← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 257

رفع اليدين في الصلاة

ابن القيم

Полный текст (343 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

نَحْتطب (١) من شجرة، فسبَّني فأغضبني، فضربتُه بالفأس على قرنه، فقتلتُه. فقال له النبي ﷺ : «هل لك من شيء تؤدّيه عن نفسك؟» قال: ما لي مالٌ إلا كسائي وفأسي. قال: «فترى قومَك يشترونك؟» قال: أنا أهْوَن على قومي من ذاك، فرمى إليه بنِسْعتِه. وقال: «دونَك صاحبَك»، فانطلق به الرجل. فلمَّا ولَّى قال رسول الله ﷺ : «إن قتلَه فهو مثلُه»، فرجع فقال: يا رسول الله! بلغني أنك قلتَ: «إن قتلَه فهو مثلُه» وأخَذْتُه بأمرِك، فقال [ق ٧٠] رسول الله ﷺ : «أما تريدُ أن يَبوءَ بإثْمِك وإثم صاحبك؟» قال: يا نبيَّ الله ــ لعله قال ــ: بلى، قال: «فإنه كذلك». قال: فرمى بنِسْعَته وخلّى سبيلَه. وفي «مسند أحمد» (٢) من حديث عبدالجبار بن وائل، عن أبيه قال: أُتيَ النبيُّ ﷺ بدلو من ماء، فشرب منه، ثم مجَّ في الدَّلو، ثم صَبَّ في البئر، أو شَرِب من الدّلو، ثم مجّ في البئر، ففاح منها مثل ريح المِسْك. وفي «المسند» (٣) عنه أيضًا: رأيتُ رسولَ الله ﷺ يسجد على أنفه مع جبهته. وسمعته يقول: «آمين» يمدّ بها صوته.

стр. 247

وفي «صحيح مسلم» (١) عن وائل قال: سأل سَلَمةُ بن يزيد الجعفي رسولَ الله ﷺ فقال: يا نبي الله! أرأيتَ إن قامت علينا أمراء يسألونا حقّهم ويمنعونا حقّنا، فما تأمرنا؟ فأعْرَض عنه، ثم سأله، فأعْرَض عنه، ثم سأله، فأعرض عنه، فجَذَبَه الأشعثُ بن قيس، فقال رسول الله ﷺ : «اسمعوا وأطيعوا فإنما عليهم ما حُمِّلوا وعليكم ما حُمِّلتم». وفي «صحيح مسلم» (٢) حديثه هذا الذي نحن فيه في صفة صلاة النبي ﷺ . وفي «صحيح مسلم» (٣) عنه: أن رجلًا يقال له: سُويد بن طارق سأل النبيَّ ﷺ عن الخَمْر، فنهاه عنها، قال: نصنعها للدواء؟ فقال النبيُّ ﷺ : «إنها داء وليست بدواء». وفي «المسند» (٤) عنه: صلَّيتُ مع النبيِّ ﷺ فقال رجل: «الحمد لله كثيرًا طيبًا مباركًا فيه»، فلما صلى رسول الله ﷺ قال: «مَن القائل؟» فقال رجل: أنا يا رسول الله، وما أردت إلا الخير، فقال: «لقد فُتِحَت لها أبوابُ السماء فلم يُنَهْنِهْها دون العرش».

стр. 248

وفي «صحيح مسلم» (١) عنه عن النبي ﷺ قال: «لا تقولوا: الكَرْم ولكن قولوا: العِنب والحَبْلَة». وفي «صحيح مسلم» (٢) أيضًا عنه قال: كنتُ عند رسول الله ﷺ فأتاه رجلان يَخْتصمان في أرض. فقال أحدهما: إن هذا انْتَزى (٣) على أرضي في الجاهلية ... فذكر الحديث. وفيه وفي «مسند أحمد» (٤) عنه قال: اسْتُكرِهَت امرأةٌ على عهد رسول الله ﷺ فدَرَأ عنها الحدّ، وأقامَه على الذي أصابَها، ولم يذكر أنه جَعَل لها مهرًا. وفي الترمذي (٥) عنه: أن امرأة خرجت على عهد رسول الله ﷺ تريد الصلاة، فتلقّاها رجلٌ فتجَلَّلها فقضى حاجَته منها، فصاحت، فانطلق، [ومرَّ عليها رجلٌ فقالت: إن ذاك الرجل فعل بي كذا وكذا]، فمرّت بعصابةٍ من المهاجرين، فقالت: إن ذاك الرجل فعل بي كذا وكذا، فانطلقوا، فأخذوا الرجلَ الذي ظنَّت أنه وقع عليها، فأتوها به فقالت: نعم هو ذا، فأتوا به النبيَّ ﷺ ، فلما أمَرَ به ليُرْجَم قام صاحبُها الذي وقع عليها، فقال: يا رسول الله أنا

стр. 249

صاحبها، فقال لها: «اذهبي فقد غفر الله لك»، [ق ٧١] وقال لها قولًا حسنًا، وقال للرجل [قولاً حسنًا، وقال للرجل] الذي وقع عليها: «ارجموه»، وقال: «لقد تاب توبةً لو تابها أهل المدينة لقُبِل منهم». قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح (١). وفي «المسند» (٢) عن علقمة [بن] (٣) وائل، عن أبيه: أن النبي ﷺ أَقْطَعَه أرضًا، قال: فأرسل معي معاوية: أن أعْطِها إياه، فقال لي معاوية: أرْدِفْني خلفك، فقلت: لا تكون من أرداف الملوك، فقال: أعطني نعلك، فقلتُ: انتعل ظلّ الناقة، فلما اسْتُخْلِف معاوية أتيتُه فأقعدني معه على السرير، فذكَّرني الحديث. قال: فوددت أني حملته بين يديّ. فهذه نبذةٌ من حال هذا الرجل الذي لا يُعرف، ورُدّت روايته عن النبيّ ﷺ بالوهم الباطل والخيال الفاسد! قالوا: وغاية ما ذُكِر عن ابن مسعود أنه فِعْل صحابيّ خالفه فيه جمهور الصحابة، وهذا ليس بحجّة باتفاق الناس، فكيف يسوغ ردّ السنة الصحيحة وتقديمه عليها؟ ولو ساغ ردّ كلّ سنة خالفها واحد من الصحابة لرُدّ من السنة شيء كثير، [فإنه] (٤) قلّ أحدٌ من الصحابة ومن بعدهم إلا وقد خَفِي

стр. 250

عليه بعضُ [أمر] (١) رسول الله ﷺ . قال أبو عمر بن عبد البر (٢): «وما أعلم أحدًا من الصحابة إلا وقد شذّ عنه من علم الخاصة، والوارد بنقل الآحاد أشياء حفظها غيره، وذلك على مَن بعدهم أجْوَز، والإحاطة ممتنعة على كل أحد». قالوا: ولو فرضنا أن ابن مسعود روى عن النبي ﷺ أنه لم يرفع يديه إلا في أول مرة لم يَسُغْ ردّ رواية من روى عنه ﷺ إثبات الرفع ولو رآه مرةً واحدة، إذ كان عدلًا صادقًا مصدَّقًا عن رسول الله ﷺ ، فلا يسوغ ردّ ما شاهده وعاينه بكون غيره من الصحابة نفاه؛ لأن المُثْبِت مقدّم على النافي، فكيف وابن مسعود لم ينقل ذلك عن النبي ﷺ ، وإنما ترك الرفعَ هو، وغيرُه من الصحابة فَعَله ونَقَله عن النبي ﷺ ، والله أعلم. ثم من العجب ردّكم للأحاديث المتصلة المرفوعة عن النبي ﷺ بالمرسل المنقطع الموقوف على الصحابي. فصل * قالوا: وأما ردّكم لحديث أبي هريرة (٣) بأنه من رواية إسماعيل بن عياش، عن صالح بن كيسان، وهو من غير أهل بلده (٤).

