← Фикх общий

Фикх общий · id 25793

الأشربة وذكر اختلاف الناس فيها لابن قتيبة

ابن قتيبة

Полный текст (134 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

يُرِيدُ أَنَّهُمَا يَغْتَبِقَانِ الْخَمْرَ الَّذِي يُوجِبُ شُرْبُهُ الْحَدَّ ثُمَّ تَنَبَّهَ فَقَالَ: يُوَافِقُ فُهْرَ الْيَهُودِ وَيُكْرَهُ لِلْمُسْلِمِ الْعَابِدِ فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ غَيْرَهُ لَا يُكْرَهُ لَهُ وَلَا يُوجِبُ الْحَدَّ. وَفُهْرُ الْيَهُودِ هُوَ مَوْضِعُ مِدْرَاسِهِمُ الَّذِي يَجْتَمِعُونَ فِيهِ، وَمِنْهُ حَدِيثُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ أَنَّهُ رَأَى قَوْمًا يُصَلُّونَ قَدْ سَدَلُوا ثِيَابَهُمْ فَقَالَ: كَأَنَّهُمُ الْيَهُودُ خَرَجُوا مِنْ فُهْرِهِمْ. وهذا أبو نواس شاه النَّاسَ عَلَى شَيْءٍ فَقَالَ: يَا ابْنَةَ الْقَوْمِ اصْبَحِينَا ... مَا الَّذِي تَنْتَظِرِينَا قَدْ جَرَى فِي عَوْدِهِ الما ... ء فَأَجْرَى الْخَمْرَ فِينَا إِنَّمَا نَشْرَبُ مِنْهَا ... فَاعْلَمِي ذَاكَ يَقِينَا كُلُّ ما كان حلالا ... لشرب الصَّالِحِينَا قَالَ وَأَمَّا قَوْلُهُمْ الْخَمْرُ رِجْسٌ فَقَدْ صَدَقُوا فِي اللَّفْظِ وَغَلِطُوا فِي الْمَعْنَى، إِنْ كَانَ أَرَادُوا أَنَّهَا نَتَنٌ لأنَّ الْخَمْرَ لَيْسَتْ مُنْتِنَةً وَلَا قَذِرَةً إِلَّا بِالتَّحْرِيمِ فَإِنَّهُ أَوْجَبَ النُّفُورَ مِنْهَا. قَالَ الْأَخْطَلُ وَذَكَرَ الْخَمْرَ: كَأَنَّمَا المسك نهى بَيْنَ أرْحُلِنَا ... مِمَّا تَضَوَّعَ مِنْ ناجودها الجاري

стр. 72

وَقَالَ الْآخَرُ: فَتَنَفَّسَتْ فِي الْبَيْتِ إِذْ مُزِجَتْ ... كَتَنَفُّسِ الرَّيْحَانِ فِي الْأَنْفِ وَإِنَّمَا مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى) إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رجس (أَيْ مَعْصِيَةٌ وَالْكُفْرُ وَالنِّفَاقُ وَالْمَعَاصِي رجس، ويدلك عَلَى ذَلِكَ أنَّ الْأَزْلَامَ هِيَ الْقِدَاحُ فَأَيُّ نَتَنٍ لَهَا، وَهَذَا مِثْلُ قَوْلِهِ:) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رجسهم (أَيْ نِفَاقًا إِلَى نِفَاقِهِمْ وَمِثْلُهُ) وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يعقلون (وَكَيْفَ تَكُونُ رِجْسًا أَيْ نَتَنًا وَهِيَ فِي الْجَنَّةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى) وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ للشاربين (فَوَصَفَهَا بِاللَّذَاذَةِ وَلَمْ يَصِفْ بِذَلِكَ غَيْرَهَا مِمَّا ذَكَرَ مَعَهَا وَقَالَ) يسقون فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلا (وَلَمْ يَرِدْ فِيمَا يَرْوِي أَهْلُ النظر أنَّ الزنجبيل يلق فِيهَا، وَإِنَّمَا أَرَادُوا أَنَّهَا تَلْذَعُ اللِّسَانَ كَأَنَّهَا مُزِجَتْ بِزَنْجَبِيلٍ. وَالشُّعَرَاءُ تَصِفُ أَفْوَاهَ النِّسَاءِ بِرَاحٍ مُزِجَتْ بِالزَّنْجَبِيلِ قَالَ الْمُسَيَّبُ بْنُ عَلَسٍ: وَكَأَنَّ طَعْمَ الزَّنْجَبِيلِ بِهِ ... إذْ ذُقْتَهُ وَسُلَافَةَ الْخَمْرِ وَقَالَ الْأَعْشَى يُشَبِّهُهُ بِالزَّنْجَبِيلِ وَالْعَسَلِ: كَأَنَّ جَنِيًّا مِنَ الزَّنْجَبِيلِ ... بَاتَ بِفِيهَا وَأَرْيًا مشورا

стр. 73

وَقَالَ الْجَعْدِيُّ: وَبَاتَ فَرِيقٌ مِنْهُمُ وَكَأَنَّمَا ... سُقُوا نَاطِفًا مِنْ أَذْرِعَاتٍ مفلفلا وَلِهَذَا يَقُولُ الشُّعَرَاءُ لِلْخَمْرِ مُزَّةٌ لِلَذْعِهَا اللِّسَانَ وَلَا يُرِيدُونَ الْحُمُوضَةَ. وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ اللُّغَةِ: إِنَّمَا هِيَ مَزَّةٌ بِفَتْحِ الْمِيمِ أَيْ فاضلة من قولهم هَذَا أَمَزُّ مِنْ هَذَا أَيْ افضل وأرفع وقال:) يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ لا يصدعون عنها ولا ينزفون (فَنَفَى عَنْ خَمْرِ الْجَنَّةِ عُيُوبَ خمر الدنيا وهو الصداع ونفاد الشَّرَابِ وَذَهَابُ الْعَقْلِ وَالْمَالِ، وَنَحْوَ هَذَا قَوْلُهُ فِي فَاكِهَةِ أَهْلِ الْجَنَّةِ) لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ (فَنَفَى عَنْهَا عُيُوبَ فَوَاكِهِ الدُّنْيَا لأنَّ فَوَاكِهَ الدُّنْيَا تَأْتِي فِي وقت وتنقطع في زقت، وَلِأَنَّهَا مَمْنُوعَةٌ إِلَّا بِالثَّمَنِ، وَالْعَرَبُ تُسَمِّي الْخَمْرَ دِرْيَاقَةٌ يُرِيدُ أَنَّهَا شِفَاءٌ كِالدِّرْيَاقِ. قَالَ ابْنُ مُقْبِلٍ:

стр. 74

سَقَتْنِي بِصَهْبَاءَ دِرْيَاقَةٍ ... مَتَى مَا تُلَيِّنْ عِظَامِي تَلِنْ وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى:) يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قل فيها إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أكب من نفعهما (فلإثم العذاب وكذلك الأثام قال:) وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (أي عقابا وأما منافعهما فَكَثِيرَةٌ لَا تُحْصَى وَإِنَّمَا تَقَعُ مَضَارُّهَا مَعَ الْإِكْثَارِ وَتَجَاوُزِ الْمِقْدَارِ، فَأَمَّا مَعَ الِاقْتِصَارِ فَلَمْ يَكُنْ لشاربيها قَبْلَ التَّحْرِيمِ فِيهَا مَضَارٌّ، فَمِنْ مَنَافِعِهَا مَا يُصِيبُهُ النَّاسُ مِنْ أَثْمَانِهَا، وَلَوْ لَمْ تُعْتَصَرِ الْأَعْنَابُ لَبَارَتْ عَلَى أَهْلِهَا. وَمِنْ ذَلِكَ مَنْفَعَتُهَا الْجِسْمَ لِأَنَّهَا تُدِرُّ الدَّمَ، وتقوي المنة وتصفي اللون، فَإِذَا أَخَذَ الْإِفْرَاطُ فَكُلُّ شَيْءٍ مَعَ الْإِفْرَاطِ يَضُرُّ. وَكَانَتِ الْأَوَائِلُ تَقُولُ الْخَمْرُ حَبِيبَةُ الرُّوحِ. وَكَانَ رَجُلٌ مِنْ قُدَمَاءِ الْأَطِبَّاءِ إِذَا دخل عَلِيلٍ لَمْ يَرَ فِيهِ مَوْضِعًا لِسَقْيِ الدَّوَاءِ سَقَاهُ الْخَمْرَ الرَّيْحَانِيَّةَ

стр. 75

الممزوجة بالماء ليلقي الروح بحبيبته، وَيَبْعَثَ مِنَ النَّفْسِ بِالْمَسَرَّةِ مَا قَدْ أَسْقَطَهُ الدَّاءُ، فإنَّ رَأَى الْعَلِيلَ قَدْ قَوِيَ قَلِيلًا، وَاحْتَمَلَ بَعْضَ الدَّوَاءِ عَالَجَهُ. قَالُوا وَلِذَلِكَ اشتق لها اسم من الروح فسميت راحا، وأوصل الرَّاحِ وَالرُّوحِ وَالرَّوْحِ مِنْ مَوْضِعٍ واجد، إِلَّا أَنَّهُمْ خَالَفُوا بَيْنَهَا فِي البناء ليدل كل واحد منها على معناه، ويقالرب مَعَانِيهَا، كَتَقَارُبِ أَسْمَائِهَا فَالرُّوحُ رُوحُ الْأَجْسَامِ وَالرُّوحُ النَّفْخُ لِأَنَّهُ رِيحٌ تخرج عَنِ الرُّوحِ وَالرَّوْحُ طَيِّبُ النَّسِيمِ، وَالرِّيحُ هِيَ الرِّيحُ الْهَابَّةُ، وَالرَّاحُ عَلَى فَعْلُ وَأَصْلُهُ رَوَحُ فَقُلِبَتْ واوه أيضاً لما انفتحت وانفتح مَا قَبْلَهَا، ثُمَّ اشْتَقُّوا الرَّيْحَانَ مِنْ ذَلِكَ لِرَائِحَتِهِ وَرُبَّمَا سَمُّوا الخمر روحا. قال الناظم: مَا زِلْتُ آخُذُ رُوحَ الزِّقِّ فِي لَطَفٍ ... وَأَسْتَبِيحُ دَمًا مِنْ غير مجروح حتى أشنيت وَلِي رُوحَانِ فِي جَسَدِي ... وَالزِّقُّ مطرح جسم بلا روح

