Полный текст (134 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
وَكَانَ يَقُولُ كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ فَاسْتَغْنُوا بِمَا أَحَلَّ اللَّهُ عَمَّا حَرَّمَ فَإِنَّهُ مَنْ شَرِبَ بَعْدَ تَقَدُّمِنَا إِلَيْهِ أَوْجَعْنَاهُ عُقُوبَةً وَمَنِ اسْتَخْفَى فَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تنكيلا.
وحدثني القطيعي عَنِ الْحَجَّاجِ عَنْ حَمَّادِ بْنِ مسلمة عَنْ حُمَيْدٍ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ إِذَا دَخَلْتَ عَلَى أَخِيكَ فَكُلْ مَا أَطْعَمَكَ وَاشْرَبْ مِمَّا سَقَاكَ يَا أَبَا سَعِيدٍ إِنَّهُمْ يَنْتَبِذُونَ فِي الْجَرِّ فَقَالَ أَوَ يَفْعَلُونَ؟ مَا كُنْتُ أَرَى أنَّ أَحَدًا يَفْعَلُهُ بَعْدَ كِتَابِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَعْنِي هَذَا الْكِتَابَ
стр. 37
قَالَ: وَقَدْ شُهِرَ الْمُتَعَاشِرُونَ عَلَى الشَّرَابِ بِسُوءِ الْعَهْدِ وَقِلَّةِ الْحِفَاظِ وَأَنَّهُمْ صَدِيقُكَ مَا اسْتَغْنَيْتَ حَتَّى تَفْتَقِرَ وَمَا عُوفِيتَ حَتَّى تُنْكَبَ وَمَا غَلَتْ دِنَانُكَ حَتَّى تُنْزَفَ وَمَا رَأَوْكَ بِعُيُونِهِمْ حَتَّى يَفْقِدُوكَ قَالَ الشَّاعِرُ:
أَرَى كُلَّ قَوْمٍ يَحْفَظُونَ حَرِيمَهُمْ ... وَلَيْسَ لِأَصْحَابِ النَّبِيذِ حَرِيمُ
إِذَا جِئْتَهُمْ حَيَّوْكَ أَلْفًا وَرَحَّبُوا ... وَإِنْ غِبْتَ عَنْهُمْ سَاعَةً فذميم
اخاؤهم ما دارت الْكَأْسُ بَيْنَهُمُ ... وَكلُّهُمُ رَثُّ الْوِصَالِ سؤوم
فهذا ثباتي لم أقل بجهالة ... ولكني بِالْفَاسِقِينَ عَلِيمُ
وَقَالَ آخَرُ:
بَلَوْتُ النبيذين في بَلْدَةٍ ... فَلَيْسَ لِأَصْحَابِ النَّبِيذِ حِفَاظُ
إِذَا أَخَذُوهَا ثَمَّ أَغَنوْكَ بِالْمُنَى ... وأن فقدوها فالوجوه غلاظ
مواعيد ريح لمن يعدونه ... بها بَرْدَ الشِّتَاءِ وَقَاظُوا
بِطَانٌ إِذَا مَا اللَّيْلُ أَلْقَى رِوَاقَهُ ... وَقَدْ أخذوها فالبطون كظاظ
يراغ إِذَا مَا كَانَ يَوْمَ كَرِيهَةٍ ... وَأُسْدٌ إِذَا أَكْلُ الثَّرِيدِ فِظَاظُ
стр. 38
وَرُبَّمَا بَلَغَتْ جِنَايَةُ الْكَأْسِ إِلَى عَقِبِ الرَّجُلِ وَنَجْلِهِ قَالَ الْمَأْمُونُ لقوم: يانطف الخمار ونزاع الظؤور وأشباه الخؤولة. وَقَالَ سَلْمُ بْنُ قُتَيْبَةَ إِنَّ آلَ فُلَانٍ أَعْلَاجٌ أَوْبَاشٌ لِئَامٌ غدر شرابون
стр. 39
ما نقع ثم هذا يعد فِي نَفْسِهِ نُطْفَةُ خَمَّارٍ فِي رحم صناجة وربما بلغت جناية الْكَأْسِ زَوَالَ النِّعْمَةِ وَسُقُوطَ الْمَرْتَبَةِ وَتَلَفَ النَّفْسِ فإنَّ الرَّجُلَ رُبَّمَا استخلصه السلطان لمنادمته وأدخل مَوْضِعَ أُنْسِهِ فيَزَيَّنَ لَهُ الْكَأْسُ غَمْزَةَ الْقَيْنَةِ وَالْعَبَثَ بِالْخَادِمِ وَالتَّعَرُّضَ لِلْحُرْمَةِ.
وَقَالَ الْمَأْمُونُ: الْمُلُوكُ تَحْتَمِلُ كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا ثَلَاثَةَ أَشْيِاءَ إِفْشِاءَ السِّرِّ وَالْقَدْحَ فِي الْمَلِكِ وَالتَّعَرُّضَ لِلْحُرَمِ. وَقَدْ بَلَغَكَ مِنْ ذَلِكَ مَا لَا أَحْتَاجُ إِلَى ذِكْرِهِ.
وَقَدِيمًا بُلِيَ الْمُعَاقِرُونَ بِمِثْلِ هذا من جزا الْكَأْسِ.
وَقَدْ كَانَ عَمْرُو بْنُ هِنْدٍ اسْتَخْلَصَ طَرَفَةَ بْنَ الْعَبْدِ لِنَدَامَتِهِ فَبَيْنَمَا هُوَ يَوْمًا مَعَهُ يشرب أشرفت أخته عليمها فَرَأَى طَرَفَةُ ظِلَّهَا فِي الْجَامِ
стр. 40
الَّذِي فِي يَدِهِ فَقَالَ:
أَلَا يا أيها الظبي ال ... مَ الَّذِي يَبْرُقُ شَنْفَاهُ
وَلَوْلَا الْمَلِكُ الْقَاعِدُ ... قَدْ أَلْثَمَنِي فَاهُ
فَسَمِعَهُ عَمْرُو بْنُ هِنْدٍ فَكَتَبَ لَهُ كِتَابًا إِلَى عَامِلِهِ بِالْبَحْرَيْنِ وَأَوْهَمَهُ أنه أمر له فيه جائزة وَأَمَرَ الْعَامِلَ بِقَتْلِهِ فَلَمَّا وَرَدَ عَلَى الْعَامِلِ سَقَاهُ مِنَ الرَّاحَ حتى أثلمه ثُمَّ فَصَدَ أَكْحَلَهُ حَتَّى نَزَفَ فَمَاتَ فَقَبْرُهُ هُنَاكَ مَشْهُورٌ يَشْرَبُ عنده الأحداث ويصبون فضل كؤوسهم عَلَيْهِ.
وَرُوِيَ أَنَّ رَجُلًا مِنْ طي نَزَلَ بِهِ رَجُلٌ مَنْ شَيْبَانَ يُقَالُ لَهُ الْمُكَّاءُ فَذَبَحَ لَهُ
стр. 41
الطَّائِيُّ شَاةً وَسَقَاهُ مِنَ الْخَمْرِ فَلَمَّا سَكِرَ الطَّائِيُّ قَالَ لِلشَّيْبَانِيِّ: هلم أفاخرك أطي أَكْرَمُ أَمْ شَيْبَانُ؟ فَقَالَ لَهُ الشَّيْبَانِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ وَمُنَادَمَةٌ كَرِيمَةٌ أَحَبُّ إِلَيْنَا مِنَ الْفِخَارِ فَقَالَ الطَّائِيُّ: لَا وَاللَّهِ مَا مَدَّ رَجُلٌ يَدًا أَطْوَلَ مِنْ يَدِي وَمَدَّ يَدَهُ فَقَالَ لَهُ الشَّيْبَانِيُّ: أما والله لئن أعدتها لأقصبنها مِنْ كُوعِهَا فَأَعَادَ فَضَرَبَهُ الشَّيْبَانِيُّ فَقَتَلَهُ فَقَالَ أَبُو زُبَيْدٍ فِي ذَلِكَ لِبَنِي شَيْبَانَ:
خَبَّرَتْنَا الرُّكْبَانُ أَنْ قَدْ فَخَرْتُمْ ... وَفَرِحْتُمْ بِضَرْبَةِ الْمُكَّاءِ
وَلَعَمْرِي لَعَارُهَا كَانَ أَدْنَى ... لَكُمْ مِنْ تُقًى وَحَقِّ وَفَاءِ
ظل ضيفنا أَخُوكُمُ لِأَخِينَا ... فِي صَبُوحٍ وَنَعْمَةٍ وَشِوَاءِ
ثُمَّ لَمَّا رَآهُ رَانَتْ بِهِ الْخَمْرُ ... وَأَلَّا يُرِيبَهُ بِاتِّقَاءِ
لم يهب حرمة النديم وحققت ... يالقومي للسواة السوآء
стр. 42
قَالَ وَرُبَّمَا طَمَسَ الْخُمَارُ عَلَى الْعَقْلِ، وَرُبَّمَا ذَهَبَ بِالْبَيَانِ وَغَيَّرَ الْخِلْقَةَ، فَعَظُمَ أَنْفُ الرَّجُلِ وَاحْمَرَّ وترهل. قال الجرير فِي الْأَخْطَلِ:
وَشَرِبْتَ بَعْدَ أَبِي ظُهَيْرٍ وَابْنِهِ ... سَكَرَ الدِّنَانِ كَأَنَّ أنفك دمل
شبهه بالدمل لحرمته وَوَرَمِهِ.
