوَفَّقُ لِفِعْلِ الْخَيْرَاتِ وَتُقَوَّمُ لِسُلُوكِ طَرِيقِ الِاسْتِقَامَةِ. قَالَ فِي الْقَامُوسِ: سَدَّدَهُ تَسْدِيدًا قَوَّمَهُ، وَوَفَّقَهُ لِلسَّدَادِ أَيْ الصَّوَابِ مِنْ الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ. وَأَمَّا سِدَادُ الْقَارُورَةِ وَالثَّغْرِ فَبِالْكَسْرِ فَقَطْ، وَسِدَادٌ مِنْ عَوَزٍ وَعَيْشٍ لِمَا يُسَدُّ بِهِ الْخَلَّةَ وَقَدْ يُفْتَحُ أَوْ هُوَ لَحْنٌ. انْتَهَى. يَعْنِي أَنَّ الْإِنْسَانَ إذَا امْتَثَلَ لِأَوَامِرِ الشَّارِعِ كَانَ حَرِيًّا أَنْ يُوَفَّقَ لِلصَّوَابِ، أَوْ أَنَّ فِعْلَهُ الَّذِي فَعَلَهُ هُوَ الصَّوَابُ.
قَالَ عُلَمَاؤُنَا وَغَيْرُهُمْ: مَنْ بَلَغَ مِنْ الصِّبْيَانِ عَشْرَ سِنِينَ مُنِعَ مِنْ النَّوْمِ مَعَ أُخْتِهِ وَمَعَ مَحْرَمٍ وَغَيْرِهِمَا مُتَجَرِّدِينَ، وَهَذَا عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي الْمَذْهَبِ كَمَا فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَالرِّعَايَةِ وَاخْتَارَ أَكْثَرُ عُلَمَائِنَا وُجُوبَ التَّفْرِيقِ فِي ابْنِ سَبْعِ سِنِينَ فَأَكْثَرَ، وَأَنَّ لَهُ عَوْرَةً يَجِبُ حِفْظُهَا.
وَيُتَوَجَّهُ أَنْ يُقَالَ يَجُوزُ تَجَرُّدُ
стр. 815
مَنْ لَا حُكْمَ لِعَوْرَتِهِ، وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ مَعَ مُبَاشَرَةِ الْعَوْرَةِ لِوُجُوبِ حِفْظِهَا إذَنْ وَمَعَ عَدَمِ مُبَاشَرَتِهَا. فَإِنْ كَانَا ذَكَرَيْنِ أَوْ أُنْثَيَيْنِ فَإِنْ أُمِنَ ثَوَرَانُ الشَّهْوَةِ جَازَ، وَقَدْ يَحْتَمِلُ الْكَرَاهَةَ لِاحْتِمَالِ حُدُوثِهَا، وَإِنْ خِيفَ ثَوَرَانُهَا حَرُمَ عَلَى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ لِمَنْعِ النَّظَرِ حَيْثُ أُبِيحَ مَعَ خَوْفِ ثَوَرَانِهَا عَلَى نَصِّ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵁ وَاخْتَلَفَ فِيهِ الْأَصْحَابُ.
وَإِنْ كَانَا ذَكَرًا وَأُنْثَى فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا مَحْرَمًا فَكَذَلِكَ وَإِلَّا فَالتَّحْرِيمُ وَاضِحٌ لِمَعْنَى الْخَلْوَةِ وَمَظِنَّةِ الشَّهْوَةِ وَحُصُولِ الْفِتْنَةِ. وَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مُرُوا صِبْيَانَكُمْ» - وَلَفْظُ أَبِي دَاوُد: «مُرُوا أَوْلَادَكُمْ» - وَفِي لَفْظٍ: «مُرُوا أَبْنَاءَكُمْ بِالصَّلَاةِ لِسَبْعٍ» وَفِي لَفْظٍ فِي سَبْعِ سِنِينَ، «وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا فِي عَشْرٍ» - وَفِي لَفْظٍ: «اضْرِبُوهُمْ عَلَى تَرْكِهَا لِعَشْرٍ، وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ» . وَرَوَى ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي آدَابِ النِّسَاءِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «عَلِّمُوا أَوْلَادَكُمْ الصَّلَاةَ إذَا بَلَغُوا سَبْعَ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ إذَا بَلَغُوا عَشْرًا، وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ» . وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ رَبِيعِ بْنِ سَبُرَةَ الْجُهَنِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إذَا بَلَغَ الْغُلَامُ سَبْعَ سِنِينَ أُمِرَ بِالصَّلَاةِ، فَإِذَا بَلَغَ عَشْرًا ضُرِبَ عَلَيْهَا» . قَالَ الْإِمَامُ ابْنُ مُفْلِحٍ: إنْ صَحَّ فَالْمُرَادُ بِهِ الْمُعْتَادُ مِنْ اجْتِمَاعِ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ لِقَوْلِهِ ﷺ «لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ» فَأَمَّا إنْ كَانُوا ذُكُورًا أَوْ إنَاثًا فَعَلَى مَا سَبَقَ، فَأَمَّا الْمَحَارِمُ فَلَا مَنْعَ إلَّا ذُكُورًا وَإِنَاثًا، فَالْمَنْعُ وَالْكَرَاهَةُ مَعَ التَّجَرُّدِ مُحْتَمَلَةٌ لَا الْمَنْعُ مُطْلَقًا. انْتَهَى.
مَطْلَبٌ: فِي كَرَاهَةِ نَوْمِ الْمَرْءِ قَبْلَ غَسْلِ الْفَمِ وَالْيَدَيْنِ مِنْ الدَّسَمِ
وَيُكْرَهُ نَوْمُ الْمَرْءِ مِنْ قَبْلِ غَسْلِهِ ... مِنْ الدُّهْنِ وَالْأَلْبَانِ لِلْفَمِ وَالْيَدِ
(وَيُكْرَهُ) تَنْزِيهًا (نَوْمُ الْمَرْءِ) مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى إذَا أَكَلَ دَسَمًا لَهُ دُهْنِيَّةٌ أَوْ لَبَنًا (مِنْ قَبْلِ غَسْلِهِ) أَيْ غَسْلِ الْمَرْءِ الَّذِي أَكَلَ، وَمِثْلُهُ مَنْ بَاشَرَ ذَلِكَ
стр. 816
حَتَّى حَصَلَ لَهُ تَلْوِيثٌ بِهِ وَلَوْ لَمْ يَأْكُلْ (مِنْ الدُّهْنِ) الْجَارُ وَالْمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِغَسْلِهِ.
وَالدُّهْنُ كُلُّ مَا لَهُ دُهْنِيَّةٌ مِنْ الْوَدَكِ وَالسَّمْنِ وَالزَّيْتِ وَنَحْوِهَا (وَ) مِنْ (الْأَلْبَانِ) جَمْعُ لَبَنٍ لِأَنَّ لِأَثَرِهِ دَسَمًا وَزُهُومَةً وَقَدْ قَدَّمْنَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «مَنْ بَاتَ وَفِي يَدِهِ غَمَرٌ وَلَمْ يَغْسِلْهُ فَأَصَابَهُ شَيْءٌ فَلَا يَلُومَنَّ إلَّا نَفْسَهُ» إسْنَادٌ حَسَنٌ. رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُمْ.
قَالَ فِي النِّهَايَةِ: الْغَمَرُ بِالتَّحْرِيكِ الدَّسَمُ وَالزُّهُومَةُ مِنْ اللَّحْمِ كَالْوَضَرِ مِنْ السَّمْنِ، وَالْوَضَرُ الْأَثَرُ مِنْ غَيْرِ الطِّيبِ، وَمِنْهُ حَدِيثُ «جَعَلَ يَأْكُلُ وَيَتَتَبَّعُ بِاللُّقْمَةِ وَضَرَ الصَّحْفَةِ» أَيْ دَسَمَهَا وَأَثَرَ الطَّعَامِ فِيهَا.
وَفِي حَدِيثِ أُمِّ هَانِئٍ «فَسَكَبَتْ لَهُ فِي صَحْفَةٍ إنِّي لَأَرَى فِيهَا وَضَرَ الْعَجِينِ» .
وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ شَرِبَ لَبَنًا فَمَضْمَضَ، وَقَالَ: إنَّ لَهُ دَسَمًا» . وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا وَابْنُ مَاجَهْ وَغَيْرُهُمَا مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ ﵁ وَلَفْظُهُ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَلَبَ شَاةً وَشَرِبَ مِنْ لَبَنِهَا وَدَعَا بِمَاءٍ فَمَضْمَضَ فَاهُ وَقَالَ: إنَّ لَهُ دَسَمًا»
وَأَمَّا مَا رَوَاهُ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ الضَّحَّاكِ عَنْ أَنَسٍ ﵁ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ شَرِبَ لَبَنًا فَلَمْ يَتَمَضْمَضْ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ» فَضَعِيفٌ، وَعَلَى فَرْضِ ثُبُوتِهِ فَيَكُونُ تَرْكُهُ ﷺ لِبَيَانِ الْجَوَازِ، وَنَحْنُ إنَّمَا نَقُولُ بِالْكَرَاهَةِ حَيْثُ تَرَكَ غَسْلَ أَثَرِ الدُّهْنِ وَاللَّبَنِ وَنَحْوِهِمَا مِمَّا لَهُ دُسُومَةٌ عِنْدَ إرَادَةِ النَّوْمِ (لِلْفَمِ) مُتَعَلِّقٌ بِغَسْلِهِ (وَالْيَدِ) مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ «إنَّ الشَّيْطَانَ حَسَّاسٌ لَحَّاسٌ فَاحْذَرُوهُ عَلَى أَنْفُسِكُمْ، مَنْ بَاتَ وَفِي يَدِهِ رِيحُ غَمَرٍ فَأَصَابَهُ شَيْءٌ فَلَا يَلُومَنَّ إلَّا نَفْسَهُ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَالْحَاكِمُ. وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى هَذَا فِي آدَابِ الْأَكْلِ وَهَذَا إنَّمَا ذُكِرَ هُنَا لِأَنَّهُ مِنْ آدَابِ النَّوْمِ أَيْضًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
مَطْلَبٌ: فِي كَرَاهَةِ النَّوْمِ بَعْدَ الْفَجْرِ وَالْعَصْرِ
وَنَوْمُك بَعْدَ الْفَجْرِ وَالْعَصْرِ أَوْ عَلَى ... قَفَاك وَرَفْعُ الرِّجْلِ فَوْقَ أُخْتِهَا اُمْدُدْ
(وَ) يُكْرَهُ (نَوْمُك) أَيُّهَا الْمُكَلَّفُ (بَعْدَ) صَلَاةِ (الْفَجْرِ) لِأَنَّهَا سَاعَةٌ
стр. 817
تُقَسَّمُ فِيهَا الْأَرْزَاقُ فَلَا يَنْبَغِي النَّوْمُ فِيهَا، فَإِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ رَأَى ابْنًا لَهُ نَائِمًا نَوْمَةَ الصُّبْحَةِ فَقَالَ لَهُ: قُمْ أَتَنَامُ فِي السَّاعَةِ الَّتِي تُقَسَّمُ فِيهَا الْأَرْزَاقُ.
وَعَنْ بَعْضِ التَّابِعِينَ أَنَّ الْأَرْضَ تَعِجُّ مِنْ نَوْمِ الْعَالِمِ بَعْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ وَقْتُ طَلَبِ الرِّزْقِ وَالسَّعْيِ فِيهِ شَرْعًا وَعُرْفًا عِنْدَ الْعُقَلَاءِ. وَفِي الْحَدِيثِ «اللَّهُمَّ بَارِكْ لِأُمَّتِي فِي بُكُورِهَا» .
وَفِي غَرِيبِ أَبِي عُبَيْدٍ قَالَ: وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ ﵁ «إيَّاكَ وَنَوْمَةَ الْغَدَاةِ فَإِنَّهَا مَبْخَرَةٌ مَجْفَرَةٌ مَجْعَرَةٌ» قَالَ: وَمَعْنَى مَبْخَرَةٍ تَزِيدُ فِي الْبُخَارِ وَتُغَلِّظُهُ.
وَمَجْفَرَةٌ قَاطِعَةٌ لِلنِّكَاحِ.
وَمَجْعَرَةٌ مُيَبَّسَةٌ لِلطَّبِيعَةِ ".
(وَ) يُكْرَهُ نَوْمُك أَيْضًا بَعْدَ (الْعَصْرِ) فَإِنَّهُ يُخَافُ عَلَى عَقْلِ مَنْ نَامَ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ.
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵁: يُكْرَهُ أَنْ يَنَامَ بَعْدَ الْعَصْرِ يُخَافُ عَلَى عَقْلِهِ.
وَرَوَى أَبُو يَعْلَى فِي مُسْنَدِهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «مَنْ نَامَ بَعْدَ الْعَصْرِ فَاخْتُلِسَ عَقْلُهُ فَلَا يَلُومَنَّ إلَّا نَفْسَهُ» حَدِيثٌ ضَعِيفٌ.
قَالَ فِي شَرْحِ أَوْرَادِ أَبِي دَاوُد: كُلَّمَا قَرُبَ النَّوْمُ مِنْ الطَّرَفَيْنِ يَعْنِي طَرَفَيْ النَّهَارِ قَلَّ نَفْعُهُ وَكَثُرَ ضَرَرُهُ.
مَطْلَبٌ: فِي كَرَاهَةِ النَّوْمِ عَلَى الْقَفَا وَوَضْعِ الرِّجْلِ فَوْقَ أُخْتِهَا
(أَوْ) أَيْ وَيُكْرِهُ نَوْمُك مُسْتَلْقِيًا (عَلَى قَفَاك) أَيْ عَلَى ظَهْرِك (وَرَفْعُ الرِّجْلِ) أَيْ رَفْعُ الْمُسْتَلْقِي إحْدَى رِجْلَيْهِ (فَوْقَ أُخْتِهَا) أَيْ الرِّجْلِ الْأُخْرَى بَلْ اُتْرُكْ هَذِهِ النَّوْمَةَ، وَاتْرُكْ رَفْعَ إحْدَى رِجْلَيْك عَلَى الْأُخْرَى وَ (اُمْدُدْ) لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا لِتَسْلَمَ مِنْ الْمَكْرُوهِ وَتَفُوزَ بِالِامْتِثَالِ الْوَارِدِ عَنْ الشَّارِعِ ﷺ .
أَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ أَنَّهُ قَالَ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَضَعَ الرَّجُلُ إحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى وَهُوَ مُسْتَلْقٍ عَلَى ظَهْرِهِ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ ﵁ مَرْفُوعًا.
وَلِأَنَّ ذَلِكَ مَظِنَّةُ انْكِشَافِ الْعَوْرَةِ لَا سِيَّمَا إذَا هَبَّتْ الرِّيحُ فَإِنْ كَانَ لَهُ سَرَاوِيلُ فَقَالَ
стр. 818
الْإِمَامُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ لَا بَأْسَ بِهِ؛ لِمَا قَدَّمْنَا بِهِ فِي آدَابِ الْمَسَاجِدِ أَنَّ عُمَرَ ﵁ «رَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مُسْتَلْقِيًا فِي الْمَسْجِدِ وَاضِعًا إحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي الرَّجُلِ يَسْتَلْقِي وَيَضَعُ إحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى: لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ قَدْ رُوِيَ.
وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ بِأَنَّ الْكَرَاهَةَ فِي حَقِّ مَنْ لَا يَأْمَنُ انْكِشَافَ الْعَوْرَةِ كَمَا قَالَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ، وَعَدَمُهَا فِي حَقِّ مَنْ أَمِنَ ذَلِكَ كَمَنْ لَهُ سَرَاوِيلُ. وَيُحْمَلُ عَلَى ذَلِكَ نَصُّ الْإِمَامِ أَحْمَدَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ.