стр. 76

وَلِذَلِكَ قَالُوا نَفِسَتِ الْمَرْأَةُ إِذَا حَاضَتْ وَقَالُوا نُفَسَاءُ لِسَيَلَانِ الدَّمِ. قال مسلم: خالطنا دَمًا مِنْ كَرْمَةٍ بِدِمَائِنَا ... فَأَظْهَرَ فِي الْأَلْوَانِ مِنَّا الدمَ الدمُ وَحَدَّثَنِي الرِّيَاشِيُّ عَنْ مُؤَرِّجٍ عَنْ سعد بن سملك عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُبَيْدٍ رَاوِيَةِ الأعشى قال: قلت للأعشى

стр. 77

أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِكَ: وَمُدَامَةٍ مِمَّا تُعَتِّقُ بَابِلٌ ... كَدَمِ الذَّبِيحِ سَلَبْتُهَا جِرْيَالَهَا فَقَالَ شَرِبْتُهَا حَمْرَاءَ وَبُلْتُهَا ببيضاء يُرِيدُ أنَّ حُمْرَتَهَا صَارَتْ دَمًا. وَقَالَ ابْنُ الطَّثْرِيَّةِ: وَيَوْمٍ كَظِلِّ الرمح قصر طولها ... دَمُ الزِّقِّ عَنَّا وَاصْطِفَاقُ الْمَزَاهِرِ وَفِي الْخَمْرِ أَنَّهَا تُسَخِّي الْبَخِيلَ وَتَسْتَخْرِجُ مِنَ اللَّئِيمِ قَالَ عَمْرُو بْنُ كُلْثُومٍ: مُشَعْشَعَةً كَأَنَّ الْحُصَّ فيها ... إذا ما الماء خاطها سَخِينَا تَرَى اللَّحِزَ الشَّحِيحَ إِذَا أُمِرَّتْ ... عَلَيْهِ لِمالِهِ فِيهَا مُهِينَا

стр. 78

قَوْلُهُ سَخِينًا مِنَ السَّخَاءِ وَأَرَادَ بِقَوْلِهِ إِذَا مَا الْمَاءُ خَالَطَهَا إِذَا نَحْنُ شَرِبْنَاهَا لِأَنَّهَا لَا تُمْزَجُ إِلَّا عِنْدَ الشُّرْبِ قَالَ طَرَفَةُ: وَإِذَا مَا شَرِبُوهَا وَانْتَشَوْا ... وَهَبُوا كُلَّ جُوَادٍ وَطِمِرّ١ ثُمَّ رَاحُوا عَبَقُ الْمِسْكِ بِهِمْ ... يَلْحَفُونَ الْأَرْضَ هُدَّابَ الْأُزُرْ وَقَدْ عِيبَ بِهَذَا طَرَفَةُ لِأَنَّهُ مَدَحَهُمْ بِالْعَطَاءِ وهم نشاوى ولم يشترط لَهُمْ ذَلِكَ فِي صَحَوَاتِهِمْ كَمَا قَالَ عَنْتَرَةُ: وَإِذَا شَرِبْتُ فَإِنَّنِي مُسْتَهْلِكٌ ... مَالِي وَعِرْضِي وَافِرٌ لَمْ يُكْلَمِ وَإِذَا صَحَوْتُ فَمَا أُقَصِّرُ عَنْ نَدًى ... وَكَمَا عَلِمْتِ شَمَائِلِي وَتَكَرُّمِي وَالْجَيِّدُ فِي هَذَا الْمَعْنَى قول زهير:

стр. 79

أَخُو ثِقَةٍ لَا يُذْهِبُ الْخَمْرُ مَالَهُ ... وَلَكِنَّهُ قَدْ يُهْلِكُ الْمَالَ نَائِلُهْ يُرِيدُ أَنَّهُ يُعْطِي إِذَا بَخِلَتِ النُّفُوسُ. وَقَالَ ابْنُ مَيَّادَةَ: مَا إِنْ أُلِحُّ عَلَى الْإِخْوَانِ أسألهم ... كما يلح بعظم الغاب الْقَتَبُ وَمَا أُخَادِعُ نَدْمَانِي لِأَخْدَعَهُ ... عن ماله حين يسرخي به اللب ١ - الطمر " بكسر الطاء والميم وتشديد الراء " الفرس الكريم ٢ - في " ع ": مدي ٣ - في نسخة الشاوي وهامش البغدادي: بأعلى الغارب ٤ - الغارب: الكاهل أو ما بين السنام والعنق ٥ - القتب بالتحريك الاكاف الصغير على قدر سنام البعير وَقَالَ بَعْضُ الْمُحْدَثِينَ: كَسَانِي قَمِيصًا مرتين إِذَا انْتَشَى ... وَيَنْزَعُهُ مِنِّي إِذَا كَانَ صَاحِيًا فَلِي فَرْحَةٌ فِي سُكْرِهِ وِانْتِشَائِهِ ... وَفِي الصَّحْوِ تَرَحَاتٌ تُشِيبُ النَّوَاصِيَا فَيَا لَيْتَ حَظِّي مِنْ سُرُورِي وَتَرْحَتِي ... وَمِنْ جُودِهِ أَلَّا عَلَيَّ وَلَا لِيَا وَفِي الْخَمْرِ أَنَّهَا تُشَجِّعُ الْجَبَانَ وَتْبَعْثُ الحصر العي قيل للعباس ابن مرداس

стр. 80

فِي جَاهِلِيَّتِهِ لِمَ لَا تَشْرَبُ الْخَمْرَ فَإِنَّهَا تَزِيدُ فِي جُرْأَتِكَ. وَالتُّرْكُ وَكَثِيرٌ مِنَ الْعَجَمِ يَشْرَبُونَهَا فِي الْحَرْبِ، وَكَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَنَالُونَ مِنْهَا يَوْمَ اللِّقَاءِ وَلِذَلِكَ اصْطَحَبَهَا قَوْمٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ بَدْرٍ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ تَحْرِيمُهَا. وَفِي الْخَمْرِ أَنَّ كُلَّ شَارِبٍ يَمَلُّ شَرَابَهُ غَيْرَ شَارِبِهَا، وَأَنَّ أحدا لا يقدر يَشْرَبَ مِنْهَا فَوْقَ الرِّيِّ إِلَّا بِالْكُرْهِ لِلنَّفْسِ عَلَى الْقَلِيلِ غَيْرَ شارب الخمر وما أشهها مِنَ الْمُسْكِرِ. حَدَّثَنَا الْقُطَعِيُّ عَنْ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بُجْرَةَ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ لَوْ كَانَ فِي شَرَابِهِمْ هَذَا خَيْرٌ لَرَوَوْا مِنْهُ. وَفِي الْخَمْرِ أَنَّهَا تَزِيدُ فِي الْهِمَّةِ وَالْكِبْرِ وَتُهَيِّجُ الْأَنَفَةَ وَالْأَشَرَ. وَسَقَى قَوْمٌ أَعْرَابِيًّا كؤوسا ثُمَّ قَالُوا لَهُ: كَيْفَ تَجِدُكَ؟ قَالَ: أَجِدُنِي أَشِرًا وَأَجِدُكُمْ تَحَبَّبُونَ إِلَيَّ وَقَالَ الْأَخْطَلُ: إِذَا مَا زِيَادٌ عَلَّنِي ثُمَّ عَلَّنِي ... ثَلَاثَ زُجَاجَاتٍ لَهُنَّ هَدِيرُ خَرَجْتُ أَجُرُّ الذَّيْلَ مِنِّي كَأَنَّنِي ... عَلَيْكَ أَمِيرَ أمؤمنين أمير العل بَعْدَ النَّهَلِ فَلِذَلِكَ قَالَ ثَلَاثَ زجاجات لأنها نهل وعلان

стр. 81

قَالَ الْمُنَخَّلُ: وَلَقَدْ شَرِبْتُ مِنَ الدا ... مة بِالصَّغِيرِ وَبِالْكَبِيرِ فَإِذَا سَكِرْتُ فَإِنَّنِي ... رَبُّ الْخَوَرْنَقِ وَالسَّدِيرِ وَإِذَا صَحَوْتُ فَإِنَّنِي ... رَبُّ الشُّوَيْهَةِ وَالْبَعِيرِ وَقَالَ الْأَعْشَى: وَلَقَدْ شَرِبْتُ ثَمَانِيًا وَثَمَانِيًا ... وثمان عشر واثنتين وأربعينا من قهوة بانت بِبَابِلَ صَفْوَةً ... تَدَعُ الْفَتَى مَلِكًا يميل مصرعا

