٤ - اعتقادُنا بأنه لا بُدَّ من دراسةِ أسانيده دراسةً دقيقةً مُتْقَنةً، والحكم عليها بما يليقُ صحةً وضعفاً، لأن معظم القراء وكثيراً من طلبة العلم لا يستطيعون أن يَتبيَّنوا صحة هذه الأحاديث، ولو كانت مقرونةً بأسانيدها، فكان الواجبُ يقتضينا أنْ نقدِّمَ هذه الأحاديث في طبعة يُذكَرُ فيها درجةُ كل حديث منها، حتى يكونَ القارئ على بينةٍ من أمرها.
٥ - تخريجنا لأحاديث "المسند" من جميع المصادر التي سبقت الإمام أحمد والتي تَلَتْهُ، مما تَيسَّرَ لنا.
هذه الأسبابُ مجتمعةً هي التي دفعتنا إلى إعادة نشر "المسند" ونرجو أن يُكرِمَنا الله بإتمام هذا العمل، وأن يَكتُبَه في صحائف أعمالنا، إن ربَّنا سميعٌ قريبٌ مُجيبٌ.
هذا، وقد أعددنا دراسةً مُوجَزةً ومقدمةً لا بُدَّ منها، تُلقي ضَوْءاً كاشفاً على "المسند" وخصائصه وحياة مؤلفه، نثبتها هنا بين يدي "المسند" وهي تشتملُ على الفقرات التالية:
١ - ترجمة الإِمام أحمد.
٢ - ثناء أهل العلم عليه.
٣ - مؤلفاته.
٤ - معنى المسند، وأول من ألَّف فيه.
٥ - الكلام وعلى مسند أحمد.
٦ - أقسام الأحاديث التي في المسند.
٧ - عناية العلماء بالمسند.
٨ - وصف النسخ الخطية.
٩ - منهج التحقيق.
стр. 37
١ - ترجمة الأمام أحمد:
ومصنِّفُ هذا الديوان العظيم: هو شيخ الإسلام، وأحد الأئمة المتبوعين، الإِمامُ أحمدُ بنُ محمدِ بنِ حَنْبلٍ الشَّيْباني (١).
أصلُه من البصرة (٢)، وكان جدُّه حنبلٌ مِن مناصري الدعوة العباسية، وولي سَرْخَس (٣)، وكان أبوه محمدٌ من أجناد مَرْو (٤)، قَدِمَت به أمُّه وهي حامل به إلى بغداد، فوُلِد فيها سنة (١٦٤ هـ)، ثم ما لَبِثَ أن تُوفي أبوه شاباً له نحوٌ من ثلاثين سنة، فرُبِّي أحمدُ يتيماً (٥).
وقد بَدَتْ مخايِلُ النبوغ والورع عليه منذُ طفولته (٦)، وحين أنهى الكُتَّابَ، وبلغ الرابعة عشرةَ من عمره، راح يختلِف إلى الدِّيوان، حيث كان عمُّه إسحاقُ مسؤولاً عن أخبار بغداد يُوصِلها إلى داود بنِ بِسطام، عاملِ البريد للرشيد، واتفق يوماً أن أرسلها مع ابن أخيه أحمد، فرمى بها في الماء تورُّعاً (٧)، وانقطع منذ ذلك اليوم عن التردُّد إلى الديوان.
واتَّجهَتْ همته إلى طلبِ الحديث، وله مِن العمر خمسَ عشرةَ سنة (٨)، وذلك سنة (١٧٩ هـ)، فكانَ أولَ من كتب عنه الحديثَ الإمامُ أبو يوسف القاضي (٩) (ت ١٨٢ هـ) صاحب الإمام أبي حنيفة، وكبير القضاة في عصره، وفي هذه السنة نفسِها قَدِم إلى بغداد المحدثُ الكبير عبد الله بن المبارك
стр. 38
فسعى إلى مجلسه، فلم يُدرِكْه، إذ ألفاه قد خرج إلى طَرَسُوس لغزو الرُّوم (١).
وكان أكثرُ سماعه في هذه الفترة على مُحدِّثِ بغداد هُشَيمِ بن بَشيرٍ، وفي مجلسه سَمِعَ الإِمام أحمد بوفاة حماد بن زيد والإِمام مالك بن أنس (٢)، وظلَّ ملازماً لهشيم حتى وفاته سنة (١٨٣ هـ)، وكتب عنه أكثرَ من ثلاثةِ آلاف حديث (٣)، وبدأ يَظهَرُ قدرُ الإِمام أحمد منذ تلك الأيام (٤).
وبعد وفاة شيخه هُشَيم رحل الإِمام أحمد إلى الكوفة ماشياً - وكانت أولى رحلاته - وله من العمر عشرون سنة، فسمع فيها أبا معاوية الضَّرير (ت ١٩٤ هـ)، ووكيعاً (ت ١٩٧ هـ)، وذاع في الكوفة أنه حُجَّة في حديث هُشيم، حتى أن الإِمام وكيعاً سأله ذاتَ مرةٍ عن حديثٍ إنْ كانَ عند هُشَيم؟ فأجابه الإِمام أحمد: لا (٥). وفي الكوفة حَفِظَ كتبَ وكيع كلَّها (٦)، وأكثر من الكتابة عنه (٧)، وكان الإِمام وكيع يُجِلُّهُ ويحترِمُه ويعرف له قدره (٨).
وفي سنة (١٨٦ هـ) كانت أولى رحلاته إلى البصرة (٩)، فسمع فيها من مُعتَمِر بن سليمان (ت ١٨٧ هـ)، وبِشْر بن المفضل (ت ١٨٧ هـ)، ومرحوم بن عبد العزيز الأُموي (ت ١٨٨ هـ)، وآخرين.
وكان دائمَ الرِّحلَة بَيْنَ الكُوفة والبصرة يكتب الحديثَ عن شيوخهما، قال ابنُ منيع: سمعتُ جدي يقول: مَرَّ أحمدُ ابن حنبل جائياً من الكوفة، وبيده خريطةٌ فيها كتب، فأخذتُ بيده، فقلتُ: مرةً إلى الكوفةِ، ومرةً إلى البصرة،
стр. 39
إلى متى؟ إذا كتب الرجلُ ثلاثين ألف حديث لم يَكْفِهِ؟ فسكت، ثم قلتُ: ستين ألفاً؟ فسكت، فقلت: مئة ألف؟ فقال: حينئذٍ يَعرِفُ شيئاً. قال أحمدُ بنُ منيع: فنظرنا، فإذا أحمدُ كتب ثلاث مئة ألف عن بَهْز بن أسد (ت ١٩٧ هـ)، وعفان (ت ٢٢٠ هـ)، وأظنه قال: ورَوْح بن عُبَادة (ت ٢٠٥ هـ) (١).
وفي سنة (١٨٦ هـ) أيضاً رحل إلى عَبادان (٢).
وفي السنة التي تلتها رَحَل إلىِ الحجاز أولَ مرةٍ (٣)، حيث قدم مكة وقد مات الزاهدُ الفضيلُ بن عياض، فسَمِعَ من سفيان بن عيينة (ت ١٩٨ هـ)، قال الإِمام أحمد: فاتني مالكٌ فأَخْلَفَ الله عليَّ سفيانَ بن عيينة (٤)، وفي مكة التقى أيضاً الإِمام الشافعيَّ أوَّل مرة، ثم تعددت اللقاءاتُ بينهما في بغداد حين أقام فيها الشافعي سنة (١٩٥ هـ) مدة سنتين، وقد كتب الإمام أحمد كتب الشافعي كلَّها (٥).
وفي سنة (١٩٠ هـ) دخل البصرة دَخْلَتَهُ الثانية (٦)، وفيها سمع من محمد بن إبراهيم بن أبي عَدِيّ (ت ١٩٤ هـ).
وفي سنة (١٩١ هـ) كانت رِحلتُه الثانية إلى الحجاز.
стр. 40
وفي سنة (١٩٤ هـ) كانت رِحلته الثالثة إلى البصرة، وكانت إقامته فيها عند الإمام الكبير يحيى بن سعيد القطان (ت ١٩٨ هـ) مدة ستة أشهر (١)، وقد أكثر عنه (٢)، وفي أثناء إقامته سَمعَ من سليمان بن حرب (ت ٢٤٤ هـ)، وأبي النعمان محمد بن الفضل (ت ٢٢٤ هـ)، وأبي عمر حفص بن عمر الحَوْضِي (ت ٢٢٥ هـ).
وفي سنة (١٩٤ هـ) أيضاً خرج من البصرة إلى واسط، فَسَمِعَ فيها من الإِمام يزيد بن هارون (٣) (ت ٢٠٦ هـ).
وفي سنة (١٩٦ هـ) كانت رحلتُه الثالثةُ الى مكة، ثم عاد إليها سنة (١٩٧ هـ)، وأقام فيها مجاوراً مدةً، ثم عاد إليها أيضاً سنة (١٩٨ هـ)، وقد جَلَسَ بمسجدِ الخَيْف وأفتى فيه فتيا واسعة، وسفيان بن عيينة ما يزالُ حياً (٤).
وفي سنة (١٩٩ هـ) خرج الى اليمن ماشياً مع رفيق رحلته يحيى بن معين للسَّماع مِن عبد الرزاق بن همَّام الصَّنْعاني (ت ٢١١ هـ) صاحب "المصنف"، وكان صِيتُ الإِمام أحمد قد سبقه إليه (٥)، فأقام عنده قريباً من عشرةِ أشهر (٦)، سمع في أثنائها منه الكتبَ، وأكثر عنه. وبعد عَوْدَتِه إلى بغداد شَرَع الإِمامُ أحمد بتصنيف "المسند" (٧)، وهو في السادسةِ والثلاثين من عمره.
стр. 41
وفي سنة (٢٠٠ هـ) رحل إلى البصرة رِحْلَتَهُ الأخيرة (١)، فسمع فيها من عبد الصمد بن عبد الوارث (ت ٢٠٧ هـ)، ومن صاحب "المسند" سليمان بن داود الطيالسي (ت ٢٠٣ هـ)، ومن محمد بن بكر البُرْساني (ت ٢٠٣ هـ).