وَأَمَّا لَوْ وَضَعَ إحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى أَوْ اسْتَلْقَى، وَلَمْ يَضَعْ إحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى فَلَا كَرَاهَةَ. وَإِنَّمَا هِيَ عَلَى الْقَوْلِ بِهَا حَيْثُ اجْتَمَعَ الِاسْتِلْقَاءُ وَوَضْعُ إحْدَى الرِّجْلَيْنِ عَلَى الْأُخْرَى لَكِنَّ عِبَارَةَ الْإِقْنَاعِ صَرِيحَةٌ فِي كَرَاهَةِ نَوْمِهِ عَلَى قَفَاهُ إنْ خَافَ انْكِشَافَ عَوْرَتِهِ، وَعِبَارَتُهُ: وَيُكْرَهُ نَوْمُهُ عَلَى بَطْنِهِ، وَعَلَى قَفَاهُ إنْ خَافَ انْكِشَافَ عَوْرَتِهِ، وَبَعْدَ الْعَصْرِ وَالْفَجْرِ وَتَحْتَ السَّمَاءِ مُتَجَرِّدًا. انْتَهَى.
وَفِي إعْلَامِ الْمُوَقِّعِينَ لِلْإِمَامِ الْمُحَقِّقِ ابْنِ الْقَيِّمِ فِي الْمَسَائِلِ الَّتِي حَلَفَ عَلَيْهَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵁ وَسُئِلَ عَنْ الْمَرْأَةِ تَسْتَلْقِي عَلَى قَفَاهَا وَتَنَامُ يُكْرَهُ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: إيْ وَاَللَّهِ.
وَيُرْوَى عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّهُ كَرِهَهُ. وَرَوَاهُ الْخَلَّالُ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ. وَكَانَ ذَلِكَ مَعَ كَوْنِهِ مَظِنَّةَ انْكِشَافِ الْعَوْرَةِ أَقْرَبَ لِوُصُولِ الْأَمْرِ الْفَظِيعِ إلَيْهَا، وَهُوَ وَسِيلَةٌ لِلطَّمَعِ فِيهَا، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
مَطْلَبٌ: نَوْمُ الْقَائِلَةِ
مُسْتَحَبٌّ.
(تَتِمَّةٌ) :
الْقَائِلَةُ نِصْفُ النَّهَارِ مُسْتَحَبٌّ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵄: كَانَ أَبِي يَنَامُ نِصْفَ النَّهَارِ شِتَاءً كَانَ أَوْ صَيْفًا لَا يَدَعُهَا، وَيَأْخُذُنِي بِهَا، وَيَقُولُ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁: قِيلُوا فَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَا تَقِيلُ. قُلْت وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ وَالْبَزَّارُ عَنْ أَنَسٍ ﵁ مَرْفُوعًا، وَلَمْ يَزِدْ فِي التَّمْيِيزِ عَلَى ذَلِكَ. وَقَالَ فِي تَسْهِيلِ السَّبِيلِ حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَقِيلَ ضَعِيفٌ. وَقَالَ الْعَلْقَمِيُّ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: بِجَانِبِهِ عَلَامَةُ الْحَسَنِ
стр. 819
بِخَطِّ الْمُؤَلِّفِ يَعْنِي الْجَلَالَ السُّيُوطِيَّ وَأَنَّهُ رَمَزَ بِلِحُسْنِهِ. وَقَالَ الْمُنَاوِيُّ: فِي إسْنَادِهِ كَذَّابٌ، فَقَوْلُ الْمُؤَلِّفِ حَسَنٌ غَيْرُ صَوَابٍ. انْتَهَى.
قَالَ فِي النِّهَايَةِ: وَالْقَيْلُولَةُ الِاسْتِرَاحَةُ نِصْفَ النَّهَارِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا نَوْمٌ. يُقَالُ: قَالَ يَقِيلُ قَيْلُولَةً فَهُوَ قَائِلٌ.
وَمِنْهُ حَدِيثُ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ مَا مُهَاجِرٌ كَمَنْ قَالَ: أَيْ لَيْسَ مَنْ هَاجَرَ عَنْ وَطَنِهِ أَوْ خَرَجَ فِي الْهَاجِرَةِ كَمَنْ سَكَنَ فِي بَيْتِهِ عِنْدَ الْقَائِلَةِ وَأَقَامَ بِهِ. قَالَ: وَقَدْ تَكَرَّرَ ذِكْرُ الْقَائِلَةِ، وَمَا تَصَرَّفَ مِنْهَا فِي الْحَدِيثِ.
وَمِنْهُ فِي حَدِيثِ أُمِّ مَعْبَدٍ
جَزَى اللَّهُ رَبُّ النَّاسِ خَيْرَ جَزَائِهِ ... رَفِيقَيْنِ قَالَا خَيْمَتَيْ أُمِّ مَعْبَدِ
أَيْ نَزَلَا فِيهَا عِنْدَ الْقَائِلَةِ إلَّا أَنَّهُ عَدَّاهُ بِغَيْرِ حَرْفِ جَرٍّ.
لَكِنَّ مُرَادَ الْعُلَمَاءِ اسْتِحْبَابُ النَّوْمِ وَقْتَ الْقَائِلَةِ. فَقَدْ رَوَى الْخَلَّالُ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: «ثَلَاثٌ مَنْ ضَبَطَهُنَّ فَقَدْ ضَبَطَ الصَّوْمَ مَنْ قَالَ: وَتَسَحَّرَ، وَأَكَلَ قَبْلَ أَنْ يَشْرَبَ» .
وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: نَوْمَةُ نِصْفِ النَّهَارِ تَزِيدُ فِي الْعَقْلِ. قَالَ الشَّاعِرُ
أَلَا إنَّ نَوْمَاتِ الضُّحَى تُورِثُ الْفَتَى ... خَبَالًا وَنَوْمَاتُ الْعُصُورِ جُنُونُ
أَلَا إنَّ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ نَوْمَةً ... تُحَاكِي لِأَصْحَابِ الْعُقُولِ فُنُونُ
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «اسْتَعِينُوا بِطَعَامِ السَّحَرِ عَلَى صِيَامِ النَّهَارِ، وَالْقَيْلُولَةِ عَلَى قِيَامِ اللَّيْلِ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ ".
(تَنْبِيهَاتٌ) :
(الْأَوَّلُ) : قَالَ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى: ظَاهِرُ مَا ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ أَنَّ النَّوْمَ بِالنَّهَارِ لَا يُكْرَهُ شَرْعًا شِتَاءً وَلَا صَيْفًا لِعَدَمِ دَلِيلِ الْكَرَاهَةِ إلَّا بَعْدَ الْعَصْرِ، أَيْ وَبَعْدَ الْفَجْرِ كَمَا هُوَ وَبَعْدَ الْفَجْرِ كَمَا هُوَ فِي كَلَامِ النَّاظِمِ وَهُوَ مِنْ فُحُولِ الْأَصْحَابِ، وَلِذَا قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ وَجَزَمَ بَعْضُ مُتَأَخِّرِي الْأَصْحَابِ قَالَ أَظُنُّهُ صَاحِبَ النَّظْمِ بِكَرَاهَةِ النَّوْمِ بَعْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ، وَأَنَّهُ تُسْتَحَبُّ الْقَائِلَةُ.
قَالَ: وَالْقَائِلَةُ النَّوْمُ فِي الظَّهِيرَةِ. قَالَهُ أَهْلُ اللُّغَةِ. وَيُرْوَى أَنَّ الْإِمَامَ عُمَرَ ﵁ لَمَّا قَدِمَ الشَّامَ رَأَى مُعَاوِيَةَ حَمَلَ
стр. 820
اللَّحْمَ، فَقَالَ يَا مُعَاوِيَةُ مَا هَذَا لَعَلَّك تَنَامُ نَوْمَةَ الضُّحَى؟ فَقَالَ: يَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِّمْنِي مِمَّا عَلَّمَك اللَّهُ.
وَاقْتَصَرَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَلَى مَا ذَكَرَهُ بَعْضُ الْأَطِبَّاءِ أَنَّ نَوْمَ النَّهَارِ رَدِيءٌ يُورِثُ الْأَمْرَاضَ الرُّطُوبِيَّةَ وَالنَّوَازِلَ، وَيُفْسِدُ اللَّوْنَ، وَيُورِثُ الطِّحَالَ، وَيُرْخِي الْعَصَبَ، وَيُكْسِلُ وَيُضْعِفُ الشَّهْوَةَ، إلَّا فِي الصَّيْفِ وَقْتَ الْهَاجِرَةِ. وَأَرْدَؤُهُ النَّوْمُ أَوَّلِ النَّهَارِ، وَأَرْدَأُ مِنْهُ بَعْدَ الْعَصْرِ.
مَطْلَبٌ: فِي انْقِسَامِ النَّوْمِ إلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ، وَأَنَّ النَّوْمَ أَخُو الْمَوْتِ
وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: النَّوْمُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ، نَوْمَةُ الْخُرْقِ، وَنَوْمَةُ الْخَلْقِ وَنَوْمَةُ الْحُمْقِ. فَنَوْمَةُ الْخُرْقِ نَوْمَةُ الضُّحَى، وَنَوْمَةُ الْخَلْقِ هِيَ الَّتِي أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِهَا أُمَّتَهُ فَقَالَ «قِيلُوا فَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَا تَقِيلُ» وَنَوْمَةُ الْحُمْقِ بَعْدَ الْعَصْرِ لَا يَنَامُهَا إلَّا سَكْرَانُ أَوْ مَجْنُونٌ.
فَنَوْمُ الصُّبْحَةِ مُضِرٌّ جِدًّا بِالْبَدَنِ لِأَنَّهُ يُرْخِيهِ وَيُفْسِدُ الْفَضَلَاتِ الَّتِي يَنْبَغِي تَحْلِيلُهَا بِالرِّيَاضَةِ.
وَقَالَ سَيِّدُنَا عَلِيٌّ ﵁: مِنْ الْجَهْلِ النَّوْمُ أَوَّلَ النَّهَارِ، وَالضَّحِكُ مِنْ غَيْرِ عُجْبٍ وَالْقَائِلَةُ تَزِيدُ فِي الْعَقْلِ.
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شُبْرُمَةَ: نَوْمُ نِصْفِ النَّهَارِ يَعْدِلُ شَرْبَةَ دَوَاءٍ، يَعْنِي فِي الصَّيْفِ انْتَهَى.
(الثَّانِي) : النَّوْمُ أَخُو الْمَوْتِ، وَلِذَا لَا يَنَامُ أَهْلُ الْجَنَّةِ، وَلَكِنَّهُ جُعِلَ لِأَجْلِ رَاحَةِ الْبَدَنِ لِيَنْهَضَ الْإِنْسَانُ بَعْدَهُ إلَى طَاعَةِ رَبِّهِ.
فَقَلِيلُهُ خَيْرٌ مِنْ كَثِيرِهِ. وَيُرْوَى أَنَّ الْمَسِيحَ ﵇ قَالَ: خَلْقَانِ أَكْرَهُهُمَا النَّوْمُ مِنْ غَيْرِ سَهَرٍ، وَالضَّحِكُ مِنْ غَيْرِ عُجْبٍ، وَالثَّالِثَةُ الْعُظْمَى: إعْجَابُ الْمَرْءِ بِعَمَلِهِ. وَقَالَ دَاوُد لِابْنِهِ سُلَيْمَانَ ﵉: إيَّاكَ وَكَثْرَةَ النَّوْمِ فَإِنَّهُ يُفْقِرُك إذَا احْتَاجَ النَّاسُ إلَى أَعْمَالِهِمْ.
وَقَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ: يَا بُنَيَّ إيَّاكَ وَكَثْرَةَ النَّوْمِ وَالْكَسَلَ وَالضَّجِرَ، فَإِنَّك إذَا كَسِلْت لَمْ تُؤَدِّ حَقًّا، وَإِذَا ضَجِرْت لَمْ تَصْبِرْ عَلَى حَقٍّ. وَقَالَتْ أُمُّ سُلَيْمَانَ ﵇ لَهُ: يَا بُنَيَّ لَا تُكْثِرْ مِنْ النَّوْمِ فَإِنَّ النَّوَّامَ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُفْلِسًا.
стр. 821
مَطْلَبٌ: فِي آفَاتِ كَثْرَةِ النَّوْمِ
قَالَ فِي شَرْحِ أَوْرَادِ أَبِي دَاوُد: وَأَمَّا كَثْرَةُ النَّوْمِ فَلَهُ آفَاتٌ: مِنْهَا أَنَّهُ دَلِيلٌ عَلَى الْفُسُولَةِ وَالضَّعْفِ وَعَدَمِ الذَّكَاءِ وَالْفِطْنَةِ، مُسَبِّبٌ لِلْكَسَلِ وَعَادَةِ الْعَجْزِ وَتَضْيِيعِ الْعُمْرِ فِي غَيْرِ نَفْعٍ وَقَسَاوَةِ الْقَلْبِ وَغَفْلَتِهِ وَمَوْتِهِ، وَالشَّاهِدُ عَلَى هَذَا مَا يُعْلَمُ ضَرُورَةً وَيُوجَدُ مُشَاهَدَةً وَيُنْقَلُ مُتَوَاتِرًا مِنْ كَلَامِ الْأُمَمِ وَالْحُكَمَاءِ السَّالِفِينَ وَأَشْعَارِ الْعَرَبِ وَصَحِيحِ الْأَحَادِيثِ وَآثَارِ مَنْ سَلَفَ وَخَلَفَ مِمَّا لَا يَحْتَاجُ إلَى الِاسْتِشْهَادِ عَلَيْهِ اخْتِصَارًا وَاقْتِصَارًا عَلَى شُهْرَتِهِ. انْتَهَى.
مَطْلَبٌ: فِي أَنَّ مُدَافَعَةَ النَّوْمِ تُورِثُ الْآفَاتِ ، وَأَنَّ الْيَقَظَةَ أَفْضَلُ مِنْ النَّوْمِ لِمَنْ يَقَظَتُهُ طَاعَةٌ
(الثَّالِثُ) : لَا يَنْبَغِي مُدَافَعَةُ النَّوْمِ كَثِيرًا، وَإِدْمَانُ السَّهَرِ، فَإِنَّ مُدَافَعَةَ النَّوْمِ وَهَجْرَهُ مُورِثٌ لِآفَاتٍ أُخَرَ مِنْ سُوءِ الْمِزَاجِ وَيُبْسِهِ. وَانْحِرَافِ النَّفْسِ، وَجَفَافِ الرُّطُوبَاتِ الْمُعِينَةِ عَلَى الْفَهْمِ وَالْعَمَلِ، وَتُورِثُ أَمْرَاضًا مُتْلِفَةً.
وَمَا قَامَ الْوُجُودُ إلَّا بِالْعَدْلِ. فَمَنْ اعْتَصَمَ بِهِ فَقَدْ أَخَذَ بِحَظِّهِ مِنْ مَجَامِعِ الْخَيْرِ. وَفِي الْآدَابِ الْكُبْرَى قَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: النُّعَاسُ يُذْهِبُ الْعَقْلَ، وَالنَّوْمُ يَزِيدُ فِيهِ. فَالنَّوْمُ مِنْ نِعَمِ اللَّهِ جَلَّ شَأْنُهُ عَلَى عِبَادِهِ، وَلِهَذَا امْتَنَّ عَلَيْهِمْ فِي كِتَابِهِ.
(الرَّابِعُ) الْيَقَظَةُ أَفْضَلُ مِنْ النَّوْمِ لَا مُطْلَقًا، بَلْ لِمَنْ تَكُونُ يَقَظَتُهُ طَاعَةً لَا لِمَنْ تَكُونُ يَقَظَتُهُ مَعْصِيَةً. فَإِنْ كَانَ لَوْ لَمْ يَنَمْ لَمْ يَشْتَغِلْ بِخَيْرٍ وَرُبَّمَا خَالَطَ أَهْلَ الْغَفْلَةِ وَتَحَدَّثَ مَعَهُمْ فَضْلًا عَنْ إتْيَانِهِ الْعَظَائِمَ مِنْ الْخَطَايَا وَالْجَرَائِمِ، فَالنَّوْمُ خَيْرٌ لَهُ، بَلْ رُبَّمَا يَكُونُ وَاجِبًا عَلَيْهِ إنْ كَانَ لَا يَتَخَلَّصُ مِنْ مُلَابَسَةِ الْحَرَامِ إلَّا بِهِ، إذْ فِي النَّوْمِ الصَّمْتُ وَالسَّلَامَةُ، كَمَا قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ الصَّمْتُ وَالنَّوْمُ فِيهِ أَفْضَلُ أَعْمَالِهِمْ.
وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ﵀ وَرَضِيَ عَنْهُ -: كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ إذَا تَفَرَّغُوا أَنْ يَنَامُوا طَلَبًا لِلسَّلَامَةِ. فَإِذَنْ النَّوْمُ عَلَى قَصْدِ طَلَبِ السَّلَامَةِ وَنِيَّةِ قِيَامِ اللَّيْلِ قُرْبَةٌ.
وَأَمَّا إذَا كَانَ لَوْ لَمْ يَنَمْ لَانْبَعَثَ فِي الْعِبَادَةِ مِنْ الْأَذْكَارِ وَالْوَظَائِفِ فَهَذَا يَقَظَتُهُ خَيْرٌ مِنْ نَوْمِهِ.
فَإِذَا نَامَ لِأَجْلِ أَنْ يَذْهَبَ عَنْهُ التَّعَبُ وَالْكَسَلُ وَالسَّآمَةُ وَيَنْهَضَ إلَى الْوَظَائِفِ وَالْأَذْكَارِ عَلَى غَايَةٍ مِنْ النَّشَاطِ وَصَفَاءِ الذِّهْنِ وَالْخَاطِرِ، فَنَوْمُهُ أَيْضًا عِبَادَةٌ.
стр. 822
وَحَاصِلُ هَذَا كُلِّهِ مَنْ كَانَ فِي مَقَامِ الْمُرَاقَبَةِ فِي جَمِيعِ حَرَكَاتِهِ وَسَكَنَاتِهِ فَكُلُّ حَرَكَاتِهِ وَسَكَنَاتِهِ قُرُبَاتٌ وَطَاعَاتٌ. فَكَمْ بَيْنَ الْعَارِفِ الْمُتَيَقِّظِ وَالْجَاهِلِ الْغَفْلَانِ مِنْ الْبُعْدِ وَالْبَوْنِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانَ وَمَا يَكُونُ. وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
مَطْلَبٌ: فِي كَرَاهَةِ النَّوْمِ فَوْقَ سَطْحٍ غَيْرِ مُحَجَّرٍ
وَيُكْرَهُ نَوْمٌ فَوْقَ سَطْحٍ وَلَمْ يُحَطْ ... عَلَيْهِ بِتَحْجِيرٍ لِخَوْفٍ مِنْ الرَّدِي
(وَيُكْرَهُ) تَنْزِيهًا عَلَى الْأَصَحِّ لِأَنَّ الْغَالِبَ السَّلَامَةُ، وَمَا غَالِبُهُ السَّلَامَةُ لَا يَحْرُمُ فِعْلُهُ وَيَكُونُ النَّهْيُ عَنْهُ لِلْأَدَبِ.
قَالَ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى: وَيَتَوَجَّهُ قَوْلٌ ثَالِثٌ، وَهُوَ اخْتِلَافُ ذَلِكَ بِالْأَشْخَاصِ وَعَادَاتِهِمْ وَصِغَرِ الْأَسْلِحَةِ وَوُسْعِهَا نَظَرًا لِلْمَعْنَى (نَوْمٌ) مِنْ مُكَلَّفٍ وَلَعَلَّهُ وَتَمْكِينُ وَلِيِّ غَيْرِهِ مِنْهُ (فَوْقَ سَطْحٍ) لِبَيْتٍ وَلَعَلَّ مِثْلَهُ شَاهِقٌ مِنْ الْجِبَالِ حَيْثُ خِيفَ مِنْهُ السُّقُوطُ (وَ) الْحَالُ أَنَّ لِلسَّطْحِ وَنَحْوِهِ (لَمْ يُحَطْ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى جَوَانِبِهِ (بِتَحْجِيرٍ) يَمْنَعُ مِنْ السُّقُوطِ عَنْ الْحَائِطِ. وَالْمُرَادُ بِالتَّحْجِيرِ هُنَا الْحُجْرَةُ الَّتِي تُحَاطُ عَلَى السَّطْحِ؛ لِأَنَّهَا تَمْنَعُ صَاحِبَهَا النَّائِمَ مِنْ الْوُقُوعِ، لِأَنَّ النَّوْمَ زَوَالُ شُعُورٍ وَعَقْلٍ، وَقَدْ قِيلَ لِلْعَقْلِ حِجْرٌ لِأَنَّهُ يَحْجُرُ عَلَى صَاحِبِهِ الْجَهْلَ لَا يَقَعُ فِيهِ.
إنَّمَا كُرِهَ النَّوْمُ عَلَى السَّطْحِ الَّذِي لَا تَحْجِيرَ عَلَيْهِ (لِ) أَجْلِ (خَوْفٍ) عَلَى النَّائِمِ (مِنْ) الْفِعْلِ (الرَّدِيءِ) أَيْ الْهُبُوطِ وَالسُّقُوطِ وَالتَّرَدِّي عَنْ السَّطْحِ الْمُؤَدِّي إلَى إتْلَافِ السَّاقِطِ غَالِبًا. وَالشَّارِعُ طَبِيبُ الْأَبْدَانِ، وَمُقَوِّمُ الْأَدْيَانِ، فَلِشِدَّةِ شَفَقَتِهِ عَلَى خَلْقِ اللَّهِ نَهَاهُمْ عَنْ النَّوْمِ كَذَلِكَ وَيَجْرِي كَوْنُ التَّحْجِيرِ مِثْلَ مُؤْخِرَةِ الرَّحْلِ.
قَالَ مُثَنَّى: قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ ﵁: مَا تَقُولُ فِي الرَّجُلِ يَنَامُ عَلَى سَطْحٍ لَيْسَ بِمُحَجَّرٍ؟ قَالَ مَكْرُوهٌ وَيَجْزِيهِ الذِّرَاعُ مِثْلُ آخِرَةِ الرَّحْلِ.
أَخْرَجَ أَبُو دَاوُد عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَلِيٍّ يَعْنِي ابْنَ شَيْبَانَ عَنْ أَبِيهِ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ بَاتَ عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ لَيْسَ لَهُ حِجَارٌ فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ الذِّمَّةُ» قَالَ الْحَافِظُ الْمُنْذِرِيُّ: هَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَتِنَا: حِجَارٌ بِالرَّاءِ بَعْدَ الْأَلْفِ.
وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ حِجَابٌ بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَهُوَ بِمَعْنَاهُ. قَالَ فِي النِّهَايَةِ: الْحِجَارُ جَمْعُ حِجْرٍ بِالْكَسْرِ هُوَ الْحَائِطُ أَوْ مِنْ الْحُجْرَةِ
стр. 823
وَهِيَ حَظِيرَةُ الْإِبِلِ وَيُرْوَى حِجَابٌ بِالْبَاءِ وَهُوَ مَا يَمْنَعُ مِنْ السُّقُوطِ. وَرَوَاهُ الْخَطَّابِيُّ فِي مَعَالِمِ السُّنَنِ حَجَا وَقَالَ يُرْوَى بِكَسْرِ الْحَاءِ وَفَتْحِهَا وَمَعْنَاهُ فِيهَا مَعْنَى السِّتْرِ الْمَانِعِ مِنْ السُّقُوطِ بِالْعَقْلِ، وَالْفَتْحُ يُرِيدُ النَّاحِيَةَ وَالطَّرْفَ. وَأَحْجَاءُ الشَّيْءِ نَوَاحِيهِ وَاحِدُهَا حَجَا. قَالَ فِي النِّهَايَةِ: أَيْ لِكُلِّ أَحَدٍ مِنْ اللَّهِ عَهْدٌ بِالْحِفْظِ وَالْكِلَاءَةِ، فَإِذَا أَلْقَى بِيَدِهِ إلَى التَّهْلُكَةِ أَوْ فَعَلَ مَا حُرِّمَ عَلَيْهِ أَوْ خَالَفَ مَا أُمِرَ بِهِ خَذَلَتْهُ ذِمَّةُ اللَّهِ.
وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ جَابِرٍ ﵁ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَنَامَ الرَّجُلُ عَلَى سَطْحٍ لَيْسَ بِمَحْجُورٍ عَلَيْهِ» . قَالَ التِّرْمِذِيُّ: غَرِيبٌ. وَالطَّبَرَانِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «مَنْ رَمَانَا بِاللَّيْلِ فَلَيْسَ مِنَّا، وَمَنْ رَقَدَ عَلَى سَطْحٍ لَا جِدَارَ لَهُ فَمَاتَ فَدَمُهُ هَدَرٌ» . وَعَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ قَالَ: كُنَّا بِفَارِسَ وَعَلَيْنَا أَمِيرٌ يُقَالُ لَهُ زُهَيْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ فَأَبْصَرَ إنْسَانًا فَوْقَ بَيْتٍ أَوْ إجَّارٍ لَيْسَ حَوْلَهُ شَيْءٌ، فَقَالَ: لِي سَمِعْت فِي هَذَا شَيْئًا؟ قُلْت: لَا. قَالَ: حَدَّثَنِي رَجُلٌ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «مَنْ بَاتَ فَوْقَ إجَّارٍ أَوْ فَوْقَ بَيْتٍ لَيْسَ حَوْلَهُ شَيْءٌ يَرُدُّ رِجْلَيْهِ فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ الذِّمَّةُ، وَمَنْ رَكِبَ الْبَحْرَ بَعْدَ مَا يَرْتَجُّ فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ الذِّمَّةُ» رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ مَرْفُوعًا هَكَذَا وَمَوْقُوفًا وَرُوَاتُهُمَا ثِقَاتٌ، وَالْبَيْهَقِيُّ مَرْفُوعًا.
وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبَيْهَقِيِّ عَنْ أَبِي عِمْرَانَ أَيْضًا قَالَ: كُنْت مَعَ زُهَيْرٍ الشَّنَوِيِّ فَأَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ نَائِمٍ عَلَى ظَهْرِ جِدَارٍ وَلَيْسَ لَهُ مَا يَدْفَعُ رِجْلَيْهِ فَضَرَبَ بِرِجْلِهِ ثُمَّ قَالَ قُمْ، ثُمَّ قَالَ زُهَيْرٌ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ نَحْوَ مَا تَقَدَّمَ.
قَالَ الْحَافِظُ الْمُنْذِرِيُّ: الْإِجَّارُ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَتَشْدِيدِ الْجِيمِ هُوَ السَّطْحُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 824
مَطْلَبٌ: يُكْرَهُ الْجُلُوسُ بَيْنَ الظِّلِّ وَالشَّمْسِ
وَيُكْرَهُ بَيْنَ الظِّلِّ وَالْحَرِّ جِلْسَةٌ ... وَنَوْمٌ عَلَى وَجْهِ الْفَتَى الْمُتَمَدِّدِ
(وَيُكْرَهُ) تَنْزِيهًا (بَيْنَ الظِّلِّ) أَصْلُ الظِّلِّ السِّتْرُ، وَمِنْهُ أَنَا فِي ظِلِّ فُلَانٍ، وَمِنْهُ ظِلُّ الْجَنَّةِ، وَظِلُّ شَجَرِهَا، وَظِلُّ اللَّيْلِ: سَوَادُهُ، وَظِلُّ الشَّمْسِ: مَا سَتَرَ الشُّخُوصَ مِنْ مَسْقَطِهَا. ذَكَرَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
قَالَ: وَالظِّلُّ يَكُونُ غُدْوَةً وَعَشِيَّةً مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ وَآخِرِهِ، وَالْفَيْءُ لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ الزَّوَالِ؛ لِأَنَّهُ فَاءَ أَيْ رَجَعَ (وَ) بَيْنَ (الْحَرِّ) ضِدُّ الْبَرْدِ، وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا: مَا قَابَلَ الظِّلَّ وَفِي نُسَخٍ: الشَّمْسُ بَدَلَ الْحَرِّ وَهُوَ أَوَّلُ (جِلْسَةٌ) مِنْ الْجُلُوسِ، وَهِيَ بِالْكَسْرِ حَالَةُ الْجَالِسِ، وَكَذَا يُكْرَهُ النَّوْمِ أَيْضًا.
قَالَ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى: يُكْرَهُ. الْجُلُوسُ بَيْنَ الشَّمْسِ وَالظِّلِّ.
قِيلَ لِلْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵁ يُكْرَهُ الْجُلُوسُ بَيْنَ الشَّمْسِ وَالظِّلِّ؟ قَالَ: هَذَا مَكْرُوهٌ أَلَيْسَ قَدْ نُهِيَ عَنْ ذَا. وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ: صَحَّ النَّهْيُ فِيهِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فَأَخْرَجَ الْإِمَامُ عَنْ أَبِي عِيَاضٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ نَهَى أَنْ يَجْلِسَ الرَّجُلُ بَيْنَ الضَّحِّ وَالظِّلِّ وَقَالَ مَجْلِسُ الشَّيْطَانِ» وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ، وَرَوَاهُ الْبَزَّارُ بِنَحْوِهِ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ وَابْنُ مَاجَهْ بِالنَّهْيِ وَحْدَهُ مِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ.
قَالَ الْحَافِظُ الْمُنْذِرِيُّ: الضَّحُّ - بِفَتْحِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَبِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ - وَهُوَ ضَوْءُ الشَّمْسِ إذَا اسْتَمْكَنَ مِنْ الْأَرْضِ، وَقَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: هُوَ لَوْنُ الشَّمْسِ.
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إذَا كَانَ أَحَدُكُمْ فِي الْفَيْءِ» ، وَفِي رِوَايَةٍ «فِي الشَّمْسِ، فَقَلَصَ عَنْهُ الظِّلُّ فَصَارَ بَعْضُهُ فِي الشَّمْسِ وَبَعْضُهُ فِي الظِّلِّ فَلْيَقُمْ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَتَابِعِيُّهُ مَجْهُولٌ. وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ وَقَالَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ وَلَفْظُهُ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَجْلِسَ الرَّجُلُ بَيْنَ الظِّلِّ وَالشَّمْسِ» .
مَطْلَبٌ: خَيْرُ الْمَجَالِسِ مَا اُسْتُقْبِلَ بِهِ الْقِبْلَةُ
وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَيْضًا مَرْفُوعًا «إنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ سَيِّدًا وَإِنَّ سَيِّدَ الْمَجَالِسِ قِبَالَةَ الْقِبْلَةِ» .
стр. 825
وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ مَرْفُوعًا «أَكْرَمُ الْمَجَالِسِ مَا اُسْتُقْبِلَ بِهِ الْقِبْلَةُ» رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ.
وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ مَرْفُوعًا «إنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ شَرَفًا، وَإِنَّ أَشْرَفَ الْمَجَالِسِ مَا اُسْتُقْبِلَ بِهِ الْقِبْلَةُ» . وَرَوَى أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَغَيْرُهُ عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ قَالَ: «رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبِي فِي الشَّمْسِ فَأَمَرَهُ أَنْ يَتَحَوَّلَ إلَى الظِّلِّ» وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَنْ قَيْسٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ «جَاءَ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَخْطُبُ فَقَامَ فِي الشَّمْسِ فَأَمَرَ بِهِ فَحُوِّلَ إلَى الظِّلِّ» إسْنَادُهُ جَيِّدٌ، وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ وَكِيعٍ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِيهِ.
وَرَوَى أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِإِسْنَادِهِ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى رَجُلًا فِي الشَّمْسِ فَقَالَ: تَحَوَّلْ إلَى الظِّلِّ فَإِنَّهُ مُبَارَكٌ» .
مَطْلَبٌ: فِيمَا يُورِثُهُ النَّوْمُ فِي الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ .
وَبِإِسْنَادِهِ عَنْ عُمَرَ قَالَ: اسْتَقْبِلُوا الشَّمْسَ بِجِبَاهِكُمْ فَإِنَّهَا حَمَّامُ الْعَرَبِ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْكَرَاهَةَ مُخْتَصَّةٌ بِالْجُلُوسِ بَيْنَ الشَّمْسِ وَالظِّلِّ دُونَ الْجُلُوسِ فِي الشَّمْسِ وَالنَّوْمِ فِيهَا، لَكِنْ قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي طِبِّهِ: النَّوْمُ فِي الشَّمْسِ فِي الصَّيْفِ يُحَرِّكُ الدَّاءَ الدَّفِينَ، وَالنَّوْمُ فِي الْقَمَرِ يُحِيلُ الْأَلْوَانَ إلَى الصُّفْرَةِ، وَيُثْقِلُ الرَّأْسَ. انْتَهَى.
