← Книги сунны

Книги сунны · id 25800

جامع الأصول

ابن الأثير، مجد الدين أبو السعادات

Полный текст (13 130 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

نفسه بمتابعة أوامر الشرع ونواهيه، وأزال الزيغ عن قلبه ولسانه. وله أصول وأحكام وقواعد، وأوضاع، واصطلاحات ذكرها العلماء، وشرحها المحدِّثون، والفقهاء، يحتاج طالبه إلى معرفتها، والوقوف عليها بعد تقديم معرفة اللغة والإعراب، اللَّذين هما أصلٌ لمعرفة الحديث، لورود الشريعة المطهرة بلسان العرب. وتلك الأشياء: كالعلم بالرجال، وأساميهم، وأنسابهم، وأعمارهم، ووقت وفاتهم. والعلم بصفات الرواة، وشرائطهم التي يجوز معها قبول روايتهم. والعلم بمستند الرواة، وكيفية أخذهم الحديث، وتقسيم طرقه. والعلم بلفظ الرواة، وإيرادهم ما سمعوه، وإيصاله إلى من يأخذه عنهم، وذكر مراتبه. والعلم بجواز نقل الحديث بالمعنى، ورواية بعضه، والزيادة فيه، والإضافة إليه ما ليس منه، وانفراد الثقة بزيادة فيه. والعلم بالمسند وشرائطه، والعالي منه، والنازل. والعلم بالمرسل، وانقسامه إلى المنقطع، والموقوف، والمعضل، وغير ذلك، واختلاف الناس في قبوله، وردِّه.

стр. 37

والعلم بالجرح والتعديل، وجوازهما ووقوعهما، وبيان طبقات المجروحين. والعلم بأقسام الصحيح، والكاذب، وانقسام الخبر إليهما، وإلى الغريب، والحسن وغيرهما. والعلم بأخبار التواتر، والآحاد، والناسخ، والمنسوخ. وغير ذلك مما تواضع عليه أئمة الحديث، وهو بينهم متعارف. فمن أتقنها، أتى دار هذا العلم من بابها، وأحاط بها من جميع جهاتها، وبقدر ما يفوته منها تنزل عن الغاية درجته، وتنحط عن النهاية رتبته، إلا أن معرفة التواتر والآحاد، والناسخ والمنسوخ - وإن تعلقت بعلم الحديث - فإن المحدث لا يفتقر إليها؛ لأن ذلك من وظيفة الفقيه؛ لأنه يستنبط الأحكام من الأحاديث، فيحتاج إلى معرفة المتواتر، والآحاد، والناسخ، والمنسوخ فأما المحدث، فوظيفته أن ينقل، ويروي ما سمعه من الأحاديث كما سمعه، فإن تصدى لما وراءه، فزيادة في الفضل، وكمال في الاختيار. جمعنا الله وإياكم معشر الطالبين على قبول الدلائل، وألهمنا وإياكم الاقتداء بالسلف الصالح من الأئمة الأوائل، وأحلَّنا وإياكم من العلم النافع أعلى المنازل، ووفقنا وإياكم للعمل بالعالي من الحديث، والنازل، إنه سميع الدعاء، حقيق بالإجابة.

стр. 38

الفصل الأول: في انتشار علم الحديث، ومبدإِ جمعه وتأليفه حيث ثبت ما قلناه في المقدمة، من كون علم الحديث من العلوم الشرعية، وأنه من أصول الفروض، وجب الاعتناء به، والاهتمام بضبطه وحفظه، ولذلك يَسَّرَ الله له أولئك العلماء الأفاضل، والثقات الأماثل، والأعلام المشاهير، الذي حفظوا قوانينه، واحتاطوا فيه، فتناقلوه كابرًا عن كابر، وأوصلوه كما سمعه أولٌ إلى آخر، وحبَّبه الله إليهم لحكمة حفظ دينه، وحراسة شريعته. فما زال هذا العلم من عهد الرسول صلوات الله وسلامه عليه - والإسلام غض طري، والدين محكم الأساس قوي (١) - أشرف العلوم، وأجلَّها لدى الصحابة ﵃، والتابعين بعدهم، وتابعي التابعين، خلفًا بعد سلف (٢) ، لا يشرف بينهم أحد بعد حفظ كتاب الله ، إلا بقدر ما يحفظ منه، ولا يعظم في النفوس إلا بحسب ما يُسْمَعُ من الحديث عنه، فتوفرت الرغبات فيه، وانقطعت الهمم على تعلُّمه، حتى لقد كان أحدهم يرحل المراحل ذوات العدد

стр. 39

ويقطع الفيافي والمفاوز الخطيرة، ويجوب البلاد شرقاً وغرباً في طلب حديثٍ واحدٍ ليسمعه من راويه. فمنهم من يكون الباعث له على الرِّحلة طلب ذلك الحديث لذاته. ومنهم من يقرن بتلك الرغبة سماعه من ذلك الراوى بعينه، إما لثقته في نفسه، وصدقه في نقله، وإما لعلو إسناده، فانبعثت العزائم إلى تحصيله. وكان اعتمادهم أولاً على الحفظ والضبط في القلوب والخواطر، غير ملتفتين إلى ما يكتبونه، ولا معولين على ما يسطرونه، محافظة على هذا العلم، كحفظهم كتاب الله ، فلما انتشر الإسلام، واتسعت البلاد، وتفرقت الصحابة في الأقطار، وكثرت الفتوح، ومات معظم الصحابة، وتفرق أصحابهم وأتباعهم، وقل الضبط، احتاج العلماء إلى تدوين الحديث وتقييده بالكتابة، ولعمري إنها الأصل، فإن الخاطر يغفل، والذهن يغيب، والذكر يهمل، والقلم يحفظ ولا ينسى (١) . فانتهى الأمر إلى زمن جماعة من الأئمة، مثل عبد الملك بن جريج،

стр. 40

ومالك بن أنس، وغيرهما ممن كان في عصرهما. فدوَّنوا الحديث. حتى قيل: إن أول كتاب صنف في الإسلام «كتاب ابن جريج (١) » وقيل: «موطأ مالك» -رحمة الله عليهما. وقيل: إن أول من صنف وبوَّب الربيع بن صبيح (٢) بالبصرة. ثم انتشر جمع الحديث وتدوينه، وسطره في الأجزاء والكتب، وكثر ذلك وعظم نفعه إلى زمن الإمامين، أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، وأبي الحسين مسلم بن الحجاج النيسابوري، - رحمهما الله - فدونا كتابيهما، وفعلا ما الله مجازيهما عليه من نصح المسلمين، والاهتمام بأمور الدين، وأثبتا في كتابيهما من الأحاديث ما قطعا بصحته، وثبت عندهما نقله. وسيجيء فيما بعد من هذه المقدمة شرط كتابيهما، وذكر الصحيح والفاسد مشروحاً مفصلاً إن شاء الله تعالى، وسميا كتابيهما «الصحيح من الحديث» وأطلقا هذا الاسم عليهما، وهما أول من سمى كتابه ذلك،