стр. 251

فجوابه: أنا لم نعتمد على حديثه بمجرّده حتى يلزمنا ما ذكرتم، بل العمدة على الأساطين التي لا تُغْمَز قناتُها ولا تُفَلّ شَبَاتُها، وهب أن رواية إسماعيل بن عيّاش لم تفد شيئًا ألبتة، فإن ذلك لا يضرّ الأحاديث الصحيحة شيئًا، كيف وإسماعيل بن عيَّاش من ثقات [ق ٧٢] الشاميين والحُفَّاظ المكثرين الذين لكثرة روايتهم يقع الوهم في بعض حديثهم، ومثل هؤلاء إنما يُتَّقى من حديثهم ما انفردوا به أو خالفوا فيه الأثبات، فيورث ذلك توقُّفًا فيما تفرّدوا به أو خالفوا فيه من هو أثبت منهم، فإذا روى أحدُهم ما هو معروف غير منكر، وهو ثقة في نفسه، لم يَسُغ ردّ حديثه. ولا ريب أن إسماعيل بن عيَّاش لم يردّ أحدٌ من المحدِّثين حديثه كلّه، ولم يقبله كلّه، فالواجب نقدُ حديثه واعتبارُه. والذي يُخاف من هذا الحديث أن يكون وَهِمَ في رفعه، فقد رواه محمد بن إسحاق، عن عبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة: «أنه كان إذا كَبّر رفعَ يديه، وإذا ركع (١)، وإذا رفع رأسَه من الرُّكوع»، رواه البخاري في كتاب «رفع اليدين» (٢) عن محمد بن الصلت، ثنا أبو شهاب عبدُ ربه، عن ابن إسحاق. قال البخاري (٣): «وثنا سليمان بن حَرْب، ثنا يزيد بن إبراهيم، عن

стр. 252

قيس بن سَعْد، عن عطاء قال: صليتُ مع أبي هريرة ﵁ فكان يرفع يديه إذا كبر وإذا ركع». قال البخاري (١): «ويُروى عن عمر بن الخطاب عن النبي ﷺ ، وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ ، وعن جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ ، وعن عُبيد بن عُمير، عن أبيه عن النبي ﷺ ، وعن ابن عبّاس عن النبي ﷺ وعن أبي موسى عن النبي ﷺ : أنه كان يرفع يديه عند الركوع، وإذا رفع رأسه. قال البخاري: وفيما ذكرنا كفاية لمن يفهمه إن شاء الله تعالى». قالوا: [وإن] حاكمناكم إلى قواعدكم في أن الرفع زيادة يجب قبولها من الثقة= وجبَ عليكم قبول هذه الزيادة، وهي رفع حديث أبي هريرة من إسماعيل بن عيّاش، فإنه ثقة غير مدافَع، وقد صرّح بالسماع من صالح بن كيسان، فانتفت عنه تهمة التدليس. قال البخاري (٢): «ثنا محمد بن مقاتل، ثنا عبد الله، ثنا إسماعيل، ثنا صالح بن كيسان، عن عبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: كان رسول الله ﷺ يرفع يديه حَذْو منكبيه: حين يكبر يفتتح الصلاة، وحين يركع». فإذا كان إسماعيل ثقة حافظًا وقد قال: «حدثنا» وجب قبول حديثه ما لم يمنع منه مانع.

стр. 253

قالوا: وإن حاكمناكم إلى قواعد المحدِّثين أيضًا حكموا لنا عليكم؛ فإن هذا الحديث قد رُوي من وجهين مختلفين عن أبي هريرة، من فعله وروايته، وأحدهما يصدِّق الآخر؛ لأنه رواه عن النبي ﷺ ، وعَمِل به، وروى عنه عبد الرحمن الأعرج الأمرين معًا، فحفظَ صالحُ بن كيسان المرفوع، وحفظ محمد بن إسحاق الموقوف، فالحديثان محفوظان، ولم يقم ما يوجب إبطال إحدى الروايتين بالأخرى. قالوا: ويدلّ على أن للحديث أصلًا وأنه محفوظ: رواية الليث بن سعدٍ له [ق ٧٣] عن يحيى بن أيوب، عن ابن جُرَيج، عن الزّهري، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، عن أبي هريرة أنه قال: كان رسول الله ﷺ إذا كبَّر للصلاة جَعَل يديه حَذْو منكبيه، وإذا ركع فعل مثل ذلك، [وإذا رفع للسجود فعل مثل ذلك] وإذا قام من الركعتين فعل مثل ذلك (١). فهذا حديث صحيح على شرط مسلم، فقد احتجّ بيحيى بن أيوب، وقد رواه عن الزهري جماعة (٢).

стр. 254

فصل * وأما ردُّكم لحديث أنس (١) بتضعيف عبد الوهاب الثقفي؛ فعَنَتٌ ظاهر، فإن عبد الوهاب أحد الأئمة الأعلام، وقد اتفق الجماعة على إخراج حديثه، روى له الستة. وهو يُقْرَن بجرير بن عبدالحميد، ومُعتمِر بن سليمان، وطبَقَتِهما. قال عبد الله بن أحمد: سمعت أبي يقول: عبد الوهاب الثقفي أثبت من عبدالأعلى الشامي، والثقفيّ أعْرف وأوثق عند أصحابه من عبد الأعلى (٢). وقال الدارمي (٣): سألت يحيى بن معين، قلت: فالثقفي؟ قال: ثقة. قلت: هو أحبّ إليك في أيوب أو عبدالوارث؟ قال: عبدالوارث، قلت: ما حال وُهيب في أيوب؟ قال: ثقة. قلت: هو أحبّ إليك أو الثقفيّ؟ قال: ثقة وثقة. وقال علي بن المديني: ليس في الدنيا كتاب عن يحيى أصح من كتاب عبد الوهاب، وكل كتاب عن يحيى فهو عليه كَلّ (٤). يعني كتاب

стр. 255

عبد الوهاب (١). ولا يضره اختلاطه قبل موته كما قيل، فإنه روى هذا الحديث عن حُميد، وروايته عنه قديمة، فهو من أقدم شيوخه (٢)، ولهذا خرَّج البخاريّ (٣) حديثَه عن حُمَيد: «يا بني سَلِمة ألا تحتسبون آثاركم». والذي يُخاف من هذا الحديث أن لا يكون رَفْعُه محفوظًا؛ إذ قد رواه الثقات الأثبات عن أنس موقوفًا عليه، فمَن قدّم الرفعَ كأنه زيادة من الثقة فلا إشكال، ومن قدَّم الوقف ههنا لكثرة الواقفين وتميّزهم بالحفظ والإتقان كان غايته أن يكون موقوفًا على أنس. وابنُ خُزيمة وغيره يصَحّحه مرفوعًا، والدارقطنيُّ يصحِّحه موقوفًا (٤). فإن كانا محفوظَين فالحجة قائمة به، وإن كان المحفوظ الموقوف لم يزدنا الاستشهادُ به إلا قوَّة وتثبيتًا، ويكون العمدة على غيره لا عليه وحده.