وَقَالَ آخَرُ فِي حَمَّادٍ الرواية:
نِعْمَ الْفَتَى لَوْ كَانَ يَعْرِفُ رَبَّهُ ... وَيُقِيمُ وَقْتَ صَلَاتِهِ حَمَّادُ
هَدَلَتْ مَشَافِرَهُ الدِّنَانُ فَأَنْفُهُ ... مِثْلُ القدوم يسناه الْحَدَّادُ
وَابْيَضَّ مِنْ شُرْبِ الْمُدَامَةِ وَجْهُهُ ... فَبَيَاضُهُ يَوْمَ الْحِسَابِ سَوَادُ
قَالُوا وَمِنْ شَرَبَةِ النَّبِيذِ الشُّطَّارُ وَالْخُلَعَاءُ وَالْمُجَّانُ، فَحَمَلَهُمُ الْكَأْسُ عَلَى المجون، وحملهم الْمُجُونُ عَلَى رُكُوبِ الْكَبَائِرِ مُعْلِنِينَ، وإتيان الفواحش مجاهرين،
стр. 43
وَيَرَوْنَ أَتَمَّ ذَلِكَ لَذَّةً أَظْهَرَهُ، وَأَنْقَصَهُ مَسَرَّةً أَسْتَرَهُ، فَقَالَ قَائِلُهُمْ:
فَبُحْ بِاسْمِ مَنْ تَهْوَى وَدَعْنِي مِنَ الْكُنَى ... فَلَا خَيْرَ فِي اللَّذَّاتِ مِنْ دُونِهَا سِتْرُ
وَقَالَ أَيْضًا:
جَرَيْتُ مَعَ الصِّبَا طَلَقَ الجموح ... وهان علي ما
ثور القبيح وربما كفروا بالله مجنوناً، وَكَذَّبُوا الرُّسُلَ، وَجَحَدُوا بِالنُّشُورِ وَالْبَعْثِ، فِي حَالِ شُرْبِهِمْ قَالَ الْوَلِيدُ:
قَرِّبَا مِنِّي خَلِيلِي ... عَبْدَلًا دُونَ الشِّعَارِ
وَاسْقِيَانِي وَابْنَ حَرْبٍ ... وَاسْتُرَانَا بِالْإِزَارِ
فَلَقَدْ أيْقَنْتُ أَنِّي ... غَيْرُ مبعوث لنار
سأروض الناض حَتَّى ... يَرْكَبُوا دِينَ الْحِمَارِ
وَاتْرُكَا مَنْ طَلَبَ الْجَنَّةَ ... يَسْعَى فِي خسار
стр. 44
وَهَذَا الشِّعْرُ مِمَّا اسْتَحَلَّ النَّاسُ بِهِ دَمَهُ.
وَقَالَ رَوْحٌ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ هَمَّامٍ:
اسْقِنِي يَا أُسَامَهْ ... مِنْ رحيقٍ مُدَامَهْ
اسْقِنِيهَا فَإِنِّي ... كَافِرٌ بِالْقِيَامَهْ
وَهُوَ الْقَائِلُ: وَإِنَّمَا الْمَوْتُ بَيْضَةُ الْعُقْرِ وَقَالَ أَبُو نؤاس:
تُعَلَّلُ بِالْمُنَى إِذْ أَنْتَ حَيٌّ ... وَبَعْدَ الْمَوْتِ مِنْ لَبَنٍ وَخَمْرٍ
حَيَاةٌ ثُمَّ مَوْتٌ ثُمَّ بَعْثٌ ... حَدِيثُ خُرَافَةٍ يَا أُمَّ عَمْرٍو
وَهُوَ الْقَائِلُ أَيْضًا:
فَدَعَانِي وَمَا ألذ وأهوى ... اقذفاني فِي بَحْرِ يَوْمِ الْحِسَابِ
وَهُوَ الْقَائِلُ أَيْضًا يَصِفُ الْخَمْرَ:
عُتِّقَتْ فِي الدَّنِّ حَتَّى ... هِيَ فِي رِقَّةِ دِينِي
وَحَدَّثَنَا دِعْبِلٌ الشَّاعِرُ أَنَّهُ اجْتَمَعَ هُوَ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو الشيص وابو نؤاس فِي مَجْلِسٍ لَهَمْ، فَقَالَ لَهُمْ أَبُو نُوَاسٍ: إِنَّ مَجْلِسَنَا هَذَا قَدْ شُهِرَ بِاجْتِمَاعِنَا فِيهِ، وَلِهَذَا اليوم ما بعده،
стр. 45
فَلْيَأْتِ كُلُّ امْرِئٍ مِنْكُمْ بِأَحْسَنِ ما قال فلينشدنا فَأَنْشَدَ أَبُو الشِّيصِ:
وَقَفَ الْهَوَى بِي حَيْثُ أَنْتِ فَلَيْسَ لِي ... مُتَأَخَّرٌ عَنْهُ وَلَا مُتَقَدَّمُ
أَجِدُ الْمَلَامَةَ فِي هَوَاكِ لَذِيذَةً ... حُبًّا لذكراك فليلمني اللوم
أشهت أَعْدَائِي فَصِرْتُ أُحِبُّهُمْ ... إِذْ كَانَ حَظِّي مِنْكِ حَظِّي مِنْهُمُ
وَأَهَنْتِنِي فَأَهَنْتُ نَفْسِي طَائِعًا ... مَا مَنْ يَهُونُ عَلَيْكِ مِمَّنْ يُكْرَمُ
قَالَ فَجَعَلَ أَبُو نُوَاسٍ يَعْجَبُ مِنْ حين الشعر حتى ما يكاد ينقصني عَجَبُهُ، وَأَنْشَدَ مُسْلِمٌ أَبْيَاتًا مِنْ شِعْرِهِ الَّذِي يَقُولُ فِيهِ:
موفٍ عَلَى مُهَجٍ فِي يَوْمٍ ذِي رهجٍ ... كَأَنَّهُ أَجَلٌ يَسْعَى إِلَى أمل
جئتنا بأم القلادة:
لا تعجبني يَا سَلْمُ مِنْ رَجُلٍ ... ضَحِكَ المشيب برأسه فبكى
فقلت كأنك كنت في " ع ": نَفْسِي ثُمَّ سَأَلُوهُ أَنْ يُنْشِدَهُمْ فَأَنْشَدَهُمْ:
لَا تَبْكِ لَيْلَى وَلَا تَطْرَبْ إِلَى هِنْدٍ ... وَاشْرَبْ عَلَى الورد من حمراء كالورد
стр. 46
فَلَمَّا بَلَغَ إِلَى قَوْلِهِ:
تَسْقِيكَ مِنْ عَيْنِهَا خَمْرًا وَمِنْ يَدِهَا ... خَمْرًا فَمَا لَكَ مِنْ سُكْرَيْنِ مِنْ بُدِّ
لِي نَشْوَتَانِ وَلِلنَّدْمَانِ وَاحِدَةٌ ... شَيْءٌ خُصِصْتُ بِهِ مِنْ بَيْنِهِمْ وَحْدِي
قَامُوا فَسَجَدُوا لَهُ فَقَالَ: أَفَعَلْتُمُوهَا أَعْجَمِيَّةً لَا كَلَّمْتُكُمْ ثَلَاثًا وَلَا ثَلَاثًا وَلَا ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ تِسْعَةُ أَيَّامٍ فِي هِجْرَةِ الْإِخْوَانِ كَثِيرٌ، وَفِي هِجْرَةِ بَعْضِ يَوْمٍ اسْتِصْلَاحٌ لِلْفَاسِدِ، وَعُقُوبَةٌ عَلَى الْهَفْوَةِ، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيْنَا فَقَالَ: أَعَلِمْتُمْ أَنَّ رَجُلًا عَتَبَ عَلَى أَخٍ لَهُ فِي الْمَوَدَّةِ فَكَتَبَ إِلَيْهِ الْمَعْتُوبُ عَلَيْهِ: يَا أَخِي إِنَّ أَيَّامَ الْعُمْرِ أَقَلُّ مِنْ أَنْ تَحْتَمِلَ الْهَجْرَ. فَهَذِهِ جَرَائِرُ الْمُسْكِرِ قَدْ ذَكَرْنَا مِنْهَا مَا حَضَرَنَا وَهِيَ أَكْثَرُ مِنْ أن نحيط بها. قالوا شاهدنا عَلَى أَنَّ السُّكْرَ وَالْخَمْرَ شَيْءٌ وَاحِدٌ مِنَ اللُّغَةِ أَنَّ الْخَمْرَ ما خمر المسكر يُخَمِّرُ فَاسْمُ الْخَمْرِ يَلْزَمُهُ.
