إلا أن لأصحاب الحديث اصطلاحاً فيما يكتبونه للصغير، إذا كان طفلاً أو غير مميز، فإنهم يكتبون له حضوراً، ومتى كان ناشئاً مميزاً، كتبوا له سماعاً، ولقد كثر ذلك فيما بينهم حتى صاروا يكتبون الحضور للطفل الصغير جدّاً.
الشرط الثالث: الضبط (١)
وهو عبارة عن احتياطٍ في باب العلم، له طرفان.
طرف وقوع العلم عند السماع، وطرف الحفظ بعد العلم عند التكلم حتى إذا سمع ولم يعلم، لم يكن شيئاً معتبراً، كما لو سمع صياحاً لا معنى له، وإذا لم يفهم اللفظ بمعناه على الحقيقة، لم يكن ضبطاً، وإذا شك في حفظه بعد العلم والسماع، لم يكن ضبطاً.
ثم الضبط نوعان: ظاهر، وباطن.
فالظاهر: ضبط معناه من حيث اللغة.
والباطن: ضبط معناه من حيث تعلق الحكم الشرعي به، وهو الفقه.
стр. 72
ومطلق الضبط الذي هو شرط الراوي، هو الضبط ظاهراً عند الأكثر، لأنه يجوز نقل الخبر بالمعنى، على ما سيأتي بيانه، فتلحقه تهمة تبديل المعنى بروايته قبل الحفظ، أو قبل العلم حين سمع، ولهذا المعنى قلت الرواية عن أكثر الصحابة ﵃ لتعذر هذا المعنى، فمن كان عند التحمل غير مميز، أو كان مُغَفَّلاً، لا يحسن ضبط ما حفظه ليؤديه على وجهه، فلا ثقة بقوله وإن لم يكن فاسقاً.
وهذا الشرط وإن كان على ما بينَّا، فإن أصحاب الحديث قلما يعتبرونه في حق الطفل دون المغفَّل، لأنه متى صح عندهم سماع الطفل، أو حضوره مجلس القراءة، أجازوا روايته، والأول أحوط للدِّين وأولى.
على أن الضبط في زماننا هذا، بل وقبله من الأزمان المتطاولة، قل وجوده في العالم، وعز وقوعه، فإن غاية درجات المحدث - في زماننا- المشهور بالرواية، الذي ينصب نفسه لإسماع الحديث في مجالس (١) ، النقل: أن تكون عنده نسخة قد قرأها أو سمعها، أو في بلدته نسخة عليها طبقة سماع، اسمه مذكور فيها، أو له مناولة، أو إجازة بذلك الكتاب، فإذا سمع عليه، استمع إلى قارئه، وكتب له خطه بقراءته وسماعه، ولعل قارئه قد صحف فيه أماكن لا يعرفها
стр. 73
شيخه، ولا عثر عليها، وإن سأله عنها، كان أحسن أجوبته أن يقول: كذا سمعتها، إن فطن لها.
وإذا اعتبرْتَ أحوال المشايخ من المحدثين في زماننا، وجدتها كذلك أو أكثرها، ليس عندهم من الدراية (١) علم، ولا لهم بصواب الحديث وخطئه معرفة، غير ما
ذكرنا من الرواية على الوجه المشروح، على أنه ما يخلي الله بلاده وعباده من أئمة يهتدي بهم العالمون، وحفاظٍ يأخذ عنهم المهمِلون، وعلماء يقتدي بهم الجاهلون، وأفاضل يحرسون هذا العلم الشريف من الضياع، ويقرئونه صحيحاً كما انتهى إليهم في الأسماع، ويصونون معاقده من الانحلال، وقواعده من الزلل والاختلال، حفظاً لدينه، وحراسة لقانونه.
نفعنا الله وإياكم معشر الطالبين بما آتاهم الله من فضله، ووفق كُلاًّ منا ومنكم للسداد في قوله وفعله.
الشرط الرابع: العدالة
والعدالة: عبارة عن استقامة السيرة والدِّين، ويرجع حاصلها: إلى هيئة راسخة في النفس، تحمل على ملازمة التقوى والمروءة جميعاً، حتى تحصل الثقة للنفوس بصدقه، ولا تشترط العصمة من جميع المعاصي،
стр. 74
ولا يكفي اجتناب الكبائر، بل من الصغائر ما تُرَدُّ به الشهادة والرواية.
وبالجملة: فكلُّ ما يدل على ميل دينه إلي حدٍّ يستجيز على الله الكذب بالأغراض الدنيوية، كيف وقد شُرِط في العدالة التوقي عن بعض المباحات القادحة في المروءة، نحو الأكل والشرب في السوق، والبول في الشوارع، ونحو ذلك.
وقد قال قوم: إن العدالة: عبارة عن إظهار الإسلام فقط، مع سلامته عن فسق ظاهر، فكلُّ مسلم مجهول عندهم عدل (١) .
والعدالة لا تعرف إلا بخبرة باطنة، وبحث عن سريرة العدل وسيرته.
وقد أخذ جماعة من أئمة الحديث عن جماعة من الخوارج، وجماعة ممن ينسب إلى القدرية والشيعة، وأصحاب البدع والأهواء (٢) .
стр. 75
وتحرج عن الأخذ عنهم آخرون، والكل مجتهدون.
والله يلهم الكافة طلب الحق وأخذه من مظانه والعمل به.
فهذه الشروط الأربعة هي المعتبرة في الرواية كما ذكرنا.
وللراوي أوصاف يظن بها أنها شروط، وليست شروطاً، وإنما هي مكملات ومحسِّنات.
منها: العلم، والفقه، فلا يشترط كونه عالماً فقيهاً، سواء خالف ما رواه القياس، أو وافقه، إذ رب حامل فقه إلى من هو أفقه منه وإلى غير فقيه.
وقال قوم: إنه شرط، وهو بعيد.
ومنها مجالسة العلماء، وسماع الحديث، فليس ذلك شرطاً، فقد قبلت الصحابة ﵃ حديث أعرابي لم يرو إلا حديثاً واحداً، نعم إذا عارضه حديث العالم الممارس، ففي الترجيح نظر.
ومنها: معرفة نسب الراوي، وليس بشرط، بل متى عرفت عدالة شخص بالخبرة قُبِلَ حديثه، وإن لم يكن له نسب، فضلاً أن يكون ثَمَّ لا يُعرف. ولو روى عن مجهول العين (١) لم نقبله، بل من يقبل رواية المجهول الصفة لا يقبل رواية مجهول العين، إذ لو عرف عينه، ربما عرفه بالفسق، بخلاف من عرف عينه ولم يعرفه بالفسق.