стр. 256

فصل * وأما ردّكم لحديث جابرٍ (١) بأنه من رواية أبي الزبير؛ فردٌّ مردود وعُذْر غير مقبول، فإن أبا الزبير من الحُفّاظ الثقات، ولم يزل الأئمة يحتجّون بحديثه، وحديثه هذا على شرط مسلم، فإنه يخرِّج أحاديثَه عن جابر في «صحيحه» ويحتجّ بها، ولم يلتفت إلى قول من يُعلّلها. وأبو الزبير غير مدفوع عن الحفظ [ق ٧٤] والصدق. قال سفيان بن عيينة عن أبي الزبير: كان عطاء يقدِّمني إلى جابر أحفظ لهم الحديث. فهذا ثناء شيخه عليه (٢). وقال الإمام أحمد: قد احتمله الناس، وهو أحبّ إليّ من أبي سفيان (٣). وقال يحيى بن معين: ثقة. وقال مرّةً: صالح. وقال مرّةً: هو أحبّ إليّ من أبي سفيان (٤). وقال النسائي: ثقة.

стр. 257

وقال يعقوب بن شيبة: ثقة صدوق، وإلى الضعف ما هو (١). وذكره ابن حبان في «الثقات» (٢) وقال: لم ينصف من قدح فيه؛ لأن من استرجح في الوزن لنفسه لم يستحق الترك لأجله. قلت: يريد ما ذكره محمد بن جعفر المدائني، عن ورقاء قال: قلت لشعبة: مالك تركتَ حديث أبي الزبير؟ قال: رأيته يَزِنُ ويسترجح في الميزان. ومعلومٌ أن حديث الرّجل لا يُردّ بمثل هذا (٣). وقال أبو أحمد بن عدي (٤): كفى بأبي الزبير صِدقًا أن مالكًا روى عنه، ولا أعلم أنّ أحدًا من الثقات تخلّف عن أبي الزبير إلا وقد كتب عنه، وهو في نفسه ثقة، إلا أنه يروي عنه بعض الضعفاء، فيكون ذلك من جهة الضعيف. وفي الاحتجاج بأبي الزبير طريقة ثالثة، وهي طريقة جماعةٍ من حفّاظ المغرب: أن حديثه حجة إذا صرَّح بالسماع، أو كان من رواية الليث عنه خاصة، وهي طريقة أبي محمد بن حزم (٥)، وأبي الحسن بن القطان (٦)،

стр. 258

ومن وافقهما، قالا: لأنه معروف بالتدليس، والمدلّس إنما يحتجّ من روايته بما صرّح فيه بالسماع، وإنما قبلنا رواية الليث عنه؛ لأنه قال: قَدِمت مكة فدفع إليّ أبو الزبير كتابين، فسألته: هل سمع هذا من جابر؟ فقال: منه ما سمعت منه، ومنه ما حُدّثت عنه، فقلت: أَعْلِمْ لي على ما سمعت، فأعْلَم لي على هذا الذي عندي. ذكره سعيد بن أبي مريم، عن الليث (١). والصواب الاحتجاجُ به مطلقًا كما فعل مسلم وغيره؛ لأنه حافظ ثقة، والتدليس لا يُردّ به حديث الحفّاظ الأثبات، وقد احتجّ الناس بالأعمش، وبسفيان بن عيينة، وقتادة، وسفيان الثوري، والحَكَم، وعَمرو بن مرّة، وحُصين، والشعبي، وأبي إسحاق، وخلائق من الثقات المدلّسين الذين يَحتجّ بحديثهم أهلُ العلم. بل أكثر أهل الكوفة يدلّسون، ولم يسلم منهم من التدليس إلا نفرٌ يسير، فلو أسقطنا حديثَ المدلّس لذهب حديث هؤلاء وأضعافهم. ثم كيف يليق بكم الطعن في حديث المدلّس وأنتم تقبلون المرسل؟! فكيف يجتمع ردّ حديث المدلس وقبول المرسل؟! وهل هذا إلا تناقض ظاهر! والصواب عندنا في حديث المدلّسين والحديث المرسل: أن المدلّس إن كان عنده التدليس عن المتَّهمين والكذّابين والمجروحين والضعفاء لم يُقْبل تدليسه ولا إرساله، وإن كان لا يدلّس إلا عن ثقة لم يضرّ تدليسه،

стр. 259

مثل: سفيان بن عُيينة وأضرابه، فإنه يدلّس عن مثله وعمن هو ثقة صدوق، فإنه يدلّس عن مثل [ق ٧٥] مَعْمر، ومِسْعر، ومالك بن مِغْول، وزائدة (١). ومثل إبراهيم، فإنه إذا دلّس لم يدلس إلا عن ثقة (٢). وأما قتادة فقد أكثر عن أنس، وسعيد بن المسيب، وقد سئل شعبة عن تدليس قتادة فقال: قد وقفته على ذلك، فقال: ما سمعته من أنس فقد سمعته، وما لم أسمعه منه فقد حدثني به عنه النضر بن أنس، وموسى بن أنس، وغيرهما من ولد أنس. وأما إكثاره عن سعيد بن المسيب، فإنه لزمه مدة فقال له: ارحل عني يا أعمى فقد نَزَحْتني أو أَنْزَفْتَني (٣). والمقصود أن من عُرِف بالتدليس عن غير الثقات وعن المجهولين، فإنه يتوقَّف فيما لم يصرّح فيه بالسماع، ومن لم يُعرف بالتدليس عن الضعفاء والمجروحين لم يتوقَّف في حديثه. وتدليس المتقدِّمين كأبي الزبير، وإبراهيم، وطبقتهما، خير من تدليس المتأخّرين بطبقات، فلا يُسوّى بين التدليسين، والله أعلم.

стр. 260

فصل قالوا: وأما ردُّكم لحديث أبي موسى الأشعري (١) بمحمد بن حُميد الرازي، وحَمْلكم عليه؛ فلا ريب أن الرجل كان من حفّاظ الإسلام المكثرين جدًّا، ولعل حفظه يوازي حِفْظ محمد بن إسحاق أو يقاربه. وقد روى الناس عنه، وممن روى عنه: يحيى بن معين، ومحمد بن يحيى الذُّهلي، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه , وعبد الله بن أحمد بن حنبل، وأبو القاسم البغوي، وخلائق. قال عبد الله بن أحمد: قال أبي: لا يزال بالرَّيّ علمٌ ما دام محمد بن حُميد حيًّا. قال عبد الله: ولما قَدِم محمد بن حُميد بغداد كان أبي في العسكر، فلما جاء أبي جعل الناسُ يسألونه ــ يعني عنه ــ فقال: ما بالهم يسألون عن محمد بن حُميد، فقلت: قدم ههنا فحدَّثهم بأحاديث لا يعرفونها، فقال: كتبتَ عنه؟ قلتُ: نعم كتبتُ عنه جُزءًا. قال: اعرض عليّ، فعرضته عليه، فقال: أما حديثه عن ابن المبارك وجرير فهو صحيح، وأما حديثه عن أهل الرَّيّ فهو أعلم (٢). وسأل رجلٌ محمد بن يحيى الذُّهلي عنه، فقال: هو ذا أُحَدِّث عنه. وقال أبو بكر بن أبي خيثمة، عن ابن معين: ليس به بأس رازيٌّ كيّس. وقال علي بن الجُنيد عنه: ثقة، وهذه الأحاديث التي يحدِّث بها ليس من قِبَله إنما هي من قِبَل الشيوخ الذين يحدّث عنهم.