ولم تذكر المصادر التي ترجمت للإمام أحمد متى دخل المِصِّيصة، وسَمِعَ فيها من حجاج بن محمدٍ الأعور (٢) (ت ٢٠٦ هـ)، ولا متى خَرَجَ منها قاصداً طَرَسُوسَ للغَزَاة (٣)، ولا متى دخل الرَّقَّة، وسمع فيها من فياض بن محمد بن سنان الرَّقِّي (٤)، والذي وقفنا عليه فيها أنه في سنة (٢٠٤ هـ) - وقد بَلَغ الأربعين - تَصدَّر للتحديث والفتوى، وصار يُرْحَلُ إليه (٥)، وهي السنةُ نفسها التي تُوفي فيها الإمامُ الشافعي، ودخل فيها المأمون مدينةَ بغداد.
وفي سنة (٢٠٩ هـ) (٦) كانت آخِرُ رحلاته، فقد خرج فيها إلى الشام، ثم لم يَخرُجْ من بغداد حتى كانت المحنة سنة (٢١٨ هـ).
وشيوخُ الإمام أحمد الذين سَمِعَ منهم يَطُولُ ذِكرُهُم، ويَشُقُّ إحصاءُ أسمائهم، كما قال الخطيب البغدادي (٧)، ولكنَّ عدد مَنْ روى عنهم في "مسنده" مئتان وثلاثةٌ وثمانونَ شيخاً (٨).
وبقي الإِمام أحمد متصدِّراً للفُتيا والتحديث حتى سنة (٢١٨ هـ) حين أعلَنَ المأمون رأيه بخَلْقِ القرآن، وأمر بامتحانِ العلماءِ فيه، وقد أجابه كثيرٌ إلى ما ذَهَب إليه خوفاً من الضرب والموت، وظَلَّ الإِمامُ أحمدُ ثابتاً على موقفه بأن القرآن كلامُ الله غيرُ مخلوقٍ، فأمر المأمونُ بأشخاصه إليه، وكان وقتئذٍ
стр. 42
يغزو بلادَ الرومِ، فحُمِل إليه الإِمامُ مقيَّداً، وما إن وَصَل إلى الرَّقَّةِ حتى جاء نَعْيُ المأمون، فَرُدَّ إلى بغداد، وسُجِن فيها (١).
وتولَّى المعتصمُ الخلافةَ، وراح يُكْمِلُ ما بدأ فيه أخوه نزولاً عند وصيته، فأحضر الإمامَ أحمد من سجنه - وكان قد مرَّ عليه فيه سنتان وأربعةُ أشهرٍ - (٢) وناظره في قصره مدةَ ثلاثةِ أيام (٣)، وحين أعياه ثباتُ الإِمام أحمد وجرأته أَمَر بضَرْبِه، وذلك بمشورة قاضي قضاته المعتزلي أحمد بن أبي دُوَاد، فقام الجلادون بضربه بالسياط ضرباً مُبَرِّحاً أشرف فيه على التلف، وكي لا تقومَ العامَّةُ الهائجة خارجَ القصر باضطراب لا يُعرف كيف السبيلُ للسَّيطرةِ عليه، أمر المعتصم بالإِفراج عنه، وهو يظن في نفسه أنه ميتٌ لا مَحالة (٤)، فأفرج عنه سنة (٢٢٠ هـ)، ولكن الإِمام أحمد تماثل للشفاء وإنْ بَقِيَتْ آثار ضربه ظاهرة على جسده، وعاد إلى ما كان عليه من التحديث والفتيا وحضور الجمعة والجماعة، وظلَّ كذلك حتى وفاة المعتصم سنة (٢٢٧ هـ) وولاية الواثق إلى أوائل سنة (٢٢٨ هـ) (٥)، إذ عاد الواثق إلى إثارة محنة خَلْق القرآن من جديد، وطلب أن تُدَرَّس هذه المسألةُ للصبيان في الكُتَّاب، فضجَّ الفُقهاءُ والمحدثون لهذا الأمر، وكادت أن تقع فتنة لولا أن الإمامَ أحمد أمرهم بالصبر حين قصدوه يُعلِنُون تبرُّمَهم من هذا الأمر، وعلم الواثقُ بخبر هذا الاجتماع، فأرسلَ الى الإِمام أحمد: أن لا يجتمعنَّ إليك أحدٌ، ولا تُساكنِّي بأرضٍ ولا مدينةٍ أنا فيها، فاذهب حيثُ شئتَ من أرض الله. فلزم الإِمام أحمد بيته لا
стр. 43
يخرج إلى صلاة ولا غيرها حتى هَلَك الواثق، وذلك سنة (٢٣٢ هـ) (١)، وولي المتوكلُ، فأمر بعد سنتين من خلافته - أي سنة (٢٣٤ هـ) (٢) - برفع المحنة، وأن يعودَ الناسُ إلى ما كانوا عليه، وراح المتوكل يَطلُبُ المحدثين إلى سامَرّا حيث كان يقيمُ ليعقِدوا مجالسَ حديثهم هناك، وكان الإمامُ أحمد قد عاد إلى تحديث أصحابه في بغداد (٣)، فأمره المتوكلُ في أواخر سنة (٢٣٥ هـ) أن يَقْدَمَ إلى سامَرّا، فذهب إليه الإمام أحمد على مَضَضٍ، ثم بدا للمتوكل أن يُعِيدَهُ، فأمره وهو في طريقه إليه أن يعودَ إلى بغداد، فعاد وقد امتنع من التحديث إلا لولديه وابن عمه (٤). ثم أرسل يستدعيه من جديدٍ سنةَ (٢٣٧ هـ)، واضطُرَّ الإمام أحمد للذهاب إليه، ولكنه اكتشف أنه سيكونُ في سامَرّا في سجنٍ من نوع جديد، فانقبض، ورَفَض أن يشتري بيتاً هناك أو يحدث (٥)، وأعطى اللهَ عهداً أن لا يحدِّثَ بحديثٍ على تمامه حتى يلقاه، ولا يستثني من هذا العهد حتى ولديه. قال الإمام أحمد: إنما يريدون أُحَدِّث، ويكون هذا البلدُ حبسي، وإنما كان سبب الذين أقاموا بهذا البلدِ لما أُعطوا فقَبِلوا، وأُمِروا فحدَّثوا، والله لقد تمنَّيْتُ الموتَ في الأمرِ الذي كان، وإنني لأتمنى الموتَ في هذا وذاك، إن هذا فتنةُ الدنيا وذاك فتنةُ الدِّين. ثم جعل يَضُمُّ أصابِعَهُ ويقول: لو كان نفسي في يدي لأرسَلْتُها، ثم يفتح أصابعه (٦).
وبقي في سامَرّا ستة عشرَ يوماً (٧)، لم يَلْقَ فيها المتوكل، وإزاءَ إصراره سَمَحَ له المتوكلُ بالعودة إلى بغداد، فعاد (٨). وحاول ولدُه عبدُ الله مرةً أن
стр. 44
يستَدْرِجَه ليحدِّثَه بحديثٍ على تمامه - وكان عبدُ الله يشتهي الحديثَ - فامتنع، بل قال الإِمام أحمد: لو ضُرِبَتْ ظهري بالسياط ما حدَّثْتُ (١).
ولا يعني انقطاعَه عن الرواية انقطاعه عن العلم بتاتاً، فإنه قضى ما بقي من عُمُرِه في المذاكرة في الفقه والآثار وتراجم الرجال حتى وفاته في ضُحى ١٢ ربيع الأول سنة (٢٤١ هـ) (٢)، وهو ابن سبع وسبعين سنة، ﵀.
وهنا يثور سؤالٌ: متى أَسمَعَ الإِمامُ أحمد ولديه صالحاً وعبد َالله وابنَ عمه "المسنَدَ"، ومعروف أنه لم يسمعه عليه أحد غيرهم (٣)؟.
ويبدو لنا أن الإِمامَ أحمد شَرَعَ بإسماعهم "المسند" نحو سنة (٢٢٥ هـ)، واستغرق سماعُهم له نحو اثنتي عشرة سنة (٤)، فيكون أتمَّ إسماعَهم إياه نحو سنة (٢٣٧ هـ) وهي السنة التي امتنع فيها عن التحديث بحديثٍ على تمامه كما مَرَّ.
وقد حَدَّدَ الإمامُ الذهبي تاريخ إسماع "المسند" في حدود سنة (٢٢٧ هـ) أو (٢٢٨ هـ) (٥)، وهذا التاريخُ لا يستقيم مع ما مَرَّ من أن إسماع "المسند" استغرق ثنتي عشرة سنة، ولا يستقيم أيضاً مع تاريخ امتناع الإِمام أحمد عن التحديثِ بحديثٍ على تمامه سنة (٢٣٧ هـ).
٢ - ثناء أهل العلم عليه:
مرَّ معنا أنَّ نبوغَ الإِمام أحمد وورعه تَبدَّى منذ طفولته، وكان قَدْرُه يزيدُ مع الأيام، وقد أثنى عليه شيوخُه وتلاميذُه ومن رآه ثناءً عَطِراً خالداً نسوقُ
стр. 45
بعضاً منه، نقلاً من كتاب "سير أعلام النبلاء" للإِمام الذهبي في ترجمته (١):
قال عبدُ الرزاق الصنعاني: ما رأيتُ أحداً أفقَهَ ولا أورعَ مِن أحمدَ ابن حنبل.
وقال قُتيبة بن سعيد: خيرُ أهلِ زماننا ابنُ المبارك، ثم هذا الشابُّ - يعني أحمد ابن حنبل - وإذا رأيتَ رجلاً يُحِبُّ أحمد، فاعلم أنه صاحبُ سنة، ولو أدركَ عصرَ الثوري والأوزاعي والليث، لكان هو المُقَدَّمَ عليهم. فقيل لقُتيبة: يُضَمُّ أحمد إلى التابعين؟ قال: إلى كبارِ التابعين.
وقال حرملةُ: سمعت الشافعيَّ يقول: خرجت من بغداد فما خَلَّفْتُ بها رجلاً أفضلَ ولا أعلمَ ولا أفقَهَ ولا أتقى من أحمد ابن حنبل.
وقال علي بن خَشْرَم: سمعتُ بشر بنَ الحارث يقول: أنا أُسأَلُ عن أحمد ابن حنبل؟! إنَّ أحمد أُدْخِلَ الكِيرَ فخرج ذهباً أَحْمَرَ.
وقال عمرو الناقدُ: إذا وافقني أحمدُ ابن حنبل على حديث، لا أُبالي مَنْ خالفني.
