الموسوعة الحديثية
مسند الإمام أحمد بن حنبل
(١٦٤ - ٢٤١ هـ)
الجزء الأول
حقَّقَهُ وَخَرَّجَ أحَاديثه وَعلَّق عليهِ
شُعَيب الأرنَؤوط - عادل مُرْشِد
مؤسسة الرسالة
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 3
الموسوعة الحديثية
تقدمها مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر والتوزيع
بَيروت
المشرف العام على إصدارها
الدكتور عَبد الله بن عبد المحسن التركي
المشرف على تحقيقها وتخريج نصوصها والتعليق عليها
الشيخ المحدِّث شعيب الأرنؤوط
المشاركون فى التحقيق
شعيب الأرنؤوط - محمد نعيم العرقسوسي - عادل مُرشد - إبراهيم الزّيبق
محمد رضوان العرقسوسي - كامل الخرّاط
стр. 4
تقديم
بقلم: مَعَالي الدكتور عبدُ الله بن عبد المحسن التركي
الحمدُ لله الذي حفظ القرآن العظيمَ بحفظه، فقال تبارك اسمُه:
* ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ. لَا يَأْتِيهِ البَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾.
* ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾.
والحمدُ لله الذي جَعَلَ من عصمة الكتاب عصمةً لِبيانِ الكتاب، وهو السنةُ المُطَهْرَةُ، فقال: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾.
فإِنَّما كان بيانُ السنة للكتاب وحياً من الله: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ. إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ َقُرْآنَهُ. فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ. ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾.
والصلاةُ والسلامُ على الرحمةِ المهداةِ، والنعمةِ المُسْداةِ، إمام الأَنبياءِ والمرسلين وخاتَمِهِم الذي أَخرج الله به الناسَ مِن الظلمات
والزكاة والصيام والحج، والحلالِ والحرام في البيوعِ والمطاعمِ والمشاربِ والمناكح .. وغيرِ ذلك مما بيَّنَتهُ السُّنَّةُ، وعلَّمته للناس.
قال الإمامُ الشافعيُّ ﵀ في "الرسالة" .. : "قال الله ﵎: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى المَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾.
وقال: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾.
فأتى كتابُ الله على البيانِ في الوضوءِ دونَ الاستنجاءِ بالحجارة، وفي الغسل من الجنابة.
ثم كان أقل غسلِ الوجه والأعضاء مرةً مرةً، واحتمل ما هو أكثرُ منها، فَبَينَ رسولُ الله ﷺ الوضوءَ مرةً، وتوضأ ثلاثاً، ودَلَّ على أن أقلَّ غسل الأعضاءِ يُجزئ، وأن أقلَّ عدد الغسلِ واحدة، وإذا أجزأت واحدة فالثلاث اختيارٌ.
ودلّت السنةُ على أنه يُجزئ في الاستنجاءِ ثلاثةُ أحجار، ودلَّ النبيُّ على ما يكونُ منه الوضوء، وما يكونُ منه الغُسْلُ، ودلَّ على أنَّ الكعبين والمِرفقين مما يغسل، لأَنَّ الآية تحتملُ أن يكونا حَدَّيْن للغَسل، وأن يكونا داخلين في الغَسل، ولما قال رسول الله: "وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ" دَلَّ على أنَّه غَسْلٌ لا مسحٌ".
ثم ذكر الشافعي آياتِ الصلاة والحج والعُمرة، وقال: "بَيَّنَ الله
وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾.
* ﴿ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الحِكْمَةِ﴾.
* ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالحِكْمَةِ﴾.
والحكمة: هي السُّنَّةُ.
قال الشافعي ﵀: "فذكر الله الكتابَ وهو القرآنُ، وذَكَرَ الحِكمةَ، فسمعتُ مَنْ أَرْضَى مِن أهل العلم بالقُرآن يقول: الحِكمة: سنةُ رسولِ الله".
وقال ابنُ كثير ﵀: "وقوله تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ﴾ يعني القرآنَ. ﴿وَالحِكْمَةَ﴾ يعني السنة، قاله الحسنُ وقتادة ومقاتلُ بنُ حيان وأبو مالك".
لا إسلامَ بِغيرِ السُّنَّةِ:
إن أَمرَ السنةِ المطهرةِ جِدُّ عَظيم.
ولا يُتَصوَّرُ إسلامٌ بلا سنة، ولا يُفهم إِسلام بِلا سُنَّة، ولا يُقبل إسلام بلا سنة.
لقد قال رسولُ الله ﷺ : "أَلا إِنِّي أُوتِيتُ القُرآنَ ومِثلَهُ مَعَهُ".
هذا المِثْلُ هو: السنةُ الشريفة بشُعَبِها جميعاً: القول والفِعل والتقرير.
لا جرَم أن الله - تَقَدَّس اسمُه - أَلزَمَ المؤمنينَ باتباعِ سنة الرسول ﷺ ، يقول الله تعالى:
* ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.
* ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾.
* ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾.
* ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾.
* ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ. قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الكَافِرِينَ﴾.
السنة ميزان الأعمال والأقوال:
ويعلمُ الراسخون في العلم، أهلُ التقوى والعقلِ والصلاحِ:
أن السنةَ المطهرة هي ميزانُ الأعمال والأقوال، فالعلمُ بها واجِبٌ لِصحة العمل، والعملُ بها واجب، يقولُ تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾.
ومن زَاغَ عن السُّنَّة متعمِّداً، هلك: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
يقول ابن القيّم ﵀ في "زاد المعاد" .. "والمقصودُ أنَّ بحسب متابعة الرسول تكون العزَّةُ والكفاية والنُّصرةُ، كما إن بحسب متابعته تكونُ الهدايةُ و الفلاحُ والنجاةُ، فالله سبحانه عَلَّقَ
стр. 14
سعادةَ الدَّارَيْنِ بمتابعته، وجعل شقاوةَ الدارين في مخالفته، فلأتباعه الهدى والأمنُ، والفلاحُ والعزّةُ، والكفايةُ والنُّصرةُ، والولاية والتأييدُ، وطيبُ العيش في الدنيا والآخرة، ولمخالفيه الذِّلةُ والصَّغارُ والخوفُ والضلالُ، والخِذلان والشقاءُ في الدنيا والآخرة، وقد أَقسم ﷺ بأن لا يُؤْمِن أَحَدُكُم حتى يَكُونَ هو أَحبَّ إليه مِن ولدِهِ ووالدِهِ والناسِ أَجمعين، وأَقْسَمَ الله سبحانه بأن لا يؤمن من لا يُحكِّمُه في كل ما تنازع فيه هو وغيرُه، ثم يرضى بحكمه، ولا يجدُ في نفسه حرجاً مما حكم به، ثم يُسَلِّمُ له تسليماً، وينقادُ له انقياداً، وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ فَقَطَع التَّخييرَ بعد أمره وأمرِ رسولِهِ، فليس لمؤمنٍ أن يختارَ شيئاً بعد أمره ﷺ ، بل إذا أَمرَ فأمرُه حتم، وإنما الخِيَرَةُ في قولِ غيره إذا خَفي أَمْرُهُ، وكان ذلك الغيرُ مِن أهل العلم به وبسنته، فبهذه الشروطِ يكونُ قولُ غيره سائغَ الاتباع، لا واجبَ الاتباع، فلا يجب على أحدٍ أتباعُ قولِ أحدٍ سواه، بل غايتُه أنه يسوغُ له اتباعُه، ولو تَرَكَ الأخْذَ بقول غيره، لم يكن عاصياً لله ورسولِه، فأَينَ هذا ممن يَجِبُ على جمِيعِ المكلَّفينَ اتِّباعُه، ويَحْرُمُ عليهم مخالفته، ويجبُ عليهم تركُ كُلِّ قول لِقوله، فلا حُكْمَ لأحدٍ معه، ولا قولَ لأحدٍ معه، كما لا تشريعَ لأحدٍ معه، وكل مَنْ سواه، فإنما يجب اتباعُه على قوله إذا أَمَرَ بما أمر به، ونهى عما نهى عنه، فكانَ مُبَلِّغاً محضاً، ومخْبراً لا مُنْشِئاً ومُؤسِّساً، فمن أَنْشأَ أَقوالاً وأَسَّسَ قواعِدَ بحسب فهمِه وتأويلِه، لم يجب على الأُمَّةِ اتِّباعُها، ولا التحاكمُ إليها حتى
стр. 15
تُعرض على ما جاءَ بهِ الرَّسولُ، فإن طابقته ووافقته وشهد لها بالصحة، قُبِلَتْ حِينئذٍ، وإن خالفته وجب ردُّها واطِّرَاحُهَا".