стр. 261

وقال أبو حاتم الرازي: سألني يحيى بن معين عنه فقال: ما ينقمون عليه؟ فقلت: يكون في كتابه شيء، فيقول: ليس هذا هكذا، إنما هو كذا وكذا، فيأخذ القلم فيغيّره على ما يقول هو. فقال: بئس هذه الخصلة، قَدِم علينا بغداد فأخذنا منه كتاب يعقوب القمّي، ففرّقنا الأوراقَ بيننا، ومعنا أحمد بن حنبل فسمعناه، ولم نرَ إلا خيرًا (١). والذين نسبوه إلى الكذب لم يريدوا أنه كان يتعمّد [ق ٧٦] الوضعَ على رسول الله ﷺ ، والرجلُ أجلُّ من ذلك، وإنما هو الكذب في السماع بدعوى سماعٍ من رجل وبينه وبينه واسطة، وأنه يحدّث بما لم يسمعه، وأنه يحدّث بأحاديث أهل بلد عن أهل بلد آخر، كما كان يحدّث بأحاديث الكوفيين والبصريين عن الرّازيين، ويحدّث بالمغازي عن سلمة، وإنما سمعه من عليّ بن مِهْران، عن سلمة. وكان يُكثر جدًّا، فوقع في أحاديثه من المنكرات والأباطيل شيء كثير، ومثل هذا لا يُحتجّ بحديثه إذا انفرد به أو خالف فيه الثقات، فأما ما لم ينفرد به ولم يخالف فيه ثقة؛ فأقلّ أحواله أن يُعْتَضَد به وإن لم يُعْتَمد عليه. وهب أنّ حديثه هذا لا يصلح لاعتمادٍ ولا لاعتضاد، ففي الأحاديث الصحيحة غُنْيَة عنه، وشأنكم به فمزِّقوا أديمَه كلَّ مُمَزّق، فإن ذلك لا يضرُّنا شيئًا!

стр. 262

* وأما ردُّكم لحديث عُمير بن حبيب الليثي (١) برِفْدَة بن قُضاعة؛ فنحن لم نذكره احتجاجًا به ولا اعتمادًا عليه، والعمدة على ما تقدّم، وإنما يفيدكم هذا أنْ لو لم يكن في الباب إلا حديثُه هذا. فما ضرَّ صاحبَ الحقّ، إذا شهدَ له عشرةٌ عدول أو أكثر، أنْ يشهدَ له من ليس مثلهم في العدالة والثقة؟! فإنْ لم يزِد حقَّه قوةً لم يزده وهنًا. * وأما ردُّكم لحديث ابن عباس (٢) بعبد الله بن لهيعة؛ فلقد اشتهر ضعفُه على ألسنة الفِرق، ومع ذلك فهو أحد الأعلام المشاهير، وأحد حفَّاظ الإسلام غير مُدافَع، ولقي من التابعين نيّفًا وسبعين. قال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل يقول: من كان مثل ابن لهيعة ــ يعني بمصر ــ في كثرة حديثه وضبطه وإتقانه! وحدّث عنه أحمد في «مسنده» بحديث كثير (٣). وقال إبراهيم بن إسحاق: حملت رسالةَ الليث بن سعد إلى مالك بن أنس، وأخذتُ جوابها، فكان مالك يسألني عن ابن لهيعة، فأخبره بحاله، فجعل مالكٌ يقول لي: وابن لهيعة ليس يذكر الحجّ؟ فسبق إلى قلبي أنه يريد مشافهته والسماعَ منه (٤).

стр. 263

وقال الحسن بن علي الخلال، عن زيد بن الحُباب، سمعت سفيان الثوري يقول: عند ابن لهيعة الأصول وعندنا الفروع. وسمعت الثوري يقول: حججتُ حِجَجًا لألتقي ابن لهيعة (١). وقال محمد بن معاوية: سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول: وددتُ أني سمعت من ابن لهيعة خمسمائة حديث، وأني غرمت مُودًى، كأنه يعني دِيَة (٢). وقال أبو الطاهر بن السّرْح: سمعتُ ابن وهب يقول ــ وسأله رجلٌ عن حديث فحدّث به، فقال له الرجل: من حدثك بهذا يا أبا محمد؟ ــ فقال: حدثني به ــ والله الصادقُ البارّ ــ عبد الله بن لهيعة (٣). قال أبو الطاهر: وما سمعته يحلف بمثل هذا قط، وفي رواية: كان [ق ٧٧] السائل إسماعيل بن معبد أخا عليّ بن مَعْبد (٤). وقال حنبل بن إسحاق، عن أحمد بن حنبل: ابن لهيعة أجود قراءة لكتبه من ابن وهب (٥). وقال أبو داود: سمعت أحمد يقول: ما كان بمصر يحدِّث إلا ابن

стр. 264

لهيعة (١). وقال يعقوب بن سفيان (٢): «سمعت أبا جعفر أحمد بن صالح يثني عليه، وقال في أبي الأسود: ما أحسن حديثه عن ابن لهيعة، قال: فقلت: يقولون: سماعٌ قديم وسماعٌ حديث، فقال لي: ليس من هذا شيء، ابن لهيعة صحيح الكتاب، كان أخرج كتبه فأملى على الناس حتى كتبوا حديثه إملاء، فمن ضَبَط كان حديثه حسنًا صحيحًا، إلا أنه كان يحضر من يضبط ويُحسن، ويحضر قوم يكتبون ولا يضبطون ولا يصحِّحون، وآخرون نُظَّار (٣)، وآخرون سمعوا مع آخرين، ثم لم يُخْرج ابن لهيعة بعد ذلك كتابًا، ولم يُرَ له كتاب، وكان من أراد السماعَ منه ذهب فاستنسخ ممن كتب عنه وجاءه فقرأه عليه، فمن وقع على نسخةٍ صحيحة فحديثه صحيح، ومن كتب من نسخة لم (٤) تُضبط جاء فيه خللٌ كثير. ثم ذهب قوم، فكلّ من روى عنه عن عطاء بن أبي رباح فإنه سمع من عطاء وروى عن رجلٍ عن عطاء، وعن رجلين عن عطاء، وعن ثلاثة عن عطاء، تركوا مَنْ بينه وبين عطاء وجعلوه عن عطاء». وقال يعقوب بن سفيان (٥): «قلت لأحمد بن صالح في حديث ابن لهيعة؟ فقال: لم تعرف مذهبي في الرجال، إني أذهب إلى أنه لا يُترك