стр. 82

وَقَالَ فِي الْخَمْرِ إِنَّهَا تَمُدُّ فِي الْأُمْنِيَّةِ قَالَ الْأَعْشَى: لَعَمْرُكَ إنَّ الرَّاحَ إِنْ كُنْتَ شَارِبًا١ ... لمختلف آصالها وغداتها لنا ضُحَاهَا خُبْثُ نَفْسٍ وَكَأْبَةٌ ... وَذِكْرَى هُمُومٍ مَا تَغِبُّ أَذَاتُهَا وَعِنْدَ الْعَشِيِّ طِيبُ نَفْسٍ وَلَذَّةٌ ... وَمَالٌ كثير غدوة٤ نشواتها ١ر - واية الديوان: سائلا ٢في الأصل صحاها والتصحيح من ديوان الأعشى ٣في الأصل أداتها والتصحيح من ديوان الأعشى ٤هذه رواية الديوان وفي الأصل ومال كثير عدة نشواتها تَعِدُ النَّفْسَ بِالْعَشِيِّ مُنَاهَا٢ ... وَتَسُلُّ الهموم سلا رقيقا وَذَكَرَ الْهَيْثَمُ بْنُ عَدِيٍّ عَنْ أبي يعقوب الثقفي

стр. 83

عن عبد الملك ابن عمير أنَّ جبلة ابن الْأَيْهَمِ قَالَ لِحَسَّانٍ يَا أَبَا الْوَلِيدِ إِنِّي مَشْغُوفٌ بِالْخَمْرِ فَذُمَّهَا لِي فَقَالَ: لَوْلَا ثَلَاثٌ هُنَّ فِي الْكَأْسِ لَمْ يَكُنْ ... لَهَا ثَمَنٌ مِنْ شَارِبٍ حِينَ يَشْرَبُ لَهَا نَزَفٌ مِثْلُ الْجُنُونِ وَمَصْرَعٌ ... دَنِيٌّ وَأَنَّ الْعَقْلَ يَنْأَى فَيَذْهَبُ فَقَالَ أَفْسَدْتَهَا فَامْدَحْهَا فَقَالَ: لَوْلَا ثَلَاثٌ هُنَّ فِي الْكَأْسِ أَصْبَحَتْ ... كَأَفْضَلِ مَالٍ يُسْتَفَادُ وَيُطْلَبُ أَمَانِيهَا وَالنَّفْسُ يَظْهَرُ طِيبُهَا ... عَلَى هَمِّهَا والحزن يسلى فيذهب

стр. 84

وَفِي الْخَمْرِ أنَّ كُلَّ شَارِبٍ على شرابه يصير عَنْهُ غَيْرَ الْخَمْرِ فإنَّ لَهَا ضَرَاوَةً لَا تُشْبِهُهَا إِلَا ضَرَاوَةَ اللَّحْمِ. وَكَانَ عُمَرُ ﵁ يَقُولُ: اتَّقُوا هَذِهِ الْمَجَازِرَ فإنَّ لَهَا ضَرَاوَةً كَضَرَاوَةِ الْخَمْرِ. وقالوا: أهلك الرجال، الأحمران الحم وَالْخَمْرُ، وَأَهْلَكَ النِّسَاءَ الْأَصْفَرَانِ الذَّهَبُ وَالزَّعْفَرَانُ. وَقَالَ الشَّاعِرُ حِينَ مُنِعَ أَهْلُ الشَّامِ مِنْ شُرْبِ الْخَمْرِ: أَلَمْ تَرَ أنَّ الدَّهْرَ يَعْثُرُ بِالْفَتَى ... وَلَا يَمْلِكُ الْإِنْسَانُ صَرْفَ الْمَقَادِرِ صَبَرْتُ وَلَمْ أَجْزَعْ وَقَدْ مَاتَ إِخْوَتِي ... وَمَا أَنَا عَنْ شُرْبِ الطِّلَاءِ بِصَابِرِ رَمَاهَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ بِحَتْفِهَا ... فَخُلَّانُهَا يَبْكُونَ حَوْلَ الْمَعَاصِرِ فَهَذِهِ وَمَا أَشْبَهَهَا مَنَافِعُهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ. وَأَمَّا مَنَافِعُ الْمَيْسِرِ فإنَّ أَهْلَ الثَّرْوَةِ وَالْأَجْوَادَ مِنَ الْعَرَبِ كَانُوا فِي شِدَّةِ الْبَرْدِ وَجَدْبِ الْبِلَادِ وَكَلَبِ الزَّمَانِ يُيْسِرُونَ أَيْ يَتَقَامَرُونَ بِالْقِدَاحِ وَهِيَ عَشَرَةُ أقداح على جزور، يجزرونها ثمانية

стр. 85

وَعِشْرِينَ جُزْءًا، وَقَدْ ذَكَرْتُ هَذَا فِي كِتَابِ الْمَيْسِرِ وَبَيَّنْتُ كَيْفَ كَانُوا يَفْعَلُونَ فَإِذَا قَمَرَ أَحَدُهُمْ جَعَلَ أَجْزَاءَ الْجَزُورِ لِذَوِي الْحَاجَةِ وَأَهْلِ الْمَسْكَنَةِ، وَاسْتَرَاشَ النَّاسُ وَعَاشُوا. وَكَانَتِ الْعَرَبُ تَمْدَحُ بَأَخْذِ الْقِدَاحِ وتعيب من لا ييسر وتسنيه الْبَرَمَ قَالَ مُتَمِّمٌ يَرْثِي أَخَاهُ مَالِكًا: وَلَا بَرَمًا تُهْدِي النِّسَاءُ لِعِرْسِهِ ... إِذَا الْقَشْعُ١ مِنْ بَرْدِ الشِّتَاءِ تَقَعْقَعَا وَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا مِنَ الْإِسْلَامِيِّينَ ذَكَرَ أَنَّهُ قَامَرَ بالقداح فأفحش إفحاش القائل

стр. 86

وَهُوَ الْأَخْطَلُ: وَلَسْتُ بِصَائِمٍ رَمَضَانَ طَوْعًا ... وَلَسْتُ بَآكِلٍ لَحْمَ الْأَضَاحِي وَلَسْتُ بِقَائِمٍ كَالْعِيرِ أَدْعُو ... قُبَيْلَ الصُّبْحِ: حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ وَلَكِنِّي سَأَشْرَبُهَا شَمُولًا٢ ... وَآكُلُ مَا تَفُوزُ بِهِ قِدَاحِي قَالَ: وَأَمَّا ذَمُّهُمْ شَرَبَةَ الْمُسْكِرِ بِقِلَّةِ الْوَفَاءِ وَسُوءِ الْعَهْدِ فَأَسْوَأُ مِنْ ذَلِكَ إقْدَامُهُمْ عَلَى السُّكْرِ وَتَرْكُ الصَّلَاةِ وَرُكُوبُ الْفَوَاحِشِ. وَأَعْجَبُ مِنْهُ عَقْدُهُمْ عَلَى أن كل مسكر خمر وحض لِعِلَّةِ الْإِسْكَارِ وَهُمْ يَشْرَبُونَهُ، وَعِلْمُهُمْ بِأَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ السُّكْرَ، وَهُمْ لَا يَبِيتُونَ إِلَّا عَلَيْهِ، فَإِذَا عُوتِبُوا عَلَى شُرْبِهِ مَعَ الِاعْتِمَادِ أنه خمر

стр. 87

قَالُوا: لِأَنْ نَشْرَبَهُ وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّهُ ذَنْبٌ نَسْتَغْفِرُ اللَّهَ مِنْهُ، أَحَبُّ إِلَيْنَا مِنْ أَنْ نَشْرَبَهُ مُسْتَحِلِّينَ لَهُ غَيْرَ مُسْتَغْفِرِينَ مِنْهُ. وَمَا أَدْرِي أَمِنَ الْجُرْأَةِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى أَعْجَبُ أَمْ مِنَ الْعِلَّةِ، أَمَّا الْجُرْأَةُ عَلَى اللَّهِ تعالى والإقدام عَلَى مَا حَرَّمَ فِي كِتَابِهِ عندهم تحريم الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَنِكَاحَ ذوات ١ - القشع والقشعة بيت من أدم أو جلد والقعقعة حكاية أصوات الجلود اليابسة ٢ - الشمول كصبور الخمر أو الباردة منها كامشمولة الْمَحَارِمِ، وَأَمَّا الْعِلَّةُ فَالطَّمَعُ فِي الْمَغْفِرَةِ وَهُمْ مُصِرُّونَ لَا يَنْصَرِمُ عَنْهُمْ يَوْمُ جُمُعَتِهِمْ إِلَّا عَقَدُوا النِّيَّةَ عَلَى الِاجْتِمَاعِ فِي غَدِهِ أَوْ بَعْدَ غَدِهِ، وَإِنَّمَا يَغْفِرُ اللَّهُ بِالِاسْتِغْفَارِ لِلْمُقْلِعِينَ، وَيَتَقَبَّلُ مِنَ الْمُتَّقِينَ، وَكَيْفَ جَعَلُوا مَا جَاهَرُوا اللَّهَ بِالْعِصْيَانِ فِيهِ وَهُمْ مُسْتَيْقِنُونُ أَسْلَمَ مِمَّا رَكِبُوهُ وَهُمْ غَارَّونَ وَمَاذَا يَقُولُونَ فِي رَجُلٍ زَنَى وَهُوَ لَا يَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ الزِّنَا وَآخَرَ زَنَى وَهُوَ يَعْلَمُ أنَّ الزِّنَا مِنَ الْكَبَائِرِ الَّتِي تُسْخِطُ الرَّبَّ وَتُوجِبُ النَّارَ، أَيُّهُمْ أَقْرَبُ إِلَى السَّلَامَةِ، وَأَوْلَى من الله بالعفو، أو ليس أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أنَّ الَّذِي لَا يَعْلَمُ لَا حَدَّ عَلَيْهِ من جلد وتعزير وَلَا رَجْمٍ، وَأَنَّ عَلَى الآخَرِ حَدَّ الْبِكْرِ إِنْ كَانَ بِكْرًا وَحَدَّ الْمُحْصَنِ إِنْ كَانَ مُحْصَنًا، فَهَذِهِ أَحْكَامُ الدُّنْيَا وَأَمَّا أَحْكَامُ الآخِرَةِ فَلَوْلَا كَرَاهَةُ التَّأَلِي عَلَى اللَّهِ لَقُلْنَا فِي الَّذِي رَكِبَ الْفَاحِشَةَ، وَهُوَ لَا يَعْلَمُ أنَّ اللَّهَ حَرَّمَهَا مَعْفُوٌّ عَنْهُ. وَقَدْ روى أنَّ رجلا لأقر بِالزِّنَا بِأُمِّ مَثْوَاهُ، فَلَمَّا أُمِرَ بإقامة الحد عليه

