أفضَلُ الصَّحَابة، وَأحقّهم بالخِلافة
بَحثُ لخَّصَهُ ورَتَّبَهُ
محمد بن عَبد الرحمن بن محمد بن قاسِم
رَحِمَه الله تَعَالى
من
منهاج السُّنّة النبويّة لشيخ الإسلام ابن تيمية
قدّس اللهُ رُوحَه
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
ال مقدمة
الحمد لله الملك الوهاب، هو أعلم حيث يجعل رسالته ويختار لكل نبي حواريين وأصحاب، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة لا يشوبها شرك ولا ارتياب، وأشهد أن محمدًا عبده ورسله المصطفى، وخليله المجتبى، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه أئمة الهدى، ومصابيح الدجى.
أما بعد فهذا ملخص مرتب موثق بالأدلة من الكتاب والسنة وإجماع الأمة في بيان أفضلية أبي بكر الصديق ﵁، وأحقيته بالخلافة بعد رسول الله ﷺ دفعني إليه ما يلي:
١- امتثال أمر رسول الله ﷺ حيث قال: «أيها الناس اعرفوا لأبي بكر حقه؛ فإنه لم يسؤني قط» (١) .
٢- أن معرفة فضائله من أسباب محبته، وقد قال النبي ﷺ : «المرء مع من أحب» (٢) .
стр. 3
٣- أنه روي عن بعض السلف: أن حب أبي بكر وعمر ومعرفة فضلهما من السنة فروى الإمام أحمد عن مسروق قال: حب أبي بكر وعمر ومعرفة فضلهما من السنة، ومسروق من أجل تابعي أهل الكوفة، وكذا قال شقيق بن عبد الله وهو من التابعين، وقال طاوس: مثل ذلك. وقد روى عن ابن مسعود ﵁، وروي بالسند عن الحسن البصري ﵀: قيل للحسن: حب أبي بكر وعمر من السنة قال: لا ... فريضة.
٤- أن السلف كانوا يعلمون أولادهم حب أبي بكر وعمر كما يعلمونهم السورة من القرآن (١) . وأنا أود أن يكون هذا الكتاب أو مثله في بيت كل مسلم: تكميلاً لمحبتنا وتحصينًا لذريتنا.
٥- أنه يتأكد بيان علم الصحابة ودينهم وفضائلهم وتقديمهم الصديق والفاروق إذا جهل ذلك.
٦- أنه إذا ظهر مبتدع يقدح فيهم بالباطل فلا بد من الذب عنهم وإبطال حجته بعلم وعدل.
٧- أنه قد يتوصل بالطعن فيهم إلى الطعن في الرسول ودين الإسلام، ويسلط الكفار والمنافقين، ويورث الشبهة والضعف عند كثير من المؤمنين، كما قال مالك وغيره من أهل العلم: هؤلاء قوم أرادوا الطعن في رسول الله ﷺ فلم يمكنهم ذلك، فطعنوا في أصحابه؛ ليقول القائل: رجل سوء كان له أصحاب سوء، ولو كان رجلاً صالحًا لكان أصحابه صالحين (٢) .
стр. 4
٨- أن أبا بكر هو أولهم وهو أفضلهم، فإذا ثبتت أفضليته واندفع الطعن فيها انسد باب الطعن في خليفته عمر، وفي جعل عمر الخلافة في الستة الذين توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راضٍ.
٩- أن هذا البحث -فضائل الصديق وأحقيته بالخلافة- مفرق في ثنايا المنهاج لا يحصل عليه كاملاً إلا بمطالعة الكتاب كله وفي ذلك مشقة ويحتاج إلى وقت، لأن ابن تيمية ﵀ لم يؤلف الكتاب في فضائل أبي بكر؛ وإنما ألفه ردًا على الرافضي متمشيًا مع عباراته واعتراضاته.
١٠- أن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ قد اعتمد في ذكر فضائل الصديق وخصائصه على الآيات الكريمات، وصحاح الأحاديث النبوية، والآثار السلفية، ووضح الاستدلال منها؛ ولم يعتمد على كتب التأريخ التي غالبها المراسيل، أو التي يخلط الغث منها بالسمين.
لهذا اخترت هذا الموضوع «أفضلية الصديق وأحقيته بالخلافة» ولخصته من كتابه «منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة
والقدرية» .
١١- لم أتعرض لبعض الفرق التي أشار إليها الشيخ هنا؛ لأن قصدي الأول أن يكون عند المسلم إلمام كامل بأفضلية الصديق وأحقيته بالخلافة بعد رسول الله ﷺ .
١٢- مع أن هذا الملخص في فضائل أبي بكر وميزاته إلا أنه في مواضع يستعرض فضائل الصحابة عمومًا، وينبه على مراتب الخلفاء الثلاثة وغيرهم.
١٣- خرجت الأحاديث التي ذكرها الشيخ ﵀ ولم أتتبع كل من خرجها خصوصًا إذا كانت في الصحيحين أو أحدهما.
стр. 5
١٤- وضعت لهذه الأبحاث عناوينات تقربها، وأرقامًا لبعض الأوجه والأحاديث، وعلقت على بعض ما قد يعتبر من الغريب أو يحتاج إلى زيادة إيضاح.
اعتذار
١- لم أستوف حياة الصديق وسيرته من حين أسلم إلى أن توفي، وإنما اعتنيت بالمهم منها: وهو فضائله، وأحقيته، ونفعه العام للإسلام والمسلمين.
٢- جل ما في هذا الملخص من كتاب المنهاج، كما تقدم، لأن مؤلفه إمام جليل وعباراته سهلة رصينة واضحة، وقد أضفت إليه نقولاً قليلة جدًا، أشرت إليها وإلى مصدرها عند ذكرها.
٣- إذا لم أجد البحث كاملاً إلا في موضعين أو أكثر جمعته، وقد اضطر إلى دمج بعض عبارته في بعض بدون إخلال، وأشير إلى ذلك بذكر المجلد والصحيفة أو المجلدات والصفحات، وقد اعتمدت طبعة مكتبة الرياض الحديثة في الجزئين الأول والثاني، والأميرية في الثالث والرابع (طبع ١٣٢٢هـ) .
٤- قد يكون في النقل تقديم أو تأخير أو من آخر الكتاب قبل ما في أوله لأجل التلخيص والتقريب وترتيب المواضيع والعبارات.
يحسن قبل الشروع في ذكر فضائل الصديق أن أذكر لمحة موجزة -مما في المنهاج- في فضائل الصحابة عمومًا والخلفاء الثلاثة خصوصًا ومراتبهم حتى لا يظن بهم الظنون، أو يظن بنا التحيز أو التنقيص من فضائل بعضهم. والله أسأل أن يجعل عملي خالصًا لوجهه الكريم، وأن ينفع به، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
стр. 6
تم جمعه وترتيبه وتعليقه في عام ثمانية وأربعمائة وألف هجرية بخط جامعه.. محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن قاسم.. وصلى الله على محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
стр. 7
الصحابة والخلفاء الراشدون
وأما الخلفاء الراشدون والصحابة فكل خير فيه المسلمون إلى يوم القيامة من الإيمان والإسلام والقرآن والعلم والمعارف والعبادات ودخول الجنة والنجاة من النار وانتصارهم على الكفار وعلو كلمة الله فإنما هو ببركة ما فعله الصحابة الذين بلغوا الدين وجاهدوا في سبيل الله.
