← Акыда

Акыда · id 25815

أبو بكر الصديق أفضل الصحابة وأحقهم بالخلافة

محمد بن عبد الرحمن بن قاسم

Полный текст (133 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وأما إخلاصه في ابتغاء وجه ربه الأعلى فهو أكمل الأمة في ذلك؛ لأنه لم يكن بينه وبين النبي ﷺ سبب يواليه لأجله ويخرج ماله إلا الإيمان. ولم ينصره كما نصره أبو طالب لأجل القرابة، وكان عمله كاملاً في إخلاصه لله تعالى (١) . وأرجح الأمة إيمانًا اليقين والإيمان الذي في قلبه لا يساويه فيه أحد، قال أبو بكر بن عياش: ما سبقهم أبو بكر بكثرة صلاة ولا صيام ولكن بشيء وقر في قلبه. ولهذا قيل: لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان أهل الأرض لرجح؛ كما في السنن عن أبي بكرة عن النبي ﷺ قال: «هل رأى أحد منكم رؤيا؟ فقال رجل أنا رأيت كأن ميزانًا نزل من السماء فوزنت أنت وأبو بكر فرجحت أنت بأبي بكر، ثم وزن أبو بكر وعمر فرجح أبو بكر، ثم وزن عمر، وعثمان فرجح عمر، ثم رفع الميزان - فاستاء لها رسول الله ﷺ فقال: «خلافة نبوة ثم يؤتي الله الملك من يشاء» (٢) (٣) . شهادة الرسول له ولعمر بكمال الإيمان في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: «بينما رجل يسوق بقرة له قد حمل عليها التفتت إليه فقالت: إني لم أخلق لهذا، ولكن إنما خلقت للحرث. فقال الناس: سبحان الله تعجبًا، وفزعًا بقرة تتكلم؟ فقال رسول الله ﷺ : بينما راع في غنمه عدا عليه الذئب فأخذ منها شاة

стр. 37

فطلبه الراعي حتى استنقذها منه، فالتفت إليه الذئب فقال له: من لها يوم السبع يوم ليس لها راع غيري. فقال الناس: سبحان الله! فقال رسول الله ﷺ : فإني أؤمن بذلك أنا وأبو بكر وعمر، وما هما ثم» (١) (٢) (٣) . هو أعلم الصحابة والأمة وأذكاهم كان ﵁ يقضي ويفتي بحضرة النبي ﷺ ويقره، ولم تكن هذه المرتبة لغيره ففي الصحيح أن أبا بكر قال يوم حنين: «لا ها الله إذًا لا يعمد إلى أسد من أسود الله ورسوله يقاتل عن الله وعن رسوله فيعطيك سلبه. فقال النبي ﷺ : صدق فأعطه إياه فأعطاه» الحديث (٤) . وفي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري ﵁، قال: كان أبو بكر أعلمنا بالنبي ﷺ (٥) . وقد ذكر غير واحد مثل منصور بن عبد الجبار السمعاني (٦) وغيره إجماع أهل العلم على أن الصديق أعلم الأمة. وهذا بين؛ فإن الأمة لم

стр. 38

تختلف في ولايته في مسألة إلا فصلها هو بعلم يبينه لهم وحجة يذكرها لهم من الكتاب والسنة، وذلك لكمال علم الصديق وعدله ومعرفته بالأدلة التي تزيل النزاع، وكان عامة الحجج التي تزيل النزاع يأتي بها الصديق ابتداء، وقليل من ذلك يقوله عمر أو غيره فيقره أبو بكر (١) ، وكان إذا أمرهم أطاعوه. كما بين لهم موت النبي ﷺ (٢) وتثبيتهم على الإيمان (٣) ثم بين لهم موضع دفنه (٤) وبين لهم ميراثه (٥) وبين لهم قتال مانعي الزكاة لما استراب فيه عمر (٦) وبين لهم أن الخلافة في قريش (٧) وتجهيز جيش أسامة (٨) وبين لهم أن عبدًا خيره الله بين الدنيا والآخرة (٩) . واستعمله النبي ﷺ على أول حجة حجت من مدينة النبي ﷺ وعلم المناسك أدق ما في العبادات، ولولا سعة علمه لم يستعمله، ونادى أن لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان.