وقال محمدُ بن يحي الذُّهْلي: جعلتُ أحمدَ إماماً فيما بيني وبينَ الله.
وساق الحافظ ابن كثير أيضاً في "تاريخه" (٢) جملةً من ثناء أهل العلم عليه، فقال:
قال يحيى بنُ سعيد القطان شيخ أحمد: ما قَدِمَ عليَّ من بغداد أحدٌ أحب إلي من أحمد بن حنبل.
وقال إسحاقُ بن راهويه: أحمد حجةٌ بين الله وبين عَبيده في أرضه.
стр. 46
وقال عليُّ ابنُ المديني: إذا ابتُلِيتُ بشيء فأفتاني أحمد بن حنبل، لم أبالِ إذا لقيتُ ربي كيف كان.
وقال أيضاً: إني اتخذت أحمد حجةً فيما بيني وبينَ الله .
وقال يحيى بن معين: كان في أحمد ابن حنبل خِصالٌ ما رأيتها في عالم قطُّ: كان محدثاً، وكان حافظاً، وكان عالماً، وكان ورعاً، وكان زاهداً، وكان عاقلاً.
وقال أيضاً: أراد الناسُ أن نكونَ مثلَ أحمد ابن حنبل، والله ما نَقْوى أن نكونَ مثلَه، ولا نُطيقُ سلوكَ طريقه.
وقال أبٍو بكر بن أبي داود: أحمد ابن حنبل مقدَّم على كل من يَحمِلُ بيده قلماً ومِحبَرة.
وقال أبو زُرْعة الرازي: ما أعرف في أصحابنا أفقَهَ منه.
٣ - مؤلفاته:
لم يكن عندَ الإِمام أحمد رَغْبةً في التأليف سوى جمع الحديث والبحث في عِلَلِه، وأما في غير ذلك فما كان يَرضى أن يُؤلِّفَ مطلقاً، حتى إنه كان يَزْجُرُ أصحابَه عن تقييد مسائله التي كان يُسأَلُ عنها، كما أنه كان يَمْنَعُ أصحابَه من الانشغال بغيرِ القرآن والحديث، فكان لا يَأْذَنُ لهم أن يَنظُروا في كتب الشافعي ولا في كتب أصحاب الرأي، ومع أنه كان يُحِبُّ أبا عبيد القاسم بن سلام ويُثني على عِلْمِه، إلا أنه كان ينتقِدُ كتابه "غريب الحديث"، فيقول: إنه طوَّلَه.
ومع ذلك فقد ذَكَر له ابنُ النديم في "فهرسته" ص ٢٨٥ من المؤلفات:
١ - كتاب "العلل"، ذكر العُقَيليُّ في "الضعفاء" ٣/ ٢٣٩: أنه قرأه على
стр. 47
عبد الله بن أحمد عن أبيه. وهو مطبوعٌ بإستانبول سنة ١٩٨٧ في جزأين بتحقيق الدكتورين طلعت قوج ييكيت وإسماعيل جراح أوغلي، وطبع أيضاً في المكتب الإسلامي سنة ١٩٨٨ بتحقيق الدكتور وصي الله بن محمد عباس في أربعة أجزاء.
٢ - كتاب "التفسير"، قال الذهبي في "السير" ١١/ ٣٢٨ و ١٣/ ٥٢٢ في كلام مطوَّلٍ عن هذا الكتاب: إنه شيء لا وجودَ له، وأنا أعتقدُ أنه لم يكن.
٣ - كتاب "الناسخ والمنسوخ".
٤ - كتاب "الزهد"، قال ابن حجر في "تعجيل المنفعة" ص ٨ عنه: إنه كتاب كبير يكون في قَدْر ثلث "المسند" مع كبر "المسند"، وفيه من الأحاديث والآثارمما ليس في "المسند" شيء كثير.
فعلى هذا ما طُبع منه لا يمثِّلُ سوى جزء يسير من كتاب "الزهد" الكبير.
٥ - كتاب "الفضائل"، طُبع في مجلدين بمؤسسة الرسالة سنة ١٩٨٣ م، بتحقيق وصي الله بن محمد عباس، وهو من منشورات جامعة أمِّ القرى.
٦ - كتاب "الفرائض".
٧ - كتاب "المناسك".
٨ - كتاب "الإيمان"، قال ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" ١/ ٣٠٣: سمعت أبي يقول: أتيت أحمد ابن حنبل في أول ما التقيتُ معه سنة ثلاث عشرة و مئتين، فإذا قد أخرج معه إلى الصلاة كتاب "الأشربة" وكتاب "الإِيمان".
стр. 48
وقال الذهبي في "السير" ١١/ ٢٨٧: ومما ثبت عنه مسألةُ الإيمان، وقد صنَّفَ فيها.
٩ - كتاب "الأشربة"، انظر ما قبله. وقد طبع بتحقيق الشيخ صبحي السامرائي.
١٠ - كتاب "طاعة الرسول".
١١ - كتاب "الرد على الجهمية"، قال الذهبي في "السير" ١١/ ٢٨٦: "الردّ على الجهمية" موضوع على أبي عبد الله (يعني الإمام أحمد). وقد شكك أيضاً في نسبة هذا الكتاب إلى الإمام أحمد بعضُ المعاصرين في تعليقه على "الاختلاف في اللفظ والرد على الجهمية" لابن قتيبة، ومستنده أن في السند إليه مجهولاً، فقد رواه أبو بكر غلام الخلَّال، عن الخلَّال، عن الخضر بن المثنى، عن عبد الله بن أحمد، عن أبيه، والخضر بن المثنى مجهول، والرواية عن مجهول مقدوح فيها، مطعون في سندها، وفيه ما يخالف ما كان عليه السلف من معتقد، ولا يتسق مع ما جاء عن الإمام في غيره مما صح عنه، وهذا هو الذي دعا الإِمام الذهبي إلى نفي نسبته إلى الإِمام أحمد. ومما يقوي عدم صحةِ نسبته إليه أننا لا نجد له ذكراً لدى أقرب الناس إلى الإمام أحمد بن حنبل ممن عاصروه وجالسوه أو أَتَوْا بعده مباشرة وكتبوا في الموضوع ذاته كالإِمام البخاري (ت ٢٥٦ هـ)، وعبد الله بن مسلم بن قتيبة (ت ٢٩٦ هـ)، وأبي سعيد بن عثمان الدارمي (ت ٢٨٠ هـ)، والإمام أبو الحسن الأشعري قد ذكر عقيدة الإمام أحمد في كتابه "مقالات الإسلاميين" ولكنه لم يشر إلى هذا الكتاب مطلقاً، ولم يستفد منه شيئاً.
وزاد الخطيب البغدادي في "تاريخه" ٩/ ٣٧٥ عن ابن المنادي:
стр. 49
١٢ - حديث شعبة.
١٣ - المقدَّم والمؤخَّر في كتاب الله تعالى.
١٤ - جوابات القرآن.
وزاد ابن الجوزي فيما أورده عنه الذهبي في "السير" ١١/ ٣٣٠:
١٥ - كتاب "نفي التشبيه".
١٦ - كتاب "الإِمامة".
١٧ - "الرسالة في الصلاة"، ذكر الذهبي في "السير" ١١/ ٢٨٧ و ٣٣٠ أنها موضوعة على الإمام أحمد.
وقد نبه محقق "فضائل الصحابة" وصي الله بن محمد عباس على بضعة كتب لم يذكرها أحد ممن ترجم للإِمام أحمد، وهي:
١٨ - كتاب "الفتن"، وتوجد منه نسخة في المكتبة الظاهرية بدمشق، عدد صفحاته ٣٤.
١٩ - كتاب "فضائل أهل البيت" ذكره الحاكم في "المستدرك" ٣/ ١٥٧.
٢٠ - "مسند أهل البيت" طبع بتحقيق عبد الله الليثي، وهو مدرج كله في "المسند".
٢١ - "الأسماء والكُنى" ذكره الوادي آشي في "برنامجه" ص ٢٥٦ ضمن مسموعاته، وقد نشرته مكتبة دار الأقصى بالكويت بتحقيق عبد الله بن يوسف الجديع.
٤ - معنى المسند:
المسندُ: هو الكتابُ الذي موضوعُه جَعْلُ حديثِ كُلِّ صحابي على حِدَة، صحيحاً كان أو حسناً أو ضعيفاً، ومِنْ غيرِ التفاتٍ إلى الموضوعات
стр. 50
والأبواب، ويُتَّبع في ترتيب مسانيد الصحابة طرائقُ عِدَّة، فقد ترتب على حروف الهجاء، أو على القبائل، أو السابقة في الإِسلام، أو الشرافة النسبية، أو غير ذلك، وقد يُقتَصرُ في بعضها على أحاديث صحابيٍّ واحدٍ، كمسند أبي بكر، أو أحاديث جماعة منهم، كمسند الأربعة أو العشرة، أو طائفة مخصوصة يجمعها وصفٌ واحد، كمسند المُقِلِّين، ومسند الصحابة الذين نزلوا مصر، إلى غير ذلك (١).
ويظهر أن الإِمام أحمد قد توخَّى ترتيبَ الصحابة في مسنده حسب اعتبارات عدة، منها الأفضلية، والسابقة في الإِسلام، والشرافة النسبية، وكثرة الرواية، إذ بدأ مسندَه بمسانيد الخلفاء الأربعة، ثم مسانيد بقية العشرة المبشرين بالجنة، ثم مسندِ أهل البيت، ثم مسانيد المكثرين من الرواية كالعبادلة الأربعة: ابن عباس، وابن مسعود، وابن عمر، وابن عمرو، ثم مسند المكيِّين، ثم مسند المدنيين، ثم مسند الشاميين، ثم مسند الكوفيين، ثم مسند البصريين، ثم مسند الأنصار، ثم مسند النساء.
من ألف في المسانيد قبل الإمام أحمد:
لم يكن تأليفُ الإمام أحمد لمسنده بِدْعاً من التآليف، فقد سبقه إلى ذلك غيرُ واحد من أئمَّةِ هذا العلم في مُخْتَلِفِ أمصارِ المسلمين، لكن اختُلِفَ في أولِ من ألَّف على هذه الطريقة من الترتيب:
فقد قال الخليليُّ في "إرشاده" في ترجمة أبي داود الطيالسي: أولُ من صنَّف المسندَ على ترتيب الصحابة بالبصرة أبو داود الطيالسي (ت ٢٠٤ هـ)، وبالكوفة عبيد الله بن موسى (ت ٢١٣ هـ)، ثم من صنَّفَ كان تَبَعاً لهما، ونَقَل هذا القول الذهبيُّ في "سير أعلام النبلاء" ٩/ ٥٥٤ في ترجمة عُبيد الله بن موسى.