وَوَجَدْنَاهُمْ يَقُولُونَ لِمَنِ اعْتَقَبَ الصُّدَاعَ وَغَلِثَ النَّفَسَ وَالْإِرْعَاشَ مِنْ شُرْبِ الْخَمْرِ مَخْمُورٌ وَبِهِ خُمَارٌ، وَيَقُولُونَ لِمَنْ أَصَابَهُ مِثْلُ ذَلِكَ مِنَ الْمُسْكِرِ الذي يسمونه نبيذاً مخمور
стр. 47
وَبِهِ خُمَارٌ، وَالْخُمَارُ مَأْخُوذٌ مِنَ الْخَمْرِ وَهُوَ اسْمٌ لِلدَّاءِ الَّذِي يُصِيبُ مِنْهَا. وَالْأَدْوَاءُ أَكْثَرُ مَا تَأْتِي عَلَى فُعَالٍ، نَحْوَ الْكُبَادِ لِوَجَعِ الْكَبِدِ، وَالْقُلَابِ لِوَجَعِ الْقَلْبِ، والصفار والصداع النزال وَالْعُطَاسِ، وَلَمْ نَسْمَعْهُمْ يَقُولُونَ لِمَنْ أَصَابَهُ ذَلِكَ مَنْبُوذٌ وَلَا بِهِ نُبَاذٌ.
فَهَذَا مَا لِلْمُغَلِّظِينَ فِيهِ مِنَ الْقَوْلِ وَالْحُجَجِ وَنَذْكُرُ مَا لِلْمُطْلِقِينَ لَهُ مِنَ الْحُجَجِ وَالْقَوْلِ.
стр. 48
حُجَجُ الْمُحِلِّينَ لِمَا دُونَ السُّكْرِ
قَالَ الْمُطْلِقُونَ إِنَّمَا حُرِّمَتِ الْخَمْرُ الَّتِي أَجْمَعَ النَّاسُ عَلَى صِفَتِهَا وَكَيْفِيَّتِهَا بِعَيْنِهَا، وَمَا سِوَى ذَلِكَ كَائِنًا مَا كَانَ فَهُوَ نَبِيذٌ مَا دُونَ السُّكْرِ مِنْهُ حَلَالٌ، فَسَوَّوْا بَيْنَ النَّقِيعِ وَالطَّبِيخِ، وَالَحَدِيثِ والعتيق والتمر والزبيب، والمفرد والخليط، وَالسَّهْلِ وَالشَّدِيدِ، وَمَا اتُّخِذَ مِنْ عَصِيرِ الْعِنَبِ إِذَا ذَهَبَ مِنْهُ الثُّلُثَانِ لِأَنَّهُ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ الثُّلُثَيْنِ حَظُّ الشَّيْطَانِ، وَرَدَّ عَلَيْهِ الْمَاءَ، وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ أَخْزَمَ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ عَنْ شعبه عن مسعر ابن كدام
стр. 49
عَنْ أَبِي عَوْنٍ الثَّقَفِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: حُرِّمَتِ الْخَمْرُ بِعَيْنِهَا قَلِيلُهَا وَكَثِيرُهَا وَالسُّكْرُ مِنْ كُلِّ شَرَابٍ. وَبِحَدِيثٍ رَوَاهُ بْنُ الْيَمَانِ عَنِ الثَّوْرِيِّ عَنْ منصور
стр. 50
عَنْ خَالِدِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَطِشَ وَهُوَ يَطُوفُ فِي الْبَيْتِ فَأُتِيَ بِنَبِيذٍ مِنَ السِّقَايَةِ فَشَمَّهُ فَقَطَّبَ، فَدَعَا بِذَنُوبٍ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ فَصَبَّ عَلَيْهِ فَشَرِبَ فَقَالَ لَهُ رجل آخر: أمر هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: لا.
وحديث رواه عبد الرحمن بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أبي زياد عن عكرمة
стр. 51
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ طَافَ وَهُوَ شَاكٍ وَهُوَ رَاكِبٌ مَعَهُ مِحْجَنٌ، كُلَّمَا مَرَّ بِالْحَجَرِ اسْتَلَمَهُ بِالْمِحْجَنِ حَتَّى إِذَا قَضَى طَوَافَهُ نَزَلَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ أَتَى السِّقَايَةَ فَقَالَ: اسْقُونِي مِنْ هَذَا، فقال له العباس أَلَا نَسْقِيكَ مِمَّا نَصْنَعُ فِي الْبُيُوتِ؟ قَالَ لَا وَلَكِنِ اسْقُونِي مِمَّا يَشْرَبُ النَّاسُ، فَأُتِيَ بِقَدَحٍ مِنْ نَبِيذٍ فَذَاقَهُ فَقَطَّبَ فَقَالَ: هَلُمُّوا فَصَبُّوا فِيهِ مَاءً، ثُمَّ قَالَ زِدْ فِيهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ إِذَا صُنِعَ هَذَا فَاصْنَعُوا بِهِ هَكَذَا. وَبِحَدِيثٍ يَرْوِيهِ وَكِيعٌ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ قُرَّةَ الْعِجْلِيِّ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ ابْنِ أَخِي القعقاع بن ثور عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَأُتِيَ بِقَدَحٍ فِيهِ شَرَابٌ فَقَرَّبَهُ إِلَى فِيهِ ثُمَّ رَدَّهُ فَقَالَ بَعْضُ جُلَسَائِهِ: أَحَرَامٌ هو يا رسول الله؟ انظروا هذه
стр. 52
الاشربة إذا اغتلمت عليكم فاقطعوها متونها بالماء. وبحديث وراه عبد الله ابن الفضل عن أبي الفضل أَبِي غَالِبٍ الضُّبَيْعِيِّ حَابِسِ بْنِ محمد عن ابن جرير عَنْ عَطَاءٍ أنَّ عُمَرَ وَقَفَ عَلَى السِّقَايَةِ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى بَطْنِهِ فَقَالَ " هَلْ مِنْ شَرَابٍ فَإِنِّي أَجِدُ فِي بَطْنِي غَمْزًا، فأتي شربة من السقاية فشربها ثم قَالَ: أُخْرَى فَأُتِيَ بِهَا ثُمَّ ثَالِثَةٍ فَشَرِبَ مِنْهَا، ثُمَّ دَعَا بِسَجْلٍ وَرُبَّمَا قَالَ بِذَنُوبٍ فَشَجَّ الْإِنَاءَ بِالْمَاءِ حَتَّى فَاضَ نَوَاحِيهِ ثُمّ قَالَ: عِبَادَ اللَّهِ كُلُّ شَرَابٍ اسْتُخْرِجَ مَاؤُهُ بِمَائِهِ فَهُوَ حَرَامٌ لَا تَشْرَبُوهُ، وَكُلُّ شَرَابٍ اسْتُخْرِجَ مَاؤُهُ بِغَيْرِ مَائِهِ فَهُوَ حل اشربه، مَعَ أَحَادِيثَ كَثِيرَةٍ. وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ وكُلُّ خمر حرام وما أسكر
стр. 53
الفرق منه فمل الْكَفِّ مِنْهُ حَرَامٌ، فإنَّ هَذَا مَنْسُوخٌ نُسِخَ بِشُرْبِهِ الصُّلْبَ يَوْمَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ. قَالُوا: وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ نَهَى وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ عَنْ شُرْبِ المسكر ثم وفودا إِلَيْهِ بَعْدُ فَرَآهُمْ مُصْفَرَّةً أَلْوَانُهُمْ، سَيِّئَةً حَالُهُمْ، فَسَأَلَهُمْ عَنْ قِصَّتِهِمْ فَأَعْلَمُوهُ أَنَّ ذَلِكَ لِائْتِمَارِهِمْ بِمَا أمر بِهِ مِنْ تَرْكِ شَرَابِهِمْ، فَأَذِنَ لَهُمْ فِي شُرْبِهِ، وَبِأَنَّ ابْنَ مسعود قال شهدت التحريم وَشَهِدْتُ التَّحْلِيلَ وَغِبْتُمْ وَبِأَنَّهُ كَانَ يشرب الصلب من النبذ الجر حتى كثرت الروايات عَنْهُ وَشُهِرَتْ وَأُذِيعَتْ فَاتَّبَعَهُ عَلَيْهِ
стр. 54
التابعون الكوفييون وَجَعَلُوهُ أَعْظَمَ حُجَجِهِمْ.
قَالَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ:
مَنْ ذَا يُحَرِّمُ مَاءَ الْمُزْنِ خَالَطَهُ ... فِي جَوْفِ خَابِيَةٍ مَاءُ الْعَنَاقِيدِ
إِنِّي لَأَكْرَهُ تَشْدِيدَ الرُّوَاةِ لَنَا ... فِيهَا وَيُعْجِبُنِي قَوْلُ ابن مسعود
ونما عَنَى الطِّلَا وَهُوَ مَا طُبِخَ مِنْ عَصِيرِ الْعِنَبِ حَتَّى يَذْهَبَ ثُلُثَاهُ وَيَرُدَّ عَلَيْهِ الْمَاءُ وَكَانَ كَثِيرٌ مِنَ الْكُوفِيِّينَ يَشْرَبُونَهُ. وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ خِدَاشٍ عن سالم بْنِ قُتَيْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمْزَةُ الزَّيَّاتُ قَالَ: رَأَيْتُ الْحَكَمَ يَشْرَبُ طلا جَعَلْتُ أَعْجَبُ مِنْ رِقَّتِهِ وَكَانَ يهدي لإبراهيم بختج خائر فَكَانَ نَبِيذَهُ وَيُلْقِي فِيهِ الْعِطْرَ.
стр. 55
بان عُمَرَ كَانَ يَشْرَبُ عَلَى طَعَامِهِ الصلب ويقوليقطع هذا اللحم في بطوننا، ويشرب نبيذاُ كَادَ يَصِيرُ خَلًّا وَمَاءُ التمر وماء الزبيب لا يكادأ يَكُونَ خَلًّا حَتَّى يَكُونَ نَبِيذًا ثم يدخلها شَيْءٌ مِنَ الْفَسَادِ مِنْ غَيْرِ أن يصير خَلًّا، لِأَنَّ كَادَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ هَمَّ أَنْ يَفْعَلَ وَلَمْ يَفْعَلْ. وَقَدْ قَالَ قَوْمٌ: إِنَّهُ شَرِبَ خَلًّا، وَالْخَلُّ لَا يُسَمَّى نَبِيذًا، وَلَا يُسَمَّى شَرَابًا، لِأَنَّهُ مِمَّا يُشْرَبُ، وَمَنْ ذَا شَرِبَ الْخَلَّ مِنَ النَّاسِ لِلَذَّةٍ أَوْ مَنْفَعَةٍ فَيَشْرَبُهُ عُمَرُ. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ شرب أعرابي من دواة عُمَرَ فَانْتَشَى فَحَدَّهُ عُمَرُ وَإِنَّمَا حَدَّهُ عَلَى السُّكْرِ لَا عَلَى الشُّرْبِ وَدَخَلَ عَلَى قَوْمٍ يَشْرَبُونَ وَيُوقِدُونَ فِي الْأَخْصَاصِ فَقَالَ لَهُمْ: نهتكم عن معاقرة الشراب فعقرتم، وَنَهَيْتُكُمْ عَنِ الْإِيقَادِ فِي الْأَخْصَاصِ فَأَوْقَدْتُمْ، وَهَمَّ بِتَأْدِيبِهِمْ، فَقَالُوا: مَهْلًا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، نَهَاكَ اللَّهُ عن لتجسس فَتَجَسَّسْتَ وَنَهَاكَ عَنِ الدُّخُولِ بِغَيْرِ إِذْنٍ فَدَخَلْتَ فَقَالَ هَاتَانِ بِهَاتَيْنِ وَانْصَرَفَ عَنْهُمْ، وَإِنَّمَا نَهَاهُمْ عَنِ الْمُعَاقَرَةِ وَهِيَ إِدْمَانُ الشُّرْبِ حَتَّى يَسْكَرُوا، وَلَمْ يَنْهَهُمْ عَنِ الشُّرْبِ وَأَصْلُ الْمُعَاقَرَةِ مِنْ عُقْرِ الْحَوْضِ وَهُوَ مَقَامُ الشَّارِبَةِ وَكَذَلِكَ قَالَ الأشج لبنيه:
стр. 56
لا تشربوا وَلَا تَثْجُرُوا وَلَا تُعَاقِرُوا فَتَسْكَرُوا وَلَوْ كَانَ مَا شَرِبُوا عِنْدَهُ خَمْرًا لَحَدَّهُمْ كَمَا حَدَّ ابْنَهَ فِي الْخَمْرِ وَبَلَغَهُ عَنْ عَامِلِهِ بِدَسْتُمَيْسَانَ أَنَّهُ قَالَ:
إِذَا شِئْتُ غنتني دهاقين قرية ... وصناجة تحدو عَلَى كُلِّ مَنْسِمِ
فإنَّ كُنْتَ ندمامني فَبِالْأَكْبَرِ اسْقِنِي ... وَلَا تَسْقِنِي بَالْأَصْغَرِ الْمُتَثَلَّمِ
لَعَلَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ يَسُوءُهُ ... تنادمنا بالجوسق المتهدم
стр. 57
فقال أنا والله ليسوءني وَوَاللَّهِ لَا عَمِلْتَ لِي عَمَلًا وَعَزَلَهُ.
قَالُوا فَإِنَّمَا أَنْكَرَ عَلَيْهِ الندم وَشُرْبَهُ بِالْكَبِيرِ وَالصَّنْجَ وَالرَّقْصَ وَشُغْلَهُ بِاللَّهْوِ عَمَّا يَشْغَلُهُ إِلَيْهِ وَلَوْ كان ما شرب عِنْدَهْ خَمْرًا لَحَدَّهُ
وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بن داود " سَعِيدِ بْنِ " نُصَيْرٍ عَنْ سَنان عَنْ جَعْفَرٍ قَالَ: سَمِعْتُ مَالِكَ بم دِينَارٍ وَسُئِلَ عَنِ النَّبِيذِ فَقَالَ: انْظُرْ ثَمَنَ التَّمْرِ مِنْ أَيْنَ هُوَ؟ أَرَادَ مَالِكٌ أَنَّهُ يَجِبُ على المستفتي عن النبيذ حلال هُوَ أَمْ حَرَامٌ أنَّ يَتَنَزَّهَ عَمَّا لَا اخْتِلَافَ فِيهِ مِنِ اكْتِسَابِ الْحَرَامِ الَّذِي هُوَ ثَمَنُ التَّمْرِ ثُمَّ يَسْأَلُ بَعْدَ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيذِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ. قَالُوا فَلَوْ كَانَ عِنْدَهُ خَمْرًا مَا تَوَقَّفَ هَذَا التَّوَقُّفَ. وَقَدْ يَحْتَمِلُ أنَّ يَكُونَ أَرَادَ أنَّ كَانَ ثَمَنُ التَّمْرِ حَلَالًا كَانَ النَّبِيذُ الَّذِي اتُّخِذَ مِنْهُ حَلَالًا، وَإِنْ كَانَ ثَمَنُ التَّمْرِ حَرَامًا كَانَ النَّبِيذُ الَّذِي اتُّخِذَ مِنْهُ حَرَامًا، فإنَّ كَانَ ذَهَبَ هَذَا الْمَذْهَبَ فَالْخُبْزُ وَاللِّبَاسُ وَالْإِدَامُ عَلَى هَذِهِ السَّبِيلِ عِنْدَهُ تَحِلُّ، إنَّ طَابَتِ المكسبة وتحرم أنَّ خبثت.
стр. 58
وعوتب شعيب بن يزيد فِي النَّبِيذِ فَقَالَ: أَمَّا أَنَا فَلَا أَدَعُهُ حَتَّى يَكُونَ شَرَّ عملي يريد قد يأتي ما هو شر من شُرْبُهُ وَأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَى مَنْ أَرَادَ إِصْلَاحَ نَفْسِهِ وَالِانْتِقَالَ إِلَى طَهَارَةِ التَّوْبَةِ أَنْ يَبْدَأَ بِالْأَخْبَثِ فَالْأَخْبَثِ مِنْ عَمَلِهِ وَالْأَعْظَمِ فَالْأَعْظَمِ مِنْ ذُنُوبِهِ فَيَنْزِعَ عَنْهُ فَأَمَّا أَنْ يَدَعَ التَّزَوُّجَ بِالْإِمَاءِ لِمَا كُرِهَ مِنْهُ وَهُوَ يَزْنِي أَوْ يَتْرُكَ الشُّرْبَ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ لِمَا نُهِيَ عَنْهُ مِنْ ذَلِكَ وَهُوَ يَشْرَبُ الْخَمْرَ فِي الْعِسَاسِ فَهَذَا مِنَ السَّخَفِ وَإِفْرَاطِ الْجَهْلِ.