وكل مؤمن آمن بالله فللصحابة ﵃ عليه الفضل إلى يوم القيامة، وخير الصحابة تبع لخير الخلفاء الراشدين، فهم كانوا أقوم بكل خير في الدنيا والدين من سائر الصحابة، كما قال فيهم عبد الله بن مسعود ﵁: من كان مستنًا فليستن بمن قد مات فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة أولئك أصحاب محمد، كانوا والله أفضل هذه الأمة، وأبرها قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلها تكلفًا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه وإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوهم في آثارهم، وتمسكوا بما استطعتم من أخلاقهم ودينهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم، رواه غير واحد منهم ابن بطة عن قتادة (١) .
فقول عبد الله بن مسعود: كلام جامع بين فيه حسن قصدهم
стр. 8
ونياتهم ببر القلوب، وبين فيه كمال المعرفة ودقتها بعمق العلم، وبين فيه تيسر ذلك عليهم وامتناعهم من القول بلا علم بقلة التكلف.
فالصحابة أكمل هذه الأمة عقلاً وعلمًا وفقهًا ودينًا، ولهذا أحسن الشافعي ﵀ في قوله: «هم فوقنا في كل فقه وعلم ودين وهدى، وفي كل سبب ينال به علم وهدى، ورأيهم لنا خير من رأينا لأنفسنا» أو كلامًا هذا معناه.
ومن أراد أن يعرف فضائل الصحابة ومنازلهم عند النبي ﷺ فليتدبر الأحاديث الصحيحة التي صححها أهل العلم بالحديث الذين كلمت خبرتهم بحال النبي ﷺ ، ومحبتهم له، وصدقهم في التبليغ عنه، وصار هواهم تبعًا لما جاء به. فليس لهم غرض إلا في معرفة ما قاله، وتمييز عما يخلط بذلك من كذب الكاذبين، وغلط الغالطين.
وأهل السنة عندهم، أن أهل بدر كلهم في الجنة، وكذلك أمهات المؤمنين عائشة وغيرها، وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير هم سادات أهل الجنة بعد الأنبياء، وكذلك أهل بيعة الرضوان.
وقد أثنى الله عليهم هو ورسوله ورضي عنهم وأعد لهم الحسنى كقوله: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ ﵃﴾ (١) الآية، ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ (٢) ، ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ * وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً
стр. 9
مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (١) .
وقد ثبت في صحيح مسلم عن النبي ﷺ أنه قال: «لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة» (٢) ، وفي الصحيحين «أنه كان بين عبد الرحمن بن عوف وبين خالد بن الوليد كلام، فقال: يا خالد لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه» (٣) . قال ذلك لخالد بالنسبة إلى السابقين الأولين.
وثبت عنه في الصحيح من غير وجه أنه قال: «خير القرون القرن الذي بعثت فيهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» (٤) . وهذه الأحاديث مستفيضة بل متواترة في فضائل الصحابة والثناء عليهم، وتفضيل أولهم على من بعدهم من القرون (٥) .
стр. 10
فضل بعض الخلفاء
على بعض
الخلفاء الأربعة كل منهم له سعي مشكور، وعمل مبرور وآثار صالحة في الإسلام، والله يجزيهم عن الإسلام وأهله خير الجزاء؛ فهم الخلفاء الراشدون والأئمة المهديون. الذين قضوا بالحق وبه كانوا يعدلون.
والله سبحانه كما فضل بعض النبيين على بعض فضل بعض الخلفاء على بعض، فكل منهم له رتبته ودرجته. والصديق أكمل القوم وأسبقهم إلى الخيرات. وهذا أمر لا يشك فيه إلا من كان جاهلاً بحالهم مع رسول الله ﷺ ، أو كان صاحب هوى صده اتباع هواه عن معرفة الحق فصار ينقص بعضهم عن رتبته أو عن درجته أو يفتري عليه في ذلك.
وأهل السنة لا ينازعون في كمال علي وأنه في الدرجة العليا من الكمال، وإنما النزاع في كونه أكمل من الثلاثة وأحق بالخلافة منهم (١) .
стр. 11
أبو بكر الصديق أفضل الصحابة
نسبه
هو عبد الله، بن عثمان، بن عامر، بن كعب، بن سعد، بن تيم، بن مرة، بن كعب، بن لؤي، بن غالب. يجتمع مع النبي ﷺ في مرة بن كعب، كنيته أبو بكر. وعثمان هو اسم أبي قحافة. وأم أبي بكر سلمى. وتكنى أم الخير، بنت صخر بن عامر، ابنة عم أبيه، أسلمت وهاجرت.
ولد أبو بكر بعد الفيل بسنتين وستة أشهر (١) .
عمله
كان أبو بكر تاجرًا: تارة يسافر في تجارته، وتارة لا يسافر. وقد سافر إلى الشام في تجارته في الإسلام. والتجارة كانت أشرف مكاسب قريش، وكان خيار أهل الأموال منهم أهل التجارة، وكانت العرب تعرفهم بالتجارة، ولما ولي أراد أن يتجر لعياله فمنعه المسلمون، وقالوا: هذا يشغلك عن مصالح المسلمين (٢) وفرضوا له درهمين كل يوم (٣) .
стр. 12
منزلته قبل الإسلام
كان معظمًا في قريش، محببًا، مؤلفًا، خبيرًا بأنساب العرب وأيامهم (١) ، وكانوا يألفونه لمقاصد التجارة ولعلمه وإحسانه، وفي صحيح البخاري عن عائشة ﵂ قالت: «لما ابتلي المسلمون خرج أبو بكر مهاجرًا نحو أرض الحبشة حتى بلغ برك الغماد (٢) لقيه ابن الدغنة (٣) أمير من أمراء العرب سيد القارة (٤) فقال: أين تريد يا أبا بكر؟ فقال أبو بكر: أخرجني قومي فأريد أن أسيح في الأرض وأعبد ربي» .
قال ابن الدغنة: فإن مثلك لا يَخْرُج ولا يُخْرَج، إنك تكسب المعدوم، وتصل الرحم، وتحمل الكل، وتعين على نوائب الحق، فأنا لك جار، فارجع واعبد ربك ببلدك، فرجع وارتحل معه ابن الدغنة، فطاف ابن الدغنة عشية في أشراف قريش، وقال لهم: «إن أبا بكر لا يخرج مثله ولا يخرج، أتخرجون رجلاً يكسب المعدوم، ويصل الرحم، ويحمل الكل، ويقري الضيف، ويعين على نوائب الحق؟» الحديث (٥) . ويأتي بتمامه.
стр. 13
فقد وصفه ابن الدغنة بحضرة أشراف قريش بمثل ما وصفت به خديجة النبي ﷺ لما نزل عليه الوحي.
ولم يعلم أحد من قريش عاب أبا بكر بعيب ولا نقصه ولا استرذله كما كانوا يفعلون بضعفاء المؤمنين. ولم يكن له عندهم عيب إلا الإيمان بالله ورسوله (١) .