стр. 51
أما ابنُ عدي، فقد ذكر في "الكامل" ٧/ ٢٦٩٤ في ترجمة يحيى الحِمَّاني أنه يُقَالُ: إنَّ أول من صنَّف المسند بالبصرة مُسَدَّدٌ (ت ٢٢٨ هـ)، وأوَّلُ مَنْ صنَّف بالكوفة يحيى الحِمَّاني (ت ٢٢٨ هـ)، وأوَّل من صنَّف بمصر أسدُ السُّنَّة (ت ٢١٢ هـ).
وقال أبو بكر الخطيب في "تاريخ بغداد" ١٣/ ٣٠٦: يُقالُ: إنَّ أول من جَمَع المسند وصنَّفه نُعَيْمُ بنُ حَمَّاد. وهذا القول نقله الذهبيُّ في "سير أعلامِ النبلاء" ١٠/ ٥٩٧ عن أحمد، إذ قال: أول من عَرَفْناه يكتُب المسند نُعيم بن حماد (ت ٢٢٨ هـ).
ويُذكر في أوائل من صنف المسند بمكة الحُميدي (ت ٢١٩ هـ)، وهو أقدمُ موتاً من الحِمَّاني ومُسَدَّد، إلا أن هناك من هو أقدمُ موتاً من الحميدي وقد صنَّف المسند، هو محدث نيسابور أبو إسحاق إبراهيمُ بن نصر السُّورياني (ت ٢١٣ هـ).
وبصَرْفِ النَّظَر عمن سَبَق فعلاً إلى تأليفِ المسند، فإن هؤلاء الأئمة المذكورين هم مِنْ أوائل مَنْ صنَّفَ المسند، وسنَعرِضُ ترجمةً موجَزةً لكلٍّ منهم مرتبين حسب التسلسل الزمني لوفياتهم:
١ - أبو داود الطيالسي (١)، وهو سليمانُ بنُ داود بن الجارود الطيالسي، نسبةً إلى الطيالسة التي تُجعَل على العمائم، مولى آل الزبير، الحافظ الثقة، ولد في البصرة سنة ١٣٣ هـ، وتُوفي بها سنةَ ٢٠٣ أو ٢٠٤ للهجرة، كان كثيرَ الحِفْظِ، قيلَ: كان يحفظ ثلاثين ألفَ حديثٍ، وكان يُملي مِن حفظه، ولا يروي مِن أصله، ولذلك أخطأ في عدة أحاديث، ومسنده (٢)
стр. 52
معروف متداول، طُبِع في حيدر آباد سنة ١٣٢١ هـ، وصوَّرته عنه دار المعرفة في بيروت. وقد رتبه على الأبواب الفقهية العلّامة الشيخ أحمد بن عبد الرحمن البنا الشهير بالساعاتي، في كتاب "منحة المعبود في ترتيب مسند الطيالسي أبي داود"، وطبع في المطبعة المنيرية بالأزهر سنة ١٣٧٢ هـ.
وقد سقط من المطبوع مسانيد ثمانية من الصحابة رضوان الله عليهم كما هو مبين في مسرد أحاديث الصحابة المدرجة في الجزء الرابع منه انظر الصفحة ١١٩ من المطبوع وهم على التوالي: العباس بن عبد المطلب، والفضل بن العباس، وعبد الله بن جعفر، وكعب بن مالك، وسلمة بن الأكوع، وسهل بن سعد الساعدي، ومعاوية بن أبي سفيان، وعمرو بن العاص، ومحل هذه المسانيد بعد السطر الثامن من الصفحة ١٣١ من المطبوع.
٢ - أسد السنة، وهو الإمامُ الحافظُ الثقة أسدُ بنُ موسى بن إبراهيم ابن الخليفة الأُمَوي الوليد بن عبد الملك بن مروان القرشي الأموي المصري، وُلِدَ بمصر سنة اثنتين وثلاثين ومئة، روى له أبو داود والنسائي، واستشهد به البخاريُّ، مات بمصر سنة اثنتي عشرة ومئتين، وله ثمانون سنة (١).
стр. 53
٣ - السُّورياني (نسبة إلى سُوريان قرية من قرى نيسابور)، وهو الإمامُ الحافظُ البارعُ محدث نيسابور أبو إسحاق إبراهيمُ بنُ نصر الخراساني المُطَّوّعي الغازي، كان أبو زرعة يُقدِّمُه ويُفخِّمُه، استُشهِد في حرب بابك الخرَّمي سنة ثلاث عشرة ومئتين، ويقال: سنة عشر ومئتين في الكهولة (١).
٤ - عُبيدُ الله بن موسى العَبْسِي أبو محمد، الإمام الحافظ الثقة العابد، وُلد في حدود عام عشرين ومئة، كان مجوِّداً للقرآن، وحديثه في الكتب الستة، مات سنة ثلاث عشرة ومئتين، وقيل: سنة أربع عشرة (٢).
٥ - الحُميدي، وهو الإمامُ الحافظُ الثقة الفقيه شيخُ الحرم أبو بكر عبدُ الله بنُ الزبير بن عيسى القرشي الأسدي الحُميدي المكي، حَدَّث عنه البخاريُّ وأبو داود والترمذي والنسائي، مات بمكة سنة تسع عشرة ومئتين، وقيل: سنة عشرين (٣). و "مسنده" مطبوع متداول، طبع في جزأين بتحقيق العلّامة المحدث حبيب الرحمن الأعظمي، وهو من منشورات المجلس العِلمي بالهند، وصُوِّر عن هذه الطبعة في بيروت.
٦ - يحيى الحِمَّاني، وهو الإمامُ الكبير الحافظ الثقة أبو زكريا يحيى بن عبد الحميد الحِمَّاني الكوفي، ولد نحو الخمسين ومئة، روى العُقَيْلي عنه أنه قال لقومٍ غرباء في مجلسه: مِن أين أنتم؟ فأخبروه، فقال: سمعتُم ببلدكم أحداً يتكلَّم فيَّ ويقولُ: إني ضعيفٌ في الحديث؟ لا تسمعوا كلام أهلِ الكوفة، فإنهم يحسُدُوني، لأني أوَّلُ من جمع المسند، وقد تقدَّمتهم في غير شيء. مات الحِمَّاني سنة ثمان وعشرين ومئتين في سامَرَّا، وكان
стр. 54
أوَّل من مات بها من المحدثين الذين أُقدِموا إليها في مسألة خلق القرآن (١).
٧ - مُسَدَّد بن مُسَرْهَد، الإمامُ الحافظ الحجّة أبو الحسن الأسدي البصري، وُلد في حدود الخمسين ومئة، حدث عنه البخاريُّ، وأبو داود والترمذيُّ والنسائي، وقال أحمد ابن حنبل: مسدَّدٌ صدوق، فما كتبتَ عنه فلا تَعْدُ. مات سنة ثمان وعشرين ومئتين (٢).
٨ - نُعَيم بن حمَّاد، العلامة المحدث أبو عبد الله الخُزاعي المَرْوزي، روى عنه البخاريُّ مقروناً بآخر وأبو داود والترمذي وابن ماجه بواسطة، أُشخِص من مصر إلى سامَرَّا في خلافة المعتصم، فسُئل عن القرآن، فأبى أن يُجيبَ فيه بشيء مما أرادوه عليه، فحُبسَ بسامَرَّا، ولم يَزَلْ محبوساً بها حتى ماتَ في السجن سنة ثمان وعشَرين ومئتين، وقيل: سنة تسع وعشرين (٣).
٩ - الشيخ الإمام الحجة وأمير المؤمنين في الحديث أبو الحسن علي بن عبد الله بن جعفر بن نجيح السعدي مولاهم البصري المعروف بابن المديني المتوفى سنة ٢٣٤ هـ.
قال أبو حاتم الرازي: كان ابن المديني علماً في الناس في معرفة الحديث والعلل، وكان أحمد بن حنبل لا يسميه، إنما يكنيه تبجيلاً له، ما سمعت أحمد سماه قط.
стр. 55
وقال الإمام البخاري: ما استصغرت نفسي عند أحد إلا عند علي بن المديني.
وقال الذهبي في "السير" ١١/ ٤٣: وبرع في هذا الشأن، وصنف وجمع، وساد الحفاظ في معرفة العلل.
له "علل المسند" ثلاثون جزءاً حكاه الحاكم في معرفة "علوم الحديث" ص ٧١، وابن النديم في "الفهرست" ص ٢٣١، ويبدو أنه كان موجوداً أو أجزاء منه في القرن الثامن الهجري، فقد أكثر النقل عنه الحافظ ابن كثير في "مسند عمر" ولعله فُقِدَ فيما فُقِدَ من الكتب في كائنة تيمور سنة (٨٠٣ هـ).
هؤلاء هم الأئمة الذين يُعَدُّونَ من أوائلِ من ألَّف المسند في بدايةِ القرنِ الثالث الهجري، ثم إنَّ الذين تتابعوا في التصنيف فيه كثرٌ، يَصعُبُ إحصاؤهم هنا، وثَمَّةَ مؤلفات سَرَدَتْ عدداً كبيراً منهم يُمكنُ الرجوعُ إليها كـ "الرسالة المستطرفة" ص ٦١ - ٧٤، و "كشف الظنون" (١).
٥ - الكلام على مسند أحمد:
شرع الإمامُ أحمد بتصنيف "المسنَد" مُنصَرَفه من عند عبدِ الرزاق (٢)، أي نحو سنة (٢٠٠ هـ)، وهو في السَّادسة والثلاثين من عمره، انتقاه من أكثر مِن سبع مئة ألف حديث (٣)، سَمِعَها في رحلاته، فَضَمَّ نحو ثلاثين ألف
стр. 56
حديث (١) يرويها عن مئتين وثلاثة وثمانين شيخاً من شيوخه (٢)، وكان قد كَتَبَه في أوراقٍ مفردة، و فَرَّقه في أجزاءٍ منفردةٍ على نحو ما تكونُ المسوَّدَة (٣)، ورواه لولده عبد الله نسخاً وأجزاءً، وكان يأمُرُه: أن ضعْ هذا في مسند فلان، وهذا في مسند فلان (٤)، وظلَّ يَنْظُرُ فيه إلى آخر حياته.