وقال أبو الغاية الرياحي: اشرب النبيذ وَلَا تَمَزَّزْ وَالتَّمَزُّزُ أَنْ يَشْرَبَ قَلِيلًا قَلِيلًا وَهُوَ مِثْلُ التَّمَزُّرُ وَأَرَادَ أَبُو الْعَالِيَةِ أَنْ يَشْرَبَهُ دَفْعَةً وَاحِدَةً للرِّيِّ وَلَا يُنَاقِلَ الأقداح ويتابعها ليسكر.
وقيل محمد بْنِ وَاسِعٍ: أَتَشْرَبُ النَّبِيذَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قِيلَ وَكَيْفَ تَشْرَبُهُ؟ قَالَ: على غدائي وعشائي وعند ظمأي قِيلَ فَمَا تَرَكْتَ مِنْهُ؟ قَالَ النكات وحادثة الرجال.
стр. 59
قَالَ الْمَأْمُونُ: اشْرَبِ النَّبِيذَ مَا اسْتَبْشَعْتَهُ فَإِذا سَهُلَ فَاتْرُكْهُ فَأَرَادَ أَنَّهُ يَسْهُلُ عَلَى شَارِبِهِ إِذَا أخذ في الإسكار.
وقيل لسعيد بن سالم: أَتَشْرَبُ النَّبِيذَ؟ قَالَ: لَا، قِيلَ ولم؟ تَرَكْتُ كَثِيرَهُ لِلَّهِ وَقَلِيلَهُ لِلنَّاسِ.
حدثني محمد بن عبيد إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ قَالَ صَامَ عَمِّي الْحَسَنُ بْنُ عَيَّاشٍ خَمْسِينَ حَوْلًا مُتَتَابِعَةً فَكَانَ لَا يُفْطِرُ فِي السَّنَةِ إِلا خَمْسَةَ أَيَّامٍ وَكَانَ أَبِي يصنع أيام التشريق طعاما يكثره ويجوده ويدعو الفقهاء ومشايخنا
стр. 60
فَيَتَغَدَّوْنَ مَعَ أَبِي وَيَسْقِيهِمْ أَوْ قَالَ مَنْ أَرَادَ مِنْهُمُ النَّبِيذَ الصلب.
وكان سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ يَشْرَبُ النَّبِيذَ الصُّلْبَ الذي تحمر منه وجنتاه.
واحتجوا مِنَ النَّظَرِ بَأَنَّ الْأَشْيَاءَ كُلَّهَا حَلَالٌ إِلا مَا حَرَّمَهُ اللَّهُ قَالُوا: فَلَا نُزِيلُ يَقِينَ الْحَلَالِ بِالِاخْتِلَافِ وَلَوْ كَانَ الْمُحَلِّلُونَ فِرْقَةً من الناس فكيف وهو أَكْثَرُ الْفِرَقِ وَأَهْلُ الْكُوفَةِ جَمِيعًا عَلَى التَّحْلِيلِ لَا يَخْتَلِفُونَ.
حَدَّثَنِي اسحق بْنُ رَاهَوَيْهِ قَالَ سَمِعْتُ وَكِيعًا يَقُولُ: النَّبِيذُ أَحَلُّ مِنَ الْمَاءِ وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنَ الْكُوفِيِّينَ يُحَرِّمُهُ غَيْرَ ابْنُ إِدْرِيسَ وَكَانَ بذلك عندنا معيبا.
وقيل لِابْنِ إِدْرِيسَ: مَنْ خِيارُ أَهْلِ الْكُوفَةِ؟ فَقَالَ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَشْرَبُونَ النَّبِيذَ قِيلَ وَكَيْفَ ذَلِكَ وَهُمْ يَشْرَبِونَ مَا يُحَرَّمُ عِنْدَكَ؟ فَقَالَ: ذلك مبلغهم من العلم.
وقال لنا اسحق: عِيبَ وَكِيعٌ بِقَوْلِهِ هُوَ أَحَلُّ مِنَ الْمَاءِ لِأَنَّهُ أنَّ كَانَ حلالا
стр. 61
وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمَاءِ فَكَيْفَ جَعَلَهُ أَحَلَّ مِنْهُ وَنَحْنُ نَقُولُ إِنَّهُ لَيْسَ يَلْحَقُ وَكِيعًا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ عَيْبٌ وَلَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ مِنْهُ عَتَبٌ لِأَنَّ كَلِمَتَهُ خَرَجَتْ مَخْرَجَ كَلَامِ الْعَرَبِ فِي مُبَالَغَتِهِمْ فِي الْوَصْفِ وَاسْتِقْصَائِهِمْ بِالْمَدْحِ وَالذَّمِّ يَقُولُونَ هُوَ أَشْهَرُ مِنَ الصُّبْحِ وأسرع من البرق وأبعد مِنَ النَّجْمِ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِكَذِبٍ لأنه السَّامِعَ لَهُ يَعْرِفُ مَذْهَبَ الْقَائِلِ فِيهِ وَكُلُّهُمْ مُتَوَاطِئُونَ عَلَيْهِ كَذَلِكَ قَوْلُهُ هُوَ أَحَلُّ مِنَ الْمَاءِ يُرِيدُ الْمُبَالَغَةَ فِي وَصْفِهِ بِالتَّحْلِيلِ وَإِنَّمَا عَابَ أَهْلُ الْكُوفَةِ ابْنَ إِدْرِيسَ بِمُخَالَفَتِهِ أَهْلَ بَلَدِهِ وَتَغْلِيظِهِ ما ترخصوا فيه.
وحدثني مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ الْمُبَارَكِ مِنْ أَيْنَ جِئْتَ بِهَذَا الْقَوْلِ فِي كَرَاهَتِكَ النَّبِيذَ وَمُخَالَفَتِكَ الْمَشَايِخَ وَأَهْلَ الْمِصْرِ؟ فَقَالَ هُوَ شَيْءٌ اخْتَرْتُهُ لِنَفْسِي. قُلْتُ: فَتَعِيبُ مَنْ شربه؟ قال: لا
стр. 62
قُلْتُ: فَأَنْتَ وَمَا اخْتَرْتَ لِنَفْسِكَ.
وقال عَاصِمُ بْنُ أَبِي النَّجُودِ: لَقَدْ أدركت قوما يجعلون على الليل جميلا يَشْرَبُونَ النَّبِيذَ وَيَلْبَسُونَ الْمُعَصْفَرَ فَهَؤُلَاءِ أَهْلُ الْكُوفَةِ وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ عَلَى مِثْلِ مَذْهَبِهِمْ.
وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ يَقُولُ مَا هُوَ عِنْدِي وَمَاءُ الْبِرْكَةِ إِلِّا سواء.
وقال القطيعي: قال ليس عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ: لَا بَأْسَ أَنْ يَشْرَبَهُ الرَّجُلُ عَلَى أَثَرِ الطَّعَامِ كَمَا يَشْرَبُ الْمَاءَ. وَقَالَ: أَكْرَهُ إِدَارَةَ الْقَدَحِ وَأَكْرَهُ بقيع الزَّبِيبِ وَأَكْرَهُ الْمُعَتَّقَ وَأَكْرَهُ نَبِيذَ السِّقَايَةِ وَقَالَ: مَنْ أَدَارَ الْقَدَحَ لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُ. قَالُوا وَكَانَ كثير من الحجازين يترخص فيه حتى غلط فِيهِ مَالِكٌ وَحَدَّ فِي الرَّائِحَةِ
стр. 63
وَالرَّائِحَةُ قَدْ تَلْتَبِسُ وَتَشْتَبِهُ بِغَيْرِهَا وَكَيْفَ يَخْرُقُ ظُهُورَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الظُّنُونِ وَظَهْرُ الْمُسْلِمِ حِمًى لَا يُبَاحُ إِلَّا بِيَقِينٍ وَقَدْ يَأْكُلُ الرَّجُلُ الْكُمَّثْرَى وَالتُّفَّاحَ وَالسَّفَرْجَلَ وَيَشْرَبُ الْمُشْبِهَ النَّبِيذَ فَيُوجَدُ مِنْهُ رَائِحَةُ النبيذ.
وكان الْأُقَيْشِرُ أُخِذَ وَقَدْ شَرِبَ واسْتُنْكِهَ فوجدوا منه رائحة نبيذ ظَاهِرَةً فَقَالَ:
يَقُولُونَ لِي انْكَهْ قَدْ شَرِبْتَ مُدَامَةً ... فَقُلْتُ لَهُمْ لا بل أكلت سفرجل
وقالوا وَجَدْنَا النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَصْنَافٍ: أَصْحَابَ الرَّأْيِ وَهُمْ جَمِيعًا مُجْمِعُونَ عَلَى تحليلة أو حنيفة وأبو يوسف
стр. 64
وَمُحَمَّدٌ وَكُلُّ مَنْ سَلَكَ سَبِيلَهُمْ وأصحاب الحديث أكثرهم عَلَى التَّحْلِيلِ وَأَصْحَابَ الْكَلَامِ وَهُمْ أَيْضًا عَلَى ذَلِكَ وَكَيْفَ نُزِيلُ يَقِينَ التَّحْلِيلِ بِطَائِفَةٍ مِنَ النَّاسِ قَالُوا: وَمَثَلُ النَّبِيذِ مَثَلُ نَهْرِ طالوت.
