← Акыда

Акыда · id 25815

أبو بكر الصديق أفضل الصحابة وأحقهم بالخلافة

محمد بن عبد الرحمن بن قاسم

Полный текст (133 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

استولى على الأمد (١) ، فتى قريش ناشئًا، وكهفها كهلاً، يفك عانيها، ويريش مملقها (٢) ، ويرأب شعبها (٣) ، ويلم شعثها (٤) ، حتى حليته قلوبها. ثم استشرى في الله فما برحت شكيمته في ذات الله تعالى (٥) ، تشتد، حتى اتخذ بفنائه مسجدًا يحيي فيه ما أمات المبطلون. وكان ﵀ غزير الدمعة، وقيذ الجوانح (٦) ، شجى النشيج (٧) ، فتتقصف عليه نساء مكة وولدانها (٨) يسخرون منه ويستهزئون به ﴿اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ فأكبرت ذلك رجالات من قريش فحنت إليه قسيها، وفوقت لها سهامها، وأنثلوه غرضًا (٩) ، فما فلوا له صفاة (١٠) ، ولا قصفوا له قناة (١١) ، ومر على سيسائه (١٢) حتى إذا ضرب الدين

стр. 72

بجرانه، وألقى بركه (١) ، ورست أوتاده، ودخل الناس في دين الله أفواجًا، ومن كل فرقة أرسالاً وأشتاتًا، اختار الله لنبيه ما عنده. فلما قبض الله نبيه نصب الشيطان روقه (٢) ، ومد طنبه، ونصب حبائله، فظن رجال أن قد تحققت أطماعهم، ولات حين الذي يرجون، وأنى والصديق بين أظهرهم، فقام حاسرًا مشمرًا، فجمع حاشيته، ورفع فطرته (٣) ، فرد نشر الإسلام على غره (٤) ، ولم شعثه بطبه، وأقام أوده بثقافه (٥) ، فوقذ النفاق بوطئته (٦) ، فانتاش الدين بنعشه (٧) ، فلما أراح الحق على أهله (٨) ، وقرر الرؤوس على كواهلها (٩) ، وحقن الدماء في أهبها (١٠) ، أتته منيته، فسد ثلمه بنظيره في المرحمة، وشقيقه في السيرة

стр. 73

والمعدلة، ذاك ابن الخطاب، لله أم حفلت له ودرت عليه (١) لقد أوحدت به (٢) ، فنفخ الكفرة وديخها (٣) ، وشرد الشرك شذر مذر (٤) ، وبعج الأرض وبخعها، فقاءت أكلها، ولفظت خبيئها (٥) ترأمه ويصد عنها (٦) ، وتصدى له فيأباها، ثم ورع فيها وودعها كما صحبها، فأروني ما تريبون، وأي يومي أبي تنقمون، أيوم إقامته إذ عدل فيكم، أم يوم ظعنه إذ نظر لكم؟ أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم، وقد روى هذه القصة جعفر بن عون عن أبيه، عن عائشة، وهؤلاء رواة الصحيحين، وقد رواها أبو أسامة عن هشام بن عروة عن أبيه، وبعضهم رواها عن هشام ولم يذكر فيه عن عروة (٧) . قول عمر: ليلة ويوم من أبي بكر خير من عمر وآل عمر روى الطلمنكي من حديث ميمون بن مهران، قال: كان أبو

стр. 74

موسى الأشعري إذا خطب بالبصرة يوم الجمعة وكان واليها صلى على النبي ﷺ ، ثم ثنى بعمر بن الخطاب يدعو له. فقام ضبة بن محصن العنزي فقال: أين أنت من ذكر صاحبه قبله تفضله عليه؟ - يعني أبا بكر ﵄ ثم قعد. فلما فعل ذلك مرارًا أمحكه (١) أبو موسى فكتب أبو موسى إلى عمر ﵁: أن ضبة يطعن علينا ويفعل. فكتب عمر إلى ضبة: أن يخرج إليه، فبعث به أبو موسى، فلما قدم ضبة المدينة على عمر ﵁، فقال الحاجب: ضبة العنزي بالباب، فأذن له، فلما دخل عليه قال: لا مرحبًا بضبة، ولا أهلاً. قال ضبة: أما المرحب فمن الله. وأما الأهل فلا أهل ولا مال، فبم استحللت إشخاصي من مصري بلا ذنب أذنبت، ولا شيء أتيت؟ قال: ما الذي شجر بينك وبين عاملك؟ قلت: الآن أخبرك يا أمير المؤمنين - إنه كان إذا خطب حمد الله وأثنى عليه، وصلى على النبي ﷺ ، ثم ثنى يدعو لك، فغاضبني ذلك منه وقلت: أين أنت من صاحبه تفضله عليه؟ فكتب إليك يشكوني. قال: فاندفع عمر ﵁ باكيًا وهو يقول: أنت والله أوفق منه وأرشد منه، فهل أنت غافر لي ذنبي يغفر الله لك؟ قلت: غفر الله لك يا أمير المؤمنين، ثم اندفع باكيًا يقول: والله لليلة من أبي بكر ويوم خير من عمر، وآل عمر، فهل لك أن أحدثك بيومه وليلته؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين. قال: أما ليلته؛ فإن رسول الله ﷺ لما خرج من مكة هاربًا من المشركين، خرج ليلاً فتبعه أبو بكر، فجعل يمشي مرة أمامه، ومرة خلفه، ومرة عن يمينه، ومرة عن يساره، فقال له رسول الله ﷺ : ما هذا يا أبا بكر، ما أعرف هذا من فعلك؟ فقال: يا رسول الله ﷺ أذكر

стр. 75

الرصد فأكون أمامك وأذكر الطلب فأكون خلفك، ومرة عن يمينك، ومرة عن يسارك، لا آمن عليك. فمضى النبي ﷺ على أطراف أطابعه حتى حفيت، فلما رأى أبو بكر ﵁ أنها حفيت حمله على عاتقه حتى أتى به فم الغار، فأنزله. ثم قال: والذي بعثك بالحق لا تدخله حتى أدخله، فإن كان فيه شيء فبي، فدخل فلم ير شيئًا يستريبه فحمله فأدخله، فلما دخل وجد الصديق أجحار الأفاعي، فلما رأى أبو بكر ذلك ألقمه عقبة فجعلن يلسعنه ويضربنه، وجعلت دموعه تتحادر على خده من ألم ما يجد، ورسول الله ﷺ يقول: لا تحزن إن الله معنا؛ فأنزل الله سكينته وطمأنينته على أبي بكر فهذه ليلته. وأما يومه: فلما توفي النبي ﷺ ارتدت العرب فقال بعضهم: نصلي ولا نزكي، وقال بعضهم نزكي ولا نصلي. فأتيته ولا آلوه نصحًا. فقلت: يا خليفة رسول الله تألف الناس وأرفق بهم. فقال لي: أجبار في الجاهلية، وخوار في الإسلام؟! قبض رسول الله ﷺ وارتفع الوحي، والله لو منعوني عقالاً كانوا يعطونه رسول الله ﷺ لقاتلتهم عليه. فكان والله رشيد الأمر، ثم كتب إلى أبي موسى يلومه. وحديث ضبة هذا من أشهر الأحاديث (١) (٢) .

стр. 76

خلافة الصديق الصديق خلف الرسول ﷺ وهو أحق بخلافته (١) الخليفة: الخليفة هو الذي يخلف غيره، وإن لم يستخلفه هذا هو المعروف في اللغة وقول الجمهور. وقد يكون بمعنى من استخلفه غيره. والخليفة لا يصير خليفة إلا مع مغيب المستخلف أو موته. ولهذا لا يصلح أن يقال: إن الله يستخلف أحدًا عنه؛ فإنه حي قيوم، مدبر لعباده، منزه عن الموت والنوم والغيبة. والله يوصف بأنه يخلف العبد، كما قال النبي ﷺ : «اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل» (٢) . وقال في حديث الدجال: «والله خليفتي على كل مسلم» (٣) . وكل من وصفه الله بالخلافة في القرآن فهو خليفة عن مخلوق كان قبله، كقوله: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلائِفَ فِي الأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ (٤) . ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ (٥) .