стр. 41

ولقد صدقا فيما قالا، وبرَّا فيما زعماً (١) ، ولذلك رزقهما الله من حسن القبول في شرق الأرض وغربها، وبرها وبحرها، والتصديق لقولهما، والانقياد لسماع كتابيهما، ما هو ظاهر مستغن عن البيان، وما ذلك إلا لصدق النية، وخلوص الطوية، وصحة ما أودعا كتابيهما من الأحاديث. ثم ازداد انتشار هذا النوع من التصنيف والجمع والتأليف، وكثر في أيدي المسلمين وبلادهم، وتفرقت أغراض الناس، وتنوعت مقاصدهم، إلى أن انقرض ذلك العصر الذي كانا فيه حميدًا (٢) عن جماعة من الأئمة والعلماء قد جمعوا وألفوا: مثل أبي عيسى محمد بن عيسى الترمذي، وأبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني، وأبي عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي ﵏ جميعاً - وغيرهم من العلماء الذين لا يحصون كثرة. وكأن ذلك العصر كان خلاصة العصور في تحصيل هذا العلم، وإليه المنتهى. ثم من بعده نقص ذلك الطلب بعد، وقل ذلك الحرص، وفترت تلك الهمم، وكذلك كلُّ نوع من أنواع العلوم والصنائع والدول وغيرها (٣) فإنه يبتدئ قليلاً قليلاً، ولا يزال ينمى ويزيد، ويعظم إلى أن يصل

стр. 42

إلى غاية هي منتهاه، ويبلغ إلى أمَد هو أقصاه، ثم يعود، فكأنَّ غاية هذا العلم انتهت إلى البخاري ومسلم، ومن كان في عصرهما من علماء الحديث. ثم نزل وتقاصر إلى زماننا هذا، وسيزداد تقاصرًا والهمم قصورًا، سنة الله في خلقه، ولن تجد لسنة الله تبديلاً. الفصل الثاني: في بيان اختلاف أغراض الناس ومقاصدهم في تصنيف الحديث ما زلت أتتبع كتب الحديث، وأطلبها رغبة في معرفته، والإحاطة به، لما يلزمني من أمور الإسلام والدين (١) ، فوجدت بعون الله فيها كل مطلوب، وأدركت فيها بلطفه كل مرغوب، ورأيت هذا العلم على شرفه وعلو منزلته، وعظم قدره، علماً عزيزاً، مشكل اللفظ والمعنى، والناس في تصانيفهم التي جمعوها فيه وألفوها مختلفو الأغراض، متنوعو المقاصد. فمنهم من قصرت همته على تدوين الحديث مطلقاً ليحفظ لفظه، ويستنبط منه الحكم، كما فعله عبيد الله بن موسى العبسي (٢) ، وأبو داود

стр. 43

الطيالسي (١) وغيرهما من أئمة الحديث أولاً وثانياً أحمد بن حنبل ومن بعده، فإنهم أثبتوا الأحاديث في مسانيد رواتها، فيذكرون مسند أبي بكر الصديق ﵁ مثلاً، ويثبتون فيه كل ما رووه عنه، ثم يذكرون بعده الصحابة واحداً بعد واحد على هذا النسق. ومنهم من يثبت الأحاديث في الأماكن التي هي دليل عليها، فيضعون لكل حديث باباً يختص به، فإن كان في معنى الصلاة، ذكروه في «باب الصلاة» وإن كان في معنى الزكاة، ذكروه في «باب الزكاة» ، كما فعله مالك بن أنس في كتاب «الموطأ» إلا أنه - لقلة ما فيه من الأحاديث قلت أبوابه. ثم اقتدى به من بعده. فلما انتهى الأمر إلى زمن البخاري ومسلم، وكثرت الأحاديث المودعة في كتابيهما، كثرت أبوابهما وأقسامهما، واقتدى بهما من جاء بعدهما. وهذا النوع أسهل مطلباً من الأول لوجهين.

стр. 44

الأول: أن الإنسان قد يعرف المعنى الذي يطلب الحديث لأجله، وإن لم يعرف راويه، ولا في مسند من هو، بل ربما لا يحتاج إلى معرفة راويه. فإذا أراد حديثاً يتعلق بالصلاة طلبه من «كتاب الصلاة» ، وإن لم يعرف أن راويه أبو بكر ﵁. والوجه الثاني: أن الحديث إذا ورد في «كتاب الصلاة» ، علم الناظر فيه أن ذلك الحديث هو دليل ذلك الحكم من أحكام الصلاة، فلا يحتاج أن يتفكر فيه ليستنبط الحكم منه، بخلاف الأول. ومنهم من استخرج أحاديث تتضمن ألفاظاً لغوية، ومعاني مشكلة، فوضع لها كتاباً قصره على ذكر متن الحديث، وشرح غريبه وإعرابه ومعناه، ولم يتعرض لذكر الأحكام كما فعله أبو عبيد القاسم بن سلام (١) ، وأبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة وغيرهما. ومنهم من أضاف إلى هذا الاختيار ذكر الأحكام وآراء الفقهاء، مثل أبي سليمان حَمْد بن محمد الخطابي (٢) في «معالم السنن» ، و «أعلام السنن» وغيره من العلماء.

стр. 45

ومنهم من قصد ذكر الغريب دون متن الحديث، فاستخرج الكلمات الغريبة، ودونها ورتبها وشرحها، كما فعله أبو عبيد أحمد بن محمد الهروي وغيره من العلماء. ومنهم من قصد إلى استخراج أحاديث تتضمن ترغيباً وترهيباً، وأحاديث تتضمن أحكاماً شرعية غير جامعة، فدوَّنها وأخرج متونها وحدها، كما فعله أبو محمد الحسين بن مسعود (١) في كتاب «المصابيح» وغير هؤلاء المذكورين من أئمة الحديث لو رُمْنا أن نستقصى ذكر كتبهم، واختلاف أغراضهم ومقاصدهم في تصانيفهم، لطال الخطب، ولم ننته إلى حد. فاختلاف الأغراض هو الداعي إلى اختلاف التصانيف. الفصل الثالث: في اقتداء المتأخرين بالسابقين، وسبب اختصارات كتبهم وتأليفها لما كان أولئك الأعلام هم الأولين في هذا الفن، والسابقين إليه، لم يأت صنعهم على أكمل الأوضاع وأتم الطرق، فإن غرضهم كان أولاً حفظ الحديث مطلقاً وإثباته، ودفع الكذب عنه، وحذف