стр. 265

حديث محدّثٍ حتى يجتمع أهلُ مصره على ترك حديثه». وقال أيضًا (١): «كان ابن لهيعة طَلَّابًا للعلم صحيح الكتاب، وكان أملى عليهم حديثه من كتابه، فربما يكتب عنه قوم يعقلون (٢) الحديثَ، وآخرون لا يضبطون، وقوم حضروا فلم يكتبوا فكتبوا بعد سماعَهم. فوقع علمُه على هذا إلى الناس، ثم لم يُخرج كتبه، وكان يقرأ من كتب الناس، فوقع حديثُه إلى الناس على هذا، فمن كتبَ بأَخَرَةٍ من كتاب صحيح قرأ عليه [على] (٣) الصحَّة، ومن قرأ من كتاب من كان لا يضبط ولا يصحّح كتابَه وقع عنده على فساد الأصل». وبالجملة فابن لهيعةَ أحدُ حُفَّاظ الإسلام الذين لم يُتَّهموا بجرح ولا كذب، وإنما يقع في حديثه بعض الغلط لثلاثة أسباب: أحدها: أنه قد قيل: إن كتبه قد احترقت فكان يحدّث من لفظه فيقع الغلط. الثاني: مِنْ قِبَل من روى عنه، كما ذكر أحمد بن صالح، وغيره. الثالث: أن الإكثار مظنَّة الوهم والغَلَط، والرّجل فقد كان من المكثرين جدًّا. وفي ابن لهيعة مذهب ثالث: أنه يُحتجّ من حديثه بما رواه عنه العبادلة

стр. 266

وهم: عبد الله بن وهب، وعبد الله بن المبارك، وعبد الله بن يزيد المُقري، قالوا: لأن سماع هؤلاء منه قديم (١). وقد روى له مسلم مقرونًا بعَمرو بن الحارث (٢)، وكذلك روى له البخاري [ق ٧٨] في «صحيحه» في غير موضع، منها: في الفتن (٣) عن المُقْري، عن حَيْوة وغيره, عن أبي الأسود: قُطِعَ على أهل المدينة بَعْثٌ ... الحديث. وفي تفسير سورة البقرة (٤): ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣]. قال: وزاد عثمان بن صالح، عن ابن وهب, أخبرني فلان وحيوة ... فذكر حديث: «بُني الإسلام على خمس». وفي الاعتصام (٥): عن سعيد بن تليد، عن ابن وهب, عن عبد الرحمن ابن شريح وغيره حديث: «إن الله لا ينتزع العلم». وفي تفسير سورة النساء (٦) , وفي آخر الطلاق (٧) , وفي غير موضع (٨).

стр. 267

قال شيخنا أبو الحجّاج المِزّي (١): قال أبو عبد الله بن يربوع الإشبيلي (٢): هو ابن لهيعة في هذه المواضع كلها. وإذا كان هذا شأن ابن لهيعة لم يَجُز إسقاط حديثه كلّه، بل يتوقّف فيما تفرّد به وخالف فيه الثقات. فصل * قالوا: وأما ردّكم لحديث أبي حُميد السّاعدي الصحيح (٣)، الذي هو في أعلى درجات الصحَّة، وقد خرّجه أصحاب الصحيح واحتجّوا به، وصدّقه الصحابةُ عليه؛ فمن باب العَنَت في ردّ الأحاديث الصحيحة ورميها بما برّأها الله منه, ونحن بحمد الله ننقضُ ما رميتموه به من العلَّة

стр. 268

الباطلة، ونبيّن فسادَ ما ذكرتموه. ومدار ما ذكرتموه من التطويل والتهويل على ثلاثة فصول: أحدها: تضعيف عبد الحميد بن جعفر. والثاني: تضعيف محمد بن عَمرو بن عطاء. والثالث: انقطاع الحديث بين محمد بن عَمرو بن عطاء، وبين بعض الصحابة الذين سمَّاهم في الحديث. والجواب عن هذه الفصول: أما الفصل الأول: فعبدالحميد بن جعفر قد وثّقه يحيى بن معين في جميع الروايات عنه، ووثقه الإمام أحمد أيضًا، واحتجّ به مسلم في «صحيحه»، ولم يُحْفَظ عن أحدٍ من أئمة الجرح والتعديل تضعيفه بما يوجب سقوطَ روايته، فتضعيفه بذلك مردود على قائله، وحتى لو ثبت عن أحدٍ منهم إطلاق الضعف (١) عليه، لم يقدح ذلك في روايته ما لم يبيّن سببَ ضعفه، وحينئذٍ ينظر فيه هل هو قادح أم لا؟ وهذا إنما يُحتاج إليه عند الاختلاف في توثيق الرجل وتضعيفه، وأما إذا اتفق أئمةُ الحديث على تضعيف رجلٍ أو جمهورُهم لم يُحتج إلى أن يبين سبب ضعفه، فهذا أولى ما يقال في مسألة التضعيف المطلق.

стр. 269

وقد قال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: ليس به بأس (١). وقال أبو حاتم: محله الصدق (٢). وقال النسائي: ليس به بأس (٣). وقال أبو أحمد (٤) بن عدي: أرجو أنه لا بأس به، وهو ممن يُكتب حديثه (٥). وذكره ابن حبان في كتاب «الثقات» (٦). وقال محمد بن سعد: كان ثقة كثير الحديث (٧). وأما الذين ضعفوه، فقال يحيى بن سعيد: كان سفيان يضعفه من أجل [ق ٧٩] القَدَر (٨). ومعلوم أن هذا لا يوجب ردّ روايته، ففي «الصحيحين» الاحتجاجُ

стр. 270

بجماعة من القدريَّة، وكذلك ابن معين إنما رماه بالقدر مع توثيقه له (١). وقال أبو بكر بن أبي خيثمة، عن يحيى بن معين: كان يحيى بن سعيد يوثّقه، وكان سفيان الثّوري يُضعِّفه. قلتُ: ما تقول أنتَ فيه؟ قال: ليس بحديثه بأس وهو صالح (٢). وقال عليُّ بن المديني، عن يحيى بن سعيد: كان سفيان يحمل عليه، وما أدري ما كان شأنه وشأنه (٣). وقال الفضل بن موسى: كان خرج مع محمد بن عبد الله بن حسن العلوي. فقد صرَّح المضعّفون له بالسبب الذي ضعّفوه لأجله، وذلك لا يوجب تضعيفًا في الرواية التي عمدتها الصدق والضبط، والله أعلم. فصل وأما تضعيف محمد بن عَمرو بن عطاء؛ ففي غاية الفساد، فإنه من كبار التابعين المشهورين بالصدق والأمانة (٤)،وقد وثَّقه أئمة الحديث، كالإمام أحمد، ويحيى بن سعيد، ويحيى بن معين، وغيرهم، واتفق صاحبا

стр. 271

الصحيح على الاحتجاج به (١). وعُمدة من ضعَّفه ما رُوي عن يحيى بن سعيد أنه تكلَّم فيه، وهذه روايةٌ إن صحَّت عن يحيى بن سعيد فالمشهور عنه خلافها (٢). وحتى لو ثبت على تضعيفه وأقام عليه، ولم يبيّن سببه= لم يوجب طرحَ حديثِه، لاسيَّما مع توثيق غيره من الأئمة له، واحتجاج أصحاب (٣) «الصحيحين» به. ولو كان كلُّ رجلٍ ضعَّفَه رجلٌ سقط حديثُه لذهبت عامَّة الأحاديث الصحيحة من أيدينا، فقلّ رجلٌ من الثقات إلا وقد تكلَّم فيه آخر ولم يسلم من طعن، ورجال «الصحيحين» قد جاوزوا القَنْطَرة فلا التفاتَ إلى كلام من تكلَّم فيهم بما يقتضي ردّ حديثهم. نعم إذا تُكُلِّم في أحدهم لرأيه أو لأمرٍ تأوَّله فطُعِنَ به عليه؛ فهذا بابٌ لا يقدح في الرواية. وأما قوله: كان سفيان يحمل عليه؛ فهذا إنما كان لأجل رأيه لا لأمرٍ