стр. 39

وأردفه بعلي فقال: أمير أو مأمور؟ قال: بل مأمور. فأمَّر أبا بكر على علي فكان ممن أمره النبي ﷺ أن يسمع ويطيع لأبي بكر ﵄. وكذلك الصلاة استخلفه عليها ولولا علمه لم يستخلفه. ولم يستخلف غيره لا في حج ولا في صلاة. وكتاب الصدقة التي فرضها رسول الله ﷺ أخذه أنس من أبي بكر وهو أصح ما روي فيها (١) ، وعليه اعتمد الفقهاء، وغيره في كتابه ما هو متقدم منسوخ، فدل على أنه أعلم بالسنة الناسخة. ولم يحفظ له قول يخالف فيه نصًا، وهذا يدل على غاية البراعة والعلم. وفي الجملة لا يعرف لأبي بكر مسألة من الشريعة غلط فيها، وقد عرف لغيره مسائل كثيرة كما بسط في موضعه (٢) . وتنازعت الصحابة بعده في مسائل مثل الجد والإخوة، ومثل العمريتين، ومثل العول وغير ذلك من مسائل الفرائض. وتنازعوا في مسألة الحرام، والطلاق الثلاث بكلمة واحدة، والخلية، والبرية، وألبتة، وغير ذلك من مسائل الطلاق. وكذلك تنازعوا في مسائل صارت مسائل نزاع بين الأمة إلى اليوم. ثم الأقوال التي خولف فيها الصديق بعد موته قوله فيها أرجح من قول من خالفه بعد موته، وطرد ذلك الجد والإخوة ... وجواز فسخ الحج إلى العمرة بالتمتع، وثبت عن ابن عباس أنه كان يفتي بكتاب الله، فإن لم يجد فبما في سنة رسول الله، فإن لم يجد أفتى بقول أبي بكر، وعمر مقدمًا لهما على قول غيرهما. وثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل» (٣) (٤) . (٤)

стр. 40

سبب قلة النقل عنه وعن أكابر الصحابة الخلفاء الأربعة لهم في تبليغ كليات الدين ونشر أصوله وأخذ الناس ذلك عنهم ما ليس لغيرهم كجمع أبي بكر وعمر القرآن في الصحف، ثم جمع عثمان له في المصاحف التي أرسلها إلى أهل الأمصار. فكان الاهتمام بجمع القرآن وتبليغه أهم مما سواه. وكذلك تبليغ شرائع الإسلام إلى أهل الأمصار. ومقاتلتهم على ذلك، واستنابتهم في ذلك الأمراء والعلماء، وتصديقهم لهم فيما بلغوه عن الرسول، فبلغ من أقاموه من أهل العلم حتى صار الدين منقولاً نقلاً متواترًا ظاهرًا معلومًا قامت به الحجة ووضحت به المحجة، وتبين به أن هؤلاء خلفاؤه المهديون الراشدون الذين خلفوه في أمته علمًا وعملاً. كما أن الذين تأخرت حياتهم من الصحابة واحتاج الناس إلى علمهم نقلوا عن النبي ﷺ أحاديث كثيرة لم ينقلها الخلفاء الأربعة ولا أكابر الصحابة، لأن أولئك كانوا مستغنين عن نقلها؛ لأن الذين عندهم قد علموها كما علموها. ولهذا يروى لابن عمر، وابن عباس، وعائشة، وأنس، وجابر، وأبي سعيد ونحوهم من الصحابة من الحديث ما لا يروى لعلي، ولا لعمر، وعمر وعلي أعمل من هؤلاء كلهم. ثم قد يكون عند المفضول علم قضية معينة لم يعلمها الأفضل فيستفيدها منه ولا يوجب ذلك أن يكون هذا أعلم مطلقًا. ولهذا كان الخلفاء يستفيدون من بعض الصحابة علمًا لم يكن عندهم، كما استفاد أبو بكر علم ميراث الجد من محمد بن مسلمة والمغيرة بن شعبة،