الإمام المُحبُّ للسنة المُدافع عن حماها:
إنَّ سَنَا الحَقِّ مُتأَلِّقٌ يَراهُ كُلُّ ذِي عينين، ولكن هناك من يتجافى عن السعادة، فيغلق عينيه دونَ النور.
لقد أرجف أقوامٌ حول السنة بأراجيفَ كثيرة.
ومن نبوءات الرسولِ ودلائلِ إعجازِهِ أَنَّه ﷺ حَذَّرَ من هؤلاءِ المُرْجِفينَ الَّذينَ سَيأْتُونَ مِن بعد، فقال: "يُوشِكُ أَنْ يَقْعُدَ الرَّجُلُ منكم على أَرِيكَتِهِ، يُحَدِّثُ بحديثي فيقول: بَيني وبينَكُم كِتابُ الله، فما وجدنا فيه حلالاً استحللناه، وما وجدنا فيه حراماً حرَّمناه، وإنَّ ما حَرَّمَ رسولُ الله كما حرَّمَ الله".
ألا إنَّ السُّنة محفوظةٌ بحِفْظِ الله.
ومن دلائل حفظه - سبحانه - لسنة نبيه: أنه انتدبَ رجالاً يذودون عن السنة ذَوْدَ الكريمِ العزيز عن حوضه، ويَرُدُّون عنها رَدَّ الغيور يد الجاني عن الحرم ..
ومن هؤلاء الأَئمَّةِ الأَعلام: الإمامُ أَحْمد بن محمد بن حنبل الشيباني.
فقد كان - بحقٍّ - رجلَ السُّنَّة، وإمامَ أهل السنة والجماعة في عصره.
يقول عنه موفق الدين ابنُ قدامة المقدسي ﵀ في
стр. 16
كتابه "المغني": "فإنَّ الله برحمته وطَوْلِه، وقوَّتِه وحَوْلِه، ضَمِنَ بقاءَ طائفة من هذه الأُمَّة على الحقِّ لا يضرُّهم مَنْ خَذَلهم حتى يأتيَ أَمْرُ الله وهم على ذلك، وجعل السببَ في بقائهم بقاءَ عُلمائهم، واقتداءَهم بأَئِمَّتِهم وفُقهَائِهم، وجعل هذه الأُمَّة مع عُلمائِها، كالأُمم الخالية مع أنبيائِها، وأظهرَ في كُلِّ طبقةٍ من فقهائها أئمةً يُقتدى بها، وينتهى إلى رَأْيها، وجعل في سلف هذه الأُمة أئمةً من الأَعلام، مهّد بهم قواعِدَ الإِسلام، وأَوضَحَ بهم مشكلاتِ الأَحكام، اتِّفَاقُهُم حُجَّةٌ قَاطِعةٌ، واختلافُهم رحمةٌ واسعة، تحيا القلوبُ بأَخبارِهم، وتحصلُ السعادة باقتفاءِ آثارِهم، ثم اختصَّ منهم نفراً أَعلى أَقدارَهم ومناصبَهم، وأَبقى ذكرهم ومذاهبَهم، فعلى أقوالهم مدارُ الأحكام، وبمذاهبهم يُفتي فُقهاءُ الإسلام.
وكان إمامُنَا "أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل ﵁" مِن أوفاهم فضيلة، وأقربهم إلى الله وسيلةً، وأتبعهم لِرسول الله ﷺ ، وأعلمهم به".
وقال عنه الإمام الشافعي ﵀: "أحمدُ ابن حنبل إمامٌ في خصالٍ كثيرةٍ: إمامٌ في الحديث، إمامٌ في الفِقْه، إمامٌ في القُرآنِ، إِمامٌ في الزُّهْد، أمامٌ في الوَرَعِ، إمامٌ في السُّنَّةِ".
ومن تعظيِم الِإمام أحمد للسنةِ:
* ما أورده الإمامُ ابنُ تيمية ﵀ في "الصارم المسلول" إذ قال: "قال الإمامُ أحمد في رواية الفضل بنِ زياد: نظرتُ في
стр. 17
المصحف، فوجدتُ طاعةَ الرسولِ ﷺ في ثلاثة وثلاثين موضعاً، ثم جعل يتلو: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ الآية، وجعل يُكررها ويقولُ: وما الفتنةُ؟ الشرك، لعله إذا رَدَّ بعضَ قولِهِ أَن يَقَعَ في قلبه شيء من الزيغ، فيزيغ قلبُه فيهلِكه وجعل يتلو هذه الآية: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾.
* ما ذكره ابن الجوزي ﵀ في "مناقب الإِمام أحمد ابن حنبل" إذ قال: "سمعتُ عبدَ الملك الميموني يقول: ما رأت عيناي أفضلَ مِن أحمد ابنِ حنبل، وما رأيتُ أحداً من المحدثين أَشدَّ تعظيماً لِحرمات الله وسنَّةِ نبيه ﷺ إِذا صحت عنده، ولا أشدَّ اتِّباعاً منه".
وذكر - أي ابن الجوزي - عن أبي بكر الأثرم، قال: سمعتُ أبا عبد الله أحمد ابن حنبل يقول: إنما هو السنةُ والاتباعُ، وإنما القياسُ أن تَقيسَ على أصلٍ، أما أن تجيءَ إلى الأصل فتهدمه، ثم تقول: هذا قياس، فعلى أي شيء كان هذا القياس؟.
ونقل أيضاً عن صالح بنِ أحمد ابنِ حنبل، قال: سمعتُ أبي يقول: "مَنْ عَظَّمَ أصحابَ الحديثِ تَعَظَّمَ في عينِ رسولِ الله، ومن حَقَّرَهُمْ سَقَطَ مِن عين رسولِ الله، لأن أصحَابَ الحديث أحبارُ رسولِ الله ﷺ ".
