← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 257

رفع اليدين في الصلاة

ابن القيم

Полный текст (343 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

عيسى بن عبد الله بن مالك، عن محمد بن عَمرو بن عطاء أَحَد بني مالك، عن عباس أو عياش بن سهل الساعدي: أنه كان في مجلسٍ فيه أبوه، وفي المجلس أبو هريرة، وأبو حُميد، وأبو أسَيد ... بهذا الخبر يزيد وينقص (١). فهذا الذي غرَّ من قال: إن محمد بن عَمرو لم يسمعه من أبي حُميد، وهذا ــ والله أعلم ــ من تخليط عيسى أو من دونَه؛ لأن محمدًا قد صرَّح بأنّ أبا حُميد حدَّثه وسمعه منه, ورآه حين حَدَّث به, فكيف يُدْخِل بينه وبينه عبَّاس بن سهل؟ وإنما وقع هذا لمّا رواه محمد بن عَمرو عن أبي حُميد، ورواه العبَّاس ابن سهل عن أبي حُميد، فخلّط بعضُ الرواة، وقال: عن محمد بن عَمرو عن العباس، وكان ينبغي أن يقول: وعن العباس بالواو، ولعلها سقطت من النسخة فرواه بإسقاطها. ويدلّ على هذا أيضًا: أنّ عيسى بن عبد الله قد سمعه من عبَّاس, كما في رواية ابن المبارك، فكيف يشافهه به عبَّاس مشافهةً ثم يرويه عن محمد ابن عَمرو عنه؟ فهذا كله يبيّن أنّ محمد بن عَمرو وعبَّاس بن سهل اشتركا في روايته عن أبي حُميد، فصحّ الحديثُ بحمد الله. وحَكَم الدليلُ الذي لا ريب في حكمه لمن صحّحه وأدخله في «صحيحه» على مَن ضعّفه وقدح فيه. وظهر أن العلة التي رُمي بها مما تدلُّ على قوَّته، وأنه محفوظ, وأن رواية عبَّاس بن سهل شاهدةٌ ومُصدِّقة لرواية

стр. 282

محمد بن عَمرو. وهكذا الحق يصدِّق بعضُه بعضًا. وقد رواه الشافعي من حديث إسحاق بن عبد الله، عن عبَّاس بن سهل, عن أبي حُميد ومن مَعَه من الصحابة (١). ورواه فُلَيح بن [ق ٨٤] سليمان، عن عبَّاس, عن أبي حُميد (٢). وهذا لا ذِكْر فيه لمحمد بن عَمرو, وهو إسناد متّصل تقومُ به الحجّة، فلا ينبغي الإعراضُ عن هذا والتعلّق على عبدالحميد بن جعفر بالباطل. ثم لو نزلنا عن هذا كلِّه، وضربنا عنه صفحًا إلى التسليم أن محمد ابن عَمرو لم يدرك أبا قتادة, فغايته أن يكون الوهم قد وقع في تسمية أبي قتادة وحده دون غيره ممن معه. وهذا لا يوجب بمجرّده ترك الحديث جُملةً، والقدحَ فيه عند أحدٍ من الناس. ولو كان كلُّ من غَلِط أو نسيَ واشتبه عليه اسم رجل بآخر سقطَ حديثُه= لغارت ينابيعُ العلم, وانقطعَ معينُه, وذهبت الأحاديث ــ إلا أقلها ــ من أيدينا، وعُطِّلت متونٌ وأسانيدُ هي أساس العلم، ويأبى اللهُ ذلك ورسولُه وورثةُ رسوله. فهب محمد بن عَمرو غلط في تسمية أبي قتادة وذِكْره، أيلزم من ذلك أن يكون ذِكْر باقي الصحابة غلطًا، ويقدحُ في قوله: «سمعت أبا حميد» , و «رأيت

стр. 283

أبا حُميد» , و «كنت في نفرٍ من أصحاب رسول الله ﷺ منهم أبو حُميد»؟! ولا ريبَ أن هذه اللفظة التي حصل بها التعلُّق عليه, وهي قوله: «فيهم أبو قتادة» لم يتفق عليها الرواة، فإن محمد بن عَمرو بن حَلْحلة رواه عن محمد بن عَمرو بن عطاء ولم يذكرها، ومن طريقه رواه البخاري (١). وأما عبدالحميد بن جعفر، فرواه عنه هُشَيم ولم يذكرها (٢)، ورواه عنه أبو عاصم الضحَّاك بن مَخْلد، ويحيى بن سعيد فذكراها عنه (٣). والظاهر ــ والله أعلم ــ أن عبدالحميد بن جعفر تفرَّدَ بها، وقد بيَّنا بطلان ما يوهم امتناع سماع محمد (٤) بن عطاء من أبي قتادة. ومما يُبيّن أنها ليست بوهم (٥): أن محمد بن مسلمة كان في أولئك الرَّهْط، ووفاته سنة ثلاث وأربعين، فإذا لم تتقاصر سنّ محمد بن عَمرو عن لقائه، فكيف تتقاصر عن لقاء أبي قتادة؟ ووفاته إما بعد الخمسين عند الأكثرين، أو قُبَيل (٦) الأربعين عند بعضهم. والله أعلم بالصواب وهو الموفّقُ له.

стр. 284

فصل [قول من ذهب إلى الرفع في المواطن الأربعة] وأما من ذهب إلى الرَّفع عند افتتاح الصلاة، والركوع، والرفع منه، وإذا قام من الثنتين في مغربٍ أو رباعيّة، وهو أحمد في رواية عنه. قال إسحاق بن إبراهيم في «مسائله» (١) ــ وهي من أقدم مسائل حُدّث بها عن الإمام أحمد ــ: «سمعت أبا عبد الله ــ وسئل عن الرجل إذا نهض من الركعتين: يرفع يديه؟ ــ فقال: إذا فعله فما أقْرَبه، فيه عن (٢) ابن عمر، عن النبيّ ﷺ ، وأبي حميد، وأحاديث صحاح». وهو وجهٌ لأصحاب الشافعي، واختاره أبو زكريا النواوي، وقال: هو الصحيح أو الصواب، فقد ثبت ذلك في «صحيح البخاري» وغيره عن رسول الله ﷺ ، ونصّ عليه الشافعي ﵀، وهو اختيار ابن المنذر وأبي علي الطبري (٣). [ق ٨٥] قلت: وجمهور أصحاب الشافعي وأحمد أنه لا يرفع يديه في هذا الموضع، وهو المنصوص عن أحمد في رواية المرّوذي وغيره.