стр. 76
ولو روي عن شخص ذكر اسمه، واسمه مردَّد بين مجروح وعدل، فلا يقبل لأجل التردد، على أن أئمة الحديث قد رووا أحاديث كثيرة عن رجل ولم يذكروا اسمه، وهذا مجهول، وجاء بعدهم من اعتبر تلك، الأحاديث، فرواها من طرق عدة عن راوي ذلك الرجل، وسماه، فصار ذلك الرجل - الذي لم يسمه أئمة الحديث - معروفاً بهذه الطرق، فكأنهم لم يخرجوا تلك الأحاديث عن مجهول، أو قد كانوا عرفوه وتركوا ذكر اسمه لغرض في أنفسهم، والله أعلم.
ولا تقبل رواية من عرف باللعب واللهو والهزل في أمر الحديث، أو بالتساهل فيه، أو بكثرة السهو فيه، إذ تبطل الثقة بجميع ذلك.
ومما يحتاج إليه طالب الحديث، أن يبحث عن أحوال شيخه الذي يأخذ عنه بعدما يتحقق إيمانه، وحُسن عقيدته، وأنه ليس بصاحب هوى، ولا بدعة يدعو الناس إليها.
فقد كان على بن طالب ﵁ إذا فاته حديث من رسول الله ﷺ ، ثم سمعه من غيره، حلَّف الذي يحدثه به على صحته (١) .
стр. 77
وعلى ذلك كان أكثر الصحابة والتابعين، وتابعي التابعين، - رحمة الله عليهم، وإن في الاقتداء بهم أُسوة حسنة.
الفرع الثاني: في مسند الراوي، وكيفية أخذه
راوي الحديث لا يخلو في أخذه الحديث من طرق ست:
الطريق الأول
وهي العليا: قراءة الشيخ في معرض الإخبار، ليروي عنه، وذلك تسليط منه للراوي على أن يقول: حدَّثنا، وأخبرنا، وقال فلان، وسمعته يقول:
ولأئمة الحديث فرق بين «حدَّثنا» و «أخبرنا» و «أنبأنا» .
قال عبد الله بن وهب: ما قلت: «حدَّثنا» فهو ما سمعت مع الناس، وما قلت: «حدَّثني» فهو ما سمعت وحدي، وما قلت: «أخبرنا» فهو ما قرئ على العالم وأنا أشاهد، وما قلت: «أخبرني» فهو ما قرأت على العالم.
وكذلك قال الحاكم أبو عبد الله النيسابوري.
وقال يحيى بن سعيد «أخبرنا، وحدَّثنا» واحد، وهو الصحيح
стр. 78
من حيث اللغة. وأما «أنبأنا» فإن أصحاب الحديث يطلقونها على الإجازة والمناولة، دون القراءة والسماع اصطلاحاً، وإلا فلا فرق بين الإنباء والإخبار، لأنهما بمعنى واحد. وقال الحاكم: «أنبأنا» إنما يكون فيما يجيزه المحدث للراوي شفاهاً دون المكاتبة.
الطريق الثانية:
أن يقرأ على الشيخ وهو ساكت، فهو كقوله: هذا صحيح، فتجوز الرواية، خلافاً لبعض الظاهرية، لأنه لو لم يكن صحيحاً، لكان سكوته عليه وهو يقرأ، وتقريره له، فسقاً قادحاً في عدالته.
وإن كان ثم مخيلة إكراه أو غفلة، فلا يكفي السكوت.
وهذا تسليط من الشيخ للرّاوي على أن يقول: حدثنا، وأخبرنا، قراءةً عليه. وقال قوم: لا يجوز أن يقول فيه: حدثنا، ويقول فيه: أخبرنا. ولا فرق إذا قيَّده بقوله: «قراءةً عليه» .
أما قوله: «حدثنا وأخبرنا مطلقاً، أو «سمعت فلاناً» ، ففيه خلاف.
والصحيح: أنه لا يجوز، لأنه يشعر بالنطق وذلك منه كذب، إلا إذا عُلم بتصريح أو قرينة حالٍ أنه يريد القراءة على الشيخ، دون سماع نطقه.
قال الحاكم: والقراءة على الشيخ إخبارٌ، وإليه ذهب الفقهاء والعلماء كأبي حنيفة، ومالك، والشافعي، والثوري، والأوزاعي، وأحمد، وغيرهم.
стр. 79
قال: وعليه عهدنا أئمتنا، وبه قالوا، وإليه ذهبوا، وإليه نذهب (١) وبه نقول، وبه قال أئمة الحديث: إن القراءة على العالم إذا كان يحفظ ما يُقرأ عليه، أو يُمْسِك أصله فيما يُقرأ عليه إذا لم يحفظ، صحيحه مثل السماع من لفظ الشيخ.
قال ابن جريج: قرأت على عطاء بن أبي رباح، فقلت له: كيف أقول؟ قال: قل: حدثنا.قال ابن عباس ﵄ لقوم من الطائف «اقرؤوا علي، فإن إقراري به كقراءتي عليكم» .وقد ذهب قوم إلى أن القراءة على الشيخ أعلى من قراءة الشيخ وأحوط في الرواية قالوا: لأن قراءة الشيخ يتطرق إليها أمران.
أحدهما: جواز تغيير الشيخ في القراءة بعض ما في كتابه سهواً، أو يسبق على لسانه غلط أو تصحيف وهو غافل عنه، والراوي لا علم له به، ليرُدَّ عليه، بخلاف ما إذا قرأ الراوي وغيَّر، أو غلط أو صحَّف، فإن الشيخ يردُّ عليه سهوه وغلطه.
الأمر الثاني: جواز غفول السامع عن سماع بعض ما يقرؤه الشيخ لعارض يطرأ على قلبه، وهذا كثير جداً، بخلاف ما إذا قرأ على الشيخ، فإنه يتيقن أو يغلب على ظنه أنه قرأ جميع الكتاب، وأن
стр. 80
الشيخ سمع ما قرأه.
هذا مستند ما ذهبوا إليه، وإن كان أكثر العلماء والفقهاء والمحدثين على الأول، فإن نسبة هذه الجوائز المحتملة إلى الراوي أقرب من نسبتها إلى الشيخ، ولأن يغلط الراوي ويسهو ويصحِّف، والشيخ لا يغفل عن سماعه، أقرب وأمكن من جواز غلط الشيخ وسهوه وتصحيفه ونسبة الخلل في السماع، ولكلٍّ نظرٌ واجتهاد.
الطريق الثالثة:
سماع ما يقرأ على الشيخ، ويتنزل منزلة القراءة عليه، لكنه ينقص عنها بأن السامع ربما غفل عن سماع بعض القراءة كما سبق، فأما القارئ، فلا يجري هذا في حقه، ويجوز له أن يقول:حدَّثنا، وأخبرنا سماعاً يُقرأ عليه.
الطريق الرابعة:
الإجازة: وهو أن يقول الشيخ للراوي شفاهاً، أو كتابة، أو رسالة: أجزت لك أن تروي عني الكتاب الفلاني، أو ما صح عندك من مسموعاتي، وعند ذلك
يجب الاحتياط في معرفة المسموع، أما إذا اقتصر على قوله: هذا مسموعي من فلان، فلا يجوز له الرواية عنه، لأنه لم يأذن له في الرواية.