* ما ذكره ابن القيم ﵀ في "أَعلام الموقعين" إذ نقل عن الإِمام أحمد قوله - من كتابه: "طاعة الرسول" -: "إن الله
стр. 18
جلَّ ثناؤه، وتقدَّست أسماؤُه بَعَثَ محمداً بالهدى ودينِ الحق لِيُظهره على الدِّين كُلِّه ولو كره المشركون، وأنزلَ عليه كتابه فيه الهدى والنورُ لمن اتبعه، وجعل رسولَه الدَّالَّ على ما أراد، مِن ظاهره وباطنه، وخاصِّه وعامِّه، وناسِخهِ و مَنسُوخِهِ، وما قَصَدَ له الكتاب، فكان رسولُ الله ﷺ هو المُعَبِّرَ عن كتاب الله، الدالِّ على معانيه، شاهده في ذلك أصحابه الذين ارتضَاهم الله لنبيه واصطفاهم له، ونقلُوا عنه، فكانوا هم أعلمَ الناسِ برسول الله ﷺ ، وبما أراد الله مِن كتابه بمشاهدتهم وما قَصَدَ له الكتاب، فكانوا هُمُ المعبرين عن ذلك بعدَ رسولِ الله ﷺ ، قال جابر: ورسول الله ﷺ بين أظهرنا عليه يَنْزِلُ القرآن، وهو يعرفُ تأويله، وما عَمِلَ به من شيء عملنا به".
المدرسة المتكاملة:
إن الإمامَ أحمد ابن حنبل مدرسةٌ متكاملةٌ في منهجِ الاعتقادِ، والحديثِ، و الاجتهادِ، والفقه.
وقِوامُ هذا المنهج: التمسكُ بالسنة، والمشي في خطى الرسولِ ﷺ .
وينبغي فتق الوعي - هاهنا - على حقيقتين عظيمتين:
الأولى هي: أنه قد تخرَّجَ في مدرسة الإمامِ أحمد ابن حنبل أئمةٌ أعلام، منهم: الخِرقي، وابنُ قُدامة المقدسي، وابنُ رجب الحنبلي، وابنُ الجوزي، وأبو يعلى، وابنُ تيمية، وابنُ القيّم
стр. 19
وغيرهم ممن اغترفوا من مَعين الإمام أحمد، وأضافوا إليه من جهودهم المباركة، واجتهاداتهم السديدة ما أثرى المذهبَ الحنبلي، ورفده بنفائسَ علمية عالية القيمة والقدر في مختلفِ فنونِ علوم الإسلام.
الحقيقة الثانية هي: أن هؤلاء الرجالَ الأفذاذَ الفحولَ، لزموا غَرْزَ السنة، واتبعوا مستنها ﷺ ، فما منهم إلا صاحب سنة فيما يأتي، وفيما يَذَرُ.
ولا غرو، فمذهبُ الإمام أحمد مبني على السنة.
يقول شيخُ الإسلام ابن تيمية - في التمذهب من أصول الفقه -: "ومَن كان خبيراً بأصولِ أحمد ونصوصِه، عرف الراجح في مذهبه في عامّة المسائل، وإن كان له بَصَرٌ بالأدلة الشرعية، عرف الراجحَ في الشرع، وأحمد كان أعلمَ مِنْ غيره بالكتاب والسنة وأقوالِ الصحابةِ والتابعين لهم بإحسان، ولهذا لا يَكَادُ يوجد له قول يُخالف نصاً كما يُوجد لِغيره، ولا يوجد له قولٌ ضعيف في الغالب إلا وفي المذهب قول يُوافق القولَ الأقوى. وأكثرُ مفاريده التي لم يختلِفْ فيها مذهبُه يكونُ قوله فيها راجحاً، كقوله بجواز فسخ الإفراد والقِران إلى التمتع، وقبوله شهادة أهل الذمة على المسلمين عندَ الحاجة، كالوصية في السفر، وقولِه بتحريمِ نكاح الزانية حتى تتوبَ، وقولِه بجوازِ شهادةِ العبد، وقولِه بأن السنةَ للمتيمم أن يمسح الكُوعين بضربةٍ واحدةٍ، وقوله في المستحاضة بأنها تارةً ترجِعُ إلى العادة، وتارةً ترجع إلى التمييز، وتارةً ترجع
стр. 20
إلى غالب عادات النساء، فإنه روي عن النبي ﷺ فيها ثلاث سنن، عمل بالثلاث أحمد دون غيره".
مسند الإمام أحمد:
إن الرجالَ الكبارَ العلماءَ المخبتين لا تُطِيقُ ضمائِرُهُم الانفصالَ بَيْنَ أقوالِهِم وأعمالِهم، بل إنَّ شأْنَهم الراسخَ المطرد: أنهم إذا قالوا قولاً، صَدَّقوه بالعمل.
ولقد جَهَرَ الإمامُ أحمد بالمحافظة على السنة، فقرن ذلك بالعزم على حفظ السنة.
وتَجَلَّى هذا العزمُ الصدوق في موسوعته الضخمة "المسند".
كان حافزُ الإمام وحاديه إلى جمع "المسند" هو: الحفاظَ على الأحاديثِ والآثارِ لأنه يعلم ﵀ أن النبيَّ ﷺ أُوتي القرآنَ ومثلَه معهُ.
والمحافظةُ على "الأحاديث" إنما هي محافظة على هذا "المِثْلِ".
ولن نُطِيلَ في الحديثِ عن المسند.
وما حملنا على العدولِ عن بسطِ الحديثِ عنه إلا ما بذله الإخوة المحققون والمعنيون بتوثيق هذه الطبعة من "المسند" من عمل ملموسٍ في وصفِ المسند وصفاً مفصلاً لا مزيدَ عليه.
فالمادةُ الوصفية واحدة تقريباً.
стр. 21
وليس من الجهد المفيد: التكرارُ لِذات التكرار.
بيدَ أنني قد اطلعتُ على ما أعجبني وسرّني، ومن ذلك:
١ - الجهدُ التوثيقيُّ الجديد للمسند:
فقد حصل أن توافر لهؤلاء الإِخوة المحققين لهذه الطبعة الجديدة نُسَخ خطية جديدة اعتمدوا عليها.
يقول المحققون: "اعتمدنا في تحقيقنا للمسند على عدة نسخ خطية، حصلنا على صور عنها من دمشق والقاهرة وبغداد والموصل واستنبول والرياض، منها ما هو كاملٌ لا نقص فيه، ومنها ما وقع فيه بعض النقص، أو كان قطعة من المسند".
٢ - توثيقُ النص بمقابلة المطبوع بالأصول الخطية المتوافرة مع تثبيتِ الفروق وتجليتها.
٣ - ضبطُ النصِّ ضبطاً يكاد يقترب من التمام، وضبط ما يُشكل مِن أسماء الرواة.
٤ - التنبيهُ على بعض المآخذ على الطبعتين السابقتين.
٥ - تقويمُ الأَسانيد والحُكم عليها، وتخريجها.
٦ - الترتيب الفني الحسن - والداني القطوف - للمسند، وهو ترتيبٌ يُيَسِّر مهمةَ الذين يرجعون إلى المسند ليأخذوا منه ما يبتغون.
* * *
إنَّ من فضل الله - وهو ذو الفضل العظيم -: أنه - سبحانه
стр. 22
وتعالى - يُقيّض للسنة في كُلِّ عصرٍ من يخدمها، ويُجَلِّي كنوزها.
وفي هذا العصر، يسر - جل شأنه - رجالاً علماء أمناء لِخدمة سنة رسوله ﷺ .
ومن هؤلاء الِإخوة: العاملون في تحقيق هذا المسند: الشيخ شعيب الأرنؤوط، والشيخ محمد نعيم العرقسوسي، والمتعاونون معهما.