стр. 88

قَالَ: مَا عَلِمْتُ إنَّ اللَّهَ حرم ذلك فاستحلف، ثم دريء عَنْهُ الْحَدُّ. وَكَانَتِ الْعُلَمَاءُ تَنْهَى الْعَوَامَّ عَنْ كَثْرَةِ السُّؤَالِ، وَقَالُوا: لِأَنْ يُؤْتَى الشَّيْءُ عَلَى جَهْلٍ بِهِ أَسْلَمُ مِنْ أنَّ يُؤْتَى عَلَى عِلْمٍ. وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵌: الْبِرُّ مَا سَكَنَتْ إِلَيْهِ الْقُلُوبُ وَاطْمَأَنَّتْ إِلَيْهِ النُّفُوسُ، وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي صَدْرِكَ فَكَرِهْتَ أَنْ تطلع عليه الناس. وقال أبو مسعود الإثم جواز القلب وهي الهوادج فِيهَا بِالشُّكُوكِ فَإِذَا كَانَ الْإِثْمُ يَكُونُ بِمَا قَدَحَ فِي الْقَلْبِ مِنَ الشَّكِّ فَكَيْفَ هُوَ فِيمَا يتيقنه القلب، أو ليست الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَنِيَّةُ الْمُؤْمِنِ خَيْرٌ مِنْ عَمَلِهِ. حَدَّثَنَا أَصْحَابُ الْأَصْمَعِيِّ عَنْهُ عَنْ مُعْتَمِرٍ عَنْ أَبِيهِ أنَّ رَجُلًا مَرَّ بِقَوْمٍ يَذْكُرُونَ اللَّهَ فَكَأَنَّهُ أَعْجَبَهُ مَا هُمْ فِيهِ فَقَالَ لِرَجُلٍ: مَا يَقُولُ هَؤُلَاءِ؟ قَالَ: يَقُولُونَ قَرْنُ عَنْزٍ قَرْنُ تَيْسٍ فَقَالَهَا فَغُفِرَ لَهُ. حَدَّثَنَا شَيْخٌ لَنَا أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ رَجُلٍ مِنَ الْعَجَمِ وَقَفَ بِعَرَفَاتٍ فَلَمَّا رَأَى أَكُفَّ النَّاسِ مُنْبَسِطَةً، وَأَصْوَاتَهُمْ بِالدُّعَاءِ مُرْتَفِعَةً وَأَقَاوِيلَهُمْ بِضُرُوبِ الْمَسَائِلِ مُخْتَلِفَةً، وَرَأَى لِسَانَهُ لَا يَنْطِقُ بِشَيْءٍ مِمَّا تَجِيشُ بِهِ صُدُورُهُمْ، عَمَدَ إِلَى صَحِيفَةٍ وَكَتَبَ فِيهَا حَوَائِجَهُ إِلَى اللَّهِ تعالى ونصبها على عالية روح كَانَ مَعَهُ، ثُمَّ رَفَعَهُ إِلَى السماء، فأعجب ذاك النَّاسَ، وَعَطَفُوا عَلَيْهِ بِالْمِقَةِ، وَرَجَوْا لَهُ مِنَ الْقَبُولِ، أَكْثَرَ مِمَّا رَجَوْا لِمَنْ أَسْهَبَ فِي الْقَوْلِ.

стр. 89

وَمِنْ عَجِيبِ شَأْنِهِمْ أَيْضًا شُرْبُهُمْ مِنْهُ الْغَلِيظَ الْكَاظَّ الْقَبِيحَ مَنْظَرًا، الردي مخبراً، الذي نشوته سدد، وَعَاقِبَتُهُ دَاءٌ، وَالْخَمْرُ مُعْرِضَةٌ بِصَفَائِهَا وَطِيبِ رَائِحَتِهَا، وَسُهُولَةِ مَسْلَكِهَا، وَهُوَ معرض عنها التقزز، وَيَصُونُ عَنْهَا الثَّوْبَ، وَلَوْ عُرِضَ عليه بكأس منها مِنَ الْعِقْيَانِ لَمْ يَشْرَبْهُ، فَمَاذَا الْعُذْرُ أنَّ كَانَا عِنْدَهُ سَوَاءٌ في الترك مَا هُوَ أَنْفَعُ إِلَى مَا هُوَ أَضَرُّ، وَمَا هُوَ أَغْلَى إِلَى مَا هُوَ أَخَسُّ، هَيْهَاتَ مَا ذَاكَ إِلَّا لِفَرَقٍ وَاقِعٍ فِي الْقُلُوبِ، وَشَهَادَاتُ الْأَفْعَالِ أَعْدَلُ مِنْ شَهَادَاتِ الْمَقَالِ. وَأَمَّا قَوْلُ الشُّعَرَاءِ فِي شَارِبِي النَّبِيذِ وَالْمُنَادِمِينَ عَلَيْهِ فَقَدْ قَالُوا أَخْبَثَ مِنْهُ فِي تَارِكِي النَّبِيذِ وَالْهَاجِرِينَ لَهُ قَالَ ابْنُ بِيضٍ الشَّاعِرُ: أَلَا لَا يَغُرَّنْكَ ذُو سَجْدَةٍ ... يَظَلُّ بِهَا دَائِبًا يَخْدَعُ وَمَا لِلتُّقَى لَزِمَتْ وَجْهَهُ ... وَلَكِنْ لِيَأْتِيَ مُسْتَوْدَعُ ثَلَاثُونَ أَلْفًا حَوَاهَا السُّجُودُ ... فَلَيْسَتْ إِلَى رَبِّهَا تُرْجَعُ وَرَدَّ أَخُو الْكَأْسِ مَا عَنْدَهُ ... وَمَا كُنْتُ في رده أطمع

стр. 90

وَقَالَ آخَرُ: أَمَّا النَّبِيذُ فَلَا يَذْعَرْكَ شَارِبُهُ ... وَاحْفَظْ ثِيَابَكَ مِمَّنْ يَشْرَبُ الْمَاءَ قَوْمٌ يُوَرُّونَ عَمَّا فِي نُفُوسِهِمُ ... حَتَّى إِذَا اسْتَمْكَنُوا كانوا هو الدَّاءَ مُشَمِّرِينَ إِلَى أَنْصَافِ سُوقِهِمُ ... هُمُ الذِّئَابُ وَهُمْ يُدْعَونَ قُرَّاءَ وَقَالَ أَعْرَابِيُّ: صَلَّى فَأَعْجَبَنِي وَصَامَ فَرَابَنِي ... نَحِّ الْقَلُوصَ عَنِ الْمُصَلِّي الصَّائِمِ وَقَالَ آخَرُ: شَمِّرْ ثِيَابَكَ وَاسْتَعِدَّ لقابلٍ ... وَاحْكُكْ جَبِينَكَ لِلْقَضَاءِ بِثُومِ وَامْشِ الدَّبِيبَ إِذَا مَشَيْتَ لِحَاجَةٍ ... حَتَّى تُصِيبَ وَدِيعَةً لِيَتِيمِ وَقَالَ بَعْضُ الظُّرَفَاءِ: أَظْهَرُوا لِلنَّاسِ سَمْتًا ... وَعَلَى الْمَنْقُوشِ دَارُوا وَلَهُ صلوا وصاموا ... وله حجوا وزادوا لَوْ بَدَا فَوْقَ الثُّرَيَّا ... وَلَهُمْ رِيشٌ لَطَارُوا وَقَالَ يَحْيَى بْنُ نَوْفَلٍ فِي بِلَالِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ: أَبِلَالُ إِنِّي رَابَنِي مِنْ شَأْنِكُمْ ... قَوْلٌ تُزَيِّنُهُ وَفِعْلٌ مُنْكَرٌ مالي أَرَاكَ إِذَا أَرَدْتَ خِيَانَةً ... جَعَلَ السُّجُودُ بِحُرِّ وَجْهِكَ يَظْهَرُ مُتَخَشِّعًا طباً بكل عَظِيمَةٍ ... تَتْلُو الْقُرَآنَ وَأَنْتَ ذِئْبٌ أغبر

стр. 91

وَكَتَبَ الْحَسَنُ بْنُ هَانِئٍ إِلَى الْفَضْلِ بْنِ الرَّبِيعِ مِنَ الْحَبْسِ: أَنْتَ يَا ابْنَ الرَّبِيعِ علَّمْتَنِي الْخَيْرَ ... وَعَوَّدْتَنِيهِ وَالْخَيْرُ عَادَهْ فَارْعَوَى بَاطِلِي وَرَاجَعَنِي الْحِلْمُ ... وَأَحْدَثْتُ تَوْبَةً وَزَهَادَهْ لَوْ تَرَانِي ذَكَرْتَ بِي الْحَسَنَ الْبَصْرِيَّ ... فِي حَالِ نُسْكِهِ أَوْ قَتَادَهْ مِنْ خُشُوعٍ لِرَيْبَةٍ بِخُضُوعٍ ... وَاصْفِرَارٍ مِثْلِ اصْفِرَارِ الْجَرَادَهْ التَّسَابِيحُ فِي ذِرَاعِي وَالْمُصْحَفُ ... فِي لَبَّتِي مَكَانَ الْقِلَادَهْ فَإِذَا شِئْتَ أَنْ تَرَى طُرْفَةً تَعْجَبُ ... مِنْهَا مَلِيحَةً مُسْتَفَادَهْ فَادْعُ بِي لَا عمدت تَقْوِيمَ مِثْلِي ... فَتَأَمَّلْ بِعَيْنِكَ السِّجَّادَهْ تَرَ إثْرًا مِنَ الصَّلَاةِ بِوَجْهِي ... تُوقِنُ النَّفْسُ أَنَّهَا مِنْ عِبَادَهْ لَوْ رَآهَا بَعْضُ الْمُرَائِينَ يَوْمًا ... لَاشْتَرَاهَا يُعِدُّهَا لِلشَّهَادَهْ وَلَقَدْ طَالَمَا شَقِيتُ وَلَكِنْ ... أَدْرَكَتْنِي عَلَى يَدَيْكَ السعاده قال وهؤلاء المراؤون بِأَعْمَالِهِمْ، الْعَامِلُونَ لِلنَّاسِ وَالتَّارِكُونَ لِلنَّاسِ، وَالْمُرْتَهِصُونَ لِلدُّنْيَا بِالدِّينِ شِرَارُ الْخَلْقِ وأرذال البرية،