стр. 77

﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ﴾ (١) . وكذلك قوله: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ (٢) . أي عن خلق كان في الأرض قبل ذلك: كما ذكره المفسرون وغيرهم. وأما ما يظنه طائفة من الاتحادية وغيرهم: أن الإنسان خليفة الله فهذا جهل وضلال، ولهذا لما قالوا لأبي بكر: يا خليفة الله! قال: لست خليفة الله؛ بل خليفة رسول الله، وحسبي ذلك (٣) . خلافة الصديق حق وصواب بالنصوص والإجماع خلافة الصديق: دلت النصوص الكثيرة على أنها حق وصواب، وهذا مما لم يختلف العلماء فيه. واختلفوا: هل انعقدت بالنص الذي هو العهد كخلافة عمر، أو بالإجماع والاختيار؟ (٤) . التحقيق في خلافة أبي بكر، وهو الذي يدل عليه كلام أحمد: أنها انعقدت باختيار الصحابة ومبايعتهم له، وأن النبي ﷺ أخبر بوقوعها على سبيل الحمد لها، والرضا بها، وأنه أمر بطاعته وتفويض الأمر إليه، وأنه دل الأمة وأرشدهم إلى بيعته. فهذه الوجوه الثلاثة -الخبر، والأمر، والإرشاد- ثابتة عن النبي ﷺ .

стр. 78

وهذه الوجوه الثلاثة الثابتة بالسنة دل عليها القرآن (١) (٢) . الوجه الأول: الخبر بوقوعها على سبيل الحمد لها والرضا بها ١- قوله في الحديث الصحيح: «رأيت كأني أنزع على قليب فأخذها ابن أبي قحافة فنزع ذنوبًا أو ذنوبين وفي نزعه ضعف (٣) والله يغفر له؛ ثم أخذها ابن الخطاب فاستحالت غربًا، فلم أر عبقريًا من الناس يفري فرية حتى ضرب الناس بطعن» (٤) فأخبر بأمور تستلزم صلاح الولاة، وهذه وقعت في خلافة أبي بكر وعمر (٥) . ٢- وفي سنن أبي داود وغيره من حديث الأشعث، عن الحسن، عن أبي بكرة، أن النبي ﷺ قال: «من رأى منكم رؤيا. فقال رجل: أنا رأيت كأن ميزانًا أنزل من السماء فوزنت أنت وأبو بكر فرجحت أنت بأبي بكر، ثم وزن عمر وأبي بكر، فرجح أبو بكر، ووزن عمر وعثمان فرجح عمر، ثم رفع الميزان، فرأيت الكراهية في وجه النبي ﷺ » (٦) . ورواه أيضًا من حديث حماد بن سلمة، عن علي بن زيد بن جعدان، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه مثله. ولم يذكر الكراهية

стр. 79

«فاستاء لها النبي ﷺ » يعني فساءه ذلك فقال: «خلافة نبوة، ثم يؤتي الله الملك من يشاء» (١) . فبين النبي ﷺ أن ولاية هؤلاء خلافة نبوة، ثم بعد ذلك ملك، وليس فيه ذكر علي؛ لأنه لم يجتمع الناس في زمانه، بل كانوا مختلفين لم ينتظم فيه خلافة النبوة ولا الملك (٢) . ٣- ما في الصحيحين عن عائشة ﵂ قالت: قال لي رسول الله ﷺ في مرضه: «ادعي لي أباك وأخاك حتى أكتب لأبي بكر كتابًا، فإني أخاف أن يتمنى متمن ويقول قائل: أنا أولى، ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر» (٣) . فبين ﷺ أنه يريد أن يكتب كتابًا خوفًا، ثم علم أن الأمر واضح ظاهر ليس مما يقبل النزاع فيه فترك ذلك، لعلمه بأن ظهور فضيلة أبي بكر واستحقاقه لهذا الأمر يغني عن العهد. ٤- وفي صحيح البخاري: «أنَّ عائشة ﵂ لما قالت: وا رأساه، قال رسول الله ﷺ : بل أنا وا رأساه، لقد هممت أن أرسل إلى أبي بكر وابنه وأعهد أن يقول القائلون أو يتمنى المتمنون، ثم قلت: يأبى الله ويدفع المؤمنون، أو يدفع الله ويأبى المؤمنون» (٤) . وهذا الحديث الصحيح فيه همه بأن يكتب لأبي بكر كتابًا بالخلافة لئلا يقول قائل: أنا أولى. ثم قال: «يأبى الله ذلك والمؤمنون» فلما علم الرسول أن الله تعالى لا يختار إلا أبا بكر والمؤمنون لا يختارون إلا إياه اكتفى بذلك عن الكتاب، ولم تكن كتابة الكتاب مما

стр. 80

أوجبه الله عليه أن يكتبه أو يبلغه في ذلك الوقت، لأن أمته إذا ولته طوعًا بغير إلزام وكان هو الذي يرضاه الله ورسوله كان أفضل للأمة، ودل على علمها ودينها؛ فإنها لو ألزمت به لربما قيل إنها أكرهت على الحق وهي لا تختاره، كما كان يجري ذلك لبني إسرائيل، ويظن الظان أنه كان في الأمة بقايا جاهلية من التقديم بالأنساب، فكان ما اختاره الله لنبيه أفضل، ولهم أفضل، فالحمد لله الذي هدى هذه الأمة، وعلى أن جعلنا من أتباعهم، وأبعد الله من لا يختار ما اختاره الله ورسوله والمؤمنون (١) . ٥- روى أبو داود أيضًا من حديث ابن شهاب، عن عمرو بن أبان، عن جابر أنه كان يحدث أن رسول الله ﷺ قال: «أري الليلة رجل صالح كأنا أبا بكر نيط برسول الله ﷺ ، ونيط عمر بأبي بكر، ونيط عثمان بعمر» قال جابر: فلما قمنا من عند رسول الله ﷺ قلنا: أما الرجل الصالح فرسول الله ﷺ ، وأما تنوط بعضهم ببعض فهم ولاة هذا الأمر الذي بعث الله به نبيه ﷺ (٢) . ٦- وروى أيضًا من حديث حماد بن سلمة، عن أشعث بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن سمرة بن جندب «أن رجلاً قال يا رسول الله إني رأيت كأن دلوًا دلي من السماء فجاء أبو بكر فأخذ بعراقيها فشرب شربًا ضعيفًا، ثم جاء عمر فأخذ بعراقيها فشرب حتى تضلع، ثم جاء

стр. 81

عثمان، فأخذ بعراقيها فشرب حتى تضلع، ثم جاء علي فأخذ بعراقيها فانتشطت وانتضح عليه منها شيء» (١) . ٧- وعن سعيد بن جهمان، عن سفينة، قال: قال رسول الله ﷺ : «خلافة النبوة ثلاثون سنة، ثم يؤتي الله الملك من يشاء، أو ملكه من يشاء» (٢) . قال سعيد: ثم قال لي سفينة: أمسك خلافة أبي بكر سنتين، وخلافة عمر عشر، وخلافة عثمان اثنتي عشرة، وخلافة علي ست سنين. قال سعيد: قلت لسفينة: إن هؤلاء يزعمون أن عليًا ليس بخليفة. فقال: كذبت إستاه بني الزرقاء -يعني: بني مروان- (٣) . الوجه الثاني: الأمر بطاعته وتفويض الأمر إليه ١- في السنن عنه ﷺ أنه قال: «اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر، وعمر» (٤) . فأمره بالاقتداء بعده بأبي بكر وعمر دليل على خلافتهما بعده، ولهذا كان أحد قولي العلماء وهو إحدى الروايتين عن أحمد أن قولهما إذا اتفقا حجة لا يجوز العدول عنها. ولو كانا ظالمين لم يأمر بالاقتداء

