Полный текст (134 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
أخبرنا الشيخ أبو طاهر محمد بن علي بن محمد بن عبد الله البيع في ما أذن لنا أن نرويه عنه، قال أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن المظفر ابن كنداج البزاز قراءة عليه، قال أخبرنا أبو محمد عبد الله بن جعفر بن درستويه النحوي قراءة عليه، قال قال أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِدِينِهِ الْمُرْتَضَى، وَأَكْرَمَنَا بِنَبِيِّهِ الْمُصْطَفَى وَجَعَلَنَا خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ إِيمَانًا بِالْغَيْبِ وَتَصْدِيقًا بِالْوَعْدِ وَشَفَقًا مِنَ الْوَعِيدِ، وَإِخْلَاصًا لِلتَّوْحِيدِ، وَأَعْطَانَا بِالصَّغِيرِ الْكَبِيرَ وَبِالْيَسِيرِ الْكَثِيرَ، وَبِالْحَقِيرِ الْخَطِيرَ، وبالطاعة فِي الْأَيَّامِ الْمَعْدُودَةِ الْخُلُودَ فِي النعيم، وَرَضِيَ مِنَّا بِعَفْوِ الطَّاعَةِ وَفَسَحَ لَنَا فِي التَّوْبَةِ وَجَعَلَ مِنْ وَرَاءِ الصَّغِيرِ الْمَغْفِرَةَ، وَمِنْ وَرَاءِ الكبير الشفاعة،
стр. 2
فلم يهلك عليها لا من نِفَارَ الظَّلِيمِ وَشَرَدَ شِرَادَ الْبَعِيرِ، وَأَوْسَعَ لَنَا مِنْ طَيِّبِ الرِّزْقِ وَحَرَّمَ عَلَيْنَا الْخَبَائِثَ وَلَمْ يَجْعَلْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ وَلَا حظر بالاستعباد إِلَّا مَا جَعَلَ مِنْهُ الْخَلَفَ الْأَطْيَبَ وَالْبَذْلَ الْأَوْفَرَ، رَحْمَةً مِنْهُ وَبِرًّا وَلُطْفًا وَعَطْفًا.
فَحَرَّمَ عَلَيْنَا بِالْكِتَابِ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَبِالسُّنَّةِ سِبَاعَ الْوَحْشِ وَالطَّيْرِ وَعَوَّضَنَا من ذلك بهيمة الأنعام الثَّمَانِيَةِ الْأَزْوَاجِ وَسَائِرَ الْوَحْشِ وَصُنُوفَ الطَّيْرِ، وَحَرَّمَ عَلَيْنَا بِالْكِتَابِ الْمَيْسِرَ وَبِالسُّنَّةِ الْقُمَارَ، وَعَوَّضَنَا مِنْ ذَلِكَ اللهو بالرهان والنضال،
стр. 3
وَحَرَّمَ عَلَيْنَا الرِّبَا وَأَحَلَّ الْبَيْعَ، وَحَرَّمَ السِّفَاحَ وَأَحَلَّ النِّكَاحَ، وَحَرَّمَ بِالسُّنَّةِ الدِّيبَاجَ وَالْحَرِيرَ، وَعَوَّضَنَا الْخَزَّ والوشي والعقم والرقم
стр. 4
وَحَرَّمَ بِالْكِتَابِ الْخَمْرَ وَبِالسُّنَّةِ الْمُسْكِرَ، وَعَوَّضَنَا مِنْهُمَا صُنُوفَ الشَّرَابِ مِنَ اللبن والعسل وحلال النبيذ.
стр. 5
الِاخْتِلَافُ فِي الْأَشْرِبَةِ
وَلَيْسَ فِيمَا عازنا مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ الَّتِي وَقَعَ فيها الحظر والإطلاق شيء اختلفت فِيهِ النَّاسُ اخْتِلَافَهُمْ فِي الْأَشْرِبَةِ وكيفية ما يحمل مِنْهَا وَمَا يَحْرُمُ عَلَى قَدِيمِ الْأَيَّامِ، مَعَ قُرْبِ الْعَهْدِ بِالرَّسُولِ ﷺ وَتَوَافُرِ الصَّحَابَةِ وَكَثْرَةِ الْعُلَمَاءِ الْمَأْخُوذِ عَنْهُمْ الْمُقْتَدَى بِهِمْ، حَتَّى يَحْتَاجَ ابْنُ سِيرِينَ مَعَ ثَاقِبِ عِلْمِهِ وَبَارِعِ فَهْمِهِ إِلَى أَنْ يَسْأَلَ عُبَيْدَةَ السَّلْمَانِيَّ عَنِ النَّبِيذِ، وَحَتَّى يَقُولَ لَهُ عُبَيْدَةُ وَقَدْ لَحِقَ خِيَارَ الصَّحَابَةِ وَعُلَمَاءَهُمْ مِنْهُمْ علي وابن مسعود اختلف علما فِي النَّبِيذِ وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى أخذت النَّاسُ أَشْرِبَةً كَثِيرَةً فَمَا لِي شَرَابٌ مُنْذُ عِشْرِينَ سَنَةً إِلَّا مِنْ لَبَنٍ أَوْ مَاءٍ أَوْ عسل.
стр. 6
وَإِنَّ شَيْئًا وَقَعَ فِيهِ الِاخْتِلَافُ فِي ذَلِكَ الْعَصْرِ بَيْنَ أُولَئِكَ الأئمة لحري أنَّ يشطل عَلَى مَنْ بَعْدَهُمْ وَتَخْتَلِفَ فِيهِ آرَاؤُهُمْ، وَيَكْثُرَ فِيهِ تَنَازُعُهُمْ، وَقَدْ بَيَّنْتُ مِنْ مَذَاهِبِ النَّاسِ فِيهِ وَحُجَّةَ كُلِّ فَرِيقٍ مِنْهُمْ لِمَذْهَبِهِ وَمَوْضِعِ الِاخْتِيَارِ مِنْ ذَلِكَ بِالسَّبَبِ الَّذِي أَوْجَبَهُ وَالْعِلَّةِ الَّتِي دَلَّتْ عَلَيْهِ مَا حَضَرَنِي مِنْ بَالِغِ العلم والمقدار الطَّاقَةِ، لَعَلَّ اللَّهَ يَهْدِي بِهِ مُسْتَرْشِدًا، وَيَكْشِفُ مِنْ غُمَّةٍ، وَيُنْقِذُ مِنْ حَيْرَةٍ، وَيَعْصِمُ شَارِبًا مَا دَخَلَ عَلَى الْفَاسِدِ مِنَ التَّأْوِيلِ وَالضَّعِيفِ مِنَ الْحُجَّةِ وَيَرْدَعُ طَاعِنًا في خِيَارِ السَّلَفِ بِشُرْبِ الْحَرَامِ، وَأُؤَمِّلُ بِحُسْنِ النِّيَّةِ فِي ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ حُسْنَ الْمَعُونَةِ، وَالتَّغَمُّدَ لِلزَّلَّةِ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بالله.