إنَّ الجهد العظيم الصالح الذي قام به هؤلاء لخليقٌ بالتنويه والثناءِ والتقدير.
فأيُّ جهدٍ أعظمُ من جهد خدمة السنة النبوية المطهرة؟
وأيُّ عملٍ أولى بالتقدير والتنويه من هذا العمل؟
ثم زاد هذا الجهدَ إتقاناً وكمالاً ما قام به الأخوان الفاضلان:
الأستاذ الدكتور محمود أحمد ميرة.
والأستاذ الدكتور أحمد معبد عبد الكريم.
الأستاذان في كلية أصول الدين بجامعة الإِمام محمد بن سعود الإِسلامية، حيث تَفَضَّلا فراجعا ما قام به الإِخوة المحققون - في المجلد الأول - وجلسا معهم جلسات علمية نافعة، وقَدَّما ملحوظات مهمة استفاد المحققون من بعضها مما اقتنعوا به، وكانت لهم وجهة نظر مغايرة في بعضها فلم يأخذوا بها، منها ما يَرجِعُ إلى منهج التحقيق، ومنها ما يرجع إلى التحقيق نفسه، كما أبديا استعدادَهما للاستمرار في مراجعة بقية الكتاب، فجزاهما الله خيراً، وأحسن مثوبتهما.
وما أحسنَ أن يتعاون العلماءُ في هذا المجال، وأن يستفيد بعضهم من بعض، ويكمل بعضُهم البعض، فالحكمة ضالّة المؤمن أنّى وجدها فهو أحق الناس بها.
стр. 23
ومن حسنات مؤسسة الرسالة أن توسعَ عملها في الاتصال بالعلماء والمؤسسات العلمية في مختلف أنحاءِ العالم لتستفيد منهم وتتعاون معهم، وتضم جُهودَهم إلى جهود منسوبيها، فهذا أمر تُحْمَدُ عليه، وهو مظهر حضاري ينبغي أن يُشَجَّع، حتى لا تَسْتأثر الجهود الفردية بالأعمال الكبيرة - وهي عُرضة للخطأ والقصور -.
نسأل الله تعالى أن يجزيَ هؤلاء الإِخوة جميعاً بخير ما يجزي به عبادَه الصالحين لسان صدقٍ في الآخرين، وسعادة في الدنيا والآخرة.
* * *
وحينما عَرَضَ عليَّ الأخ الفاضل رضوان بن إبراهيم دعبول، صاحب مؤسسة الرسالة عَزْمَ المؤسسة على إصدار الموسوعة الحديثية الكبرى، بَدْءاً بمسند الإِمام أحمد ابن حنبل ﵀ ورغبته في أن أُشرِفَ على هذا العمل الضخم، فكرت كثيراً في استفادة طلاب العلم منه، وتسهيل نشره بينهم، والصعوبات التي تواجه هذا العمل الكبير، ولكن من توفيق الله وتيسيره لخدمة سنة رسول الله ﷺ أنه بمجرد أن بَلَغَ مسامع خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود - حفظه الله ووفقه - الاستعداد لهذا العمل والبدء فيه حتى سُرَّ بهِ ووجَّهَ بتشجيعه وتوزيعه على نفقته ابتغاء خدمة السنة، ونشر العلم الشرعي، ونفع طلاب العلم بنفائس السنة الشريفة.
فنسأَلُ الله جلَّ ثناؤُه أن يجزيَ خادمَ الحَرَمَيْنِ الشريفَيْنِ عن الإِسلام وأمته، والعلم وأهلِه، بخير ما يجزي به عبادَه الصالحين: علواً في المقامِ، وإمامةً للمتقين وقرةَ عينٍ في الدنيا، وثواباً في الآخرة: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ﴾.
стр. 24
ولئن عَزَّزَ خادمُ الحرمين الشريفين مكانة العلمِ والعلماء، فإنما يَنْبَعِثُ إلى ذلك من:
* قيامه على الدولةِ الإِسلامية، فمن المعروف أنَّ من وظائف الدولة الإسلامية - ومن دلائل وفائها للإسلام -: نشرَ العلمِ، وتيسير سبله أمامَ طلابه.
* اقتدائِه بوالده، الملكِ عبدِ العزيز بن عبد الرحمن آل سعود ﵀.
فقد كان ﵀ كثيرَ الاحتفاءِ بالعلماء، قويَّ الحرصِ على نشرِ العلومِ الشرعية.
أجل، فإنَّ هذه الأُمة تقومُ على العلم:
﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى المُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾.
* * *
وخليقٌ بنا أن نزجي الشكر الجزيلَ إلى "مؤسسة الرسالة" وصاحبها الأخ الأستاذ رضوان بن إبراهيم دعبول على ما قامت به من عملٍ صالح، ومبادرةٍ سديدةٍ في طبع "المسند" في ثوب جديد، وفي مضمونٍ مُوَثَّقٍ، فهذا عملٌ عظيم يضاف إلى أعمال المؤسسة العظيمة السابقة في مجال نَشْر الفكر الإسلامي الأصيل، وما أسهمت به في الدعوة إلى الله، والتعاون مع العلماء والدعاة.
سيظلُّ نشرُ التراث الإِسلامي الغالي الجوهر، وظيفةً رئيسةً من
стр. 25
وظائفِ دور النشر الإسلامية.
إن خيرَ ما ورثناه عن السلف الصالح هو: الثروةُ العلمية، وهي ثروةٌ لا تُضاهيها ثروةُ أيَّةِ أمَّةٍ أُخرى.
بَيْدَ أنَّ هذه الثروة تحتاجُ إلى مزيدٍ من جهودِ الاستخراجِ والإِحياء والتيسير.
ومما يزيدُ النفسَ غبطةً أن الإِخراجَ الجديدَ لمسند الإمام أحمد ابن حنبل، إنما هو "باكورةُ" إنتاجٍ طويلٍ عزمت "مؤسسةُ الرسالة" على إصدارِه تِباعاً، ينتظِمُ كُتُبَ السنة كُلَّها، ما طُبِعَ منها وما لم يُطْبَعْ.
والحمدُ لله الذي بعونه وفضله يصلح الغرسُ الأول.
والحمدُ لله الذي بنعمته تَتِمُّ الصَّالِحاتُ.
الرياض في ٢٨/ ٣/ ١٤١٣ هـ
عبد الله بن عبد المحسن التركي
стр. 26
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة الناشر
الحمدُ لله رب العالمين، والصلاةُ والسلام على سيدنا محمد سيد الأولين والأخِرين، أما بعد:
فإن الله ما زال يُوفِّقُ لتراثنا الإسلاميِّ العظيم من يقومُ بخدمته والعناية به، فصَدَرَتْ مجلداتٌ غير قليلة من كتب الحديث النبوي الشريف بعناية أساتذة أفاضل لم يَأْلُوا جهداً في خدمتها وتسهيل الإفادة منها، وهي جهودٌ مشكورةٌ، ولكنها مبعثرة هنا وهناك لا ينتظمُها منهج واحد، مما جَعَلَ الإفادة منها متفاوتة.
