حديث تصدق علي بالخاتم في الصلاة كذب باتفاق أهل المعرفة (١) .
الوجه الثاني عشر: أن هذه الآية: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ إلى قوله ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ (٢) . نزلت في النهي عن موالاة الكفار والأمر بموالاة المؤمنين لما كان بعض المنافقين كعبد الله بن أبي يوالي اليهود ويقول إني أخاف الدوائر، فقال عبادة بن الصامت: إني أتولى الله ورسوله، وأبرأ إلى الله ورسوله من هؤلاء الكفار وموالاتهم. ونقل ابن عباس: أنها نزلت في أبي بكر. والآية عامة في جميع المؤمنين المتصفين بجميع هذه الصفات ولا تختص بواحد بعينه لا أبو بكر ولا عمر، ولا عثمان، ولا علي، ولا غيرهم؛ لكن هؤلاء أحق الأمة بالدخول فيها.
الوجه السادس عشر: أن الفرق بين الولاية بالفتح والولاية بالكسر معروف، والولاية ضد العداوة، وهي المذكورة في هذه النصوص؛ ليست هي الولاية بالكسر التي هي الإمارة (٣) .
٢- حديث: «من ناصب عليًا الخلافة فهو كافر» (٤) :
هذه الأحاديث مما يعلم بالاضطرار أنها كذب على
رسول الله ﷺ ، وأنها مناقضة لدين الإسلام، وأنها تستلزم تكفير علي
стр. 107
وتكفير من خالفه، وأنه لم يقلها من يؤمن بالله واليوم الآخر؛ بل إضافتها إلى رسول الله ﷺ من أعظم القدح والطعن فيه.
٣- حديث: إنه قال لعلي: «أنت مني بمنزلة أخي ووصيي وخليفتي من بعدي وقاضي ديني» :
كذب موضوع باتفاق أهل العلم بالحديث، وقد تقدم كلام ابن حزم أن سائر هذه الأحاديث موضوعة، يعلم ذلك من له أدنى علم بالأخبار ونقلها. وقد صدق في ذلك ... لذلك لم يخرجه أحد من أهل الحديث في الكتب التي يحتج بما فيها (١) .
٤- حديث: «إن الله عهد إلي عهدًا في علي، وأنه إمام الهدى، وإمام الأولياء ، وهو الكلمة التي ألزمها للمتقين» :
كذب موضوع باتفاق أهل المعرفة بالحديث والعلم. ومجرد رواية صاحب «الحلية» ونحوه لا تفيد ولا تدل على الصحة. والآفة ممن فوقهم ... وقوله في الحديث «هو كلمة التقوى» وتسميته كلمة مما يبين أن هذا كذب؛ فإن تسميته كلمة من جنس تسمية المسيح كلمة الله، والمسيح سمي بذلك لأن مثله عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون، فهو مخلوق بالكلمة. وأما علي فهو مخلوق كما خلق سائر الناس. وكلمة التقوى مثل لا إله إلا الله، والله أكبر (٢) .
٥- حديث النجم: «من أنقض هذا النجم في منزله فهو الوصي من بعدي فطلبوا ذلك النجم فوجدوه في بيت علي بن أبي طالب، فقال
стр. 108
أهل مكة: ضل محمد وغوى وهوى أهل بيته ومال إلى ابن عمه علي بن أبي طالب، فعند ذلك نزلت هذه السورة ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ » :
قال أبو الفرج: هذا حديث موضوع لا شك فيه، وما أبرد الذي وضعه، وما أبعد ما ذكر، وفي إسناده ظلمات.... قلت: وقد أجاب الشيخ عنه بثمانية أوجه (١) .
٦- حديث: «أنا مدينة العلم وعلي بابها» :
هذا أضعف وأوهى، ولهذا إنما يعد في الموضوعات والمكذوبات وإن كان الترمذي قد رواه، ولهذا ذكره ابن الجوزي في الموضوعات، وبين أن سائر طرقه موضوعة.
والكذب يعرف من نفس متنه.. فإن النبي ﷺ إذا كان مدينة العلم ولم يكن لها إلا باب واحد ولم يبلغ عنه العلم إلا واحد فسد أمر الإسلام (٢) ...
الإجماع على إمامة أبي بكر
مبايعته في السقيفة
أجمع الصحابة على أفضلية الصديق، وأنه أحق بالخلافة، وولوه
стр. 109
باختيارهم ورضاهم من غير أن يضرب أحدًا منهم بسيف ولا عصى، ولا أعطى أحدًا ممن ولاه مالاً. وقال عمر ﵁ بمحضر المهاجرين والأنصار: «أنت خيرنا وسيدنا وأحبنا إلى رسول الله ﷺ » (١) ولم ينكر منهم منكر، ولا قال أحد من الصحابة إن غير أبي بكر من المهاجرين أحق بالخلافة منه.