قد أجمع الناس عَلَى تَحْرِيمِ الْخَمْرِ بِكِتَابِ اللَّهِ إِلَّا قَوْمًا مِنْ مُجَّانِ أَصْحَابِ الْكَلَامِ وَفُسَّاقِهِمْ لَا يَعْبَأُ اللَّهُ بِهِمْ فَإِنَّهُمْ قَالُوا: لَيْسَتِ الْخَمْرُ مُحَرَّمَةً وَإِنَّمَا نَهَى اللَّهُ عَنْ شُرْبِهَا تَأْدِيبًا كَمَا أَنَّهُ أَمَرَ فِي الْكِتَابِ بِأَشْيَاءَ وَنَهَى فِيهِ عَنْ أَشْيَاءَ عَلَى جِهَةِ التَّأْدِيبِ وَلَيْسَ مِنْهَا فَرْضٌ كَقَوْلِهِ فِي
стр. 7
الْعَبِيدِ وَالْإِمَاءِ) فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فيهم خيرا (وقوله في النساء) فاهجروهن في المضاجع واضربوهن (وَكَقَوْلِهِ) وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ البسط (وَقَالُوا لَوْ أَرَادَ تَحْرِيمَ الْخَمْرِ لَقَالَ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْخَمْرُ كَمَا قَالَ) حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ (وَلَيْسَ لِلشُّغْلِ بِهَؤُلَاءِ وَجْهٌ وَلَا لِتَشْقِيقِ الْكَلَامِ بِالْحُجَجِ عَلَيْهِمْ مَعْنًى إِذْ كَانُوا مِمَّنْ لَا يَجْعَلُ حجة في إِجْمَاعٍ وَإِذْ كَانَ مَا ذَهَبُوا إليه لا يختل على عاقل ولا جاهل وَأَجْمَعَ النَّاسُ عَلَى أَنَّ مَا غلا وقذف بالزبد مِنْ عَصِيرِ الْعِنَبِ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَمَسَّهُ النَّارُ خَمْرٌ وَأَنَّهُ لَا يَزَالُ خَمْرًا حَتَّى يَصِيرَ خلا.
واختلفوا فِي الْحَالِ الَّتِي يَخْرُجُ بِهَا مِنْ مَنْزِلَةِ الْخَمْرِ إِلَى مَنْزِلَةِ الْخَلِّ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ أَنْ يَتَنَاهَى فِي الْحُمُوضَةِ حَتَّى لَا يبقى فيها مستزاد
стр. 8
وَقَالَ آخَرُونَ هُوَ أَنْ تَغْلِبَ عَلَيْهَا الْحُمُوضَةُ وَتُفَارِقَهَا النَّشْوَةُ وَهَذَا هُوَ الْقَوْلُ لِأَنَّ الْخَمْرَ لَيْسَتْ مُحَرَّمَةَ الْعَيْنِ كَمَا حُرِّمَ عَيْنُ الخنازير وَإِنَّمَا حُرِّمَتْ بِعَرَضٍ دَخَلَهَا فَإِذَا زَايَلَهَا ذَلِكَ الْعَرَضُ عَادَتْ حَلَالًا كَمَا كَانَتْ قَبْلَ الْغَلَيَانِ حَلَالًا.
وما أَكْثَرَ مَنْ يَذْهَبُ مِنْ أَهْلِ النَّظَرِ إِلَى أَنَّ الْخَمْرَ إِذَا انقلبت عن عصير
стр. 9
والخل إذ انْقَلَبَ عَنْ خَمْرٍ أنَّ عَيْنَ كُلِّ وَاحِدٍ غَيْرُ عَيْنِ الآخَرِ وهذا الْقَوْلِ مَا لَيْسَ بِهِ خَفَاءٌ عَلَى مَنْ تَدَبَّرَهُ وَأَنْصَفَ مِنْ نفسه وكيف يكون ههنا عَيْنَانِ وَالْجِسْمُ وَاحِدٌ لَمْ يَخْرُجْ مِنَ الْوِعَاءِ وَلَمْ يُبَدَّلْ وَإِنَّمَا انْتَقَلَتْ أَعْرَاضُهُ تَارَةً مِنْ حَلَاوَةٍ إِلَى مَرَارَةٍ وَتَارَةً مِنْ مَرَارَةٍ إِلَى حُمُوضَةٍ وَلَمْ يَذْهَبِ الْعَرَضُ الأول جملة واحدة وَلَا أَتَى الْعَرَضُ الثَّانِي جُمْلَةً وَإِنَّمَا زَالَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ شَيْءٌ بَعْدَ شَيْءٍ كَمَا يَنْتَقِلُ طَعْمُ الثَّمَرَةِ وَهِيَ غَضَّةٌ مِنَ الْحُمُوضَةِ إِلَى الْحَلَاوَةِ وَهِيَ يَانِعَةٌ وَالْعَيْنُ قَائِمَةٌ وَكَمَا يَأْجِنُ الْمَاءُ بول الْمُكْثِ فَيَتَغَيَّرُ طَعْمُهُ وَرِيحُهُ وَالْعَيْنُ قَائِمَةٌ وَكَمَا يَرُوبُ اللَّبَنُ بَعْدَ أَنْ كَانَ صَرِيفًا فَيَتَغَيَّرُ رِيحُهُ وَطَعْمُهُ وَالْعَيْنُ قَائِمَةٌ ومِثْلُ الْخَمْرِ مِمَّا حَلَّ بِعَرَضٍ وَحَرُمَ بِعَرَضٍ المسك كان دما عبيظا حَرَامًا ثُمَّ جَفَّ وَحَدَثَتْ رَائِحَتُهُ فيه فصار طيبا حلالا.
وأما النَّبِيذُ فَاخْتَلَفُوا فِي مَعْنَاهُ فَقَالَ قَوْمٌ هُوَ مَاءُ الزَّبِيبِ وَمَاءُ التَّمْرِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُغْلَيَا فَإِذَا اشْتَدَّ ذَلِكَ وَصَلُبَ فَهُوَ خَمْرٌ وَقَالُوا إِنَّمَا كَانَ الْأَوَّلوُنَ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ يَشْرَبُونَ ذَلِكَ يَتَّخِذُونَهُ فِي صَدْرِ نَهَارِهِمْ وَيَشْرَبُونَهُ فِي آخِرِهِ وَيَتَّخِذُونَهُ مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ وَيَشْرَبُونَهُ عَلَى غَدَائِهِمْ وَعَشَائِهِمْ
стр. 10
وَقَالُوا سُمِّيَ نَبِيذًا لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَأْخُذُونَ الْقَبْضَةَ مِنَ التَّمْرِ أَوِ الزَّبِيبِ فَيَنْبِذُونَهَا فِي السِّقَاءِ أَيْ يقلونها فِيهِ وَقَالَ آخَرُونَ النَّبِيذُ مَا اتُّخِذَ مِنَ الزَّبِيبِ وَالتَّمْرِ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْمُسْتَخْرَجِ بِالْمَاءِ أَوْ تُرِكَ حَتَّى يَغْلِيَ وَحَتَّى يَسْكُنَ وَلَا سمى نَبِيذًا حَتَّى يَنْتَقِلَ عَنْ حَالِهِ الْأُولَى كَمَا لَا يُسَمَّى الْعَصِيرُ خَمْرًا حَتَّى يَنْتَقِلَ عَنْ حَلَاوَتِهِ وَلَا يُسَمَّى الْخَمْرُ خَلًّا حَتَّى تَنْتَقِلَ عَنْ مَرَارَتِهَا وَنَشْوَتِهَا وَإِنَّمَا سُمِّيَ نَبِيذًا لِأَنَّهُ كَانَ يُتَّخَذُ وَيُنْبَذُ أَيْ يُتْرَكُ وَيُعْرَضُ عَنْهُ حَتَّى يَبْلُغَ وَهَذَا هُوَ الْقَوْلُ لِأَنَّ النَّبِيذَ لَوْ كَانَ مَاءَ الزَّبِيبِ لَمَا وَقَعَ فِيهِ الِاخْتِلَافُ وَلَأَجْمَعَ النَّاسُ جَمِيعًا عَلَى أَنَّهُ حَلَالٌ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَغْلِيَ
стр. 11
فَفِيمَ اخْتَلَفَ الْمُخْتَلِفُونَ وَعَمَّ سَأَلَ السَّائِلُونَ؟ قَالَ الشَّاعِرُ:
نَبِيذٌ إِذَا مَرَّ الذُّبَابُ بِدَنِّهِ ... تَفَطَّرَ أَوْ خَرَّ الذُّبَابُ وَقِيذَا
وَقَالَ ابْنُ شيرمة:
وَنَبِيذُ الزَّبِيبِ مَا اشْتَدَّ مِنْهُ ... فَهُوَ لِلْخَمْرِ وَالطِّلَاءِ نَسِيبُ
وَقَالَ الآخر:
تَرَكْتُ النَّبِيذَ وَشُرَّابَهَ ... وَصِرْتُ حَدِيثًا لِمَنْ عَابَهُ
شَرَابًا يُضِلُّ سَبِيلَ الرَّشَادِ ... وَيَفْتَحُ لِلشَّرِّ أَبْوَابَهُ
فَسَمَّاهُ نَبِيذًا وَهُوَ يَفْعَلُ هَذَا الْفِعْلَ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ مَاءَ الزَّبِيبِ وَلَا مَاءَ التَّمْرِ قَبْلَ أَنَ يُغْلَيَا.