حدثني سبابة قَالَ حَدَّثَنَا غَسَّانُ بْنُ أَبِي الصَّبَاحِ الْكُوفِيُّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ يَحْيَى بْنِ دِينَارٍ عَنْ أَبِي المطهر الوراق قال بينا زيد بن علي على بلغة له
стр. 65
بَصُرَ بِرَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِهِ مُحَجَّلِ الْإِزَارِ عَلَى قَمِيصِهِ رَدْعٌ مِنْ زعفران فقال له: مهيمن فَقَالَ لَهُ: يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ إِنِّي أَعْرَسْتُ وَقَدْ أَحْبَبْتُ أنَّ تُكْرِمَنِي بِدُخُولِ مَنْزِلِي فَثَنَى رِجْلَهُ وَنَزَلَ فَأَخَذَ صَاحِبُ الْمَنْزِلِ بيده فأدخله مَنْزِلَهُ وَأَقْعَدَهُ عَلَى الْحَجَلَةِ فَمَا اسْتَكْبَرَ ذَلِكَ وَأَتَى بِطَعَامٍ وَبَلَغَ الشِّيعَةَ مَكَانُهُ فَازْدَحَمُوا عَلَى مَائِدَتِهِ فطمع الْقَوْمُ ثُمَّ إِنَّهُ عَطِشَ وَاسْتَسْقَى فَأَتَى بِعُسٍّ فِيهِ نَبِيذٌ فَكَرَعَ فيه ثم قطب: ثم دعا بِمَاءٍ فَكَسَرَهُ ثُمَّ شَرِبَ وَنَاوَلَنِي وَكُنْتُ عَنْ يَمِينِهِ فَشَرِبْتُ وَنَاوَلْتُ الذي عَنْ يَمِينِي وَدَارَ الْعُسُّ عَلَى الْقَوْمِ جَمِيعًا فَقُلْتُ لَهُ: يَا بن رَسُولِ اللَّهِ حَدِّثْنَا بِحَدِيثٍ سَمِعْتَهُ عن آبَائِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ في النبيذ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي عَنْ عَلِيٍّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﵌ أنه قال تنزيل أمتي منازل بني إسرائيل خذو الْقُذَّةِ بِالْقُذَّةِ وَالنَّعْلَ بِالنَّعْلِ حَتَّى لو أن رجلا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ نُكِحَتْ نِسَاؤُهَا فِي الْأَسْوَاقِ لَكَانَ فِي أُمَّتِي مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ أَلَا وَإِنَّ اللَّهَ ابْتَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِنَهْرِ طَالُوتَ أَحَلَّ مِنْهُ الْغَرْفَةَ وَحَرَّمَ مِنْهُ الرِّيَّ أَلَا وَإِنَّ اللَّهَ جعل
стр. 66
فِيكُمُ النَّبِيذَ أَحَلَّ مِنْهُ الرِّيَّ وحرم السكر.
وقالوا لَمْ يُحَرِّمِ اللَّهُ شَيْئًا إِلَّا وَقَدْ جَعَلَ مِنْهُ عِوَضًا فِي مِثْلِ مَعْنَاهُ فَلَوْ كَانَ النَّبِيذُ خَمْرًا مَا كَانَ الْعِوَضَ مِنَ الخمر إنما خَلَقَ اللَّهُ الْأَقْوَاتِ وَالثَّمَرَاتِ قَدْرًا لِحَاجَةِ النَّاسِ إِلَيْهَا فَلَوْ كَانَ النَّبِيذُ خَمْرًا مَا كَانَ يُصْنَعُ بِالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ وَالدُّوشَابِ وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ مِمَّا لَوْ تَرَكَ النَّاسُ اتِّخَاذَ الشَّرَابِ مِنْهُ لَبَارَ وَفَضَلَ أَكْثَرُهُ من مآكل الناس وحاجتهم.
وقالوا وَاللَّهُ لَا يُحَرِّمُ شيْئًا إِلَّا لِعَلَّةِ الِاسْتِعْبَادِ وَلَوْ كَانَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ لِلسُّكْرِ لَمْ يُطْلِقْهَا اللَّهُ تَعَالَى لِلْأَنْبِيَاءِ وَالْأُمَمِ قَبْلَنَا فَقَدْ شَرَبَهَا نُوحٌ ﵇ حِينَ خرج من السفينة واعترس الْحَبَلَةَ حَتَّى سَكِرَ مِنْهَا وَبَدَتْ فَخْذُهُ وَشَرِبَهَا لُوطٌ وَشَرِبَهَا عِيسَى ﵉ لَيْلَةَ رُفِعَ وَشَرِبَهَا الْمُسْلِمُونَ في صدر الإسلام.
وقالوا وَأَمَّا قَوْلُهُمْ إِنَّ الْخَمْرَ مَا خُمِّرَ وَالْمُسْكِرُ مُخَمَّرُ فَهُوَ خَمْرٌ مِثْلُهُ فإنَّ الْأَشْيَاءَ قَدْ تَتَشَاكَلُ فِي بَعْضِ الْمَعَانِي فَيُسَمَّى بَعْضُهَا بِعِلَّةٍ فِيهِ وَهِيَ فِي آخَرَ وَلَا يُطْلَقُ ذَلِكَ الِاسْمُ عَلَى الْآخَرِ أَلَا تَرَى أنَّ اللَّبَنَ يُخَمَّرُ بِرُوبَةٍ تُلْقَى فِيهِ وَيُتْرَكُ حَتَّى يَرُوبَ وَلَا يُسَمَّى اللَّبَنُ خمرا وان خمر العجسن يسمى خمرا وَلَا يُسَمَّى هُوَ وَلَا مَا خمر به من الْعَجِينُ خَمِيرًا وَأَنَّ نَقِيعَ التَّمْرِ سُكَارًا لِإِسْكَارِهِ وَلَا يُسَمَّى غَيْرُهُ سَكْرًا وَإِنْ كَانَ يُسْكِرُ وَهَذَا أَكْثَرُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ مِنْ أن نحيط به.
وقالوا وَأَمَّا قَوْلُهُمْ لِلرَّجُلِ مَخْمُورٌ وَبِهِ خمار إذا أصباه الصداع والارعاش عقب
стр. 67
الشَّرَابِ وَأَنَّ ذَلِكَ قَدْ يُقَالُ لِمَنْ أَصَابَهُ مِثْلُهُ فِي النَّبِيذِ فَيُقَالُ بِهِ خُمَارٌ وَلَا يُقَالُ بِهِ نُبَاذٌ فإنَّ الْخُمَارَ اسْمٌ قديم وكانت الجاهلية تعرف وَتَلْفِظُ بِهِ مِنَ الْخَمْرِ وَالنَّبِيذُ مُحْدَثٌ إِسْلَامِيٌّ لَمْ تَكُنِ الْعَرَبُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ تَعْرِفُهُ وَكَانَ شَرَبَةُ النَّبِيذِ مِنَ السَّلَفِ لَا يَبْلُغُونَ السكر ولا يقاربهم فَيُصِيبُهُمْ عَلَيْهِ مَا كَانَ يُصِيبُ شَرَبَةَ الْخَمْرِ مِنَ الْخُمَارِ وَإِنَّمَا كَانُوا يَنَالُونَ مِنْهُ الْيَسِيرَ عَلَى الْغَدَاءِ وَالْعَشَاءِ ثُمَّ خَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلَفٌ يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ وَلَمْ يَتَهَيَّبُوا مِنَ الْمُسْكِرِ السُّكْرَ فَقِيلَ بِهِمْ خُمَارٌ عَلَى مَا سَبَقَ مِنَ الِاسْمِ الْمُتَقَدِّمِ وَلَوْ كَانَ اللَّهُ تَعَالَى حِينَ أَحَلَّ النَّبِيذَ أَحَلَّ مِنْهُ السُّكْرَ الَّذِي يَكُونُ مِنْهُ الْخُمَارُ وَكَانَ شَرَبَةُ النَّبِيذِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ سَكِرُوا فَأَصَابَهُمْ ذلك للزمنا أنَّ يقال نباذا وَلَا يُقَالُ فَيَجِبُ مَا ذَهَبُوا إليه.