ولهذا قال عمر بن الخطاب في خطبته التي خطبها بمحضر من المهاجرين والأنصار: «ليس فيكم من تقطع إليه الأعناق مثل أبي بكر» رواه البخاري ومسلم (٢) . وبايعه من حضر من المهاجرين والأنصار في سقيفة بني ساعدة فروى البخاري عن ابن عباس ﵄ في خطبة عمر ﵁ التي خطب بها مرجعه من الحج في آخر عمره، وفيها قوله: «ثم إنه بلغني أن قائلاً منكم يقول: والله لو مات عمر بايعت فلانًا، فلا يغترن امرؤ أن يقول: إنما كانت بيعة أبي بكر فلتة وتمت، ألا وإنما كانت كذلك ولكن الله وقى شرها، وليس منكم من تقطع الأعناق إليه مثل أبي بكر، من بايع رجلاً من غير مشورة المسلمين فلا يبايع هو ولا الذي بايعه تغرة أن يقتلا» (٣) . وأنه كان من خبرنا حين توفى الله نبيه ﷺ أن الأنصار خالفونا واجتمعوا بأسرهم في سقيفة بني ساعدة، وخالف عنا علي والزبير ومن معهما، واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر، فقلت لأبي بكر: يا أبا بكر انطلق بنا إلى
стр. 110
إخواننا هؤلاء من الأنصار، فانطلقنا نريدهم، فلما دنونا منهم لقينا رجلان منهم صالحان فذكرا ما تمالا عليه القوم، فقالا: أين تريدان يا معشر المهاجرين؟ فقلنا: نريد إخواننا هؤلاء من الأنصار. فقالا: لا عليكم أن تقربوهم اقضوا أمركم. فقلت: والله لنأتينهم، فانطلقنا حتى أتيناهم في سقيفة بني ساعدة فإذا رجل مزمل بين ظهرانيهم. فقلت: من هذا؟ قالوا: سعد بن عبادة. فقلت: ما له؟ قالوا: يوعك (١) فلما جلسنا قليلاً تشهد خطيبهم فأثنى على الله بما هو أهله. ثم قال: أما بعد: فنحن أنصار الله وكتيبة الإسلام، وأنتم معاشر المهاجرين رهط، وقد دفت دافة من قومكم (٢) فإذا هم يريدون أن يختزلونا من أصلنا (٣) وأن يحضنونا من الأمر (٤) فلما سكت أردت أن أتكلم، وكنت زورت مقالة أعجبتني (٥) أريد أن أقدمها بين يدي أبي بكر، وكنت أداري منه بعض الحد (٦) فلما أردت أن أتكلم قال أبو بكر: على رسلك، فكرهت أن أغضبه، فتكلم أبو بكر فكان هو أحلم مني وأوقر، والله ما ترك من كلمة أعجبتني في تزويري إلا قال في بديهته مثلها وأفضل منها حتى سكت. فقال: ما ذكرتم فيكم من خير فأنتم له أهل (٧) ولن يعرف هذا
стр. 111
الأمر إلا لهذا الحي من قريش، هم أوسط العرب نسبًا ودارًا، وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين فبايعوا أيهما شئتم، فأخذ بيدي وبيد أبي عبيدة بن الجراح وهو جالس بيننا، فلم أكره مما قاله غيرها، كان والله أن أقدم فتضرب عنقي لا يقربني ذلك من إثم أحب إلي من أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر، اللهم إلا أن تسول لي نفسي عند الموت شيئًا لا أجده الآن. فقال قائل من الأنصار: أنا جذيلهما المحكك (١) وعذيقها المرجب (٢) منا أمير ومنكم أمير يا معشر قريش. فكثر اللغط وارتفعت الأصوات حتى فرقت من الاختلاف (٣) فقلت: أبسط يدك يا أبا بكر فبسط يده فبايعته، وبايعه المهاجرون، ثم بايعه الأنصار، ونزونا على سعد بن عبادة (٤) ، فقال قائل منهم قتلتم سعد بن عبادة. فقلت: قتل الله سعد بن عبادة. قال عمر: وإنا والله ما وجدنا فيما حضرنا من أمر أقوى من مبايعة أبي بكر، خشينا إن فارقنا القوم ولم تكن بيعة أن يبايعوا رجلاً منهم بعدنا، فإما بايعناهم على ما لا نرضى، وإما نخالفهم فيكون فساد (٥) .
ومعنى قول عمر: كانت مبايعة أبي بكر فلتة ولكن الله وقى شرها أن بيعة أبي بكر بودر إليها من غير تريث ولا انتظار لكونه كان
стр. 112
متعينًا لهذا الأمر، كما قال عمر: ليس فيكم من تقطع إليه الأعناق مثل أبي بكر، وكان ظهور فضيلة أبي بكر على من سواه وتقديم رسول الله ﷺ له على سائر الصحابة أمرًا ظاهرًا معلومًا فكانت دلالة النصوص على تعيينه تغني عن مشاورة وانتظار وتريث، بخلاف غيره. وهو لم يسأل وقاية شرها بل أخبر أن الله وقى شر الفتنة بالإجماع، وما جرى يوم السقيفة لا يعد نزاعًا لأنهم ما انفضوا حتى اتفقوا (١) .
مبايعة العامة له على المنبر
في صحيح البخاري، عن أنس ﵁، أنه سمع خطبة عمر الأخيرة (٢) حين جلس على المنبر وذلك الغد من يوم توفي رسول الله ﷺ ، فتشهد أبو بكر صامت لا يتكلم، قال: كنت أرجو أن يعيش رسول الله ﷺ حتى يدبرنا -يريد بذلك أن يكون آخرهم- فإن يكن محمد قد مات فإن الله قد جعل بين أظهركم نورًا تهتدون به، به هدى الله محمدًا ﷺ وإن أبا بكر صاحب رسول الله ﷺ ثاني اثنين، وإنه أولى المسلمين بأموركم، فقوموا فبايعوه، وكانت طائفة منهم قد بايعوا قبل ذلك في سقيفة بني ساعدة، وكانت بيعة العامة على المنبر.