стр. 285

قال الخلّال في «جامعه»: أخبرنا المرّوذي قال: سئل أبو عبد الله عن رفع اليدين إذا قام من الثنتين؟ فقال: لستُ أذهبُ إليه، وقد رواه أبو حُمَيد، ورواه عُبيدالله، عن نافع، عن ابن عمر. وبلغني أنَّ عبدالأعلى رفعه، إلا أنَّا نذهبُ إلى حديث الزُّهريّ، عن سالم، عن ابن عمر يعني عن النبيّ ﷺ : أنه كان لا يفعل ذلك في السجود. قال الخلال: وقال غير المرّوذي: قال أبو عبد الله: أثبتُ من روى هذا الحديث الزُّهريّ عن سالمٍ عن أبيه. قال الخلّال: وقال مهنأ: سألت أحمد ويحيى قلت: حدّثوني عن رِفْدة ابن قُضاعة الغسَّاني قال: ثنا الأوزاعي، عن عبد الله بن عُمير الليثي، عن أبيه، عن جدّه قال: كان رسول الله ﷺ يرفع يديه مع كلِّ تكبيرة في الصلاة المكتوبة (١) = فقالا: ليس بصحيح، ولا نعرف عُبيد بن عُمير يحدّث عن أبيه عن جده شيئًا، ولا غير جدِّه، ولا نعرف رِفْدة بن قُضاعة. وقال يحيى: رِفْدة بن قُضاعة قد سمعتُ منه وهو شيخ ضعيف، ولو كان جاء بهذا رجل معروفٌ مثل هِقْل كان عسى. انتهى كلام الخلال (٢).

стр. 286

فأحمد ﵀ ردّ رفع اليدين إذا قام من الثنتين بقول سالم عن أبيه عن النبيِّ ﷺ : أنه كان لا يفعل ذلك في السجود، وردّه بتضعيف حديث الرَّفع مع كلّ تكبيرة. وفي هذا الدّفع (١) نوعُ وهمٍ منه ﵀؛ فإنَّ البخاريّ في «صحيحه» (٢) قال: حدثنا عيَّاش، ثنا عبدالأعلى، ثنا عبيدالله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر: أنه كان إذا دخل في الصلاة كَبّر ورفع يديه، [وإذا ركع رفع يديه] وإذا قال: «سمع الله لمن حمده» رفعَ يديه، وإذا قام من الركعتين رفع يديه. ورفع ابن عمر ذلك إلى نبيّ الله ﷺ . ورواه أيضًا حماد بن سلمة، عن أيوب السختياني، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ (٣). ورواه أيضًا محمد بن عبدالأعلى الصنعاني، ثنا المُعْتَمِر بن سليمان، عن عبيدالله بن عمر، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، عن النبيّ ﷺ أنه كان يرفع يديه إذا جاء الصلاةَ (٤)، وإذا أراد أن يركع، وإذا رفع رأسَه من الرُّكوع، وإذا قام من الرّكعتين، يرفع يديه في ذلك

стр. 287

كلِّه (١). وقال أبو داود في «سننه» (٢): ثنا عثمان بن أبي شيبة، ومحمد بن عُبيد المحاربي قالا جميعًا: ثنا محمد بن الفضيل (٣)، عن عاصم بن كُلَيب، عن مُحارب بن دِثار، عن ابن عمر قال: كان النبيّ ﷺ إذا قام في الركعتين كَبّر ورفع يديه. وقال محمد بن عبدالسلام الخُشني: ثنا محمد بن بشَّار، ثنا عبد الوهاب [ق ٨٦] بن عبدالمجيد الثقفي، عن عبيدالله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر: أنه كان يرفع يديه إذا دخل في الصلاة، وإذا ركع، وإذا قال: «سمع الله لمن حمده»، وإذا سجد، وبين الركعتين يرفعهما إلى ثدييه (٤). فهذا عبيدالله بن عمر عن ابن شهاب عن سالم عن أبيه. وعبدالأعلى عن عبيدالله عن نافع عن ابن عمر. وأيوب السّخْتياني عن نافع عن ابن عمر. ومحارب بن دِثار عن ابن عمر: أنه رفع يديه عند القيام من الثنتين.

стр. 288

وفي حديث أبي حُميد الساعدي (١) في صفة صلاة النبي ﷺ قال: كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة يرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، وذكر الحديث ... وقال فيه: ثم إذا قام كبَّر ورفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه كما كبّر عند افتتاح الصلاة. قال أبو داود (٢): ثنا أحمد بن حنبل، ثنا أبو عاصم هو الضحّاك بن مَخْلد، أنبا عبدالحميد بن جعفر، أخبرني محمد بن عَمرو بن عطاء، قال: سمعت أبا حُمَيد الساعديّ في عشرةٍ من أصحاب رسول الله ﷺ ... فذكر الحديث بهذه الزيادة. وأما قوله: «وكان لا يفعل ذلك في السجود» فليس فيه نفيٌ للرفع عند القيام من الثنتين. وأما تضعيف رِفْدة بن قُضاعة عن عُبيد بن عُمير: أنه كان يرفع يديه مع كل تكبيرة في الصلاة المكتوبة؛ فلا يلزم منه تضعيف أحاديث الرَّفع عند القيام من الثنتين ولا تعليلها. وقال أبو البركات ابن تيميَّة في «شرحه» (٣): «وأما رفع اليدين عند

стр. 289

النُّهوض من الرَّكعتين إلى الثالثة؛ فالمشهور عن أحمد أنه لا يستحبُّ؛ لأن الأحاديث المتفق على صحَّتها إنما جاءت بالثلاثة المواضع. وعنه ما يدلُّ على استحبابه، وبه قال أهلُ الحجاز وابن المنذر وأبو علي الطبري من الشافعية، وهو الصحيح عندي؛ لأن ذلك قد صح من رواية عليٍّ وأبي حُميد في عشرة من الصحابة. وأخرج البخاري في «صحيحه» (١) عن نافع أن ابن عمر: كان إذا دخل في الصلاة كبّر ورفع يديه، وإذا ركع رفع يديه, وإذا قال: «سمع الله لمن حمده» رفع يديه، وإذا قام من الركعتين رفع يديه، ورفع ذلك ابنُ عمر إلى النبيّ ﷺ . ولم يَرِد في شيء من الأحاديث الصحيحة تصريحٌ بترك الرفع في هذا الموضع، ثم يحتمل أن إمساك من أمسك عنه، لكونه ﷺ كان يتركه في كثير من الأوقات بخلافه في المواضع الثلاثة، فيكون في الاستحباب دونها، ونحن نقول بذلك». * * *