стр. 46

الموضوعات عليه، والنظر في طرقه وحفظ رجاله، وتزكيتهم، واعتبار أحوالهم، والتفتيش عن دخائل أمورهم، حتى قدحوا فيمن قدحوا، وجرحوا من جرحوا، وعدَّلوا من عدَّلوا، وأخذوا عمن أخذوا، وتركوا من تركوا. هذا بعد الاحتياط والضبط والتدبر، فكان هذا مقصدهم الأكبر، وغرضهم الأوفر، ولم يتسع الزمان لهم والعمر لأكثر من هذا الغرض الأعم، والمهم الأعظم (١) ، ولا رأوا في أديانهم (٢) أن يشتغلوا بغيره من لوازم هذا الفن التي هي كالتوابع، بل ولا كان يجوز لهم ذلك، فإن الواجب أولاً إثبات الذات، ثم ترتيب الصفات، والأصل، إنما هو عين الحديث وذاته، ثم بعد ذلك ترتيبه وتحسين وضعه، ففعلوا ما هو الفرض المتعين، واخترمتهم المنايا قبل الفراغ والتخلي لما فعله التابعون لهم، والمقتدون بهم، والمهتدون بهديهم، فتعبوا ﵏ لراحة من بعدهم، ونصبوا لدعة (٣) من اقتفى آثارهم. ثم جاء الخلف الصالح، فأحبوا أن يظهروا تلك الفضيلة، ويشيعوا تلك المنقبة الجليلة، وينشروا تلك العلوم التي أفنوا أعمارهم في جمعها، ويفصلوا تلك الفوائد التي أجملوا تحسين وضعها، إما بإبداع ترتيب، أو بزيادة تهذيب، أو اختصار وتقريب، أو استنباط حكم، وشرح غريب.

стр. 47

فمن هؤلاء المتأخرين من جمع بين كتب الأولين بنوع من التصرف والاختصار، كما فعله أبو بكر أحمد بن محمد البرقاني (١) ، وأبو مسعود إبراهيم ين محمد بن عبيد الدمشقي (٢) ، واقتفى أثرهما أبو عبد الله محمد بن أبي نصر الحميدي (٣) . فإنهم جمعوا بين كتابي البخاري ومسلم، ورتبوا كتبهم على المسانيد، دون الأبواب، كما سبق ذكره. وتلاهم آخراً أبو الحسن رزين بن معاوية العبدري السرقسطي (٤) ، فجمع بين كتب البخاري ومسلم و «الموطأ» لمالك، و «جامع أبي عيسى الترمذي» ، و «سنن أبي داود السجستاني» ، و «سنن أبي عبد الرحمن النسائي» - رحمة الله عليهم - .ورتب كتابه على الأبواب دون المسانيد،

стр. 48

إلا أن هؤلاء جميعهم لم يودعوا كتبهم إلا متون الحديث عارية من الشرح والتفسير، حسب ما أداهم إليه الغرض، وأحسنوا في الصنع، وفعلوا ما جنوا ثمرته دنيا وأخرى، وسنوا لمن بعدهم الطريق ومهدوا المحجة في طلب هذا العلم، فأحسن الله إليهم. الفصل الرابع: في خلاصة الغرض من جمع هذا الكتاب لما وقفت على هذه الكتب، ورأيتها في غاية من الوضع الحسن والترتيب الجميل، ورأيت كتاب «رزين» هو أكبرها وأعمها، حيث حوى هذه الكتب الستة التي هي أم كتب الحديث، وأشهرُها في أيدي الناس، وبأحاديثها أخذ العلماء، واستدل الفقهاء، وأثبتوا الأحكام، وشادوا مباني الإسلام. ومصنفوها أشهر علماء الحديث، وأكثرهم حفظاً، وأعرفهم بمواضع الخطأ والصواب، وإليهم المنتهى، وعندهم الموقف. وسنعقد فيما بعد باباً يتضمن مناقبهم وفضائلهم، وإلى أين انتهت مراتبهم في هذا الفن. فحينئذ أحببت أن أشتغلَ بهذا الكتاب الجامع لهذه الصحاح،

стр. 49

وأعتني بأمره، ولو بقراءته ونسخه، فلما تتبعته وجدته - على ما قد تعب فيه - قد أودع أحاديث في أبواب، غير تلك الأبواب أولى بها، وكرر فيه أحاديث كثيرة، وترك أكثر منها. ثم إنني جمعت بين كتابه وبين الأصول الستة التي ضمنها كتابه، فرأيت فيها أحاديث كثيرة لم يذكرها في كتابه، إما للاختصار، أو لغرض وقع له فأهملها، ورأيت في كتابه أحاديث كثيرة لم أجدها في الأصول التي قرأتها وسمعتها ونقلت منها، وذلك لاختلاف النسخ والطرق، ورأيته قد اعتمد في ترتيب كتابه على أبواب البخاري، فذكر بعضها، وحذف بعضها. فناجتني نفسي أن أُهذِّب كتابه، وأرتب أبوابه، وأوطئ مقصده، وأسهل مطلبه، وأضيف إليه ما أسقطه من الأصول، وأتبعه شرح ما في الأحاديث من الغريب والإعراب والمعنى، وغير ذلك مما يزيده إيضاحاً وبياناً، فاستصغرت نفسي عن ذلك، واستعجزتها (١) ، ولم يزل الباعث يقوى، والهمة تنازع، والرغبة تتوفر، وأنا أعللها بما في ذلك من التعرض للملام، للانتصاب للقدح، والأمن من ذلك جميعه مع الترك، ويأبي الله إلا أن يتم نوره، فتحققت بلطف الله العزيمة،

стр. 50

وصدقت بعونه النية، وخلصت بتوفيقه الطوية. فشرعت في الجمع بين هذه الكتب الستة التي أودعها «رزين» ﵀ كتابه، وصَدَفْتُ عما فعله ورتبه، فاعتمدت على الأصول دون كتابه، واخترت له وضعاً يزيد (١) ، بيانه حسبما أدى إليه اجتهادي وانتهى إليه عرفاني. هذا بعد أن أخذت فيه رأي أولى المعارف والنُّهى، وأرباب الفضل والذكاء، وذوي البصائر الثاقبة، والآراء الصائبة، واستشرت فيه من لا أتهمه ديناً وأمانة وصدقاً ونصيحة (٢) ، وعرضت عليه الوضع الذي عرض لي، واستضأت به في هذا الصنع الذي سنح لي، فكلٌّ أشار بما قوى العزم، وحقق إخراج ما في القوة إلى الفعل. فاستخرت الله تعالى، وسألته أن يجعله خالصاً لوجهه، ويتقبله ويعين على إنجازه بصدق النية فيه، ويسهله، وهو المجازي على مودعات السرائر، وخفيات الضمائر. هذا مع كثره العوائق الدنيوية، وازدحام العوارض الضرورية، وتكاثر الفوادح النفسانية، وضيق الوقت عن فراغ البال لمثل هذا المهم