قال الزهري، عن أنس بن مالك: سمعت عمر يقول لأبي بكر يومئذ: «اصعد المنبر فلم يزل به حتى صعد المنبر، فبايعه الناس عامة» (٣) .
стр. 113
وقد روي عنه أنه قال: أقيلوني (١)(٢) .
وتخلف سعد بن عبادة
والأنصار تكلم بعضهم بكلام أنكره عليهم أفاضلهم، كأسيد بن حضير، وعباد بن بشر، وغيرهما ممن هو أفضل من سعد نفسًا وبيتًا.
فإنه ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «خير دور الأنصار دار بني النجار، ثم بنو عبد الأشهل، ثم بنو عبد الحارث بن الخزرج، ثم بنو ساعدة، وفي كل دور الأنصار خير» (٣) فالدور الثلاثة المفضلة لم يعرف عنهم من نازع في الإمامة. وإنما نازع سعد بن عبادة، والحباب بن المنذر، وطائفة قليلة، ثم رجع هؤلاء وبايعوا الصديق، إلا سعد بن عبادة لأنهم عينوه للإمارة فبقي في نفسه ما يبقى في نفوس البشر، فلم يؤذه أبو بكر بكلمة، فضلاً عن فعل.
وما ذكره الشهرستاني من أن الأنصار اتفقوا على تقديم سعد بن عبادة هو باطل باتفاق أهل المعرفة بالنقل، والأحاديث الثابتة بخلاف ذلك (٤) .
стр. 114
ولكن سعدًا مع ذلك لم يعارض ولم يدفع حقًا ولا أعان على باطل، بل روى الإمام أحمد ﵀ في مسند الصديق، عن أبي معاوية، عن داود بن عبد الله الأودي، عن حميد بن عبد الرحمن هو الحميري - فذكر حديث السقيفة- وفيه أن الصديق قال: لقد علمت يا سعد أن رسول الله ﷺ قال: وأنت قاعد: «قريش ولاة هذا الأمر فبر الناس تبع لبرهم وفاجرهم تبع لفاجرهم. قال فقال سعد: صدقت، نحن الوزراء وأنتم الأمراء» فهذا الحديث مرسل حسن. ولعل حميدًا أخذه عن بعض الصحابة الذين شهدوا ذلك. وفيه فائدة جليلة جدًا وهي أن سعد بن عبادة نزل عن مقامه الأول في دعوى الإمارة وأذعن للصديق بالإمارة فرضي الله عنهم أجمعين.
وسعد بن عبادة لم يقدح في الصديق، ولا أنه أفضل المهاجرين، ومات ولم يبايعه ولا بايع عمر، ومات في خلافة عمر. وسعد من السابقين الأولين من الأنصار من أهل الجنة كما قالت عائشة ﵂.
ومن نازع من الأنصار أولاً لم تكن منازعته للصديق، بل طلبوا أن يكون من قريش أمير ومنهم أمير، فلما تبين أن هذا الأمر في قريش قطعوا المنازعة (١) .
стр. 115
وتخلف علي ﵁
وبعض بني هاشم، ثم بايعوه
طائفة من بني هاشم قيل إنها تخلفت عن مبايعته، فقيل: بايعوه ثاني يوم، وقيل تأخروا عن بيعته ستة أشهر ثم بايعوه من غير رغبة ولا رهبة لم يزعجهم ولا ألزمهم بيعته، وهذا كله من ورعه عن أذى الأمة وكمال عدله وتقواه.
والرسالة التي يذكرها بعض الكتاب أنه أرسلها إلى علي كذب مختلق عند أهل العلم؛ بل علي أرسل إلى أبي بكر أن ائتنا فذهب هو إليهم، فاعتذر علي إليه وبايعه.
ففي الصحيحين عن عائشة ﵂ قالت: أرسلت فاطمة إلى أبي بكر ﵄ تسأله ميراثها من رسول الله ﷺ (١) مما أفاء الله عليه في المدينة و (فدك) (٢) وما بقي من خمس خيبر فقال أبو بكر الصديق ﵁: إن رسول الله ﷺ قال: «لا نورث ما تركنا صدقة، إنما يأكل آل محمد من هذا المال» (٣) وإني والله لا أغير شيئًا من صدقة رسول الله ﷺ عن حالها التي كانت عليها في عهده، وإني لست تاركًا شيئًا كان رسول الله ﷺ يعمل به إلا عملت به، إني أخشى إن تركت شيئًا من أمره أن أزيغ، فوجدت فاطمة على أبي بكر فهجرته فلم تكلمه حتى توفيت، وعاشت بعد رسول الله ﷺ ستة أشهر، فلما توفيت دفنها علي ليلاً ولم يؤذن بها أبا بكر، وصلى عليها علي، وكان لعلي وجه من الناس حياة فاطمة، فلما ماتت استنكر علي وجوه الناس
стр. 116
فالتمس مصالحة أبي بكر ومبايعته، ولم يكن بايع تلك الأشهر، فأرسل إلى أبي بكر أن ائتنا ولا يأتينا معك أحد، كراهية محضر عمر بن الخطاب. فقال عمر لأبي بكر: والله لا تدخل عليهم وحدك. فقال أبو بكر: وما عساهم أن يفعلوا بي، والله لآتينهم، فدخل عليهم أبو بكر، فتشهد علي؛ ثم قال: إنا قد عرفنا فضيلتك يا أبا بكر وما أعطاك الله، ولم ننفس عليك خيرًا ساقه الله إليك، ولكنك استبددت بالأمر علينا، وكنا نرى أن لنا فيه حقًا لقرابتنا من رسول الله ﷺ ، فلم يزل يكلم أبا بكر حتى فاضت عينا أبي بكر. فلما تكلم أبو بكر قال: والذي نفسي بيده لقرابة رسول الله ﷺ أحب إلي أن أصل من قرابتي. وأما الذي شجر بيني وبينكم من هذه الأموال فإني لم آل عن الحق، ولم أترك أمرًا رأيت رسول الله ﷺ يصنعه فيها إلا صنعته. فقال علي لأبي بكر: موعدك العشية للبيعة. فلما صلى أبو بكر صلاة الظهر رقى المنبر فتشهد، وذكر شأن علي وتخلفه عن البيعة وعذره الذي اعتذر به، ثم استغفر. وتشهد علي بن أبي طالب فعظم حق أبي بكر، وأنه لم يحمله على الذي صنع نفاسة على أبي بكر ولا إنكارًا للذي فضله الله به، ولكنا كنا نرى أن لنا في الأمر نصيبًا فاستبد علينا به فوجدنا في أنفسنا. فسر بذلك المسلمون، وقالوا: أصبت، فكان المسلمون إلى علي قريبًا حين راجع الأمر المعروف (١)(٢) .