стр. 290

فصل [قول من استحبّ رفع اليدين عند كل خفض ورفع] وأما من استحبَّ الرّفع عند كلِّ خفضٍ ورفع، وهو جماعةٌ من السَّلف وأحمد في رواية عنه, وأبو محمد بن حَزْم في غير تكبيرة الإحرام، فإنّه [ق ٨٧] يرى الرَّفع عندها فرضًا لازمًا. قال أحمد بن أصْرَم المُزَني: رأيت أبا عبد الله يعني أحمد يرفع يديه في الصلاة في كلّ خفضٍ ورفع. وسئل عن رفع اليدين في الصلاة؟ فقال: في كلِّ خفض ورفع. وسئل عن رفع اليدين إذا قام من الرّكعتين؟ فقال: قد فعل (١). وقال الميموني: رأيتُ أبا عبد الله عند الافتتاح، وعند الركوع والسجود يرفع جميعًا يديه قريبًا من أُذنيه (٢).

стр. 291

فحُجَّة هؤلاء تأتي في الفصل الذي بعد هذا، ولكن رفع اليدين عندهم في عدا المواضع الثلاثة ليس استحبابُه وسنّيته كالمواضع الثلاثة، فإنَّ تلك الرّفع فيها ثابت لا معارض له، والأحاديثُ فيه في غاية الصحَّة، وهو فيما عداها منقول بأحاديث ليست في الصحّة كتلك ولها معارض. * * *

стр. 292

فصل [قول من أوجب الرفع عند تكبيرة الإحرام] وأما مذهب أبي محمد بن حزم (١): أنه يجب رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام ويُسنُّ فيما عداها عند كلّ خفض ورفع، فإنه احتجَّ على وجوب الرّفع عند تكبيرة الإحرام بأنَّ رسول الله ﷺ فَعَلَه، وقال: «صلّوا كما رأيتموني أصلي» (٢)، ولم يثبت عنه ترك الرَّفع في هذا الموضع، بل جميع الأحاديث متفقة على الرَّفع عند الافتتاح فعلًا، وقد أمر الأمّة أن يصلوا كصلاته. وأما استحباب الرفع فيما عدا تكبيرة الإحرام؛ فلِفِعله ﷺ الذي قد صحَّ عنه. فأما حديث البراء بن عازب وابن مسعود (٣): أنه رفعهما في تكبيرة الإحرام ثم لم يَعُد؛ فهذا يدلُّ على أنه ليس بواجب، وفِعْله له يدلّ على أنه مستحبّ، فلذلك قلنا بكونه سنّة فيما عدا تكبيرة الافتتاح، وفرضًا في تكبيرة الافتتاح. قال أبو داود (٤): ثنا [عبيدالله بن عمر] (٥) بن ميسرة الجُشَمي، ثنا

стр. 293

عبدالوارث هو ابن سعيد، ثنا محمد بن جُحَادة، حدثني عبدالجبار بن وائل، قال: حدثني علقمة بن وائل (١)، عن وائل بن حُجْر، قال: صليت مع رسول الله ﷺ فكان إذا كبَّر رفع يديه، ثم التحف، ثم أخذ شماله بيمينه وأدخل يده في ثوبه، فإذا أراد أن يركع أخرج يديه ثم رفعهما، وإذا أراد أن يرفع رأسه من الركوع رفع يديه ثم سجد ووضع جبهته بين كفيه، وإذا رفع رأسه من السجود أيضًا رفع يديه حتى فرغ من صلاته. قال محمد بن جُحَادة: فذكرت ذلك للحسن بن أبي الحسن فقال: هي صلاة رسول الله ﷺ فعَلَه من فعَلَه وتَرَكَه من تَرَكَه. وقال النسائي (٢): أبنا محمد بن المثنى، ثنا معاذ بن هشام الدستوائي وعبد الأعلى ومحمد بن أبي عدي، قال عبدالأعلى وابن أبي عدي: عن سعيد ابن أبي عَروبة، عن قتادة. وقال معاذ: ثنا أبي [ق ٨٨] عن قتادة، ثم اتفقوا عن

стр. 294

نَصْر (١) بن عاصم، عن مالك بن الحويرث: رأى النبي ﷺ رفع يديه في صلاته إذا ركع، وإذا رفع رأسه من ركوعه، وإذا سجد، وإذا رفع رأسه من سجوده، حتى يحاذي بهما فروع أذنيه. هذا لفظ ابن أبي عدي وعبد الأعلى. وقال معاذٌ في حديثه: كان رسول الله ﷺ إذا دخل في الصلاة رفعَ يديه، وإذا ركع فعل مثل ذلك، وإذا رفع رأسه [من الركوع] فعل مثل ذلك، [وإذا رفع رأسه من السّجود فعل مثل ذلك]. وقال أبو بكر بن أبي شيبة (٢): ثنا عبد الوهاب بن عبدالمجيد الثقفي، عن حميد، عن أنس: أن رسول الله ﷺ كان يرفع يديه في الركوع والسجود. قال ابن حزم (٣) ــ وقد ساق أحاديثَ ابن عمر وأبي حُميد وأبي قتادة ووائل بن حُجر ومالك بن الحُويرث وأنس ــ: «فهذه آثار متواترة توجب يقين العلم، ولو كان ما رواه الزُّهري، عن سالم، عن ابن عمر زائدًا على ما رواه علقمة، عن ابن مسعود لوجب أخْذُ (٤) الزّيادة؛ لأن ابن عمر حكى أنه رأى ما لم يَرَه ابنُ مسعود من رفع رسول الله ﷺ يديه عند الركوع، وعند الرفع من الركوع، وكلاهما ثقة، وكلاهما حكى ما شاهد، وقد خفي على ابن مسعود أمر وضع اليدين على الرُّكبتين وعَرَفه غيره، وما نحمل كِلْتَا