وصفه بالصديق
ثبت له هذا الاسم بالدلائل الكثيرة، وبالتواتر الضروري عند الخاص والعام، ووصفه به النبي ﷺ في الحديث الذي في الصحيحين عن أنس بن مالك ﵁ قال: صعد رسول الله ﷺ أحدًا (٢) ومعه أبو بكر وعمر وعثمان فرجف بهم (٣) فقال: اثبت أحد فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان» (٤) .
стр. 14
وفي الترمذي عن عائشة ﵂ قالت: «يا رسول الله ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ » (١) أهو الرجل يزني ويسرق ويشرب الخمر ويخالف؟ قال: «لا يا ابنة الصديق، ولكنه الرجل يصوم ويتصدق ويخاف ألا يقبل منه» (٢)(٣) .
الصديق أبلغ من الصادق
الوصف بالصديق أكمل من الوصف بالصادق، فكل صديق صادق، وليس كل صادق صديقًا. وأبو بكر ليست فضيلته في مجرد كونه صادقًا ليس غيره أكثر تحريًا للصدق منه؛ بل في أنه علم ما أخبر به النبي ﷺ جملة وتفصيلاً، وصدق ذلك تصديقًا كاملاً في العلم والقصد والقول والعمل.
стр. 15
وهذا القدر لم يحصل لأبي ذر (١) ولا غيره؛ لأنه لم يعلم ما أخبر به الرسول ﷺ كما علمه أبو بكر، ولا حصل له من التصديق المفصل ما حصل لأبي بكر، ولا حصل له من التصديق المفصل ما حصل لأبي بكر، فإن أبا بكر أعرف منه، وأعظم حبًا لله ورسوله منه، وأعظم نصرًا لله ولرسوله منه، وأعظم جهادًا بنفسه وماله منه، إلى غير ذلك من الصفات التي هي كمال الصديقية.
وأفضل الخلق بعد الأنبياء الصديقون (٢) ومن كان أكمل في ذلك فهو أفضل (٣) .
أبو بكر أسبق الصحابة إلى الخيرات
هو أول من أسلم
أول من آمن بالرسول باتفاق أهل الأرض أربعة: أول من آمن به من الرجال أبو بكر، ومن النساء خديجة، ومن الصبيان علي، ومن الموالي زيد بن حارثة. وفي صحيح البخاري عن أبي الدرداء ﵁ قال: «كنت جالسًا عند النبي ﷺ إذ أقبل أبو بكر آخذًا بطرف ثوبه حتى أبدى عن ركبته، فقال النبي ﷺ : أما صاحبكم فقد غامر (٤)
стр. 16
فسلم، وقال: يا رسول الله إنه كان بيني وبين ابن الخطاب شيء فأسرعت إليه ثم ندمت، فسألته أن يغفر لي فأبى علي، فأقبلت إليك. فقال: يغفر الله لك يا أبا بكر ثلاثًا. ثم إن عمر ندم فأتى منزل أبي بكر فسأل: أثم أبو بكر؟ قالوا: لا. فأتى النبي ﷺ فسلم عليه فجعل وجه رسول الله ﷺ يتمعر (١) حتى أشفق أبو بكر (٢) فجثى على ركبتيه فقال يا رسول الله: والله إنا كنت أظلم مرتين (٣) فقال النبي ﷺ : «إن الله بعثني إليكم فقلتم: كذبت، وقال أبو بكر: صدق، وواساني بنفسه وماله (٤) فهل أنتم تاركو لي صاحبي مرتين. فما أوذي بعدها» (٥) .
وفي رواية: «كانت بين أبي بكر وعمر محاورة (٦) فأغضبه أبو بكر، فانصرف عنه عمر مغضبًا، فاتبعه أبو بكر يسأله أن يستغفر له فلم يفعل، حتى أغلق بابه في وجهه. قال: وغضب النبي ﷺ » وفيه «إني قلت: يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعًا، فقلتم: كذبت، وقال أبو بكر: صدقت» (٧) .
فهذا يبين فيه أنه لم يكذبه قط، وأنه صدقه حين كذبه الناس طرًا، وهذا ظاهر في أنه صدقه قبل أن يصدقه أحد من الناس الذين بلغهم الرسالة.
стр. 17
والناس متنازعون في أول من أسلم فقيل: أبو بكر أول من أسلم، فهو أسبق إسلامًا من علي، وقيل: إن عليًا أسلم قبله، لكن علي كان صغيرًا، وإسلام الصبي فيه نزاع بين العلماء.
ولا نزاع في أن إسلام أبي بكر أكمل وأنفع؛ فيكون هو أكمل سبقًا بالاتفاق، وأسبق على الإطلاق على القول الآخر.
وقال الشيخ في موضع آخر: وأما خديجة وعلي وزيد فهؤلاء كانوا من عيال النبي ﷺ وفي بيته. وخديجة عرض عليها أمره لما فاجأه الوحي وصدقته ابتداء قبل أن يؤمر بالتبليغ، وذلك قبل أن يجب الإيمان به، فإنه إنما يجب إذا بلغ الرسالة.
وعلي يمكن أنه آمن به لما سمعه يخبر خديجة وإن كان علي لم يبلغه. وقوله في حديث عمرو بن عبسة: «قلت يا رسول الله: من معك على هذا الأمر؟ قال: حر وعبد، ومعه يومئذ أبو بكر وبلال ممن آمن به» (١) موافق لهذا. أي: اتبعه من المكلفين المدعوين (٢) .
وأول من أوذي في الله
أول من أوذي في الله بعد الرسول ﷺ أبو بكر -آذاه الكفار على إيمانه حتى خرج من مكة مهاجرًا إلى أرض الحبشة- روى البخاري في صحيحه عن عائشة ﵂ قالت: «لم أعقل أبوي إلا وهما يدينان الدين، ولم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله ﷺ
стр. 18
طرفي النهار بكرة وعشية (١) » فلما ابتلي المسلمون خرج أبو بكر مهاجرًا نحو أرض الحبشة حتى بلغ برك الغماد لقيه ابن الدغنة وهو سيد القارة، فقال: أين تريد يا أبا بكر؟ فقال أبو بكر: أخرجني قومي، فأريد أن أسيح في الأرض وأعبد ربي. قال ابن الدغنة: فإن مثلك لا يَخْرُج ولا يُخْرَج، إنك تكسب المعدوم، وتصل الرحم، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق، فأنا لك جار، ارجع واعبد ربك ببلدك، فرجع، وارتحل معه ابن الدغنة فطاف ابن الدغنة عشية في أشراف قريش، فقال لهم: إن أبا بكر لا يخرج مثله ولا يخرج، أتخرجون رجلاً يكسب المعدوم، ويصل الرحم، ويحمل الكل، ويقري الضيف، ويعين على نوائب الحق. فلم تكذب قريش بجوار ابن الدغنة، وقالوا لابن الدغنة: مر أما بكر فليعبد ربه في داره، فليصل فيها، وليقرأ ما شاء، ولا يؤذينا بذلك، ولا يستعلن به؛ فإنا نخشى أن يفتن نساءنا وأبنائنا. فقال ذلك ابن الدغنة لأبي بكر، فلبث أبو بكر بذلك يعبد ربه في داره ولا يستعلن بصلاته ولا يقرأ في غير داره. ثم بدأ لأبي بكر فابتنى مسجدًا بفناء داره، وكان يصلي فيه ويقرأ القرآن، فينقذف عليه نساء المشركين وأبناؤهم وهم يعجبون منه وينظرون إليه. وكان أبو بكر رجلاً بكاءً لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن، فأفزع ذلك أشراف قريش من المشركين، فأرسلوا إلى ابن الدغنة فقدم عليهم، فقالوا: إنا كنا أجرنا أبا بكر بجوارك على أن يعبد ربه في داره، فقد تجاوز ذلك فابتنى مسجدًا بفناء داره فأعلن بالصلاة والقراءة فيه،
стр. 19
وإنا قد خشينا أن يفتن نساءنا وأبناءنا، فانهه، فإن أحب أن يقتصر على أن يعبد ربه في داره فعل، وإن أبى إلا أن يعلن بذلك فسله أن يرد عليك ذمتك، فإنا قد كرهنا أن نخفرك، ولسنا مقرين لأبي بكر الاستعلان. قالت عائشة: فأتى ابن الدغنة إلى أبي بكر فقال: قد علمت الذي عاقدت لك عليه فإما أن تقتصر على ذلك وإما أن ترجع إلي ذمتي، فإني لا أحب أن تسمع العرب أني أخفرت في رجل عقدت له. فقال أبو بكر: فإني أرد إليك جوارك، وأرضى بجوار الله . الحديث (١) .