قلت: وتقدم قول الشيخ: أن أهل السنة لا ينازعون في كمال علي وأنه في الدرجة العليا من الكمال؛ وإنما النزاع في كونه أكمل من الثلاثة وأحق بالخلافة منهم.
стр. 117
الإجماع المعتبر في الإمامة
لا ريب أن الإجماع المعتبر في الإمامة لا يضر فيه تخلف الواحد والاثنين والطائفة القليلة؛ فإنه لو اعتبر ذلك لم يكد ينعقد إجماع على إمامة، فإن الإمامة أمر معين فقد يتخلف الرجل لهوى لا يعلم ... بخلاف الإجماع على الأحكام العامة كالإيجاب والتحريم والإباحة؛ فإن هذا لو خالف فيه الواحد أو الاثنان، ففيه قولان للعلماء. أحدهما: لا يعتد بخلافه، والثاني: يعتد به، وهو قول الأكثرين. والفرق بينه وبين الإمامة أن الحكم عام يتناول هذا وهذا؛ فإن القائل بوجوب الشيء يوجبه على نفسه وعلى غيره فالمنازع فيه ليس متهمًا. والخلافة لا يشترط فيها إلا اتفاق أهل الشوكة والجمهور الذي يقام بهم الأمر؛ بحيث يمكن أن يقام بهم مقصود الإمامة ... ولهذا قال النبي ﷺ : «عليكم بالجماعة، فإن يد الله مع الجماعة» (١) وقال: «إن الشيطان مع الواحد وهو مع الاثنين أبعد» (٢) وقال: «إن الشيطان ذئب الإنسان كذئب الغنم، والذئب إنما يأخذ القاصية» (٣) وقال: «عليكم بالسواد الأعظم، ومن شذ شذ في النار» (٤) .
حتى ولو لم يثبت الإجماع
على خلافة الصديق
الكلام في خلافة الصديق: إما أن يكون في وجودها، وإما أن يكون في استحقاقه لها.
стр. 118
أما الأول: فمعلوم بالتواتر واتفاق الناس بأنه تولى الأمر، وقام مقام الرسول ﷺ ، وخلفه في أمته، وأقام الحدود، واستوفى الحقوق، وقاتل الكفار والمرتدين، وولى الأعمال، وقسم الأموال، وفعل جميع ما فعل الإمام؛ بل هو أول من باشر الإمامة في الأمة.
وأما إن أريد بإمامته: كونه مستحقًا لذلك؛ فهذا عليه أدلة كثيرة غير الإجماع. وحينئذ فالإجماع لا يحتاج إليه في الأولى ولا في الثانية وإن كان الإجماع أمرًا حاصلاً (١) .
انعقدت خلافة الصديق
بالكتاب والحديد
الدين الحق لا بد فيه من الكتاب الهادي والسيف الناصر، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (٢) .
فالكتاب يبين ما أمر الله به وما نهى عنه، والسيف ينصر ذلك ويؤيده. وأبو بكر ثبت بالكتاب والسنة أن الله أمر بمبايعته، والذين بايعوه كانوا أهل السيف المطيعين لله في ذلك. فانعقدت خلافة النبوة في حقه بالكتاب والحديد (٣) .
стр. 119
أعمال أبي بكر بعد الاستخلاف
وهي من فضائله ﵁
قام ﵁ مقام رسول الله ﷺ ، ولم يخل بشيء، كما قال عن نفسه: إني لست تاركًا شيئًا كان رسول الله ﷺ يعمل به إلا عملت به، إني أخشى إن تركت شيئًا من أمره أن أزيغ (١) .
وعلى وجه التفصيل قام من الأعمال الجليلة بالأعمال الآتية:
١- ثبت المسلمين وقواهم:
أهل مدينة رسول الله ﷺ أسلموا طوعًا المهاجرون منهم والأنصار، وهم قاتلوا الناس على الإسلام، ولهذا لم يرتد من أهل المدينة أحد، بل ضعف أغلبهم بموت النبي ﷺ ، وذلت أنفسهم عن الجهاد على دينه حتى ثبتهم الله وقواهم بأبي بكر ﵁، والذي أيد الله به الإسلام في حياة رسوله، وحفظه به بعد مماته، فالله يجزيه عن الإسلام وأهله خير الجزاء. قال أنس: خطبنا أبو بكر ﵁ وكنا كالثعالب فما زال يشجعنا حتى صرنا كالأسود (٢) .