стр. 295

روايتيهما إلا على المشاهدة الصحيحة (١). وكان ما رواه نافع ومحارب بن دثار كلاهما عن ابن عمر، وما رواه أبو حميد وأبو قتادة وثمانية من أصحاب رسول الله ﷺ ، من رفع اليدين عند القيام إلى الركعتين= زيادة على ما رواه الزُّهري عن سالم عن ابن عمر، وكلٌّ ثقةٌ، وكلٌّ مُصدَّق فيما ذكر أنه سمعه ورآه، وأَخْذُ الزيادة واجب». قلت: قد تقدّم أن الزّهري روى عن سالم عن أبيه الرفع عند القيام من الثنتين (٢). قال ابن حزم: «وكان ما رواه أنسٌ من رفع اليدين عند السجود: زيادة على ما رواه ابن عمر، والكلُّ ثقة فيما روى وشاهد. وكان ما رواه مالك بن الحويرث من رفع اليدين في كلّ ركوع ورفع [من ركوع]، وكلّ سجودٍ ورفعٍ من سجود: زائدًا على كلِّ ذلك، فالكلُّ ثقات فيما رووه وما سمعوه, وأخذ الزيادات فرض لا يجوز تركها؛ لأن الزيادة حُكْم قائم بنفسه رواه من عَلِم ولا يضرُّه سكوتُ من لم يروه عن روايته، كسائر الأحكام كلّها ولا فرق. وممن قال بما ذكرناه: ابن عمر ... ». ثم ساق من طريق عُبيدالله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر: أنه كان يرفع يديه إذا دخل في الصلاة، وإذا ركع، وإذا قال: «سمع الله لمن حمده»،

стр. 296

وإذا سجد، وبين الرّكعتين , وقد تقدم (١). ثم قال: «وهذا إسناد لا داخلة فيه، وما كان ابن عمر ليرجع إلى خلاف ما رواه من ترك الرّفع عند السجود إلا وقد صحَّ [ق ٨٩] عنده فعل النبيّ ﷺ لذلك». ثم ساق من طريق الخُشَني، ثنا محمد بن المثنى، ثنا أبو سهل النّضْر ابن كثير السعدي، قال: صلى إلى جنبي ابن طاووس في مسجد الخيف، فكان إذا رفع رأسه من السجدة الأولى رفع يديه تلقاء وجهه، فأنكرتُ ذلك عليه، وقلت لوُهَيب بن خالد: إنّ هذا يصنع شيئًا لم أر أحدًا يصنعه! فقال ابن طاووس: رأيت أبي يصنعه، وقال [أبي]: رأيت عبد الله بن عباس يصنعه (٢). ثم ساق من طريق حماد بن زيد، عن أيوب السختياني، قال: رأيت طاووسًا ونافعًا مولى ابن عباس (٣) يرفعان أيديهما بين السجدتين. قال حماد: وكان أيوب يفعله. ثم ساق من طريق عبدالرزَّاق، عن ابن جريج، قلت لعطاء: رأيتك تكبِّر بيديك حين تستفتح، وحين تركع، وحين ترفع رأسَك من الركعة، وحين ترفع رأسك من السجدة الأولى ومن الآخرة، وحين تستوي من مثنى، قال:

стр. 297

أجل. [قلت: تخْلُف باليدين الأذنين؟ قال: لا] (١) قد بلغني ذلك عن عثمان أنه كان يخلف بيديه أذنيه». قلت: أما زيادة رفع اليدين عند القيام من الثنتين، فصحيحة كما تقدم (٢) ولا مَطْعَن فيها، ولكن استحبابها دون استحباب الرَّفع في المواطن الثلاثة. وأما زيادة الرفع عند السجود والرفع منه، فلم يرو أصحابُ الصحيح منها شيئًا، والصحيح عن ابن عمر فعلًا منه وروايةً عن النبي ﷺ أنه كان لا يفعل ذلك في السجود، وهكذا سائر من روى عن ابن عمر فِعْله، فإنه اقتصر على المواضع الثلاثة، وصحَّ عنه الرَّفع في الرابع عند القيام من الثنتين. وأما حديث عبد الوهاب الثقفي، عن عبيدالله، عن نافع عنه: أنه كان يرفع يديه إذا سجد؛ فالزُّهريّ أحفظ وأثْبَت من عبد الوهاب الثقفي، وقد روى عن سالم عن أبيه، وعن نافع عنه: أنه كان (٣) لا يفعل ذلك في السجود (٤). فإذا تعارضت رواية الزُّهري ورواية عبد الوهاب كانت رواية الزُّهري أولى أن يؤخَذ بها. وكذلك رواية أيوب عن نافع لم يذكر فيها الرفع من السجود. وكذلك

стр. 298

رواية (١) مُحارب بن دِثار عن ابن عمر لا ذِكْر فيها للرفع للسجود ولا بين السجدتين (٢). وأما حديث مالك بن الحُوَيرث (٣)؛ فقد ذكر النسائيُّ علَّته في نفس الإسناد، وهي أنّ معاذ بن هشام قال: عن أبيه، عن قتادة، عن نَصْر بن عاصم، عن مالك بن الحويرث: كان رسول الله ﷺ إذا دخل في الصلاة رفع يديه، وإذا ركع فعل مثل ذلك، وإذا رفع رأسه فعل مثل ذلك فقط. فهذا موافقٌ لحديث ابن عمر وحديث أبي حُميد ومن معه، ولعل حديث ابن أبي عَديّ وعبدالأعلى رُوي بالمعنى، فظنَّ من رواه أنّ الرّفع عند رفع الرأس من الركوع والسجود. وبالجملة فهذا حديث معلول مخالف [ق ٩٠] للأحاديث الصحيحة عن ابن عمر وأبي حميد وغيرهما. وأما حديث وائل بن حُجر (٤)، فالصحيح من حديثه ما قدمناه في أول المسألة ولا ذِكْر فيه للرَّفع بين السجدتين. وأما حديث عبد الوهاب عن حُميد عن أنس: أن رسول الله ﷺ كان يرفع يديه في الركوع والسجود (٥)؛ فهذا ــ والله أعلم ــ من تخليط عبد الوهاب، وهو الذي روى أيضًا عن عُبيدالله عن نافع عن ابن عمر: أنه