стр. 82

بهما، فإنه لا يأمر بالاقتداء بالظالم، فإن الظالم لا يكون قدوة يؤتم به بدليل قوله تعالى: ﴿لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ (١) فلما أمر بالاقتداء بمن بعده والاقتداء هو الائتمام مع إخباره أنهما يكونان بعده دل على أنهما إمامان بعده، وهذا هو المطلوب. ومرتبة المقتدي به في أفعاله وفي سنته للمسلمين فوق مرتبة المتبع فيما سنه فقط. والفرق بينه وبين أصحابي كالنجوم مع أنه لا يصح، ليس فيه لفظ بعدي وليس فيه الأمر بالاقتداء بهم (٢) . ٢- «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي» (٣) ، فأمر باتباع سنة الخلفاء الراشدين المهديين، وجعل خلافتهم إلى مدة معينة، فدل ذلك على أن المتولي في تلك المدة هم الخلفاء الراشدون، فإنهم خلفوه في ذلك، فانتفى عنهم بالهدى الضلال، وبالرشد الغي، وهذا هو الكمال في العلم والعمل. فإن الضلال عدم العلم، والغي اتباع الهوى، ولهذا الأظهر أن اتفاق الخلفاء الأربعة حجة لا يجوز خلافه لأمر النبي ﷺ باتباع سنتهم (٤) . ٣- في الصحيحين عن جبير بن مطعم، عن أبيه، أن امرأة سألت النبي ﷺ شيئًا فأمرها أن ترجع إليه، فقالت: يا رسول الله أرأيت إن جئت فلم أجدك؟ - قال أبي: كأنها تعني الموت - قال فإن لم تجديني

стр. 83

فأتي أبا بكر (١) . ٤- وحديث «إذا لم تجدوه أعطوها أبا بكر» (٢) فأمره من يأتيه أن يأتي بعد موته شخصًا يقوم مقامه يدل على أنه خليفة بعده. وهذا وقع لأبي بكر (٣) . الوجه الثالث: دلالته الأمة وإرشادها إلى بيعته ١- في صحيح مسلم: أن أصحاب محمد ﷺ كانوا معه في سفر فذكر الحديث وفيه: «إن يطع القوم أبا بكر وعمر يرشدوا» (٤) . ٢- استخلافه في الصلاة، وهو متواتر ثابت في الصحاح والسنن والمسانيد من غير وجه كما أخرج البخاري ومسلم، وابن خزيمة، وابن حبان وغيرهم من أهل الصحيح عن أبي موسى الأشعري ﵁، قال: «مرض النبي ﷺ فاشتد مرضه، فقال: مروا أبا بكر فليصل

стр. 84

بالناس، قالت عائشة ﵂: يا رسول الله إن أبا بكر رجل رقيق متى يقوم مقامك لا يستطيع أن يصلي بالناس. قال: مري أبا بكر فليصل بالناس، فعادوت، فقال: مري أبا بكر فليصل بالناس فإنكن صواحب يوسف، فأتاه الرسول فصلى بالناس في حياة النبي ﷺ » (١) وفي الصحيحين عن عائشة ﵂ قالت: لما ثقل رسول الله ﷺ جاء بلال يؤذنه بالصلاة فقال: «مروا أبا بكر فليصل بالناس» فقلت يا رسول الله إن أبا بكر رجل أسيف (٢) وإنه متى يقم مقامك لا يسمع الناس، فلو أمرت عمر، فقال: مروا أبا بكر فليصل بالناس. قالت فقلت لحفصة: قولي له إن أبا بكر رجل أسيف، وإنه متى يقم مقامك لا يسمع الناس، فلو أمرت عمر. فقالت له: فقال رسول الله ﷺ : إنكن لأنتن صواحب يوسف، مروا أبا بكر فليصل بالناس. قالت: فأمروا أبا بكر يصلي بالناس» (٣) . فصلى بهم مدة مرضه ﷺ من يوم الخميس إلى يوم الخميس إلى

стр. 85

يوم الاثنين، فكان مدة مرضه فيما قيل اثني عشر يومًا، وكانت حجرته ﷺ إلى جانب المسجد. ففي هذا أنها راجعته، وأمرت حفصة بمراجعته، وأن النبي ﷺ لامهن على هذه المراودة، وجعلها من المراودة على الباطل، كمراودة صواحب يوسف ليوسف، فدل هذا على تقديم غير أبي بكر في الصلاة من الباطل الذي يذم من يراود عليه، هذا مع أن أبا بكر قد قال لعمر يصلي فلم يتقدم عمر، وقال: أنت أحق بذلك، فكان في هذا اعتراف عمر له أنه أحق بذلك منه، كما اعترف له أنه أحق بالخلافة منه ومن سائر الصحابة. وأنه أفضلهم (١) . وفي الصحيحين عن عائشة ﵂ قالت: لقد راجعت رسول الله ﷺ في ذلك، وما حملني على كثرة مراجعته إلا أنه لم يقع في قلبي أن يحب الناس بعده رجلاً قام مقامه أبدًا، فأردت أن يعدل ذلك رسول الله ﷺ عن أبي بكر (٢) . وكشف الستارة يوم مات وهم يصلون خلف أبي بكر فسر بذلك ففي الصحيحين عن أنس بن مالك ﵁، أن أبا بكر كان يصلي لهم في وجع رسول الله ﷺ في وجعه الذي توفي فيه، حتى إذا كان يوم الاثنين وهم صفوف في الصلاة كشف رسول الله ﷺ ستر الحجرة فنظر إلينا وهو قائم كأن وجهه ورقة مصحف (٣) ، ثم تبسم رسول الله ﷺ ضاحكًا، قال فبهتنا ونحن في الصلاة من فرح بخروج رسول الله ﷺ ، ونكص أبو بكر على عقبيه ليصل الصف، وظن أن رسول الله ﷺ خارج للصلاة، فأشار إليهم رسول الله ﷺ بيده أن أتموا

стр. 86

صلاتكم. ثم دخل رسول الله ﷺ فأرخى الستر، قال: فتوفي رسول الله ﷺ من يومه ذلك (١) . وخرج النبي ﷺ مرة فصلى بهم جالسًا وبقي أبو بكر يصلي بأمره سائر الصلوات ففي الصحيح عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: «دخلت على عائشة، فقلت لها: ألا تحدثيني عن مرض رسول الله ﷺ ؟ قالت: بلى، ثقل النبي ﷺ فقال: أصلى الناس؟ قلنا: لا وهم ينتظرونك يا رسول الله. قال: ضعوا لي الماء في المخضب (٢) ففعلنا، فاغتسل، ثم ذهب لينوء فأغمي عليه، ثم أفاق فقال: أصلى الناس؟ فقلنا: لا ينتظرونك يا رسول الله. قالت: والناس عكوف في المسجد ينتظرون رسول الله ﷺ لصلاة العشاء الآخرة، قالت: فأرسل رسول الله ﷺ إلى أبي بكر أن يصلي بالناس، فأتاه الرسول، فقال: إن رسول الله ﷺ يأمرك أن تصلي بالناس. فقال: أبو بكر وكان رجلاً رقيقًا: يا عمر صل بالناس. قال فقال عمر: أنت أحق بذلك. قالت: فصلى بهم أبو بكر تلك الأيام، ثم إن رسول الله ﷺ وجد من نفسه خفة فخرج بين رجلين أحدهما العباس لصلاة الظهر وأبو بكر يصلي بالناس، فلما رآه أبو بكر ذهب ليتأخر فأومأ إليه النبي ﷺ أن لا يتأخر، وقال لهما: أجلساني إلى جنبه، فأجلساه إلى جنب أبي بكر، وكان أبو بكر يصلي وهو قائم بصلاة رسول الله ﷺ ، والناس يصلون بصلاة أبي بكر، والنبي ﷺ قاعد. قال عبيد الله: فدخلت على عبد الله بن عباس فقلت له: ألا أعرض عليك ما حدثتني عائشة عن مرض رسول الله ﷺ ؟ فقال: هات.