٢- قاتل المرتدين:
الذين ارتدوا بعد موت النبي ﷺ إنما كانوا ممن أسلموا بالسيف كأصحاب مسيلمة وأهل نجد.
стр. 120
وتواتر عند الناس أن الذي قاتل أهل الردة هو أبو بكر الصديق وأصحابه قاتل مسيلمة الكذاب المدعي للنبوة وأتباعه بني حنيفة، وأهل اليمامة. وقد قيل: إنهم مائة ألف أو أكثر. وقاتل طليحة الأسدي وكان قد ادعى النبوة بنجد واتبعه من أسد وغطفان ما شاء الله، وادعى النبوة سجاح -امرأة تزوجها مسيلمة الكذاب- فتزوج الكذاب بالكذابة. وأيضًا فكان من العرب من ارتد عن الإسلام لم يتبع متنبئًا كذابًا، وقد ذكر أئمة التفسير أن قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ (١) أنهم أبو بكر وعمر ومن تبعهما من أهل اليمن وغيرهم.
فمن أعظم فضائل الصديق عند الأمة أولهم وآخرهم أنه قاتل المرتدين. وأعظم الناس ردة كان بنو حنيفة، ولم يكن قتاله لهم على منع الزكاة؛ بل قاتلهم على أنهم آمنوا بمسيلمة الكذاب (٢) .
٣- قاتل مانعي الزكاة:
وأما الذين قاتلهم على منع الزكاة فأولئك ناس آخرون امتنعوا من أدائها بالكلية فقاتلهم على هذا، لم يقاتلهم ليؤدوها إليه. وقد حصل لعمر أولاً شبهة في قتالهم حتى ناظره الصديق وبين له وجوب قتالهم فرجع إليه، والقصة في ذلك مشهورة، وفي الصحيحين عن أبي هريرة أن عمر قال لأبي بكر: كيف نقاتل الناس وقد قال رسول الله ﷺ «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا
стр. 121
مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله» قال أبو بكر: ألم يقل «إلا بحقها» فإن الزكاة من حقها، والله لو منعوني عناقًا كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعها. قال عمر: فوالله ما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق. وعمر احتج بما بلغه أو سمعه من النبي ﷺ فبين له الصديق أن قوله «بحقها» يتناول الزكاة، فإنها حق المال.
وفي الصحيحين عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله وإني رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها» (١) فهذا اللفظ الثاني الذي قاله الرسول ﷺ بين فقه أبي بكر وهو صريح في القتال على أداء الزكاة، وهو مطابق للقرآن، قال الله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ (٢) فعلق تخلية السبيل على الإيمان وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة. وأقر أولئك بالزكاة بعد امتناعهم منها (٣) .
٤- راسل أهل الردة:
لما ركب الصديق في الجيوش شاهرًا سيفه مسلولاً من المدينة إلى ذي القصة (٤) وعقد أحد عشر لواءً، ودفعها إلى الأمراء، كتب معهم كتابًا وهذه نسخته:
стр. 122
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من أبي بكر خليفة رسول الله ﷺ إلى من بلغه كتابي هذا من عامة وخاصة أقام على إسلامه أو رجع عنه.
سلام على من اتبع الهدى
فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، نقر بما جاء به، ونكفر من أبى ذلك ونجاهده.
أما بعد، فإن رسول الله أرسل بالحق من عنده بشيرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، لينذر من كان حيًا ويحق القول على الكافرين، فهدى الله بالحق من أجاب إليه، وضرب رسول الله ﷺ من أدبر عنه حتى صار إلى الإسلام طوعًا أو كرهًا.
ثم توفى الله رسوله وقد نفذ لأمر الله ونصح لأمته وقضى الذي عليه، وكان الله قد بين له ذلك ولأهل الإسلام في الكتاب الذي أنزل فقال: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ (١) ، وقال: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ (٢) ، وقال للمؤمنين: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ﴾ (٣) فمن كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، ولا تأخذه سنة ولا نوم، حافظ الأمر منتقم من عدوه.
стр. 123
وإني أوصيكم بتقوى الله وحظكم ونصيبكم وما جاءكم به نبيكم ﷺ ، وأن تهتدوا بهداه، وأن تعتصموا بدين الله؛ فإن كل من لم يهده الله ضال، وكل من لم يعنه الله مخذول، ومن هداه غير الله كان ضالاً، قال الله تعالى: ﴿مَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ (١) ولن يقبل له عمل حتى يقر به، ولم يقبل له في الآخرة صرف ولا عدل.
وقد بغلني رجوع من رجع منكم عن دينه بعد أن أقر بالإسلام وعمل به اغترارًا بالله وجهلاً بأمره وإجابة للشيطان، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً﴾ (٢) ، وقال: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ (٣) .
وإني بعثت إليكم في جيشي من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان, وأمرته أن لا يقبل من أحد إلا الإيمان بالله، ولا يقتله حتى يدعوه إلى الله ، فإن أجاب وأقر وعمل صالحًا قبل منه وأعانه عليه، وإن أبى حاربه عليه حتى يفيء إلى أمر الله، ثم لا يبقي لأحد منهم قدر عليه، وأن يحرقهم بالنار، وأن يقتلهم كل قتلة، وأن يسبي النساء والذراري، ولا يقبل من أحد إلا الإسلام، فمن تبعه فهو خير له، ومن تركه فلن يعجز الله.