ولما هاجر رسول الله ﷺ وأبو بكر جعلوا في كل واحد منهما ديته لمن قتله أو أسره (٢) .
وحثوا التراب على رأس أبي بكر، قال ابن إسحاق: حدثني عبد الرحمن بن القاسم بن محمد، قال: لقي أبا بكر سفيه من سفهاء قريش حين خرج من جوار ابن الدغنة وهو عامد إلى الكعبة فحثا على رأسه ترابًا، فمر بأبي بكر الوليد بن المغيرة أو العاص بن وائل، فقال له أبو بكر: ألا ترى ما يصنع هذا السفيه؟ فقال: أنت فعلت ذلك بنفسك. وهو يقول: أي رب ما أحلمك، أي رب ما أحلمك، أي رب ما أحلمك (٣) .
стр. 20
وأول من دافع عن رسول الله ﷺ
لما أراد المشركون أن يضربوا رسول الله ﷺ أو يقتلوه بمكة دافع عنه الصديق فضربوه، عن عروة بن الزبير قال سألت عبد الله بن عمرو عن أشد ما صنع المشركون برسول الله ﷺ ، قال: رأيت عقبة بن أبي معيط جاء إلى النبي ﷺ وهو يصلي فوضع رداءه في عنقه فخنقه خنقًا شديدًا، فجاء أبو بكر حتى دفعه عنه فقال: أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم (١) وفي حديث أسماء: فأتى الصريخ إلى أبي بكر، فقال: أدرك صاحبك. قالت: فخرج من عندنا وله غدائر أربع وهو يقول: ويلكم أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله. فلهوا عنه وأقبلوا على أبي بكر، فرجع إلينا أبو بكر فجعل لا يمس شيئًا من غدائره إلا رجع معه (٢)(٣) .
стр. 21
وأول من دعا إلى الله
أبو بكر أول من دعا إلى الله، وكان له قدر عند قريش لما فيه من المحاسن، فجعل يدعو الناس إلى الإسلام من وثق به، فأسلم على يديه أكابر أهل الشورى: عثمان، وطلحة، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو عبيدة، وهذا أفضل عمل. وكان يخرج مع النبي ﷺ يدعو معه الكفار إلى الإسلام في المواسم ويعاونه معاونة عظيمة في الدعوة، بخلاف غيره. كان يجاهد الكفار مع الرسول ﷺ قبل الأمر بالقتال بالحجة والبيان والدعوة، كما قال تعالى: ﴿فَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ وهذه السورة -سورة الفرقان- مكية نزلت قبل أن يهاجر النبي ﷺ وقبل أن يؤمر بالقتال. فكان أبو بكر أسبق الناس وأكملهم في أنواع الجهاد بالنفس والمال، فإنه جاهد قبل الأمر بالقتال وبعد الأمر بالقتال، منتصبًا للدعوة إلى الإيمان بمكة والمدينة يدعو المشركين ويناظرهم، ولهذا قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: «إن أمن الناس علي في صحبته وذات يده أبو بكر» (١) فالصحبة بالنفس، وذات اليد هو المال. فأخبر النبي ﷺ أنه أمن الناس عليه في النفس، والمال (٢) .
стр. 22
وأول من بذل ماله لنصرة الإسلام
روى الإمام أحمد، عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «ما نفعني مال قط ما نفعني مال أبي بكر. فبكى أبو بكر، وقال: وهل أنا ومالي إلا لك يا رسول الله» (١) وهذا صريح في اختصاصه بهذه الفضيلة لم يشركه فيها علي ولا غيره.
«وكان يقضي في مال أبي بكر كما يقضي في مال نفسه» (٢) .
وإنفاق أبي بكر لم يكن نفقة على النبي ﷺ في طعامه وكسوته فإن الله أغنى نبيه عن مال الخلق أجمعين؛ بل كان معونة له على إقامة الإيمان. وكان إنفاقه في أول الإسلام لتخليص من آمن والكفار يؤذونه أو يريدون قتله مثل اشترائه سبعة كانوا يعذبون في الله، منهم بلال، حتى قال عمر ﵁: أبو بكر سيدنا وأعتق سيدنا يعني بلالاً (٣) ، وإنفاقه على المحتاجين من أهل الإيمان في نصر الإسلام حيث كان أهل الأرض قاطبة أعداء الإسلام، وتلك النفقة ما بقي يمكن مثلها، ولهذا قال النبي ﷺ في الحديث المتفق على صحته -لما كان بين عبد الرحمن بن عوف وبين خالد بن الوليد كلام-: «لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو انفق أحدكم مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد
стр. 23
أحدهم ولا نصيفه» (١) . فإن إطعام الجائع من جنس الصدقة المطلقة التي يمكن كل واحد فعلها إلى يوم القيامة. وقال يعقوب بن سليمان في تأريخه: حدثنا الحميدي، قال: حدثنا سفيان، حدثنا هشام عن أبيه: أسلم أبو بكر وله أربعون ألف درهم، فأنفقها في سبيل الله؛ أعتق بلالاً، وعامر بن فهيرة، وزنيرة، والنهدية، وابنتها، وجارية بني المؤمل، وأم عبيس (٢) . وقال أبو قحافة له: يا بني أراك تعتق رقابًا ضعافًا، فلو اعتقت قومًا يمنعونك. فقال: إني أريد ما أريد (٣) .
ولما هاجر استصحب ماله فجاء أبو قحافة، وقال لأهله: ذهب أبو بكر بنفسه فهل ترك ماله عندكم أو أخذه؟ قالت أسماء: فقلت: بل تركه، ووضعت في الكوة شيئًا وقلت هذا هو المال لتطيب نفسه أنه ترك ذلك لعياله، ولم يطلب أبو قحافة منه شيئًا. وهذا يدل على غناه. وأصحاب الصفة كانوا فقراء فحث النبي ﷺ على طعمتهم فذهب بثلاثة، وانطلق نبي الله بعشرة (٤) وكان الصديق ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابة بعيدة، وكان ممن يتكلم في الإفك، فحلف أبو بكر أن لا ينفق عليه، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ﴾ إلى قوله: ﴿وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٥) فقال أبو بكر: بلى والله أحب أن يغفر
стр. 24
الله لي، فأعاد عليه النفقة. والحديث بذلك ثابت في الصحيحين (١)(٢) .