стр. 51

العزيز، والغرض الشريف الذي إذا أعطاه الإنسان كله واتاه منه أيسره، وإذا قصر عليه عمره أمكنه منه أقصره، ولولا أن الباعث عليه ديني، والغرض منه أخروي، لكانت القدرة على الإلمام به واهية، والهمة عن التعرض إليه قاصرة، والعزيمة عن الشروع فيه فاترة، وإنما كان المحرك قوياً، والجاذب شريفاً علياً. وأنا أسأل كل من وقف عليه، ورأى فيه خللاً، أو لمح فيه زللاً أن يصلحه، حائزاً به جزيل الأجر وجميل الشكر، فإن المهذب قليل، والكامل عزيز، بل عديم، وأنا معترف بالقصور والتقصير، مقر بالتخلف عن هذا المقام الكبير. على أن هذا الكتاب في نفسه بحر زاخرة أمواجه، وبر وعرة فجاجه، لا يكاد الخاطر يجمع أشتاته، ولا يقوم الذكر بحفظ أفراده، فإنها كثيرة العدد، متشعبة الطرق، مختلفة الروايات، وقد بذلت في جمعها وترتيبها الوسع، واستعنت بتوفيق الله تعالى ومعونته في تأليفه وتهذيبه، وتسهيله وتقريبه. وسميته: «جامع الأصول في أحاديث الرسول ﷺ » .

стр. 52

الباب الثاني: في كيفية وضع الكتاب ، وفيه ستة فصول الفصل الأول: في ذكر الأسانيد والمتون لما وفق الله للشروع في هذا الكتاب، وسهل طريقه، فكنت فيه طالباً أقرب المسالك وأهداها إلى الصواب، أول ما بدأت به أنني حذفت الأسانيد، كما فعله الجماعة المقدَّم ذكرهم - رحمة الله عليهم - ولنا في الاقتداء بهم أسوة حسنة، لأن الغرض من ذكر الأسانيد كان أولاً لإثبات الحديث وتصحيحه، وهذه كانت وظيفة الأولين رحمة الله عليهم (١) -، وقد كفونا تلك المؤنة، فلا حاجة بنا إلى ذكر ما قد

стр. 53

فرغوا منه، وأغنونا عنه، فلم أثبت إلا اسم الصحابي الذي روى الحديث عن النبي ﷺ إن كان خبراً، أو اسم من يرويه عن الصحابي إن كان أثراً، اللهم إلا أن يعرض في الحديث ذكر اسم أحد رواته فيما تمس الحاجة إليه، فأذكره لتوقف فهم المعنى المذكور في الحديث عليه. وقد أفردت باباً في آخر الكتاب يتضمن أسماء الجماعة المذكورين في جميع الكتاب، إن كان صحابياً، أو تابعياً، أو غيره، ورتبته على حروف (أب ت ث) . وكتبت الأسماء في أول الحديث على الهامش، وذكرت بإزائه ما أمكن معرفته من نسبه وعمره، وإسلامه وحاله، حسبما انتهت إليه القدرة، ومن لم أجد له ذكراً ذكرت اسمه، وتركته مفتوحاً لأحققه، وقصدت في ذلك إزالة الخلل والتصحيف في الأسماء والاشتباه. وأما متون الحديث، فإنني لم أثبت منه إلا ما كان حديثًا عن رسول الله ﷺ ، أو أثراً عن صحابي، وما كان من أقوال التابعين ومن بعدهم من مذاهب الفقهاء والأئمة، فلم أذكره إلا نادراً، اقتداء بالحميدي ﵀ وغيره ممن جمع بين الكتب ما عدا رزيناً، فإنه ذكر في كتابه فقه مالك ﵀ الذي في «الموطأ» ، وتراجم

стр. 54

أبواب كتاب البخاري، وغير ذلك مما لا حاجة إليه. واعتمدت في النقل من كتابي البخاري ومسلم على ما جمعه الإمام أبو عبد الله الحُميدي في كتابه، فإنه أحسن في ذكر طرقه، واستقصى في إيراد رواياته، وإليه المنتهى في جمع هذين الكتابين (١) . وأما باقي الكتب الأربعة، فإني نقلتها من الأصول التي قرأتها وسمعتها، وجمعت بينها وبين نسخ أخرى منها. وعولت في المحافظة على ألفاظ البخاري ومسلم أكثر من غيرهما من باقي الأئمة الأربعة، اللهم إلا أن يكون في غيرهما زيادة أو بيان أو بسط، فإنني أذكرها، وإن كان الحميدي قد أغفل شيئاً وعثرت عليه، أثبته من الأصول، وتتبعت الزيادات من جميع الأمهات، وأضفتها إلى مواضعها. وأما الأحاديث التي وجدتها في كتاب «رزين» ، ولم أجدها في الأصول، فإنني كتبتها نقلاً من كتابه على حالها في مواضعها المختصة بها، وتركتها بغير علامة، وأخليت لذكر اسم من أخرجها موضعًا،

стр. 55

لعلي أتتبع نسخًا أخرى لهذه الأصول وأعثر عليها فأُثبت اسم من أخرجها. وقد أشرت في أوائل الكتاب إلى ذكر أحاديث، من ذلك: أن رزينًا أخرجها ولم أجدها في الأصول.وأخليت ذكر الباقي ليعلم أنه من ذلك القبيل. الفصل الثاني: في بيان وضع الأبواب والفصول قد سبق في الباب الأول أن من العلماء من رتب كتابه على المسانيد، ومنهم من رتبه على الأبواب، ورجحنا اختيار الأبواب على المسانيد بما قدمنا ذكره، فلذلك اخترنا لكتابنا الأبواب على المسانيد، ولأن هذه الكتب الستة الأصول، جميعها مرتبة على الأبواب، فكان الاقتداء بهم أولى. وحيث اعتبرت أبواب كتبهم وجدتها مختلفة في الوضع، فإن البخاري قد ذكر أحاديث في أبواب من كتابه ذكرها غيره في غير تلك الأبواب وكذلك كل منهم، فصدفت عن ذلك، ثم إنني عمدت إلى الأحاديث جميعها في هذه الكتب الستة، فاعتبرتها وتتبعتها، واستخرجت معانيها، فبنيت الأبواب على المعاني التي دلت عليها الأحاديث، فكل حديث انفرد بمعنى أثبته في باب يخصه.