وفي المقابل فقد لَمَسَتْ مؤسسة الرسالة في الآونة الأخيرة إقدامَ كثيرٍ ممن ينتحلون صناعة الوراقة على نَشْر كتب التفسير والحديث والفقه والعربية والتاريخ والأدب وما يَمُتُّ إليها بسبب، وإخراجها في طبعات رديئة، فيها أخطاء واضحة، وأغلاط مُشكِلة، وسقط وتحريف، إذ الكثيرُ منها لا يعتمد على أصول خطية موثَّقة، ويُوكَلُ أمرُ تحقيقها، والتعليقِ عليها إلى مَنْ ليس بأهلٍ لأن يتولى مثلَ هذا العملِ العظيم الذي لا يُحسِنُ الخوضَ فيه إلا من اكتملت فيه وسائلُ المعرفة، وتحلَّى بالصبر والأناة والتقوى، وقضى شوطاً كبيراً من حياته في معاناته، وكان صنيعُهم هذا مشوِّهاً لثقافة أجدادنا من العلماء الإثبات، وهي ثروة ضخمة من مَجْدِ الإسلام، ومفخرة عظيمة للمسلمين.
ولم تَغْفُل مؤسسة الرسالة منذ نشأتها عن أهمية التراث، فكان لها دورٌ في نشر القليل منه، ولكن هذا الجانب أخذ يتنامى ويزيدُ في
стр. 27
أواسط السبعينات، فأنشأت في أكثر من بلدٍ عربيٍّ مكاتبَ لتحقيق المخطوطات العربية، المتضمنة لعلوم القرآن، والفقه، والحديث، والأدب، والتاريخ، والتراجم، والعربية وغيرها، فصَدَرتْ عنها كتب علمية مُحقَّقة لم يكن أغلبُها قد طُبِعَ من قبلُ.
ولما كانت المؤسسة قد أَوْلَتْ كتبَ الحديث النبوي الشريف عنايَتها الخاصة، فقد اعتَزَمَتْ بعون الله وتوفيقه على أن تتولى إصدار الموسوعة الحديثية الكُبْرى، التي نواتُها "مسند الإمام أحمد" والصحيحان والسنن الأربعة، وغيرها من كتب السنة المسنَدة مما دَوَّنه المحدِّثون الثقات خلالَ القرون الخمسة الهجرية الأولى، ما طُبِعَ منها وما لم يُطبَعْ، متبعة في ذلك أمثلَ مناهج التحقيق الذي يعتمدُ على الأصول الخطية المتقنة الموثَّقة، وضَبْط النص وتوزيعه، وسلامته من التصحيف والتحريف، ووَضْع الفهارس الميسِّرة للإفادة منها بأقرب طريق.
فإذا تَحقَّقَ للمؤسسة ما تَصْبُو إليه إن شاء الله تعالى على ضَوْء هذا المنهج - وهي أقدرُ من غيرها على ذلك بما تملكُه من الكفاءاتِ العلمية، والمهارات الفنية، والخِبْرة الطويلة، مما يَجْعَلُها قادرةً على تحقيق هذا المشروع وإنجازه بدِقَّةٍ بالغة، وعناية فائقة، وقد شَهِدَ لها كثيرٌ من أهل العلم والخبرة بأصالة ما تقومُ بنَشْرِه من كتب التراث المتنوعة، وبجَوْدة ما فيها من تحقيقات وتخريجات وتعليقات - فستكون السنة النبوية في مَأْمَنٍ من عَبَث العابثين، وتحريف الغالين، وانتحال المُبْطِلين، وسيوفِّرُ وقتاً كبيراً لغير المتخصصين بعلم الحديث من أهل العلم كان يُنْفَقُ في البحث عن الحديث في المصادر المختلفة، ويتيحُ لهم الانصرافَ كلياً إلى استنباط المعاني، وتقييد الفوائد من الأحاديث الصحيحة التي هي المصدر الثاني للتشريع
стр. 28
الإسلامي، والمبيِّنة لما جاء في القرآن من النصوص العامَّة والمطلَقَةِ والمجمَلة، والهادية إلى طُرُق تطبيقه.
وكان من أهم كتب هذه الموسوعة:
"مسندُ الإمام أحمد ابن حنبل"
وهو الإمام الجليل الذي قال فيه إمام الجرح والتعديل يحيى بن معين: كان في أحمد ابن حنبل خِصال ما رأيتُها في عالم قطُّ: كان محدِّثاً، وكان حافظاً، وكان عالماً، وكان وَرِعاً، وكان زاهداً، وكان عاقلاً.
أما "المسند" فقد أراد له مصنِّفُه أن يكون موسوعة تَضُمُّ ما اشتهر من حديث رسول الله ﷺ .
ونحن عندما تَتَّجِهُ نيتُنا لإنتاج عمل عظيم كهذا نهرع إلى علماءَ كبارٍ نتوسم فيهم العلم والخير، ونأمل منهم العون نستشيرهم ونستنير بآرائهم ونحاورهم، ونتبادل معهم الرأي.
وفي طليعة هؤلاء العلماء:
معالي الدكتور / عبد الله بن عبد المحسن التركي:
مدير جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في الرياض، الذي رافق نشاطَ هذه المؤسسة من بداياتها، فكان الأخَ وكان الصديقَ، وكان الرجل الذي لم يَأْلُ جُهداً في تقديم النصح والتوجيهات والملاحظات التي كان لها أكبرُ الأثر في نفوسنا وفي منهجنا.
ولما طَرَحْتُ عليه فكرةَ هذا المشروع حَبَّذه وشَجَّع عليه، وتابع خطواته مرحلة مرحلة - على كثرة أشغاله -، وأبدى استعدادَه للتعاون معنا لتيسير هذا المشروع، فقدّم لنا عدة نسخ من الأصول الخطية التي استطاع حَصْرَها في مصورات مكتبات الجامعات والمراكز الثقافية - سواء في المملكة العربية السعودية أو خارجها - والتي كان من الصعب الحصولُ عليها دونه، ثم اطَّلَع
стр. 29
على مقدمة الكتاب والمجلد الأول منه، وأبدى ملاحظاتٍ قيمة أَثْرَتِ العمل، وجعلته مميَّزاً عن الأعمال السابقة التي بُذِلت فيه.
وفي أثناء التحضير لإصدار الجزء الأول منه، زفَّ إلينا معاليه بُشرى تشجيع خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز - حفظه الله - طبع هذا الكتاب، وتفضله بتوزيعه على طلاب العلم على نفقته. فله منا ومن طلاب العلم الشكر والدعاء بأن يتقبل الله عمله ويجزيه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء. والعلماء لا يستغربون ذلك منه، فهذه سنته وسنة والده الملك عبد العزيز آل سعود ﵀ في نشر كتب السلف والعناية بها، وتشجيع القائمين عليها.
وعندما تتبنَّى المؤسسة مثل هذا الكتاب الذي تزيد مجلداتُه على خمسة وثلاثين مجلداً فهي تعلم حق العلم أنها بحاجة إلى مجهود علمي وإمكانات كبيرة.
أما المجهود العلمي فقد أوكَلَتْ هذا المشروع إلى مكاتب التحقيق لديها والتي يُشرف عليها الأستاذ الشيخ/ شعيب الأرنؤوط - حفظه الله - الذي أمضى شوطاً كبيراً من حياته يختلف إلى حلقات أهل العلم المختصين بدراسة علوم القرآن، والحديث النبوي الشريف، والفقه، والأصول والعربية، يَأْخُذ عن كل واحد منهم العلم الذي اختص به، فاتجهت همته بعد ذلك إلى تحقيق أمهات كتب السنة التي لم تُطْبَعْ، مثل: "شرح السنة" للبغوي، و "صحيح" ابن حبان البستي، و "شرح مشكل الآثار" للطحاوي، وتخريج نصوصها ودراسة أسانيدها، والتعليق عليها، والتقديم لها.