وهذا تسليط من الشيخ للراوي على أن يقول: حدَّثنا وأخبرنا
стр. 81
إجازةً، أو أنبأنا، على اصطلاح المحدثين كما سبق، ويقيدها بالمشافهة، أو بالكتابة، أو بالرسالة.
وقال قوم: لا يجوز فيما كان بالكتابة والرسالة أن يقول فيه: حدَّثنا، وإنما يقول: أخبرنا، كما يقول: أخبرنا الله في كتابه، وعلى لسان رسوله، ولا يقول فيه: حدَّثنا.
أما قوله في الإجازة: «حدَّثنا، وأخبرنا» مطلقاً، فجوَّزه قوم، وهو فاسد، كما ذكرنا في القراءة على الشيخ.
وقال قوم: لا تحل الرواية بالإجازة، حتى يعلم المجاز له ما في الكتاب ثم يقول المجيز للراوي: أتعلم ما فيه؟ فيقول: نعم، ثم يجيز له الرواية عنه به.
فأما إذا قال له المجيز: أجزت لك عني الحديث بما فيه، والسامع غير عالم به، فلا يحل له، كما أنه لو سمع ولم يعلم، فلا يجوز له، وكما قالوا في القاضي: يشهد الشاهد على كتابه والشاهد لا عِلْم له بما فيه.
وهذا القول راجع إلى من جعل العلم والفقه، ومعرفة حكم الحديث ومعناه شرطاً في الرواية، وقد سبق ذكره في الفرع الأول.
وأعلى درجات الإجازة المشافهة بها، لانتفاء الاحتمال فيها.
ويتلوها: الرسالة، لأن الرسول يضبط وينطق.
وبعدهما: الكتابة، لأن الكتابة لا تنطق، وإن كانت تضبط
стр. 82
ثم هذه الإجازة الجائزة، إنما هي في حق الموجود والمعروف عارية من الشرط.
وأما الإجازة للمعدوم والمجهول، وتعليقها بالشرط، ففيها خلافٌ نذكره.
أما المجهول، فمثل أن يقول المحدِّث: أجزت لبعض الناس، فلا يصح ذلك، لأنه لا سبيل إلى معرفة البعض الذي أجيز له.
وأما إجازة المعدوم، فمثل أن يقول المحدِّث: أجزت لمن يولد لفلان، أو لكل من أعقب فلان، أو لعقب عقبه أبداً ما تناسلوا، فقد أجازه قوم، ومنع منه آخرون.
وأما الإجازة المعلقة بشرط فمثل أن يقول المحدِّث: أجزت لفلان إن شاء، أو يخاطب فلاناً، فيقول: أجزت لمن شئت رواية حديثي، أو أجزت لمن شاء، فمنع منها قوم، وأجازها آخرون.
وقال قوم: لا تجوز الإجازة للمعدوم والمجهول، ولا تعليقها بشرط، لأنها تحمُّلٌ يعتبر فيه تعيين المحتمل، وهذا الأجدر بالاحتياط، والأولى بحراسه الحديث وحفظه (١) .
стр. 83
وقال قوم: إنما يجوز أن يُجيز لمن كان موجوداً حين إجازته، من غير أن يُعلق بشرط أو جهالة، سواء كانت الإجازة بلفظ خاص أو عام.
أما الخاص: فقوله: أجزت لفلان بن فلان.
وأما العام: فقوله: أجزت لبني هاشم، ولبني تميم، وكذلك إذا قال: أجزت لجماعة المسلمين.
هذا إذا كان الذين أجاز لهم موجودين والله أعلم.
الطريق الخامسة: المناولة
وتسمى: العرض، وصورته: أن يكون الراوي متقناً حافظاً، فيقدِّم المستفيد إليه جزءاً من حديثه، أو أكثر من ذلك، فيناوله إياه، فيتأمل الراوي حديثه، فإذا خبره وعرف أنه من حديثه، قال للمستفيد: قد وقفت على ما ناولتنيه، وعرفت ما فيه، وأنه روايتي عن
стр. 84
شيوخي، فحدث عني بها (١) .
قال الحاكم: أجاز ذلك خلق كثير من أئمة الحديث من أهل المدينة، ومكة، والكوفة، والبصرة، ومصر، وخراسان، رأوا العرض سماعاً.
قال: وقد قال مُطرِّف بن عبد الله: صحبت مالكاً سبع عشرة سنة، فما رأيته قرأ «الموطأ» على أحد، وسمعته يأبى أشد الإباء على من يقول: لا يجزئه إلا السماع ويقول: كيف لا يُجزئك هذا في الحديث، ويُجزئك في القرآن، والقرآن أعظم؟! .
وقال غير مُطرِّف، سئل مالك عن حديثه: أسماع هو؟ فقال: منه سماع ومنه عرض، وليس العرض عندنا بأدنى من السماع.
هذا مالك سيد الناس في الحديث، قال: وأما فقهاء الإسلام فلم يروا العرض سماعاَ.
وقال الغزالى - رحمة الله عليه: صورة المناولة أن يقول: خذ هذا الكتاب وحدِّث به عني، ومجرد المناولة دون هذا اللفظ لا معنى لها، وإذا وجد هذا اللفظ فلا معنى للمناولة.
وأصحاب الحديث يرتبون المناولة قبل الإجازة، وهي عندهم أعلى
стр. 85
درجة منها.
ومنهم من ذهب إلى أنها أوفى من السماع (١) ، والظاهر أن المناولة أحوط من الإجازة، لأن أقل درجاتها أنها إجازة مخصوصة محصورة في كتاب بعينه، يعلم الشيخ ما فيه يقيناً، أو قريباً من اليقين، بخلاف الإجازة، على أن الشيخ يشترط في المناولة والإجازة البراءة من الغلط والتصحيف، والتزام شروط رواية الحديث، فبهذه الشروط يخرج من العهدة، وحينئذ يجوز للراوي أن يقول:حدَّثنا، وأخبرنا، مناولةً وعرضاً، وأنبأنا مطلقاً، باصطلاح المحدثين.
الطريق السادسة: الكتابة
لا يخلو أن يكون الكتاب تذكرة، والرواية عن علم ويقين، بعد ما يتذكر بالنظر فيه، أو يكون الكتاب إماماً لا يتذكر ما فيه، فإن كانت تذكرة، قبلت روايته، لأنه لا فرق بين التذكر بالفكر، أو بمذكِّر آخر، إذ في الحالتين روى عن مذكِّر، ولا يمكن اشترط أن لا ينسى، لأن الإنسان لا يمكنه الاحتراز عنه، وإن كان إماماً، فلا يخلو أن يكون كتابة بسماعه وخطِّه، أو سماعه بخط غيره، والخط معروف، والكاتب ثقة، أو سماع أبيه (٢) ، بخط أبيه، أو راوٍ معروف
стр. 86
بالرواية، معروف الخط.