الفضل بالسبق إلى الإنفاق والقتال وهو أسبقهم إليهما
وكل آية نزلت في مدح المنفقين في سبيل الله فهو أول المرادين بها من الأمة، مثل قوله تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا﴾ (٣) فالذين سبقوا إلى الإنفاق والقتال قبل الحديبية أفضل ممن بعدهم. وأبو بكر أفضل من هؤلاء كلهم، فإنه من حين آمن بالرسول ﷺ ينفق ماله ويجاهد بحسب الإمكان.
وليس كل من سبق إلى الإسلام كان أفضل من غيره، ولهذا كان عمر ممن أسلم بعد تسعة وثلاثين وهو أفضل من أكثرهم بالنصوص الصحيحة. وكذلك قوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ (٤)(٥) .
سبقه عمر في الإنفاق
وفي الترمذي وسنن أبي داود عن عمر ﵁ قال: «أمرنا رسول الله ﷺ أن نتصدق فوافق ذلك مني مالاً، فقال النبي ﷺ : ما أبقيت لأهلك؟ فقلت: مثله، وأتى أبو بكر بكل ما عنده، فقال: يا أبا بكر ما أبقيت لأهلك؟ قال: أبقيت لهم الله ورسوله. قلت لا أسابقه
стр. 25
إلى شيء أبدًا» رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن صحيح (١)(٢) .
أبو بكر صاحب النبي ﷺ المطلق
الصحبة، وفضلها، ومقاصدها وتبريزه فيها
الصحبة: اسم جنس تعم قليل الصحبة وكثيرها فيقال: صحبه ساعة، ويومًا، وجمعة، وشهرًا، وسنة، وصحبه عمره كله.
فضل صحبة النبي ﷺ :
ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «يأتي زمان يغزو فئام من الناس، فيقال لهم: هل فيكم من صحب النبي ﷺ ؟» ، وفي لفظ: «هل فيكم من رأى رسول الله ﷺ ؟ فيقولون: نعم، فيفتح لهم، ثم يغزو فئام من الناس فيقال لهم: هل فيكم من صحب من صحب رسول الله ﷺ ؟ فيقولون: نعم، فيفتح لهم، ثم تغزو فئام من الناس فيقال لهم: هل فيكم من رأى من رأى من رأى رسول الله» وفي لفظ: «من صحب من صحب من صحب رسول الله ﷺ ؟ فيقولون: نعم، فيفتح لهم» ، وفي لفظ: «فيذكر الطبقة الرابعة كذلك (٣) . فقد علق النبي ﷺ الحكم بصحبته وعلق برؤيته وجعل فتح الله على المسلمين بسبب من رآه مؤمنًا به. وهذه الخاصية لا تثبت لأحد غير الصحابة ولو
стр. 26
كانت أعمالهم أكثر من أعمال الواحد من أصحابه ﷺ » .
تبريز أبي بكر فيها:
والصديق في ذروة سنام الصحبة وأعلا مراتبها؛ فإنه صحبه من حين بعثه الله إلى أن مات؛ فإنه لو أحصى الزمان الذي كان يجتمع فيه أبو بكر بالنبي ﷺ لوجد ما يختص به أبو بكر أضعاف ما اختص به واحد منهم. وأما المشترك فلا يختص به واحد.
وأما كمال معرفته ومحبته للنبي ﷺ وتصديقه له فهو مبرز في ذلك على سائرهم تبريزًا باينهم فيه مباينة لا تخفى على من كان له معرفة بأحوال القوم. وأما من لا معرفة له فلا تقبل شهادته. وأما نفعه للنبي ﷺ ومعاونته له على الدين فكذلك.
فهذه الأمور التي هي مقاصد الصحبة ومحامدها ويستحق الصحابة أن يفضلوا بها على غيرهم لأبي بكر فيها من الاختصاص بقدرها ونوعها وصفتها وفائدتها ما لا يشركه فيها أحد، ويدل على ذلك حديث أبي الدرداء «وواساني بنفسه وماله» (١) .
صاحبه في سفر الهجرة
دلالة آية ﴿إِلا تَنْصُرُوهُ﴾ على أفضلية من سبعة أوجه
لا ريب أن الفضيلة التي حصلت لأبي بكر في الهجرة لم تحصل لغيره من الصحابة بالكتاب والسنة والإجماع فتكون هذه الأفضلية ثابتة له دون عمر وعثمان وعلي وغيرهم من الصحابة، قال الله تعالى: ﴿إِلا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا
стр. 27
فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا﴾ الآية (١) .
ففي الآية الكريمة من فضائل الصديق:
١- أن الكفار أخرجوه:
الكفار أخرجوا الرسول ﷺ ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ﴾ فلزم أن يكونوا أخرجوهما، وهذا هو الواقع، فإن الكفار أخرجوا المهاجرين كلهم كما قال تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْوَانًا﴾ (٢) ، وقال تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللهُ﴾ (٣) وذلك أنهم منعوهم أن يقيموا بمكة مع الإيمان، وهم لا يمكنهم ترك الإيمان، فقد أخرجوهم إذ كانوا مؤمنين (٤) .
٢- أنه صاحبه الوحيد:
الذي كان معه حين نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا هو أبو بكر، وكان ثاني اثنين الله ثالثهما. قوله: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ﴾ يدل على قلة
стр. 28
العدد، فإن الواحد أقل ما يوجد، فإذا لم يصحبه إلا واحد دل على أنه في غاية القلة.
وأيضًا ففي المواضع التي لا يكون مع النبي ﷺ من أكابر الصحابة إلا واحد يكون هو ذلك الواحد: مثل سفره في الهجرة ومقامه يوم بدر في العريش لم يكن معه فيه إلا أبو بكر، ومثل خروجه إلى قبائل العرب يدعوهم إلى الإسلام كان يكون معه من أكابر الصحابة أبو بكر. وهذا اختصاص في الصحبة لم يكن لغيره باتفاق أهل المعرفة بأحوال النبي ﷺ (١) .
٣- صاحبه في الغار:
الفضيلة في الغار ظاهرة بنص القرآن، وقد أخرجا في الصحيحين من حديث أنس، عن أبي بكر الصديق ﵁، قال: «نظرت إلى أقدام المشركين على رءوسنا ونحن في الغار، فقلت: يا رسول الله لو أن أحدهم نظر إلى قدميه لأبصرنا، فقال: يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما» (٢) . وهذا الحديث مع كونه مما اتفق أهل العلم على صحته وتلقيه بالقبول فلم يختلف في ذلك اثنان منهم فهو مما دل القرآن على معناه (٣) .