وكان ﵀ شديدَ الحرص على إيراد ألفاظِ التحمُّل كما سمعها، مثل: "حدثنا"، "أخبرنا"، "سمعت"، "عن"، لا سيما إذا روى الحديث عن أكثر من شيخ، فإنه يذكر لفظ كل واحد منهم كما هو بَيِّن في الأصول الصحيحة المسموعة المعتمدة في طبعتنا هذه.
ولم يكن مَرْمى الإمام أحمد أن يرتِّبَ كتابه على أبواب الفقه، وإنما غايتُهُ هو جمعُ ما اشْتَهر من الحديث (٥) على امتداد الرُّقعةِ الإسلامية بسندٍ متصلٍ إلى رسول الله ﷺ حسبَ رواته من الصحابة رضوان الله عليهم، وهي طريقة غايتُها الاستيعابُ، وهو ما أراده الإمامُ أحمد بقوله لابنه عبد الله: احتَفِظْ بهذا "المسند"، فإنه سيكونُ للناس إماماً (٦). بل هذا ما دَفَعَ الإمامَ حقاً إلى عمل "المسند" مع ما عُرِفَ عنه من كراهيته لوَضْع الكتب، لكن في عصرٍ اختلطت فيه العقائدُ والأفكارُ والاجتهاداتُ أراد الإمامُ أحمد أن يكون "المسندُ" مَفْزَعاً يلجأُ إليه الناسُ، فقد ذُكر أنه قال فيه: عملتُ هذا الكتابَ إماماً، إذا اختلف الناسُ في سنة رسول الله ﷺ رَجَعُوا إليه (٧). ولهذا أصبح أصلاً من أصولِ
стр. 57
الأمة كما قال الإمام السبكي (١)، بل إنه كتاب لم يُرْوَ على وجه الأرض كتابٌ في الحديث أعلى منه، كما قال الإمام ابن الجَزَري (٢).
ونحو عام (٢٢٥ هـ) عَقِيبَ المحنةِ (٣) شرع الإمامُ أحمد بإسماعِه لولديهِ صالحٍ وعبدِ الله وابن عمِّه حنبل بن إسحاق، مع معاودة النظر في أحاديثه، وأمر عبدَ الله بالضرب على ما يتبين له علة فيه حتى وفاته (٤). وكان عبدُ الله أكثرَهم مداومةً على السَّماع، وهو الذي انفردَ بعدُ برواية "المسند" عن أبيه (٥) وزاد فيه أحاديثَ كثيرةً عن مشايخه مما يُماثِلُه ويشابِهُهُ، ولكنه لم يُحرِّرْ ترتيبَ "المسند" ولا سهَّله ولا هذَّبه (٦)، بل أبقاه على حاله، مما جَعل الرغبةَ فيه تَقِلُّ، والإفادة منه عسرة المطلب، مع شدة الحاجة إليه، وكأنَّ الخطيب البغدادي عنى ما كان من بابَةِ هذا المسند بقوله: "فإني رأيتُ الكتابَ الكثيرَ الإفادة المُحْكَمَ الإِجادَةِ، ربما أُريدَ منه الشيءُ، فيعمَدُ من يُريدُ إلى إخراجه، فيَغمُضُ عنه مَوْضِعُهُ، ويَذْهَبُ بِطَلَبِه زمَانُه، فيتركُه وبه حاجةٌ إليه، وافتقارٌ إلى وجوده" (٧) ولذا كان تيسيرُ الإفادةِ من هذا "المسند" أُمنية كثيرٍ من أهلِ العلم والفضل، ومنهم الإمامُ الذهبي الذي قال عندما تقدَّمَتْ به السِّنُّ، وأصبح عاجزاً عن النهوض بأعبائه يستنهِضُ هِمَمَ من يأتي بعدَه من أهلِ العلم: "فلعلَّ الله يُقَيِّضُ لهذا الدِّيوان العظيم من يُرَتِّبُه ويُهَذِّبُه، ويحذِفُ ما كُرِّرَ فيه، ويُصلِح ما تصَحَّفَ، ويُوضِّح حالَ كثيرٍ من رجاله، وينبِّهُ على
стр. 58
مُرسَلِه، ويُوهِنُ ما ينبغي من مناكيره، ويرتِّبُ الصحابةَ على المعجم، وكذلك أصحابهم على المعجم، ويَرمُزُ على رؤوسِ الحديث بأسماء الكتب الستة، وإن رتَّبَه على الأبواب فحَسَنٌ جميلٌ، ولولا أني قد عَجِزْتُ عن ذلك لِضعفِ البصر وعَدَمِ النية، وقُرْب الرحيل، لعَمِلْتُ في ذلك" (١).
ثم روى المسندَ عن عبدِ الله بن أحمد أبو بكرٍ القَطِيعيُّ، وزاد فيه زيادات في مسند الأنصار (٢)، ولابن القطيعي وابن المُذْهِب من بعده يَعْزُو الإمام الذهبي بعضَ الأشياء غير المحكَمَةِ في المتن والإسناد بروايتهما (٣).
وعلى هذه الصورة التي هي أقربُ ما تكونُ إلى المسوَّدة وَصَلَنا "المسند" ومن ثَمَّ وقع فيه خللٌ في جملةِ مواضعَ منه لا تَمَسُّ جوهرَ الكتاب، من مثل إدراج عدد من أحاديث المكثرين في غير مسانيدهم، وتكرارِ الحديثِ الواحد بإسناده ومتنه لِغير فائدةٍ في إعادته، وتفريق أحاديث الصحابي الواحد في أكثر من موضع من "المسند"، والخلط بين أحاديث الشاميين والمدنيين، وعدم التمييز بين روايات الكوفيين والبصريين، وتداخل بعض أحاديث الرجال بأحاديث النساء، واختلاط مسانيد القبائل بمسانيد أهل البلدان. وقد نبَّه على ذلك كُلِّه الحافظ ابن عساكر في كتابه "ترتيب أسماء الصحابة الذين أخرج حديثهم أحمدُ بن حنبل في المسند". ثم قال: ولست أظن ذلك إن شاء الله وقع من جهة أبي عبد الله ﵀، فإن محلَّه في هذا العلم أوفى، ومثل هذا على مثله لا يخفى، وقد نُراه توفي قبل تهذيبه، ونَزَلَ به أجلُه قبل تلفيقه
стр. 59
وترتيبه، وإنما قرأه لأهل بيته قبل بذل مجهوده فيه خوفاً من حلول عائق بموته دونَ بلوغ مقصوده فيما يرتضيه.
وقد بيَّن الدكتور عامر حسن صبري محقق كتاب "ترتيب أسماء الصحابة" الأحاديث التي أدرجت في غير موضعها من "المسند"، معتمداً على الطبعة الميمنية، وها نحن نثبتها هنا نقلاً عنه مقدرين لجهوده، شاكرين لفضله:
١ - أنس بن مالك: له حديثٌ في مسند عمر ١/ ٥٦، وآخران في مسند عثمان ١/ ٥٦، وأحاديث في مسند ابن عباس ١/ ٢٥٩ و ٢٦٧ و ٢٩٦ و ٣٦٣، وحديث في مسند جابر ٣/ ٣٧٨.
٢ - البراءُ بن عازب: له حديث في مسند ابن أبي أوفى ٤/ ٣٥٤، وحديثان في مسند زيد بن أرقم ٤/ ٣٧٢ و ٣٧٣.
٣ - جابرُ بنُ عبد الله الأنصاري: له حديث في مسند ابن عباس ١/ ٢٤٢، وآخر في مسند ابن عمر ٢/ ٣٥ وحديث في مسند عبد الله بن عمرو ٢/ ١٨١، وحديثان في مسند أبي هريرة ٢/ ٣٤٤ و ٤٢٦، وأحاديث في مسند أبي سعيد الخدري ٣/ ٨ و ١٢ و ٧٥، وحديث في مسند سلمة بن الأكوع ٤/ ٤٧، وآخر في مسند عبد الله بن ثعلبة بن صُعير ٥/ ٤٣١.
٤ - الحسنُ بن علي بن أبي طالب: له حديث في مسند أبي هريرة ٢/ ٤٢٩.
٥ - الحسين بن علي بن أبي طالب: له حديث في مسند أبيه ١/ ٧٨.
٦ - خزيمة بن ثابت الأنصاري: له حديث في مسند سعد بن أبي وقاص ١/ ١٨٢.
стр. 60
٧ - زيدُ بن أرقم: له حديثٌ في مسند علي بن أبي طالب ١/ ١١٨.
٨ - سعد بن مالك أبي وقاص: له حديث في مسند أبي هريرة ٢/ ٣٣٠ - ٣٣١، وآخر في مسند أبي بكرة ٥/ ٤٦.
٩ - سهل بن أبي حَثْمة: له حديث في مسند رافع بن خديج ٤/ ١٤٠.
١٠ - طلحة بن عبيد الله: له حديث في مسند أبي هريرة ٢/ ٣٣٣.
١١ - عبادة بن الصامت: له حديث في مسند فضالة بن عبيد ٦/ ٢١.
١٢ - عبد الله بن الزبير: له حديثان في مسند عمر ١/ ٢٧ و ٣٨، وآخر في مسند ابن عباس ١/ ٢٤٠، وثالث في مسند ابن عمر ٢/ ١٣٩، ورابع في مسند جابر ٣/ ٣١٣.
١٣ - عبد الله بن زيد بن عاصم: له حديث في مسند أبي بشير ٥/ ٢١٦.
١٤ - عبد الله بن زيد بن عبد ربه: له حديث في مسند أبي بشير ٥/ ٢١٦.
١٥ - عبد الله بن عباس: له أحاديث في مسند عمر ١/ ٢٣ و ٢٧ و ٣٨، وأحاديث في مسند ابن عمر ٢/ ٢٧ و ٣٩ و ٧٨ و ٨٤ و ١٣٩، وحديث في مسند جابر ٣/ ٣٧٢، وحديث في مسند أبي هريرة ٢/ ٥٢٥، وحديث في مسند أبي عامر الأشعري ٤/ ١٦٤، وحديث في مسند زيد بن ثابت ٥/ ١٨٣، وأحاديث في مسند عائشة ٦/ ٣٤ و ٥٥ و ٢١٥ و ٢٧٥.