وعلى ذلك، ففيه خلاف، فمن أهل الحديث من جعل الكتاب كالسماع، وقالوا: إذا وقع في علم الراوي أنه كتابه بسماعه وخطِّه، أو كتاب أبيه بخطِّه، وله ثقة بعلمه بخطِّ أبيه، حلت له الرواية، كما لو سمعه وتذكر سماعه ما فيه.
وعلى هذا يجب أن يحل له إذا عَلم أنه راوٍ معروف، فلا فرق بين خط أبيه وغيره، وهذا القول يُجَوِّز له أن يروي بالخط، وإن لم يتذكر.
ومنهم من قال: لا يجوز له الرواية إن لم يتذكر، لأن الخط لم يوضع في الأصل إلا للتذكر.
وقيل: إذا رأى خطَّه في كتاب، أو خط من يعرفه ويثق إليه، فلا يخلو: إما أن يعلم أنه سمعه، وإما أن يعلم أنه لم يسمع، أو يظن أنه لم يسمع، أو يُجَوِّز من نفسه سماعه أو عدم سماعه على السواء، وإما أن لا يذكر أنه سمع أو قرأ، ولكنه غلب على ظنه سماعه أو قراءته.
ففي الأول: تجوز الرواية.
وفي الثاني والرابع: لا تجوز له الرواية، لأنه كيف يُخبر عما يعلم كذبه أو يشك فيه؟!.
وفي الثالث: اختلفوا، فأجازه قوم، ومنع منه آخرون، لأن
стр. 87
الرواية عن الغير حكم منه بأنه حدَّثه، فلا يجوز إلا عن علم، ولأن الخط يشبه الخط.
أما إذا قال الشيخ: هذا خَطِّي، قُبل منه، لكن لا يروي عنه ما لم يُسَلِّطه على الرواية بصريح قوله، أو بقرينة حاله، كالجلوس لرواية الحديث.
فإن قال عدلٌ: هذه نسخة صحيحة من «صحيح البخاري» مثلاً، فرأى فيها حديثاً، فليس له أن يرويه عنه، ولكن هل يلزمه العمل به؟ إن كان مقلداً، فعليه أن يسأل المجتهد، وإن كان مجتهداً، فقال قوم: لا يجوز له العمل به ما لم يسمعه.
وقال قوم: إذا علم صحة النسخة بقول عدل، جاز له العمل (١) .
والقول الجامع لهذا: أنه لا ينبغي له أن يروي إلا ما يعلم سماعه أولاً وحفظه وضبطه إلى وقت الأداء، بحيث يتيقن أن ما أداه هو الذي سمعه، فإن شك في شيء منه، فليترك الرواية.
أما إذا كان في مسموعاته عن شيخ حديث واحد شك في أنه سمعه
стр. 88
منه أو من غيره، فلا يجوز له أن يقول: سمعت فلاناً، ولا أن يقول: قال فلان، لأنه شاك، ولا يجوز له أن يروي الحديث بالشك المطلق بل لو سمع من شيخ مائة حديث، وعلم أن حديثاً واحداً لم يسمعه، ولكنه التبس عليه، ولم يعرفه، فلا يجوز له رواية شيء من تلك المائة عن ذلك الشيخ، لأنه ما من حديث منها إلا ويجوز أن يكون هو ذلك المشكوك فيه.
أما إذا أنكر الشيخ الحديث، فلا يخلو من ثلاث جهات:
الأولى: أن ينكره قولاً، ولا يخلو أن ينكره إنكار جاحدٍ قاطعٍ بكذب الراوي، وحينئذ لا يعمل به، ولا يصير الراوي مجروحاً، أو ينكره إنكار متوقف، وقال: لست أذكره، فيعمل بالخبر، لأن الراوي جازم أنه سمعه منه، وهو ليس قاطعاً بتكذيبه.
وقال قوم: إن نسيان الشيخ للحديث يبطله، وليس بشيء، فإن للشيخ أن يعمل بالحديث إذا روى له العدل عنه، ولهذا تفصيل آخر.
قالوا: ينظر الشيخ في نفسه (١) ، فإن كان رأيه يميل إلى غلبة نسيان، أو كان ذلك عادته في محفوظاته، قبل رواية غيره عنه، وإن كان رأيه يميل إلى جهله أصلاً بذلك الخبر، رُدَّ، فقلمَّا ينسى الإنسان شيئاً حفظه لا يُتَذَكَّرُ بالتذكير، والأمور تبنى على الظواهر، لا على النَّوادر،
стр. 89
وحينئذ يقول الشيخ:حدَّثني فلان عني أنني حدَّثته.
والجهة الثانية: أن ينكره فعلاً، فإذا عمل الشيخ بخلاف الخبر، فإن كان قبل الرواية، فلا يكون تكذيباً بوجه، لأن الظاهر أنه تركه لمَّا بلغه الخبر، وكذلك إذا لم يُعلم التاريخ، حُمِلَ عليه تحرياً لموافقة السنة.
وأما إذا كان بعد الراوية، نظر فيه، فإن كان الخبر يحتمل ما عمل به بضرب تأويل، لم يكن تكذيباً، لأن باب التأويل في الأخبار غير مسدود، لكن لا يكون حجَّة، لأن تأويله برأيه لا يلزم غيره. وإن كان الخبر لا يحتمل ما عمل به، فالخبر مردود.
الجهة الثالثة: أن ينكره تركاً، فإذا امتنع الشيخ من العمل بالحديث، ففيه دليل على أنه لو عرف صحته لما امتنع من العمل به، فإنه يحرم عليه مخالفته، مع العلم بصحته، وله حكم الجهة الثانية.
الفرع الثالث: في لفظ الراوي وإيراده، وهو خمسة أنواع
النوع الأول: في مراتب الأخبار، وهي خمس:
المرتبة الأولى: وهي أعلاها:
أن يقول الصحابي: سمعت رسول الله ﷺ : يقول كذا، أو حدَّثني بكذا، أو أخبرني بكذا، أو شافهني بكذا، وكذلك غير الصحابي من الرواة عمن رَوَوْا عنه، فهذا لا يتطرق إليه احتمال، وهو
стр. 90
الأصل في الرواية والتبليغ والإخبار.
المرتبة الثانية:
أن يقول الصحابي: قال رسول الله ﷺ : كذا، أو حدَّثنا، أو أخبرنا بكذا، وكذلك غير الصحابي عن شيخه، فهذا ظاهره النقل، وليس نصاً صريحاً، إذ قد يقول الواحد منا: قال رسول الله ﷺ : اعتماداً على ما نُقل إليه وإن لم يسمعه منه، فلا يستحيل أن يقول الصحابي ذلك اعتماداً على ما بلغه تواتراً أو على لسان من يثق إليه، ألا تري أن ابن عباس روى أن النبي ﷺ قال: «إنما الربا في النَّسيئة» (١) فلما روجع فيه قال: سمعته من أسامة بن زيد، وكذا غيره من الصحابة.