стр. 92

وقد في فَضَّلَ اللَّهُ تَعَالَى شَرَبَةَ النَّبِيذِ عَلَيْهِمْ، بِإِرْسَالِ الْأَنْفُسِ عَلَى السَّجِيَّةِ، وإظهار المرؤة، ولسنا نصف بهذه الْأَدْنِيَاءَ مِنْهُمْ، وَلَيْسَ مِنَ النَّاسِ صِنْفٌ إِلَّا وَفِيهِ حُشْوَةٌ وَلَهُ شَوْبٌ. قَالَ أَعْرَابِيٌّ كَانَ تَرَكَ النَّبِيذَ ثُمَّ عَادَ فِيهِ: قَدْ كُنْتُ تُبْتُ مِنَ النَّبِيذِ وَلَا أَرَى ... أَحَدًا مِنَ الْأَشْرَافِ إِلَّا يشرب فخلفت لَا أَدَعُ النَّبِيذَ وَلَا أَرَى ... إِلَّا إِلَى أَصْحَابِهِ أَتَقَرَّبُ مَا مِنْ أَخٍ لِي مُنْذُ كَانَتْ تَوْبَتِي ... إِلَّا تَجَنَّبَنِي كَأَنِّي أَجْرَبُ وَيَقُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ تَائِبٌ ... إِنْ كُنْتُ تُبْتُ فَقَدْ نَكَثْتُ فَجَرِّبُوا وَقَدْ دَرَجَ النَّاسُ فِي مَآكِلِهِمْ وَمَشَارِبِهِمْ وَزِيِّهِمْ وَظَاهِرِهِمْ وَبَاطِنِهِمْ عَلَى أمرلم يُصْبِحِ النَّاسُ الْيَوْمَ عَلَى شَيْءٍ مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا. كَانَ الصَّالِحُونَ من سلف يتمازحون ويضحكون ويرفعون رؤوسهم. وكان رسول الله) يَمْزَحُ وَلَا يَقُولُ إِلَّا حَقًّا، وسابق عائشة رحمها الله عليها فسبقها وَسَبَقَتْهُ أُخْرَى. وَوَقَفَ عَلَى أَصْحَابِ الدِّرْكِلَةِ وَهُمْ يَلْعَبُونَ، وَقَامَ يَنْظُرُ إِلَى وَفْدِ الْحَبَشَةِ وَهُمْ يَزْفِنُونَ. وَمَازَحَ عَجُوزًا فَقَالَ إِنَّ الْجَنَّةَ لا

стр. 93

يَدْخُلُهَا الْعُجُزُ. وَاسْتَدْبَرَ رَجُلًا يُقَالُ له زاهر وأخذ بعينه مِنْ وَرَائِهِ وَقَالَ مَنْ يَشْتَرِي مِنِّي الْعَبْدَ، فَقَالَ الرَّجُلُ: إِذَنْ تجدني الله رَسُولَ اللَّهِ كَاسِدًا. وَكَانَتْ فِي عَلِيٍّ ﵁ دُعَابَةٌ، وكان ابن سيرين يضحك حتة يسيل لعابهن وَخَطَبَ امْرَأَةً فُرَدَّ عَنْهَا فَقَالَ: نُبِّئْتُ أنَّ فَتَاةً كُنْتُ أَخْطُبُهَا ... عرقو بها مِثْلُ شَهْرِ الصَّومِ فِي الطُّولِ وَخَطَبَ أُخْرَى فَزُوِّجَ فَقَالَ. كَأَنَّ الْمُدَامَةَ وَالزَّنْجَبِيلَ ... وَرِيحَ الْخُزَامَى وَذَوْبَ العسل يعلل بِهِ بَرْدُ أَنْيَابِهَا ... إِذَا النَّجْمُ وسط السماء اعتدل

стр. 94

وَقَالَ هِشَامُ بْنُ حَسَّانٍ كُنْتُ قَاعِدًا مَعَ قَوْمٍ فَأَنْشَدْتُ شِعْرًا، فَقَالُوا: قُمْ فَقَدْ أَحْدَثْتَ، فَأَتَيْتُ مُحَمَّدَ بْنَ سِيرِينَ وَقَدْ خَرَجَ مِنَ الْمُتَوَضَّإِ وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ لِيُكَبِّرَ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ: دِيَارٌ لِرَمْلَةَ إِذْ عَيْشُنَا ... بِهَا عَيْشَةُ الأنعم الأفضل واذودها فَارِغٌ لِلصَّدِيقِ ... لَمْ يَتَغِيَّرْ وَلَمْ يُشْغَلِ كَأَنَّ الْمُدَامَ وَصَوْبَ الْغَمَامِ ... والقرقفية بالفلفل تعلل بِهِ بَرْدُ أَنْيَابِهَا ... قَبِيلَ الصَّبَاحِ وَلَمْ يَنْجَلِ ثُمَّ كَبَّرَ لِلصَّلَاةِ وَقَالَ أَبُو الْوَلِيدِ الضَّبِّيُّ: أَتَيْتُ مِسْعَرَ بْنَ كِدَامٍ مَعَ جَمَاعَةٍ فَأَلْفَيْنَاهُ يُصَلِّي فَأَطَالَ، فَلَمَّا سَلَّمَ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ فَقَالَ: أَلَا تِلْكَ عَزَّةُ قَدْ أَقْبَلَتْ ... تَرَفَّعُ دُونِيَ طَرْفًا غَضِيضًا تَقُولُ مَرِضْتُ فَمَا عُدْتَنَا ... وَكَيْفَ يَعُودُ مَرِيضٌ مريضاً

стр. 95

ثُمَّ قَالَ صَلُّوا. وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يُنْشِدُ وَهُوَ مُحْرِمٌ: وَهُنَّ يَمْشِينَ بِنَا هَمِيسَا ... إِنْ تَصْدُقِ الطيرننك لَمِيسَا فَقَالُوا لَهُ: أَتَقُولُ الرَّفَثَ وَأَنْتَ مُحْرِمٌ، فَقَالَ: إِنَّمَا الرَّفَثُ عِنْدَ النِّسَاءِ. وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ إِذَا مَشَى أَسْرَعَ، وَإِذَا تَكَلَّمَ أَسْمَعَ، وَإِذَا ضَرَبَ أَوْجَعَ. وَتَقَدَّمَ رَجُلَانِ إِلَى شُرَيْحٍ فِي مُنَازَعَةٍ بَيْنَهُمَا، فَأَقَرَّ أَحَدُهُمَا وَهُوَ لَا يَشْعُرُ، فقضى عليه شريخ، فقال له الرجل: أتقضني عَلَيَّ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ؟ فَقَالَ: شَهِدَ عِنْدِي ثِقَةٌ، فَقَالَ: مَنْ هُوَ؟ قَالَ: ابْنُ أُخْتِ خَالَتِكَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ دُلُّونِي عَلَى رَجُلٍ بَكَّاءٍ بِاللَّيْلِ بَسَّامٍ بِالنَّهَارِ. وَضَحِكَ رَسُولُ الله) وَأَصْحَابُهُ مِنْ قِصَّةِ نُعَيْمَانَ وَسُوَيْبِطٍ حين خرجا مع

стр. 96

أَبِي بَكْرٍ إِلَى الشَّامِ وَبَاعَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ حَوْلًا. فَهَذِهِ قِصَّةُ الْخِيَارِ فِي تَرْكِ التَّصَنُّعِ، وَإِرْسَالِ الْأَنْفُسِ عَلَى السَّجَايَا فِيمَا لَا يَحْرُمُ. فَقَدْ ضَرَبَ النَّاسُ الْيَوْمَ بأذقانهم على صدورهم ونظروا الشرز. وَكَانَ عُمَرُ ﵁ يَقُولُ يَا مَعْشَرَ الْقُرَّاءِ: ارْفَعُوا رؤوسكم لَا يَزِيدُ الْخُشُوعُ عَلَى مَا فِي الْقَلْبِ. وَكَانَ النَّاسُ يَلْبَسُونَ مَا وَجَدُوا مِنَ الْخَزِّ وَالْيُمْنَةِ وَالْحِبَرَاتِ وَالْكَرَابِيسِ وَالصُّوفِ، مِنْهُمْ تَمِيمٌ الداري كَانَ يَلْبَسُ حُلَّةً بَأَلْفِ دِرْهَمٍ يصلي فيها.

стр. 97

وَكَانَ مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ يَلْبَسُ الْخَزِّ. وَكَسَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ مُحَمَّدَ بْنَ سِيرِينَ بُرْنُسًا فَبَاعَهُ محمد بخمسمائة دِرْهَمٍ. وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَرْتَدِي رِدَاءً بِأَلْفٍ. وَكَانَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ يَلْبَسُ مِلْحَفَةً مُعَصْفَرَةً، وَيَجْلِسُ عَلَى مَجْلِسٍ مُعَصْفَرٍ، فِي حَجَلَةٍ فِيهَا تَصَاوِيرُ الْعَنْقَاءِ. وَكَانَ عَوْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ يَلْبَسُ جُبَّةَ ومطرف خر ويجالس المساكين.