стр. 272

يتعلَّق بروايته، وقد رُمِي جماعةٌ من الأئمة المحتجّ بروايتهم بالقدَرِ كقتادة، وسعيد بن أبي عَروبة، وابن أبي ذِئب وغيرهم. وبالإرجاء كطَلْق بن حبيب، وحماد بن أبي سليمان، وغيرهما. وهذا باب أشْهر من أن تُذْكر شواهدُه، وأئمة الحديث لا يردّون حديثَ الثقة بمثل ذلك. فصل وأما الأمر الثالث، وهو انقطاع الحديث؛ فغير صحيح، وهو حديث موصول بلا ريب، ورميه بالانقطاع مبنيّ على أن وفاة أبي قتادة كانت في خلافة عليّ، وأن محمد بن عَمرو لم يدرك خلافةَ عليّ، وعلى أنه لم يثبت سماعُه من أبي حُميد، بل بينهما رجل. فأما المقام الأول، وهو وفاة أبي قتادة، فقال البيهقي (١): «أجمع أهل التواريخ على أن أبا قتادة الحارث بن رِبْعي بقي إلى سنة أربع وخمسين، وقيل: بعدها. ثم روى من طريق [ق ٨٠] يعقوب بن سفيان، قال ابن بكير: قال الليث: مات أبو قتادة الحارث بن رِبْعي بن النعمان الأنصاري سنة أربع وخمسين. قال: وكذلك قاله الترمذي فيما أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، عن أبي حامد المقرئ عنه. وكذلك ذكره أبو عبد الله بن مَنده الحافظ في كتاب «معرفة الصحابة». وكذلك ذكر الواقدي عن يحيى بن عبد الله بن أبي

стр. 273

قتادة: أن أبا قتادة مات بالمدينة سنة خمس وخمسين، وهو ابن سبعين سنة. قال: والذي يدلُّ على هذا أن أبا سلمة بن عبد الرحمن، وعبد الله ابن أبي قتادة، وعَمرو بن سليم الزُّرَقي، وعبد الله بن رباح الأنصاري رووا عن أبي قتادة، وإنما حملوا العلم بعد أيام عليّ، فلم يثبت لهم عن أحدٍ ممن توفي في أيام عليّ سماع. قال: وروّينا عن معمر، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، أن معاوية ابن أبي سفيان لمّا قَدِم المدينة تلقّته الأنصار، و تخلّف أبو قتادة، ثم دخل عليه بعدُ وجرى بينهما ما جرى. ومعلومٌ أن معاوية إنما قَدِمها حاجًّا قَدْمته الأولى في خلافته (١) سنة أربع وأربعين. وفي «تاريخ البخاري» (٢) عن عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، أن مروان بن الحكم أرسل إلى أبي قتادة وهو على المدينة: أنِ اغْدُ معي حتى تريني مواقف النبي ﷺ وأصحابه، فانطلق مع مروان حتى قضى حاجته (٣). ومروان إنما قَدِم (٤) المدينة في أيام معاوية، ثم نُزِع سنة ثمان وأربعين،

стр. 274

واسْتُعْمِل عليها سعيد بن العاص، ثم نُزِع سعيد بن العاص سنة أربع وخمسين , وأُمِّر عليها مروان» (١). قال النسائي في «سننه» (٢): أخبرنا محمد بن رافع، ثنا عبدالرزاق، أنا ابن جُريج، قال: سمعت نافعًا يزعم أنّ ابنَ عمر صلّى على تسع جنائز جميعًا، فجعل الرجال يلون الإمام، والنساء يلين القِبْلة، فصفَّهن صفًّا واحدًا، ووُضِعت جنازة أمّ كلثوم ابنة عليّ امرأة عمر بن الخطاب وابنٍ لها يقال له: زيد، وُضِعا جميعًا، والإمام يومئذ سعيد بن العاص، وفي الناس ابن عباس (٣)، وأبو هريرة، وأبو سعيد، وأبو قتادة، فوُضِعَ الغلامُ مما يلي الإمام، فقال [رجل] (٤): فأنكرتُ ذلك فنظرتُ إلى (٥) ابن عباس، وأبي هريرة، وأبي سعيد، وأبي قتادة، فقلت: ما هذا؟ قالوا: هي السنة. فتأمل سندَ هذا الحديث وصحّته وشهادة نافعٍ بشهود أبي قتادة هذه الجنازة، والأميرُ يومئذ سعيد بن العاص، وإنما كانت إمْرَتُه في خلافة معاوية سنة ثمان وأربعين إلى سنة أربع وخمسين كما قدمناه، وهذا مما لا يشكّ فيه عوامُّ أهلِ النقل وخاصُّهم.

стр. 275

فإن قيل: فما تصنعون بما رواه موسى بن عبد الله بن يزيد: أن عليًّا صلى على أبي قتادة, فكبَّر عليه سبعًا، وكان بدريًّا (١). وبما رواه الشعبيّ قال [ق ٨١] (٢): [صلى عليٌّ على أبي قتادة وكبّر عليه ستًّا (٣). قلنا: لا تجوز معارضة الأحاديث الصحيحة المعلومة الصحَّة بروايات التاريخ المنقطعة المغلوطة، وقد خطَّأ الأئمة رواية موسى هذه ومن تابعه، وقالوا: هي غلط، قاله البيهقي (٤) وغيره. ويدلّ على أنها غلط وجوه: أحدها: ما ذكرناه من الأحاديث الصحيحة المصرِّحة بتأخير وفاته وبقاء مُدَّته بعد موت عليّ. الثاني: أنه قال: «كان بدريًّا»، وأبو قتادة لا يُعرَف أنه شهد بدرًا، وقد ذكر عروة بن الزبير، والزهري، وموسى بن عقبة، ومحمد بن إسحاق، وغيرهم أسامي من شهد بدرًا من الصحابة، وليس في شيء منها ذكر أبي

стр. 276

قتادة (١)، فكيف يجوز ردّ الرّوايات الصحيحة التي لا مطعن فيها بمثل هذه الرواية الشاذَّة التي قد عُلِم خطؤها يقينًا، إمّا في قوله: «وصلى عليه عليّ»، وإمّا في قوله: «وكان بدريًا»! وأما رواية الشعبي؛ فمنقطعة (٢) أيضًا غير ثابتة، ولعل بعض الرواة غلط من تسمية قتادة بن النعمان أو غيره إلى أبي قتادة، فإن قتادة بن النعمان بدريٌّ، وهو قديم الموت (٣). وأما المقام الثاني: وهو أن محمد بن عَمْرو لم يدرك خلافة عليّ؛ فقد تبيَّن أن أبا قتادة تأخَّر عن خلافة علي. وأما المقام الثالث: وهو أن محمد بن عَمرو لم يثبت سماعُه من أبي حميد بل بينهما رجل؛ فباطل أيضًا. قال الترمذي في «جامعه» (٤): حدثنا محمد بن بشَّار والحسن بن عليّ الخلّال وسَلَمة بن شَبيب، وغيرُ واحد قالوا: حدّثنا أبو عاصم، حدّثنا عبدالحميد بن جعفر، حدّثنا محمد بن عَمرو بن عطاء، قال: سمعتُ أبا حُمَيد السَّاعدي في عشرة من أصحاب النبي ﷺ منهم: أبو قتادة بن