وَرَوَى الْوَاقِدِيُّ عن أخيه سلمة بْنِ عُمَرَ عَنْ عُمَرَ بْنِ شيبة
стр. 12
ابن أبي كبير الْأَشْجَعِيِّ عَنْ أَبِيهِ أَنّ رَسُولَ الله ﵌ قَالَ: خِدْرُ الْوَجْهِ مِنَ النَّبِيذِ تَتَنَاثَرُ مِنْهُ الْحَسَنَاتُ وَمَاءُ الزَّبِيبِ لَا يُخْدَرُ مِنْهُ الْوَجْهُ وَلَا تَتَنَاثَرُ مِنْهُ الْحَسَنَاتُ. وَرَوَى شَرِيكٌ عن أبي اسحق عَنْ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ قَالَ: سَقَانِي ابْنُ مَسْعُودٍ نَبِيذًا شَدِيدًا من جر أخضر
стр. 13
وحدثني سبابة بن عمرو بن حميد عن كبير بْنِ سُلَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَصْحَابُ أَنَسٍ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَشْرَبُ النَّبِيذَ الصُّلْبَ الَّذِي يَكُونُ فِي الْخَوَابِي وَمَا جَاءَ فِي مِثْلِ هَذَا مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النبيذ ما غلا وأسكر كثيرا وفرق بين النبيذ الزَّبِيبِ وَنَبِيذِ التَّمْرِ وَلَا أَعْلَمُ بينهما فرقا فيكره واحد ويسحب آخَرُ لِأَنَّهُمَا جَمِيعًا مُسْكِرَانِ أَنْشَدَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ:
أَلَا يَا أَيُّهَا الْمُهْدِي ... إِلَيْنَا الْآسَ مِنْ شَهْرِ
دع الآس ولا تغفل ...
стр. 14
إِذَا جِئْتَ عَنِ التَّمْرِ
فإنَّ الآس لا يسكر ... واللذة فِي السُّكْرِ
حُجَجُ الْمُحَرِّمِينَ لِجَمِيعِ مَا أَسْكَرَ
وَأَمَّا الْمُسْكِرُ فإنَّ فَرِيقًا يَذْهَبُونَ إِلَى أَنَّ كُلَّ شيء أسكر كثيرا كَائِنًا مَا كَانَ وَلَوْ بَلَغَ فَرَقًا فَقَلِيلُهُ كَائِنًا مَا كَانَ وَلَوْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ حَرَامٌ، فَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ ابْنِ ثَلَاثِ لَيَالٍ مِنْ نَبِيذِ التمر إذا غلا، وَبَيْنَ ابْنِ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ مِنْ عتيق المسكر وَعَتِيقِ الْخَمْرِ، وَلَا فَرَّقُوا فِي ذَلِكَ بَيْنَ مُنْفَرِدٍ وَخَلِيطَيْنِ، وَلَا بَيْنَ شَدِيدٍ وَسَهْلٍ وَلَا بَيْنَ مَا اسْتُخْرِجَ بِالْمَاءِ وَمَا اسْتُخْرِجَ بِالنَّارِ، وَقَضَوْا عَلَيْهِ كُلِّهِ بَأَنَّهُ حَرَامٌ وَبِأَنَّهُ خَمْرٌ، وَذَهَبُوا مِنَ الْأَثَرِ إِلَى حَدِيثٍ حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ خِدَاشٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ عن أيوب عن نافع عن عُمَرَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﵌ قَالَ: كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ وكل مسكر حرام، وحديث
стр. 15
حَدَّثَنِيهِ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ عَنِ الْمُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ مَهْدِيِّ بْنِ مَيْمُونٍ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ الأنصاري عَنْ عَائِشَةَ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهَا أنَّ ﵌ قَالَ: كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ وَمَا أَسْكَرَ الْفَرَقُ فَالْحَسْوَةُ مِنْهُ حَرَامٌ، وَحَدِيثٍ حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ
стр. 16
عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﵌ قَالَ: كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ، مَعَ أَشْبَاهٍ لِهَذَا مِنَ الْحَدِيثِ يَطُولُ الْكِتَابُ بِاسْتِقْصَائِهَا وفي ما ذَكَرْنَا مِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ غِنًى عن ذكر جَمِيعِهَا لِأَنَّهَا أَغْلَظُهَا فِي التَّحْرِيمِ وَأَشَدُّهَا إِفْصَاحًا بِهِ، وَأَبْعَدُهَا مِنْ حِيلَةِ الْمُتَأَوِّلِ.
وَقَالُوا وَالشَّاهِدُ عَلَى ذَلِكَ مِنَ النَّظَرِ أَنَّ الْخَمْرَ إِنَّمَا حُرِّمَتْ لِإِسْكَارِهَا وَجَرَائِرِهَا عَلَى شَارِبِهَا، وَلِأَنَّهَا رِجْسٌ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَجَلَّ مِنْ قَائِلٍ:) إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ، إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ الله وعن الصلاة فهل أنتهم منتهون. (وَقَدْ كَانَ كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولَ اللَّهِ ﵌ حَرَّمُوا الْخَمْرَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لِعِلْمِهِمْ بِسُوءِ مَصْرَعِهَا وكثرة جناياتها،
стр. 17
قالت عائشة رحمة الله عليها مَا شَرِبَ أَبُو بَكْرٍ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ خَمْرًا فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلَا إِسْلَامٍ. وَقَالَ عُثْمَانُ رَحْمَةُ الله عليه ما تغنيت ولا تفتيت وَلَا شَرِبْتُ خَمْرًا فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلَا إِسْلَامٍ، وَلَا مَسَسْتُ فَرْجِي بِيَمِينِي مُنْذُ بَايَعْتُ بِهَا رَسُولَ الله ﵌ وَكَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ تَرَكَ شُرْبَهَا وَقَالَ فِيهَا بَيْتًا:
رَأَيْتُ الْخَمْرَ شَارِبَهَا مُعَنَّى ... بِرَجْعِ الْقَوْلِ أَوْ فَصْلِ الْخِطَابِ
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو ابن دينار عن يحيى بن جعد قَالَ قَالَ عُثْمَانُ: إِيَّاكُمْ وَالْخَمْرَ فإنها مفتاح كل شر.