стр. 98

وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ يَلْبَسُ الْمُعَصْفَرَ وَيَقُولُ: إِنِّي لَأَلْبَسُهُ وَأَنَا أَعْلَمُ أَنَّهُ زِينَةُ الشَّيْطَانِ، وَأَتَخَتَّمُ الْحَدِيدَ، وَأَعْلَمُ أَنَّهُ حِلْيَةُ أَهْلِ النَّارِ، وَإِنَّمَا أراد إبراهيم إخفاء نفسه بمثل ذلك اللِّبَاسِ، وَمُجَالَسَةَ الشُّرَطِ وَمُخَالَفَةَ قَوْمٍ مِنَ الْأَدْنِيَاءِ، لِئَلَّا يَذْكُرُوا بِاللَّهِ فمن عَمِلَ لِوَجْهِهِ عَمَلًا أَنْ يُشْهِرَهُ بِالْخَيْرِ، وَيَطَّلِعَ مِنْهُ عَلَى السَّرِيرَةِ، كَمَا أَبَى فِيمَنْ لَبِسَ لِلنَّاسِ وَشَرِبَ لِلنَّاسِ وَعَمِلَ لِلنَّاسِ وَتَرَكَ لِلنَّاسِ أَنْ يَرْفَعَ اللَّهُ لَهُ عَلَمًا أَوْ يُبْقِيَ لَهُ ذِكْرًا فِي الْآخِرِينَ. وَكَانَ أَيُّوبُ يَلْبَسُ قلنسوة أفراب. وَقَالَ لِأَنْ أَلْبَسَهَا لِعُيُونِ خَيْرٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أنَّ أَدَعَهَا لِعُيُونِ النَّاسِ. وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ) يَتَطَيَّبُ وَقَالَ: قَدْ حُبِّبَ إِلَيَّ مِنْ دُنْيَاكُمْ هَذِهِ النِّسَاءُ وَالطِّيبُ. وَكَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ من أجود الناس غالية. كان ابن عباس يلطخ

стр. 99

بِالْمِسْكِ عَلَى يَافُوخِهِ فَيُرَى كَأَنَّهُ الرُّبُّ وَقَالَ ابْنُ أَخِي الزُّهْرِيِّ: كُنْتُ أَشُمُّ الْمِسْكَ مِنْ سَوْطِ ابْنِ شِهَابٍ. فَقَدْ كَان اللِّبَاسُ وَالطِّيبُ مِنَ الْمُنْكَرِ، وَمَنْ ذَا مِنْ قُرَّاءِ زَمَانِنَا يَلْبَسُ خَزًّا أو حبر أَوْ يَمَسُّ طِيبًا إِذَا كَانَتْ تَنْقُصُ مَرْتَبَتُهُ وَتَزُولُ بِزَوَالِ التَّقَشُّفِ عَنْهُ وَوَسَخِ الثَّوْبِ، وَتُعِلُّ الرِّيحُ عَدَالَتَهُ. قَالَ أَيُّوبُ وَذُكِرَ لَهُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَتَقَشَّفُونَ: مَا عَلِمْتُ أنَّ الْقَذَرَ مِنَ الدِّينِ. وَكَانَ النَّاسُ يَشْرَبُونَ حَلَالَ النَّبِيذِ فِي عُرُسَاتِهِمْ وَمَآدِبِهِمْ وَعَلى غَدَائِهِمْ وَعَشَائِهِمْ، وَيَوْمَ دَوَائِهِمْ، وَلَا يَسْتَتِرُونَ بِذَلِكَ.

стр. 100

قال حفص بن عتاب كُنْتُ عِنْدَ الْأَعْمَشِ وَبَيْنَ يَدَيْهِ نَبِيذٌ، فَاسْتَأْذَنَ عَلَيْهِ قَوْمٌ مِنْ طلبة الحديث فستره، فَقَالَ لِي: لِمَ سَتَرْتَهُ؟ فَكَرِهْتُ أنَّ أَقُولَ لِئَلَّا يَرَاهُ مَنْ يَدْخُلُ فَقُلْتُ: كَرِهْتُ أنَّ يَقَعَ فِيهِ ذُبَابٌ فَقَالَ لِي: هَيْهَاتَ إِنَّهُ أَمْنَعُ جَانِبًا. وَحَضَرَ ابْنُ أَبِي الْحَوَارِيِّ بِالشَّامِ، وَكَانَ مَعْرُوفًا بِالرَّقَائِقِ وَالزُّهْدِ، مَائِدَةَ صَالِحٍ الْعَبَّاسِيِّ مَعَ فُقَهَاءِ الْبَلَدِ، فَحَدَّثَنِي مَنْ حضر المجلس وهو البحتري ابن عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ بَعَثَ إِلَيْهِ بِقَدَحٍ مِنْ نَبِيذٍ فَشَرِبَهُ ابْنُ أَبِي الْحَوَارِيِّ، ثُمَّ بَعَثَ إِلَيْهِ بِثَانٍ فَامْتَنَعَ مِنْ شُرْبِهِ، فَأَخَذَهُ النَّاسُ بِأَلْسِنَتِهِمْ، وَقَالُوا: شَرِبْتَ الْمُسْكِرَ على أخاوين

стр. 101

هَؤُلَاءِ وَصِرْتَ لَهُمْ حُجَّةً، فَقَالَ: أَحْسَبُكُمْ أَرَدْتُمْ أَنْ أَكُونَ مِمَّنْ ذَكَرَ اللَّهُ فَقَالَ:) يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وهو معهم (ثُمَّ قَالَ: فَكَيْفَ يَكُونُ أَنْ أدعه لكم وأشربه لغير اللَّهِ. قَالَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ لِرَجُلٍ عَتَبَ عَلَيْهِ مِمَّنْ كَانَ يَعْدِلُهُ وبقطع بِقَوْلِهِ: بَلَغَنِي أَنَّكَ تَشْرَبُ الْمُسْكِرَ فَقَالَ: مَا أَشْرَبُ الْمُسْكِرَ وَلَكِنْ أَشْرَبُ النَّبِيذَ الصُّلْبَ. وَقَالَ آخَرُ من القضاء لِرَجُلٍ شَهِدَ عِنْدَهُ بِشَهَادَةٍ: بَلَغَنِي أَنَّكَ تَلْعَبُ بِالْكِلَابِ فَقَالَ: كَذَلِكَ أَيُّهَا الْقَاضِي مَنْ أَخْبَرَكَ أَنِّي أَلْعَبُ، وَلَكِنِّي آخُذُ فِي الصَّيْدِ بِهَا. وشَهِدَ رَجُلٌ عِنْدَ سَوَّارٍ بِشَهَادَةٍ فَرَدَّ شَهَادَتَهُ بِشُرْبِ النَّبِيذِ فَقَالَ: أَمَّا النَّبِيذُ فَإِنِّي غَيْرُ تَارِكِهِ وَلَا شَهَادَةَ لِي مَا عَاشَ سَوَّارُ فَأَيْنَ هَؤُلَاءِ فِي تَرْكِ الرِّيَاءِ وَالتَّصَنُّعَ مِنْ رَجُلٍ سُرِقَتْ نَعْلُهُ فَلَمْ يَشْتَرِ نَعْلًا حَتَّى مَاتَ وَقَالَ: أَكْرَهُ أَنْ أَتَّخِذَ نَعْلًا فَلَعَلَّ رَجُلًا يَسْرِقُهَا فَيَأْثَمُ. وَمَرَّ رَجُلٌ كَانَ مَعَهُ درهم فوقع في التراب فحثوا التراب فوجدوه فقال: أحمد الله كَأَنَّهُ دِرْهَمِي، قَالُوا: أَوَ مَا كُنْتَ تَعْرِفُ نَقْشَهُ فَقَالَ: أَوَ مَا ضُرِبَ تِلْكَ السَّنَةَ غَيْرُهُ. وَآخَرُ قِيلَ لَهُ كَيْفَ بِرُّكَ بِأُمِّكَ قَالَ: لَيْتَنِي لَمْ أُقَبِّلْهَا. وَقَالَ آخَرُ نَظَرْتُ إِلَى أَهْلِ عَرَفَاتٍ فَظَنَنْتُ أَنَّهُ قَدْ غُفِرَ لَهُمْ لَوْلَا أَنِّي كُنْتُ فِيهِمْ. وَقِيلَ لِآخَرَ وَهُوَ بِمَكَّةَ لِمَ لَا تَشْرَبُ مِنْ مَاءِ زَمْزَمٍ فَقَالَ: لَوْ كَانَ لِي دَلْوٌ لَشَرِبْتُ. وَأَمَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ لِرَجُلٍ بِكِيسٍ فَقَالَ الرَّجُلُ آخُذُ " الْخَيْطَ " فَقَالَ عُمَرُ: ضَعِ الْكِيسَ. وَكَانَ رَجُلٌ مِنْهُمْ فِي الْمَسْجِدِ فَنَسِيَ مَالًا، فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى مَنْزِلِهِ ذَكَرَهُ، فبعث رسولا ليأته بِهِ، فَقِيلَ لَهُ: وَأَيْنَ تَجِدُهُ، فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ أَيَأْخُذُ أَحَدٌ ما ليس له.