وصَدَرَ له ما يزيد على مئة مجلدة مما لم يسبق نشرُه من قبل عن أصول خطية موثقة، وقد نالت القَبُولَ عند أهل العلم، وتداولوها وانتفعوا بما فيها، ونَوَّهوا بالكتابة وغيرها بفضل محققها وعلمه، وحُسن تَأَتِّيهِ لما يَعرِض له، ويقوم به.
стр. 30
ويعاونه في مجال التحقيق نفرٌ غير قليل من طلبة العلم الذين تَخَرَّجوا به، وتدربوا عليه، وأفادوا منه: منهم الشيخ نعيم العرقسوسي الذي تتلمذ على يديه فعَمِل بصمت يبتغي وجه الله، وقَدَّم عدة مجلدات، يُشاركهما في عملهما الأستاذان عادل مرشد، وإبراهيم الزيبق، وهما من طلبة العلم الذين تخرجوا بالأستاذ شعيب وأصبح لهم يدٌ طُولَى في هذا العلم الشريف، وكانا - وما يزالان - يقدمان خدمات جليلة تُثْري العمل وتخرجه بأبهى صورة وأتمها، وهناك أخوة أُخَر يتعاونون معنا في مجال التحقيق ويُسهمون في إنجاز ما نحن بسبيله من كتب التراث: كالأَساتذة: كامل الخراط، ورضوان العرقسوسي، وقاسم النوري، وحمدي صبح، وغيرهم.
وكثير منهم قد استقام لهم المنهجُ، واتَّضَحَ لهم السبيل، وأصبحوا قادرين على العطاء في هذا المِضْمار، وقد صَدَرَ لغير واحد منهم كتبٌ محققة تَشهَدُ لهم باقتدارهم وأهليتهم.
وعدد غير قليل منهم لا يزالون يعملون تحت إشرافه في مكاتب قسم التحقيق التابعة للمؤسسة المنتشرة في غير ما دولةٍ عربيةٍ، وهؤلاء يعملون في عدد من كتب السنة المطهرة إعداداً وتحقيقاً.
ويَسُرُّني أن أُنَوِّهَ بجهود العالمين الفاضلين:
الأستاذ الدكتور محمود أحمد ميرة.
والأستاذ الدكتور أحمد معبد عبد الكريم.
الأستاذين بكلية أصول الدين في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، حيث تَفَضَّلا فقَدَّما ما لديهما من معلومات مهمة عن "المسند" ومخطوطاته وشروحه، كما قَدَّما للمؤسسة ما يتوفر لديهما من مصورات لبعض نسخه.
كما تفضلا بمراجعة التحقيق وأبديا ملاحظاتٍ على المنهج وعلى التحقيق استفدنا منها في عملنا.
стр. 31
فلهما منا جزيلَ الشكر والثناء.
إنني أَدِينُ بالشكر والعرفان بالجميل لكل من ذكرتُ في مقدمتي هذه، ولإخوان كرام آخرين لا يمكن حَصْرُهم أو ذِكر أسمائهم في هذه الوريقات، منهم من قَدَّمَ بعض المخطوطات من القاهرة أو دمشق، ومنهم من نَضَّدَ الكتاب أو هيَّأ صفحاته، أو أشرف على ترتيبه أو أيّ عمل فيه، أو أسهم بدَعْمِه أو نشره أو توزيعه، إلى هؤلاء جميعاً أُقدِّمُ جزيل شكري، وخالص امتناني.
أما أنا فاحمدُ الله العليَّ القدير الذي هيأني لمثل هذا العمل، وهيأ لي سُبُلَ خدمة هذا الدين الحنيف، وجعلني ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
وأخيراً:
إن مثلَ هذه الإنجازات المتميزة في مجال التراث التي تقومُ بها المؤسسة أبتغي فيها أنا وأهلي وأولادي فيما نظن:
أولاً: رضوان الله والفَوْز بنعيمه.
ثانياً: دعوات صالحات بظَهْر الغيب من طلبة العلم الذين يَجِدُون بُغْيَتَهم في هذا النتاج الطيب،
﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ العَالَمِينَ﴾.
﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا﴾.
﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾.
ونضرعُ إليه سبحانه أن يتولانا برعايته وتوفيقه وتأييده، وأن يَجْعَلَ عملنا هذا - وكلَّ عمل سواه - خالصاً لوجهه الكريم، وأن يمنحنا القُدرة على تحقيق ما نحن آخذون بسبيله، وأن يتغمَّدَنا برحمته يوم لا ينفَعُ مال ولا بنونَ إلا من أتى الله بقلب سليم.
رضوان دعبول
стр. 32
مقدمة التحقيق
إن الحمدَ لله نستعينُه ونستغفرُه، ونعوذُ بالله من شرور أنفسنا، مَنْ يَهْدِهِ الله فلا مُضِلَّ له، ومَنْ يُضْلِلْ فلا هاديَ له، ونشهدُ أنْ لا إله إلا الله، ونشهد أن محمداً عبدُه ورسولُه.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ﴾.
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِّنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا. يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾.
وبعد:
فإنَّ مؤسسة الرسالةِ إيماناً منها بأنه لا يَصْلُحُ آخِرُ هذه الأمةِ إلا بما صَلَحَ به أوَّلُها، وأنه إنما صَلَحَ أولُ هذه الأمةِ بالتمسُّكِ بكتاب الله وسُنَّة نبيه الخالية عن شوائب التشويه والتغيير، والدَّسِّ والوَضْع، قد رأت أن الطريق إلى صلاح هذه الأمة ونهضتها والسبيل إلى إيجادِ وعي إسلامي صحيح لدى أبنائها، بعيدٍ عن الأهواء العاصفة، إنما يتمثَّلُ في جَمْعِ أحاديث رسول الله ﷺ ضِمْنَ
стр. 33
إطارِ موسوعةٍ حديثيةٍ كبرى تنتظم جميعَ كُتُب السنة المُسْنَدة التي أُلِّفَتْ خلالَ القرون الخمسة الأولى، ما نُشِرَ منها وما لم يُنْشَر، متبعةً في ذلك أمثلَ مناهج التحقيق، مع صنع الفهارسِ الميسِّرَةِ للإِفادة منها بأيسر سبيل.
وكان هذا المشروع - ولا يزالُ - مَحَطَّ أنظار ِأهلِ العلم والفَضْلِ وشُغْلَهم الشاغل في الأوساط العلمية والمنتديات الفكرية، لِمَا وَقَرَ في نفوسهم مِن أنه إذا ما تحقَّقَ، فستكونُ السُنَّةُ النبوية في مأْمنٍ من عَبَثِ العابثين، وتحريف الغالين، وانتحالِ المُبطلين، وسَيُوفِّرُ وقتاً كبيراً لغير المتخصصين بعلمِ الحديث، كان يُنْفَقُ في البحث عن الحديث في المظانِّ المختلفة، ويُتِيحُ لهم الانصراف كلياً إلى استنباط المعاني، وتقييد الفوائد من الأحاديث الصحيحة التي هي - بالإجماع - المصدرُ الثاني للتشريع الإسلامي، والمبيِّنَةُ لما جاء في القرآن مِن النصوص العامَّةِ والمُطلَقَة والمجملة، والهاديةُ إلى طرق تطبيقه.