стр. 56

فإن اشتمل على أكثر من معنى واحد، فلا يخلو: أن يكون اشتماله على ذلك اشتمالاً واحداً، أو أحد المعاني فيه أغلب من الآخر، فإن كان اشتماله عليه اشتمالا واحداً، أوردته في آخر الكتاب في كتاب سميته «كتاب اللواحق» وقسمته إلى أبواب عدة، يتضمن كل باب منها أحاديث تشتمل على معاني متعددة من جنس واحد. على أن هذا «كتاب اللواحق» جميعه ما يعظم قدره ولا يطول، فإنه لا يتجاوز ثلاثة كراريس (١) . وأما ما كان مشتملاً على أكثر من معنى واحد، إلا أنه بأحدها أخص، وهو فيه أغلب، فإنني أثبته في الباب الذي هو أخص به وأغلب عليه، وقصدت فيه غالباً أن يكون في باب المعني الذي هو أول الحديث. ثم إنني عمدت إلى كل كتاب من الكتب المسماة في جميع الكتب وفصلته إلى أبواب، وفصول، وأنواع، وفروع، وأقسام، بحسب ما اقتضته القسمة التي تراها في الكتاب. وكان الموجب لهذا التقسيم اختلاف معاني الأحاديث التي تختص

стр. 57

بكل كتاب، فإن منها ما يتعلق بوجوبه (١) ، ومنها ما يتعلق بأركانه وحقيقته، ومنها ما يتعلق بسننه ونوافله، ومنها ما يتعلق بشروطه ولوازمه، ومنها ما يتعلق بالحث عليه والترغيب فيه، ومنها ما يتعلق بفضله وشرفه. وأشياء كثيرة تراها في غضون الكتاب، كل واحد منها لمعنى. ثم إنني عمدت إلى كل فصل وكل فرع وكل باب، فنضدت الأحاديث فيه، كل حديث يتلو ما يشبهه، أو يماثله أو يقاربه بحيث إنك إذا تجاوزت ذلك المعنى من ذلك الفصل لا تكاد تعود تراه في باقي الفصول إلا نادراً، لضرورة اقتضته، أو سهو. وإذا جاء من الأحاديث شيء يتعلق بذلك الكتاب وليس معه حديث آخر من نوعه، كتبته في فصل أو فرع من تقسيم ذلك الكتاب، حيث ليس معه حديث من جنسه ونوعه مثله أو أمثاله. ثم إنني عمدت إلي ما جاء من الأحاديث في فضائل جميع الكتب المودعة في كتابنا، وما جاء في فضائل الأنبياء والصحابة وغيرهم، فجعلته كتاباً واحداً سميته «كتاب الفضائل والمناقب» وأودعته كل حديث

стр. 58

يتضمن فضل شيء من الأعمال والأقوال والأحوال والرجال، ولم أضف فضل كل شيء إلى بابه، فإنه يجيء متفرقاًَ، فرأيت أن جمعه أولى، وستراه إن شاء الله تعالى مفصلاً مبوباً. الفصل الثالث: في بيان التقفية، وإثبات الكتب في الحروف لما نضدت الأحاديث في الأبواب والفصول والفروع - كما سبق بيانه - رأيتها كثيرة العدد، والكتاب في نفسه كبير المقدار، يحتاج الناظر فيه والطالب لحديث من أحاديثه أن يتطلب كتبه التي هي تراجمه، حتى يجد الحديث المطلوب فيها، وكان عليه في ذلك كلفة ومشقة متعبة، فخرجت أسماء الكتب المودعة في الكتاب، وجعلتها مرتبة على حروف (أب ت ث) طلباً لتسهيل كلفة الطلب، وتقريباً على المريد بلوغ الأرب. ولم أضبط في وضعها الحرف الأصلي من الكلمة فحسب، إنما لزمت الحرف الذي هو أول الكلمة، سواء كان أصلياً أو زائداً، ولم أحذف من الكلمة إلا (١) الألف واللام التي للتعريف حسب.

стр. 59

فأودعت «كتاب الإيمان والإسلام» ، و «كتاب الإيلاء» ، و «كتاب الآنية» : في حرف الهمزة. وهذا حرف أصلي. ووضعت فيه أيضاً «كتاب الاعتصام» ، و «كتاب إحياء الموات» وهذا حرف زائد، فإن «الاعتصام» حقه أن يكون في حرف «العين» و «إحياء الموت» في حرف «الحاء» . وكذلك جميع الكتب على الوضع، ولم أقصد به إلا طلب الأسهل، فإن كتب الحديث يشتغل بها الخاص والعام، والعالم بتصرف اللفظ والجاهل. ولو كلفت العامي أن يعرف الحرف الأصلي من الزائد لتعذر عليه، لكنه يسهل عنده معرفة الحرف الذي هو في أول الكلمة من غير نظر إلي أنه أصلي أو زائد. ثم وجدت في الأبواب أبواباً عدة، هي من جملة الكتب التي انقسم الكتاب إليها، وإذا ذكرتها في الحرف الذي يختص بها أكون قد أفردت أحد أحكام ذلك الكتاب عنه، وفرقته ووضعته في غير موضعه الأولى به. مثال ذلك: أن «كتاب الجهاد» هو في جرف الجيم، وفي جملة أحكام الجهاد أبواب عدة لا يجوز أن تنفرد عنه، مثل الغنائم، والفيء، والغلول، والنفل، والخمس، والشهادة، وكل واحد من هذه يختص بحرف غير حرف الجيم، فإن ذكرته في حرفه، تقسم (١) «كتاب الجهاد» وعدلت عن واجب

стр. 60

الوضع، فذكرت هذه الأبواب في جملة «كتاب الجهاد» في حرف الجيم. ثم عمدت إلى آخر كل حرف من تلك الحروف التي تختص بهذه الأبواب، فذكرت فيه فصلاً ليستدل به على مواضع هذه الأبواب من الكتاب، فذكرت في آخر حرف الغين أن الغنائم والغلول في «كتاب الجهاد» من حرف الجيم. وفي آخر حرف الفاء أن «الفيء» في «كتاب الجهاد» من حرف الجيم. وكذلك تتبعت جميع الحروف، وفعلت بها هذا الفعل. فإذ أردت حديثاً من هذا النوع، فاطلبه في حرفه، فإن وجدته، وإلا فترى في آخر الحرف ما يدلك على موضعه، على أنه متى صار لك أدنى دُربة بالكتاب، وعرفت الغرض من وضعه، استغنيت عن ذلك جميعه. الفصل الرابع: في بيان أسماء الرواة والعلائم لما وضعت الكتب والأبواب في الحروف، رأيت أن أُثبت أسماء

стр. 61

رواة كل حديث أو أثر على هامش الكتاب حذاء أول الحديث، وذلك لفائدتين. إحداهما: أن يكون الاسم مفرداً يدركه الناظر في أول نظره، ويعرف به أول الحديث. والثانية: لأجل إثبات العلائم التي رقمتها بالهمزة على الاسم. وذلك أنني قد رقمت على اسم كل راوٍ علامة من أخرج ذلك الحديث من أصحاب الكتب الستة. فجعلت للبخاري «خاء» لأن نسبه إلى بلده أشهر من اسمه وكنيته، لأن «الخاء» أشهر حروفه، وليس في باق حروف الأسماء «خاء» . وجعلت للمسلم ميماً، لأن اسمه أشهر من نسبه وكنيته. والميم أول حروف اسمه. وجعلت لمالك «طاء» ، لأن اشتهار كتاب «بالموطأ» أكثر، ولأن «الميم» التي هي أول حروف اسمه قد أعطيناها مسلماً، وباقي حروفه مشتبهة بغيرها من حروف باقي الأسماء، و «الطاء» أشهر حروف اسم كتابه، ولا تشتبه بغيرها. وجعلت للترمذي «تاءً» ، لأن اشتهار الترمذي أكثر منه باسمه وكنيته، وأول حروف نسبه التاء،