وقد فَرَّقَتِ الشُّعَرَاءُ بَيْنَ النَّبِيذِ وَالْخَمْرِ قال الْأُقَيْشِرُ وَكَانَ مُغْرَمًا بِالشَّرَابِ:
وَصَهْبَاءَ جُرْجَانِيَّةٍ لَمْ يَطُفْ بِهَا ... حَنِيفٌ وَلَمْ تَنْغَرْ بِهَا سَاعَةً قِدْرُ
أتاني بها يحي وقد نمت نومة ... وقد غادرت الشِّعْرَى وَقَدْ خَفَقَ النَّسْرُ
فَقُلْتُ اصْطَبِحْهَا أَوْ لِغَيْرِي فَاهْدِهَا ... فَمَا أنا بعد السيب ويبك والخمر
стр. 68
فَأَعْلَمَكَ أَنَّ الْخَمْرَ هِيَ الَّتِي لَمْ تَغْلِ بِهَا الْقُدُورُ.
وَقَالَ أَبُو زُبَيْدٍ فِي الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ حِينَ عَزَلَهُ عُثْمَانُ عَنِ الْكُوفَةِ بِشَهَادَةِ أَهْلِهَا عَلَيْهِ بِشُرْبِ الْخَمْرِ:
قَوْلُهُمْ شُرْبُكَ الْحَرَامَ وَقَدْ كا ... ن شَرَابٌ سِوَى الْحَرَامِ حَلَالُ
يُرِيدُ أَنَّهُمْ زَعَمُوا أَنَّكَ تَشْرَبُ الْخَمْرَ وَقَدْ كَانَ هُنَاكَ شَرَابٌ حَلَالٌ مِنَ النَّبِيذِ وَيُرْوَى وَقَدْ كَانَ حلال سِوَى الْحَرَامِ فَمَالُوا يُرِيدُ كَانَ شَرَابٌ مِنَ النَّبِيذِ حَلَالًا فَمَالُوا عَنْهُ وَقَذَفُوكَ بِشُرْبِ الْخَمْرِ وَلَمْ نَحْتَجَّ بِأَبِي زُبَيْدٍ وَهُوَ نَصْرَانِيٌّ لِأَنَّا رَأَيْنَاهُ حُجَّةً فِي تَحْلِيلٍ أَوْ تَحْرِيمٍ وَإِنَّمَا أَرَدْنَا أَنَّهُ اعتذر له عُثْمَانَ وَإِلَى النَّاسِ بِهَذَا الْقَوْلِ وَلَمْ يَكُنْ لِيَعْتَذِرَ إِلَّا بِمَا لَا يُنْكِرُ النَّاسُ.
قَالَ جَمِيلُ بن معمر:
стр. 69
فظللنا بنعمة واتكأنا ... وشربنا الْحَلَالَ مِنْ قُلَلِهِ
اتَّكَأْنَا طَعِمْنَا وَمِنْهُ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى وَأَعْتَدَتْ لهن متكأ أَيْ طَعَامًا وَشَرِبْنَا الْحَلَالَ يَعْنِي النَّبِيذَ والْقُلَلُ جَمْعُ قِلَّةٍ وَهِيَ جِرَارٌ يَكُونُ فِيهَا النَّبِيذُ قَالَ الشَّاعِرُ:
وَقَدْ كَانَ يُسْقَى مِنْ قِلَالٍ وَحَنْتَمِ
وَلَمَّا دُخِلَ عَلَى الْوَلِيدِ ليُقْتَلَ قَالَ لَهُمْ مَا تُنْكِرُونَ مِنِّي أَلَمْ أَفْعَلْ وَجَعَلَ يُعَدِّدُ إِحْسَانَهُ إِلَيْهُمْ قَالُوا نُنْكِرُ مِنْكَ شُرْبَ الْخَمْرِ وَنِكَاحَ أُمَّهَاتِ أَوْلَادِ أَبِيكَ فَقَالَ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيمَا أَحَلَّ سَعَةً عَمَّا تَذْكُرُونَ وَقَالَ:
دَعُوا لِي سُلَيْمَى وَالنَّبِيذَ وَقَيْنَةً ... وَكَأْسًا أَلَا حَسْبِي بِذَلِكَ مَالَا
خُذُوا مُلْكَكُمْ لأثبت اللَّهُ مُلْكَكُمْ ... ثَبَاتًا يُسَاوِي مَا حَيِيتُ عِقَالَا
إِذَا مَا صَفَا عَيْشِي بِرَمْلَةِ عَالِجٍ ... وَعَانَقْتُ سَلْمَى لَا أُرِيدُ بَدَالَا
أَفَمَا تَرَاهُ حِينَ اعْتَذَرَ فَرَّقَ بَيْنَ الْخَمْرِ وَالنَّبِيذِ وَقَالَ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِي فِيمَا أَحَلَّ مِنَ النَّبِيذِ سَعَةً عَنْ شُرْبِ الْخَمْرِ وَفِيمَا أَحَلَّ مِنَ النِّسَاءِ سَعَةً عَنْ نكاح الأمهات.
وكان أَبُو الْهِنْدِيِّ الشَّاعِرُ مُغْرَمًا بِالْخَمْرِ فعاتبته ابنته على ذلك ووعضته
стр. 70
فَأَعْلَمَهَا أَنَّهُ غَيْرُ صَابِرٍ وَأَنَّهُ إِنْ تَرَكَهَا اعْتَلَّ فَقَالَتْ لَهُ: اشرب نبيذ التمر فشربه ثُمَّ عَادَ إِلَى الْخَمْرِ وَقَالَ:
أَأَشْرَبُ تَمْرًا يَنْفُخُ الْبَطْنَ مُنْتِنًا ... وأتركها صَهْبَاءَ طَيِّبَةَ النَّشْرِ
وَقَالَ بَعْضُ الْأَشْرَافِ وَكَانَ رَكِبَهُ الدَّيْنُ وَخَفَّتْ حَالُهُ:
إِنْ يَكُ يَا جَنَاحُ عَلَيَّ دَيْنٌ ... فَعِمْرَانُ بْنُ مُوسَى يستدبن
تَلُمُّ بِنَا الْخَصَاصَةُ ثُمَّ تعْفَى ... عَلَى إِقْتَارِنَا حَسَبٌ وَدِينُ
فَمَا يُعْدِمْكَ لَا يُعْدِمْكَ مِنَّا ... نَبِيذُ التَّمْرِ وَاللَّحْمُ السَّمِينُ
أَمَا تَرَاهُ وَصَفَ نَفْسَهُ بِالْحَسَبِ وَالدِّينِ ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ لَا يَتْرُكُ إِقَامَةَ اللَّحْمِ وَنَبِيذَ التَّمْرِ لِأَضْيَافِهِ، وَلَوْ كَانَ نَبِيذُ التَّمْرِ حَرَامًا مَا وَصَفَ نَفْسَهُ بِالْحَسَبِ وَالدِّينِ، ثُمَّ قَرَنَ ذَلِكَ بِشُرْبِ الْخَمْرِ وَأَرَادَ عمران ابن مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ وَقَالَ يَحْيَى بْنُ نَوْفَلٍ الْيَمَانِيُّ:
وَيَغْتَبِقَانِ الشَّرَابَ الَّذِي ... يَحِلُّ بِهِ الْجَلْدُ لِلْجَالِدِ
شَرَابٌ يُوَافِقُ فُهْرَ الْيَهُودِ ... وَيُكْرَهُ لِلْمُسْلِمِ الْعَابِدِ
стр. 71
يُرِيدُ أَنَّهُمَا يَغْتَبِقَانِ الْخَمْرَ الَّذِي يُوجِبُ شُرْبُهُ الْحَدَّ ثُمَّ تَنَبَّهَ فَقَالَ: يُوَافِقُ فُهْرَ الْيَهُودِ وَيُكْرَهُ لِلْمُسْلِمِ الْعَابِدِ فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ غَيْرَهُ لَا يُكْرَهُ لَهُ وَلَا يُوجِبُ الْحَدَّ. وَفُهْرُ الْيَهُودِ هُوَ مَوْضِعُ مِدْرَاسِهِمُ الَّذِي يَجْتَمِعُونَ فِيهِ، وَمِنْهُ حَدِيثُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ أَنَّهُ رَأَى قَوْمًا يُصَلُّونَ قَدْ سَدَلُوا ثِيَابَهُمْ فَقَالَ: كَأَنَّهُمُ الْيَهُودُ خَرَجُوا مِنْ فُهْرِهِمْ.