وقد وضعت المؤسسةُ لإِصدارِ هذه الموسوعة الحديثيَّة الخُطَّة التالية:
١ - القيام بعملية مَسْحٍ شاملٍ لكتب الحديث الموزعة في جميع مكتبات العالم، والعمل على جمعها في صعيدٍ واحدٍ، سواءً منها المخطوطُ والمطبوعُ.
٢ - القيام بدراسة هي هذه الكتب والعمل على طَبْع ما لم يُطْبَعْ منها محقَّقاً التحقيقَ العلميَّ الأمثلَ، وأما ما طُبع منها من غير تحقيق، فيُعادُ طبعُه، ونشرت بتحقيق علمي.
أما الهَيْكَلُ الذي يَتِمُّ وفْقَه صنعُ هذه المَعْلَمةِ الحديثية الكبرى، فهو يقومُ على ما يلي:
стр. 34
١ - جمع حديث كل صحابيٍّ على حِدَةٍ على طريقة أصحاب المسانيد، لأن ذلك يحقِّقُ الاستقراءَ التامَّ، ويكونُ ترتيبُ الصحابة على نَسَق حروف المعجم.
٢ - ترتيب أحاديث الصحابي ضمنَ مسنده على نَسَق كتب السنن، أي حسب الموضوعات والأبواب.
٣ - دراسة الأسانيد والطرق دراسةً تُفْضِي إلى الحكم على هذه الأسانيد بأسلوب علميٍّ مُوثَّق مع العناية بما يلي:
أ- نَقْل كلام المتقدمين من أئمة الجرح والتعديل.
ب- التعرض للعلل الواردة مما صرَّحَ به أئمة هذا الفن.
جـ- نقد المتون التي تبيَّن وهَمُ الثقات فيها.
ومؤسسة الرسالة - ولله الحمدُ والمِنةُ - تملك من الكفاءات العلمية، والمهارات الفنية، والخبرة الطويلة، ما يَجْعَلُها قادرةً على تحقيق هذا المشروع وإنجازه بدقةٍ بالغة، وعنايةٍ فائقةٍ، وقد شَهِدَ لها كثيرٌ من أهل العلمِ والخبرةِ بأصالة ما تقومُ بنَشْرهِ من كتب التراث المتنوعة، وبجَوْدة ما فيها من تحقيقاتٍ وتخريجاتٍ وتعليقاتٍ، وشروحٍ.
وقد بدأت المؤسسةُ العملَ لإنجازِ هذا المشروع العظيم، وكان مِنْ الخطوات التي خَطَتْها على الطريق تَحْقِيقُ ونشرُ كتاب "الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان" الذي لم يُسْبَقْ له أن طُبِع، والذي له أهميةٌ خاصة في عمل الموسوعة، إذ إنه يَسْتَدْرِكُ كثيراً من الأحاديث الصحيحة على صحيحي البخاري ومسلم.
стр. 35
ومن الخطوات المهمة التي صحَّ لها العَزْمُ الآن، وتهيَّأتْ لها الإمكانياتُ، تحقيقُ كتابٍ من أكبر كتب الحديث وأعلاها إسناداً، ألا وهو كتابُ "المسند" للإِمام الجليل أحمد ابن حنبل، هذا الكتاب الذي يكادُ يستوعبُ معظمَ الأحاديث النبوية، والذي أراده مؤلِّفُهُ ابتداءً أن يكون موسوعةً تضُمُّ ما اشْتَهَر من حديث رسول الله ﷺ إذ قال: فما اختَلَفَ فيه المسلمون من حديث رسول الله ﷺ فَارجِعُوا إليه.
إنَّ تحقيقَ هذا "المسنَد" خَطوةٌ مهمة على طريق عمل الموسوعة الحديثية الكبرى، لأنَّه ما مِنْ حديثٍ - غالباً - إلا وله أصلٌ في هذا "المسند".
ولسائلٍ أن يقولَ: لِمَ لا تُوفِّرُونَ الوقتَ والجهدَ، فتنصرِفوا إلى نشرِ غيره من كتب الحديث، فَهذا "المسند" مطبوعٌ ومُتداوَل؟ فنقولَ:
إنَّ الدافعَ إلى إعادة نشرِ "المسند" يَكمُنُ في النِّقاط التالية:
١ - الطبعة الميمنية المعروفة فيها تحريفٌ كثير وتصحيفٌ، وقد سقط منها أحاديثُ و مسانيدُ، كما وقع فيها بعضُ أحاديث مما رواه عبد الله عن غيرِ أبيه على أنها من مسند أبيه، وبالعكس.
٢ - لقد تنبَّهَ لضرورة تحقيقِ المسند ونشره نشرةً علمية محرَّرة العلامةُ الشيخ أحمد شاكر ﵀، فقام بنشر الكتاب محققاً، إلا أنَّه لم يُتِمَّهُ، إذ اختَرمَتْه المنيةُ قبل إتمامه، ونشرتُه لا تمثل إلا رُبْعَ الكتاب.
٣ - حصولنا على أصول خطية لم يَقَعْ مُعْظَمُها لِمن قَبْلَنا ممن تصدَّى لِنشر الكتاب (١).
стр. 36
٤ - اعتقادُنا بأنه لا بُدَّ من دراسةِ أسانيده دراسةً دقيقةً مُتْقَنةً، والحكم عليها بما يليقُ صحةً وضعفاً، لأن معظم القراء وكثيراً من طلبة العلم لا يستطيعون أن يَتبيَّنوا صحة هذه الأحاديث، ولو كانت مقرونةً بأسانيدها، فكان الواجبُ يقتضينا أنْ نقدِّمَ هذه الأحاديث في طبعة يُذكَرُ فيها درجةُ كل حديث منها، حتى يكونَ القارئ على بينةٍ من أمرها.
٥ - تخريجنا لأحاديث "المسند" من جميع المصادر التي سبقت الإمام أحمد والتي تَلَتْهُ، مما تَيسَّرَ لنا.
هذه الأسبابُ مجتمعةً هي التي دفعتنا إلى إعادة نشر "المسند" ونرجو أن يُكرِمَنا الله بإتمام هذا العمل، وأن يَكتُبَه في صحائف أعمالنا، إن ربَّنا سميعٌ قريبٌ مُجيبٌ.
هذا، وقد أعددنا دراسةً مُوجَزةً ومقدمةً لا بُدَّ منها، تُلقي ضَوْءاً كاشفاً على "المسند" وخصائصه وحياة مؤلفه، نثبتها هنا بين يدي "المسند" وهي تشتملُ على الفقرات التالية:
١ - ترجمة الإِمام أحمد.
٢ - ثناء أهل العلم عليه.
٣ - مؤلفاته.
٤ - معنى المسند، وأول من ألَّف فيه.
٥ - الكلام وعلى مسند أحمد.
٦ - أقسام الأحاديث التي في المسند.
٧ - عناية العلماء بالمسند.
٨ - وصف النسخ الخطية.
٩ - منهج التحقيق.
стр. 37
١ - ترجمة الأمام أحمد:
ومصنِّفُ هذا الديوان العظيم: هو شيخ الإسلام، وأحد الأئمة المتبوعين، الإِمامُ أحمدُ بنُ محمدِ بنِ حَنْبلٍ الشَّيْباني (١).