وهذا النوع وإن كانت محتملاً، فهو بعيد لاسيما في حق الصحابي فإن الصحابي إذا قال: قال رسول الله ﷺ ، فالظاهر من حاله أنه لم يقله إلا وقد سمعه، بخلاف من لم يعاصر النبي ﷺ ، لأن قرينة حاله تُعرِّف أنه لم يسمع، ولا يُوهم قوله السماع، والصحابي يوهم قوله السماع،
стр. 91
فلا يُقدم عليه إلا عن سماعه. هذا هو الظاهر، وجميع الأخبار إنما نقلت إلينا كذلك، إذ يقال: قال أبو بكر: قال رسول الله ﷺ ، وقال عمر: قال رسول الله ﷺ ، فلا يفهم من ظاهر ذلك إلا السماع، وكذلك حكم غير الصحابي فيما يرويه عن شيخه.
المرتبة الثالثة:
أن يقول الراوي: أمر رسول الله ﷺ بكذا، أو نهى عن كذا، فهذا يتطرق إليه احتمالات ثلاثة.
أحدهما:في سماعه، كما في قوله.
والثاني: في الأمر، إذ ربما يرى (١) ما ليس بأمر أمراً، فقد اختلف الناس في قوله: افعل، هل هو: الأمر، أم لا؟
فلأجل هذا قال بعض أهل الظاهر:لا حجة فيه ما لم يَنقل اللفظ (٢) .
والصحيح أنه لا يظن بالصحابي إطلاق ذلك إلا إذا علم تحقيقاً أنه أمر بذلك، بأن يسمعه يقول: أمرتكم بكذا وكذا، أو يقول: افعلوا، وينضم إليه من القرائن ما يعرف به كونه أمراً، ويدرك ضرورة قصده إلى الأمر.
стр. 92
والثالث: احتمال العموم والخصوص. حتى ظن قوم أن مطلق هذا يقتضي أمر جميع الأمة.
والصحيح أن من يقول بصيغة العموم أيضاً ينبغي أن يتوقف في هذا إذ يحتمل أن يكون ما سمعه أمراً للأمة، أو لطائفة، أو لشخص بعينه.
وكل ذلك يبيح له أن يقول: أمر، فيتوقف فيه إلى الدليل، لكن يدل عليه أن أمره للواحد أمر للجماعة، إلا إذا كان لوصف يخصه من سفر أو حيض (١) ، ولو كان ذلك لصرح به الصحابي، كقوله: «أُمرنا إذا كنا مسافرين ألا ننزع خِفَافنا ثلاثة أيام» (٢) نعم لو قال: أُمرنا بكذا وعُلم من عادة الصحابي أنه لا يطلقه إلا في أمر الأمة حُمِل عليه وإلا احتُمِل أن يكون أمراً له، أو للأمة، أو للطائفة.
المرتبة الرابعة:
أن يقول الراوي: أُمرنا بكذا، نُهينا عن كذا، أُوجب علينا كذا، أُبيح لنا كذا، حُظر علينا كذا، من السنة كذا، السنة جارية بكذا.
فهذا جميعه في حكم واحد، ويتطرق إليه الاحتمالات الثلاثة التي تطرقت إلى المرتبة الثالثة.
واحتمال رابع، وهو الآمر، فإنه لا يُدرى أنه رسول الله ﷺ ،
стр. 93
أو غيره من العلماء.
فقال قوم: لا حجة فيه، لأنه محتمل.
وذهب الأكثرون إلى أنه لا يحمل إلا على أمر الله، وأمر رسوله، لأنه يريد به إثبات شرع، وإقامة حُجة.
وقال بعضهم: في هذا تفصيل، وذلك إن كان الراوي أبا بكر الصديق ﵁ فيُحمل على أن الآمِرَ هو النبي ﷺ ، لأن أبا بكر لا يقول: أُمرنا، إلا وآمِرُهُ النبي، لأن غير النبي لا يأمره، ولا يَلتزم أمرَ غيره، ولا تَأمَّر عليه أحد من الصحابة. فأما غير أبي بكر، فإذا قال: أُمِرْنا، فإنه
يجوز أن يكون الآمر النبي ﷺ وغيره.لأن أبا بكر تَأمَّر على الصحابة، ووجب عليهم امتثال أمره، وقد كان غير أبي بكر ﵁ من الصحابة أميراً في زمن رسول الله ﷺ وبعده، فيجوز أن يضاف الأمر إليهم.
أما إذا قال: أُبيح، وأُوجب، وحُظر، فيقوى في جانبه أن لا يكون مضافاً إلا إلى النبي ﷺ ، لأن الإيجاب والإباحة والحظر إلى النبي ﷺ دون غيره، بخلاف الأمر، فإن الإمام قد يأمر بما يوجبه الشرع، ولا يقال: أَوجَبَ الإمام، إلا على تأويل إضافة الإيجاب إليه بنوع من المجاز، لصدور الأمر بالإيجاب عنه.
وأما قوله: من السنة كذا، والسنة جارية بكذا فالظاهر أنه
стр. 94
لا يريد إلا سُنَّةَ رسول الله ﷺ ، ومن يجب إتباعه دون غيره، ممن لا تجب طاعته، ولا فرق أن يقول الصحابي ذلك في حياة رسول الله ﷺ ، أو بعد وفاته (١) .
أما التابعي إذا قال: أُمِرنا، فإنما يحتمل أمر الرسول، وأمر الأمة بإجماعها، والحجة حاصلة به، ويحتمل أمر الصحابة، ولكن لا يليق بالعالم أن يطلق ذلك، إلا وهو يريد من تجب طاعته، لكن الاحتمال في قول التابعي أظهر منه في قول الصحابي.
المرتبة الخامسة:
أن يقول الراوي: كنا نفعل كذا، وغرضه تعريف أحكام الشرع، فإن ظاهره يقتضي أن جميع الصحابة فعلوا ذلك على عهد النبي ﷺ على وجه ظهر للنبي ولم ينكره، لأن تعريف الحكم يقع به (٢) .
فإن قال: كانوا يفعلون كذا، وأضافه إلى زمن رسول الله - صلى الله
стр. 95
عليه وسلم -، فهو دليل على جَواز الفعل، لأن ذِكْره في معرض الحجة يدل على أنه أراد ما فعله الرسول أو سكت عليه، دون ما لم يبلغه، وذلك يدل على الجواز، مثل قول ابن عمر ﵄ «كنا نُفاضل على عهد الرسول ﷺ ، فنقول: خير الناس بعد رسول الله ﷺ : أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، فيبلغ ذلك رسول الله ﷺ فلا ينكره (١) وكقول أبي سعيد الخدري: «كنا نُخْرج على عهد رسول الله ﷺ صاعاً من تمر في زكاة الفطر» (٢) .