стр. 18
أُتِيَ بِرَجُلٍ فَقِيلَ لَهُ إِمَّا أَنْ تُخَرِّقَ هَذَا الْكِتَابَ وَإِمَّا أَنْ تَقْتُلَ هَذَا الصَّبِيَّ، وَإِمَّا أَنْ تَسْجُدَ لِهَذَا الْوَثَنِ، وَإِمَّا أَنْ تَشْرَبَ هَذِهِ الْكَأْسَ، وَإِمَّا أَنْ تَقَعَ عَلَى هَذِهِ الْمَرْأَةِ، فَلَمْ يَرَ شَيْئًا أَهْوَنَ عَلَيْهِ مِنْ شُرْبِ الْكَأْسِ فَشَرِبَ، فَوَقَعَ عَلَى الْمَرْأَةِ وَقَتَلَ الصَّبِيَّ، وَخَرَّقَ الْكِتَابَ وَسَجَدَ لِلصَّلِيبِ.
وَقِيلَ لِلْعَبَّاسِ بن مرداس في الجاهلية لِمَ لَا تَشْرَبُ الْخَمْرَ فَإِنَّهَا تَزِيدُ فِي جُرْأَتِكَ فَقَالَ: مَا أَنَا بِآخِذٍ جَهْلِي بِيَدِي فَأُدْخِلَهُ فِي جَوْفِي وَأُصْبِحُ سَيِّدَ قَوْمِي وأمسي سفيههم. وقيل له بعد ما آمن وَأَسْلَمَ: قَدْ كَبِرَتْ سِنُّكَ، وَدَقَّ عظمك، فلو أخذت هَذَا النَّبِيذِ شَيْئًا يُقَوِّيكَ، فَقَالَ: أُصْبِحُ سَيِّدَ قَوْمِي وَأُمْسِي سَفِيهَهُمْ، وآليت أن لا يَدْخُلَ رَأْسِي مَا يَحُولُ بَيْنِي وَبَيْنَ عَقْلِي.
وَكَانَ قَيْسُ بْنُ عَاصِمٍ يَأْتِيهِ فِي جَاهِلِيَّتِهِ تَاجِرُ خمر فيبتاع منه
стр. 19
وَلَا يَزَالُ الْخَمَّارُ فِي جِوَارِهِ حتى ينفذ مَا عِنْدَهُ، فَشَرِبَ قَيْسٌ ذَاتَ يَوْمٍ فَسكِرَ سُكْرًا قَبِيحًا فَجَذَبَ ابْنَتَهُ وَتَنَاوَلَ ثَوْبَهَا، وَرَأَى الْقَمَرَ فَتَكَلَّمَ بِشَيْءٍ، ثُمَّ أَنْهَبَ مَالَهُ وَمَالَ الْخَمَّارِ، وَأَنْشَأَ يَقُولُ وَهُوَ يَضْرِبُهُ.
مِنْ تَاجِرٍ فَاجِرٍ جَاءَ الْإِلَهُ بِهِ ... كَأَنَّ لِحْيَتَهُ أَذْنَابُ أَجْمَالِ
جَاءَ الْخَبِيثُ بِبَيْسَانِيَّةٍ تَرَكَتْ ... صَحْبِي وَأَهْلِي بِلَا عَقْلٍ وَلَا مَالِ
فَلَمَّا صَحَا خَبَّرَتْهُ ابْنَتُهُ بِمَا صَنَعَ وَمَا قَالَ فَآلَى لَا يَذُوقُ الْخَمْرَ أَبَدًا وَقَالَ:
رأيت الحمر صَالِحَةً وَفِيهَا ... خِصَالٌ تُفْسِدُ الرَّجُلَ الْحَلِيمَا
فَلَا وَاللَّهِ أَشْرَبُهَا صَحِيحًا ... ولا أُشْفَى بِهَا أَبَدًا سَقِيمَا
وَلَا أعطي بها ثمنا حياتي ... ولا أَدْعُو لَهَا أَبَدًا نَدِيمَا
وَكَانَ عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ حَرَّمَ الْخَمْرَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَقَالَ: لَا أَشْرَبُ شَرَابًا يَذْهَبُ بِعَقْلِي وَيُضْحِكُ بِي مَنْ هُوَ أَدْنَى مِنِّي وَأُزَوِّجُ كَرِيمَتِي مَنْ لَا أُرِيدُ. فَبَيْنَمَا هُوَ بِالْعَوَالِي إِذْ أَتَاهُ آتٍ فَقَالَ: أَشَعَرْتَ أَنَّ الْخَمْرَ حُرِّمَتْ وَتَلَا عَلَيْهِ الْآيَةَ فِي الْمَائِدَةِ فَقَالَ: تَبًّا لَهَا لَقَدْ كَانَ بصري فيها نافذا.
стр. 20
قِيلَ لِأَعْرَابِيٍّ أَتَشْرَبُ النَّبِيذَ: فَقَالَ لَا أَشْرَبُ مَا يَشْرَبُ عَقْلِي. وَدَعَا يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ نُصَيْبًا أَوْ كُثَيِّرًا إِلَى نَدَامَتِهِ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنِّي لَمْ أَصِرْ إِلَى هَذِهِ الْمَنْزِلَةِ بِمَالٍ وَلَا دِينٍ وَإِنَّمَا وَصَلْتُ بلساني وعقلي فإنَّ رأيت أن لا تَحُولَ بَيْنِي وَبَيْنَهُمَا فَافْعَلْ وَقَالَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ:
وَمَنْ تَقْرَعِ الْكَأْسُ الذَّمِيمَةُ سِنَّهُ ... فَلَا بُدَّ يَوْمًا أَنْ يُرِيبَ وَيَجْهَلَا
فَلَمْ أَرَ مشروبا أخس غنيمة ... وأوضع للأشراف منها وأخملا
وأجد أن تلقى بغيها ... ويشربها حتى يخر مجدلا
وقال الآخر:
وَلَسْتُ بِلَاحٍ لِي نَدِيمًا بِزَلَّةٍ ... وَلَا هَفْوَةٍ كَانَتْ وَنَحْنُ عَلَى الخمر
عركت بجبيني قول خدني وصاحبي ... ونحن عَلَى صَهْبَاءَ طَيِّبَةَ النَّشْرِ
وَأَيْقَنْتُ أَنَّ السُّكْرَ طَارَ بِلُبِّهِ ... فَأَغْرَقَ في شتيمتي وقال وما يدري
стр. 21
ودخل أمية بْنِ خَالِدِ بْنِ أُسَيْدٍ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ وَبِوَجْهِهِ آثَارٌ فَقَالَ: مَا هَذَا؟ فَقَالَ: قُمْتُ اللَّيْلَ فَأَصَابَ الْبَابُ وَجْهِي فقال عبد الملك بن مروان:
رَأَتْنِي صَرِيعَ الْخَمْرِ يَوْمًا فَسُؤْتُهَا ... وللشاربيها الْمُدْمِنِيهَا مَصَارِعُ
فَقَالَ أُمَيَّةُ لَا آخذني الله بسؤ ظَنِّكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ: بل لا آخذني الله بسؤ مصرعك.