٤- أنه صاحبه المطلق:
قوله: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ﴾ لا يختص بمصاحبته في الغار، بل هو صاحبه المطلق الذي كمل في الصحبة كمالاً لم يشركه فيه غيره -
стр. 29
فصار مختصًا بالأكملية من الصحبة، وهذا مما لا نزاع فيه بين أهل العلم بأحوال النبي ﷺ وأصحابه، كما في الحديث الذي رواه البخاري، عن أبي الدرداء، عن النبي ﷺ وفيه: «هل أنتم تاركو لي صاحبي؟» فقد تبين أن النبي ﷺ خصه دون غيره مع أنه جعل غيره من أصحابه أيضًا؛ لكنه خصه بكمال الصحبة، ولهذا قال من قال من العلماء: إن فضائل الصديق خصائص لم يشركه فيها غيره (١) .
٥- أنه المشفق عليه:
قوله: ﴿لا تَحْزَنْ﴾ يدل على أن صاحبه كان مشفقًا عليه محبًا له ناصرًا له حيث حزن، وإنما يحزن الإنسان حال الخوف على من يحبه. وكان حزنه على النبي لئلا يقتل ويذهب الإسلام، ولهذا لما كان معه في سفر الهجرة كان يمشي أمامه تارة، ووراءه تارة، فسأله النبي ﷺ عن ذلك، فقال: «أذكر الرصد فأكون أمامك، وأذكر الطلب فأكون وراءك» رواه أحمد في كتاب مناقب الصحابة، فقال: حدثنا وكيع، عن نافع، عن ابن عمر، عن ابن أبي مليكة، قال: «لما هاجر النبي ﷺ خرج معه أبو بكر فأخذ طريق ثور، قال: فجعل أبو بكر يمشي خلفه ويمشي أمامه فقال له النبي ﷺ ما لك؟ قال: يا رسول الله أخاف أن تؤتى من خلفك فأتأخر، وأخاف أن تؤتى من أمامك فأتقدم، قال: فلما انتهينا إلى الغار قال أبو بكر: يا رسول الله كما أنت حتى أيمه» قال نافع حدثني رجل عن ابن أبي مليكة أن أبا بكر رأى جحرًا في الغار فألقمها قدمه، وقال يا رسول الله إن كانت لسعة أو لدغة كانت بي» فلم يكن يرضى بمساواة النبي؛ بل كان لا يرضى بأن يقتل رسول الله ﷺ وهو يعيش؛ بل كان يختار أن يفديه بنفسه وأهله وماله. وهذا واجب على
стр. 30
كل مؤمن، والصديق أقوم المؤمنين بذلك (١) .
٦- المشارك له في معية الاختصاص:
قوله: ﴿إِنَّ اللهَ مَعَنَا﴾ صريح في مشاركة الصديق للنبي في هذه المعية التي اختص بها الصديق لم يشركه فيها أحد من الخلق ... وهي تدل على أنه معهم بالنصر والتأييد والإعانة على عدوهم فيكون النبي ﷺ قد أخبر أن الله ينصرني وينصرك يا أبا بكر، ويعيننا عليهم، نصر إكرام ومحبة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا آمنوا في الحياة الدنيا﴾ (٢) . وهذا غاية المدح لأبي بكر، إذ دل على أنه ممن شهد له الرسول بالإيمان المقتضى نصر الله له مع رسوله في مثل هذه الحال التي يخذل فيها عامة الخلق إلا من نصره الله؛ ولهذا قال سفيان بن عيينة: إن الله عاتب الخلق جميعهم في نبيه إلا أبا بكر (٣) وقال من أنكر صحبته فهو كافر؛ لأنه كذب القرآن. وقالت طائفة كأبي القاسم السهيلي وغيره: هذه المعية الخاصة لم تثبت لغير أبي بكر، وكذلك قوله: «ما ظنك باثنين الله ثالثهما» بل ظهر اختصاصهما في اللفظ كما ظهر في المعنى؛ فكان يقال للنبي: محمد رسول الله، فلما تولى أبو بكر بعده صاروا يقولون: خليفة رسول الله. فيضيفون الخليفة إلى رسول الله المضاف إلى الله، والمضاف إلى المضاف إلى الله مضاف إلى الله، وتحقيقًا لقوله: ﴿إِنَّ اللهَ مَعَنَا﴾ «ما ظنك باثنين الله ثالثهما» فلما تولى عمر بعده صاروا يقولون: أمير المؤمنين، فانقطع الاختصاص الذي امتاز به أبو بكر على سائر الصحابة (٤) .
стр. 31
٧- أنه صاحبه في حال إنزال السكينة والنصر:
قال الله تعالى: ﴿فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا﴾ (١) فإن من كان صاحبه في حال الخوف الشديد فلأن يكون صاحبه في حضور النصر والتأييد أولى وأحرى، فلم يحتج أن يذكر صحبته له في هذه الحال لدلالة الكلام والحال عليها، وإذا علم أنه صاحبه في هذه الحال علم إنما حصل للرسول من إنزال السكينة والتأييد بالجنود التي لم يرها الناس لصاحبه المذكور فيها أعظم مما لسائر الناس، وهذا من بلاغة القرآن وحسن بيانه (٢) .
قصة سفره مع النبي ﷺ في الهجرة
روى البخاري في صحيحه عن عروة عن عائشة ﵂، قالت: «هاجر إلى الحبشة رجال من المسلمين، وتجهز أبو بكر مهاجرًا (٣) فقال له النبي ﷺ : على رسلك، فإني أرجو أن يؤذن لي. فقال أبو بكر: أو ترجوه بأبي أنت؟ قال: نعم. فحبس أبو بكر نفسه على النبي ﷺ ولصحبته، وعلف راحلتين كانتا عنده ورق السمر أربعة أشهر، قال عروة: قالت عائشة: فبينما نحن يومًا جلوس في بيتنا في نحر الظهيرة فقال قائل لأبي بكر: هذا رسول الله ﷺ مقبلاً متقنعًا (٤) في ساعة لم يكن يأتينا فيها. قال أبو بكر: فدًا له أبي وأمي، والله إن جاء
стр. 32
به في هذه الساعة إلا لأمر، فجاء النبي فاستأذن فأذن له فدخل، فقال حين دخل لأبي بكر: أخرج من عندك. قال: إنما هم أهلك بأبي أنت يا رسول الله. قال: نعم. قال: فإني قد أذن لي في الخروج. قال: فالصحبة بأبي أنت وأمي يا رسول الله. قال: نعم. قال فخذ بأبي أنت يا رسول الله إحدى راحلتي هاتين. قال النبي ﷺ بالثمن» الحديث (١) .