١٦ - عبد الله بن عمر بن الخطاب: له أحاديث في آخر مسند أبيه ١/ ٥٦ و ٥٧، وحديث في مسند عثمان ١/ ٦٦، وأحاديث في مسند ابن
стр. 61
عباس ١/ ٢٧ و ٢٤١ و ٢٥٤ و ٢٨٠ و ٣٣٠ و ٣٣٥ و ٣٣٨ و ٣٥٢ و ٣٦١، وله ثلاثة أحاديث في مسند أبي سعيد ٣/ ٥٨ و ٧٣ و ٩٠، وحديث في مسند أنس ٣/ ١٢٤، وحديثان في مسند جابر ٣/ ٣٧٢ و ٣٨٦، وحديثان في مسند عائشة ٦/ ٨٠ و ٢١٤، وآخران في مسند حفصة ٦/ ٢٨٣ و ٢٨٤.
١٧ - عبد الله بن عمرو بن العاص: له حديث في مسند ابن عباس ١/ ٢٧١.
١٨ - عبد الله بن مسعود: له حديث في مسند أبي هريرة ٢/ ٤٧٤، وحايث في مسند جابر ٣/ ٣٩٧، وحديث في مسند الأشعث بن قيس ٥/ ٢١٢.
١٩ - علي بن أبي طالب: له حديث في مسند عثمان ١/ ٦١ و ٧٠ و ٧٢، وحديث في مسند ابن عباس ١/ ٣١٥.
٢٠ - علي بن طلق الحنفي: له حديث في مسند علي بن أبي طالب ١/ ٨٦.
٢١ - عمرو بن عوف الأنصاري: له حديث في مسند ابن عباس ١/ ٣٠٦.
٢٢ - عمر بن الخطاب: له حديث في مسند أبي بكر ١/ ٧١، وحديثان في مسند ابن عباس ١/ ٢٦٣ و ٢٦٤.
٢٣ - الفضل بن العباس: له حديثان في مسند أخيه عبد الله ١/ ٣٥٥ و ٣٥٩، وحديث في مسند المطلب بن ربيعة ٤/ ١٦٧.
٢٤ - معاذ بن جبل: له حديث في مسند ابن أبي أوفى ٤/ ٣٨١.
стр. 62
٢٥ - مقدام بن معد يكرب: له حديث في مسند المقداد بن عمرو ٤/ ٦.
٢٦ - نافع بن عتبة: له حديثان في مسند سعد بن أبي وقاص ١/ ١٧٨.
٢٧ - أبو الدرداء: له حديث في مسند أبي هريرة ٢/ ٣٥٧.
٢٨ - أبو ذر الغفاري: له حديث في مسند رافع بن عمرو ٥/ ٣١.
٢٩ - أبو سَريحة الغفاري: له حديث في مسند أبي رافع ٦/ ١٠.
٣٠ - أبو سعيد الخدري: له حديث في مسند عمر ١/ ٢٧، وأحاديث في مسند أبي هريرة ٢/ ٢٣٢ و ٢٧٢ و ٣٠٢ و ٣٠٣ و ٣١٠ و ٣١٩ و ٣٨٣ و ٤٤٧ و ٤٤٩ و ٤٦٥ و ٤٧١ و ٤٧٩، وحديث في مسند أنس ٣/ ٢٢٤، وحديثان في مسند جابر ٣/ ٢٩٨ و ٣٧١، وله حديث في مسند زيد بن أرقم ٤/ ٣٧٤.
٣١ - أبو الطفيل بن واثلة: له حديث في مسند ابن عباس ١/ ٢٩٨.
٣٢ - أبو مالك الأشجعي: له حديث في مسند أبي هريرة ٢/ ٢٨٦.
٣٣ - أبو موسى الأشعري: له أحاديث في مسند ابن مسعود ١/ ٤٠٢ و ٤٠٥ و ٤٥٠.
٣٤ - أبو هريرة: له حديثان في مسند ابن عباس ١/ ٢٥٨ و ٢٨٩، وحديثان في مسند ابن مسعود ١/ ٣٩٨ و ٤٠٠، وأحاديث في مسند ابن عمر ٢/ ٣٧ و ١٠١ و ١٣٢، وأحاديث في مسند أبي سعيد الخدري ٣/ ٤ و ٥ و ٨ و ١٢ و ١٨ و ٣٣ و ٣٥ و ٤٣ و ٤٩ و ٥٨ و ٦٥ و ٧٠ و ٧٤ و ٨١ و ٨٨ و ٩٢ و ٩٤ و ٩٥، وحديث في مسند أنس ٣/ ١٢٥، وأحاديث في مسند جابر ٣/ ٢٩٨ و ٣١٩ و ٤٠٠، وحديث في مسند أبي طلحة بن سهل ٤/ ٢٨، وحديث في مسند تميم ٤/ ١٠٣، وحديث في مسند زيد بن خالد ٤/ ١١٥، وحديث في مسند
стр. 63
عمرو بن العاص ٤/ ٢٠٤، وحديث في مسند عبد الله بن عدي ٤/ ٣٠٥، وحديث في مسند حابس ٥/ ٧٠، وأحاديث في مسند عائشة ٦/ ٧٣ و ١٦٩ و ٢٤٤.
٣٥ - دُرة بنت أبي لهب: لها حديث في مسند عائشة ٦/ ٦٨.
٣٦ - سودة بنت زمعة: لها حديث في مسند ابن عباس ١/ ٣٢٨.
٣٧ - عائشة بنت أبي بكر: لها أحاديث في مسند ابن عباس ١/ ٢١٨ و ٢٢٩ و ٢٥٠ و ٢٨٨ و ٢٩٦، وحديث في مسند ابن عمر ٢/ ١٤٠، وحديثان في مسند أبي هريرة ٢/ ٢٧٧ و ٢٧٨، وحديث في مسند أنس ٣/ ٢٦٦، وحديث في مسند حفصة ٦/ ٢٨٦، وأحاديث في مسند أم سلمة ٦/ ٢٨٩ و ٢٩٠ و ٣٠٨ و ٣١٣، وحديثان في مسند ميمونة ٦/ ٣٣٣ و ٣٣٥.
٣٨ - ميمونة بنت الحارث: لها حديث في مسند عائشة ٦/ ١٩٣.
٣٩ - أم سلمة هند بنت أبي أمية: لها أحاديث في مسند عائشة ٦/ ٣٣ و ٣٤ و ٣٦ و ١٨٤ و ٢٠٣ و ٢٤٥ و ٢٥٩، وحديث في مسند أم حبيبة ٦/ ٣٣٦.
قلنا: إن الفهارسَ التي سَنَقُومُ بصُنْعِها تتكفَّلُ إن شاء الله بتقويم هذا الخلل، مع الاحتفاظ في الوقت نفسِه بنشر "المسند" على الصورة التي تركه بها مؤلِّفُه الإِمام أحمد، ﵀.
٦ - أقسام الأحاديث التي في المسند:
وهذا "المسند" الذي ينتظمُ نحو ثلاثين ألفَ حديثٍ مُسْنَدةٍ، تنقسم أحاديثُه بطريق الاستقراء إلى ستة أقسام، منها ما هو صحيحٌ لذاته، ومنها ما هو صحيحٌ لغيره، ومنها ما هو حسن لذاته، ومنها ما هو حسن لغيره (١)، ومنها
ما هو ضعيفٌ ضعفاً خفيفاً، ومنها ما هو شديدُ الضعف، يكاد يقتربُ من الموضوع.
وهذه الأقسام بأنواعها ما عدا الأخير منها يُقِرُّ بوجودها في "المسند" الإمامُ أحمد، وكثيرٌ من أتباعه، ومِن غير أتباعه الذين لهم معرفةٌ بهذا الفنِّ.
ونحن نرى أحقيَّةَ هذا التقسيم وصحته؛ لأنَّ الدراسةَ الجادة التي قُمنا بها لكل حديث من أحاديثه جَعَلَتْنا نطمئنُّ إليه كلَّ الاطمئنان.
أما القضيةُ التي أُثيرت قديماً حولَ ما إذا كان في المسند أحاديثُ ضعيفة أو معلولة، فهذا مما يُسَلِّمُ به من له معرفة بهذا الشأن، والإِمامُ أحمد نفسُه يقول لابنه عن منهجه في "المسند": قَصَدْتُ في "المسند" الحديثَ المشهور، وتركتُ الناسَ تحت ستر الله تعالى، ولو أردتُ أن أقصِدَ ما صحَّ عندي، لم أروِ من هذا "المسند" إلا الشيءَ بَعْدَ الشيء، ولكنك يا بني تعرفُ طريقتي في الحديث، لستُ أُخالِفُ ما ضَعُفَ إذا لم يكن في الباب ما يَدفَعُه (١).
وفي كتاب "العلل" للإِمام أحمد عددٌ غيرُ قليلٍ من الأحاديث التي طَعَنَ هو بصحتها، وهي موجودةٌ في "المسند".
١ - فقد جاء في "العلل" رقم (١٨٨): حدثنا سفيان، قال: سمعناه من أربعة عن عائشة لم يرفعوه: زُريق وعبد الله بن أبي بكر، ويحيى وعبد ربه، سمعوه من عمرة يعني القطع في ربع دينار. أعله بالوقف، وهو في "المسند" ٦/ ١٠٤.
٢ - وفيه (٣٦٧): سألت أبي قلت: يصح حديث سمرة عن النبي ﷺ :
стр. 66
"من ترك الجمعة عليه دينار أو نصف دينار يتصدق به" فقال: قدامة بن وبرة يرويه لا يُعرف رواه أيوب أبو العلاء (وهي عند أبي داود ١٠٥٤) فلم يصل إسناده كما وصله همام، قال: "نصف درهم أو درهم" خالفه في الحكم، وقصر في الإسناد. وهو في "المسند" ٥/ ٨ و ١٤.
٣ - حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن رسول الله ﷺ "رد ابنته إلى أبي العاص بمهر جديد ونكاح جديد" ضعفه في "المسند" ٢/ ٢٠٧ - ٢٠٨ وفي "العلل" (٥٣٨) و (٥٣٩).
٤ - في "العلل" (٧٠٩) و (٧١٥) أعل حديث عبد الله بن مسعود "ألا أصلي لكم صلاة رسول الله ﷺ ؟ قال: فصلى، فلم يرفع يديه إلا مرة" وهو في "المسند" ١/ ٣٨٨.