стр. 277

رِبْعي ... فذكره. وقال سعيد بن منصور في «سننه»: حدّثنا هشيم، حدّثنا عبدالحميد بن جعفر، عن محمد بن عَمرو بن عطاء القرشي، قال: رأيت أبا حميد الساعدي مع عشرة رهط من أصحاب النبيّ ﷺ فقال: ألا أحدّثكم. فذكره (١). وقال البخاري في «التاريخ الكبير» (٢): «محمد بن عَمرو بن عطاء بن عيَّاش (٣) بن علقمة العامري القرشي المدني، سمع أبا حميد الساعدي، وأبا قتادة، وابن عباس. روى عنه عبدالحميد بن جعفر، وموسى بن عُقبة، ومحمد بن عمرو بن حَلْحَلَة، والزُّهري. وأبو حُميد توفي قبل الستين في خلافة معاوية، وأبو قتادة توفي بعد الخمسين كما ذكرنا، فكيف ننكر لقاء محمد لهما وسماعه منهما؟ ثم ولو سلَّمنا أن أبا قتادة توفي في خلافة عليّ فمِنْ أين يمتنع أن يكون محمد بن عَمْرو في ذلك الوقت رجلًا؟ ولو امتنع أن يكون رجلًا لِتقاصُر

стр. 278

سِنّه عن ذلك لم يمتنع أن يكون صبيًّا مميزًا، وقد شاهد هذه القصَّة في صغره ثم أداها بعد بلوغه، وذلك لا يقدح في روايته وتحمُّله اتفاقًا، وهو أُسْوةُ أمثاله في ذلك. فردُّ الأحاديث الصحيحة بمثل هذه الخيالات الفاسدة مما يَرْغَب عن مثله أئمة العلم، والله الموفق. وأما إدخال من أدْخَل بين محمد بن عَمرو بن عطاء، وبين أبي حُميد الساعدي رجلًا، فإن ذلك لا يضرّ الحديثَ شيئًا. فإنّ الذي فعل ذلك رجلان: عطَّاف بن خالد، وعيسى بن عبد الله (١)؛ فأما عطَّافٌ فلم يرض أصحابُ الصحيح إخراج حديثه، ولا هو ممن يُعارَض به الثقات الأثبات، قال مالك: ليس هو من جِمال المحامل (٢). وقد تابع عبدَالحميد بن جعفر على روايته محمدُ بن عَمرو بن حَلْحَلة، كلاهما قال: عن محمد بن عَمرو بن عطاء، عن أبي حميد. ولا يُقاوَم عَطّاف بن خالد بهذين حتى تُقدَّم روايته على روايتهما. وقوله: لم يصرِّح محمد بن عَمرو بن حَلْحَلة في حديثه بسماع ابن عطاء من أبي حميد؛ فكلام بارد، فإنه قد قال: «سمع محمد بن عَمرو بن

стр. 279

عطاء أنه كان جالسًا في نفرٍ من أصحاب النبيّ ﷺ فذكروا صلاةَ النبيّ ﷺ ، فقال أبو حميد». وقد قال: «رأيتُ أبا حميد»، ومرة: «سمعتُ أبا حُميد». فما هذا التكلّف البارد والتعنّت الباطل في قطع ما وصله الله؟! وأما حديث عيسى بن عبد الله فقال البيهقي (١): «اختلف في اسمه فقيل: عيسى بن عبد الله، وقيل: عيسى بن عبد الرحمن، وقيل: عبد الله بن عيسى. ثم اخْتُلف عليه في ذلك؛ فروى عن الحسن بن الحرّ، عن عيسى بن عبد الله، عن محمد بن عَمرو، عن عيّاش أو عباس بن سهل، عن أبي حميد. ورُوي عن عتبة بن أبي حكيم، عن عبد الله بن عيسى، عن العباس ابن سهل، عن أبي حميد. ليس فيه محمد بن عطاء (٢). ورُوِّينا حديث أبي حُميد، عن فُليح بن سليمان، عن عبّاس بن سهل، عن أبي حميد. وبَيَّن فيه عبد الله بن المبارك، عن فُليح سماعَ عيسى من (٣) عبّاس، مع سماع فُلَيح من عبّاس، فذِكْرُ محمد بن عَمرو بينهما وَهْم». آخر كلامه. وهذا ــ والله أعلم ــ] (٤) [ق ٨٣] من تَخْليط عيسى أو من دونه, فإنّ حديثَ عبّاس هذا لا ذِكْر فيه لمحمد بن عَمرو، ولا رواه محمد بن عَمرو

стр. 280

عنه، ونحن نذكر حديثه: قال الترمذي في «جامعه» (١): ثنا محمد بن بشّار، ثنا أبو عامر العَقَديّ، ثنا فُلَيح بن سليمان، ثنا عبَّاس بن سهل قال: اجتمع أبو حميد، وأبو أسيد، وسهل بن سعد، ومحمد بن مَسْلمة، فذكروا صلاةَ النبيّ ﷺ [فقال أبو حميد: أنا أعلمكم بصلاة رسول الله ﷺ ]: إنّ رسول الله ﷺ ركع فوضع يديه على ركبتيه كأنَّه قابضٌ عليهما، ووَتّر يديه فنحّاهما عن جنبيه». قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وقال أبو داود (٢): ثنا أحمد بن حنبل، ثنا عبد الملك بن عَمرو، أنا فُليح، ثنا عباس بن سهل، قال: اجتمع أبو حُميد الساعدي، وأبو أسيد فذكره. أطولَ من حديث الترمذي. قال أبو داود: ورواه عُتبة بن أبي حكيم، عن عبد الله بن عيسى، عن العبَّاس بن سهل. قال: ورواه ابن المبارك، أنا فُلَيح، قال: سمعت عباس بن سهل يحدّث فلم أحفظه، فحدَّثنيه [أُراه ذَكَر] عيسى بن عبد الله، أنه سمعه من عبّاس بن سهل، قال: حضرتُ أبا حميد. فهذا هو المحفوظ من رواية عبَّاس لا ذِكْر فيه لمحمد بن عَمرو بوجه. ورواه أبو داود (٣) من حديث أبي خيثمة، ثنا الحسن بن الحُرّ، أنا