قال ابن إسحاق: فلما أجمع رسول الله ﷺ الخروج أتى أبا بكر بن أبي قحافة، فخرجا من خوخة لأبي بكر في ظهر بيته (٢) . وفي رواية للبخاري: «فركبا فانطلقا حتى أتيا الغار وهو بثور فتواريا فيه» الحديث (٣) . وفي الصحيحين عن البراء بن عازب قال: اشترى أبو بكر ﵁ من عازب رحلاً (٤) بثلاثة عشر درهمًا. فقال أبو بكر لعازب: مر البراء فليحمل إلي رحلي. فقال عازب: لا، حتى تحدثنا كيف صنعت أنت ورسول الله ﷺ حين خرجتما من مكة والمشركون يطلبونكم. قال: ارتحلنا من مكة فأحيينا -أو سرينا- ليلتنا ويومنا حتى أظهرنا، وقام قائم الظهيرة، وخلا الطريق فلا يمر فيه أحد، حتى رفعت لنا صخرة طويلة لها ظل لم تأت عليه الشمس بعد، فنزلنا عندها، فأتيت الصخرة فسويت بيدي مكانًا ينام فيه النبي ﷺ في ظلها، ثم بسطت عليه فروة، ثم قلت: نم يا رسول الله وأنا أنفض لك ما حولك (٥) ، وخرجت أنفض ما حوله فإذا أنا براع مقبل بغنمه إلى الصخرة يريد منها الذي أردنا، فلقيته فقلت: لمن أنت يا غلام؟ قال لرجل من
стр. 33
قريش سماه فعرفته، فقلت له: أفي غنمك لبن؟ قال: نعم. قلت: أفتحلب لي؟ قال: نعم فأخذ شاة، فقلت: انفض الضرع من الشعر والتراب والقذى، فحلب لي في قعب معه كثبة من لبن. قال ومعي إداوة أرتوي فيها لرسول الله ﷺ يشرب منها ويتوضأ (١) . قال: فأتيت النبي ﷺ وكرهت أن أوقظه من نومه، فوافيته قد استيقظ، فصببت على اللبن الماء حتى برد أسفله، فقلت يا رسول الله: اشرب من هذا اللبن. قال: فشرب حتى رضيت. ثم قال: ألم يأن الرحيل؟ قلت: بلى. فارتحلنا بعد ما زالت الشمس، واتبعنا سراقة بن مالك، قال: ونحن في جلد من الأرض، فقلت يا رسول الله: أتينا. فقال: لا تحزن إن الله معنا، فدعا عليه رسول الله ﷺ فارتطمت فرسه إلى بطنها. فقال: إني قد علمت أنكما دعوتما علي، فادعوا الله لي، فالله لكما أن أرد عنكما الطلب، فدعا الله فنجا، فرجع لا يلقى أحدًا إلا قال: قد كفيتم من هنا، فلا يلقى أحدًا إلا رده. قال: ووفا لنا. إلى أن قال: قال ابن شهاب: فأخبرني عبد الرحمن بن مالك المدجلي وهو ابن أخي سراقة قال: جاءنا رسول كفار قريش يجعلون في رسول الله ﷺ وأبي بكر دية كل منهما لمن قتله أول أسره (٢) .
ففي الليلة التي خرج فيها عرفوا في صبيحتها أنه خرج وانتشر ذلك وأرسلوا إلى أهل الطرق يبذلون الدية فيه وفي أبي بكر. وكون المشركين بذلوا الدية لمن يأتي بأبي بكر دليل على أنهم يعلمون موالاته لرسول الله ﷺ وأنه كان عدوهم (٣) .
стр. 34
أبو بكر أتقى الأمة
الصديق أتقى الأمة بالكتاب والسنة، قال تعالى: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى * وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى﴾ (١) وذكر غير واحد من أهل العلم أنها نزلت في قصة أبي بكر فذكر ابن جرير في تفسيره بإسناده عن عبد الله بن الزبير وغيره: أنها نزلت في أبي بكر. وكذلك ذكر ابن أبي حاتم والثعلبي أنها نزلت في أبي بكر عن عبد الله وعن سعيد بن المسيب. وذكر ابن أبي حاتم في تفسيره: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن أبي عمر العدني، حدثنا سفيان، حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه، قال: أعتق أبو بكر سبعة كلهم يعذب في الله: بلالاً، وعامر بن فهيرة، والنهدية، وابنتها، وزنيرة، وأم عبيس، وأمة بني المؤمل. قال سفيان: فأما زنيرة فكانت رومية وكانت بني عبد الدار، فلما أسلمت عميت، فقالوا أعمتها اللات والعزى، قالت: فهي كافرة باللات والعزى. فرد الله إليها بصرها، وأما بلال فاشتراه وهو مدفون في الحجارة، فقالوا: لو أبيت إلا أوقية لبعناكه فقال أبو بكر: لو أبيتم إلا مائة أوقية لأخذته. قال: وفيه نزلت ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى﴾ إلى آخر السورة (٢) .
وإذا قدر أن هذه الآية دخل فيها من دخل من الصحابة فأبو بكر أحق الأمة بالدخول فيها، فيكون هو الأتقى من هذه الأمة، فيكون هو أفضلهم، وذلك أن الله وصف الأتقى بصفات أبو بكر أكمل فيها من جميع الأمة، وهو قوله: ﴿الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى﴾ وقوله: ﴿وَمَا لأَحَدٍ
стр. 35
عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى﴾ . أما إيتاء المال فقد ثبت في الصحاح عن النبي ﷺ : أن إنفاق أبي بكر أفضل من إنفاق غيره، وأن معاونته له بنفسه وماله أكمل من معاونة غيره ففي الصحيح عن النبي أنه قال: «ما نفعني مال قط كمال أبي بكر» (١) . فقد نفى عن جميع مال الأمة أن ينفعه كنفع مال أبي بكر فكيف تكون تلك الأموال المفضولة دخلت في الآية والمال الذي هو أنفع الأموال له لم يدخل فيها؟! ولم يكن يأكل من أحد صدقة ولا صلة ولا نذرًا؛ بل كان يتجر ويأكل من كسبه، ولما ولي الناس واشتغل عن التجارة بعمل المسلمين أكل من مال الله ورسوله الذي جعله الله له؛ لم يأكل من مال مخلوق. ولم يكن النبي ﷺ يعطيه شيئًا من الدنيا يخصه به؛ بل كان في المغازي كواحد من المسلمين؛ بل يأخذ من ماله ما ينفقه على المسلمين. وقد استعمله النبي ﷺ وما عرف له أنه أعطاه عمالة. ولم يطلب من النبي ﷺ مالاً قط ولا حاجة دنيوية، وإنما كان يطلب منه العلم. وفي صلح الحديبية لما قال لعروة بن مسعود: امصص بظر اللات، أنحن نفر وندعه؟! قال لأبي بكر: لولا يد لك عندي لما أجزك بها لأجبتك. وفي المسند لأحمد: «أنا أبا بكر ﵁ كان يسقط السوط من يده فلا يقول لأحد ناولني إياه، ويقول: إن خليلي أمرني أن لا أسأل الناس شيئًا» (٢) . فكان أبعد الناس عن النعمة التي تجزي، وأولاهم بالنعمة التي لا تجزى فهو أحق الناس بالدخول في هذه الآية.
стр. 36
وأما إخلاصه في ابتغاء وجه ربه الأعلى فهو أكمل الأمة في ذلك؛ لأنه لم يكن بينه وبين النبي ﷺ سبب يواليه لأجله ويخرج ماله إلا الإيمان. ولم ينصره كما نصره أبو طالب لأجل القرابة، وكان عمله كاملاً في إخلاصه لله تعالى (١) .