стр. 62

وجعلت لأبي داود «دالاً» لأن كنيته أشهر من نسبه واسمه والدال أشهر حروف كنيته، وأبعدها من الاشتباه بباقي العلائم. وجعلت للنسائي «سيناً» ، لأن نسبه أشهر من كنيته واسمه، والسين أشهر حروف نسبه، وأبعدها من الاشتباه. فإن كان الحديث قد أخرجه جماعتهم، أثبت قبل اسم الراوي العلائم الست، وإن كان قد أخرجه بعضهم، أثبت عليه علامة من أخرجه. والأحاديث التي وجدتها في كتاب «رزين» ﵀ ولم أجد في الأصول التي قرأتها وسمعتها ونقلت منها، أثتبها ولم أثبت عليها علامة، ولم أذكر من أخرجها، لعلي أجدها، أو يجدها غيري فيثبتها، ويعلِّم علامة من أخرجها. وجعلت ابتداء العلائم على الاسم بعلامة البخاري، وبعده بعلامة مسلم، وبعده بعلامة «الموطأ» . وكان الأولى تقديم اسم «الموطأ» . لأن مالكاً ﵀ أكبر الجماعة وأقدمهم. وأجلهم قدراً، وأحقهم بالتقديم، ولكن لاشتهار كتابي البخاري ومسلم بالصحة، وانفرادهما بالشرط الذي لم ينفرد به واحد من باقي الكتب، ولأنهما أعظم قدراً، وأكبر حجماً، قدمتهما في التعليم عليه. ثم أتبعت علامة «الموطأ» بعلامة الترمذي، وبعده بعلامة أبي داود، وبعده بعلامة النسائي. وإن تقدم أحد هؤلاء الثلاثة المتأخرين على الآخر، فلا بأس.

стр. 63

ثم لما كان مع تطاول الأزمان. واختلاف النساخ وتهاونهم بالذي يكتبونه، قد تسقط بعض العلائم من موضعه، فيبقى الحديث مجهولاً، لا يُعلم من أخرجه، ذكرت في آخر كل حديث من أخرجه من الأئمة في متن الكتاب، ليزول هذا الخلل المتوقع. وإن سقط بعض العلامات، أو كلها، أمكن الناسخ أن يستجد العلامات من متن الكتاب (١) . على أن معظم الأحاديث المشتركة بين الأصول، قد أدت الضرورة إلى ذكر من أخرجها، لاختلاف ألفاظهم في الحديث الواحد، وإنما الأحاديث المفردة في كل أصل من الكتب، هي التي احتجنا إلى أن نذكر اسم من أخرجها في متن الكتاب لهذا الباعث المذكور. الفصل الخامس: في بيان الغريب والشرح لما أردنا أن نذكر شرح لفظ الحديث ومعناه، كان الأولى بنا أن نذكره عَقيب كل حديث، فإنه أقرب تناولاً، وأسهل مأخذاً، لكنا

стр. 64

رأينا أن ذلك يتكرر تكرراً زائداً، لاشتراك الأحاديث في المعنى الواحد، مع تقارب الألفاظ، بل اتحادها، فإن ذكرنا شرح الحديث الواحد، إذا جاء مثله أحلنا عليه، احتاج الطالب إلى كلفة عظيمة حتى يجد الغرض، وكان الكتاب يطول بكثرة الإحالات. وإن أوردناه آخر كل فصل أو باب، جاء من التكرار ما يقارب الأول، وإن نحن أفردنا للشرح كتاباً مستقلاً بنفسه - كما فعله الحميدي ﵀ في «غريب كتابه» - صار ذلك الكتاب مفرداً وحده، لا علاقة بين الأصل وبينه، فمن شاء نسخه، ومن شاء تركه، فكانت الفائدة تذهب، ويزول الغرض، ويبقى الكتاب خالياً من الشرح والتفسير الذي قصدنا إليه، فأدى النظر إلى أن ذكرناه في آخر كل حرف من حروف (أب ت ث) على ترتيب الكتب التي في كل حرف، وسياق الأحاديث التي في كل كتاب (١) . وذكرتُ الكلمات التي في متون الأحاديث المحتاجة إلي الشرح بصورتها على هامش الكتاب، وشرحها حذاءها، ليكون أسهل مطلباً للناظرين فيه، ولم أقتصر على ذكر الغريبة التي يحتاج الخواص إلى شرحها بل ذكرتُ ما يفتقر العوام إلى معرفته زيادة في البيان.

стр. 65

فإن تكرر في ذلك الكتاب كلمات تحتاج إلى شرح غريبها، لم أكرر ذكرها، واعتمدت على ما سبق ذكره في ذلك الكتاب، اللهم ألا أن يطول الكلام بينهما، فربما أعدته. فإذا طلبت شرح كلمة في موضعها ولم تجدها، فاعلم أنها قد سبقت قبل ذلك، فاطلبها من هناك تجدها. وكل كلمة لم أعرف شرحها، أو كنت منها على ارتياب، أثبتها وأخليت حذاءها لأثبت فيه شرحها. وعولت في الشرح على كتب أئمة اللغة، وكتب غريب الحديث، وكتب الفقه وغيرها. فمن كتب اللغة: كتاب «التهذيب» لأبي منصور محمد بن أحمد الأزهري وكتاب «لغة الفقه» له، وكتاب «صحاح اللغة» لأبي نصر إسماعيل بن حماد الجوهري، وكتاب «المجمل» لأبي الحسين (١) ، أحمد بن فارس. ومن كتب الغريب: كتاب «غريب الحديث» ، لأبي عبيد القاسم ابن سلام، وكتاب «غريب الحديث» لأبي محمد بن عبد الله بن مسلم بن قتيبة، وكتاب «مختلف الحديث» له، وكتاب «غريب الحديث» لأبي سليمان حَمْد بن محمد الخطابي، وكتاب «معالم السنن» له، وكتاب «شأن الدعاء» له، وكتاب «الجمع بين الغريبين» لأبي عبيد الهروي، وكتاب «الفائق» لأبي القاسم