стр. 102

وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ سَأَلَنِي سَهْلُ بْنُ عَلِيٍّ عَنْ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ مَا سُئِلْتُ عَنْ مِثْلِهَا، قَالَ: أستنجي بصدر عيري، وقال قاسمت أخواتي وَبَيْنَنَا مِئْزَرٌ غَيْرُ مَقْسُومٍ وَبِي الْبَطْنُ أَفَأَدْخُلُهُ أَكْثَرَ مِمَّا يَدْخُلُهُ شركائي. وقال أن لي ثوبا عَلَى بَابِ دَارِنَا وَلَيْسَ لِي فِي ذَلِكَ الْمَاءِ نَصِيبٌ أَفَأَنْتَفِعُ بورقه. وقال آخر دخل رجل ع مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ فَقَالَ: أَفْطَرْتُ الْبَارِحَةَ عَلَى رَغِيفٍ وَزَيْتُونَةٍ وَنِصْفِ زيتونه وثلث أو زيتونه وثلثين ما عَلِمَ اللَّهُ مِنْ أُخْرَى فَقَالَ لَهُ بَعْضُ مَنْ حَضَرَ الْمَجْلِسَ: يا فتى بنعنا أَنَّ مِنَ الْوَرَعِ مَا يَمْقُتُهُ اللَّهُ. قَالَ: وَكَانَ آخَرُ رُبَّمَا قَالَ فَعَلْتُ كَذَا حَتَّى صَارَ النَّجْمُ عَلَى قِمَّةِ رَأْسِي أَوْ حِينَ جَازَنِي شَيْئًا أَوْ قُبَيْلَ أَنْ يُوَارِيَ هَامَتِي كَذَا هُوَ عِنْدِي وَفِي أَغْلَبِ ظَنِّي وَأَكْرَهُ أَنْ أَجْزِمَ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَمَا قُلْتُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ يَطُولُ بِاقْتِصَاصِهِ الْكِتَابُ وَيَخْرُجُ عَنْ فَنِّهِ وَنَحْنُ نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ أَنْ نَتَزَيَّنَ عِنْدَ النَّاسِ بِمَا يَشِينُنَا عِنْدَهُ أو نقترب إِلَيْهِمْ بِمَا يُبَاعِدُنَا مِنْهُ وَأَنْ نُشْرِكَ بِعَبَادَةِ رَبِّنَا أَحَدًا. هَذَا آخِرُ قَوْلِ الْمُطْلِقِينَ وَحُجَجِهِمْ قَدْ قابلنا به قول الحاضرين وَحُجَجَهُمْ، وَاعْتَرَضَ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ قَوْمٌ، وَفَرَّقُوا بَيْنَ حَلَالِ النَّبِيذِ وَحَرَامِهِ بِالنَّارِ، وَقَالُوا مَا طُبِخَ فَهُوَ حَلَالٌ، وَمَا كَانَ مِنَ النَّقِيعِ زما أَشْبَهَهُ مِمَّا لَمْ تَمَسَّهُ النَّارُ فَهُوَ حَرَامٌ، وَبِالسُّنَّةِ مُشَبَّهٌ بِالْخَمْرِ.

стр. 103

وَقَالَ آخَرُونَ بِمِثْلِ قَوْلِهِمْ وَحَرَّمُوا الْخَلِيطَيْنِ وَإِنِ اسْتُخْرِجَ شَرَابُهُمَا بِالنَّارِ، وَحَرَّمَ آخَرُونَ بِالظُّرُوفِ مِنَ الدُّبَّاءِ والختم الْمُقَيَّرِ وَالْمُزَفَّتِ وَأَحَلُّوا بِالْأَسْقِيَةِ وَتَرَدَّدَ آخَرُونَ بَيْنَ هَذِهِ الْأَقَاوِيلِ وَأَجْمَعُوا جَمِيعًا عَلَى أنَّ تَرْكَهُ خَيْرٌ مِنْ شُرْبِهِ وَالتَّنَزُّهَ عَنْهُ أَسْلَمُ فِي الدُّنْيَا وَالدِّينِ، وَأَحْسَنُ فِي الْأُحْدُوثَةِ، وَأَصْوَنُ لِلْمُرُوءَةِ، خَلَا رَجُلَيْنِ كَانَا بِهِ مُغْرَمَيْنِ مِنْ أَهْلِ النَّظَرِ أَحَدُهُمَا مِنْ أَهْلِ الرَّأْيِ كَانَ يَقُولُ: شُرْبُهُ خَيْرٌ مِنْ تَرْكِهِ وَأَحَلُّهُ أَصْلَبُهُ، وَالْآخَرُ مِنْ أَصْحَابِ الْكَلَامِ كَانَ يَقُولُ شُرْبُ نَبِيذِ السِّقَاءِ مِنَ السُّنَّةِ، وَكَذَلِكَ أَكْلُ الْجِرِّيِّ وَالْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ، فَمَنْ شَرِبَهُ فَقَدْ أَحْيَا سُنَّةً مِنْ سُنَنِ الْإِسْلَامِ وَمَنْ تَرَكَ شُرْبَهُ فَقَدْ أَمَاتَهَا وَهَذَا تَسْوِيلُ النَّفْسِ، وَمُسَاعَفَةُ الْهَوَى، وَتَزْيِينُ الشَّيْطَانِ وأظهر خرف عقد الضمير باللسان.

стр. 104

تَبْيِينُ غَلَطِ الْفِرَقِ بِالْغُلُوِّ قَدْ ذَكَرْنَا اخْتِلَافَ النَّاسِ فِي النَّبِيذِ وَاحْتِجَاجَ كُلِّ فَرِيقٍ لِمَذْهَبِهِ وَنَحْنُ ذَاكِرُونَ سَبِيلَ الْحَقِّ وَدَالُّونَ عَلَيْهِ بِمَبْلَغِ عِلْمِنَا وَمِقْدَارِ طَاقَتِنَا وَالْقُوَّةُ بِاللَّهِ. أَمَّا الْأَوَّلُونَ الَّذِينَ ذَهَبُوا إِلَى تَحْرِيمِهِ كُلِّهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ الْخَمْرِ وَبَيْنَ نَبِيذِ التَّمْرِ وَبَيْنَ مَا طُبِخَ وَبَيْنَ مَا نقع وبين ما اشتد وبين ما سَهُلَ فَإِنَّهُمْ غَلوا فِي الْقَوْلِ واشتدوا في الحظر وعابوا قوما م الْبَدْرِيِّينَ وَقَوْمًا مِنْ خِيَارِ التَّابِعِينَ وَأَئِمَّةً مِنَ السَّلَفِ الْمُقْتَدَى بِهِمْ فِي الدِّينِ بِشُرْبِ الْخَمْرِ وَزَيَّنُوا ذَلِكَ بِأَنْ قَالُوا: شَرَبُوهَا عَلَى التَّأْوِيلِ فَاتَّهَمُوا الْقَوْمَ وَلَمْ يَتَّهِمُوا نظرهم ونحلوهم الخطأ وبرؤوا منه أنفسكم. وقد ك قَوْمٌ مِنَ الصَّحَابَةِ يَرَوْنَ الِاسْتِمَاعَ مِنَ النِّسَاءِ جَائِزًا وَيُفْتُونَ بِهِ مِنْهُمُ ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ ومعاوية وجابر وسلمة ابن الأكوع

стр. 105

ومن التابعين عظاء وَطَاوُسُ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَجَابِرُ بن زيد والمتعة عندهم زنا فَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: هَؤُلَاءِ زَنُوا بِالتَّأْوِيلِ وَأَفْتُوا بِالزِّنَا عَلَى التَّأْوِيلِ وَأَمَّا الْآخَرُونَ الَّذِينَ ذَهَبُوا إِلَى تَحْلِيلِ مَا دُونَ السُّكْرِ منه كله فانهم أفطروا فِي الْإِطْلَاقِ كَمَا أَفْرَطَ الْأَوَّلُونَ فِي الْحَظْرِ وَلَوْ كَانَ مَا احْتَجُّوا بِهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مِسْعُودٍ فِي نَسْخِ تَحْرِيمِ الْمُسْكِرِ بِتَحْلِيلِهِ وَأَنَّهُ حَضَرَ مِنَ التَّحْلِيلِ مَا غَابَ عَنْهُ الْقَوْمُ صَحِيحًا عَدَلْنَا بِهِ إِلَى غَيْرِهِ وَلَرَأَيْنَاهُ شبيها بالمتعة فان الله رَخَّصَ فِيهَا فَقَالَ: وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ، فَأَذِنَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﵌ فَاسْتَمْتَعَ الْمُسْلِمُونَ ثُمَّ حَرَّمَهَا رَسُولَ اللَّهِ ﵌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَلَمْ يَحْضُرِ التَّحْرِيمَ إِلَّا الْبَعْضُ مِنَ الصَّحَابَةِ وَقُبِضَ ﵌ فَأَقَامَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ عَلَى الْفُتْيَا بِهَا وَاتَّبَعَهُمْ عَلَى ذَلِكَ قَوْمٌ مِنَ التَّابِعِينَ. وَشَبِيهًا بِالظُّرُوفِ الَّتِي كَانَ نَهَى عَنِ الِانْتِبَاذِ فِيهَا ثُمَّ أَذِنَ فِي ذَلِكَ