وقد أمرت رسولي أن يقرأ كتابي في كل مجمع لكم. والداعية
стр. 124
الأذان، فإذا أذن المسلمون فكفوا عنهم، وإن لم يؤذنوا فسلوهم ما عليه، فإن أبوا عاجلوهم، وإن أقروا حمل منهم ما ينبغي لهم» رواه سيف بن عمر عن عبد الله بن سعيد عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك (١)(٢) .
٥- أنقذ جيش أسامة:
جهر رسول الله ﷺ جيش أسامة قبل أن يمرض -وأمره على جيش عامهم المهاجرون- وروي أن عمر كان ممن انتدب معه، لا أن النبي ﷺ عين عمر ولا غير عمر للخروج معه. ولم يكن أبو بكر في جيش أسامة باتفاق أهل العلم، بل كان النبي ﷺ استخلفه من حين مرض إلى أن مات. كان ذلك الجيش ثلاثة آلاف، وأمره أن يغير على أهل مؤتة وجانب فلسطين حيث أصيب أبوه وجعفر وابن رواحة، فتجهز أسامة للغزو، فدعا رسول الله ﷺ أسامة فقال: اغد على بركة الله والنصر والعافية، ثم أغر حيث أمرتك أن تغير. قال أسامة: يا رسول الله قد أصحبت ضعيفًا، وأرجو أن يكون الله قد عافاك، فأذن لي فأمكث حتى يشفيك الله، فإني إن خرجت وأنت على هذه الحالة خرجت وفي نفسي منك قرحة، وأكره أن أسأل عنك الناس. فسكت عنه رسول الله ﷺ ، وتوفي رسول الله ﷺ بعد ذلك بأيام.
стр. 125
فلما جلس أبو بكر للخلافة أنفذه مع ذلك الجيش، غير أنه استأذنه في أن يأذن لعمر بن الخطاب في الإقامة، لأنه ذو رأي ناصح للإسلام فأذن له. وسار أسامة لوجهه الذي أمر رسول الله ﷺ فأصاب في ذلك العدو مصيبة عظيمة، وغنم هو وأصحابه وقتل قاتل أبيه، وردهم الله سالمين إلى المدينة. وأشار عليه غير واحد أن يرد الجيش خوفًا عليهم؛ فإنهم خافوا أن يطمع الناس في الجيش بعد موت رسول الله ﷺ فامتنع أبو بكر من رد الجيش، وأمر بإنفاذه، وقال: لا أحل راية عقدها رسول الله ﷺ فلما رآهم الناس يغزون بعد موت رسول الله ﷺ كان ذلك مما أيد الله به الدين، وشد به قلوب المؤمنين، وأذل به الكفار والمنافقين، وكان ذلك من كمال معرفة أبي بكر وإيمانه ويقينه وتدبيره ورأيه ﵁ (١) .
٦- شرع في قتال أهل الكتاب إلى أن يسلموا، أو يعطوا الجزية:
بعد غزو النبي لهم في مؤتة، وبعد فراغ النبي من قتال العرب.
شرع ﵁ في قتال فارس والروم، ومات والمسلمون محاصرو دمشق، وهو ممن دعوا إلى قتالهم قوله تعالى: ﴿سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ (٢) وأظهر الأقوال في الآية: أن المراد ستدعون إلى قتال أولي بأس شديد أعظم من العرب - وهؤلاء هم الروم والفرس- لأن آية الجزية لم تنزل إلا بعد فراغ النبي ﷺ من قتال العرب. وأول الدعوة إلى قتال الروم عام مؤتة، وأول قتال كان معهم في غزوة مؤتة عام ثمان قبل تبوك، فقتل فيها أمراء المسلمين زيد
стр. 126
وجعفر وابن رواحة، ورجع المسلمون كالمنهزمين. وفي السنة التاسعة غزا النبي ﷺ النصارى (بني الأصفر) عام تبوك، وأكد القرآن الأمر في عام تبوك، وذم المتخلفين عن الجهاد ذمًا عظيمًا؛ لكنهم لم يقاتلوا النبي ﷺ ولم يسلموا، فلما نزلت (براءة) وأمره فيها بنبذ العهد إلى الكفار، وأمره أن يقاتل أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، وإذا قاتلهم قاتلهم حتى يسلموا أو يعطوا الجزية لم يكن له حينئذ أن يعاهدهم بلا جزية كما كان يعاهد الكفار من المشركين وأهل الكتاب قبل نزولها. ولما أمره الله بقتال أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية، أخذا لجزية من المجوس وصالح نصارى نجران على الجزية، وإذا أمرهم أن يقاتل أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية فغيرهم أولى أن يقاتلوا ولا يعاهدوا.
... لكن في زمن الصديق والفاروق كان لا بد من أحد الأمرين: إما الإسلام وإما القتال، وبعد القتال أدوا الجزية، لم يؤدوا الجزية بغير قتال؛ لأنه أولو بأس شديد ولا يجوز مهادنتهم. ومعلوم أن أبا بكر وعمر بل وعثمان في خلافتهم قوتل هؤلاء فضربت الجزية على أهل الشام والعراق والمغرب، فهذه صفة الخلفاء الراشدين الثلاثة، فيمتنع أن تكون الآية مختصة بغزوة مؤتة ولا يدخل فيها قتال المسلمين في فتوح الشام والعراق والمغرب وخراسان وهي الغزوات التي أظهر الله فيها الإسلام، وظهر الهدى ودين الحق في مشارق الأرض ومغاربها. وإذا قيل: أنه دخل فيها قتال المرتدين؛ لأنهم يقاتلون أو يسلمون كان أوجه من أن يقال قتال مكة وأهل حنين.