стр. 41

واستفاد عمر دية الجنين والاستئذان وتوريث المرأة من دية زوجها وغير ذلك من غيره، واستفاد عثمان حديث مقام المتوفى عنها في بيتها حتى يبلغ الكتاب أجله من غيره، واستفاد علي حديث صلاة التوبة من غيره (١) . وهو من كتاب الوحي كان ﵁ من كتاب الوحي، وعمر، وعثمان، وعلي، وزيد بن ثابت، وعامر بن فهيرة، وعبد الله بن أرقم، وأبي بن كعب، وثابت بن قيس، وخالد بن سعيد بن العاص، وحنظلة بن الربيع الأسدي، ومعاوية، وشرحبيل بن حسنة ﵃ أجمعين (٢) . أزهد الصحابة أهل العلم يقولون: أزهد الناس بعد رسول الله ﷺ الزهد الشرعي أبو بكر، وعمر؛ وذلك أن أبا بكر كان له مال يكسبه فأنفقه كله في سبيل الله. وتولى الخلافة فذهب إلى السوق يبيع ويكتسب، فلقيه عمر وعلى يديه أبراد، فقال له: أين تذهب؟ قال: أظننت أني تركت المعيشة لعيالي. فأخبر بذلك أبا عبيدة والمهاجرين ففرضوا له شيئًا، فاستحلف عمر وأبا عبيدة فحلفا له أنه يباح له أخذ درهمين كل يوم. ثم ترك ماله في

стр. 42

بيت المال. ثم لما حضرته الوفاة أمر عائشة أن ترد إلى بيت المال ما كان قد دخل في ماله من مال المسلمين، فوجدت جرد قطيفة لا يساوي خمسة دراهم، وحبشية ترضع ابنه، وعبدًا حبشيًا، وناضحًا، فأرسلت بذلك إلى عمر فقال: عبد الرحمن بن عوف له: أتسب هذا عيال أبي بكر؟ فقال: كلا ورب الكعبة لا يتأثم منه أبو بكر في حياته وأتحمله أنا بعد موته. وقال: يرحمك الله يا أبا بكر لقد أتعبت الأمراء بعدك (١) (٢) . أشجع الناس بعد الرسول ﷺ الشجاعة تفسر بشيئين. أحدهما: قوة القلب وثباته عند المخاوف. والثاني: شدة القتال بالبدن بأن يقتل كثيرًا ويقتل قتلاً عظيمًا. والقتال يحتاج إلى التدبير والرأي، ويحتاج إلى شجاعة القلب وإلى القتال باليد. وهو إلى الرأي والشجاعة في القلب في الرأس المطاع أحوج منه إلى قوة البدن.. والشجاعة إنما فضلها في الدين لأجل الجهاد في سبيل الله. وإلا فالشجاعة إذا لم يستعن بها صاحبها على الجهاد سبيل الله كانت إما وبالاً عليه إن استعان بها صاحبها على طاعة الشيطان، وإما غير نافعة له إن استعملها فيما لا يقربه إلى الله. وأبو بكر ﵁ كان أشجع الناس، لم يكن بعد رسول الله ﷺ أشجع منه، هو أشجع من عمر، وعمر أشجع من عثمان، وعلي وطلحة والزبير. وهذا يعرفه من يعرف سيرهم

стр. 43

وأخبارهم؛ فإن أبا بكر باشر الأهوال التي كان يباشرها رسول الله ﷺ من أول الإسلام إلى آخره، ولم يجبن ولم يحرج، ولم يفشل. وكان يقدم في المخاوف يقي النبي ﷺ بنفسه، ويجاهد المشركين تارة بيده، وتارة بلسانه، وتارة بماله، وهو في ذلك كله مقدم. وكان يوم بدر مع النبي ﷺ في العريش (١) . مع علمه بأن العدو يقصدون مكان رسول الله ﷺ ، وهو ثابت القلب، رابط الجأش، يظاهر النبي ﷺ ويعاونه ويذب عنه، ويخبره بأنا واثقون بنصر الله. والنظر إلى جهة العدو، وهل قاتلوا المسلمين أو لا؟ والنظر إلى صفوف المسلمين لئلا تختل، وتبليغ المسلمين ما يأمر به النبي ﷺ في هذه الحال (٢) . وفي الصحيح: «أن رسول الله ﷺ لما كان يوم بدر في العريش معه الصديق أخذت رسول الله ﷺ نعسة من النوم، ثم استيقظ مبتسمًا، فقال: أبشر يا أبا بكر هذا جبريل على ثناياه النقع» ، وفي رواية ابن إسحاق: فقال رسول الله ﷺ : أبشر يا أبا بكر أتاك نصر الله، وهذا جبريل آخذ بعناه فرسه يقوده على ثناياه النقع» يعني الغبار (٣) .