فأما قول التابعي: كانوا يفعلون، فلا يدل على فعل جميع الأمة، بل يدل على البعض، فلا حجَّة فيه، إلا أن يصرح بنقله عن أهل الإجماع، فيكون نقلاً للإجماع.
стр. 96
وفي ثبوته بخبر الواحد كلام سيأتي بيانه.
وقيل: إنه إذا قال: كانوا يفعلون كذا، فإنه يفيد أن جميع الأمة فعلت ذلك، أو فعل البعض، وسكت الباقون، أو فعلوا بأجمعهم فِعْلاً على وجهٍ ظهر للنبي ﷺ ولم ينكره عليهم.
وبالجملة فإن الراوي إذا قال قولاً في محلِّ الاجتهاد، فلا يلزمنا تقليده، لأنه يحتمل أنه قال عن اجتهاد، واجتهاده لا يترجح على اجتهاد غيره، أما إذا قال قولاً لا محل للاجتهاد فيه، فَحُسْن الظن يقتضي أنه ما قاله إلا عن طريق، وإذا بطل الاجتهاد تعين السماع.
النوع الثاني: في نقل لفظ الحديث ومعناه .
لا خلاف بين العلماء أن المحافظة على لفظ الحديث وحُرُوفه ونَقْطه وإعرابه أمر من أمور الشريعة عزيز، وحكم من أحكامها شريف، وأنه الأولى بكل ناقل، والأجدر بكل راوٍ، وحتى أوجبه قوم، ومنعوا من نقل الحديث بالمعنى.
والكلام في ذلك له تفصيل وشرح، فنقول:
قال العلماء: نقل الحديث بالمعنى دون اللفظ حرام علي الجاهل بمواقع الخطاب، ودقائق الألفاظ، أما العالم بالفرق بين المحتمل وغير المحتمل، والظاهر والأظهر، والعام والأعم، فقد جوز له ذلك الشافعي وأبو حنيفة وجماهير الفقهاء، ومعظم أهل الحديث.
стр. 97
وقال قوم: لا يجوز إلا إبدال اللفظ بما يُرادفه ويُساويه في المعنى، كما يُبدل القعود بالجلوس، والعلم بالمعرفة، والقدرة بالاستطاعة والحظر بالتحريم، ونحو ذلك.
وعلى الجملة: فيما لا يتطرق إليه تفاوت في الفهم وإنما ذلك فيما فُهم قطعاً، لا فيما فهم بنوع استدلال يختلف فيه الناظرون. فانقسم القول في هذا إلى أربعة أقسام:
الأول:أن يكون الخبر مُحكماً، وحينئذ يجوز نقله بالمعنى لكل من سمعه من أهل اللسان، لأنه لا يحتمل إلا معنى واحداً دائماً، فإذا تعين معناه، ولم يقع الخلل في الوقوف عليه ممن عرف اللسان، رخص (١) في نقله بالمعني لحصول الغرض منه بلفظ آخر.
الثاني: أن يكون الخبر ظاهراً، ويحتمل غير ما ظهر، فلا يجوز النقل بالمعنى إلا للفقيه العالم بعلم الشريعة وطرق الاجتهاد، لأن المعنى وأن ظهر منه بظاهره، فقد احتمل مجازه، والخصوص في عمومه، فلا يرخَّص في نقله بالمعنى إلا للعالم بطرق الدين والفقه حتى يأمَن إذا كساه لفظًا آخر من الخلل، فلعل الجاهل بالفقه يكسوه لفظاً لا يحتمل صرف مجازه، ولا صرف خصوصه، ويكون المراد باللفظ المسموع، مجازَه أو خصوصَه، فتفوت الفائدة، أو ينقله بلفظ أعم من اللفظ
стр. 98
لجهله بالفرق بين الخاص والعام، فيوجب ما لا يوجبه الأول، فيلزمه المحافظة على اللفظ.
الثالث: أن يكون الخبر مشتركاً أو مشكلاً، فلا يجوز النقل بالمعنى على جهة التأويل، لأنه لا يوقف على معناه والمراد منه إلا بنوع تأويل، وتأويل الراوي لا يكون حجة على غيره، فإنه يكون ضرباً من القياس، فلا يحل نقله إلا باللفظ المسموع، ولا يظن بالعدل إذا نقل بلفظه إلا أحد القسمين الأولين اللذين يحلان له.
الرابع: أن يكون الخبر مجملاً، فلا يُتَصوَّر نقله بالمعنى، لأنه لا يوقف على معناه: وما لا يوقف على معناه، فلا يتصور نقله بمعناه، فيكون الامتناع بذاته لا بدليل يحجر الناقل عنه، ويكون ضرباً آخر من الحجَّة غير الضرب الأول.
والقول الضابط في نقل الحديث بالمعنى: أن اللفظ إذا كان مما يجب نقله للعمل بمعناه، فَوُقِفَ على معناه حقيقة، ثم أُدِّي بلفظ آخر بغير خلل فيه، سقط اعتبار اللفظ، فالنقل باللفظ عزيمة، وبالمعنى رخصة في بعض الأخبار، على التفصيل المذكور.
ويدل على ذلك: جواز شرح الشريعة للعجم بلسانهم، فإذا جاز إبدال العربية بالعجمية، فَلأَنْ يجوز بالعربية أولى.
وذلك لأنا نعلم أنه لا تعَبُّد في اللفظ، وإنما المقصود هو المعنى
стр. 99
وإيصاله إلى الخلق، وليس ذلك كالتشهد والتكبير وما تُعبِّدَ لله فيه باللفظ (١) .
فإن قيل: فقد قال النبي ﷺ : «نَضَّر (٢) الله امرءاً سمع مقالتي فوعاها، فأدَّاها كما سمعها، فرُبَّ مبلَّغ أوعى من سامع ورُبَّ حاملِ فقهٍ وليس بفقيه، ورُبَّ حاملِ فقهٍ إلى من هو أفقه منه» (٣) .
قلنا: هذا الحديث هو الحجة، لأنه ذكر العلة، وهي اختلاف الناس في الفقه، فما لا يختلف فيه الناس من الألفاظ المرادفة لا يمنع منه.
وهذا الحديث بعينه قد نقل بألفاظ مختلفة، والمعنى واحد، وإن أمكن أن يكون جميع الألفاظ قول الرسول ﷺ في أوقات مختلفة، لكن الأغلب أنه حديث واحد، نقل بألفاظ مختلفة، وذلك أدل دليل على الجواز.
стр. 100
قال الإمام أبو عيسى الترمذي ﵀: كل من ضعَّف قوماً من الرواة، فإنما ضعفهم من قِبَل الإسناد، فزاد فيه أو نقص أو غَيَّره أو جاء بما يتغير فيه المعنى، فأما من أقام الإسناد وحفظه وغيّر اللفظ، فإن هذا واسع عند أهل العلم إذا لم يتغير المعنى.