وأرجح الأمة إيمانًا
اليقين والإيمان الذي في قلبه لا يساويه فيه أحد، قال أبو بكر بن عياش: ما سبقهم أبو بكر بكثرة صلاة ولا صيام ولكن بشيء وقر في قلبه. ولهذا قيل: لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان أهل الأرض لرجح؛ كما في السنن عن أبي بكرة عن النبي ﷺ قال: «هل رأى أحد منكم رؤيا؟ فقال رجل أنا رأيت كأن ميزانًا نزل من السماء فوزنت أنت وأبو بكر فرجحت أنت بأبي بكر، ثم وزن أبو بكر وعمر فرجح أبو بكر، ثم وزن عمر، وعثمان فرجح عمر، ثم رفع الميزان - فاستاء لها رسول الله ﷺ فقال: «خلافة نبوة ثم يؤتي الله الملك من يشاء» (٢)(٣) .
شهادة الرسول له ولعمر بكمال الإيمان
في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: «بينما رجل يسوق بقرة له قد حمل عليها التفتت إليه فقالت: إني لم أخلق لهذا، ولكن إنما خلقت للحرث. فقال الناس: سبحان الله تعجبًا، وفزعًا بقرة تتكلم؟ فقال رسول الله ﷺ : بينما راع في غنمه عدا عليه الذئب فأخذ منها شاة
стр. 37
فطلبه الراعي حتى استنقذها منه، فالتفت إليه الذئب فقال له: من لها يوم السبع يوم ليس لها راع غيري. فقال الناس: سبحان الله! فقال رسول الله ﷺ : فإني أؤمن بذلك أنا وأبو بكر وعمر، وما هما ثم» (١)(٢)(٣) .
هو أعلم الصحابة والأمة وأذكاهم
كان ﵁ يقضي ويفتي بحضرة النبي ﷺ ويقره، ولم تكن هذه المرتبة لغيره ففي الصحيح أن أبا بكر قال يوم حنين: «لا ها الله إذًا لا يعمد إلى أسد من أسود الله ورسوله يقاتل عن الله وعن رسوله فيعطيك سلبه. فقال النبي ﷺ : صدق فأعطه إياه فأعطاه» الحديث (٤) . وفي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري ﵁، قال: كان أبو بكر أعلمنا بالنبي ﷺ (٥) .
وقد ذكر غير واحد مثل منصور بن عبد الجبار السمعاني (٦) وغيره إجماع أهل العلم على أن الصديق أعلم الأمة. وهذا بين؛ فإن الأمة لم
стр. 38
تختلف في ولايته في مسألة إلا فصلها هو بعلم يبينه لهم وحجة يذكرها لهم من الكتاب والسنة، وذلك لكمال علم الصديق وعدله ومعرفته بالأدلة التي تزيل النزاع، وكان عامة الحجج التي تزيل النزاع يأتي بها الصديق ابتداء، وقليل من ذلك يقوله عمر أو غيره فيقره أبو بكر (١) ، وكان إذا أمرهم أطاعوه. كما بين لهم موت النبي ﷺ (٢) وتثبيتهم على الإيمان (٣) ثم بين لهم موضع دفنه (٤) وبين لهم ميراثه (٥) وبين لهم قتال مانعي الزكاة لما استراب فيه عمر (٦) وبين لهم أن الخلافة في قريش (٧) وتجهيز جيش أسامة (٨) وبين لهم أن عبدًا خيره الله بين الدنيا والآخرة (٩) . واستعمله النبي ﷺ على أول حجة حجت من مدينة النبي ﷺ وعلم المناسك أدق ما في العبادات، ولولا سعة علمه لم يستعمله، ونادى أن لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان.
стр. 39
وأردفه بعلي فقال: أمير أو مأمور؟ قال: بل مأمور. فأمَّر أبا بكر على علي فكان ممن أمره النبي ﷺ أن يسمع ويطيع لأبي بكر ﵄. وكذلك الصلاة استخلفه عليها ولولا علمه لم يستخلفه. ولم يستخلف غيره لا في حج ولا في صلاة. وكتاب الصدقة التي فرضها رسول الله ﷺ أخذه أنس من أبي بكر وهو أصح ما روي فيها (١) ، وعليه اعتمد الفقهاء، وغيره في كتابه ما هو متقدم منسوخ، فدل على أنه أعلم بالسنة الناسخة. ولم يحفظ له قول يخالف فيه نصًا، وهذا يدل على غاية البراعة والعلم. وفي الجملة لا يعرف لأبي بكر مسألة من الشريعة غلط فيها، وقد عرف لغيره مسائل كثيرة كما بسط في موضعه (٢) . وتنازعت الصحابة بعده في مسائل مثل الجد والإخوة، ومثل العمريتين، ومثل العول وغير ذلك من مسائل الفرائض. وتنازعوا في مسألة الحرام، والطلاق الثلاث بكلمة واحدة، والخلية، والبرية، وألبتة، وغير ذلك من مسائل الطلاق. وكذلك تنازعوا في مسائل صارت مسائل نزاع بين الأمة إلى اليوم. ثم الأقوال التي خولف فيها الصديق بعد موته قوله فيها أرجح من قول من خالفه بعد موته، وطرد ذلك الجد والإخوة ... وجواز فسخ الحج إلى العمرة بالتمتع، وثبت عن ابن عباس أنه كان يفتي بكتاب الله، فإن لم يجد فبما في سنة رسول الله، فإن لم يجد أفتى بقول أبي بكر، وعمر مقدمًا لهما على قول غيرهما. وثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل» (٣)(٤) . (٤)
стр. 40
سبب قلة النقل عنه وعن أكابر الصحابة
الخلفاء الأربعة لهم في تبليغ كليات الدين ونشر أصوله وأخذ الناس ذلك عنهم ما ليس لغيرهم كجمع أبي بكر وعمر القرآن في الصحف، ثم جمع عثمان له في المصاحف التي أرسلها إلى أهل الأمصار. فكان الاهتمام بجمع القرآن وتبليغه أهم مما سواه. وكذلك تبليغ شرائع الإسلام إلى أهل الأمصار. ومقاتلتهم على ذلك، واستنابتهم في ذلك الأمراء والعلماء، وتصديقهم لهم فيما بلغوه عن الرسول، فبلغ من أقاموه من أهل العلم حتى صار الدين منقولاً نقلاً متواترًا ظاهرًا معلومًا قامت به الحجة ووضحت به المحجة، وتبين به أن هؤلاء خلفاؤه المهديون الراشدون الذين خلفوه في أمته علمًا وعملاً. كما أن الذين تأخرت حياتهم من الصحابة واحتاج الناس إلى علمهم نقلوا عن النبي ﷺ أحاديث كثيرة لم ينقلها الخلفاء الأربعة ولا أكابر الصحابة، لأن أولئك كانوا مستغنين عن نقلها؛ لأن الذين عندهم قد علموها كما علموها. ولهذا يروى لابن عمر، وابن عباس، وعائشة، وأنس، وجابر، وأبي سعيد ونحوهم من الصحابة من الحديث ما لا يروى لعلي، ولا لعمر، وعمر وعلي أعمل من هؤلاء كلهم.
ثم قد يكون عند المفضول علم قضية معينة لم يعلمها الأفضل فيستفيدها منه ولا يوجب ذلك أن يكون هذا أعلم مطلقًا. ولهذا كان الخلفاء يستفيدون من بعض الصحابة علمًا لم يكن عندهم، كما استفاد أبو بكر علم ميراث الجد من محمد بن مسلمة والمغيرة بن شعبة،