стр. 87

فعرضت حديثها عليه، فما أنكر منه شيئًا، غير أنه قال: أسمت لك الرجل الذي كان مع العباس؟ قلت: لا. قال: هو علي» (١) . فهذا حديث اتفقت فيه عائشة وابن عباس كلاهما يخبران بمرض النبي ﷺ واستخلاف أبي بكر في الصلاة، وأنه صلى بالناس قبل خروج النبي ﷺ أيامًا، وأنه لما خرج لصلاة الظهر أمره أن لا يتأخر بل يقيم مكانه وجلس النبي ﷺ إلى جنبه، والناس يصلون بصلاة أبي بكر، وأبي وبكر يصلي بصلاة النبي ﷺ ، والعلماء كلهم متفقون على تصديق هذا الحديث وتلقيه بالقبول، وتفقهوا في مسائل فيه. وكان قد استخلفه في الصلاة قبل ذلك لما ذهب إلى بني عمرو بن عوف ليصلح بينهم. ولم ينقل أن النبي ﷺ استخلف في غيبته على الصلاة في حال سفره وفي حال غيبته في مرضه إلا أبا بكر، ولكن عبد الرحمن بن عوف صلى بالمسلمين مرة صلاة الفجر في السفر عام تبوك؛ لأن النبي ﷺ قد ذهب ليقضي حاجته فتأخر (٢) (٣) . ٣- وفي الترمذي مرفوعًا: «لا ينبغي لقوم فيهم أبو بكر أن يؤمهم غيره» (٤) . ٤- ومثل قوله في الحديث الصحيح على منبره: «لو كنت متخذًا

стр. 88

من أهل الأرض خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، لا يبقى في المسجد خوخة إلا سدت إلا خوخة أبي بكر» (١) . والقائلون بالنص الجلي استدلوا على ذلك باتفاق الصحابة على تسميته خليفة رسول الله ﷺ (٢) , قالوا: والخليفة إنما يقال لمن استخلفه غيره، واعقدوا بأن الفعيل بمعنى المفعول فدل ذلك على أن رسول الله ﷺ استخلفه على أمته، وقالت طائفة: الخليفة يقال لمن استخلفه غيره ولمن خلف غيره فهي فعيل بمعنى فاعل. وهذان الوصفان لم يثبتا إلا لأبي بكر، فكان هو الخليفة. قال الشيخ ﵀: وأهل السنة يقولون خلفه، وكان هو أحق بخلافته (٣) . دلالة القرآن على خلافة الصديق وهذه الوجوه الثلاثة الثابتة بالسنة (٤) دل عليها القرآن: فالأول في قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ﴾ الآية (٥) ، وقوله: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ

стр. 89

وَيُحِبُّونَهُ﴾ (١) وقوله: ﴿وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ﴾ (٢) . والثاني قوله: ﴿سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ الآية (٣) . والثالث قوله: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى﴾ (٤) وقوله: ﴿النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ﴾ (٥) وقوله: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ﴾ (٦) . ونحو ذلك كقوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ ، ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ الآية. فلو كانت ولاية أبي بكر حرامًا منكرًا لوجب أن ينهوا عن ذلك، ولو كانت ولاية علي واجبة لكان ذلك من أعظم المعروف الذي يجب أن يأمروا به ... وإذا شهدوا أن أبا بكر أحق بالإمامة وجب أن يكونوا صادقين في هذه الشهادة. فثبت صحة خلافته ووجوب طاعته بالكتاب والسنة والإجماع (٧) .

стр. 90

آثار استدل بها على خلافته ١- في صحيح مسلم عن ابن أبي مليكة قال: سمعت عائشة وقد سئلت: من كان رسول الله ﷺ مستخلفًا لو استخلف؟ قالت: أبو بكر، قيل لها: ثم من بعد أبي بكر؟ قالت: عمر. قيل لها: ثم من بعد عمر. قالت: أبو عبيدة بن الجراح. ثم انتهت إلى هذا (١) . ٢- روى ابن بطة بإسناده، قال: حدثنا الحسن بن أسلم الكاتب، حدثنا الزعفراني، حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا المبارك بن فضالة، أن عمر بن عبد العزيز بعث محمد بن الزبير الحنظلي إلى الحسن البصري فقال: هل كان رسول الله ﷺ استخلف أبا بكر؟ فقالت: أفي شك صاحبك؟! نعم والله الذي لا إله إلا هو استخلفه، لهو أتقى من أن يتوثب عليها. قال ابن المبارك: استخلافه هو أمره أن يصلي بالناس. وكان هذا عند الحسن استخلافًا (٢) . ٣- قال: وأنبأنا أبو القاسم عبد الله بن محمد، حدثنا أبو خيثمة زهير بن حرب، حدثنا يحيى بن سليم، حدثنا جعفر بن محمد عن أبيه، عن عبد الله بن جعفر، قال: ولينا أبو بكر فخير خليفة، أرحمه بنا، وأحناه علينا (٣) . ٤- قال: وسمعت معاوية بن قرة يقول: إن رسول الله ﷺ استخلف أبا بكر.

стр. 91

٥- وفي كتب الأنبياء التي أخرج الناس ما فيها من ذكر النبي ﷺ ذكروا أن في التابوت الذي كان عند المقوقس فيه صور الأنبياء صورة أبي بكر وعمر مع صورة النبي ﷺ ، وأنه بهما يقوم أمره (١) . طرق أخرى لمن لا يعرف الأسانيد ١- التواتر: بأنه لم يطلب الخلافة، لا برغبة، ولا برهبة . كثير من الخاصة فضلاً عن العامة يتعذر عليه معرفة التمييز في هذا الباب وغيره؛ وإنما يعرف ذلك علماء الحديث. ولكن نذكر طريقًا آخر فنقول: نقدر أن الأخبار المتنازع فيها (٢) لم توجد أو لم يعلم أيها الصحيح، ونترك الاستدلال بها في الطرفين، ونرجع إلى ما هو معلوم من التواتر وما يعلم من المعقول والعادات وما دلت عليه النصوص المتفق عليها؛ فنقول: من المعلوم والمتواتر عند الخاصة والعامة الذي لم يختلف فيه أهل العلم بالمنقولات والسير أن أبا بكر ﵁ لم يطلب الخلافة لا برغبة ولا برهبة، لا بذل فيها ما يرغب الناس به، ولا شهر سيفًا يرهبهم به، ولا كانت له قبيلة ولا أموال تنصره وتقيمه في ذلك، كما جرى من عادة الملوك أن أقاربهم ومواليهم يعاونونهم. ولا طلبها أيضًا بلسانه، ولا قال بايعوني، بل أمر بمبايعة عمر أو أبي عبيدة، ومن تخلف عن بيعته كسعد بن عبادة لم يؤذه (٣) ، ولا أكرهه على المبايعة، ولا منعه حقًا له، ولا حرك عليه ساكنًا. وهذا غاية في عدم إكراه الناس على المبايعة.