ودخل حارث بْنُ بَدْرٍ الْغُدَانِيُّ عَلَى زِيَادٍ وَكَانَ حَارِثَةُ صَاحِبَ شَرَابٍ وَبِوَجْهِهِ أَثَرٌ فَقَالَ لَهُ زِيَادٌ: مَا هَذَا الْأَثَرُ بِوَجْهِكَ فَقَالَ رَكِبْتُ فرسا لي أشقر
стр. 22
فَحَمَلَنِي حَتَّى صَدَمَ بِي الْحَائِطَ فَقَالَ لَهُ زِيَادٌ: أَمَا إِنَّكَ لَوْ رَكِبْتَ الْأَشْهَبَ لَمْ يُصِبْكَ مَكْرُوهٌ. وَكَانَ ابْنُ هَرْمَةَ الشَّاعِرُ فِي شَرَفِهِ وَنَسَبِهِ وَجَوْدَةِ شِعْرِهِ يَشْرَبُ الْخَمْرَ بِالْمَدِينَةِ وَيَسْكَرُ فَلَا يَزَالُ الشُّرَطُ وَقَدْ أَخَذُوهُ وَرَفَعُوهُ إِلَى الْوَالِي فِي الْمَدِينَةِ فَحَدَّهُ فَوَفَدَ عَلَى أَبِي جَعْفَرٍ الْمَنْصُورِ وَقَدْ قَالَ فِيهِ الْمِدْحَةَ الَّتِي امْتَدَحَهُ بِهَا وَقَافِيَتُهَا لَامٌ فَاسْتَحْسَنَهَا وَقَالَ لَهُ: سَلْ حَاجَتَكَ قَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ تَكْتُبُ إِلَى عامل المدينة أن لا يَحُدَّنِي إِنْ وَجَدَنِي سَكْرَانًا فَقَالَ أبو جعفر المنصور: هَذَا حَدٌّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ وَمَا كُنْتُ لِأُعَطِّلَهُ فَهَلْ مِنْ حَاجَةٍ غَيْرَهُ؟ قَالَ لَا وَاللَّهِ يا أمير المؤمنين فاحتمل لي بحلية فَكَتَبَ الْمَنْصُورُ إِلَى عَامِلِهِ مَنْ أَتَاكَ بِابْنِ هَرْمَةَ وَهُوَ سَكْرَانُ فاجلده مائة جلدة وَاجْلِدِ ابْنَ هَرْمَةَ ثَمَانِينَ فَرَضِيَ وَمَضَى بِكِتَابِهِ فَكَانَ الْعَوْنُ إِذَا مر به صرعا قَالَ: مَنْ يَشْتَرِي ثَمَانِينَ بِمِائَةٍ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهُ. وَكَانَ مَالِكُ بن قيس مِنْ ثَقِيفٍ يَشْرَبُ مَعَ ابْنِ الكاهلية يوم عرفة وهم
стр. 23
محرومون فَغَلَبَهُ السُّكْرُ فَنَامَ حَتَّى فَاتَهُ الْحَجُّ وَأَدْرَكَهُ ابْنُ الْكَاهِلِيَّةِ فَقَالَ:
أَلَيْسَ اللَّهُ يَا مَالِ بْنَ قيس ... وأن غِبْنَا عَلَيْكَ رَقِيبَ عَيْنِ
أَقِمْ صَدْرَ الْمَطِيَّةِ وَانْجُ إِنِّي ... أَرَانِي وَابْنَ نَعْجَةِ هَالِكَيْنِ
فَأَيَّةُ جَرِيرَةٍ أَعْظَمُ مِنْ هَذِهِ وَأَيُّ غَبْنَةٍ أَشَدُّ مِنْ غَبْنَتِهَا وَصَفْقَةٍ أَخْسَرُ مِنْ صَفْقَتِهَا وَمَاذَا يَلْقَى صَاحِبُهَا من تعيير المعيرين فَإِذَا عَاوَدَهَا هَانَ عَلَيْهِ الْقَبِيحُ قَالَ الْقُطَامِيُّ:
أَفِرُّ إِذَا أَصْبَحْتُ من كل عاذل ... وأمسي وَقَدْ هَانَتْ عَلَيَّ الْعَوَاذِلُ
وَقَالَ ابْنُ هَانِئٍ:
اسْقِنِي حَتَّى تَرَانِي ... حَسَنًا عِنْدِي الْقَبِيحُ
وَسَقَى قَوْمٌ أعرابيا مُسْكِرًا فَلَمَّا أَنْكَرَتْ نَفْسَهَا قَالَتْ لَهُمْ: أَيَشْرَبُ هَذَا نِسَاؤُكُمْ؟ قَالُوا: نَعَمْ قَالَتْ: لَئِنْ كُنْتُمْ صَدَقْتُمْ لَا يَدْرِي أَحَدُكُمْ مَنْ أَبُوهُ وَكَانَتِ الْعَرَبُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَصَدْرِ الْإِسْلَامِ يَشْتَدُّونَ عَلَى النِّسَاءِ فِي شُرْبِهِ حَتَّى مَا يُحْفَظُ أنَّ امْرَأَةً شَرِبَتْ وَلَا أنَّ امْرَأَةً سكرت.