стр. 299

كان يرفع يديه إذا سجد (١). وانفرد بذلك عن سائر أصحاب عبيدالله، وعمَّا رواه الناس عن نافع وسالم= فعُلِم غلط عبد الوهاب، وأنه لم يحفظ ذلك كما حفظه الزُّهري وأيوب وغيرهما. ومما يدلُّ على أنّ حديثَه عن حُميد عن أنس غلط: أن أصحاب أنس لم يذكر أحدٌ منهم عنه ذلك، ولا أصحاب حميد، غير رواية عبد الوهاب هذه التي انفرد بها، فهي شاذَّة منكرة. هذا، وأبو محمد لا يندفع بمثل هذا الكلام الذي المحاكمةُ فيه إلى ذوق العارفين بالحديث وأطبّاء علله وجهابذة نُقَّاده؛ فإنَّ الظّاهرية المحضةَ لا تناسب طريقَهم ولا تلتئم على أصولهم، فمن سَلَكها ومضى فيها كالسِّكَّة المُحْمَاة (٢) لم يطمع منازِعُه في استنزاله عن قوله، ولا في رجوعه إليه ألبتة. ولكلٍّ من علماء الإسلام اجتهادٌ يثيبه الله عليه، ويجمع له به بين أجرَين، أو يقتصر به على أجر واحد. ﵃ أجمعين، وجزاهم أفضل جزاء المحسنين.

стр. 300

فصل [قول من رأى الرفع كله واجبًا] وأما من رأى الرفعَ كلَّه واجبًا؛ فحجَّتهم فعل النبيّ ﷺ ، ومداومته عليه، وأمره للأمة أن يصلوا كما رأوه يصلي، ولم يصحِّح هؤلاء خبر البراء ابن عازب، ولا خبر ابن مسعود: أنه رفع يديه عند تكبيرة الإحرام ثم لم يعد (١)، وهذا كان طَرْد قول أبي محمد بن حَزْم، لكن صحَّح حديثَي البراء وابن مسعود. وقال بعد رواية حديث ابن مسعود: ألا أُريكم صلاةَ رسول الله ﷺ ، فرفع يديه في أول تكبيرة ثم لم يَعُد= فقال (٢): «هذا الخبر صحيح، وليس فيه إلا أنّ رفع اليدين فيما عدا تكبيرة الإحرام ليس فرضًا، ولولا هذا الخبر لكان رفع اليدين عند كلِّ خفْضٍ ورفع وتكبير وتحميد في الصلاة فرضًا؛ لأنه قد صحَّ عن النبي ﷺ رَفْع اليدين عند كل رفع، وصح عنه: «صلّوا كما رأيتموني أصلي» (٣)، فلولا حديث ابن مسعود هذا لكان فرضًا على كلِّ مصلٍّ أن يصلي كما كان ﷺ يصلي، لكن لمَّا صحَّ خبرُ ابن مسعود عَلِمْنا أن رفع اليدين فيما عدا تكبيرة الإحرام سنة ونَدْب فقط. وإن كان عليٌّ وابن مسعود لا يرفعان، فقد كان ابن عمر وابن عباس

стр. 301

وجماعة من أصحاب رسول الله ﷺ يرفعون، فليس فِعْلُ بعضهم حجّةً على فعل بعض، بل الحجّة على [ق ٩١] جميعهم ما صحَّ عن رسول الله- ﷺ . وعلى كلِّ حال، فإن كان ابن مسعود وعليٌّ لا يرفعان، فما جاء عنهما قطُّ أنهما كرها الرّفع ولا نهيا عنه كما يفعل هؤلاء». انتهى كلامه. فمن سلك هذه الطريقة ولم يصح عنده خبر ابن مسعود والبراء بن عازب= أوجب الرفعَ في المواطن التي صحَّ عن رسول الله ﷺ الرفعَ فيها، كما قال عليّ بن المديني: حقٌّ على المسلمين أن يرفعوا أيديهم على حديث ابن عمر (١). وكان عبد الله بن عمر يحصب من لم يرفع يديه (٢). ولا ريب أنّ الرّفع في الصلاة مراتب؛ أقواها: الرّفع عند تكبيرة الافتتاح، ويليه: الرّفع عند الرّكوع والرّفع منه، ويليه: الرّفع عند النهوض من الرّكعتين، ويليه: الرّفع عند السّجود والرفع منه. ومن تدبر الأحاديث ومخارِجَها ومراتبها تبين له ذلك، والله أعلم. وليس هذا الترتيب لأجل الاختلاف، ولكن هو مقتضى الأحاديث، وبه يُجْمَع بينها. ولا ريب أن أحاديث الرّفع في كلّ خفضٍ ورفع ليست باطلةً بأسرها، وليست في القوّة والشهرة كأحاديث الرّفع في المواطن الثلاثة. ولا ريب أنَّ من الصحابة من كان لا يرفع يديه عند الرّكوع والرّفع منه، ولم يكن

стр. 302

فيهم أحد يترك الرّفع عند افتتاح الصلاة، والرّفعُ فيه صحيح عن النبيّ ﷺ ، ولم يعارضه شيء ألبتة، فهو أقوى من غيره، والله أعلم. * * *

стр. 303

فصل [قول من غلا فأبطل الصلاة بالرفع] وأما من غلا في خلاف السنة فأبْطَلَ الصلاة بالرفع، فيقابله قول من أبطل الصلاة بتركه، وهم أعْذَر عند الله ورسوله وعند أهل العلم من أولئك، فإنهم أبطلوا الصلاة لخلوِّها عمّا فعله النبيّ ﷺ ، وداوم عليه، وأمر أمَّته أن يقتدوا به في صلاته، وأخَذَ به أصحابه من بعده، فجرى عندهم مجرى السجود على الجبهة دون الخدِّ، وعلى بطون الكفين دون ظهورهما، ولأنه عبوديّة لليدين في هذه المواطن؛ فتعطيل الرفع فيها تعطيلٌ لعبودية بعض البدن، فجرى مجرى تعطيل غيرها من الأعضاء عن العبودية، ولأنَّ الصّحابة أنكروا على من لم يرفع، وعاقبه بعضُهم بأن حَصَبه على تركه، ولأنّ مداومة النبيّ ﷺ أمارةُ وجوبه. قالوا: وأين إبطال الصلاة بالقهقهة من إبطالها بترك الرفع!؟ وكذلك أين إبطالها بترك التسمية التي صحَّ عن النبي ﷺ وخلفائه ترك الجهر بها ولم يصحّ عنهم قراءتها= مِنْ إبطالها بترك الرفع؟! قالوا: وكذلك من أَبْطَلها بترك التسبيح في الركوع والسجود، وسؤال المغفرة بين [ق ٩٢] السجدتين، بل من أبطلها بترك التأمين والاستفتاح والاستعاذة، وترك التعوُّذ في التشهد الأخير كقول طاووس ومن اتّبعه، ومن أبطلها بترك مباشرة المصلَّى بالجبهة، ومن أبطلها بترك الاعتماد في السجود، ومن أبطلها بترك تكبيرة من تكبيرات الانتقال أو ثلاث عمدًا، ومن أبطلها بترك التسليمة الثانية عمدًا، ومن أبطلها بترك التشهد الأول=