стр. 44

ثم إن النبي ﷺ هو وأبو بكر خرجا بعد ذلك من العريش، ورماهم النبي ﷺ الرمية التي قال فيها: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى﴾ (١) . والصديق قاتلهم حتى قال له ابنه عبد الرحمن: قد رأيتك يوم بدر فصدفت عنك، فقال: ولكني لو رأيتك لقتلتك. والمسلمون كانت لهم هزيمتان يوم أحد ويوم حنين، والمذكور في السير والمغازي أن أبا بكر، وعمر ثبتا مع النبي ﷺ يوم أحد ويوم حنين لهم ينهزما مع من انهزم (٢) . ولما مات النبي ﷺ ونزلت بالمسلمين أعظم نازلة نزلت بهم حتى أوهنت العقول فهذا ينكر موته، وهذا قد أقعد، وهذا قد دهش فلا يعرف من يمر عليه ومن يسلم عليه، وهؤلاء يضجون بالبكاء، وقد وقعوا في نسخة القيامة، وكأنها قيامة صغرى مأخوذة من القيامة الكبرى، وأكثر البوادي قد ارتدوا عن الدين، وذلت كماته، فقام الصديق ﵁ بقلب ثابت وفؤاد شجاع فلم يجزع ولم ينكل، وقد جمع الله له بين الصبر واليقين؛ فأخبرهم بموت النبي ﷺ وأن الله قد اختار له ما عنده، وقال لهم: من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ﴾ (٣) ثم خطبهم

стр. 45

فثبتهم وشجعهم، قال أنس: خطبنا أبو بكر ﵁ وكنا كالثعالب، فما زال يشجعنا حتى صرنا كالأسود. وأخذ في تجهيز جيش أسامة مع إشارتهم عليه (١) . وأخذ في قتال المرتدين مع إشارتهم عليه بالتمهل والتربص، وأخذ يقاتل حتى مانعي الزكاة (٢) (٢) حتى كان عمر مع قوته وشجاعته يقول له: يا خليفة رسول الله تألف الناس. فيقول: علام أتألفهم، أعلى دين مفترى، أم علي شعر مفتعل؟ قلت: ومن شجاعته مدافعته عن الرسول ﷺ لما خنقة عقبة بن أبي معيط كما تقدم. وسبقت الإشارة إلى موقفه حين خرج مع رسول الله ﷺ مهاجرين ونام الرسول تحت الصخرة ونهض أبو بكر يحرسه. اهـ وقد روى أنه لما قيل له: لقد نزل بك ما لو نزل بالجبال لهاظها وبالبحار لغاظها وما نراك ضعفت. فقال: ما دخل قلبي رعب بعد ليلة الغار؛ فإن النبي ﷺ لما رأى حزني قال: لا عليك يا أبا بكر؛ فإن الله قد تكفل لهذا الأمر بالتمام (٣) . فكان له ﵁ مع الشجاعة الطبيعية شجاعة دينية، وقوة يقينية في الله ، وثقة بأن الله ينصره والمؤمنين. وهذه الشجاعة لا تحصل إلا لمن كان قوي القلب، لكن هذه تزيد بزيادة الإيمان واليقين، وتنقص بنقص ذلك فمن تيقن أنه يغلب عدوه كان إقدامه