وأبو بكر دعاهم إلى قتال المرتدين، ثم قتال فارس والروم، وكذلك عمر دعاهم إلى قتال فارس والروم، وعثمان دعاهم إلى قتال
стр. 127
البربر ونحوهم (١) . وقد حصل الاستخلاف في الأرض في زمن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وتمكن الدين والأمن بعد الخوف لما قهروا فارس والروم وفتحوا الشام والعراق ومصر وخراسان وأفريقية، قال الله تعالى:
﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٢)(٣) .
٧- أمره بجمع القرآن:
وفي سنة اثنتي عشرة أمر الصديق زيد بن ثابت أن يجمع القرآن من اللخف والعسب وصدور الرجال، وذلك عندما استحر القتل في القراء يوم اليمامة، كما ثبت به الحديث في صحيح البخاري عن زيد بن ثابت ﵁، قال: «أرسل إلي أبو بكر الصديق مقتل أهل اليمامة فإذا عمر بن الخطاب عنده، قال أبو بكر ﵁: إن عمر أتاني فقال: إن القتل قد استحر يوم اليمامة بقراء القرآن وإني أخشى أن استحر القتل بالقراء. بالمواطن فيذهب كثير من القرآن، وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن. قلت لعمر: كيف أفعل شيئًا لم يفعله رسول الله ﷺ ؟ قال: هو والله خير، فلم يزل عمر يراجعني حتى
стр. 128
شرح الله صدري لذلك، ورأيت في ذلك الذي رأى عمر ... » الحديث (١)(٢)(٣)(٤) .
٨- استخلافه عمر بعده:
لما علم أبو بكر ﵁ أنه ليس في الأمة مثل عمر، وخاف أن لا يولوه إذا لم يستخلفه لشدته في الله فولاه هو كان ذلك هو المصلحة للأمة، فما فعله صديق الأمة هو اللائق به، فإن أبا بكر تبين له من كمال عمر وفضله واستحقاقه للأمر ما لم يحتج معه إلى الشورى، وظهر أثر ذلك الرأي الميمون على المسلمين؛ فإن كل عاقل منصف يعلم أن عثمان أو عليًا أو طلحة، أو الزبير، أو سعدًا، أو عبد الرحمن بن عوف لا يقوم مقام عمر، فكان تعيين عمر في الاستخلاف كتعيين أبي بكر في مبايعتهم له؛ ولهذا قال ابن مسعود ﵁: أفرس الناس ثلاثة: بنت صاحب مدين حيث قال: ﴿يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾ (٥) وامرأة العزيز حيث قالت: ﴿عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ (٦) وأبو بكر حيث استخلف عمر (٧) . ولما استخلف عمر كره خلافته طائفة حتى قال له طلحة: ماذا تقول لربك إذا وليت علينا فظًا غليظًا. فقال: أبالله
стр. 129
تخوفوني؟! أقول: وليت عليهم خير أهلك. وقد رجع طلحة عن ذلك ﵁ (١)(٢) .
قلت ويأتي بيان ما جعل الله فيه من الرحمة بعد الولاية.
كمال سياسة الصديق
مما يدل على كمال سياسة الصديق وأنه أفضل من كل من ولي الأمة، بل وممن ولي غيرها من الأمم بعد الأنبياء، وإنه معلوم أن رسول الله ﷺ أفضل الأولين والآخرين، أفضل من جميع الخلق من جميع العالمين. وقد ثبت في الصحيحين أنه قال: «كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبي خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي، وسيكون خلفاء فيكثرون. قالوا: يا رسول الله فما تأمرنا. قال: فوا ببيعة الأول فالأول» (٣) ، ومن المعلوم أن من تولى بعد الفاضل إذا كان فيه نقص كثير عن سياسة الأول ظهر لك النقص ظهورًا بينًا، وهذا معلوم من حال الولاة إذا تولى ملك بعد ملك أو قاض بعد قاض أو شيخ بعد شيخ أو غير ذلك فإن الثاني إذا كان ناقص الولاية نقصًا بينًا ظهر ذلك فيه، وتغيرت الأمور التي كان الأول قد نظمها وألفها.
ثم الصديق تولى بعد أكمل الخلق سياسة فلم يظهر في الإسلام نقص بوجه من الوجوه؛ بل قاتل المرتدين حتى عاد الأمر إلى ما كان
стр. 130
عليه، وأدخل الناس في الباب الذي خرجوا منه، ثم شرع في قتال الكفار من أهل الكتاب، وعلم الأمة ما خفي عليهم، وقواهم لما ضعفوا، وشجعهم لما جبنوا، وسار فيهم سيرة توجب صلاح دينهم، وكان ذلك مما حفظ الله به على الأمة دينها. وهذا مما يحقق أنه أحق الناس بخلافة رسول الله ﷺ ، ولم تعظم الأمة بعد نبيها أحدًا كما عظمت الصديق، ولا أطاعت أحدًا كما أطاعته من غير رغبة أعطاها ولا رهبة أخافهم بها. وهذه من خصائصه (١) .