٥ - وفيه (١٢٩٠): حدثني أبي، قال: حدثني يحيى بن سعيد، عن علي بن المبارك، قال: حدثني يحيى بن أبي كثير أن عمر بن معتب أخبره أن أبا حسن مولى بني نوفل أخبره أنه استفتى ابن عباس في مملوك تحته مملوكة، فطلقها تطليقتين، ثم أعتقها هل يصلح أن يخطبها؟ قال: نعم قضى بذلك رسول الله ﷺ . سمعت أبي يقول: قال ابن المبارك لمعمر: يا أبا عروة، من أبو حسن هذا؟ لقد تحمل صخرة عظيمة. قال أبي: أبو حسن مولى عبد الله بن الحارث روى عنه الزهري وعمر بن معتب، فقلت لأبي: من عمر بن معتب هذا؟ فقال: روى عنه محمد بن أبي يحيى، قلت له: أعني عمر بن معتب: هو ثقة؟ قال: لا أدري. وهو في "المسند" ١/ ٢٢٩.
٦ - وفيه (١٣٦٦): سألته عن حديث عمر بن بيان التغلبي عن عروة بن المغيرة، عن أبيه، عن النبي ﷺ : "من باع الخمر فليشقص الخنازير" قلت: من عمر بن بيان؟ فقال: لا أعرفه. وهو في "المسند" ٤/ ٢٥٣.
стр. 67
٧ - وفيه (١٧١١): سمعت أبي يقول في حديث أبي بشر عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: قبض النبي ﷺ وأنا ابن عشر سنين قد قرأت المحكم، قال أبي: هذا عندي واه، أظنه قال: ضعيف. وهو في "المسند" ١/ ٢٥٣.
٨ - وفيه (١٧٩٥): أنه قال في حديث ابن عمر: "أحلت لنا ميتتان ودمان .... " هو منكر، وضعفه بعبد الرحمن بن زيد بن أسلم أحد رواته، وهو في "المسند" ٢/ ٩٧.
٩ - وفيه (١٨٨٤): سألت أبي عن حديث شعبة، عن أبي التياح، قال: سمعت أبا الجعد، عن أبي أمامة: خرج النبي على قاص …
قال أبي: لا أدري من أبو الجعد هذا. وهو في "المسند" ٥/ ٢٦١.
ولو كان كتاب "العلل" للخلال بين أيدينا، لوقفنا فيه على أحاديث كثيرة مما هو في "المسند" قد طعن فيها الإِمام أحمد كما قال ابن الجوزي ﵀، فيما سيأتي من كلامه قريباً.
وقال العلامةُ ابنُ القيم في كتاب "الفروسية"، الورقة ١٩٠ - ١٩١ من نسخة الظاهرية، وهو يَرُدُّ دعوى القائل: إنَّ ما سكت عنه أحمدُ في المسند صحيح: إنَّ هذه الدعوى لا مُسْتَنَدَ لها البتة، بل أهلُ الحديث كُلُّهُمْ على خلافها، والإِمامُ أحمد لم يشترط في مسنده الصحيحَ، ولا التزمه، وفي مسنده عِدَّةُ أحاديثَ سُئِلَ هو عنها، فضعفها يعينها، وأنكرها:
١ - كما روى ٢/ ٤٤٢ حديث العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة يرفعه: "إذا كانَ النصفُ مِنْ شعبان فَأَمْسِكُوا عن الصِّيَامِ حتى يكونَ رمضان".
وقال حرب: سمعتُ أحمد يقول: هذا حديثٌ منكر، ولم يُحدث العلاءُ بحديثٍ أنكرَ من هذا وكان عبدُ الرحمن بنُ مهدي لا يُحَدِّثُ به البتة.
стр. 68
٢ - وروى ٦/ ٢٨٧ حديث: "لا صِيَامَ لمن لم يُبَيِّتِ الصيامَ من الليل".
وسأله الميموني عنه، فقال: أُخْبِرُك ما له عندي ذلك الإِسناد إلا أنَّه عن عائشة وحفصة إسنادان جيدان. يريد أنه موقوف.
٣ - وروى ٢/ ٣٨٦ و ٤٤٢ و ٤٥٨ و ٤٧٠ حديث ابن المطوس عن أبيه، عن أبي هريرة: "من أفطر يوماً من رمضان لم يقضه عنه صيامُ الدهر".
وقال في رواية مهنا وقد سأله عنه: لا أعرف أبا المطوس، ولا ابن المطوس.
٤ - وروى ٢/ ٤١٨ و ٣/ ٤١: "لا وضوء لِمن لم يَذْكُرِ اسمَ الله عليه".
وقال المَرُّوذي: لم يصححه أبو عبد الله، وقال: ليس فيه شيءٌ يثبُتُ.
٥ - وروى ٦/ ١١٣ و ١١٤ و ١٧١ و ٢٣٦ حديث عائشة: "مُرْنَ أزواجَكُنَّ أن يَغْسِلُوا عنهم أَثَرَ الغَائِطِ والبولِ فإنِّي أَسْتَحييهم، وكان رسولُ الله ﷺ يفعلُه".
وقال في رواية حرب: لم يصحَّ في الاستنجاء بالماء حديثٌ، قيل له: فحديث عائشة قال: لا يصح، لأنَّ غير قتادة لا يرفعه.
٦ - وروى ٦/ ٢٣٩ حديث عراك عن عائشة: "حَوِّلوا مقعدتي نحوَ القبلة".
وأعله بالإرسال، وأنكر أن يكونَ عراك سَمِعَ من عائشة، ويروى لجعفر بن الزبير، وقال في رواية المرُّوذي: ليس بشيء.
٧ - وروى ١/ ٢٣٣ و ٢٦٨ و ٣٣٢ و ٣٣٦ و ٣٧٢ حديثَ: "وضؤ النبي ﷺ مَرَّةً مرَّةً".
стр. 69
وقال في رواية مهنا: الأحاديثُ فيه ضعيفة.
٨ - وروى ٣/ ٤٨١ حديث طلحة بن مصرِّف عن أبيه عن جده "أن النبيَّ ﷺ مسح رأسه حتى بلغ القَذَالَ".
وأنكره في رواية أبي داود وقال: ما أدري ما هذا؟ وابنُ عيينة كان ينكره.
٩ - وروى ٢/ ٢٢٣ حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده يرفعه: "أيُّما رَجُلٍ مَسَّ ذكره فليتوضأ".
وقال في رواية أحمد بن هاشم الأنطاكي: ليس بذاك، وكأنَّه ضعفه.
١٠ - وروى ٥/ ١٩٤ حديث زيد بن خالد الجهني يرفعه: "مَن مَسَّ ذكره فليتوضأ".
وقال مهنا: سألتُ أحمد عنه فقال: ليس بصحيح الحديث، والحديث حديثُ بسرة! فقلت: مِن قِبَل مَنْ جاء خطؤه؟ فقال: مِن قبل ابن إسحاق أخطأ فيه، ومن طريقه رواه في "مسنده".
١١ - وروى ٦/ ٢٦٢ عن عائشة: "مَدَّت امرأةٌ مِنْ وراء السّتر بيدها كتاباً إلى رسولِ الله ﷺ ، فَقَبَضَ النبيُّ ﷺ يده، وقال: ما أدري أيد رجلٍ أم يد امرأة، قال: لو كنت امرأة غَيَّرْتِ أظفارَك بالحِناء" وقال في رواية حنبل: هذا حديثٌ منكر.
١٢ - وروى ٢/ ١٩٨ حديث أبي هريرة يرفعه: "مَنِ اسْتَقَاءَ فَلْيُفْطِرْ، ومن ذَرَعَهُ القيءُ فَلَيْسَ عليه قضاء".
وعلله في رواية مهنا، وقال أبو داود: سألتُ أحمد عن هذا فقال:
стр. 70
ليس هذا بشيء، إنما هو "من أكل ناسياً فإنما أطعمه الله تعالى وسقاه".
١٣ - وروى ١/ ٢١٥ و ٢٢٢ و ٢٤٤ و ٢٨٠ حديث ابنِ عباس: "أن النبيَّ ﷺ احتجم وهو صائم".
وقال في رواية مهنا وقد سأله عن هذا الحديث فقال: ليس بصحيح.
١٤ - وروى ٢/ ٩٨ حديث ابن عمر يرفعه: "مَن اشْتَرَى ثَوباً بِعَشْرَةِ دَرَاهِمَ وفيه دِرْهَمٌ حرامٌ لم تُقْبَلْ له صَلاةٌ ما دَامَ عليَه".
وسأله أبو طالب عن هذا الحديثِ فقال: ليس به شيء له إسناد، وقال في رواية مهنا: لا أعرفُ يزيد بن عبد الله، ولا هاشماً الأوقص، ومن طريقهما رواه.
١٥ - وروى (وهو في "العلل" (٥٩٨٢) وليس في "المسند") عن القواريري، عن معاذ بن معاذ، عن أشعث الحُمراني، عن ابن سيرين عن عبد الله بن شقيق، عن عائشة: "كان رسولُ الله ﷺ لا يُصلي في شُعرنا ولا لُحفنا".
وقال في رواية ابنه عبد الله: ما سمعتُ عن أشعث أنكرَ من هذا، وأنكره انكاراً شديداً.
١٦ - وروى ١/ ١٠٤ حديث علي أن العباس سألَ رسولَ الله ﷺ في تعجيل صدقته قبل أن تَحِلَّ، فَرَخَّص له.
وقال الأثرم: سمعتُ أبا عبد الله ذُكِرَ له هذا الحديثُ فضعفه، وقال: ليس ذلك بشيءٍ، هذا مع أن مذهبَه جوازُ تعجيل الزكاة.
١٧ - وروى ٦/ ٢٩١ حديثَ أمِّ سلمة أن رسول الله ﷺ أمرها أن توافيه يومَ النحر بمكة.
стр. 71
وقال في رواية الأثرم: هو خطأ، وقال وكيع عن أبيه مرسل أن النبي ﷺ أمرها أن توافيه صلاة الصبح يوم النحر بمكة أو نحو هذا.
وهذا أيضاً عجب، النبي ﷺ يوم النحر ما يصنع بمكة! يُنْكِرُ ذلك.
١٨ - وروى ٢/ ٣٢١ حديث أبي هريرة يرفعه: "مَن وَجَدَ سَعَةً فلم يُضَحِّ فلا يَقْرَبَنَّ مُصَلَّانا".