стр. 46

عليه، بخلاف من لم يكن كذلك، وهذا من أعظم شجاعة المسلمين وإقدامهم على عدوهم. ثم قد علم كل من علم السيرة أن أبا بكر أقوى قلبًا من جميع الصحابة لا يقاربه في ذلك أحد منهم؛ فإنه من حين بعث الله نبيه إلى أن مات أبو بكر لم يزل مجاهدًا مقدامًا شجاعًا لم يعرف قط أنه جبن عن قتال عدوه، بل لما مات رسول الله ﷺ ضعفت قلوب أكثر الصحابة وكان هو الذي ثبتهم (كما تقدم) ولما دخل النبي ﷺ مكة يوم الفتح كان أبو بكر رأس المهاجرين عن يمينه، وأسيد بن حضير رأس الأنصار عن يساره (١) . أحب الخلق إلى رسول الله ﷺ عن عمرو بن العاص ﵁: «أن النبي ﷺ بعثه على جيش ذات السلاسل، فأتيته فقلت: أي الناس أحب إليك؟ قال: عائشة، قلت: من الرجال؟ قال: أبوها. فقلت ثم من؟ قال: ثم عمر بن الخطاب فعد رجالاً» (٢) . وفي أحاديث المخالة التي هي متواترة كما في الصحيحين، عن أبي سعيد الخدري ﵁، قال: خطب النبي ﷺ فقال: «إن الله سبحانه خير عبدًا بين الدنيا وبين ما عنده، فاختار ما عند الله. فبكى أبو بكر. فقال: فديناك بآبائنا وأمهاتنا. قال: فكان رسول الله ﷺ هو المخير، وكان أبو بكر أعلمنا، فقال: يا أبا بكر لا تبك إن أمن الناس علي في صحبته وماله أبو بكر، ولو كنت متخذًا خليلاً غير ربي

стр. 47

لاتخذت أبا بكر خليلاً (١) ، ولكن أخوة الإسلام ومودته، ولا يبقين في المسجد باب إلا سد إلا باب أبي بكر» (٢) وروى البخاري من حديث ابن عباس، قال: «خرج النبي ﷺ في مرضه الذي مات فيه عاصبًا رأسه بخرقة فقعد على المنبر فحمد الله وأثنى عليه، وقال: إنه ليس من الناس أحد أمن علي في نفسه وماله من أبي بكر بن أبي قحافة، ولو كنت متخذًا من أمتي خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، ولكن خلة الإسلام أفضل، سدوا عني كل خوخة في هذا المسجد غير خوخة أبي بكر» وفي رواية: «ولكن أخي وصاحبي» (٣) . قلت: وذكر الشيخ ﵀ بقية الأحاديث والروايات في المخالة ثم قال: فهذه النصوص كلها مما تبين اختصاص أبي بكر من فضائل الصحبة، ومناقبها والقيام بحقوقها بما لم يشركه فيه أحد، حتى استوجب أن يكون خليله دون الخلق لو كانت المخالة ممكنة، والخلة هي كمال الحب وهذا لا يصلح إلا لله. وهذه النصوص صريحة بأنه أحب الخلق إليه وأفضلهم عنده (٤) . انتصار النبي له الثابت من الأحاديث الصحيحة يدل على أن النبي ﷺ كان ينتصر لأبي بكر وينهى الناس عن معارضته، روى البخاري عن أبي الدرداء

стр. 48

رضي لله عنه قال: كنت جالسًا عند النبي ﷺ فذكر الحديث (١) وفيه «إن الله بعثني إليكم، فقلتم: كذبت، وقال أبو بكر: صدقت، وواساني بنفسه وماله، فهل أنتم تاركو لي صاحبي؟ فهل أنتم تاركو لي صاحبي؟ فما أوذي بعدها» (٢) . لم يسؤ النبي قط لا يعرف أن الله عاتب أبا بكر في القرآن؛ بل ولا أنه ساء