وهذا أبو نواس شاه النَّاسَ عَلَى شَيْءٍ فَقَالَ:
يَا ابْنَةَ الْقَوْمِ اصْبَحِينَا ... مَا الَّذِي تَنْتَظِرِينَا
قَدْ جَرَى فِي عَوْدِهِ الما ... ء فَأَجْرَى الْخَمْرَ فِينَا
إِنَّمَا نَشْرَبُ مِنْهَا ... فَاعْلَمِي ذَاكَ يَقِينَا
كُلُّ ما كان حلالا ... لشرب الصَّالِحِينَا
قَالَ وَأَمَّا قَوْلُهُمْ الْخَمْرُ رِجْسٌ فَقَدْ صَدَقُوا فِي اللَّفْظِ وَغَلِطُوا فِي الْمَعْنَى، إِنْ كَانَ أَرَادُوا أَنَّهَا نَتَنٌ لأنَّ الْخَمْرَ لَيْسَتْ مُنْتِنَةً وَلَا قَذِرَةً إِلَّا بِالتَّحْرِيمِ فَإِنَّهُ أَوْجَبَ النُّفُورَ مِنْهَا.
قَالَ الْأَخْطَلُ وَذَكَرَ الْخَمْرَ:
كَأَنَّمَا المسك نهى بَيْنَ أرْحُلِنَا ... مِمَّا تَضَوَّعَ مِنْ ناجودها الجاري
стр. 72
وَقَالَ الْآخَرُ:
فَتَنَفَّسَتْ فِي الْبَيْتِ إِذْ مُزِجَتْ ... كَتَنَفُّسِ الرَّيْحَانِ فِي الْأَنْفِ
وَإِنَّمَا مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى) إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رجس (أَيْ مَعْصِيَةٌ وَالْكُفْرُ وَالنِّفَاقُ وَالْمَعَاصِي رجس، ويدلك عَلَى ذَلِكَ أنَّ الْأَزْلَامَ هِيَ الْقِدَاحُ فَأَيُّ نَتَنٍ لَهَا، وَهَذَا مِثْلُ قَوْلِهِ:) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رجسهم (أَيْ نِفَاقًا إِلَى نِفَاقِهِمْ وَمِثْلُهُ) وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يعقلون (وَكَيْفَ تَكُونُ رِجْسًا أَيْ نَتَنًا وَهِيَ فِي الْجَنَّةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى) وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ للشاربين (فَوَصَفَهَا بِاللَّذَاذَةِ وَلَمْ يَصِفْ بِذَلِكَ غَيْرَهَا مِمَّا ذَكَرَ مَعَهَا وَقَالَ) يسقون فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلا (وَلَمْ يَرِدْ فِيمَا يَرْوِي أَهْلُ النظر أنَّ الزنجبيل يلق فِيهَا، وَإِنَّمَا أَرَادُوا أَنَّهَا تَلْذَعُ اللِّسَانَ كَأَنَّهَا مُزِجَتْ بِزَنْجَبِيلٍ. وَالشُّعَرَاءُ تَصِفُ أَفْوَاهَ النِّسَاءِ بِرَاحٍ مُزِجَتْ بِالزَّنْجَبِيلِ قَالَ الْمُسَيَّبُ بْنُ عَلَسٍ:
وَكَأَنَّ طَعْمَ الزَّنْجَبِيلِ بِهِ ... إذْ ذُقْتَهُ وَسُلَافَةَ الْخَمْرِ
وَقَالَ الْأَعْشَى يُشَبِّهُهُ بِالزَّنْجَبِيلِ وَالْعَسَلِ:
كَأَنَّ جَنِيًّا مِنَ الزَّنْجَبِيلِ ... بَاتَ بِفِيهَا وَأَرْيًا مشورا
стр. 73
وَقَالَ الْجَعْدِيُّ:
وَبَاتَ فَرِيقٌ مِنْهُمُ وَكَأَنَّمَا ... سُقُوا نَاطِفًا مِنْ أَذْرِعَاتٍ مفلفلا
وَلِهَذَا يَقُولُ الشُّعَرَاءُ لِلْخَمْرِ مُزَّةٌ لِلَذْعِهَا اللِّسَانَ وَلَا يُرِيدُونَ الْحُمُوضَةَ. وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ اللُّغَةِ: إِنَّمَا هِيَ مَزَّةٌ بِفَتْحِ الْمِيمِ أَيْ فاضلة من قولهم هَذَا أَمَزُّ مِنْ هَذَا أَيْ افضل وأرفع وقال:) يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ لا يصدعون عنها ولا ينزفون (فَنَفَى عَنْ خَمْرِ الْجَنَّةِ عُيُوبَ خمر الدنيا وهو الصداع ونفاد الشَّرَابِ وَذَهَابُ الْعَقْلِ وَالْمَالِ، وَنَحْوَ هَذَا قَوْلُهُ فِي فَاكِهَةِ أَهْلِ الْجَنَّةِ) لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ (فَنَفَى عَنْهَا عُيُوبَ فَوَاكِهِ الدُّنْيَا لأنَّ فَوَاكِهَ الدُّنْيَا تَأْتِي فِي وقت وتنقطع في زقت، وَلِأَنَّهَا مَمْنُوعَةٌ إِلَّا بِالثَّمَنِ، وَالْعَرَبُ تُسَمِّي الْخَمْرَ دِرْيَاقَةٌ يُرِيدُ أَنَّهَا شِفَاءٌ كِالدِّرْيَاقِ.
قَالَ ابْنُ مُقْبِلٍ:
стр. 74
سَقَتْنِي بِصَهْبَاءَ دِرْيَاقَةٍ ... مَتَى مَا تُلَيِّنْ عِظَامِي تَلِنْ
وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى:) يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قل فيها إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أكب من نفعهما (فلإثم العذاب وكذلك الأثام قال:) وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (أي عقابا وأما منافعهما فَكَثِيرَةٌ لَا تُحْصَى وَإِنَّمَا تَقَعُ مَضَارُّهَا مَعَ الْإِكْثَارِ وَتَجَاوُزِ الْمِقْدَارِ، فَأَمَّا مَعَ الِاقْتِصَارِ فَلَمْ يَكُنْ لشاربيها قَبْلَ التَّحْرِيمِ فِيهَا مَضَارٌّ، فَمِنْ مَنَافِعِهَا مَا يُصِيبُهُ النَّاسُ مِنْ أَثْمَانِهَا، وَلَوْ لَمْ تُعْتَصَرِ الْأَعْنَابُ لَبَارَتْ عَلَى أَهْلِهَا. وَمِنْ ذَلِكَ مَنْفَعَتُهَا الْجِسْمَ لِأَنَّهَا تُدِرُّ الدَّمَ، وتقوي المنة وتصفي اللون، فَإِذَا أَخَذَ الْإِفْرَاطُ فَكُلُّ شَيْءٍ مَعَ الْإِفْرَاطِ يَضُرُّ.
وَكَانَتِ الْأَوَائِلُ تَقُولُ الْخَمْرُ حَبِيبَةُ الرُّوحِ.
وَكَانَ رَجُلٌ مِنْ قُدَمَاءِ الْأَطِبَّاءِ إِذَا دخل عَلِيلٍ لَمْ يَرَ فِيهِ مَوْضِعًا لِسَقْيِ الدَّوَاءِ سَقَاهُ الْخَمْرَ الرَّيْحَانِيَّةَ
стр. 75
الممزوجة بالماء ليلقي الروح بحبيبته، وَيَبْعَثَ مِنَ النَّفْسِ بِالْمَسَرَّةِ مَا قَدْ أَسْقَطَهُ الدَّاءُ، فإنَّ رَأَى الْعَلِيلَ قَدْ قَوِيَ قَلِيلًا، وَاحْتَمَلَ بَعْضَ الدَّوَاءِ عَالَجَهُ. قَالُوا وَلِذَلِكَ اشتق لها اسم من الروح فسميت راحا، وأوصل الرَّاحِ وَالرُّوحِ وَالرَّوْحِ مِنْ مَوْضِعٍ واجد، إِلَّا أَنَّهُمْ خَالَفُوا بَيْنَهَا فِي البناء ليدل كل واحد منها على معناه، ويقالرب مَعَانِيهَا، كَتَقَارُبِ أَسْمَائِهَا فَالرُّوحُ رُوحُ الْأَجْسَامِ وَالرُّوحُ النَّفْخُ لِأَنَّهُ رِيحٌ تخرج عَنِ الرُّوحِ وَالرَّوْحُ طَيِّبُ النَّسِيمِ، وَالرِّيحُ هِيَ الرِّيحُ الْهَابَّةُ، وَالرَّاحُ عَلَى فَعْلُ وَأَصْلُهُ رَوَحُ فَقُلِبَتْ واوه أيضاً لما انفتحت وانفتح مَا قَبْلَهَا، ثُمَّ اشْتَقُّوا الرَّيْحَانَ مِنْ ذَلِكَ لِرَائِحَتِهِ وَرُبَّمَا سَمُّوا الخمر روحا.
قال الناظم:
مَا زِلْتُ آخُذُ رُوحَ الزِّقِّ فِي لَطَفٍ ... وَأَسْتَبِيحُ دَمًا مِنْ غير مجروح
حتى أشنيت وَلِي رُوحَانِ فِي جَسَدِي ... وَالزِّقُّ مطرح جسم بلا روح
следующие страницы →