من كمال الصديق استعانته بالشديد
ومن كمال عمر استعانته باللين
كان نبينا ﷺ مبعوثًا بأعدل الأمور وأكملها - فهو الضحوك، القتال، وهو نبي الرحمة، ونبي الملحمة، بل أمته موصوفون بذلك في مثل قوله تعالى: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ (٢) وقوله: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ (٣) فكان النبي ﷺ يجمع بين شدة هذا ولين هذا، فيأمر بما هو العدل وهما يطيعان فتكون أفعالهما على تمام الاستقامة. فلما قبض الله نبيه وكان كل منهما خليفة على المسلمين خلافة نبوة، كان من كمال أبي بكر أن يولي الشديد ويستعين به ليعتدل أمره، ويخلط الشدة باللين - فإن مجرد اللين يفسد، ومجرد الشدة يفسد - ويكون قد قام مقام النبي ﷺ ، فكان يقوم باستشارة عمر وباستنابة خالد ونحو ذلك، وهذا من كماله الذي صار به خليفة رسول الله ﷺ ؛ ولهذا اشتد في قتال أهل الردة شدة برز بها على عمر وغيره، فجعل الله فيه من الشدة ما لم يكن فيه قبل ذلك ...
стр. 131
وأما عمر ﵁ فكان شديدًا في نفسه، فكان من كماله استعانته باللين ليعتدل أمره - فكان يستعين بأبي عبيدة بن الجراح، وسعد بن أبي وقاص، وأبي عبيد الثقفي، والنعمان بن مقرن، وسعيد بن عامر، وأمثال هؤلاء من أهل الصلاح والزهد الذين هم أعظم زهدًا وعبادة من خالد بن الوليد وأمثاله. وقد جعل الله في عمر من الرأفة ما لم يكن فيه قبل ذلك، تكميلاً له، حتى صار أمير المؤمنين (١) .
كمال الخلفاء الراشدين
وعمر بن عبد العزيز
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (٢) قد فسر (أولي الأمر) بذوي القدرة كأمراء الحرب. وفسر بأهل العلم والدين، وكلاهما حق. وهذان الوصفان كانا كاملين في الخلفاء الراشدين فإنهم كانوا كاملين في العلم والعدل، والسياسة والسلطان، وإن كان بعضهم أكمل في ذلك من بعض - فأبو بكر وعمر أكمل في ذلك من عثمان وعلي - وبعدهم لم يكمل أحد في هذه الأمور إلا عمر بن عبد العزيز (٣) .
من يطعن على أبي بكر وعمر وغيرهما من الصحابة
أبو بكر، وعمر لا تقوم حجة بأنهما تركا واجبًا أو فعلاً محرمًا أصلاً (٤) ولا يطعن على أبي بكر وعمر إلا أحد رجلين: إما رجل منافق
стр. 132
زنديق ملحد يتوصل بالطعن فيهما إلى الطعن في الرسول ودين الإسلام، وهذا حال المعلم الأول للرافضة -أول من ابتدع الرفض- وحال أئمة الباطنية، كما قال مالك وغيره من أهل العلم: هؤلاء طعنوا في أصحاب رسول الله ﷺ ، إنما طعنوا في أصحابه ليقول القائل: رجل سوء كان له أصحاب سوء، ولو كان رجلاً صالحًا لكان أصحابه صالحين. وأما جاهل مفرط في الجهل والهوى، وهو الغالب على عامة الشيعة إذا كانوا مسلمين في الباطن.
عن جابر ﵁ قال: قيل لعائشة: إن ناسًا ينالون أصحاب رسول الله ﷺ ، حتى أبا بكر وعمر، فقالت: وما تعجبون من هذا، انقطع عنهم العمل فأحب الله أن لا يقطع عنهم الأجر (١) ، وعن عروة قال: قالت لي عائشة: يا ابن أختي، أمروا أن يستغفروا لأصحاب رسول الله ﷺ فسبوهم» أخرجه مسلم (٢) .
وقال الشيخ ﵀: أصحاب رسول الله ﷺ جميع ما يطعن به فيهم أكثره كذب، والصدق منه غايته أن يكون ذنبًا، أو خطأ. والخطأ مغفور لهم، والذنب لتكفيره أسباب متعددة، وكثير مما يطعن به على أحدهم يكون من محاسنه وفضائله (٣) .
مدة خلافة أبي بكر
أقام ﵁ في الخلافة سنتين وأربعة أشهر. ثم توفي
стр. 133
لثمان بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاثة عشر، هذا قول أهل السير فيما حكاه ابن عبد البر، وجزم به ابن إسحاق، وابن زير، وابن قانع، وابن الجوزي، والذهبي. والصحيح أنه عاش ثلاثًا وستين سنة، وهو قول الأكثرين (١) .
قبره
أخرج ابن سعد والقاسم بن محمد: أن أبا بكر أوصى إلى عائشة أن يدفن إلى جنب رسول الله ﷺ ، فلما توفي حفر له وجعل رأسه عند كتف النبي ﷺ ، وألصق اللحد بقبر رسول الله ﷺ (٢) .
وأخرج سعيد بن منصور عن سعيد بن المسيب قال: رأت عائشة كأنه وقع في بيتها ثلاثة أقمار، فقصتها على أبي بكر وكان من أعبر الناس، فقال: إن صدقت رؤياك ليدفنن في بيتك خير أهل الأرض ثلاثًا، فلما قبض رسول الله ﷺ قال: يا عائشة هذا خير أقمارك (٣) .
وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين ...
انتهيت من جمعه وترتيبه عام ثمانية وأربعمائة وألف هجرية
محمد بن عبد الرحمن
ابن محمد بن قاسم