стр. 304

فليست الأحاديث في رفع اليدين ومواظبة النبيّ ﷺ عليها بدون الأحاديث في هذه الأشياء. وأما إبطال الصلاة بما كان النبيّ ﷺ يواظب عليه، وقد تواتر عنه وعن أصحابه فمن العظائم!! وإن أُحْسِن الظنُّ بقائله ظُنَّ به أنه لم يعتن بالحديث ولا سَمِعَه ولا كَتَبَه، ولا عَلِم ما تضمَّنته السُّنة من ذلك. * * *

стр. 305

فصل [مسائل تتعلق بالرفع وكيفيته وابتدائه وانتهائه] وهذه مسائل تتعلق بالرفع وكيفيته وابتدائه وانتهائه، ذكرناها ليكون الكتاب جامعًا لأحكام هذه المسألة كافيًا في معناه. المسألة الأولى: لا تختلف الرِّواية عن أحمد أن رفع اليدين في المواطن الثلاثة يطلق عليه أنه سنة رسول الله ﷺ . وهل يُطْلَق على تاركه أنه تاركٌ للسنة؟ فيه عن أحمد روايتان: إحداهما: أنه تارك للسنة، قال في رواية جعفر بن محمد: من ترك رفع اليدين في الصلاة ترى أنه قد ترك سنةً من سنن النبيّ ﷺ ؟ قال: نعم (١). وقال في رواية أبي نصر العجلي، وقد سأله عمن ترك رفع اليدين في الصلاة عند الركوع وبعدما يرفع رأسه أيكون قد ترك سنةً؟ قال: أخشى ذلك أو نحوه. وقال في رواية أبي بكر المرُّوذي ــ وقد سأله تقول: من ترك الرفع يكون تاركًا للسنة ــ قال: لا نقول هكذا، ولكن نقول: راغب عن فعل النبي ﷺ (٢).

стр. 306

قال القاضي في «الجامع» (١): فظاهر هذا أنه توقَّف عن إطلاق ذلك، وليس هذا على طريق المنع وإنما هو على طريق الاختيار في العبارة، يعني تحسين اللفظ؛ لأن النبي ﷺ قال: «مَن رَغِب عن سُنتي فليس مِني» (٢). فسمى تارك السنة: راغبًا عنها، فأحبَّ أحمد اتباع لفظ النبي ﷺ . وإلَّا فالراغب في التحقيق هو التارك (٣). وفي كتاب «العلم» للخلال: قيل لأحمد: إنْ تَرَك الرفع يكون تاركًا للسنة؟ فقال: لا تقل هكذا، ولكن قد رغب عن فعل النبيّ ﷺ . المسألة الثانية: هل يطلق على تاركه اسم البدعة أم لا؟ فقال القاضي في «الجامع الكبير» له: قد أطلق أحمدُ القولَ بأنّ تاركه مبتدع، فقال في رواية محمد بن موسى وقد سأله [ق ٩٣] رجل خراسانيّ: إنّ عندنا قومًا يأمرونا برفع اليدين في الصلاة وقوم ينهون عنه؟ فقال: لا ينهاك إلا مبتدع، فَعَل ذلك رسولُ الله ﷺ (٤). فقد أطلق اسم البدعة عليه.

стр. 307

قال القاضي: والوجه فيه ما تقدَّم من حديث ابن عمر أنّه كان إذا رأى مصلِّيًا لا يرفع يديه في الصلاة حَصَبه (١). وهذا مبالغة، ولأن رفع اليدين في تكبيرة الإحرام مجمع عليها. قاله ابنُ المُنذر في «خلافه» (٢) قال: «لم يختلف أهل العلم أن النبي ﷺ كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة، واختلفوا في الحدِّ الذي يرفع إليه». وإذا كان مُجْمعًا عليه فمُنْكِره يكون مبتدعًا لمخالفته الإجماع (٣). المسألة الثالثة: هل يُهْجَر من تركه أو أُمِرَ به فلم يفعله أم لا؟ قال الخلال في كتاب «العلم»: «سُئل أحمد عن رجل يؤمّ قومًا يخالف في صلاته أحاديث جاءت عن النبي ﷺ مثل رفع اليدين، فقال: أَخْبِره وعلِّمْه، قيل: إن أخبرته فلم ينته، قال: إن أخبرته عن النبيّ ﷺ فلم يقبل فاهجره». وقيل لأحمد: عندنا قوم يأمرونا برفع اليدين في الصلاة، وقوم ينهونا عنه، فقال: لا ينهاك إلا مبتدع، فَعَل ذلك رسول الله ﷺ ، وكان ابن عمر

стр. 308

يَحْصب من لا يرفع (١). المسألة الرابعة: هل يُطلَق على الرّفع أنّه من تمام الصلاة أم لا؟ قال القاضي: نقل الجماعة عن أحمد جواز إطلاق ذلك، فقال في رواية أحمد بن الحسين بن حسان في الرفع في الصلاة: هو من تمام الصلاة. وكذلك قال في رواية أبي الحارث: رفع اليدين في الصلاة إذا ركع وإذا رفع من تمام الصلاة. وقال في رواية إسحاق بن إبراهيم (٢): من رفع فهو أتمّ ممن لا يرفع. فقد أطلق اسم التمام في هذه المواضع. وقال في رواية أبي داود (٣) ــ وقد سئل: هو من تمام الصلاة؟ ــ فقال: تمام الصلاة لا أدري، لكن هو عندي في نفسه منقوص (٤). وقال محمد بن