стр. 92

والذين بايعوه هم الذين بايعوا النبي ﷺ تحت الشجرة، وهم السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه، وهم أهل الإيمان والهجرة والجهاد. ثم إنه في مدة ولايته قاتل بهم المرتدين والمشركين ولم يقاتل مسلمين؛ بل أعاد الأمر إلى ما كان عليه قبل الردة، وأخذ يزيد الإسلام فتوحًا، وشرع في قتال فارس والروم، ومات والمسلمون محاصرو دمشق. وخرج منها أزيد ما دخل فيها، ولم يستأثر عنهم بشيء، ولا أمر له قرابة. ثم ولى عمر بن الخطاب؛ ففتح الأمصار، وقهر الكفار، وأعز أهل الإيمان، وأذل أهل النفاق والعدوان، ونشر الإسلام والدين وبسط العدل في العالمين، ووضع ديوان الخراج والعطاء لأهل الدين، ومصر الأمصار للمسلمين، وخرج منها أزيد مما دخل فيها، لم يتلوث لهم بمال، ولا ولى أحدًا من أقاربه ولاية، فهذا أمر يعرفه كل أحد. ٢- أن المسلمين اتبعوا الحق في بيعته لا الهوى وهذا من كمالهم فيقال: دواعي المسلمين بعد موت النبي ﷺ كانت متوجهة إلى اتباع الحق، وليس لهم ما يصرفهم عنه وهم قادرون على ذلك، وإذا حصل الداعي إلى الحق وانتفى الصارف مع القدرة وجب الفعل. فعلم أن المسلمين اتبعوا فيما فعلوه الحق، ذلك أنهم خير الأمم، وقد أكمل الله لهم الدين وأتم عليهم النعمة، ولم يكن عند الصديق ﵁ غرض دنيوي يقدمونه لأجله، بل لو فعلوا بموجب الطبع لقدموا عليًا، وكانت الأنصار لو اتبعت الهوى أن تتبع رجلاً من بني هاشم أحب إليها أن تتبع رجلاً من بني تيم، وكذلك عامة قبائل قريش لا

стр. 93

سيما بنو عبد مناف وبنو مخزوم، فإن طاعتهم لمنافي كانت أحب إليهم من طاعة تيمي لو اتبعوا الهوى. ولهذا لما مات رسول الله ﷺ وتولى أبو بكر قيل لأبي قحافة: مات رسول الله ﷺ . فقال: حدث عظيم، فمن تولى بعده؟ قالوا: أبو بكر. قال: أو رضيت بنو عبد مناف وبنو مخزوم؟ قالوا: نعم. قال: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، أو كما قال (١) . ولهذا جاء أبو سفيان إلى علي فقال: أرضيتم أن يكون هذا الأمر في بني تيم؟ فقال: يا أبا سفيان إن أمر الإسلام ليس كأمر الجاهلية، أو كما قال (٢) . فعدولهم عن العباس وعلي وغيرهما إلى أبي بكر دليل على أن القوم وضعوا الحق في نصابه، وأقروه في إهابه، وأتوا الأمر الأرشد من بابه، وأنهم علموا أن الله ورسوله كانا يرضيان تقديم أبي بكر ﵁. فالله هو ولاه شرعًا وقدرًا، وأمر المؤمنين بولايته، وهداهم إلى أن ولوه، من غير أن يكون طلب ذلك لنفسه (٣) .

стр. 94

٣- استخلافه من كمال نبوة محمد ﷺ ورسالته ، ومما يظهر أنه رسول الله حقًا، ليس ملكًا من الملوك، فإن عادة الملوك إيثار أقاربهم والموالاة بالولايات أكثر من غيرهم، وكان ذلك مما يقيمون به ملكهم (١) . فتولية أبي بكر وعمر بعد النبي ﷺ دون عمه العباس وبني عمه علي وعقيل، وربيعة بن الحارث وأبي سفيان وغيرهم، ودون سائر بني عبد مناف، كعثمان بن عفان، وخالد بن سعيد بن العاص، وأبان بن سعيد وغيرهم من بني عبد مناف الذين كانوا أجل قريش قدرًا وأقرب نسبًا إلى النبي ﷺ من أعظم الأدلة على أن محمدًا عبد الله ورسوله، وأنه ليس ملكًا حيث لم يقدم في خلافته أحدًا بقرب نسب منه ولا بشرف بيته؛ بل إنما قدم بالإيمان والتقوى. ودل ذلك على أن محمدًا وأمته من بعده إنما يعبدون الله ويطيعون أمره؛ لا يريدون ما يريد غيرهم من العلو في الأرض، ولا يريدون أيضًا ما أبيح لبعض الأنبياء من الملك؛ فإن الله خير محمدًا بين أن يكون عبدًا رسولاً وبين أن يكون ملكًا نبيًا، فاختار أن يكون عبدًا رسولاً. فإنه لو أقام أحدًا من أهل بيته لكانت شبهة لمن يظن أنه جمع المال لورثته. فلما لم يستخلف أحدًا من أهل بيته ولا خلف لهم مالاً كان هذا ما يبين أنه كان أبعد الناس عن طلب الرياسة والمال، وإن كان ذلك مباحًا، وأنه لم يكن من الملوك الأنبياء بل كان عبد الله ورسوله (٢) .

стр. 95

٤- تفضيل أئمة الإسلام لأبي بكر وعمر، وتقديمهم لهما وقد جاء بعد أولئك في قرون الأمة من يعرف كل أحد ذكاءهم وذكاءهم ممن ليس لهم غرض في تقديم غير الفاضل لا لأجل رياسته ولا مال، وممن هم أعظم الناس نظرًا في العلم وكشف لحقائقه، وهم كلهم متفقون على تفضيل أبي بكر وعمر، فكل من له لسان صدق في الأمة من علمائها وعبادها متفقون على تقديم أبي بكر، وعمر كما قال الشافعي ﵁ فيما نقله عنه البيهقي بإسناده قال: لم يختلف أحد من الصحابة والتابعين في تفضيل أبي بكر وعمر ﵄ على جميع الصحابة. وكذلك لم يختلف علماء الإسلام في ذلك كما هو قول مالك وأصحابه، وأبي حنيفة وأصحابه، وأحمد وأصحابه، وداود وأصحابه، والثوري وأصحابه، والليث وأصحابه، والأوزاعي وأصحابه، وإسحاق وأصحابه، وابن جرير وأصحابه، وأبي ثور وأصحابه. وكما هو قول سائر العلماء المشهورين إلا من لا يؤبه له ولا يلتفت إليه ... ومالك يحكي الإجماع عمن لقيه أنهم لم يختلفوا في تقديم أبي بكر، وعمر ... حتى كان الثوري يقول: من قدم عليًا على أبي بكر ما أرى أن يصعد له إلى الله عمل. رواه أبو داود في سننه (١) . وحماد بن زيد، وحماد بن سلمة، وسعيد بن أبي عروبة، وأمثالهم من علماء البصرة، وسعيد بن عبد العزيز وغيره من علماء الشام، وعمرو بن الحارث، وابن وهب وغيرهم من علماء مصر. ومثل