стр. 66

محمود بن عمر الزمخشري، وكتاب «غريب الحديث» لأبي عبد الله الحميدي.وتتبعت كتب الفقه والتفسير، وأخذت منها شرح أحاديث تتعلق بالأحكام والمعاني. وكل ما وجدته في هذه الكتب من معنىً مستحسن، أو نكتة غريبة أو شرح شاف (١) أثبته بعد الاحتياط فيما نقلته وما لم أجده فيها - وإنه قليل - ذكرت فيه ما سنح لي بعد سؤال أهل المعرفة به والدراية. وأنا أرجو أن يصادف ذلك صحة وصواباً من الفعل، وصدقاً وسداداً من القول. ولست أدعي في جميع ما نقلته وأثبتُّه من هذا الشرح العصمة من الغلط والبراءة من السهو. وأنا أرغب إلى كل من وقف عليه، وأدرك منه خطأ أو زللاً، أن يصلحه ويقلدني فيه مِنَّةً جسيمةً، ويتخذ عندي به يداً كريمة أَكِلُ جزاءه عليها إلى فضل الله تعالى وسعة كرمه. الفصل السادس: فيما يستدل به على أحاديث مجهولة الوضع لما استقر وضع الأحاديث في الأبواب والكتب والحروف، وتتبعتها فوجدت فيها أحاديث ينبو بها مكانها، وإن كان أولى بها من غيره من سائر الأمكنة، وكان طالب تلك الأحاديث أو بعضها ربما شذ عن

стр. 67

خاطره موضعها، والتبس عليه مكانها، لنوع من اشتباه معانيها، واختلاف توارد الخواطر على اختيار المكان الأولى بها، وكان في ذلك كلفة على الطالب ومشقة، فاستقرأت تلك الأحاديث جميعها، التي هي متزلزلةٌ في مكانها، أو مشتبهة على طالبها، وخرَّجْتُ منها كلمات ومعاني تعرف بها الأحاديث، وأفردت لها في آخر الكتاب باباً أثبت فيه تلك المعاني، مرتبة على حروف (أب ت ث) مسطورة في هامش الكتاب، وبإزائها ذكر موضعها من أبواب الكتاب. فإذا طلبت حديثاً فيه نوع اشتباه، وغاب عنك موضعه، إما لسهوٍ عارض، أو جهلٍ بالمكان، فلا يخلو أن تعرف منه بعض ألفاظه المشهورة فيه، أو معانيه المودعة في مطاويه، فاعمد إلى ذلك الباب المشار إليه، واطلب تلك الكلمة، أو ذلك المعنى في حروف ذلك الباب، فإذا وجدتها قرأت ما بإزائها فهو يدُّلك على موضع ذلك الحديث من أبواب الكتاب، إن شاء الله تعالى. الباب الثالث: في بيان أصول الحديث، وأحكامها، وما يتعلق بها ما نُثِْبُتُه في هذا الباب من أصول الحديث وأحكامها، وشرح أقوال الفقهاء وأئمة الحديث، وذكر مذاهبهم، واصطلاحاتهم، فإنه منقول من فوائد العلماء وكتبهم وتصانيفهم التي استفدناها وعرفناها، مثل كتاب

стр. 68

«التلخيص» لإمام الحرمين أبي المعالي الجويني، وكتاب «المستصفى» لحجة الإسلام أبي حامد الغزالي، وكتاب «التقويم» لأبي زيد الدبوسي، وكتاب «أصول الحديث» للحاكم أبي عبد الله محمد بن عبد الله النيسابوري، وكتاب «المدخل إلى الإكليل» له، وشيء من رسائل الخطيب أبي بكر بن ثابت البغدادي، وكتاب «العلل» للإمام أبي عيسى الترمذي، وغير ذلك من كتب العلماء وتصانيفهم - رحمة الله عليهم -. فجمعت بين أقوالهم، واختصرت من كل واحد منها طرفاً يليق بهذه المقدمة، أودعته ما يحتاج إليه طالب علم الحديث، ولا يسعه جهله، إلا من قنع بمجرد الرواية، ملغياً فضيلة الدراية. وليس لي فيه إلا الترتيب والاختصار، والتلفيق (١) ، والاختيار، اللهم إلا كلمات تقع في أثناء الفصول والفروع، تتضمن إثبات مهمل، أو إيضاح مشكل، أو تحقيق مُغْفَل، أو تفصيل مُجْمَل، أو تقييد مُرْسَل.وجعلت هذا الباب مشتملاً على أربعة فصول. الفصل الأول: في طريق نقل الحديث وروايته ، وفيه سبعة فروع الفرع الأول: في صفة الراوي وشرائطه

стр. 69

راوي الحديث له أوصاف وشرائط، لا يجوز قبول روايته دون استكمالها، وهي أربعة: الإسلام، والتكليف، والضبط، والعدالة. وهذه الأوصاف بعينها شرط في الشهادة، كاشتراطها في الرواية. وتنفرد الشهادة بأوصاف أُخر تؤثر فيها كالحرية، فإنها شرط في الشهادة، وليست شرطاً في الرواية، وكالعدد، فإن رواية الواحد تُقبل، وإن لم تُقبل شهادتُه إلا نادراً. وقد خالف في ذلك جماعة، فاشترطوا العدد، ولم يقبلوا إلا رواية رجلين، يروي عن كل واحد منهما رجلان، وهذا فاسد، فإنه مع تطاول الأزمان يكثر العدد كثرة لا تنحصر، ويتعذر إثبات حديث أصلاً، لا سيما في زماننا هذا. وهذا الشرط قد التزمه البخاري ومسلم في كتابيهما، حسبما ذكره الحاكم النيسابوري ﵀، وإن لم يجعلاه (١) شرطاً، وسيجيء فيما بعد من هذا الباب بيان ذلك وإيضاحه. وقال قوم: لابد من أربعة رجال، تغليظاً وتعظيماً لشأن الحديث، والأصل الأول. فأما بيان شروط الرواية الأربعة. فأولها: الإسلام. ولا خلاف في أن رواية الكافر لا تقبل، لأنه متهم في الدين، وإن

стр. 70

كانت شهادة بعضهم على بعض مقبولةً عند أبي حنيفة ﵁ فلا خلاف في ردِّ روايتهم. الشرط الثاني: التكليف فلا تقبل رواية الصبي، لأنه لا وازع (١) ، له عن الكذب، فلا تحصل الثقة بقوله، وقول الفاسق أوثق من قول الصبي، وهو مردود، فكيف الصبي؟! ولأن قوله في حق نفسه بإقراره لا يقبل، فكيف في حق غيره؟! . أما إذا كان طفلاً عند التحمل، مميزاً بالغاً عند الرواية، فتقبل، لأن الخلل قد اندفع عن تحمله وأدائه. ويدل على جوازه إجماع الصحابة رضوان الله عليهم على قبول رواية جماعة من أحداث ناقلي الحديث، كابن عباس، وابن الزبير، وأبي الطفيل، ومحمود بن الربيع (٢) ، وغيرهم من غير فرق بين ما تحملوه قبل البلوغ وبعده. وعلى ذلك درج السلف الصالح من إحضار الصبيان مجالس الرواية، ومن قبول روايتهم فيما تحمَّلوه في الصغر.