أصلُه من البصرة (٢)، وكان جدُّه حنبلٌ مِن مناصري الدعوة العباسية، وولي سَرْخَس (٣)، وكان أبوه محمدٌ من أجناد مَرْو (٤)، قَدِمَت به أمُّه وهي حامل به إلى بغداد، فوُلِد فيها سنة (١٦٤ هـ)، ثم ما لَبِثَ أن تُوفي أبوه شاباً له نحوٌ من ثلاثين سنة، فرُبِّي أحمدُ يتيماً (٥).
وقد بَدَتْ مخايِلُ النبوغ والورع عليه منذُ طفولته (٦)، وحين أنهى الكُتَّابَ، وبلغ الرابعة عشرةَ من عمره، راح يختلِف إلى الدِّيوان، حيث كان عمُّه إسحاقُ مسؤولاً عن أخبار بغداد يُوصِلها إلى داود بنِ بِسطام، عاملِ البريد للرشيد، واتفق يوماً أن أرسلها مع ابن أخيه أحمد، فرمى بها في الماء تورُّعاً (٧)، وانقطع منذ ذلك اليوم عن التردُّد إلى الديوان.
واتَّجهَتْ همته إلى طلبِ الحديث، وله مِن العمر خمسَ عشرةَ سنة (٨)، وذلك سنة (١٧٩ هـ)، فكانَ أولَ من كتب عنه الحديثَ الإمامُ أبو يوسف القاضي (٩) (ت ١٨٢ هـ) صاحب الإمام أبي حنيفة، وكبير القضاة في عصره، وفي هذه السنة نفسِها قَدِم إلى بغداد المحدثُ الكبير عبد الله بن المبارك
стр. 38
فسعى إلى مجلسه، فلم يُدرِكْه، إذ ألفاه قد خرج إلى طَرَسُوس لغزو الرُّوم (١).
وكان أكثرُ سماعه في هذه الفترة على مُحدِّثِ بغداد هُشَيمِ بن بَشيرٍ، وفي مجلسه سَمِعَ الإِمام أحمد بوفاة حماد بن زيد والإِمام مالك بن أنس (٢)، وظلَّ ملازماً لهشيم حتى وفاته سنة (١٨٣ هـ)، وكتب عنه أكثرَ من ثلاثةِ آلاف حديث (٣)، وبدأ يَظهَرُ قدرُ الإِمام أحمد منذ تلك الأيام (٤).
وبعد وفاة شيخه هُشَيم رحل الإِمام أحمد إلى الكوفة ماشياً - وكانت أولى رحلاته - وله من العمر عشرون سنة، فسمع فيها أبا معاوية الضَّرير (ت ١٩٤ هـ)، ووكيعاً (ت ١٩٧ هـ)، وذاع في الكوفة أنه حُجَّة في حديث هُشيم، حتى أن الإِمام وكيعاً سأله ذاتَ مرةٍ عن حديثٍ إنْ كانَ عند هُشَيم؟ فأجابه الإِمام أحمد: لا (٥). وفي الكوفة حَفِظَ كتبَ وكيع كلَّها (٦)، وأكثر من الكتابة عنه (٧)، وكان الإِمام وكيع يُجِلُّهُ ويحترِمُه ويعرف له قدره (٨).
وفي سنة (١٨٦ هـ) كانت أولى رحلاته إلى البصرة (٩)، فسمع فيها من مُعتَمِر بن سليمان (ت ١٨٧ هـ)، وبِشْر بن المفضل (ت ١٨٧ هـ)، ومرحوم بن عبد العزيز الأُموي (ت ١٨٨ هـ)، وآخرين.
وكان دائمَ الرِّحلَة بَيْنَ الكُوفة والبصرة يكتب الحديثَ عن شيوخهما، قال ابنُ منيع: سمعتُ جدي يقول: مَرَّ أحمدُ ابن حنبل جائياً من الكوفة، وبيده خريطةٌ فيها كتب، فأخذتُ بيده، فقلتُ: مرةً إلى الكوفةِ، ومرةً إلى البصرة،
стр. 39
إلى متى؟ إذا كتب الرجلُ ثلاثين ألف حديث لم يَكْفِهِ؟ فسكت، ثم قلتُ: ستين ألفاً؟ فسكت، فقلت: مئة ألف؟ فقال: حينئذٍ يَعرِفُ شيئاً. قال أحمدُ بنُ منيع: فنظرنا، فإذا أحمدُ كتب ثلاث مئة ألف عن بَهْز بن أسد (ت ١٩٧ هـ)، وعفان (ت ٢٢٠ هـ)، وأظنه قال: ورَوْح بن عُبَادة (ت ٢٠٥ هـ) (١).
وفي سنة (١٨٦ هـ) أيضاً رحل إلى عَبادان (٢).
وفي السنة التي تلتها رَحَل إلىِ الحجاز أولَ مرةٍ (٣)، حيث قدم مكة وقد مات الزاهدُ الفضيلُ بن عياض، فسَمِعَ من سفيان بن عيينة (ت ١٩٨ هـ)، قال الإِمام أحمد: فاتني مالكٌ فأَخْلَفَ الله عليَّ سفيانَ بن عيينة (٤)، وفي مكة التقى أيضاً الإِمام الشافعيَّ أوَّل مرة، ثم تعددت اللقاءاتُ بينهما في بغداد حين أقام فيها الشافعي سنة (١٩٥ هـ) مدة سنتين، وقد كتب الإمام أحمد كتب الشافعي كلَّها (٥).
وفي سنة (١٩٠ هـ) دخل البصرة دَخْلَتَهُ الثانية (٦)، وفيها سمع من محمد بن إبراهيم بن أبي عَدِيّ (ت ١٩٤ هـ).
وفي سنة (١٩١ هـ) كانت رِحلتُه الثانية إلى الحجاز.
стр. 40
وفي سنة (١٩٤ هـ) كانت رِحلته الثالثة إلى البصرة، وكانت إقامته فيها عند الإمام الكبير يحيى بن سعيد القطان (ت ١٩٨ هـ) مدة ستة أشهر (١)، وقد أكثر عنه (٢)، وفي أثناء إقامته سَمعَ من سليمان بن حرب (ت ٢٤٤ هـ)، وأبي النعمان محمد بن الفضل (ت ٢٢٤ هـ)، وأبي عمر حفص بن عمر الحَوْضِي (ت ٢٢٥ هـ).
وفي سنة (١٩٤ هـ) أيضاً خرج من البصرة إلى واسط، فَسَمِعَ فيها من الإِمام يزيد بن هارون (٣) (ت ٢٠٦ هـ).
وفي سنة (١٩٦ هـ) كانت رحلتُه الثالثةُ الى مكة، ثم عاد إليها سنة (١٩٧ هـ)، وأقام فيها مجاوراً مدةً، ثم عاد إليها أيضاً سنة (١٩٨ هـ)، وقد جَلَسَ بمسجدِ الخَيْف وأفتى فيه فتيا واسعة، وسفيان بن عيينة ما يزالُ حياً (٤).
وفي سنة (١٩٩ هـ) خرج الى اليمن ماشياً مع رفيق رحلته يحيى بن معين للسَّماع مِن عبد الرزاق بن همَّام الصَّنْعاني (ت ٢١١ هـ) صاحب "المصنف"، وكان صِيتُ الإِمام أحمد قد سبقه إليه (٥)، فأقام عنده قريباً من عشرةِ أشهر (٦)، سمع في أثنائها منه الكتبَ، وأكثر عنه. وبعد عَوْدَتِه إلى بغداد شَرَع الإِمامُ أحمد بتصنيف "المسند" (٧)، وهو في السادسةِ والثلاثين من عمره.