стр. 309

سيرين: هو من تمام الصلاة (١). قال القاضي: فقد توقَّف عن إطلاق ذلك في رواية أبي داود، وإنما توقف عن ذلك على نحو ما يقوله محمد بن سيرين، وأنه من تمام صحتها؛ لأنه قد حُكي عنه أنه قال: من تركه يعيد. فتوقف أحمد عن القول بذلك، ولم يتوقف عن القول بالتمام الذي هو تمام فضيلة وكمال واستحباب وسنة؛ لأنه قد صرَّح به في غير موضع (٢). المسألة الخامسة: أنه يستحبّ له أن يمدَّ أصابعه، ويضمَّ بعضها إلى بعض عند الرفع. هذا مذهب أحمد في إحدى الروايتين عنه (٣)، وأبي حنيفة (٤) وعليّ بن المديني وإسحاق. وقال الشافعي (٥) وأحمد في الرواية

стр. 310

[ق ٩٤] الأخرى: الأفضل تفريقها، لما روى أحمد عن أبي هريرة قال: كان النبي ﷺ إذا كبر نشر أصابعه (١).

стр. 311

وذكر الخلال في هذا الحديث (١): كان رسول الله ﷺ إذا افتتح الصلاة رفع يديه وفرَّج أصابعه. وحُجَّة أصحاب القول الأول: ما رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : أنه كان إذا دخل في الصلاة رفع يديه مدًّا (٢). قال الترمذي: هذا أصح من حديث يحيى بن يمان (يعني حديث النشر) قال: وحديثه خطأ (٣). قالوا: وأن يضمَّها مبسوطة مستقيمة منتصبة نحو القبلة. وكذلك يستحبّ له أن يضعها حال السجود مبسوطةً مضمومة، ليكون أبلغ في استقبال القبلة بها. قالوا: وعلى هذا فمعنى «نَشْر الأصابع» ــ إن ثَبَت الخبرُ فيه ــ مدّها لا تفريقها، لأنه ضدّ الطِّيّ (٤). ومن رواه: «فرَّج

стр. 312

أصابعه» (١) فخلاف الرواية المشهورة، والظاهر أنه عبارة بعض الرواة (٢) بالمعنى الذي ظنَّه واعتقَدَه. المسألة السادسة: المستحبُّ أن يكون كفَّاه إلى جهة القبلة ولا يجعلهما إلى جهة أذنيه، نصَّ على ذلك أصحابنا والشافعية، وممن ذكره صاحب «التتمَّة» (٣). وأما ما يفعله كثير من العامَّة من استقبال الأذنين بالكفين والأصابع فخلاف السنة، فإن الرّفع عبوديَّة اليدين كما تقدم، فينبغي أن يستقبلَ القبلةَ بهما كما يستقبلها بجملة بدنه، ولهذا يستقبل القبلة بهما في ركوعه وسجوده، ويستقبلها بأطراف أصابع رجليه، كما في حديث أبي حُميد الساعدي في وصفه صلاة النبي ﷺ : «واستقبلَ بأطراف أصابعه القبلة» (٤). المسألة السابعة: في ابتداء الرَّفع متى يكون؟

стр. 313

فالمنصوص عن أحمد أنه يبتدئه مع ابتداء التكبير وينهيه مع انتهائه (١). وهذا مذهب عليِّ بن المديني، والمنصوصُ عن الشافعي أنه يرفعهما مع ابتداء التكبير ويُثْبِتهما مرفوعتين حتى يفرغ منه (٢)، وذَكَر أصحابه في ذلك خمسة أوجه (٣) هذا أحدها، وصحَّحه البغويّ. والثاني: أنه يرفع غير مكبّر، ثم يبتدئ التكبير مع إرسال اليدين وينهيه مع انتهائه. قلت: وهو خلاف منصوص الشَّافعي، فإنه قال: «ويرفع يديه حَذْو منكبيه حين يبتدئ التكبير، ويضع راحتيه على ركبتيه» (٤)، وقال في الافتتاح: «ويرفع يديه إذا كبَّر حَذْو منكبيه» (٥). والثالث: يبتدئ الرّفع مع ابتداء التكبير وينهيهما معًا. والرابع: يبتدئ الرّفع والتكبير معًا وينهي التكبير مع انتهاء الإرسال. والخامس: وهو الذي صحّحه جماعة منهم الرّافعي (٦) [ق ٩٥]

стр. 314

والنواوي (١) وغيرهما: أنه يبتدئ الرّفع مع ابتداء التكبير، ولا استحباب في الانتهاء. وقال إسحاق بن راهويه: إن شاء رفع مع التكبيرة (٢)، وإن شاء رفعهما ثم أثبتهما فكبر ثم أرسلهما، قال: وهو أحبّ إليّ. وذلك لما في «الصحيحين» (٣) عن ابن عمر قال: كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة رفع يديه حتى يكونا حذو منكبيه، ثم يكبر، فإذا أراد أن يركع رفعهما مثل ذلك، وإذا رفع رأسَه من الركوع رفعهما كذلك، وقال: «سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد». وروى أبو داود في «سننه» (٤) عن وائل بن حُجْر أنه أبصر النبيّ ﷺ حين قام إلى الصلاة رفع يديه حتى كانتا بحيال منكبيه، وحاذى بإبهاميه أذنيه ثم كبّر. قال الحنابلة: روى الإمام أحمد وأبو داود عن وائل بن حُجر: أنه رأى

стр. 315

النبي ﷺ يرفع يديه مع التكبير (١). قالوا: وروى البخاري والنسائي عن ابن عمر قال: رأيت النبي ﷺ افتتح التكبير في الصلاة، فرفع يديه حين يكبر حتى يجعلهما حذو منكبيه (٢). وروى حَرْب في «مسائله» (٣) عن أنس: أن النبي ﷺ كان يرفعهما مع التكبير. قال أبو البركات ابن تيميَّة: والذي يَقوى عندي التخييرُ بصفة التسوية بين الأمرين؛ لورود السنة بهما من غير ترجيح. المسألة الثامنة: إلى أين يستحبّ أن يبلغ بيديه عند الرَّفع؟ قال القاضي: «فيه ثلاث روايات عن أحمد (٤): أحدها: يرفعهما حَذْو مَنْكبيه، نصّ عليه في مواضع من قوله وفعله: أما قوله؛ فقال في رواية الأثرم: أما أنا فأذهب إلى المنكبين لحديث ابن عمر. وقال في رواية صالح وإسحاق بن إبراهيم: حذو منكبيه إذا كبّر