قال: وقال واثلة بن الأسقع ﵀: إذا حدثناكم على المعنى فحسبكم.
وقال ابن سيرين: كنت أسمع الحديث من عشرة، اللفظ مختلف والمعنى واحد.
وقال: كان إبراهيم النخعي والحسن والشعبي ﵏ -يأتون بالحديث على المعاني.
وقال الحسن: إذا أصبت المعنى أجزأك.
وقال سفيان الثوري ﵀: إذا قلت لكم: إني أحدِّثكم كما سمعت فلا تُصدِّقوني، إنما هو المعنى.
وقال وكيع: إن لم يكن المعنى واسعاً فقد هلك الناس.
وقال: كان القاسم بن محمد وابن سيرين ورجاء بن حَيْوَة ﵏ يُعيدون الحديث على حروفه.
وقال مجاهد: انْقُصْ من الحديث إن شئت، ولا تَزِدْ فيه.
وقال: وكان مالك بن أنس ﵀ يُشدِّد في حديث رسول الله ﷺ في التاء والياء ونحو هذا.
стр. 101
وعلى ذلك جماعة من أئمة الحديث، لا يرون إبدال اللفظ ولا تغييره، حتى إنهم يسمعونه ملحوناً ويعلمون ذلك، ولا يغيِّرونه، وذلك هو الأحوط في الدِّين، والأتقى والأولى.
ولكن أكثر العلماء على خلافه، والقول بالجواز وهو الصحيح، فإن الحديث كذا وصل إليهم، مختلِفَ الألفاظ، مُتَّفِقَ المعنى، ونعلم قطعاً في أحاديث كثيرة ذكرها النبي ﷺ وقت واحد، ونقلها الصحابة بألفاظهم المختلفة.
وسنورد فيما بعد من هذه المقدمة فصلاً ذكره الإمام أبو عبد الله الحُميدي ﵀ في آخر كتابه ما يدل على ذلك وعلى سببه، والعذر فيه، إن شاء الله تعالى.
النوع الثالث: في رواية بعض الحديث
رواية بعض الحديث ممتنعة عند أكثر من منع نقل الحديث بالمعنى.
ومن جوَّز نقل الحديث بالمعنى جوَّز ذلك، إن كان قد رواه مرة بتمامه، ولم يتعلق المذكور بالمتروك تعلقاً يغيِّر معناه، فأما إذا تعلَّق به، كشرط العبادة أو ركنيها، أو ما به التمام، فنقل البعض تحريف وتلبيس، أما إذا روى الحديث مرة تامّاً، ومرة ناقصاً نقصاً لا يغيِّر معنىً، فهو جائز، ولكن بشرط أن لا يتطرق إليه سوء الظنِّ بالتهمة.
وما العجب إلا ممن منع من ذلك، وقد رأى كتب الأئمة ومصنفاتهم
стр. 102
وأحاديثهم، وهي مشحونة بأبعاض الأحاديث، يذكرون كلَّ بعض منها في بابٍ يخُصُّه، يَسْتدلُّون به على ذلك الباب، كيف والمقْصِدُ الأعظم من ذكر الحديث إنما هو الاستدلال به على الحكم الشرعي؟ .
فإذا ذكر من الحديث ما هو دليل على ذلك الحكم المستخرج منه، فقد حصل الغرض، لكن يبقى الأدب بالمحافظة على ألفاظ الرسول صلوات الله عليه، وإيرادها كما ذكرها وتلفَّظ بها.
والأوْلَوِيَّة درجة وراء الجواز، وما قَصدَ مَن منع الاستعمال إلا الأحْوط والأتْقَى والتَّحَرُّز عن التسامح والتساهل في لفظ الحديث.
النوع الرابع: انفراد الثقة بالزيادة
إذا انفرد الثقة بزيادة في الحديث عن جماعة النَّقلة، فإنه تُقبَلُ منه زيادته عند الأكثر، سواء كانت الزيادة من حيث اللفظ، أو من حيث المعنى، لأنه لو انفرد بنقل حديث عن جميع الحفَّاظ قُبِلَ. فكذلك الزيادة (١) .
стр. 103
فإن قيل: يبعد انفراده بالحفظ مع إصغاء الجميع.
قلنا: تصديق الجميع أولى، إذا كان ممكنًا، وهو قاطع بالسماع، والآخرون ما قطعوا بالنفي، فلعل الرسول ﷺ ذكره في مجلسين، فحيث ذكر الزيادة لم يحضر إلا ذلك الواحد، أو كرَّره في مجلس، وذكر الزيادة في إحدى الكرَّتين، ولم يحضر إلا ذلك الواحد.
ويحتمل أن يكون راوي الناقص حضر في أثناء المجلس، ولم يسمع التمام، أو أنهم اشتركوا في الحضور ونسوا الزيادة، إلا ذلك الواحد،
стр. 104
أو طرأ في أثناء الحديث سبب شاغل مُدْهش، فغفل به البعض عن الإصغاء، فيختص بحفظ الزيادة المُقْبِلُ على الإصغاء، أو يَعْرِض لبعض السامعين خاطر شاغل عن الزيادة، أو يعرض له ما يُوجِب قيامه قبل التمام.
فإذا احتمل هذا كله أو بعضه، فلا يُكَذَّب العدل مهما أمكن.
كيف والظاهر من حال المسلم أنه لا يُقْدِم على أن يروي عن رسول الله ﷺ ما لم يقله، لا سيما وقد سمعه يقول، أو بلغه أنه قال: «من كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار» (١) .
النوع الخامس: في الإضافة إلى الحديث ما ليس منه .
قد يظن قومٌ أن هذا النوع هو الذي قبله، وليس كذلك، فإن الأول: هو أن ينفرد الراوي بزيادة في الحديث، يرفعها إلى النبي ﷺ ويجعلها من قوله.
وهذا النوع: هو أن يذكر الراوي في الحديث زيادة، ويضيف إليه شيئًا من قوله، إلا أنه لا يبيِّن تلك الزيادة أنها من قول النبي ﷺ ، أو من قوله نفسه، فتبقى مجهولة.
وأهل الحديث يُسمُّون هذا النوع «المُدْرَج» يعنون أنه أدرج الراوي كلامه مع كلام النبي ﷺ ولم يُميِّزْ بينهما، فَيُظَنُّ
стр. 105
أن جميعه لفظ النبي ﷺ .
ومثاله: حديث ابن مسعود، أن رسول الله ﷺ أخذ بيده، فعلمه التشهد، قال: «قل: التحيات لله....» فذكر التشهد إلى آخره، ثم قال: «فإذا قلت هذا فقد قضيت صلاتك، إن شئت أن تقوم فقم، وإن شئت أن تقعد فاقعد» (١) .