стр. 96

عبد الله بن المبارك ووكيع بن الجراح وعبد الرحمن بن مهدي، وأبي يوسف، ومحمد بن الحسن، وإسحاق بن إبراهيم، وأبي عبيد. ومثل البخاري، وأبي داود، وإبراهيم الحربي، ومثل الفضيل بن عياض وأبي سليمان الدايراني، ومعروف الكرخي، والسري السقطي، والجنيد، وسهل بن عبد الله التستري، ومن لا يحصي عددهم إلا الله ممن له في الإسلام لسان صدق، كلهم يجزمون بتقديم أبي بكر، وعمر، كما يجزمون بإمامتهما، مع فرط اجتهادهم في متابعة النبي ﷺ وموالاته. فهل يوجب هذا إلا ما علموه من تقديمه هو لأبي بكر وعمر وتفضيله لهما بالمحبة والثناء والمشاورة وغير ذلك من أسباب التفضيل، ولما سئل الرشيد مالك بن أنس عن منزلتهما من النبي ﷺ قال: منزلتهما منه في حياته كمنزلتهما منه في مماته، فقال: شفيتني يا مالك، شفيتني يا مالك (١) (٢) . ٥- وأعداء النبي يعلمون أفضلية أبي بكر، وعمر ويخشونهما تقديم النبي ﷺ وتفضيله له وتخصيصه بالتعظيم قد ظهر للخاص والعام - حتى أعداء النبي ﷺ من المشركين وأهل الكتاب والمنافقين يعلمون أن لأبي بكر من الاختصاص ما ليس لغيره ويخافونه، فقد ثبت في الصحاح والمسانيد والسنن والمغازي واتفق عليه الناس: أنه لما كان يوم أحد وانهزم المسلمون صعد أبو سفيان إلى الجبل فقال: أفي القوم محمد؟ فقال النبي ﷺ : لا تجيبوه. فقال: أفي القوم ابن أبي قحافة؟

стр. 97

فقال النبي ﷺ : لا تجيبوه. فقال: أفي القوم ابن الخطاب؟ فقال النبي ﷺ : لا تجيبوه. فقال لأصحابه: أما هؤلاء فقد كفيتموهم. فلم يملك عمر ﵁ نفسه أن قال: كذبت يا عدو الله، إن الذين ذكرت لأحياء، وقد بقي لك ما يسوءك (١) (٢) . فهذا مقدم الكفار إذ ذاك لم يسأل إلا عن النبي ﷺ وأبي بكر وعمر لعلمه وعلم الخاص والعام أن هؤلاء الثلاثة هم رءوس هذا الأمر، وأن قيامه بهم. ودل ذلك على أنه كان ظاهرًا عند الكفار أن هذين وزيراه وبهما تمام أمره، وأنهما أخص الناس به، وأن لهما من السعي في إظهار الإسلام ما ليس لغيرهما. وهذا أمر معلوم للكافر فضلاً عن المسلمين. حتى إني أعلم طائفة من حذاق المنافقين ممن يقول: إن النبي ﷺ كان رجلاً عاقلاً أقام الرياسة بعقله وحذقه - يقولون إن أبا بكر كان مباطنًا له على ذلك يعلم أسراره؛ بخلاف عمر، وعثمان وعلي. فقد ظهر لعامة الخلائق أن أبا بكر ﵁ أخص الناس بمحمد ﷺ ، فهذا النبي وهذا صديقه. فإذا كان محمد أفضل النبيين فصديقه أفضل الصديقين. فكثرة الاختصاص والصحبة مع كمال المودة والإسلام والمحبة والمشاركة في العلم تقتضي أنهما أحق بالخلافة من غيرهما (٣) .

стр. 98

والصحيح من الأحاديث لا يدل على أفضلية علي، ولا عصمته، ولا أحقيته بالخلافة بعد النبي ﷺ ١- حديث الغدير: لفظ الحديث الذي في صحيح مسلم، عن زيد بن أرقم، قال: «قام فينا رسول الله ﷺ خطيبًا بماء يدعى خما (١) بين مكة والمدينة. فقال: أما بعد أيها الناس إنما أنا بشر يوشك أن يأتيني رسول ربي فأجيب ربي، وإني تارك فيكم ثقلين (٢) أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به، فحث على كتاب الله ورغب فيه. ثم قال وأهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي» (٣) هذا اللفظ يدل على أن الذي أمرنا بالتمسك به وجعل المستمسك به لا يضل هو كتاب الله. وهكذا جاء في غير هذا الحديث كما في صحيح مسلم عن جابر في حجة الوداع لما خطب يوم عرفة وقال: «وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب الله» (٤) . وتذكر الأمة لهم يقتضي أن يذكروا ما تقدم الأمر به قبل ذلك: من إعطائهم حقوقهم، والامتناع عن ظلمهم. وهذا أمر قد تقدم بيانه قبل غدير خم. فعلم أنه لم يكن في غدير خم أمر بشرع نزل إذ ذاك لا في حق علي ولا في حق غيره، لا بإمامة ولا بغيرها. وهذا الحديث مما انفرد به مسلم، ولم يروه البخاري.

стр. 99

وقد رواه الترمذي وزاد فيه «وأنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض» وقد سئل عنه الإمام أحمد بن حنبل فضعفه، وضعفه غير واحد من أهل العلم وقالوا: لا يصح. والذين اعتقدوا صحة هذه الزيادة قالوا: إنما يدل على أن مجموع العترة الذين هم بنو هاشم لا يتفقون على ضلالة. والعترة لم تجتمع على إمامته (١) ولا أفضليته؛ بل أئمة العترة كابن عباس وغيره يقدمون أبا بكر، وعمر. والنقل الثابت عن جميع علماء أهل البيت من بني هاشم من التابعين وتابعيهم من ولد الحسين بن علي وولد الحسن وغيرهما أنهم كانوا يتولون أبا بكر وعمر وكانوا يفضلونهما على علي. وقد صنف الدارقطني كتاب «ثناء الصحابة على القرابة، وثناء القرابة على الصحابة» وأهل السنة لا ينازعون في كمال علي، وأنه في الدرجة العليا من الكمال، وإنما النزاع في كونه أكمل من الثلاثة وأحق بالخلافة منهم (٢) . ٢- حديث المباهلة: رواه مسلم، عن سعد بن أبي وقاص، قال في حديث طويل ولما نزلت هذه الآية: ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ

стр. 100

وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ﴾ (١) دعا رسول الله ﷺ عليًا، وفاطمة، وحسنًا، وحسينًا، فقال: اللهم هؤلاء أهلي» (٢) . ولكن لا دلالة فيه على الإمام ولا على الأفضلية فقد شرك عليًا فيه فاطمة، والحسن، والحسين، فعلم أن ذلك لا يختص بالرجال ولا بالذكور ولا بالأئمة، بل شركه فيه المرأة والصبي؛ فإن الحسن والحسين كانا صغيرين وقت المباهلة. وإنما دعا هؤلاء لأنه أمر أن يدعو كل واحد الأقربين والأبناء والنساء والأنفس، فدعا الواحد من أولئك أبناءه ونساءه وأخص الرجال به نسبًا، وهؤلاء أقرب إلى النبي نسبًا، وإن كان غيرهم أفضل منهم عنده، فلم يؤمر أن يدعو أفضل أتباعه؛ لأن المقصود أن يدعو كل واحد منهم أخص الناس به لما في جبلة الإنسان من الخوف عليه وعلى ذي رحمه الأقربين إليه. وقوله ﴿وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ﴾ أي رجالنا ورجالكم، أي الرجال الذين هم من جنسنا في الدين والنسب، والرجال الذين هم من جنسكم. والمراد التجانس في القرابة فقط، وكون علي تعين للمباهلة؛ إذ ليس في الأقارب من يقوم مقامه (٣) لا يوجب أن يكون مساويًا للنبي ﷺ في شيء من الأشياء، بل لا يكون أفضل من سائر الصحابة مطلقًا؛ بل له بالمباهلة نوع فضيلة، وهي مشتركة بينه وبين فاطمة، وحسن وحسين (٤) .