стр. 24
وَحَدَّثَنَا الرَّيَاشِيُّ عَنِ الْأَصْمَعِيِّ قَالَ كان عقيل بن علقمة المري غيورا فكان يسافر بنت لَهُ يُقَالُ لَهَا الْجَرْبَاءُ فَسَافَرَ بِهَا مَرَّةً فَقَالَ: قَضَتْ وَطَرًا مِنْ دَارِ سُعْدَى وَرُبَّمَا عَلَى عُرُضٍ نَاطَحْنَهُ بِالْجَمَاجِمِ ثُمَّ قَالَ لِابْنٍ لَهُ يُقَالُ لَهُ عَمَلَّسٌ أَجِزْ فَقَالَ:
فَأَصْبَحْنَ بِالْمَوْمَاةِ يَحْمِلْنَ فِتْيَةً ... نَشَاوَى مِنَ الْإِدْلَاجِ مِيلَ الْعَمَائِمِ
ثُمَّ قَالَ لِابْنَتِهِ أَجِيزِي يَا جَرْبَاءُ فَقَالَتْ:
كَأنَّ الْكَرَى سَقَّاهُمُ صَرْخَدِيَّةً ... عُقَارًا تَمَشَّى فِي الْمَطَا وَالْقَوَائِمِ
فَقَالَ لَهَا وَاللَّهِ ما وصفتها الصِّفَةَ إِلَّا وَقَدْ شَرِبْتِهَا ثُمَّ أحال عليها يضربها
стр. 25
فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ بَنُوهُ وَثَبُوا عَلَيْهِ فَخَلُّوا فَخْذَهُ بِسَهْمٍ فَقَالَ:
إِنَّ بَنِيَّ زَمَّلُونِي بِالدَّمِ ... مَنْ يلقى أَبْطالَ الرِّجالِ يُكْلَمِ
شِنْشِنَةٌ أَعْرِفُهَا من أخرام
وَقَدْ فَضَحَ اللَّهُ بِالشَّرَابِ أَقْوَامًا مِنَ الْأَشْرَافِ فَحُدُّوا وَدُوِّنَتْ فِي الْكُتُبِ أَخْبَارُهُمْ وَلَحِقَتْ بِتِلْكَ السُّبَّةِ أعقابهم منهم الوليد ابن عُقْبَةَ شَهِدَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْكُوفَةِ بِشُرْبِ الْخَمْرِ وَأَنَّهُ صَلَّى بِهِمُ الْغَدَاةَ وَهُوَ سَكْرَانُ وَقَالَ أَزِيدُكُمْ يشهد اللَّهُ بِذَلِكَ وَبِمُنَادَمَةِ أَبِي زُبَيْدٍ الشاعر وكان نصرانيا فحده هناك
стр. 26
عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ سِرًّا فَلَمَّا قَدِمَ عَلَى عُمَرَ ﵁ جَلَدَهُ حَدًّا آخَرَ وَمِنْهُمْ العباس ابن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ كَانَ مِمَنْ شُهِرَ بِالشَّرَابِ وَبِمُنَادَمَةِ الْأَخْطَلِ الشَّاعِرِ وَكَانَ نَصْرَانِيًّا وَفِيهِ يَقُولُ:
وَلَقَدْ غَدَوْتُ عَلَى التِّجَارِ بِمِسْمَحٍ ... هَرَّتْ عَوَاذِلُهُ هَرِيرَ الْأَكْلُبِ
لَذٍّ يقبله النعيم كأنه ... مُسِحَتْ تَرَائِبُهُ بِمَاءٍ مُذْهَبِ
لَبَّاسِ أَرْدِيَةِ الْمُلُوكِ يَرُوقُهُ ... مِنْ كُلِّ مرتفع عيون الربرب
ينظر مِنْ خَلَلِ السُّتُورِ إِذَا بَدَا ... نَظَرَ الْهِجَانِ إِلَى الْفَنِيقِ الْمُصْعَبِ
خَضِلِ الْكِيَاسِ إِذَا تَمَشَّى لَمْ يَكُنْ ... خُلُفًا مَوَاعِدُهُ كَبَرْقٍ خُلَّبِ
وإذا تغورت الزُّجَاجَةُ لَمْ يَكُنْ ... عِنْدَ الشَّرَابِ بفاحش متقطب
стр. 27
فأخبره أَنَّهُ غَدَا عَلَى تُجَّارِ الشَّرَابِ بِهِ وَأَخْبَرَ أَنَّهُ يَرُوقُهُ عُيُونُ النِّسَاءِ وَيَرُقْنَهُ. وَكَانَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ مِنْ أَجْمَلِ النَّاسِ وَكَانَ يُقَالُ له المذهب لجماله فمدحه بعض النصارى وكان الشُّهْرَةُ فِي الشِّعْرِ عَلَى حَسَبِ حُسْنِهِ وَرَغْبَةِ النَّاسِ فِي حِفْظِهِ.
وَمِنْهُمْ قُدَامَةُ بْنُ مَظْعُونٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ حَدَّهُ عُمَرُ بِشَهَادَةِ عَلْقَمَةَ الخصي وعليه وغيره من الشَّرَابِ وَمِنْهُمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ الْمَعْرُوفُ بِأَبِي شَحْمَةَ حَدَّهُ أَبُوهُ فِي الشَّرَابِ وَفِي أَمْرٍ آخَرَ فَمَاتَ وَعَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ حَدَّهُ بَعْضُ وُلَاةِ الْمَدِينَةِ فِي الشَّرَابِ
стр. 28
وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ حَدَّهُ هِشَامُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْمَخْزُومِيُّ فِي الشَّرَابِ وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مَرْوَانَ حَدَّهُ عَمْرُو بْنُ الْأَشْدَقِ فِي الشَّرَابِ.
وَمِمَّنْ فُضِحَ بالشراب بلال بن أبي تردة قَالَ يَحْيَى بْنُ نَوْفَلٍ الْحِمْيَرِيُّ:
وأما بلال فذاك الذي ... تميل الشَّرَابُ بِهِ حَيْثُ مَالَا
يَبِيتُ يمص عقيق الشَّرَابِ ... كَمَصِّ الْوَلِيدِ يَخَافُ الْفِصَالَا
وَيُصْبِحُ مُضْطَرِبًا نَاعِسًا ... تَخَالُ مِنَ السكر فيه أحولالا
ويمشي كمش النَّزِيفِ ... تَخَالُ بِهِ حِينَ يَمْشِي شكالا
стр. 29
وَمِنْهُمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيُّ الْقَاضِي بِالْكُوفَةِ فُضِحَ بِمُنَادَمَةِ سَعْدِ بْنِ هَبَّارٍ فَقَالَ حَارِثَةُ بْنُ بَدْرٍ:
نَهَارُهُ فِي قَضَايَا غَيْرِ عَادِلَةٍ ... وَلَيْلُهُ فِي هَوَى سَعْدِ بْنِ هَبَّارِ
مَا تسمع الناس أصواتا عَرَضَتْ ... إِلَّا دَوِيًّا دَوِيَّ النَّحْلِ في الغار
فأصبح القوم أطلاقا أَضَرَّ بِهِمْ ... حَثُّ الْمَطِيِّ وَمَا كَانُوا بِسُفَّارِ
يَدِينُ أَصْحَابَهُ فِيمَا يَدِينُهُمْ ... كَأْسًا بِكَأْسٍ وَتِكْرَارًا بِتِكْرَارِ
وَهَذَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ بَعْدَ اجْتِهَادِهِ فِي الْعِبَادَةِ فَضَحَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الشَّرَابِ فَكَانَ يَشْرَبُ الْمَقَدِيَّ. وَقَالَ لَهُ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ بَلَغَنِي يَا أَمِيرَ المؤمنين انك
стр. 30
تشرب بعدي الطلا فَقَالَ: إِي وَاللَّهِ وَالدِّمَاءَ.
وَهَذَا الْوَلِيدُ نَقَمَ عَلَيْهِ النَّاسُ شُرْبَ الْمُسْكِرِ وَنِكَاحَ أُمَّهَاتِ أَوْلادِ أَبِيهِ فقتوه وَهَذَا يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ كَانَ يُقَالُ إِذَا ذُكِرَ يَزِيدُ الْخُمُورِ والقرود قال الشاعر فيه:
أبن أُمَيَّةَ إِنَّ آخِرَ مُلْكِكُمْ ... جَسَدٌ بِحُوَّارِينَ ثَمَّ مُقِيمُ
طَرَقَتْ مَنِيَّتُهُ وَعِنْدَ وِسَادِهِ ... كُوبٌ وَزِقٌ رَاعِفٌ مرثوم
ومرنة تبكي على نشوتها ... بالصبح تقعد تارة وتقوم
стр. 31
ومنهم خالد بن عمرو بن الزبير وفي يَقُولُ الْقَائِلُ:
إِذَا أَنْتَ نَادَمْتَ العتير وذا الندى ... حبير وَعَاطَيْتَ الزُّجَاجَةَ خَالِدَا
أَمِنْتَ بِإِذْنِ اللَّهِ أَنْ تُقْرَعَ الْعَصَا ... وَأَنْ يوقظوا رقدة السُّكْرِ رَاقِدَا
وَصِرْتَ بِحَمْدِ اللَّهِ فِي خَيْرِ فِتْيَةٍ ... حِسَانِ الْوُجُوهِ لَا تَخَافُ الْعَرَابِدَا
وَالْعَجَبُ عِنْدِي قَوْلُهُ وَأَنْ يُوقِظُوا مِنْ نَوْمَةِ السُّكْرِ رَاقِدَا وَأَكْثَرُ مَا يُوقَظُ السكران للصلاة افتراهم حَمَدَهُمْ عَلَى تَرْكِهِمْ إِيقَاظَهُ لِلصَّلَاةِ إذا سكر.