стр. 71

إلا أن لأصحاب الحديث اصطلاحاً فيما يكتبونه للصغير، إذا كان طفلاً أو غير مميز، فإنهم يكتبون له حضوراً، ومتى كان ناشئاً مميزاً، كتبوا له سماعاً، ولقد كثر ذلك فيما بينهم حتى صاروا يكتبون الحضور للطفل الصغير جدّاً. الشرط الثالث: الضبط (١) وهو عبارة عن احتياطٍ في باب العلم، له طرفان. طرف وقوع العلم عند السماع، وطرف الحفظ بعد العلم عند التكلم حتى إذا سمع ولم يعلم، لم يكن شيئاً معتبراً، كما لو سمع صياحاً لا معنى له، وإذا لم يفهم اللفظ بمعناه على الحقيقة، لم يكن ضبطاً، وإذا شك في حفظه بعد العلم والسماع، لم يكن ضبطاً. ثم الضبط نوعان: ظاهر، وباطن. فالظاهر: ضبط معناه من حيث اللغة. والباطن: ضبط معناه من حيث تعلق الحكم الشرعي به، وهو الفقه.

стр. 72

ومطلق الضبط الذي هو شرط الراوي، هو الضبط ظاهراً عند الأكثر، لأنه يجوز نقل الخبر بالمعنى، على ما سيأتي بيانه، فتلحقه تهمة تبديل المعنى بروايته قبل الحفظ، أو قبل العلم حين سمع، ولهذا المعنى قلت الرواية عن أكثر الصحابة ﵃ لتعذر هذا المعنى، فمن كان عند التحمل غير مميز، أو كان مُغَفَّلاً، لا يحسن ضبط ما حفظه ليؤديه على وجهه، فلا ثقة بقوله وإن لم يكن فاسقاً. وهذا الشرط وإن كان على ما بينَّا، فإن أصحاب الحديث قلما يعتبرونه في حق الطفل دون المغفَّل، لأنه متى صح عندهم سماع الطفل، أو حضوره مجلس القراءة، أجازوا روايته، والأول أحوط للدِّين وأولى. على أن الضبط في زماننا هذا، بل وقبله من الأزمان المتطاولة، قل وجوده في العالم، وعز وقوعه، فإن غاية درجات المحدث - في زماننا- المشهور بالرواية، الذي ينصب نفسه لإسماع الحديث في مجالس (١) ، النقل: أن تكون عنده نسخة قد قرأها أو سمعها، أو في بلدته نسخة عليها طبقة سماع، اسمه مذكور فيها، أو له مناولة، أو إجازة بذلك الكتاب، فإذا سمع عليه، استمع إلى قارئه، وكتب له خطه بقراءته وسماعه، ولعل قارئه قد صحف فيه أماكن لا يعرفها

стр. 73

شيخه، ولا عثر عليها، وإن سأله عنها، كان أحسن أجوبته أن يقول: كذا سمعتها، إن فطن لها. وإذا اعتبرْتَ أحوال المشايخ من المحدثين في زماننا، وجدتها كذلك أو أكثرها، ليس عندهم من الدراية (١) علم، ولا لهم بصواب الحديث وخطئه معرفة، غير ما ذكرنا من الرواية على الوجه المشروح، على أنه ما يخلي الله بلاده وعباده من أئمة يهتدي بهم العالمون، وحفاظٍ يأخذ عنهم المهمِلون، وعلماء يقتدي بهم الجاهلون، وأفاضل يحرسون هذا العلم الشريف من الضياع، ويقرئونه صحيحاً كما انتهى إليهم في الأسماع، ويصونون معاقده من الانحلال، وقواعده من الزلل والاختلال، حفظاً لدينه، وحراسة لقانونه. نفعنا الله وإياكم معشر الطالبين بما آتاهم الله من فضله، ووفق كُلاًّ منا ومنكم للسداد في قوله وفعله. الشرط الرابع: العدالة والعدالة: عبارة عن استقامة السيرة والدِّين، ويرجع حاصلها: إلى هيئة راسخة في النفس، تحمل على ملازمة التقوى والمروءة جميعاً، حتى تحصل الثقة للنفوس بصدقه، ولا تشترط العصمة من جميع المعاصي،

стр. 74

ولا يكفي اجتناب الكبائر، بل من الصغائر ما تُرَدُّ به الشهادة والرواية. وبالجملة: فكلُّ ما يدل على ميل دينه إلي حدٍّ يستجيز على الله الكذب بالأغراض الدنيوية، كيف وقد شُرِط في العدالة التوقي عن بعض المباحات القادحة في المروءة، نحو الأكل والشرب في السوق، والبول في الشوارع، ونحو ذلك. وقد قال قوم: إن العدالة: عبارة عن إظهار الإسلام فقط، مع سلامته عن فسق ظاهر، فكلُّ مسلم مجهول عندهم عدل (١) . والعدالة لا تعرف إلا بخبرة باطنة، وبحث عن سريرة العدل وسيرته. وقد أخذ جماعة من أئمة الحديث عن جماعة من الخوارج، وجماعة ممن ينسب إلى القدرية والشيعة، وأصحاب البدع والأهواء (٢) .

стр. 75

وتحرج عن الأخذ عنهم آخرون، والكل مجتهدون. والله يلهم الكافة طلب الحق وأخذه من مظانه والعمل به. فهذه الشروط الأربعة هي المعتبرة في الرواية كما ذكرنا. وللراوي أوصاف يظن بها أنها شروط، وليست شروطاً، وإنما هي مكملات ومحسِّنات. منها: العلم، والفقه، فلا يشترط كونه عالماً فقيهاً، سواء خالف ما رواه القياس، أو وافقه، إذ رب حامل فقه إلى من هو أفقه منه وإلى غير فقيه. وقال قوم: إنه شرط، وهو بعيد. ومنها مجالسة العلماء، وسماع الحديث، فليس ذلك شرطاً، فقد قبلت الصحابة ﵃ حديث أعرابي لم يرو إلا حديثاً واحداً، نعم إذا عارضه حديث العالم الممارس، ففي الترجيح نظر. ومنها: معرفة نسب الراوي، وليس بشرط، بل متى عرفت عدالة شخص بالخبرة قُبِلَ حديثه، وإن لم يكن له نسب، فضلاً أن يكون ثَمَّ لا يُعرف. ولو روى عن مجهول العين (١) لم نقبله، بل من يقبل رواية المجهول الصفة لا يقبل رواية مجهول العين، إذ لو عرف عينه، ربما عرفه بالفسق، بخلاف من عرف عينه ولم يعرفه بالفسق.
следующие страницы →