стр. 101

٣- حديث الكساء: روى مسلم عن عائشة ﵂ قالت: «خرج رسول الله ﷺ غداة وعليه مرط مرحل من شعر أسود، فجاء الحسن بن علي فأدخله، ثم جاء الحسين فأدخله، ثم جاءت فاطمة فأدخلها، ثم جاء علي فأدخله ثم قال: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ (١) . ولكن ليس في هذا دلالة على عصمتهم ولا إمامتهم. وتحقيق ذلك في مقامين. أحدهما: أن قوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ كقوله: ﴿مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ (٢) كقوله: ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (٣) كقوله: ﴿يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ الآيتين (٤) . فإرادة الله في هذه الآيات متضمنة لمحبة الله لذلك المراد ورضاه به، وأنه شرعه للمؤمنين وأمرهم به، ليس في ذلك أنه خلق هذا المراد، ولا أنه قضاه وقدره، ولا أنه يكون لا محالة. والدليل على ذلك أن النبي ﷺ بعد نزول هذه الآية قال: «اللهم إن هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرًا» وهذا دليل على أنه لم يخبر بوقوع ذلك، فإنه لو كان وقع لكان يثني على الله بوقوعه ويشكره على ذلك؛ لا يقتصر على مجرد الدعاء (٥) .

стр. 102

ومما يبين ذلك أن أزواج النبي ﷺ مذكورات في الآية والكلام في الأمر بالتطهير بإيجابه ووعد الثواب على فعله والعقاب على تركه، قال تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ (١) فالخطاب كله لأزواج النبي ومعهن الأمر والنهي والوعد والوعيد؛ لكن لما تبين ما في هذا من المنفعة التي تعمهن وتعم غيرهن من أهل البيت جاء التطهير بهذا الخطاب وغيره، ليس مختصًا بأزواجه؛ بل هو متناول لأهل البيت كلهم، وعلي، وفاطمة، والحسن، والحسين أخص من غيرهم بذلك؛ ولذلك خصهم النبي ﷺ بالدعاء لهم. المقام الثاني: أن نقول: هب أن القرآن دل على طهارتهم وعلى إذهاب الرجس عنهم؛ لكن ليس في ذلك ما يدل على العصمة من الخطأ، والدليل عليه أن الله لم يرد بما أمر به أزواج النبي ﷺ ألا يصدر من واحدة منهن خطأ، فإن الخطأ مغفور لهن ولغيرهن، والتطهير من الذنب: إما بألا يفعله العبد، وإما بأن يتوب منه كما قال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ (٢) فدعاء النبي ﷺ بأن يطهرهم تطهيرًا كدعائه بأن يزكيهم ويطيبهم ويجعلهم متقين ونحو ذلك. ومعلوم أن من استقر أمره على ذلك فهو داخل في هذا لا تكون الطهارة التي دعا بها لهم بأعظم مما دعا به لنفسه. وقد قال: «اللهم طهرني من خطاياي بالثلج والبرد والماء البارد» (٣) ، فمن وقع ذنبه

стр. 103

مغفورًا أو مكفرًا فقد طهره الله منه تطهيرًا. ولكن من مات متوسخًا بذنوبه فإنه لم يطهر منها في حياته. وبالجملة: فالتطهير الذي أراده الله والذي دعا به النبي ﷺ ليس هو العصمة. وقال الشيخ في موضع آخر: والله لم يخبر أنه طهر جميع أهل البيت وأذهب عنهم الرجس؛ فإن هذا كذب على الله. كيف ونحن نعلم أن من بني هاشم من ليس بمطهر. ولأنه قال: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ وقد تقدم أن هذا مثل قوله: ﴿مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ ونحو ذلك مما فيه بيان أن الله يحب ذلك لكم ويرضاه لكم ويأمركم به، فمن فعله حصل له هذا المراد المحبوب، ومن لم يفعله لم يحصل له ذلك (١) . ٤- حديث: «أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى» : روى البخاري بسنده، عن مصعب بن سعد، عن أبيه، أن رسول الله ﷺ خرج إلى تبوك، واستخلف عليًا، فقال: أتخلفني في النساء والصبيان؟ قال: ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه ليس نبي بعدي، والحديث ثابت في الصحيحين (٢) ، لكن لا يدل على الخلافة بعد الموت. ١- لم يكن هذا الاستخلاف كاستخلاف هارون؛ لأن العسكر كان مع هارون، وإنما ذهب موسى وحده، وأما استخلاف النبي ﷺ فجميع العسكر كان معه، ولم يتخلف بالمدينة غير النساء والصبيان إلا

стр. 104

معذور أو عاص، فهو إنما خص عليًا لما توهم من وهن الاستخلاف ونقص درجته، ومن استخلفه سوى علي لما لم يتوهموا أن في الاستخلاف نقصًا لم يحتج أن يخبرهم بمثل هذا الكلام. ٢- أن هذا كما شبه أبا بكر بإبراهيم وعيسى، وشبه عمر بنوح وموسى من الشدة في الله واللين في الله - لم يمتنع أن يكون في أمته من يشبه إبراهيم وعيسى ونوح، وموسى - فالاختصاص بالكمال لا يمنع المشاركة في أصل التشبيه، وهؤلاء الأربعة أفضل من هارون، وكل من أبي بكر وعمر شبهه باثنين لا بواحد، فكان هذا التشبيه أعظم من تشبيه علي. وكذلك هنا إنما هو بمنزلة هارون فيما دل عليه السياق وهو استخلافه في مغيبه كما استخلف موسى هارون. ٣- أنه لو كان بمنزلة هارون مطلقًا لم يستخلف عليه أحدًا، وقد كان يستخلف على المدينة غيره وهو فيها، كما استخلف على المدينة عام خيبر غير علي وكان علي بها أرمد. ٤- أن الاستخلاف في الحياة نوع نيابة لا بد منه لكل ولي أمر، وليس كل من يصلح للاستخلاف في الحياة على بعض الأمة يصلح أن يستخلف بعد الموت. ٥- أن ذلك عام تبوك، ثم بعد رجوع النبي ﷺ بعث أبا بكر أميرًا على الموسم، وأردفه بعلي. فقال: أمير، أم مأمور (١) ؟ فكان أبو بكر أميرًا عليه، وعلي ومن معه كالمأمور مع أميره يصلي خلفه وينادي مع الناس بالموسم أن لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت

стр. 105

عريان. وإنما أردفه به لينبذ العهد إلى العرب، فإنه كان من عاداتهم ألا يعقد العقود وينبذها إلا السيد المطاع أو رجل من أهل بيته. ٦- أنه لو أراد أن يكون خليفة على أمته بعده لم يكن هذا خطابًا بينهما يناجيه به، ولا كان أخره حتى يجيء علي ويشتكي. وبالجملة فالاستخلافات على المدينة ليست من خصائصه، ولا تدل على الأفضلية، ولا على الإمامة؛ بل قد استخلف عددًا غيره (١) . ٥- حديث: «أقضاكم علي» : لم يروه أحد من أهل الكتب الستة ولا أهل المسانيد المشهورة لا أحمد ولا غيره بإسناد صحيح ولا ضعيف. ولكن قال عمر ﵁: أُبي أقرأنا، وعلي أقضانا (٢) . وهذا قاله بعد موت أُبي. والحديث الذي فيه ذكر علي مع ضعفه فيه أن معاذ بن جبل أعلم بالحلال والحرام، وزيد بن ثابت أعلم بالفرائض، فلو قدر صحة هذا الحديث لكان الأعلم بالحلال والحرام أوسع علمًا من الأعلم بالقضاء ... وقول عمر: علي أقضانا. إنما هو في فصل الخصومات في الظاهر مع جواز أن يكون في الباطن بخلافه ... وعلم الحلال والحرام يتناول الباطن والظاهر (٣) . الأحاديث المكذوبة منها ١- تصدق علي بالخاتم في الصلاة. وأن آية ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ﴾ نزلت فيه:

стр. 106

حديث تصدق علي بالخاتم في الصلاة كذب باتفاق أهل المعرفة (١) . الوجه الثاني عشر: أن هذه الآية: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ إلى قوله ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ (٢) . نزلت في النهي عن موالاة الكفار والأمر بموالاة المؤمنين لما كان بعض المنافقين كعبد الله بن أبي يوالي اليهود ويقول إني أخاف الدوائر، فقال عبادة بن الصامت: إني أتولى الله ورسوله، وأبرأ إلى الله ورسوله من هؤلاء الكفار وموالاتهم. ونقل ابن عباس: أنها نزلت في أبي بكر. والآية عامة في جميع المؤمنين المتصفين بجميع هذه الصفات ولا تختص بواحد بعينه لا أبو بكر ولا عمر، ولا عثمان، ولا علي، ولا غيرهم؛ لكن هؤلاء أحق الأمة بالدخول فيها. الوجه السادس عشر: أن الفرق بين الولاية بالفتح والولاية بالكسر معروف، والولاية ضد العداوة، وهي المذكورة في هذه النصوص؛ ليست هي الولاية بالكسر التي هي الإمارة (٣) . ٢- حديث: «من ناصب عليًا الخلافة فهو كافر» (٤) : هذه الأحاديث مما يعلم بالاضطرار أنها كذب على رسول الله ﷺ ، وأنها مناقضة لدين الإسلام، وأنها تستلزم تكفير علي

стр. 107

وتكفير من خالفه، وأنه لم يقلها من يؤمن بالله واليوم الآخر؛ بل إضافتها إلى رسول الله ﷺ من أعظم القدح والطعن فيه. ٣- حديث: إنه قال لعلي: «أنت مني بمنزلة أخي ووصيي وخليفتي من بعدي وقاضي ديني» : كذب موضوع باتفاق أهل العلم بالحديث، وقد تقدم كلام ابن حزم أن سائر هذه الأحاديث موضوعة، يعلم ذلك من له أدنى علم بالأخبار ونقلها. وقد صدق في ذلك ... لذلك لم يخرجه أحد من أهل الحديث في الكتب التي يحتج بما فيها (١) . ٤- حديث: «إن الله عهد إلي عهدًا في علي، وأنه إمام الهدى، وإمام الأولياء ، وهو الكلمة التي ألزمها للمتقين» : كذب موضوع باتفاق أهل المعرفة بالحديث والعلم. ومجرد رواية صاحب «الحلية» ونحوه لا تفيد ولا تدل على الصحة. والآفة ممن فوقهم ... وقوله في الحديث «هو كلمة التقوى» وتسميته كلمة مما يبين أن هذا كذب؛ فإن تسميته كلمة من جنس تسمية المسيح كلمة الله، والمسيح سمي بذلك لأن مثله عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون، فهو مخلوق بالكلمة. وأما علي فهو مخلوق كما خلق سائر الناس. وكلمة التقوى مثل لا إله إلا الله، والله أكبر (٢) . ٥- حديث النجم: «من أنقض هذا النجم في منزله فهو الوصي من بعدي فطلبوا ذلك النجم فوجدوه في بيت علي بن أبي طالب، فقال

стр. 108

أهل مكة: ضل محمد وغوى وهوى أهل بيته ومال إلى ابن عمه علي بن أبي طالب، فعند ذلك نزلت هذه السورة ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ » : قال أبو الفرج: هذا حديث موضوع لا شك فيه، وما أبرد الذي وضعه، وما أبعد ما ذكر، وفي إسناده ظلمات.... قلت: وقد أجاب الشيخ عنه بثمانية أوجه (١) . ٦- حديث: «أنا مدينة العلم وعلي بابها» : هذا أضعف وأوهى، ولهذا إنما يعد في الموضوعات والمكذوبات وإن كان الترمذي قد رواه، ولهذا ذكره ابن الجوزي في الموضوعات، وبين أن سائر طرقه موضوعة. والكذب يعرف من نفس متنه.. فإن النبي ﷺ إذا كان مدينة العلم ولم يكن لها إلا باب واحد ولم يبلغ عنه العلم إلا واحد فسد أمر الإسلام (٢) ... الإجماع على إمامة أبي بكر مبايعته في السقيفة أجمع الصحابة على أفضلية الصديق، وأنه أحق بالخلافة، وولوه

стр. 109

باختيارهم ورضاهم من غير أن يضرب أحدًا منهم بسيف ولا عصى، ولا أعطى أحدًا ممن ولاه مالاً. وقال عمر ﵁ بمحضر المهاجرين والأنصار: «أنت خيرنا وسيدنا وأحبنا إلى رسول الله ﷺ » (١) ولم ينكر منهم منكر، ولا قال أحد من الصحابة إن غير أبي بكر من المهاجرين أحق بالخلافة منه. ولهذا قال عمر بن الخطاب في خطبته التي خطبها بمحضر من المهاجرين والأنصار: «ليس فيكم من تقطع إليه الأعناق مثل أبي بكر» رواه البخاري ومسلم (٢) . وبايعه من حضر من المهاجرين والأنصار في سقيفة بني ساعدة فروى البخاري عن ابن عباس ﵄ في خطبة عمر ﵁ التي خطب بها مرجعه من الحج في آخر عمره، وفيها قوله: «ثم إنه بلغني أن قائلاً منكم يقول: والله لو مات عمر بايعت فلانًا، فلا يغترن امرؤ أن يقول: إنما كانت بيعة أبي بكر فلتة وتمت، ألا وإنما كانت كذلك ولكن الله وقى شرها، وليس منكم من تقطع الأعناق إليه مثل أبي بكر، من بايع رجلاً من غير مشورة المسلمين فلا يبايع هو ولا الذي بايعه تغرة أن يقتلا» (٣) . وأنه كان من خبرنا حين توفى الله نبيه ﷺ أن الأنصار خالفونا واجتمعوا بأسرهم في سقيفة بني ساعدة، وخالف عنا علي والزبير ومن معهما، واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر، فقلت لأبي بكر: يا أبا بكر انطلق بنا إلى

стр. 110

إخواننا هؤلاء من الأنصار، فانطلقنا نريدهم، فلما دنونا منهم لقينا رجلان منهم صالحان فذكرا ما تمالا عليه القوم، فقالا: أين تريدان يا معشر المهاجرين؟ فقلنا: نريد إخواننا هؤلاء من الأنصار. فقالا: لا عليكم أن تقربوهم اقضوا أمركم. فقلت: والله لنأتينهم، فانطلقنا حتى أتيناهم في سقيفة بني ساعدة فإذا رجل مزمل بين ظهرانيهم. فقلت: من هذا؟ قالوا: سعد بن عبادة. فقلت: ما له؟ قالوا: يوعك (١) فلما جلسنا قليلاً تشهد خطيبهم فأثنى على الله بما هو أهله. ثم قال: أما بعد: فنحن أنصار الله وكتيبة الإسلام، وأنتم معاشر المهاجرين رهط، وقد دفت دافة من قومكم (٢) فإذا هم يريدون أن يختزلونا من أصلنا (٣) وأن يحضنونا من الأمر (٤) فلما سكت أردت أن أتكلم، وكنت زورت مقالة أعجبتني (٥) أريد أن أقدمها بين يدي أبي بكر، وكنت أداري منه بعض الحد (٦) فلما أردت أن أتكلم قال أبو بكر: على رسلك، فكرهت أن أغضبه، فتكلم أبو بكر فكان هو أحلم مني وأوقر، والله ما ترك من كلمة أعجبتني في تزويري إلا قال في بديهته مثلها وأفضل منها حتى سكت. فقال: ما ذكرتم فيكم من خير فأنتم له أهل (٧) ولن يعرف هذا
следующие страницы →