стр. 281

عيسى بن عبد الله بن مالك، عن محمد بن عَمرو بن عطاء أَحَد بني مالك، عن عباس أو عياش بن سهل الساعدي: أنه كان في مجلسٍ فيه أبوه، وفي المجلس أبو هريرة، وأبو حُميد، وأبو أسَيد ... بهذا الخبر يزيد وينقص (١). فهذا الذي غرَّ من قال: إن محمد بن عَمرو لم يسمعه من أبي حُميد، وهذا ــ والله أعلم ــ من تخليط عيسى أو من دونَه؛ لأن محمدًا قد صرَّح بأنّ أبا حُميد حدَّثه وسمعه منه, ورآه حين حَدَّث به, فكيف يُدْخِل بينه وبينه عبَّاس بن سهل؟ وإنما وقع هذا لمّا رواه محمد بن عَمرو عن أبي حُميد، ورواه العبَّاس ابن سهل عن أبي حُميد، فخلّط بعضُ الرواة، وقال: عن محمد بن عَمرو عن العباس، وكان ينبغي أن يقول: وعن العباس بالواو، ولعلها سقطت من النسخة فرواه بإسقاطها. ويدلّ على هذا أيضًا: أنّ عيسى بن عبد الله قد سمعه من عبَّاس, كما في رواية ابن المبارك، فكيف يشافهه به عبَّاس مشافهةً ثم يرويه عن محمد ابن عَمرو عنه؟ فهذا كله يبيّن أنّ محمد بن عَمرو وعبَّاس بن سهل اشتركا في روايته عن أبي حُميد، فصحّ الحديثُ بحمد الله. وحَكَم الدليلُ الذي لا ريب في حكمه لمن صحّحه وأدخله في «صحيحه» على مَن ضعّفه وقدح فيه. وظهر أن العلة التي رُمي بها مما تدلُّ على قوَّته، وأنه محفوظ, وأن رواية عبَّاس بن سهل شاهدةٌ ومُصدِّقة لرواية

стр. 282

محمد بن عَمرو. وهكذا الحق يصدِّق بعضُه بعضًا. وقد رواه الشافعي من حديث إسحاق بن عبد الله، عن عبَّاس بن سهل, عن أبي حُميد ومن مَعَه من الصحابة (١). ورواه فُلَيح بن [ق ٨٤] سليمان، عن عبَّاس, عن أبي حُميد (٢). وهذا لا ذِكْر فيه لمحمد بن عَمرو, وهو إسناد متّصل تقومُ به الحجّة، فلا ينبغي الإعراضُ عن هذا والتعلّق على عبدالحميد بن جعفر بالباطل. ثم لو نزلنا عن هذا كلِّه، وضربنا عنه صفحًا إلى التسليم أن محمد ابن عَمرو لم يدرك أبا قتادة, فغايته أن يكون الوهم قد وقع في تسمية أبي قتادة وحده دون غيره ممن معه. وهذا لا يوجب بمجرّده ترك الحديث جُملةً، والقدحَ فيه عند أحدٍ من الناس. ولو كان كلُّ من غَلِط أو نسيَ واشتبه عليه اسم رجل بآخر سقطَ حديثُه= لغارت ينابيعُ العلم, وانقطعَ معينُه, وذهبت الأحاديث ــ إلا أقلها ــ من أيدينا، وعُطِّلت متونٌ وأسانيدُ هي أساس العلم، ويأبى اللهُ ذلك ورسولُه وورثةُ رسوله. فهب محمد بن عَمرو غلط في تسمية أبي قتادة وذِكْره، أيلزم من ذلك أن يكون ذِكْر باقي الصحابة غلطًا، ويقدحُ في قوله: «سمعت أبا حميد» , و «رأيت

стр. 283

أبا حُميد» , و «كنت في نفرٍ من أصحاب رسول الله ﷺ منهم أبو حُميد»؟! ولا ريبَ أن هذه اللفظة التي حصل بها التعلُّق عليه, وهي قوله: «فيهم أبو قتادة» لم يتفق عليها الرواة، فإن محمد بن عَمرو بن حَلْحلة رواه عن محمد بن عَمرو بن عطاء ولم يذكرها، ومن طريقه رواه البخاري (١). وأما عبدالحميد بن جعفر، فرواه عنه هُشَيم ولم يذكرها (٢)، ورواه عنه أبو عاصم الضحَّاك بن مَخْلد، ويحيى بن سعيد فذكراها عنه (٣). والظاهر ــ والله أعلم ــ أن عبدالحميد بن جعفر تفرَّدَ بها، وقد بيَّنا بطلان ما يوهم امتناع سماع محمد (٤) بن عطاء من أبي قتادة. ومما يُبيّن أنها ليست بوهم (٥): أن محمد بن مسلمة كان في أولئك الرَّهْط، ووفاته سنة ثلاث وأربعين، فإذا لم تتقاصر سنّ محمد بن عَمرو عن لقائه، فكيف تتقاصر عن لقاء أبي قتادة؟ ووفاته إما بعد الخمسين عند الأكثرين، أو قُبَيل (٦) الأربعين عند بعضهم. والله أعلم بالصواب وهو الموفّقُ له.

стр. 284

فصل [قول من ذهب إلى الرفع في المواطن الأربعة] وأما من ذهب إلى الرَّفع عند افتتاح الصلاة، والركوع، والرفع منه، وإذا قام من الثنتين في مغربٍ أو رباعيّة، وهو أحمد في رواية عنه. قال إسحاق بن إبراهيم في «مسائله» (١) ــ وهي من أقدم مسائل حُدّث بها عن الإمام أحمد ــ: «سمعت أبا عبد الله ــ وسئل عن الرجل إذا نهض من الركعتين: يرفع يديه؟ ــ فقال: إذا فعله فما أقْرَبه، فيه عن (٢) ابن عمر، عن النبيّ ﷺ ، وأبي حميد، وأحاديث صحاح». وهو وجهٌ لأصحاب الشافعي، واختاره أبو زكريا النواوي، وقال: هو الصحيح أو الصواب، فقد ثبت ذلك في «صحيح البخاري» وغيره عن رسول الله ﷺ ، ونصّ عليه الشافعي ﵀، وهو اختيار ابن المنذر وأبي علي الطبري (٣). [ق ٨٥] قلت: وجمهور أصحاب الشافعي وأحمد أنه لا يرفع يديه في هذا الموضع، وهو المنصوص عن أحمد في رواية المرّوذي وغيره.

стр. 285

قال الخلّال في «جامعه»: أخبرنا المرّوذي قال: سئل أبو عبد الله عن رفع اليدين إذا قام من الثنتين؟ فقال: لستُ أذهبُ إليه، وقد رواه أبو حُمَيد، ورواه عُبيدالله، عن نافع، عن ابن عمر. وبلغني أنَّ عبدالأعلى رفعه، إلا أنَّا نذهبُ إلى حديث الزُّهريّ، عن سالم، عن ابن عمر يعني عن النبيّ ﷺ : أنه كان لا يفعل ذلك في السجود. قال الخلال: وقال غير المرّوذي: قال أبو عبد الله: أثبتُ من روى هذا الحديث الزُّهريّ عن سالمٍ عن أبيه. قال الخلّال: وقال مهنأ: سألت أحمد ويحيى قلت: حدّثوني عن رِفْدة ابن قُضاعة الغسَّاني قال: ثنا الأوزاعي، عن عبد الله بن عُمير الليثي، عن أبيه، عن جدّه قال: كان رسول الله ﷺ يرفع يديه مع كلِّ تكبيرة في الصلاة المكتوبة (١) = فقالا: ليس بصحيح، ولا نعرف عُبيد بن عُمير يحدّث عن أبيه عن جده شيئًا، ولا غير جدِّه، ولا نعرف رِفْدة بن قُضاعة. وقال يحيى: رِفْدة بن قُضاعة قد سمعتُ منه وهو شيخ ضعيف، ولو كان جاء بهذا رجل معروفٌ مثل هِقْل كان عسى. انتهى كلام الخلال (٢).
следующие страницы →