وَفِي الْآدَابِ الْكُبْرَى قَالَ جَالِينُوسُ: مَنْ أَكْثَرَ مِنْ شُرْبِ الْخَمْرِ أَوْ السَّهَرِ أَوْ التَّعَرُّضِ لِلشَّمْسِ الْحَارَّةِ وَقَعَ فِي الْبِرْسَامِ سَرِيعًا. قَالَ فِي الْآدَابِ: وَالْبِرْسَامُ وَرَمٌ حَارٌّ فِي الدِّمَاغِ.
(فَائِدَةٌ) : قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يُكْرَهُ الْجُلُوسُ فِي ظِلِّ الْمَنَارَةِ، وَكَنْسُ الْبَيْتِ بِالْخِرْقَةِ. انْتَهَى.
مَطْلَبٌ: فِي كَرَاهَةِ النَّوْمِ عَلَى الْوَجْهِ .
(وَ) يُكْرَهُ (نَوْمٌ) حَيْثُ كَانَ النَّوْمُ (عَلَى وَجْهِ الْفَتَى الْمُتَمَدِّدِ) أَيْ النَّائِمِ يَعْنِي يُكْرَهُ نَوْمُهُ عَلَى بَطْنِهِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ لِمَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِرَجُلٍ مُضْطَجِعٍ
стр. 826
عَلَى بَطْنِهِ فَغَمَزَهُ بِرِجْلِهِ وَقَالَ: إنَّ هَذِهِ ضِجْعَةٌ لَا يُحِبُّهَا اللَّهُ » وَرَوَاهُ ابْن حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ.
وَرَوَى الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ بِرَجُلٍ فِي الْمَسْجِدِ مُنْبَطِحًا لِوَجْهِهِ فَضَرَبَهُ بِرِجْلِهِ وَقَالَ قُمْ نَوْمَةٌ جَهَنَّمِيَّةٌ» . وَعَنْ «يَعِيشَ بْنِ طِخْفَةَ بْنِ قَيْسٍ الْغِفَارِيِّ قَالَ: كَانَ أَبِي مِنْ أَصْحَابِ الصُّفَّةِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : انْطَلِقُوا بِنَا إلَى بَيْتِ عَائِشَةَ، فَانْطَلَقْنَا فَقَالَ: يَا عَائِشَةُ أَطْعِمِينَا، فَجَاءَتْ بِحَيْسَةٍ فَأَكَلْنَا، ثُمَّ قَالَ يَا عَائِشَةُ أَطْعِمِينَا، فَجَاءَتْ بِحَيْسَةٍ مِثْلِ الْقَطَاةِ فَأَكَلْنَا، ثُمَّ قَالَ يَا عَائِشَةُ أَسْقِينَا، فَجَاءَتْ بِقَدَحٍ صَغِيرٍ فَشَرِبْنَا، ثُمَّ قَالَ إنْ شِئْتُمْ بِتُّمْ، وَإِنْ شِئْتُمْ انْطَلَقْتُمْ إلَى الْمَسْجِدِ قَالَ فَبَيْنَمَا أَنَا مُضْطَجِعٌ فِي السَّحَرِ عَلَى بَطْنِي إذْ جَاءَ رَجُلٌ يُحَرِّكُنِي بِرِجْلِهِ فَقَالَ: إنَّ هَذِهِ ضِجْعَةٌ يَبْغَضُهَا اللَّهُ، قَالَ: فَنَظَرْت فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ »
رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَاللَّفْظُ لَهُ وَالنَّسَائِيِّ عَنْ قَيْسِ بْنِ طِغْفَةَ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ، وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ قَيْسِ بْنِ طِهْفَةَ بِالْهَاءِ عَنْ أَبِيهِ مُخْتَصَرًا، وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ عَنْ قَيْسِ بْنِ طِغْفَةَ بِالْغَيْنِ مُعْجَمَةً عَنْ أَبِيهِ كَالنَّسَائِيِّ، وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ أَيْضًا عَنْ طِهْفَةَ أَوْ طِحْفَةَ عَلَى اخْتِلَافِ النُّسَخِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ «مَرَّ بِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا مُضْطَجِعٌ عَلَى بَطْنِي فَرَكَضَنِي بِرِجْلِهِ، وَقَالَ: يَا جُنَيْدِبُ إنَّمَا هَذِهِ ضِجْعَةُ أَهْلِ النَّارِ» قَالَ الْحَافِظُ الْمُنْذِرِيُّ: قَالَ أَبُو عُمَرَ النَّمَرِيُّ: اُخْتُلِفَ فِيهِ اخْتِلَافًا كَبِيرًا وَاضْطُرِبَ فِيهِ اضْطِرَابًا شَدِيدًا، فَقِيلَ طِهْفَةَ بْنُ قَيْسٍ بِالْهَاءِ، وَقِيلَ طِحْفَةَ بِالْحَاءِ، وَقِيلَ طِغْفَةَ بِالْغَيْنِ، وَقِيلَ طِقْفَةَ بِالْقَافِ وَالْفَاءِ، وَقِيلَ قَيْسُ بْنُ طِخْفَةَ، وَقِيلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طِخْفَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَقِيلَ طِهْفَةَ عَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَحَدِيثُهُمْ كُلُّهُمْ وَاحِدٌ قَالَ: «كُنْت نَائِمًا بِالصُّفَّةِ فَرَكَضَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِرِجْلِهِ، وَقَالَ هَذِهِ نَوْمَةٌ يَبْغَضُهَا اللَّهُ» ، وَكَانَ مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ، وَمِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مَنْ يَقُولُ: إنَّ الصُّحْبَةَ لِأَبِيهِ عَبْدِ اللَّهِ وَإِنَّهُ صَاحِبُ الْقِصَّةِ. انْتَهَى، وَذَكَرَ الْبُخَارِيُّ فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا وَقَالَ طِغْفَةَ بَالِغِينَ خَطَأٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 827
وَالْحَيْسَةُ عَلَى مَعْنَى الْقِطْعَةِ مِنْ الْحَيْسِ، وَهُوَ الطَّعَامُ الْمُتَّخَذُ مِنْ التَّمْرِ وَالْأَقِطِ وَالسَّمْنِ، وَقَدْ يُجْعَلُ عِوَضَ الْأَقِطِ دَقِيقٌ.
مَطْلَبٌ: يُكْرَهُ النَّوْمُ تَحْتَ السَّمَاءِ مُتَجَرِّدًا
(تَتِمَّتَانِ: الْأُولَى) يُكْرَهُ النَّوْمُ تَحْتَ السَّمَاءِ مُتَجَرِّدًا؛ وَبَيْنَ قَوْمٍ مُسْتَيْقِظِينَ، وَنَوْمُهُ وَحْدَهُ كَسَفَرِهِ وَحْدَهُ، وَقَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ، وَلَوْ كَانَ لَهُ مَنْ يُوقِظُهُ، وَالْحَدِيثُ بَعْدَهَا إلَّا فِي أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ شُغْلٍ، أَوْ شَيْءٍ يَسِيرٍ، أَوْ أَهْلٍ، أَوْ ضَيْفٍ. لِمَا رَوَى الطَّبَرَانِيُّ، وَرَمَزَ السُّيُوطِيّ لِحُسْنِهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ النَّوْمِ قَبْلَ الْعِشَاءِ وَعَنْ الْحَدِيثِ بَعْدَهَا» .
وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ «مَا نَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ الْعِشَاءِ وَلَا سَمَرَ بَعْدَهُ» .
قَالَ فِي السِّيرَةِ الشَّامِيَّةِ: السَّمَرُ بِسِينٍ مُهْمَلَةٍ فَمِيمٍ مَفْتُوحَتَيْنِ فَرَاءٍ: الْحَدِيثُ بِاللَّيْلِ انْتَهَى. وَفِي بَعْضِ كُتُبِ أَهْلِ الْأَدَبِ: الْمُسَامَرَةُ إنْصَاتٌ لِمُتَكَلِّمٍ، وَكَلَامٌ لِمُسْتَمِعٍ، وَمُفَاوَضَةٌ فِيمَا يَلِيقُ وَيَجْمُلُ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَرْزَةَ نَضْلَةَ الْأَسْلَمِيِّ ﵁ قَالَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَ الْعِشَاءِ وَالْحَدِيثَ بَعْدَهَا» .
وَمِمَّنْ كَرِهَ النَّوْمَ قَبْلَهَا عُمَرُ وَابْنُهُ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُمْ ﵃، وَكَذَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ وَأَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ.
وَسَبَبُ الْكَرَاهَةِ تَعْرِيضُهَا لِفَوَاتِ وَقْتِهَا بِاسْتِغْرَاقِ النَّوْمِ، وَلِئَلَّا يَتَسَاهَلَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ فَيَنَامُوا عَنْ صَلَاتِهَا جَمَاعَةً. وَرَخَّصَ فِي ذَلِكَ عَلِيٌّ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَالْكُوفِيُّونَ وَغَيْرُهُمْ. وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ: تُرُخِّصَ فِيهِ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ مَنْ يُوقِظُهُ. وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مِثْلُهُ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْقَاضِي مِنْ أَئِمَّتِنَا. وَفِي الْآدَابِ الْكُبْرَى لِلْإِمَامِ ابْنِ مُفْلِحٍ - رَوَّحَ اللَّهُ رُوحَهُ بِرَوَائِحِ الْفِرْدَوْسِ الْأَعْلَى -: النَّوْمُ عِنْدَ سَمَاعِ الْخَيْرِ مِنْ الْمَوْعِظَةِ وَالْعِلْمِ مِنْ الشَّيْطَانِ.
نَقَلَهُ
стр. 828
ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ كَانَ يُقَالُ لِإِبْلِيسَ - لَعَنَهُ - اللَّهُ لَعُوقٌ وَكُحْلٌ وَسَعُوطٌ، فَلَعُوقُهُ الْكَلْبُ، وَكُحْلُهُ النُّعَاسُ عِنْدَ سَمَاعِ الْخَيْرِ، وَسَعُوطُهُ الْكِبْرُ.
(الثَّانِيَةُ) مِنْ آدَابِ النَّوْمِ أَنْ يَنْظُرَ مَرِيدُ النَّوْمِ فِي وَصِيَّتِهِ عِنْدَ نَوْمِهِ، وَيَنْفُضَ فِرَاشَهُ وَيَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى تَحْتَ خَدِّهِ الْأَيْمَنِ، وَيَجْعَلَ وَجْهَهُ نَحْوَ الْقِبْلَةِ عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ وَيَتُوبَ مِنْ الذُّنُوبِ إلَى عَلَّامِ الْغُيُوبِ وَيَكُونَ عَلَى طَهَارَةٍ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
مَطْلَبٌ: فِيمَا يُقَالُ عِنْدَ الِانْتِبَاهِ مِنْ النَّوْمِ
وَقُلْ فِي انْتِبَاهٍ وَالصَّبَاحِ وَفِي الْمِسَا ... وَنَوْمٍ مِنْ الْمَرْوِيِّ مَا شِئْت تُرْشَدْ
(وَقُلْ) أَيُّهَا الْعَبْدُ الْمُوَفَّقُ لِاقْتِفَاءِ سُنَنِ الْمُصْطَفَى (فِي) وَقْتِ (انْتِبَاهٍ) مِنْ الْأَذْكَارِ الْوَارِدَةِ عَنْ النَّبِيِّ الْمُخْتَارِ، مَا لَعَلَّهُ يُزِيلُ عَنْ قَلْبِك الرَّيْنَ، وَيَمْحُو عَنْ عَيْنِ بَصِيرَتِك الْغَيْنَ، فَإِنَّهَا لِدَاءِ الذُّنُوبِ دَوَاءٌ، وَلِمَرَضِ الْقُلُوبِ شِفَاءٌ، لِصُدُورِهَا عَنْ الَّذِي لَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى، وَلِبُرُوزِهَا مِنْ مِشْكَاةِ مَنْ دَنَا فَتَدَلَّى فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى
مَطْلَبٌ: أَذْكَارُ الِانْتِبَاهِ مِنْ النَّوْمِ
فَمِمَّا وَرَدَ مِنْ أَذْكَارِ الِانْتِبَاهِ مِنْ النَّوْمِ مَا رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «مَنْ تَعَارَّ مِنْ اللَّيْلِ فَقَالَ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ، وَاَللَّهُ أَكْبَرُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي أَوْ دَعَا اُسْتُجِيبَ لَهُ، فَإِنْ تَوَضَّأَ وَصَلَّى قُبِلَتْ صَلَاتُهُ» .
قَوْلُهُ: مَنْ تَعَارَّ بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ، أَيْ اسْتَيْقَظَ مِنْ اللَّيْلِ وَلَهُ صَوْتٌ. وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد عَنْ عَائِشَةَ ﵂ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إذَا اسْتَيْقَظَ مِنْ اللَّيْلِ قَالَ: لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ سُبْحَانَك اللَّهُمَّ أَسْتَغْفِرُك لِذَنْبِي وَأَسْأَلُك رَحْمَتَك، اللَّهُمَّ زِدْنِي عِلْمًا وَلَا تُزِغْ قَلْبِي بَعْدَ إذْ هَدَيْتنِي وَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْك رَحْمَةً إنَّك أَنْتَ الْوَهَّابُ» وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ وَقَالَ:
стр. 829
صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ.
الزَّيْغُ: الْمَيْلُ، يُقَالُ أَزَاغَ اللَّهُ الْقَلْبَ إذَا أَمَالَهُ عَنْ الْهُدَى وَالْإِيمَانِ. وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَاللَّفْظُ لَهُ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ السُّنِّيِّ وَغَيْرُهُمْ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ عَمْرٍو، وَيُقَالُ ابْنُ الْغَازِ الْجُرَشِيُّ قَالَ «سَأَلْت عَائِشَةَ ﵂ فَقُلْت: مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ إذَا قَامَ مِنْ اللَّيْلِ وَبِمَ كَانَ يَسْتَفْتِحُ؟ قَالَتْ: كَانَ يُكَبِّرُ عَشْرًا، وَيَحْمَدُ عَشْرًا، وَيُهَلِّلُ عَشْرًا، وَيَسْتَغْفِرُ عَشْرًا، وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَاهْدِنِي وَارْزُقْنِي عَشْرًا اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك مِنْ الضَّيِّقِ يَوْمَ الْحِسَابِ عَشْرًا» . وَقَالَ أَبُو دَاوُد: «سُبْحَانَ الْقُدُّوسِ عَشْرًا» .
وَفِي رِوَايَةٍ: «سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ» . وَقَالَ بَدَلَ وَيَحْمَدُ عَشْرًا وَيَقُولُ: «سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ عَشْرًا» وَفِيهِ «كَانَ إذَا اسْتَيْقَظَ مِنْ مَنَامِهِ قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَحْيَانَا بَعْدَ مَا أَمَاتَنَا وَإِلَيْهِ النُّشُورُ» أَيْ الْإِحْيَاءُ لِلْبَعْثِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَرَوَى ابْنُ السُّنِّيِّ وَغَيْرُهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «إذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي رَدَّ عَلَيَّ رُوحِي، وَعَافَانِي فِي جَسَدِي، وَأَذِنَ لِي بِذِكْرِهِ» . قَالَ فِي شَرْحِ أَوْرَادِ أَبِي دَاوُد: صَحَّحَهُ بَعْضُ الْحُفَّاظِ. وَرُوِيَ عَنْهُ أَيْضًا ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَا مِنْ رَجُلٍ يَنْتَبِهُ مِنْ نَوْمِهِ فَيَقُولُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ النَّوْمَ وَالْيَقَظَةَ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بَعَثَنِي سَالِمًا سَوِيًّا أَشْهَدُ أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْمَوْتَى، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، إلَّا قَالَ اللَّهُ: صَدَقَ عَبْدِي» .