стр. 106

فَقَالَ: اشْرَبُوا فِي كُلِّ وِعَاءٍ وَلَا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا وَفِي حَدِيثٍ آخر ولا تسكروا. وكما نَهَى عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ ثُمَّ رَخَّصَ فِي ذَلِكَ وَقَالَ زُورُوهَا ولا تقولوا هجرا. وكما نَهَى عَنِ الِادِّخَارِ مِنْ لُحُومِ الْأَضَاحِي فَوْقَ ثَلَاثٍ ثُمَّ أَطْلَقَ ذَلِكَ وَقَالَ كُلُوا وَادَّخِرُوا مَا بَدَا لَكُمْ وَلَكِنَّا لَمْ نَرَ أَهْلَ الْعِلْمِ بِالْأَثَرِ يُثْبِتُونَهُ وَهُمْ عِنْدَنَا الْقُدْوَةُ فِي مَعْرِفَةِ صَحِيحِ الأخبار وسقيمها وإذا كان ذلك لَا يَصِحُّ فَكَيْفَ يَجُوزُ لَنَا أَنْ نُحِلَّ الْمُسْكِرَ وَقَدْ حَرَّمَهُ رَسُولَ اللَّهِ ﵌ بِالْأَخْبَارِ الْمُتَقِدِّمَةِ الصِّحَاحِ الطُّرُقِ الْمُمْتَنِعَةِ عَلَى حِيَلِ الْمُتَأَوِّلِينَ. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: إِنَّ السُّكْرَ هُوَ الشَّرْبَةُ الْمُسْكِرَةُ وَالْقَدَحُ الْمُنِيمُ أَكْذَبَهُ النَّظَرُ لِأَنَّ الْقَدَحَ الآخَرَ إِنَّمَا أَسْكَرَ بِالْأَوَّلِ وَكَذَلِكَ اللُّقْمَةُ الْأُخْرَى أَشْبَعَتْ بِاللُّقْمَةِ الْأُولَى وَالْجَرْعَةُ الْأُخْرَى إنما وردت بِالْجَرْعَةِ الْأُولَى وَتِلْكَ الشَّرْبَةُ الَّتِي أَسْكَرَتِ الْمُعَاقَرَةَ عِنْدَهُمْ لَوْ جُعِلَتْ أول شربة لآخر لم

стр. 107

تُسْكِرْ. وَقُوَى الْحَبْلِ إِذَا جُمِعَتْ وَأُمِرَّتْ ثُمَّ اتُّخِذَ مِنْهَا مَرِيرٌ يوثق به الْبَعِيرَ لَمْ تَكُنْ قُوَّةٌ مِنْهَا أولى بحبيس البعير وضبطه من الأخرى. وقال كِسْرَى: امْتَحِنُوا الرَّجُلَ إِذَا مَجَّ من عَقْلِهِ مَجَّةً أَوْ مَجَّتَيْنِ يُرِيدُ إِذَا شَرِبَ كَأْسًا أَوْ كَأْسَيْنِ فَأُخْبِرُكَ أَنَّهُ إِذَا شَرِبَ وَاحِدًا مَجَّ مِنْ عَقْلِهِ وَاحِدًا حَتَّى ينفده. وبعد فَكَيْفَ يَعْرِفُ الْقَدَحَ الْمُسْكِرَ مَنْ شَرِبَ فَيَتَجَنَّبَهُ إِلَّا بِالظَّنِّ الَّذِي قد يخطئ ويصيب. وقد كَانَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ لِمَعْرِفَتِهِ بِأَنَّ هَذَا مِنَ الْقَوْلِ لَا يَصِحُّ تساق عَلَى عِلَّةٍ أُخْرَى فَقَالَ: إِنَّمَا حُرِّمَ السُّكْرُ فَزَادَ النَّاسُ مِيمًا فَأَنَّى لَهُ بِهَذَا الْخَبَرُ وَكَيْفَ علمه ولم يخبره أَحَدٌ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﵌ قَالَ كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ وَإِنَّمَا الْأَخْبَارُ كُلُّهَا مِنَ الْوُجُوهِ كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ وَفِي بَعْضِهَا كُلُّ مُسْكِرٌ خَمْرٌ فَهَلْ يَجُوزُ أن يكون كل مسكر خَمْرًا وَإِنَّمَا كَانَ لَهُ أَنْ يُعَارِضَ هَذِهِ الْأَخْبَارَ بِهَذَا التَّأْوِيلِ لَوْ وَجَدَ لَهُ أَصْلًا فِي الرِّوَايَاتِ الصِّحَاحِ فَيَجْعَلَهُ شَاهِدًا لِمَا قَالَ وَيَتَوَهَّمُ عَلَى النَّاقِلِينَ لَمَّا خَالَفَ مَذْهَبُهُ الْغَلَطَ وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُلْغِيَ نَقْلَ الثِّقَاتِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ لِظَنِّ إِبْرَاهِيمَ وَحُسْنِ رَأْيِهِ عَفَا اللَّهُ عَنَّا وَعَنْهُ.

стр. 108

وروى ابْنُ إِدْرِيسَ عَنِ ابْنِ شُبْرُمَةَ أَنَّهُ قَالَ: كَيْفَ يَتْرُكُ أَهْلُ الْكُوفَةِ النَّبِيذَ وَمُفْتِيهِمْ إِبْرَاهِيمُ وَهُوَ يُفْتِيهِمْ بِشُرْبِهِ وَابْنُ أَبْجَرَ طَبِيبُهُمْ وهو ينعته لهم. وبعد فَإِنَّ السُّكْرَ لَا يَكُونُ عَلَى الْحَقِيقَةِ حَرَامًا لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَفْعَالِ الْعَبْدِ إِنَّمَا هُوَ فِعْلُ اللَّهِ بِهِ عَنِ الشَّرَابِ وَإِنَّمَا يُحَرَّمُ عَلَى الْعَبْدِ أَنْ يَشْرَبَ مَا يُسْكِرُ فَمَنْ قَالَ السُّكْرُ حرام فنما ذَلِكَ مَجَازٌ مِنَ الْقَوْلِ وَالْحَقِيقَةُ ما يكون عني السُّكْرُ حَرَامٌ وَمِثْلُ ذَلِكَ التُّخَمَةُ حَرَامٌ وَإِنَّمَا يُرِيدُ أَنَّ أَكْلَكَ مَا يَكُونُ عَنْهُ التُّخَمَةُ حَرَامٌ. وأما الْفِرْقَةُ الَّتِي أَحَلَّتْ بِالنَّارِ فَإِنَّهَا أَيْضًا غَلَتْ فِي الْقَوْلِ فَشَرِبَتِ الشديد والعتيق ونبيذ الدادي الصُّلْبَ وَالْجُمْهُورِيَّ الْمُعَسَّلَ وَالْخَلِيطَيْنِ وَلَعَلَّ بَعْضَ هَذِهِ يُسْكِرُ مِنْهُ الْيَسِيرُ. وَحَرَّمُوا الْفُقَّاعَ لِأَنَّ النَّارَ لَمْ تَمَسَّهُ وَمَا نَشَّ مِنَ النَّقِيعِ. وبلغني أَنَّ بَعْضَهُمْ كَانَ لَا يَأْكُلُ الْفَالُوذَجَ مِنْ أَجْلِ النَّشَاسْتَجِ وَكَيْفَ يَصِحُّ هَذَا مَعَ مَا رَوَتْهُ الثِّقَاتُ فِي الْمُسْكِرِ عَنِ النَّبِيِّ ﵌ وهذا الذي ذكرناه أمتن

стр. 109

وَأَشَدُّ إِسْكَارًا مِنَ الْخَمْرِ وَأَصْعَبُ خُمَارًا وَأَبْطَأُ تَحَلُّلًا وَمَعَ شُرْبِهِ نَبِيذَ السِّقَايَةِ وَتَقْطِيبِهِ مِنْهُ حَتَّى مَزَجَهُ وَهُوَ نَقِيعٌ وَهَلْ يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَوَهَّمَ أَنَّ الْخَمْرَ يُتَّخَذُ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَيُسْقَاهَا الْحَجِيجُ فَإِنِ احْتَجُّوا بَأَنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ تَنْهَى عَنْهُ وَأَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَحُجُّ وَلَا يَشْرَبُ مِنْهُ فَلَيْسَ فِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ حَرَامٌ وَإِنَّمَا يَتْرُكُهُ أَكْثَرُ النَّاسِ تَنَزُّهًا عَنْهُ كما كَمَا يَتْرُكُونَ السَّوِيقَ وَلَا يُجِيبُونَ إِلَى الطَّعَامِ الْمَدْعُوِّ إِلَيْهِ وَإِنْ كَانَ ابْنُ عُمَرَ لَا يَشْرَبُهُ تَنَزُّهًا أَوْ كَرَاهَةً فَقَدْ شَرِبَهُ أبوه وهو خير منه. وأما الَّذِينَ حَرَّمُوا بِالظُّرُوفِ وَأَحَلُّوا بِهَا فرأوا الحلو في الجر والتغير حراما ورأوا الصلب الشديد في السِّقَاءِ حَلَالًا وَالظَّرْفُ لَا يُحِلُّ شَيْئًا وَلَا يُحَرِّمُ وَإِنَّمَا كَرِهَ رَسُولَ اللَّهِ ﵌ الظُّرُوفَ الدُّبَّاءَ الْمُزَفَّتَةَ وَالْحَنْتَمَ لأن النبيذ كان يشتد فيهما ويصلب فنها عَنْهَا ثُمَّ أَذِنَ فِيهَا وَقَالَ: اشْرَبُوا فِي كُلِّ ظَرْفٍ وَلَا تسكروا. رواية أبي الأخوص عَنْ سِمَاكٍ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أبي بردة بن دينار

стр. 110

وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ لَا تَشْرَبُوا مسكرا رواية معروفة بْنِ وَاصِلٍ عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دينار عَنْ أَبِي بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ فَحَضَرَ قَوْمٌ نَهْيَهُ عَنِ الظُّرُوفِ ولم يحظروا الْإِطْلَاقَ فَكَرِهُوهَا مِنْهُمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁. حَدَّثَنَا القطيعي عَنِ الْحَجَّاجِ بْنِ الْمِنْهَالِ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَهْرَانَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ: لِأَنْ أَشْرَبَ قُمْقُمًا قَدْ أُغْلِيَ أَحْرَقَ مَا أَحْرَقَ وَأَبْقَى مَا أَبْقَى أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَشْرَبَ نبيذ جر. ومنهم ابن عباس حدثنا القطيعي قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: لَا تَشْرَبْ فِي جَرٍّ وَإِنْ كَانَ أَحْلَى من العسل.
следующие страницы →