وقال في رواية حنبل: هذا حديث منكر.
١٩ - ونظير ما نحن فيه سواء بسواء ما رواه ٦/ ٢٤٧ عن عثمان بن عمر، حدثنا يونس، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال: "لا نَذْرَ في معصية وكفارتُه كَفَّارَةُ اليمين".
فهذا حديث رواه وبنى عليه مذهبَه، واحتج به، ثم قال في رواية حنبل: هذا حديث منكر.
وهذا بابٌ واسع جداً لو تتبعناه لجاء كتاباً كبيراً.
والمقصودُ أنه ليس كُلُّ ما رواه، وسَكَتَ عنه يكونُ صحيحاً عنده وحتى لو كان صحيحاً عنده، وخالفه غيرُه في تصحيحه لم يكن قولُه حُجَّةً على نظيره.
وبهذا يُعرف وهم الحافظ أبي موسى المديني في قوله في "خصائص المسند" ص ٢٤: إنَّ ما خَرَّجه الإِمام أحمد في مسنده، فهو صحيحٌ عنده، فإن أحمد لم يقل ذلك قط، ولا قال ما يَدُلُّ عليه، بل قال ما يَدُلُّ على خلافِ ذلكَ كما قال أبو العز بنُ كادش كما في "خصائص المسند" ص ٢٧: إن عبد الله بن أحمد ابن حنبل قال لأبيه؟ ما تقول في حديث ربعي عن حذيفة؟ قال: الذي يرويه عبد العزيز بن أبي رواد؟ قلتُ: يصح؟ قال: لا، الأحاديثُ
стр. 72
بخلافه، وقد رواه الحفاظ عن ربعي عن رجلٍ لم يسمه، قال: فقلت له: قد ذكرتَه في "المسند"؟ فقال: قصدت في المسندِ الحديثَ المشهورَ وتركتُ الناسَ تحت سِتر الله، ولو أردتُ أن أَقْصِدَ ما صَحَّ عندي، لم أَرْوِ هذا المسندَ إلا الشيءَ بعدَ الشيء، ولكنك يا بني تَعْرِفُ طريقتي في الحديث لستُ أُخَالِفُ ما فيه ضعفٌ إذا لم يَكُنْ في البابِ شَيءٌ يدفعه. فهذا تصريحٌ منه رحمه الله تعالى بأنه أخرج فيه الصحيحَ وغيرَه.
وقد استشكل أبو موسى المديني هذه الحكاية في "خصائص المسند" ص ٢٧ وظنها كلاماً متناقضاً، فقال: ما أظن هذا يَصِحُّ، لأنَّه كلامٌ متناقض، لأنه يقولُ: لَسْتُ أخالِفُ ما فيه ضعف إذا لم يكن في الباب شيء يدفعه، وهو يقول في هذا الحديث: الأحاديثُ بخلافه، قال: وإن صحَّ، فلعله كان أولاً، ثم أخرج منه ما ضعف، لأني طلبته في المسند، فلم أجده.
قال ابن القيم: ليس في هذا تناقضٌ من أحمد رحمه الله تعالى، بل هذا هو أصله الذي بنى عليه مذهبه وهو لا يُقَدِّمُ على الحديث الصحيحِ شيئاً لا عملاً ولا قياساً، ولا قولَ صاحب، وإذا لم يكن في المسألة حديثٌ صحيح، وكان فيها حديثٌ ضعيف، وليس في الباب شيء يَرُدُّه، عَمِلَ به، فإن عارضه ما هو أقوى منه تركه للمُعَارِضِ القوي، وإذا كان في المسألة حديث ضعيف وقياسٌ، قدَّمَ الحديثَ الضعيفَ على القياس انتهى.
وقد نَقَلَ ابنُ الجوزي من خط القاضي أبي يعلى الفَرَّاء في مسألة النبيذ، قال: إنما روى أحمدُ في "مسنده" ما اشتهر، ولم يقصِدِ الصحيحَ ولا السقيمَ (١).
وقال عبدُ الله: هذا "المسندُ" أخرجه أبي ﵀ من سبع مئة ألف
стр. 73
حديث (١)، وأخرج فيه أحاديث معلولةً، بعضُها ذَكَر علَلَها، وسائرها في كتاب "العلل" لئلا يخرَّج في الصحيح (٢).
وقد صوَّرَ لنا ابنُ الجوزي استغرابَ معاصريه من أن يكونَ في "المسند" ما ليس بصحيح، فقال: كان قد سألني بعضُ أصحاب الحديث: هل في "مسند الإمام أحمد" ما ليس بصحيح؟ فقلتُ: نعم. فعظَّمَ ذلك جماعةٌ ينتسبون إلى المذهب، فحَمَلْتُ أمرَهم على أنهم عوامُّ، وأهملتُ فكر ذلك، وإذا بهم قد كتبوا فتاوى، فكتب فيها جماعةٌ من أهل خُراسان منهم أبو العلاء الهَمَذاني، يُعظمون هذا القولَ ويردُّونَه، ويُقَبِّحون قولَ من قاله، فبقيتُ دَهِشاً متعجباً، وقلتُ في نفسي: واعجباً، صار المنتسبونَ إلى العلم عامَّةً أيضاً! وما ذاك إلا أنهم سَمِعُوا الحديثَ، ولم يَبحَثُوا عن صحيحه وسقيمه، وظنوا أنَّ مَنْ قال ما قلتُه قد تعرَّض للطَّعْنِ فيما أخرجه أحمد، وليس كذلك، فإن الإِمام أحمد روى المشهورَ والجيدَ وَالرديء، ثم هو قد رَدَّ كثيراً مما روى ولم يَقُلْ به، ولم يجعله مذهباً له، ومن نظر في كتاب "العلل" الذي صنَّفَه أبو بكر الخلّال رأى أحاديثَ كثيرةً كلها في "المسند" وقد طعن فيها أحمد (٣).
وقال الحافظ السخاوي في "شرح الألفية" ١/ ٨٩: والحق أن في مسند أحمد أحاديث كثيرة ضعيفة، وبعضُها أشدُّ في الضَّعف من بعض حتى إنَّ ابنَ الجوزي أدخل كثيراً منها في موضوعاته، ولكن قد تعقَّبَهُ في بعضها
стр. 74
الحافظ العراقيُّ في جزء له، وفي سائرها الحافظ ابن حجر، وحقَّقَ نفي الوضع عن جميع أحاديثه، وأنه أحسنُ انتقاءً وتحريراً من الكتبِ التي لم تلتزم الصحة في جمعها.
ولا يغُضُّ من قيمة المسند كثرة الأحاديث الضعيفة فيه، فإنَّ عدداً غير قليل منها صالحٌ للترقي إلى الحسن لغيره، والصحيح لغيره، وذلك بما وُجد له من متابعات وشواهد كما يظهر ذلك من تخريجنا للأحاديث وبيان درجاتها، وما تبقَّى منها، فهو من الضعيف الذي خَفَّ ضعفُه، ما عدا الأحاديث القليلة التي انتُقِدَتْ عليه، فإنه ﵀ كان يرى الأخذَ بها والعملَ بمضمونها، وتقديمَها على القياس كما مرَّ في قوله لابنه عبد الله: لستُ أُخالِفُ ما ضَعُفَ من الحديث إذا لم يكن في الباب ما يدفعه (١).
وقد قال شيخ الإِسلام ابن تيمية (٢): إن تعدُّدَ الطرقِ مع عدمِ التشاعر والاتفاق في العادة يُوجبُ العلمَ بمضمون المنقولِ - أي: بالقدر المشترك في أصل الخبر - لكن هذا يُنتَفَعُ به كثيراً في علم أحوال الناقلين - أي: نزعاتهم والجهة التي يحتمل أن يتعصَّبَ لها بعضُهم - وفي مثلِ هذا ينتفعُ برواية المجهول، والسيئِ الحفظ، وبالحديث المُرسَل، ونحو ذلك، ولهذا كان أهلُ العلم يَكتُبون مثلَ هذه الأحاديث، ويقولون: إنه يصلُحُ للشواهد والاعتبار ما لا يصلُح لغيره. قال الإمام أحمد: قد أكتبُ حديث الرجل لأعتبِرَه.
وقال شيخ الإِسلام أيضاً (٣): وقد يروي الإمامُ أحمد وإسحاقُ وغَيْرُهُما أحاديثَ تكون ضعيفةً عندهم لاتهام رواتها بسُوءِ الحفظ، ونحو ذلك، ليعتبرَ
стр. 75
بها ويستشهدَ بها، فإنه قد يكونُ لذلك الحديثِ ما يَشهَدُ أنه محفوظ، وقد يكونُ له ما يشهد بأنه خطأ، وقد يكونُ صاحبُها كذاباً في الباطن ليس مشهوراً بالكذب، بل يروي كثيراً من الصدق، فيُروى حديثه، وليس كلُّ ما رواه الفاسق يكون كذباً، بل يجب التبيُّنُ في خبره كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾، فيروى لتُنظَر سائر الشواهد هل تدلُّ على الصدق أو الكذب.
وقال ﵀ أيضاً (١): وليس كلُّ ما رواه أحمد في "المسند" وغيره يكون حجةً عنده، بل يروي ما رواه أهلُ العلم، وشرطُهُ في "المسند" أن لا يرويَ عن المعروفين بالكذبِ عنده، وإن كان في ذلك ما هو ضعيف.
وقال الإِمامُ الذهبيُّ عن "المسند" (٢): فيه جملةٌ من الأحاديث الضعيفة مما يَسوغُ نقلُها، ولا يجبُ الاحتجاجُ بها.
وكذلك قال الحافظ العراقي فيما نقله عنه الحافظ ابنُ حجر في "القول المسدَّد" (٣): إن في "المسند" أحاديثَ ضعيفة كثيرة.
وقال الحافظ ابن حجر (٤): و "مسند أحمد" ادَّعى قومٌ فيه الصحةَ، وكذا في شيوخه، وصنَّفَ الحافظُ أبو موسى المَدِيني في ذلك تصنيفاً، والحقُّ أنَّ أحاديثَه غالبُها جياد، والضعافُ منها إنما يُورِدُها للمتابعات، وفيه القليلُ من الضعاف الغرائبِ الأفرادِ، أخرجها، ثم صارَ يضرِبُ عليها شيئاً فشيئاً، وبقي منها بعدَه بقيةٌ.