(فَائِدَةٌ) : رَوَى الشَّيْخَانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ عَلَى قَافِيَةِ رَأْسِ أَحَدِكُمْ إذَا هُوَ نَامَ ثَلَاثَ عُقَدٍ، يَضْرِبُ كُلَّ عُقْدَةٍ عَلَيْك لَيْلٌ طَوِيلٌ فَارْقُدْ، فَإِنْ اسْتَيْقَظَ، وَذَكَرَ اللَّهَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَإِنْ تَوَضَّأَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ أُخْرَى، فَإِنْ صَلَّى انْحَلَّتْ عُقَدُهُ كُلُّهَا فَأَصْبَحَ نَشِيطًا طَيِّبَ النَّفْسِ، وَإِلَّا أَصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ كَسْلَانَ» : وَقَافِيَةُ الرَّأْسِ: آخِرُهُ، وَمِنْهُ سُمِّيَ آخِرُ بَيْتِ الشَّعْرِ قَافِيَةً.
وَفِي رِوَايَةٍ لِابْنِ مَاجَهْ «فَيُصْبِحُ نَشِيطًا طَيِّبَ النَّفْسِ قَدْ أَصَابَ خَيْرًا، وَإِنْ
стр. 830
لَمْ يَفْعَلْ أَصْبَحَ كَسْلَانَ خَبِيثَ النَّفْسِ لَمْ يُصِبْ خَيْرًا» وَرَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ بِنَحْوِهِ وَزَادَ فِي آخِرِهِ «فَحُلُّوا عُقْدَةَ الشَّيْطَانِ، وَلَوْ بِرَكْعَتَيْنِ» .
قَالَ فِي شَرْحِ أَوْرَادِ أَبِي دَاوُد: قَالَ الْعُلَمَاءُ: وَهَذِهِ عُقَدٌ حَقِيقَةً كَعُقَدِ السِّحْرِ، وَقِيلَ: هُوَ قَوْلٌ يَقُولُهُ، وَقِيلَ فِعْلٌ يَفْعَلُهُ، قِيلَ هُوَ مِنْ عَقْدِ الْقَلْبِ، فَكَأَنَّهُ يَتَوَسْوَسُ فِيهِ بِبَقَاءِ اللَّيْلِ، وَقِيلَ هُوَ مَجَازٌ كُنِّيَ بِهِ عَنْ تَثْبِيطِ الشَّيْطَانِ وَتَثْقِيلِهِ عَنْ قِيَامِ اللَّيْلِ.
وَقَوْلُهُ: عَلَيْك لَيْلٌ طَوِيلٌ بِالرَّفْعِ عَلَى الِابْتِدَاءِ، وَالْخَبَرُ عَلَيْك، أَوْ فَاعِلٌ بِإِضْمَارِ فِعْلٍ أَيْ بَقِيَ عَلَيْك.
وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ بِالنَّصْبِ لَيْلًا طَوِيلًا عَلَى الْإِغْرَاءِ. قَالَ: وَالْحِكْمَةُ فِي ذِكْرِ اللَّهِ - تَعَالَى - وَدُعَائِهِ عِنْدَ الِاسْتِيقَاظِ لِيَكُونَ أَوَّلَ عَمَلِ الْإِنْسَانِ تَوْحِيدُ اللَّهِ ﷻ ، وَالْكَلِمُ الطَّيِّبُ. انْتَهَى. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
مَطْلَبٌ: أَذْكَارُ الصَّبَاحِ وَالْمَسَاءِ
(وَ) قُلْ فِي (الصَّبَاحِ) مِنْ الذِّكْرِ الْمَرْوِيِّ عَنْ سَيِّدِ النُّصَّاحِ، وَمَنْ عَمَّتْ شَمْسُ رِسَالَتِهِ الْأَغْوَارَ وَالْبِطَاحَ، مَا أَخْرَجَهُ أَهْلُ الْمَسَانِيدِ وَالسُّنَنِ وَالصِّحَاحِ (وَ) قُلْ (فِي الْمَسَاءِ) مِنْ الذِّكْرِ مَا عَسَى أَنْ يَلِينَ بِهِ الْقَلْبُ الَّذِي قَدْ قَسَا، بِالذُّنُوبِ وَالْأَسَا.
اعْلَمْ أَيُّهَا النَّاصِحُ لِنَفْسِهِ، الْمُتَزَوِّدُ لِرَمْسِهِ، الْمُنْكَبُّ عَلَى الذِّكْرِ وَالْمُسْتَغْرِقُ بِأُنْسِهِ، الْمُتَهَيِّئُ لِمُجَاوَرَةِ رَبِّهِ فِي حَضِيرَةِ قُدْسِهِ، أَنَّ أَذْكَارَ طَرَفَيْ النَّهَارِ كَثِيرَةٌ جِدًّا، وَالْحِكْمَةُ فِيهِ افْتِتَاحُ النَّهَارِ، وَاخْتِتَامُهُ بِالْأَذْكَارِ الَّتِي عَلَيْهَا الْمَدَارُ، وَهِيَ مُخُّ الْعِبَادَةِ، وَبِهَا تَحْصُلُ الْعَافِيَةُ وَالسَّعَادَةُ.
وَنَعْنِي بِطَرَفَيْ النَّهَارِ مَا بَيْنَ الصُّبْحِ وَطُلُوعِ الشَّمْسِ، وَمَا بَيْنَ الْعَصْرِ وَالْغُرُوبِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤١] ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلا﴾ [الأحزاب: ٤٢] وَالْأَصِيلُ هُوَ الْوَقْتُ بَعْدَ الْعَصْرِ إلَى الْمَغْرِبِ، وَجَمْعُهُ أُصُلٌ وَآصَالٌ وَأَصَائِلُ، كَأَنَّهُ جَمْعُ أَصِيلَةٍ. قَالَ الشَّاعِرُ:
لَعَمْرِي لَأَنْتَ الْبَيْتُ أَكْرَمُ أَهْلِهِ ... وَأَقْعَدُ فِي أَفْنَائِهِ بِالْأَصَائِلِ
وَيُجْمَعُ أَيْضًا عَلَى أُصْلَانٍ " مِثْلُ بَعِيرٍ وَبُعْرَانٍ، ثُمَّ صَغَّرُوا الْجَمْعَ فَقَالُوا أُصَيْلَانَ، ثُمَّ أَبْدَلُوا عَنْ النُّونِ لَامًا فَقَالُوا: أُصَيْلَالٍ ".
قَالَ الشَّاعِرُ
وَقَفْت فِيهَا أُصَيْلَالًا أُسَائِلُهَا ... أَعْيَتْ جَوَابًا وَمَا بِالرَّبْعِ مِنْ أَحَدِ
стр. 831
وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ﴾ [غافر: ٥٥] فَالْإِبْكَارُ أَوَّلُ النَّهَارِ، وَالْعَشِيُّ آخِرُهُ. وَقَالَ ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق: ٣٩] . وَهَذَا يُفَسِّرُ مَا جَاءَ فِي الْأَحَادِيثِ مَنْ قَالَ كَذَا وَكَذَا حِينَ يُصْبِحُ وَحِينَ يُمْسِي أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَأَنَّ مَحَلَّ هَذِهِ الْأَذْكَارِ بَعْدَ الصُّبْحِ وَبَعْدَ الْعَصْرِ. قَالَهُ الْإِمَامُ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي الْكَلِمِ الطَّيِّبِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ. فَمِنْ ذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ وَحِينَ يُمْسِي سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ مِائَةَ مَرَّةٍ لَمْ يَأْتِ أَحَدٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ إلَّا رَجُلٌ قَالَ مِثْلَ مَا قَالَ أَوْ زَادَ عَلَيْهِ» .
وَفِي صَحِيحِهِ أَيْضًا عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ «كَانَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ إذَا أَمْسَى قَالَ: أَمْسَيْنَا وَأَمْسَى الْمُلْكُ لِلَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ رَبِّ أَسْأَلُك خَيْرَ مَا فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ وَخَيْرَ مَا بَعْدَهَا، وَأَعُوذُ بِك مِنْ شَرِّ هَذِهِ اللَّيْلَةِ وَشَرِّ مَا بَعْدَهَا، رَبِّ أَعُوذُ بِك مِنْ الْكَسَلِ وَسُوءِ الْكِبَرِ، رَبِّ أَعُوذُ بِك مِنْ عَذَابٍ فِي النَّارِ وَعَذَابٍ فِي الْقَبْرِ وَإِذَا أَصْبَحَ قَالَ ذَلِكَ أَيْضًا أَصْبَحْنَا وَأَصْبَحَ الْمُلْكُ لِلَّهِ» . وَرَوَى أَبُو دَاوُد وَاللَّفْظُ لَهُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ وَالنَّسَائِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خُبَيْبٍ ﵁ قَالَ «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قُلْ قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَقُولُ؟ قَالَ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ حِينَ تُمْسِي وَحِينَ تُصْبِحُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ تَكْفِيك مِنْ كُلِّ شَيْءٍ»
وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ غَرِيبٌ عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ: أَعُوذُ بِاَللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ وَقَرَأَ ثَلَاثَ آيَاتٍ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْحَشْرِ، وَكَّلَ اللَّهُ بِهِ سَبْعِينَ أَلْفَ مَلَكٍ يُصَلُّونَ عَلَيْهِ حَتَّى يُمْسِيَ، وَإِنْ مَاتَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ مَاتَ شَهِيدًا وَمَنْ قَالَهَا حِينَ يُمْسِي كَانَ بِتِلْكَ الْمَنْزِلَةِ» .
стр. 832
وَفِي التِّرْمِذِيِّ أَيْضًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُعَلِّمُ أَصْحَابَهُ يَقُولُ: «إذَا أَصْبَحَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ بِك أَصْبَحْنَا، وَبِك أَمْسَيْنَا، وَبِك نَحْيَا، وَبِك نَمُوتُ، وَإِلَيْك النُّشُورُ وَإِذَا أَمْسَى فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ بِك أَمْسَيْنَا، وَبِك أَصْبَحْنَا، وَبِك نَحْيَا، وَبِك نَمُوتُ، وَإِلَيْك الْمَصِيرُ» قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ
وَرَوَى أَبُو دَاوُد وَلَمْ يُضَعِّفْهُ وَتَكَلَّمَ فِيهِ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ «مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنْ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنْ الْحَيِّ وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا، وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ، أَدْرَكَ مَا فَاتَهُ فِي يَوْمِهِ ذَلِكَ وَمَنْ قَالَهَا حِينَ يُمْسِي أَدْرَكَ مَا فَاتَهُ فِي لَيْلَتِهِ» .
وَعَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «سَيِّدُ الِاسْتِغْفَارِ: اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ، خَلَقْتنِي وَأَنَا عَبْدُك، وَأَنَا عَلَى عَهْدِك وَوَعْدِك مَا اسْتَطَعْت، أَعُوذُ بِك مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْت، أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِك عَلَيَّ وَأَبُوءُ بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا أَنْتَ مَنْ قَالَهَا مُوقِنًا حِينَ يُمْسِي فَمَاتَ مِنْ لَيْلَتِهِ دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ قَالَهَا مُوقِنًا بِهَا حِينَ يُصْبِحُ فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ دَخَلَ الْجَنَّةَ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ. وَعِنْدَهُ «لَا يَقُولُهَا أَحَدٌ حِينَ يُمْسِي فَيَأْتِي عَلَيْهِ قَدَرٌ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ إلَّا وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ» قَالَ الْحَافِظُ الْمُنْذِرِيُّ: وَلَيْسَ لِشَدَّادٍ فِي الْبُخَارِيِّ غَيْرُ هَذَا الْحَدِيثِ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ ﵁.
قَوْلُهُ: أَبُوءُ بِبَاءٍ مُوَحَّدَةٍ مَضْمُومَةٍ وَهَمْزَةٍ بَعْدَ الْوَاوِ مَمْدُودًا مَعْنَاهُ أُقِرُّ وَأَعْتَرِفُ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ كَانَتْ لَهُ عَدْلَ عَشْرِ رِقَابٍ، وَكُتِبَ لَهُ مِائَةُ حَسَنَةٍ، وَمُحِيَتْ عَنْهُ مِائَةُ سَيِّئَةٍ، وَكَانَتْ لَهُ حِرْزًا مِنْ الشَّيْطَانِ
стр. 833
يَوْمَهُ ذَلِكَ حَتَّى يُمْسِيَ، وَلَمْ يَأْتِ أَحَدٌ بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ إلَّا رَجُلٌ عَمِلَ أَكْثَرَ مِنْهُ» .
وَفِي التِّرْمِذِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ﵁ قَالَ «يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلِّمْنِي شَيْئًا أَقُولُهُ إذَا أَصْبَحْت وَإِذَا أَمْسَيْت، قَالَ: قُلْ: اللَّهُمَّ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّ كُلِّ شَيْءٍ وَمَلِيكَهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ، أَعُوذُ بِك مِنْ شَرِّ نَفْسِي وَشَرِّ الشَّيْطَانِ وَشِرْكِهِ، وَأَنْ أَقْتَرِفَ عَلَى نَفْسِي سُوءًا أَوْ أَجُرَّهُ إلَى مُسْلِمٍ قُلْهُ إذَا أَصْبَحْت، وَإِذَا أَمْسَيْت، وَإِذَا أَخَذْت مَضْجَعَك» قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَفِيهِ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ﵁ مَرْفُوعًا «مَا مِنْ عَبْدٍ يَقُولُ فِي صَبَاحِ كُلِّ يَوْمٍ وَمَسَاءِ كُلِّ لَيْلَةٍ: بِسْمِ اللَّهِ الَّذِي لَا يَضُرُّ مَعَ اسْمِهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ» قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَفِيهِ أَيْضًا عَنْ ثَوْبَانَ وَغَيْرِهِ، وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «مَنْ قَالَ حِينَ يُمْسِي وَإِذَا أَصْبَحَ رَضِيت بِاَللَّهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا، كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُرْضِيَهُ» . وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَنْ أَبِي سَلَامٍ وَهُوَ مَمْطُورٌ الْحَبَشِيُّ أَنَّهُ كَانَ فِي مَسْجِدِ حِمْصَ فَمَرَّ بِهِ رَجُلٌ فَقَالُوا: هَذَا خَدَمَ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَامَ إلَيْهِ فَقَالَ: حَدِّثْنِي بِحَدِيثٍ سَمِعْته مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَتَدَاوَلْهُ بَيْنَك وَبَيْنَهُ الرِّجَالُ فَقَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «مَنْ قَالَ إذَا أَصْبَحَ وَإِذَا أَمْسَى رَضِيت بِاَللَّهِ رَبًّا وَبِمُحَمَّدٍ ﷺ رَسُولًا إلَّا كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُرْضِيَهُ» قَالَ الْحَافِظُ الْمُنْذِرِيُّ: فَيَنْبَغِي أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَهُمَا فَيُقَالَ: وَبِمُحَمَّدٍ ﷺ نَبِيًّا وَرَسُولًا " وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَالْحَاكِمُ وَغَيْرُهُمْ. وَعِنْدَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ يَقُولُ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ حِينَ يُمْسِي وَحِينَ يُصْبِحُ.
وَهُوَ فِي مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ الصَّبَاحِ وَالْمَسَاءِ وَقَالَ فِي آخِرِهِ «وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ» . وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ، وَلَفْظُهُ عَنْ الْمُنَيْذِرِ صَاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ
стр. 834
وَكَانَ بِإِفْرِيقِيَّةَ قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «مَنْ قَالَ إذَا أَصْبَحَ رَضِيت بِاَللَّهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا فَأَنَا الزَّعِيمُ لَآخُذَنَّ بِيَدِهِ حَتَّى أُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ» .
وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ لَمْ يُضَعِّفْهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ غَنَّامٍ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَالنُّونِ الْمُشَدَّدَةِ الْبَيَاضِيُّ الصَّحَابِيُّ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ: اللَّهُمَّ مَا أَصْبَحَ بِي مِنْ نِعْمَةٍ أَوْ بِأَحَدٍ مِنْ خَلْقِك فَمِنْك وَحْدَك لَا شَرِيكَ لَك، فَلَكَ الْحَمْدُ وَلَك الشُّكْرُ، فَقَدْ أَدَّى شُكْرَ يَوْمِهِ وَمَنْ قَالَ مِثْلَ ذَلِكَ حِينَ يُمْسِي، فَقَدْ أَدَّى شُكْرَ لَيْلَتِهِ» وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ أَيْضًا عَنْهُ، وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ بِلَفْظِهِ دُونَ ذِكْرِ الْمَسَاءِ. قَالَ الْحَافِظُ الْمُنْذِرِيُّ: وَلَعَلَّهُ سَقَطَ مِنْ أَصْلِيٍّ. وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ لَمْ يُضَعِّفْهُ عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ وَحِينَ يُمْسِي: اللَّهُمَّ إنِّي أَصْبَحْت أُشْهِدُك وَأُشْهِدُ حَمَلَةَ عَرْشِك وَمَلَائِكَتَك وَجَمِيعَ خَلْقِك أَنَّك أَنْتَ اللَّهُ لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُك وَرَسُولُك، أَعْتَقَ اللَّهُ رُبْعَهُ مِنْ النَّارِ، فَمَنْ قَالَهَا مَرَّتَيْنِ أَعْتَقَ اللَّهُ نِصْفَهُ مِنْ النَّارِ، وَمَنْ قَالَهَا ثَلَاثًا أَعْتَقَ اللَّهُ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِهِ مِنْ النَّارِ، وَمَنْ قَالَهَا أَرْبَعًا أَعْتَقَهُ اللَّهُ مِنْ النَّارِ» .
وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِنَحْوِهِ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَالنَّسَائِيُّ وَزَادَ فِيهِ بَعْدَ إلَّا أَنْتَ وَحْدَك لَا شَرِيكَ لَك وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ وَلَمْ يَقُلْ أَعْتَقَ اللَّهُ إلَى آخِرِهِ، وَقَالَ إلَّا غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا أَصَابَ مِنْ ذَنْبٍ فِي يَوْمِهِ ذَلِكَ، فَإِنْ قَالَهَا إذَا أَمْسَى غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا أَصَابَ فِي لَيْلَتِهِ تِلْكَ. وَهُوَ كَذَلِكَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ.
وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد وَاللَّفْظُ لَهُ. وَالنَّسَائِيِّ وَابْنِ مَاجَهْ وَالْحَاكِمُ وَقَالَ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ «لَمْ يَكُنْ النَّبِيُّ ﷺ يَدَعُ هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ حِينَ يُمْسِي وَحِينَ يُصْبِحُ: اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك الْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ فِي دِينِي وَدُنْيَايَ وَأَهْلِي وَمَالِي، اللَّهُمَّ اُسْتُرْ عَوْرَاتِي، وَآمِنْ رَوْعَاتِي، اللَّهُمَّ احْفَظْنِي مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ وَمِنْ خَلْفِي وَعَنْ يَمِينِي وَعَنْ شِمَالِي وَمِنْ فَوْقِي، وَأَعُوذُ بِعَظَمَتِك أَنْ
стр. 835
أُغْتَالَ مِنْ تَحْتِي» وَقَالَ وَكِيعٌ: يَعْنِي الْخَسْفَ.
وَفِي سُنَنِ النَّسَائِيّ وَالْبَزَّارِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَالْحَاكِمُ وَقَالَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ عَلَى شَرْطِهِمَا عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِفَاطِمَةَ ﵂ مَا يَمْنَعُك أَنْ تَسْمَعِي مَا أُوصِيك بِهِ أَنْ تَقُولِي إذَا أَصْبَحْت وَإِذَا أَمْسَيْت يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ بِرَحْمَتِك أَسْتَغِيثُ، أَصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلَّهُ وَلَا تَكِلْنِي إلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ» .
وَفِي أَوَاسِطِ الطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ الْحَسَنِ قَالَ قَالَ سَمُرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ «أَلَا أُحَدِّثُك حَدِيثًا سَمِعْته مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِرَارًا، وَمِنْ أَبِي بَكْرٍ مِرَارًا، وَمِنْ عُمَرَ مِرَارًا؟ قُلْت: بَلَى، قَالَ مَنْ قَالَ إذَا أَصْبَحَ وَإِذَا أَمْسَى: اللَّهُمَّ أَنْتَ خَلَقْتنِي وَأَنْتَ تَهْدِينِي، وَأَنْتَ تُطْعِمُنِي، وَأَنْتَ تَسْقِينِي، وَأَنْتَ تُمِيتُنِي وَأَنْتَ تُحْيِينِي، لَمْ يَسْأَلْ اللَّهَ شَيْئًا إلَّا أَعْطَاهُ إيَّاهُ قَالَ: تَلَقَّيْت عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ فَقُلْت: أَلَا أُحَدِّثُك حَدِيثًا سَمِعْته مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِرَارًا، وَمِنْ أَبِي بَكْرٍ مِرَارًا، وَمِنْ عُمَرَ مِرَارًا؟ قَالَ: بَلَى فَحَدَّثْته بِهَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ بِأَبِي وَأُمِّي رَسُولُ اللَّهِ، هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتُ كَانَ اللَّهُ قَدْ أَعْطَاهُنَّ مُوسَى ﵇ فَكَانَ يَدْعُو بِهِنَّ فِي كُلِّ يَوْمٍ سَبْعَ مَرَّاتٍ فَلَا يَسْأَلُ اللَّهَ شَيْئًا إلَّا أَعْطَاهُ إيَّاهُ» .
وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَّمَهُ دُعَاءً وَأَمَرَهُ أَنْ يَتَعَاهَدَ بِهِ أَهْلَهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ قَالَ قُلْ حِينَ تُصْبِحُ لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْك، وَمِنْك وَإِلَيْك، اللَّهُمَّ مَا قُلْت مِنْ قَوْلٍ، أَوْ حَلَفْت مِنْ حَلِفٍ أَوْ نَذَرْت مِنْ نَذْرٍ، فَمَشِيئَتُك بَيْنَ يَدَيْهِ، وَمَا شِئْت كَانَ، وَمَا لَمْ تَشَأْ لَمْ يَكُنْ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِك، إنَّك عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ اللَّهُمَّ مَا صَلَّيْت مِنْ صَلَاةٍ فَعَلَى مَنْ صَلَّيْت، وَمَا لَعَنْت مِنْ لَعْنَةٍ فَعَلَى مَنْ لَعَنْت، إنَّك أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ اللَّهُمَّ إنِّي أَسَالِكُ الرِّضَا بَعْدَ الْقَضَاءِ، وَبَرْدَ الْعَيْشِ بَعْدَ الْمَوْتِ وَلَذَّةَ النَّظَرِ إلَى وَجْهِك، وَشَوْقًا إلَى لِقَائِك فِي غَيْرِ ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ وَلَا فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ، وَأَعُوذُ بِك اللَّهُمَّ أَنْ أَظْلِمَ أَوْ أُظْلَمَ، أَوْ أَعْتَدِيَ أَوْ يُعْتَدَى عَلَيَّ، أَوْ أَكْتَسِبَ خَطِيئَةً وَذَنْبًا لَا تَغْفِرُهُ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ
стр. 836
الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ فَإِنِّي أَعْهَدُ إلَيْك هَذِهِ الدُّنْيَا، وَأُشْهِدُك وَكَفَى بِاَللَّهِ شَهِيدًا أَنِّي أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ وَحْدَك وَلَا شَرِيكَ لَك، لَك الْمُلْكُ وَلَك الْحَمْدُ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُك وَرَسُولُك، وَأَشْهَدُ أَنَّ وَعْدَك حَقٌّ، وَلِقَاءَك حَقٌّ، وَالسَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا، وَأَنْتَ تَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ، وَأَنَّك إنْ تَكِلْنِي إلَى نَفْسِي تَكِلْنِي إلَى ضَعْفٍ وَعَوْرَةٍ وَذَنْبٍ وَخَطِيئَةٍ، وَأَنِّي لَا أَثِقُ إلَّا بِرَحْمَتِك، فَاغْفِرْ ذُنُوبِي كُلَّهَا إنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا أَنْتَ وَتُبْ عَلَيَّ إنَّك أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ» رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالطَّبَرَانِيُّ وَالْحَاكِمُ وَقَالَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ.
وَرَوَى ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي مَكَائِدِ الشَّيْطَانِ عَنْ وُهَيْبِ بْنِ الْوَرْدِ قَالَ: خَرَجَ رَجُلٌ إلَى الْجَبَّانَةِ بَعْدَ سَاعَةٍ مِنْ اللَّيْلِ قَالَ فَسَمِعْت حِسًّا وَأَصْوَاتًا شَدِيدَةً وَجِيءَ بِسَرِيرٍ حَتَّى وُضِعَ وَجَاءَ شَيْءٌ حَتَّى جَلَسَ عَلَيْهِ. قَالَ وَاجْتَمَعَتْ إلَيْهِ جُنُودُهُ ثُمَّ صَرَخَ فَقَالَ: مَنْ لِي بِعُرْوَةِ بْنِ الزُّبَيْرِ فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ حَتَّى قَالَ مَا شَاءَ اللَّهُ مِنْ أَصْوَاتٍ، فَقَالَ وَاحِدٌ أَنَا أَكْفِيكَهُ، قَالَ فَتَوَجَّهَ نَحْوَ الْمَدِينَةِ، وَأَنَا أَنْظُرُ إلَيْهِ فَمَكَثَ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ أَوْشَكَ الرَّجْعَةَ فَقَالَ لَا سَبِيلَ لِي إلَى عُرْوَةَ، قَالَ وَيْلَك لِمَ؟ قَالَ: وَجَدْته يَقُولُ كَلِمَاتٍ إذَا أَصْبَحَ وَإِذَا أَمْسَى فَلَمْ يَخْلُصْ إلَيْهِ مَعَهُنَّ. قَالَ الرَّجُلُ: فَلَمَّا أَصْبَحْت قُلْت لِأَهْلِي جَهِّزُونِي فَأَتَيْت الْمَدِينَةَ فَسَأَلَتْ عَنْهُ حَتَّى دُلِلْت عَلَيْهِ فَإِذَا هُوَ شَيْخٌ كَبِيرٌ، فَقُلْت شَيْئًا تَقُولُهُ إذَا أَصْبَحْت وَإِذَا أَمْسَيْت، فَأَبَى أَنْ يُخْبِرَنِي، فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا رَأَيْت وَمَا سَمِعْت، فَقَالَ: مَا أَدْرِي غَيْرَ أَنِّي أَقُولُ إذَا أَصْبَحْت آمَنْت بِاَللَّهِ الْعَظِيمِ، وَكَفَرْت بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ، وَاسْتَمْسَكْت بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاَللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ، إذَا أَصْبَحْت ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَإِذَا أَمْسَيْت ثَلَاثَ مَرَّاتٍ.
وَذَكَرَهُ الْحَافِظُ الْمُنْذِرِيُّ فِي التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ وَالْإِمَامُ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي الْكَلِمِ الطَّيِّبِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ، وَغَيْرُهُمَا مِنْ الْأَئِمَّةِ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ -. وَمَعْنَى أَوْشَكَ أَسْرَعَ وَزْنًا وَمَعْنًى.
وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ «دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ الْمَسْجِدَ، فَإِذَا هُوَ بِرَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ أَبُو أُمَامَةَ، فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا أُمَامَةَ مَالِي أَرَاك جَالِسًا فِي الْمَسْجِدِ فِي غَيْرِ
стр. 837
وَقْتِ الصَّلَاةِ؟ فَقَالَ: هُمُومٌ لَزِمَتْنِي وَدُيُونٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ أَفَلَا أُعَلِّمُك شَيْئًا إذَا قُلْته أَذْهَبَ اللَّهُ هَمَّك وَقَضَى عَنْك دَيْنَك؟ قُلْت: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ قُلْ إذَا أَصْبَحَتْ وَإِذَا أَمْسَيْت اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك مِنْ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ، وَأَعُوذُ بِك مِنْ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ وَأَعُوذُ بِك مِنْ الْجُبْنِ وَالْبُخْلِ، وَأَعُوذُ بِك مِنْ غَلَبَةِ الدَّيْنِ وَقَهْرِ الرِّجَالِ قَالَ: فَفَعَلْت فَأَذْهَبَ اللَّهُ هَمِّي وَقَضَى عَنِّي دَيْنِي» .
وَفِي الْكَلِمِ الطَّيِّبِ لِلْإِمَامِ ابْنِ الْقَيِّمِ عَنْ طَلْقِ بْنِ حَبِيبٍ قَالَ «جَاءَ رَجُلٌ إلَى أَبِي الدَّرْدَاءِ فَقَالَ يَا أَبَا الدَّرْدَاءِ قَدْ احْتَرَقَ بَيْتُك، فَقَالَ: مَا احْتَرَقَ لَمْ يَكُنْ اللَّهُ لِيَفْعَلَ ذَلِكَ لِكَلِمَاتٍ سَمِعْتهنَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَنْ قَالَهَا أَوَّلَ نَهَارِهِ لَمْ تُصِبْهُ مُصِيبَةٌ حَتَّى يُمْسِيَ، وَمَنْ قَالَهَا آخِرَ نَهَارِهِ لَمْ تُصِبْهُ مُصِيبَةٌ حَتَّى يُصْبِحَ: اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ عَلَيْك تَوَكَّلْت وَأَنْتَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، مَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ، أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك مِنْ شَرِّ نَفْسِي وَمِنْ شَرِّ كُلِّ دَابَّةٍ أَنْتَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ» .
رَوَاهُ ابْنُ السُّنِّيِّ. وَفِي رِوَايَةٍ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَفِيهِ أَنَّهُ تَكَرَّرَ مَجِيءُ الرَّجُلِ إلَى أَبِي الدَّرْدَاءِ يَقُولُ: أَدْرِكْ دَارَك فَقَدْ احْتَرَقَتْ، وَهُوَ يَقُولُ مَا احْتَرَقَتْ؛ لِأَنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ وَذَكَرَ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ لَمْ يُصِبْهُ فِي نَفْسِهِ، وَلَا أَهْلِهِ، وَلَا مَالِهِ شَيْءٌ يَكْرَهُهُ وَقَدْ قُلْتهَا الْيَوْمَ ثُمَّ قَالَ: انْهَضُوا بِنَا فَقَامَ وَقَامُوا مَعَهُ فَانْتَهَوْا إلَى دَارِهِ، وَقَدْ احْتَرَقَ مَا حَوْلَهَا، وَلَمْ يُصِبْهَا شَيْءٌ» .
قُلْت: وَالشَّيْءُ بِالشَّيْءِ يُذْكَرُ، حَدَّثَنِي عِدَّةٌ مِنْ الثِّقَاتِ يَبْلُغُ حَدَّ التَّوَاتُرِ أَنَّهُ أَشْتَدَّ الْغَلَاءُ وَارْتَفَعَ السِّعْرُ وَعُدِمَ الْبُرُّ فِي دِيرَتِنَا.
فَجَهَّزَ الْوَالِدُ السَّعِيدُ الْحَاجُّ أَحْمَدُ بْنُ سَالِمٍ السَّفَارِينِيُّ - رَحِمَ اللَّهُ رُوحَهُ وَنَوَّرَ ضَرِيحَهُ - جَمَاعَةً لِيَحْضُرُوا إلَى نَوَاحِي صُورَ وَتِلْكَ السَّوَاحِلِ فَيَشْتَرُوا مِنْهَا الْحِنْطَةَ وَيَنْزِلُوا فِي الْمَرَاكِبِ فَفَعَلُوا، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ أَيَّامٍ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ إنَّ الْمَرَاكِبَ الَّتِي أُوسِقَتْ مِنْ نَوَاحِي كَذَا قَدْ تَكَسَّرَتْ، وَالْمَرْكَبُ الَّذِي أَوْسَقَهُ عَامِلُك مَعَهَا، فَقَالَ فِي
стр. 838
الْحَالِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: إنَّ الْمَرْكَبَ الَّذِي فِيهِ مَالُنَا مَا انْكَسَرَ وَلَا ضَاعَ؛ لِأَنَّهُ بَلَغَنِي عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مَا ضَاعَ مَالٌ فِي بَرٍّ أَوْ بَحْرٍ إلَّا بِسَبَبِ مَنْعِ الزَّكَاةِ» ، وَقَدْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّ مَالِي مُزَكًّى، فَكَيْفَ يَتْلَفُ؟ فَاتَّفَقَ أَنَّ الْمَرَاكِبَ تَكَسَّرَتْ وَتَلِفَ مَا فِيهَا مَا عَدَا الْمَرْكَبَ الَّتِي فِيهَا مَالُ أَبِي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -.