وهذا أبو مجن الثقفي شهد يوم القادسية وأبى بلاء حسنا شهر وَكَانَ فِيمَنْ شَهِدَ ذَلِكَ الْيَوْمَ عمرو بن معدي كرب فقال عليه
стр. 32
وَهُوَ الْقَائِلُ:
إِذَا مِتُّ فَادْفِنِّي إلى أصل كرمة ... توي عظامي بعد موتي عوقها
وَلَا تَدْفِنَنِّي بِالْفَلَاةِ فَإِنَّنِي ... أَخَافُ إذا ما مت أن أَذُوقَهَا
فَحَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُرَيْبٍ قَالَ أَخْبَرَنِي الْأَصْمَعِيُّ عَنِ ابْنِ الْأَصَمِّ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُسْلِمٍ الْعُقَيْلِيِّ قَالَ رَأَيْتُ قَبْرَ أَبِي مِحْجَنٍ الثَّقَفِيِّ بَأَرْمِينِيَةَ الرَّابِعَةِ تَحْتَ شَجَرَاتٍ مِنْ كَرْمٍ قَالَ الْعُتْبِيُّ شِعْرًا ذَكَرَ فِيهِ كَثِيرًا مِنْ مقابح السكر:
стр. 33
دَعِ النَّبِيذَ تَكُنْ عَدْلًا وَإِنْ كَثُرَتْ ... فِيكَ الْعُيُوبُ وَقُلْ مَا شِئْتَ يُحْتَمَلُ
هُوَ الْمُشِيدُ بِأَسْرَارِ الرِّجَالِ فَمَا ... يَخْفَى عَلَى النَّاسِ مَا قَالُوا وَمَا فَعَلُوا
كَمْ زلة من كريم ظل يسبرها ... مِنْ دُونِهَا سُتُرُ الْأَبْوَابِ وَالْكِلَلُ
أَضْحَتْ كَنَارٍ عَلَى عَلْيَاءَ مُوقَدَةٍ ... مَا يَسْتَسِرُّ لَهَا سَهْلٌ وَلَا جبل
والعقل عقل مَصُونٌ لَوْ يُبَاعُ لَقَدْ ... أَلْفَيْتَ بُيَّاعَهُ يُعْطَوْنَ مَا سَأَلُوا
فَاعْجَبْ لقوم مناهم في قعولهم ... أن يذهبوا بِعَلٍّ بَعْدَهُ نَهَلُ
قَدْ عُقِّدَتْ لخمار السكر ألسنتهم ... عَنِ الصَّوَابِ وَلَمْ يُصْبِحْ بِهَا علل
وأزورت بسنات النوم أعينهم ... كأن أجداقها حُولٌ وَمَا حَوِلُوا
تَخَالُ رَائِحَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَدْوَتِهِ ... حُبْلَى أَضَرَّ بِهَا فِي مَشْيِهَا الْحَبَلُ
فإنَّ تَكَلَّمَ لَمْ يَقْصِدْ بِحَاجَتِهِ ... وَإِنْ مشى مَجْنُونٌ بِهِ خَبَلُ
قَالُوا وَإِنَّمَا قيل لمشارب الرجال نَدِيمُهُ مِنَ النَّدَامَةِ لِأَنَّ مُعَاقِرُ الكأس إذا سكر بِمَا يَنْدَمُ عَلَيْهِ وَفَعَلَ مَا يَنْدَمُ عَلَيْهِ فَقِيلَ لِمَنْ شَارَبَهُ نادما لِأَنَّهُ فَعَلَ مِثْلَ فِعْلِهِ وَالْمُفَاعَلَةُ تَكُونُ مِنَ اثْنَيْنِ كَمَا تَقُولُ ضَارَبَهُ وَشَاتَمَهُ ثُمَّ اشْتُقَّ مِنْ ذَلِكَ نَدِيمٌ كَمَا يُقَالُ جَالَسَهُ وَهُوَ جَلِيسٌ وَقَاعَدَهُ فَهُوَ قَعِيدٌ. وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا قَوْلُ رَسُولِ الله ﵌ فِي وَصْفِ الْجَنَّةِ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفَّى وَأَنْهَارٌ مِنْ كَأْسٍ مَا بِهَا صُدَاعٌ وَلَا ندامة.
стр. 34
وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْمُنْعِمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ أَنَّهُ قَرَأَ فِيمَا قَرَأَ مِنَ الْكُتُبِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا لَعَنَ إِبْلِيسَ وَأَخْرَجَهُ مِنَ الْجَنَّةِ قَالَ يَا رَبِّ لَعَنْتَنِي وَجَعَلْتَنِي شَيْطَانًا رجيما وأنزلت الكتاب وَبَعَثْتَ الرُّسُلَ فَمَا رُسُلِي؟ قَالَ رُسُلُكَ الْكَهَنَةُ قَالَ فَمَا كِتَابِي؟ قال الْوَشْمُ قَالَ فَمَا حَدِيثِي؟ قَالَ حَدِيثُكَ الْكَذِبُ قَالَ فَمَا قِرَاءَتِي؟ قَالَ قِرَاءَتُكَ الشِّعْرُ قَالَ فَمَا مُؤَذِّنِي؟ قَالَ مُؤَذِّنُكَ الْمَزَامِيرُ قَالَ فَمَا مَسْجِدِي؟ قَالَ مَسْجِدُكَ السُّوقُ قَالَ فَمَا بَيْتِي؟ قَالَ بَيْتُكَ الْحَمَّامُ قَالَ فَمَا طَعَامِي؟ قَالَ طَعَامُكَ كُلُّ مَا لَمْ يُذْكَرِ اسْمِي عَلَيْهِ قَالَ فَمَا شَرَابِي؟ قَالَ شَرَابُكَ كُلُّ مُسْكِرٍ قَالَ فَمَا مَصَائِدِي؟ قَالَ مَصَائِدُكَ النِّسَاءُ.
وَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى عَدِيِّ بْنِ أَرْطَأَةَ حِينَ تتابعت الأخبار عليه وتتابع
стр. 35
النَّاسُ فِي الْأَشْرِبَةِ الْمُسْكِرَةِ عَلَى التَّأْوِيلِ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّهُ قَدْ كَانَ مِنْ أَمْرِ هَذَا الشَّرَابِ أَمْرٌ سَاءَتْ فِيهِ رَغْبَةُ النَّاسِ حَتَّى بَلَغَتْ بِهِمُ الدَّمَ الْحَرَامَ وَالْمَالَ الْحَرَامَ وَالْفَرْجَ الْحَرَامَ وَهُمْ يَقُولُونَ شَرِبْنَا شَرَابًا لَا بَأْسَ بِهِ وأنَّ شَرَابًا حَمَلَ النَّاسَ عَلَى هَذَا لَبَأْسٌ شَدِيدٌ وَإِثْمٌ عَظِيمٌ وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ عَنْهُ مَنْدُوحَةً وَسَعَةً مِنْ أَشْرِبَةٍ كَثِيرَةٍ لَيْسَ فِي الْأَنْفُسِ مِنْهَا حَاجَةٌ الْمَاءُ الْعَذْبُ وَاللَّبَنُ وَالْعَسَلُ وَالسَّوِيقُ وَأَشْرِبَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْ نَبِيذِ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ فِي أَسْقِيَةِ الْأَدَمِ الَّتِي لازفت فِيهَا فَإِنَّهُ بَلَغَنِي أنَّ رَسُولَ الله ﵌ نهى عن نبيذ الضروف المزفتة وعن الدنان والجرار
стр. 36
وَكَانَ يَقُولُ كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ فَاسْتَغْنُوا بِمَا أَحَلَّ اللَّهُ عَمَّا حَرَّمَ فَإِنَّهُ مَنْ شَرِبَ بَعْدَ تَقَدُّمِنَا إِلَيْهِ أَوْجَعْنَاهُ عُقُوبَةً وَمَنِ اسْتَخْفَى فَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تنكيلا.