فقوله: «إذا قلت هذا ... » إلى آخره مدرج في الحديث من كلام ابن مسعود، لأن التمييز قد جاء بينهما في رواية أخرى (٢) ، وذلك أنه ذكر الحديث إلى آخر التشهد، ثم قال الراوي: «قال عبد الله بن مسعود: «إذا فرغت من هذا فقد قضيت صلاتك» فميز هذا الراوي بين الكلامَين بزيادته التي ذكرها. والزيادة من الثقة مقبولة، على ما سبق في النوع الرابع.
الفرع الرابع (٣) : في المسند والإسناد
стр. 106
المسند: هو أن يروي الحديث واحد عن واحد، رآه وسمع منه أو عليه قراءةً أو إجازة، أو مناولة، روايةً متصلة إلى من رأى النبي ﷺ وسمع منه.
وللإسناد أوضاع واصطلاح وشرائط.
فمن شروطه: أن لا يكون في الإسناد: أُخْبِرْت عن فلان، ولا حُدِّثت، ولا بَلَغَني، ولا رَفَعه فلان، ولا أظنه مرفوعًا، إنما يرويه المحدِّث عن شيخ يُظْهِر
سماعه منه والسن يحتمله، وكذلك سماع شيخه عن شيخه، إلى أن يصل الإسناد إلى صحابي مشهور، إلى رسول الله ﷺ .
وعلى الراوي أن يتعرف حال شيخه، وهل يحتمل سماعه من شيوخه الذين يُحَدِّث عنهم؟ ثم يتأمل أصوله، أعَتِيقةٌ هي، أم جديدة؟ وعليها طبقة سماعه أم لا؟ فكل ذلك احتياط في أخذ الحديث عنه.
ومن المسندات: أن يقول الصحابي المعروف بالصحبة: «أُمرنا بكذا ونُهينا عن كذا، وكنا نُؤمر بكذا، ونُنهى عن كذا، وكنا نفعل، وكنا نقول ورسول الله ﷺ فينا، وكنا لا نرى بأسًا بكذا، وكان يُقال كذا، ومن السُّنة كذا، فإذا صدر هذا عن صحابي مشهور بالصحبة، فهو حديث مسند، وكلُّه مُخَرَّج في المسانيد.
ومن المسندات: المعَنْعَن، وهو أن يقول: أحد الرواة: «حدَّثنا
стр. 107
فلان عن فلان عن فلان، ولا يذكرون طرق سماعهم بـ: «حدَّثنا» و «أخبرنا» و «سمعنا» ، فإن هذا إذا كان رواته موثوقًا بهم مشهورين بالصدق، لا يُنسب إليهم التدليس، وليس من مذهبهم: فسواءٌ ذكروا طريق السماع أو لم يذكروه، فإن حديثهم مقبول معمولٌ به، فإن كان رواته أو أحدهم متهمًا، أو مِن مذهبه التدليس، فيحتاج أن يذكر طريق سماعه حتى يكون حديثه مسندًا (١) .
ومن المسندات: نوع يسمى المُسَلْسَل، وهو اصطلاح بين المحدِّثين، مثل أن يكون جميع رواة الحديث قد اشتركوا عند سماع ذلك الحديث في قولٍ، أو فعلٍ، أو حالةٍ من النبي ﷺ إلى آخر رُواته.
مثل: تشبيك الأصابع، أو الأخذ باللحية، أو المصافحة، ونحو ذلك من الأسباب، فيقول: حدَّثني فلان، ويده على لحيته، قال:
стр. 108
حدثني فلان، ويده على لحيته، قال: حدثني فلان، ويده على لحيته، وكذلك إلى النبي ﷺ . وكذلك: حدثني فلان، وهو أول حديث سمعته منه، قال: حدثني فلان، وهو أو حديث سمعته منه، قال: حدثني فلان وهو أول حديث سمعته منه، ونحو ذلك.
واعلم أن الإسناد في الحديث هو الأصل، وعليه الاعتماد، وبه تعرف صحة الحديث وسَقَمه.
قال سفيان الثوري: «الإسناد سلاح المؤمن، فإذا لم يكن معه سلاح فبأي شيء يقاتل؟» .
وقال شعبة: «كل علم ليس فيه: أخبرنا، وحدثنا، فهو خَل وبقل» (١) .
وقال يزيد بن زُريع (٢) : «لكل دِينٍ فُرسان، وفرسان هذا الدين أصحاب الإسناد» .
وقال أحمد بن حنبل: «إذا روينا عن النبي ﷺ في الحلال والحرام والسُّنن والأحكام - تشدَّدنا في الأسانيد، وإذا روينا عنه في فضائل الأعمال وما لا يضع (٣) حكمًا ولا يرفعه، تساهلنا في الأسانيد (٤) ، ولولا الأسانيد لقال من شاء ما شاء» .
стр. 109
ثم من الإسناد عال ونازل، وطلب العالي سنة، فعلى طالب علم الحديث: أن يرغب في طلبه.
وعلو الإسناد على مراتب.
منها: ما هو بقلة العدد. ومنها ما هو بثقة الرواة.
ومنها: ما هو بفقه الرواة. ومنها: ما هو باشتهار الرواة.
ومنها: ما يجمع هذه الأوصاف، وهو أكملها، أو بعضها.
стр. 110
فأما قلة العدد، فأقل ما يُروى من الصحيح في زماننا هذا: «ثلاثيات البخاري» من طريق أبي الوَقْت عبد الأوَّل السِّجزي (١) ، فإن أصحاب أبي الوقت بينهم وبين النبي ﷺ ثمانية أنفس في «ثلاثيات البخاري» .
أحدهم: أبو الوقت، ثم الداوُدي، ثم السرخسي، ثم الفَرَبْري، ثم البخاري، فهؤلاء خمسة، والذين روى عنهم البخاري ثلاثياته ثلاثة.
وقد تقع أحاديث من الأحاديث الصحاح المخرَّجة في «الصحيحين» أو في أحدهما من غير طريق البخاري ومسلم التي يُروى بها كتابهما، إلا أن شرط الصحة موجود فيها. مثل ما حدثنا به الشيخ أبو ياسر عبد الوهاب بن هبة الله بن أبي حِيَّة البغدادي، قراءةً عليه، قال: حدثنا الرئيس أبو القاسم هبة الله بن محمد بن عبد الواحد بن الحُصَين، قال: حدثنا أبو طالب محمد بن محمد بن غيلان البَزَّاز،
قال: حدثنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن إبراهيم الشافعي، قال: حدثنا القاضي إسماعيل بن إسحاق بن إسماعيل بن حماد بن زيد ومحمد بن سليمان الواسطي، قال إسماعيل: حدثنا وقال محمد: سألت محمد بن عبد الله الأنصاري قال: حدثنا حُميد الطويل عن أنس بن مالك ﵁ قال: كان لي أخ يقال له: أبو عُمير، وكان له عصفور يلعب به، فمات العصفور، وكان النبي ﷺ