стр. 316

وإذا ركع وإذا رفع رأسه من الرّكوع (١). وأما فعله؛ فقال أحمد بن أَصْرم المُزَني: رأيتُ أبا عبد الله يرفع يديه في كلّ خفض ورفع يحاذي منكبيه. وقال الحسن بن محمد الأنماطي: رأيت أبا عبد الله إذا كبّر في الصلاة رفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، وإذا أراد أن يركع فعل مثل ذلك، وإذا رفع رأسه من الرّكوع. وبهذا قال مالك والشافعي وإسحاق (٢). والروايةُ الثانية: يرفعهما حتى يحاذي أذنيه، نصّ عليه في مواضع من قوله وفعله: أما قوله؛ فقال في رواية الفضل بن زياد: ــ وقيل له: إلى أيّ موضع يرفع يديه؟ ــ قال: إلى فروع الأذنين. وقال في رواية أبي الحارث ــ وقد سأله إذا افتتح الصلاة إلى أين يرفع يديه؟ ــ قال: يرفعهما إلى فروع أذنيه، وقال: الذي اختار له أن يجاوز بهما أذنيه، وقال: أذهبُ فيه إلى حديث [ق ٩٦] النبيّ ﷺ أنّه رفع يديه حتى يجاوز بهما أذنيه. قال: ورأيت أبا عبد الله إذا افتتح الصلاة رفع يديه حتى

стр. 317

يجاوز بهما أذنيه. وقال في رواية حرب ــ وقد سأله إلى أين يرفع عند الافتتاح؟ ــ فقال: إلى فروع الأذنين على حديث مالك بن الحويرث. وأما فعله؛ فقال الفضل بن زياد: رأيتُ أحمد ... (١) يرفع يديه حتى يحاذي بهما أذنيه إذا افتتح الصلاة، وإذا ركع، وإذا رفع رأسه من الرّكوع. وقال أبو طالب: رأيت أحمد يرفع يديه في الصلاة إذا افتتح الصلاة، وإذا ركع، وإذا قال: «سمع الله لمن حمده» إلى فروع أذنيه، وربما رفع إلى منكبيه، وربما رفعهما إلى صدره، ورأيت الأمر عنده واسعًا (٢). وقال أبوالحارث: رأيت أبا عبد الله يرفع (٣) حتى يحاذي بهما أذنيه (٤). وهذه الرواية ..... (٥). قال في كتاب «الخلاف» (٦): تواترت الرّواية [عن أبي عبد الله من قوله و] فِعْله: أن الأحبّ إليه إلى فروع يعني أذنيه، [وإن رفعهما إلى

стр. 318

المنكبين] (١) فهو عنده جائز، وبهذا قال أبو حنيفة. والرواية الثالثة: أنه بالخيار إن شاء رفع إلى المنكبين، وإن شاء إلى الأذنين. نصَّ عليه في رواية أبي طالب فقال: من شاء إلى المنكبين، ومن شاء إلى الأذنين. روى مالك بن الحُويرث: إلى فروع الأذنين، وروى ابن عمر: حتى يحاذي منكبيه كلما ... (٢) فظاهر هذا أنهما سواء في الفضل عنده، وهو اختيار الخِرَقي؛ لأنه قال: «ويرفع يديه إلى فروع أذنيه أوإلى حذو منكبيه» (٣) فخيَّر. واختاره أبو حفص (٤)، فإنه قال: في ذلك روايتان، ثم قال: وكلاهما موافق للسنة. قال أبو بكر بن المنذر (٥): وبه قال بعض أصحاب الحديث.

стр. 319

ثم قال: وهذا مذهبٌ حسن، وأنا إلى حديث ابن عمر أَمْيَل». انتهى كلامه (١). قلت: وقد حكى الغزالي عن الشافعي ثلاثة أقوال (٢)، وأنكرها عليه غير واحد، قالوا: ومذهبه أن يحاذي بأطراف أصابعه أعلى أذنيه، وبإبهاميه شَحْمتي أذنيه، وبكفيه منكبيه. قالوا: وهذا معنى قول الشافعي. قال أصحابُ الأذنين: روى مالك بن الحُويرث: أن النبي ﷺ كان إذا كبّر رفع يديه حتى يحاذي بهما أذنيه، وإذا ركع رفع يديه حتى يحاذي بهما أذنيه، وإذا رفع رأسه من الركوع، وقال: «سمع الله لمن حمده» فَعَل مثل ذلك (٣). رواه مسلم في «صحيحه» (٤) أيضًا عن وائل بن حُجر أنه رأى النبي ﷺ رفع يديه ــ حين دخل في الصلاة وكبر ــ حيال أذنيه.

стр. 320

وفي «مسند أحمد» (١) عن البراء بن عازب أن النبي ﷺ كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه حتى يكون إبهاماه حذو أذنيه. [ق ٩٧] وفي «المسند» (٢) أيضًا عن عبد الله بن الزبير قال: رأيتُ رسولَ الله ﷺ افتتح الصلاة فرفع يديه حتى حاذتا أذنيه. قالوا: وهذه الرواية راجحة على رواية الرفع إلى المنكبين؛ لاشتمالها على زيادة، فيجب قبولها. قال أصحاب المَنْكِبين: ثبت في «الصحيحين» (٣) عن ابن عمر قال: كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة رفع يديه حتى تكونا بحذو منكبيه ثم يكبِّر، فإذا أراد أن يركع رفعهما مثل ذلك، وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك وقال: «سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد». وفي «سنن أبي داود» (٤) عن وائل بن حُجر أنه أبصر النبي ﷺ حين قام إلى الصلاة رفع يديه حتى كانتا بحيال منكبيه وحاذى بإبهاميه أذنيه، ثم كبر. وفي «سنن أبي داود» والترمذي عن أبي حُميد الساعدي أنه قال في عشرة من أصحاب النبي ﷺ : أنا أعلمكم بصلاته، كان إذا قام إلى الصلاة
следующие страницы →