وحدثني القطيعي عَنِ الْحَجَّاجِ عَنْ حَمَّادِ بْنِ مسلمة عَنْ حُمَيْدٍ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ إِذَا دَخَلْتَ عَلَى أَخِيكَ فَكُلْ مَا أَطْعَمَكَ وَاشْرَبْ مِمَّا سَقَاكَ يَا أَبَا سَعِيدٍ إِنَّهُمْ يَنْتَبِذُونَ فِي الْجَرِّ فَقَالَ أَوَ يَفْعَلُونَ؟ مَا كُنْتُ أَرَى أنَّ أَحَدًا يَفْعَلُهُ بَعْدَ كِتَابِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَعْنِي هَذَا الْكِتَابَ
стр. 37
قَالَ: وَقَدْ شُهِرَ الْمُتَعَاشِرُونَ عَلَى الشَّرَابِ بِسُوءِ الْعَهْدِ وَقِلَّةِ الْحِفَاظِ وَأَنَّهُمْ صَدِيقُكَ مَا اسْتَغْنَيْتَ حَتَّى تَفْتَقِرَ وَمَا عُوفِيتَ حَتَّى تُنْكَبَ وَمَا غَلَتْ دِنَانُكَ حَتَّى تُنْزَفَ وَمَا رَأَوْكَ بِعُيُونِهِمْ حَتَّى يَفْقِدُوكَ قَالَ الشَّاعِرُ:
أَرَى كُلَّ قَوْمٍ يَحْفَظُونَ حَرِيمَهُمْ ... وَلَيْسَ لِأَصْحَابِ النَّبِيذِ حَرِيمُ
إِذَا جِئْتَهُمْ حَيَّوْكَ أَلْفًا وَرَحَّبُوا ... وَإِنْ غِبْتَ عَنْهُمْ سَاعَةً فذميم
اخاؤهم ما دارت الْكَأْسُ بَيْنَهُمُ ... وَكلُّهُمُ رَثُّ الْوِصَالِ سؤوم
فهذا ثباتي لم أقل بجهالة ... ولكني بِالْفَاسِقِينَ عَلِيمُ
وَقَالَ آخَرُ:
بَلَوْتُ النبيذين في بَلْدَةٍ ... فَلَيْسَ لِأَصْحَابِ النَّبِيذِ حِفَاظُ
إِذَا أَخَذُوهَا ثَمَّ أَغَنوْكَ بِالْمُنَى ... وأن فقدوها فالوجوه غلاظ
مواعيد ريح لمن يعدونه ... بها بَرْدَ الشِّتَاءِ وَقَاظُوا
بِطَانٌ إِذَا مَا اللَّيْلُ أَلْقَى رِوَاقَهُ ... وَقَدْ أخذوها فالبطون كظاظ
يراغ إِذَا مَا كَانَ يَوْمَ كَرِيهَةٍ ... وَأُسْدٌ إِذَا أَكْلُ الثَّرِيدِ فِظَاظُ
стр. 38
وَرُبَّمَا بَلَغَتْ جِنَايَةُ الْكَأْسِ إِلَى عَقِبِ الرَّجُلِ وَنَجْلِهِ قَالَ الْمَأْمُونُ لقوم: يانطف الخمار ونزاع الظؤور وأشباه الخؤولة. وَقَالَ سَلْمُ بْنُ قُتَيْبَةَ إِنَّ آلَ فُلَانٍ أَعْلَاجٌ أَوْبَاشٌ لِئَامٌ غدر شرابون
стр. 39
ما نقع ثم هذا يعد فِي نَفْسِهِ نُطْفَةُ خَمَّارٍ فِي رحم صناجة وربما بلغت جناية الْكَأْسِ زَوَالَ النِّعْمَةِ وَسُقُوطَ الْمَرْتَبَةِ وَتَلَفَ النَّفْسِ فإنَّ الرَّجُلَ رُبَّمَا استخلصه السلطان لمنادمته وأدخل مَوْضِعَ أُنْسِهِ فيَزَيَّنَ لَهُ الْكَأْسُ غَمْزَةَ الْقَيْنَةِ وَالْعَبَثَ بِالْخَادِمِ وَالتَّعَرُّضَ لِلْحُرْمَةِ.
وَقَالَ الْمَأْمُونُ: الْمُلُوكُ تَحْتَمِلُ كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا ثَلَاثَةَ أَشْيِاءَ إِفْشِاءَ السِّرِّ وَالْقَدْحَ فِي الْمَلِكِ وَالتَّعَرُّضَ لِلْحُرَمِ. وَقَدْ بَلَغَكَ مِنْ ذَلِكَ مَا لَا أَحْتَاجُ إِلَى ذِكْرِهِ.
وَقَدِيمًا بُلِيَ الْمُعَاقِرُونَ بِمِثْلِ هذا من جزا الْكَأْسِ.
وَقَدْ كَانَ عَمْرُو بْنُ هِنْدٍ اسْتَخْلَصَ طَرَفَةَ بْنَ الْعَبْدِ لِنَدَامَتِهِ فَبَيْنَمَا هُوَ يَوْمًا مَعَهُ يشرب أشرفت أخته عليمها فَرَأَى طَرَفَةُ ظِلَّهَا فِي الْجَامِ
стр. 40
الَّذِي فِي يَدِهِ فَقَالَ:
أَلَا يا أيها الظبي ال ... مَ الَّذِي يَبْرُقُ شَنْفَاهُ
وَلَوْلَا الْمَلِكُ الْقَاعِدُ ... قَدْ أَلْثَمَنِي فَاهُ
فَسَمِعَهُ عَمْرُو بْنُ هِنْدٍ فَكَتَبَ لَهُ كِتَابًا إِلَى عَامِلِهِ بِالْبَحْرَيْنِ وَأَوْهَمَهُ أنه أمر له فيه جائزة وَأَمَرَ الْعَامِلَ بِقَتْلِهِ فَلَمَّا وَرَدَ عَلَى الْعَامِلِ سَقَاهُ مِنَ الرَّاحَ حتى أثلمه ثُمَّ فَصَدَ أَكْحَلَهُ حَتَّى نَزَفَ فَمَاتَ فَقَبْرُهُ هُنَاكَ مَشْهُورٌ يَشْرَبُ عنده الأحداث ويصبون فضل كؤوسهم عَلَيْهِ.
وَرُوِيَ أَنَّ رَجُلًا مِنْ طي نَزَلَ بِهِ رَجُلٌ مَنْ شَيْبَانَ يُقَالُ لَهُ الْمُكَّاءُ فَذَبَحَ لَهُ
следующие страницы →