فَهَذِهِ الْوَاقِعَةُ تَدُلُّ عَلَى قُوَّةِ يَقِينِ الْوَالِدِ وَحُسْنِ مَعْرِفَتِهِ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَعَظِيمِ اتِّكَالِهِ عَلَى اللَّهِ - جَلَّ شَأْنُهُ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
(فَائِدَةٌ) : رَوَى الطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُسْرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ اسْتَفْتَحَ أَوَّلَ نَهَارِهِ بِخَيْرٍ، وَخَتَمَهُ بِخَيْرٍ قَالَ اللَّهُ لِمَلَائِكَتِهِ: لَا تَكْتُبُوا مَا بَيْنَ ذَلِكَ مِنْ الذُّنُوبِ» .
وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ رِوَايَةِ تَمَّامِ بْنِ نَجِيحٍ عَنْ الْحَسَنِ عَنْ أَنَسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا مِنْ حَافِظَيْنِ يَرْفَعَانِ إلَى اللَّهِ مَا حَفِظَا مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ فَيَجِدُ فِي أَوَّلِ الصَّحِيفَةِ، وَفِي آخِرِهَا خَيْرًا إلَّا قَالَ لِلْمَلَائِكَةِ: أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ غَفَرْت لِعَبْدِي مَا بَيْنَ طَرَفَيْ الصَّحِيفَةِ» .
مَطْلَبٌ: فِي فَضَائِلِ الِاسْتِغْفَارِ وَكَثْرَةِ بَرَكَاتِهِ
(تَتِمَّةٌ) :
مِمَّا يَتَأَكَّدُ عَلَيْك مِنْ الْأَذْكَارِ الْإِكْثَارُ مِنْ الِاسْتِغْفَارِ فَإِنَّ فَضَائِلَهُ كَثِيرَةٌ، وَبَرَكَاتِهِ غَزِيرَةٌ، وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ بِهِ فِي كِتَابِهِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٩٩] وَأَثْنَى عَلَى قَوْمٍ بِقَوْلِهِ: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٣٥] وَقَرَنَ - تَعَالَى - الِاسْتِغْفَارَ بِبَقَاءِ الرَّسُولِ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٣] وَلِذَا قَالَ أَبُو مُوسَى ﵁ «كَانَ لَنَا أَمَانَانِ ذَهَبَ أَحَدُهُمَا، وَبَقِيَ الْآخَرُ» رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ.
قَالَ الْإِمَامُ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْقَيِّمِ: الِاسْتِغْفَارُ الَّذِي يَمْنَعُ الْعَذَابَ هُوَ الِاسْتِغْفَارُ بِالْإِقْلَاعِ عَنْ كُلِّ ذَنْبٍ، وَأَمَّا مَنْ أَصَرَّ عَلَى الذَّنْبِ وَطَلَبَ مِنْ اللَّهِ الْمَغْفِرَةَ فَاسْتِغْفَارُهُ لَا يَمْنَعُ الْعَذَابَ؛ لِأَنَّ الْمَغْفِرَةَ هِيَ مَحْوُ الذَّنْبِ وَإِزَالَةُ أَثَرِهِ وَوِقَايَةُ شَرِّهِ، لَا كَمَا ظَنَّهُ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّهَا السِّتْرُ، فَإِنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - يَسْتُرُ عَلَى مَنْ يَغْفِرُ لَهُ وَمَنْ لَا يَغْفِرُ لَهُ، فَحَقِيقَتُهَا وِقَايَةُ شَرِّ الذَّنْبِ، وَمِنْهُ الْمِغْفَرُ لِمَا يَقِي
стр. 839
الرَّأْسَ مِنْ الْأَذَى، وَالسِّتْرُ لَازِمٌ لِهَذَا الْمَعْنَى. وَإِلَّا فَالْعِمَامَةُ لَا تُسَمَّى مِغْفَرًا وَلَا الْقُبَّعَةُ وَنَحْوُهُ مَعَ سَتْرِهِ انْتَهَى.
وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالْحَاكِمُ وَقَالَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ مَرْفُوعًا «مَنْ لَزِمَ الِاسْتِغْفَارَ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا، وَمِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا، وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ» .
مَطْلَبٌ: فِي تَحْقِيقِ مَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ «إنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي» الْحَدِيثَ.
وَفِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَصَحِيحِ مُسْلِمٍ وَسُنَنِ أَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِمْ عَنْ الْأَغَرِّ الْمُزَنِيّ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «إنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي وَإِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ فِي كُلِّ يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ» هَذَا لَفْظُ أَبِي دَاوُد وَلَفْظُ الْإِمَامِ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٍ «إنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي حَتَّى أَسْتَغْفِرَ اللَّهَ فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ» قَالَ: وَسَمِعْته يَقُولُ: «تُوبُوا إلَى رَبِّكُمْ فَوَاَللَّهِ إنِّي لَأَتُوبُ إلَى رَبِّي ﵎ مِائَةَ مَرَّةٍ فِي الْيَوْمِ» . وَالْأَحَادِيثُ فِي هَذَا الْمَعْنَى كَثِيرَةٌ جِدًّا.
قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: هُوَ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ، وَالْغَيْمُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَالْمُرَادُ هُنَا الَّذِي يَغْشَى الْقَلْبَ. وَقِيلَ الْغَيْنُ لُغَةً الْغَيْمُ. وَفِي مَعْنَى الْغَيْنِ خِلَافٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ ﵃. فَقَالَ بَعْضُهُمْ قَدْ يَكُونُ هَذَا الْغَيْنُ السَّكِينَةَ الَّتِي تَغْشَى قَلْبَهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ [الفتح: ٢٦] وَالسَّكِينَةُ فَعِيلَةٌ مِنْ السُّكُونِ الَّذِي هُوَ الْوَقَارُ الَّذِي هُوَ فَقْدُ الْحَرَكَةِ وَيَكُونُ الِاسْتِغْفَارُ إظْهَارًا لِلْعُبُودِيَّةِ وَالِافْتِقَارِ وَمُلَازَمَةِ الْخُضُوعِ وَشُكْرًا لِمَا أَوْلَاهُ مَوْلَاهُ.
وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: وَيَحْتَمِلُ أَنَّ هَذَا الْغَيْنَ حَالُ خَشْيَةٍ وَإِعْظَامٍ يَغْشَى الْقَلْبَ وَيَكُونُ اسْتِغْفَارُهُ شُكْرًا. وَقِيلَ: كَانَ ﵊ فِي تَرَقٍّ مِنْ مَقَامٍ إلَى مَقَامٍ.
فَإِذَا ارْتَقَى مِنْ الْمَقَامِ الَّذِي كَانَ فِيهِ إلَى مَقَامٍ أَعْلَى اسْتَغْفَرَ مِنْ الْمَقَامِ الَّذِي كَانَ فِيهِ. وَقِيلَ: الْغَيْنُ شَيْءٌ يَغْشَى الْقَلْبَ وَلَا يُغَطِّيهِ كَالْغَيْمِ الَّذِي يَعْرِضُ فِي الْهَوَاءِ فَلَا يَمْنَعُ ضَوْءَ الشَّمْسِ.
стр. 840
وَقِيلَ: هُوَ هَمُّهُ بِسَبَبِ أُمَّتِهِ وَمَا اطَّلَعَ عَلَيْهِ مِنْ أَحْوَالِهَا بَعْدَهُ فَيَسْتَغْفِرُ لَهُمْ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ الْفَتَرَاتُ وَالْغَفَلَاتُ عَنْ الذِّكْرِ الَّذِي كَانَ شَأْنُهُ الدَّوَامَ عَلَيْهِ، فَإِذَا فَتَرَ عَنْهُ أَوْ غَفَلَ عَدَّ ذَلِكَ ذَنْبًا فَاسْتَغْفَرَ مِنْهُ. وَقِيلَ: غَيْنُ أَنْوَارٍ لَا غَيْنُ أَغْيَارٍ وَالْعَدَدُ الْمَذْكُورُ فِي الْحَدِيثِ عَدَدٌ لِلِاسْتِغْفَارِ لَا لِلْغَيْنِ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
وَرَوَى ابْنُ السُّنِّيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ مَرْفُوعًا «مَا جَلَسَ قَوْمٌ فِي مَجْلِسٍ فَخَاضُوا فِي حَدِيثٍ وَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقُوا إلَّا غَفَرَ لَهُمْ مَا خَاضُوا فِيهِ» .
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ «الْغِيبَةُ تَخْرِقُ الصَّوْمَ وَالِاسْتِغْفَارُ يُرَقِّعُهُ فَمَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَجِيءَ بِصَوْمٍ مُرَقَّعٍ فَلْيَفْعَلْ» . وَقِيلَ لِبَعْضِ السَّلَفِ: كَيْفَ أَنْتَ فِي دِينِك؟ قَالَ: أُمَزِّقُهُ بِالْمَعَاصِي وَأُرَقِّعُهُ بِالِاسْتِغْفَارِ. وَقِيلَ: إنَّهُ لِلذُّنُوبِ كَالصَّابُونِ لِإِزَالَةِ الْوَسَخِ.
قَالَ الْإِمَامُ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْقَيِّمِ: قُلْت لِشَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ - قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ يَوْمًا -: سُئِلَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَيُّمَا أَنْفَعُ لِلْعَبْدِ التَّسْبِيحُ أَوْ الِاسْتِغْفَارُ؟ فَقَالَ: إذَا كَانَ الثَّوْبُ نَقِيًّا فَالْبَخُورُ وَمَاءُ الْوَرْدِ أَنْفَعُ لَهُ. وَإِنْ كَانَ دَنِسًا فَالصَّابُون وَالْمَاءُ أَنْفَعُ لَهُ. ثُمَّ قَالَ لِي: فَكَيْفَ وَالثِّيَابُ لَا تَزَالُ دَنِسَةً. انْتَهَى.
قُلْت: وَالْمَسْئُولُ عَنْ ذَلِكَ وَالْمُجِيبُ هُوَ الْإِمَامُ الْحَافِظُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ كَمَا فِي طَبَقَاتِ الْحَافِظِ ابْنِ رَجَبٍ وَغَيْرِهِ. وَلَيْسَ قَصْدُنَا الِاسْتِقْصَاءَ لِلْمَأْثُورِ، وَإِنَّمَا قَصْدُنَا التَّنْبِيهُ وَعَدَمُ الْإِخْلَالِ بِالْفَائِدَةِ. وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
مَطْلَبٌ: الْأَذْكَارُ الْوَارِدَةُ الَّتِي تُقَالُ عِنْدَ النَّوْمِ
(وَ) قُلْ فِي وَقْتِ إرَادَةِ (نَوْمٍ) وَالنَّوْمُ غَشْيَةٌ ثَقِيلَةٌ تَتَهَجَّمُ عَلَى الْقَلْبِ فَتَقْطَعُهُ عَنْ الْمَعْرِفَةِ بِالْأَشْيَاءِ. وَلِهَذَا قِيلَ. هُوَ آفَةٌ؛ لِأَنَّ النَّوْمَ أَخُو الْمَوْتِ
стр. 841
كَمَا مَرَّ. وَقِيلَ: إنَّ النَّوْمَ مُزِيلٌ لِلْقُوَّةِ وَالْعَقْلِ. أَمَّا السِّنَةُ فَفِي الرَّأْسِ، وَالنُّعَاسُ فِي الْعَيْنِ. وَالْأَشْهَرُ أَنَّ السِّنَةَ هِيَ النُّعَاسُ. وَقِيلَ: إنَّهَا رِيحُ النَّوْمِ فَتَبْدُو فِي الْوَجْهِ ثُمَّ تَنْبَعِثُ إلَى الْقَلْبِ فَيَنْعَسُ الْإِنْسَانُ فَيَنَامُ.
وَتَعْرِيفُ النَّوْمِ هُوَ انْغِمَارٌ وَغَلَبَةٌ عَلَى الْعَقْلِ يَسْقُطُ بِهِ الْإِحْسَاسُ. (مِنْ) الذِّكْرِ (الْمَرْوِيِّ) عَنْ النَّبِيِّ الْأَمْجَدِ (مَا) أَيْ الَّذِي (شِئْت) هـ أَوْ ذِكْرًا شِئْت (تُرْشَدْ) أَيْ تُوَفَّقْ وَتَهْتَدِ.
قَالَ فِي الْقَامُوسِ: وَالرُّشْدُ الِاسْتِقَامَةُ عَلَى طَرِيقِ الْحَقِّ مَعَ تَصَلُّبٍ فِيهِ.
وَالرَّشِيدُ فِي صِفَاتِ الْبَارِي جَلَّ شَأْنُهُ الْهَادِي إلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ، وَاَلَّذِي حَسُنَ تَقْدِيرُهُ فِيمَا قَدَّرَ. رَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَغَيْرُهُمَا عَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ قَالَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ قَالَ بِاسْمِك اللَّهُمَّ أَمُوتُ وَأَحْيَا، وَإِذَا اسْتَيْقَظَ مِنْ مَنَامِهِ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَحْيَانَا بَعْدَ مَا أَمَاتَنَا، وَإِلَيْهِ النُّشُورُ» .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَيْضًا عَنْ عَائِشَةَ ﵂ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إذَا أَوَى إلَى فِرَاشِهِ كُلَّ لَيْلَةٍ جَمَعَ كَفَّيْهِ ثُمَّ نَفَثَ فِيهِمَا فَقَرَأَ فِيهِمَا قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، وَقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ، وَقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ثُمَّ يَمْسَحُ بِهِمَا مَا اسْتَطَاعَ مِنْ جَسَدِهِ، يَبْدَأُ بِهِمَا عَلَى رَأْسِهِ وَوَجْهِهِ وَمَا أَقْبَلَ مِنْ جَسَدِهِ، وَيَفْعَلُ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ» .
وَفِيهِمَا عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «مَنْ قَرَأَ آيَتَيْنِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ فِي لَيْلَةٍ كَفَتَاهُ» قَالَ الْإِمَامُ الْمُحَقِّقُ فِي الْكَلِمِ الطَّيِّبِ: الصَّحِيحُ أَنَّ مَعْنَاهُ كَفَتَاهُ مِنْ شَرِّ مَا يُؤْذِيهِ. وَقِيلَ كَفَتَاهُ مِنْ قِيَامِ اللَّيْلِ. قَالَ: وَلَيْسَ بِشَيْءٍ. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ «مَا كُنْت أَرَى أَحَدًا يَعْقِلُ يَنَامُ قَبْلَ أَنْ يَقْرَأَ الْآيَاتِ الثَّلَاثَ الْأَوَاخِرَ مِنْ سُورَةِ الْبَقَرَةِ» .
وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّهُ «أَتَاهُ آتٍ يَحْثُو مِنْ الصَّدَقَةِ، وَكَانَ قَدْ جَعَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ عَلَيْهَا لَيْلَةً بَعْدَ لَيْلَةٍ، فَلَمَّا كَانَ فِي اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ قَالَ لَأَرْفَعَنَّكَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: دَعْنِي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ يَنْفَعُك اللَّهُ بِهِنَّ، وَكَانُوا أَحْرَصَ شَيْءٍ عَلَى الْخَيْرِ
стр. 842
فَقَالَ إذَا آوَيْت إلَى فِرَاشِك فَاقْرَأْ آيَةَ الْكُرْسِيِّ اللَّهُ لَا إلَهَ إلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ حَتَّى تَخْتِمَهَا فَإِنَّهُ لَنْ يَزَالَ عَلَيْك مِنْ اللَّهِ حَافِظٌ وَلَا يَقْرَبُك شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ صَدَقَك وَهُوَ كَذُوبٌ» . وَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ نَحْوَ هَذِهِ الْقِصَّةِ فِي مُسْنَدِهِ أَنَّهَا جَرَتْ لِأَبِي الدَّرْدَاءِ. وَرَوَاهَا الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ أَنَّهَا جَرَتْ لِأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «إذَا قَامَ أَحَدُكُمْ عَنْ فِرَاشِهِ ثُمَّ رَجَعَ إلَيْهِ فَلْيَنْفُضْهُ بِصَنِفَةِ إزَارِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي مَا خَلَّفَهُ عَلَيْهِ بَعْدَهُ وَإِذَا اضْطَجَعَ فَلْيَقُلْ بِاسْمِك رَبِّي وَضَعْت جَنْبِي وَبِك أَرْفَعُهُ، فَإِنْ أَمْسَكْت نَفْسِي فَارْحَمْهَا، وَإِنْ أَرْسَلْتهَا فَاحْفَظْهَا بِمَا تَحْفَظُ بِهِ عِبَادَكَ الصَّالِحِينَ» . قَوْلُهُ بِصَنِفَةِ إزَارِهِ. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ أَيْ بِحَاشِيَةِ إزَارِهِ. وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ: صَنِفَةُ الْإِزَارِ بِكَسْرِ النُّونِ طَرَفُهُ مِمَّا يَلِي طُرَّتَهُ. وَفِيهِمَا عَنْ عَلِيٍّ ﵁ «أَنَّ فَاطِمَةَ أَتَتْ النَّبِيَّ ﷺ تَسْأَلُهُ خَادِمًا فَلَمْ تَجِدْهُ، وَوَجَدَتْ عَائِشَةَ فَأَخْبَرَتْهَا، قَالَ عَلِيٌّ فَجَاءَنَا النَّبِيُّ ﷺ وَقَدْ أَخَذْنَا مَضَاجِعَنَا فَقَالَ: أَلَا أَدُلُّكُمَا عَلَى مَا هُوَ خَيْرٌ لَكُمَا مِنْ خَادِمٍ، إذَا آوَيْتُمَا إلَى فِرَاشِكُمَا فَسَبِّحَا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَاحْمِدَا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَكَبِّرَا أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ فَإِنَّهُ خَيْرٌ لَكُمَا مِنْ خَادِمٍ، قَالَ عَلِيٌّ فَمَا تَرَكْتهنَّ مُنْذُ سَمِعْتهنَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قِيلَ وَلَا لَيْلَةَ صِفِّينَ؟ قَالَ وَلَا لَيْلَةَ صِفِّينَ» . قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ فِي كِتَابِهِ الْكَلِمِ الطَّيِّبِ: وَقَدْ بَلَغَنَا أَنَّهُ مَنْ حَافَظَ عَلَى هَذِهِ الْكَلِمَاتِ لَمْ يَأْخُذْهُ عَيَاءٌ فِيمَا يُعَانِيهِ مِنْ شَغْلٍ وَنَحْوِهِ انْتَهَى. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ قَالَ «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَنَا وَسَقَانَا وَكَفَانَا وَآوَانَا، فَكَمْ مِمَّنْ لَا كَافِيَ لَهُ وَلَا مَأْوَى»
قَالَ فِي شَرْحِ أَوْرَادِ أَبِي دَاوُد: قَوْلُهُ: آوَانَا هُنَا مَمْدُودٌ عَلَى الصَّحِيحِ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ، وَحُكِيَ بِالْقَصْرِ وَمَعْنَى آوَانَا جَمَعَنَا وَضَمَّنَا إلَيْهِ، وَأَوَيْت إلَى الْمَنْزِلِ أَيْ رَجَعْت إلَيْهِ وَدَخَلْته.
وَقَالَ فِي قَوْلِهِ مَنْ أَوَى إلَى فِرَاشِهِ مَقْصُورٌ لِأَنَّهُ فِعْلٌ لَازِمٌ وَبِمَدٍّ إذَا كَانَ مُتَعَدِّيًا، وَحُكِيَ اللُّغَتَانِ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا انْتَهَى.
стр. 843
قَالَ فِي قَوْلِهِ ﷺ «فَكَمْ مِمَّنْ لَا كَافِيَ لَهُ وَلَا مَأْوَى» أَيْ لَا رَاحِمَ لَهُ وَلَا عَاطِفَ عَلَيْهِ. وَقِيلَ مَعْنَاهُ لَا وَطَنَ لَهُ وَلَا مَسْكَنَ يَأْوِي إلَيْهِ وَكَذَا قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀. وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُمَا وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ غَرِيبٌ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ.
﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «مَنْ قَالَ حِينَ يَأْوِي إلَى فِرَاشِهِ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ وَأَتُوبُ إلَيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ ذُنُوبَهُ وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ، وَإِنْ كَانَتْ عَدَدَ النُّجُومِ، وَإِنْ كَانَتْ عَدَدَ رَمْلٍ عَالِجٍ، وَإِنْ كَانَتْ عَدَدَ أَيَّامِ الدُّنْيَا» .
وَفِي رِوَايَةٍ «غَفَرَ لَهُ ذُنُوبَهُ وَإِنْ كَانَتْ عَدَدَ وَرَقِ الشَّجَرِ» وَذَكَرَ الْحَدِيثَ خَلَا قَوْلِهِ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ وَعَدَدِ النُّجُومِ. وَفِي مُسْلِمٍ وَابْنِ السُّنِّيِّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ «أَنَّهُ أَمَرَ رَجُلًا إذَا أَخَذَ مَضْجَعَهُ أَنْ يَقُولَ اللَّهُمَّ أَنْتَ خَلَقْت نَفْسِي وَأَنْتَ تَتَوَفَّاهَا، لَك مَمَاتُهَا وَمَحْيَاهَا، إنْ أَحْيَيْتهَا فَاحْفَظْهَا، وَإِنْ أَرْسَلْتهَا اغْفِرْ لَهَا اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك الْعَافِيَةَ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ سَمِعْت مِنْ عُمَرَ؟ فَقَالَ سَمِعْت مِنْ خَيْرٍ مِنْ عُمَرَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ » .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵄ قَالَ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إذَا أَتَيْت مَضْجَعَك فَتَوَضَّأَ وُضُوءَك لِلصَّلَاةِ ثُمَّ اضْطَجِعْ عَلَى شِقِّك الْأَيْمَنِ ثُمَّ قُلْ: اللَّهُمَّ وَجَّهْت وَجْهِي إلَيْك، وَفَوَّضْت أَمْرِي إلَيْك، وَأَلْجَأْت ظَهْرِي إلَيْك، رَغْبَةً وَرَهْبَةً إلَيْك، لَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجَا مِنْك إلَّا إلَيْك آمَنْت بِكِتَابِك الَّذِي أَنْزَلْت، وَنَبِيِّك الَّذِي أَرْسَلْت، فَإِنْ مِتَّ مِنْ لَيْلَتِك مِتَّ عَلَى الْفِطْرَةِ، وَاجْعَلْهُنَّ آخِرَ مَا تَتَكَلَّمُ بِهِ قَالَ: فَرَدَدْتهَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَلَمَّا بَلَغْت آمَنْت بِكِتَابِك الَّذِي أَنْزَلْت قُلْت وَرَسُولِك، قَالَ لَا وَنَبِيِّك الَّذِي أَرْسَلْت» وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ «فَإِنَّك إنْ مِتَّ مِنْ لَيْلَتِك مِتَّ عَلَى الْفِطْرَةِ، وَإِنْ أَصْبَحْت أَصَبْت خَيْرًا» .
وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ أَيْضًا «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا أَوَى إلَى فِرَاشِهِ نَامَ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ أَسْلَمْت نَفْسِي إلَيْك، وَوَجَّهْت وَجْهِي إلَيْك فَذَكَرَ مِثْلَهُ غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: وَنَبِيِّك» .
стр. 844
قَوْلُهُ إذَا أَتَيْت مَضْجَعَك بِفَتْحِ الْجِيمِ.
وَقَوْلُهُ وَجَّهْت وَجْهِي إلَيْك، أَيْ قَصَدْتُك بِعِبَادَتِي.
وَقَوْلُهُ وَفَوَّضْت أَمْرِي إلَيْك أَيْ رَدَدْته إلَيْك، يُقَالُ فَوَّضَ فُلَانٌ أَمْرَهُ إلَى فُلَانٍ أَيْ رَدَّهُ.
وَقَوْلُهُ: وَأَلْجَأْت ظَهْرِي إلَيْك أَيْ تَوَكَّلْت وَاعْتَمَدْت فِي أَمْرِي كُلِّهِ عَلَيْك كَمَا يَعْتَمِدُ الْإِنْسَانُ بِظَهْرِهِ إلَى مَا يَعْتَمِدُ مِنْ حَائِطٍ أَوْ سَارِيَةٍ. وَقَوْلُهُ رَغْبَةً وَرَهْبَةً إلَيْك أَيْ طَمَعًا فِي ثَوَابِك، وَخَوْفًا مِنْ عَذَابِك. وَقَوْلُهُ: لَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجَا الْأَوَّلُ: مَهْمُوزٌ وَالثَّانِي بِتَرْكِهِ مَقْصُورٌ.
وَقَوْلُهُ: بِكِتَابِك الْمُرَادُ الْقُرْآنُ، وَيَحْتَمِلُ إرَادَةَ جَمِيعِ الْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ، وَأَمَّا رَدُّ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى الْبَرَاءِ بِقَوْلِهِ وَنَبِيِّك، قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: لَمْ يُرِدْ بِرَدِّهِ عَلَى الْبَرَاءِ تَحَرِّيَ لَفْظِهِ فَقَطْ إنَّمَا أَرَادَ الْمَعْنَى الَّذِي لَيْسَ فِي لَفْظَةِ الرَّسُولِ وَهُوَ تَخْلِيصُ الْكَلَامِ مِنْ اللَّبْسِ؛ إذْ الرَّسُولُ يَدْخُلُ فِيهِ جِبْرِيلُ وَغَيْرُهُ مِنْ الْمَلَائِكَةِ الَّذِينَ لَيْسُوا بِأَنْبِيَاءَ.
قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى -: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلا وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج: ٧٥] وَالْمَقْصُودُ التَّصْدِيقُ بِنُبُوَّتِهِ بَعْدَ التَّصْدِيقِ بِكِتَابِهِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ مِنْ رُسُلِ اللَّهِ وَاجِبٌ الْإِيمَانُ بِهِمْ، وَهَذِهِ شَهَادَةُ الْإِخْلَاصِ الَّتِي مَنْ مَاتَ عَلَيْهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ: قَالَ فِي شَرْحِ أَوْرَادِ أَبِي دَاوُد.
قَالَ النَّوَوِيُّ: قَالَ الْمَازِرِيُّ: إنَّ سَبَبَ الْإِنْكَارِ أَنَّ هَذَا ذِكْرٌ وَدُعَاءٌ فَيُقْتَصَرُ فِيهِ عَلَى اللَّفْظِ الْوَارِدِ بِحُرُوفِهِ، وَقَدْ يَتَعَلَّقُ الْجَزَاءُ بِتِلْكَ الْحُرُوفِ، وَلَعَلَّهُ أُوحِيَ إلَيْهِ بِتِلْكَ الْكَلِمَاتِ فَيَتَعَيَّنُ أَدَاؤُهَا بِحُرُوفِهَا، ثُمَّ يَخْتِمُ ذَلِكَ كُلَّهُ بِقِرَاءَةِ قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ وَلْيَنَمْ عَلَى خَاتِمَتِهَا؛ لِمَا رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ وَالْحَاكِمُ وَقَالَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ فَرْوَةَ بْنِ نَوْفَلٍ الْأَشْجَعِيِّ.
وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ فَرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ ﵄ قَالَ التِّرْمِذِيُّ وَهُوَ أَصَحُّ أَنَّهُ «أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلِّمْنِي شَيْئًا أَقُولُهُ إذَا آوَيْت إلَى فِرَاشِي» ، وَفِي رِوَايَةٍ «أَقُولُهُ عِنْدَ مَنَامِي، فَقَالَ لَهُ: اقْرَأْ قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ ثُمَّ نَمْ عَلَى خَاتِمَتِهَا فَإِنَّهَا بَرَاءَةٌ مِنْ الشِّرْكِ» .
مَطْلَبٌ: فِي فَوَائِدَ مِنْ آدَابِ النَّوْمِ .
(تَتِمَّةٌ) فِي فَوَائِدَ مِنْ آدَابِ النَّوْمِ: مِنْهَا أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِمَنْ أَرَادَ النَّوْمَ أَنْ يَذْكُرَ اسْمَ اللَّهِ عِنْدَ غَلْقِ الْبَابِ وَطَفْءِ
стр. 845
الْمِصْبَاحِ وَتَغْطِيَةِ الْإِنَاءِ، لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ مَرْفُوعًا «إذَا اسْتَجْنَحَ اللَّيْلُ أَوْ كَانَ جُنْحُ اللَّيْلِ فَكُفُّوا صِبْيَانَكُمْ فَإِنَّ الشَّيَاطِينَ تَنْتَشِرُ حِينَئِذٍ، فَإِذَا ذَهَبَتْ سَاعَةٌ مِنْ اللَّيْلِ فَخَلُّوهُمْ وَأَغْلِقْ بَابَك وَاذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ، وَخَمِّرْ إنَاءَك، وَاذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ، وَلَوْ أَنْ تَعْرِضَ عَلَيْهِ شَيْئًا» .
وَتَقَدَّمَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِ النَّاظِمِ وَيُشْرَعُ إيكَاءُ السِّقَاءِ وَغِطَاءُ الْإِنَاءِ إلَخْ.
وَمِنْهَا اسْتِحْبَابُ النَّوْمِ عَلَى طَهَارَةٍ؛ لِمَا رَوَى التِّرْمِذِيُّ وَالطَّبَرَانِيُّ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «مَنْ آوَى إلَى فِرَاشِهِ طَاهِرًا يَذْكُرُ اسْمَ اللَّهِ - تَعَالَى - حَتَّى يُدْرِكَهُ النُّعَاسُ لَمْ يَنْقَلِبْ سَاعَةً مِنْ اللَّيْلِ يَسْأَلُ اللَّهَ فِيهَا شَيْئًا مِنْ خَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ إلَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ إيَّاهُ» قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَرَوَى أَبُو الْقَاسِم الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «طَهِّرُوا هَذِهِ الْأَجْسَادَ طَهَّرَكُمْ اللَّهُ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ عَبْدٍ يَبِيتُ طَاهِرًا إلَّا بَاتَ مَعَهُ فِي شِعَارِهِ مَلَكٌ لَا يَنْقَلِبُ سَاعَةً مِنْ اللَّيْلِ إلَّا قَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِعَبْدِك فَإِنَّهُ بَاتَ طَاهِرًا»
وَرَوَى أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ عَنْ ابْنِ جَبْرٍ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ لِي ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ ": لَا تَنَامُ إلَّا عَلَى وُضُوءٍ فَإِنَّ الْأَرْوَاحَ تُبْعَثُ عَلَى مَا قُبِضَتْ عَلَيْهِ. وَرَوَى ابْنُ الْمُبَارَكِ فِي الزُّهْدِ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ مَوْقُوفًا «إذَا نَامَ الْعَبْدُ عَلَى طَهَارَةٍ رُفِعَ رُوحُهُ إلَى الْعَرْشِ» وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ مَوْقُوفًا عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄. وَرَوَى الْحَاكِمُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ مَرْفُوعًا «النَّائِمُ الطَّاهِرُ كَالصَّائِمِ الْقَائِمِ» . وَبِسَنَدِهِ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ مَوْقُوفًا «إنَّ النَّفْسَ تَعْرُجُ إلَى اللَّهِ - تَعَالَى - فِي مَنَامِهَا، فَمَا كَانَ طَاهِرًا سَجَدَ تَحْتَ الْعَرْشِ، وَمَا كَانَ غَيْرَ طَاهِرٍ تَبَاعَدَ فِي سُجُودِهِ، وَمَا كَانَ جُنُبًا لَمْ يُؤْذَنْ لَهَا فِي السُّجُودِ» .
وَقَالَ طَاوُسٌ " مَنْ بَاتَ عَلَى طُهْرٍ وَذِكْرٍ كَانَ فِرَاشِهِ لَهُ مَسْجِدًا حَتَّى يُصْبِحَ " رَوَاهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا. وَسُئِلَ الْحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ الْكِنْدِيُّ - رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ -: أَيَنَامُ الرَّجُلُ عَلَى غَيْرِ
следующие страницы →