стр. 49

رسول الله ﷺ ؛ بل روى عنه ﵇ أنه قال في خطبته: «أيها الناس اعرفوا لأبي بكر حقه؛ فإنه لم يسؤني قط» (١) (٢) . وابنته أحب النساء إليه تزوج النبي ﷺ ابنته، وكانت أحب أزواجه إليه، وهذا أمر لم يشركه فيه أحد من الصحابة إلا عمر، ولكن لم تكن حفصة ابنته بمنزلة عائشة؛ بل حفصة طلقها ثم راجعها. وعائشة كان يقسم لها ليلتين لما وهبتها سودة بإذنه ﷺ (٣) ، فمصاهرة أبي بكر للنبي ﷺ كانت على وجه لا يشاركه فيها أحد. وقد صح عن الصادق المصدوق أنه قال: «فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام» (٤) . وفي الصحيح عن عمرو بن العاص ﵁ قال قلت يا رسول الله أي النساء أحب إليك؟ «قال: عائشة» (٥) وعائشة صحبته في آخر النبوة وكمال الدين فحصل لها من العلم والإيمان ما لم يحصل لمن لم يدرك إلا أول النبوة؛ فإن الأمة انتفعت بها أكثر مما انتفعت بغيرها، وبلغت

стр. 50

من العلم والسنن ما لم يبلغه غيرها (١) . وأهل السنة مجمعون على تعظيم عائشة ومحبتها، وأن نساءه أمهات المؤمنين اللواتي مات عنهن كانت عائشة أحبهن إليه وأعظمهن حرمة عند المسلمين، وقد ثبت في الصحيح: «أن الناس كانوا يتحرون بهداياهم يوم عائشة (٢) لما يعلمون من محبته إياها، حتى إن نساءه غرن من ذلك وأرسلن إليه فاطمة ﵂ تقول له: نساؤك يسألنك العدل في ابنة أبي قحافة. فقال لفاطمة: أي بنية! أما تحبين ما أحب قالت: بلى. قال: فأحبي هذه» الحديث في الصحيحين (٣) ، وفي الصحيحين أيضًا أن النبي ﷺ قال: «يا عائشة هذا جبريل يقرأ عليك السلام، قالت: وعليه السلام ورحمة الله، ترى ما لا نرى» (٤) ، وكان في مرضه الذين مات فيه يقول: «أين أنا اليوم» استبطاء ليوم عائشة (٥) ، ثم استأذن نساءه أن يمرض في بيت عائشة ﵂ فمرض فيه، وفي بيتها توفي بين سحرها ونحرها وفي حجرها وجمع بين ريقها وريقه (٦) ، وكانت ﵂ مباركة على أمته حتى قال أسيد بن حضير لما أنزل الله آية التيمم بسببها: «ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر، ما نزل بك قط أمر تكرهينه إلا جعل الله فيه للمسلمين بركة» (٧) ، وقد كانت نزلت آية براءة قبل ذلك لما رماها أهل الإفك فبرأها الله من

стр. 51

فوق سبع سموات، وجعلها من الصينات (١) . إيمان قرابته كلهم من خصائصه أبوه آمن بالنبي ﷺ باتفاق الناس، وكذلك أمه آمنت بالنبي ﷺ وأولاده، وأولاد أولاده أبو قحافة كان بمكة شيخًا كبيرًا أسلم عام الفتح أتى به أبو بكر إلى النبي ﷺ ورأسه ولحيته كالثغامة. فقال النبي ﷺ : «لو أقررت الشيخ مكانه لأتيناه» إكرامًا لأبي بكر (٢) . وليس في الصحابة من أسلم أبوه وأمه وأولاده وأدركوا النبي ﷺ وأدركه أيضًا بنو أولاده إلا أبو بكر من جهة الرجال والنساء فمحمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر بن أبي قحافة هؤلاء الأربعة كانوا في زمن النبي ﷺ مؤمنين، وعبد الله بن الزبير بن أسماء بنت أبي بكر كلهم أيضًا آمنوا بالنبي ﷺ وصحبوه، وأم الخير آمنت بالنبي ﷺ فهم أهل بيت إيمان ليس فيهم منافق، ولا يعرف هذا لغير بيت أبي بكر، وكان يقال: للإيمان بيوت وللنفاق بيوت. فبيوت أبي بكر من بيت الإيمان، وبنو النجار من بيوت الإيمان من الأنصار (٣) (٤) .

стр. 52

رعايته لقرابة رسول الله ﷺ - كان ﵁ من أعظم المسلمين رعاية لحق قرابة رسول الله ﷺ وأهل بيته، فإن كمال محبته للنبي ﷺ أوجب سراية الحب لأهل بيته، إذ كانت رعاية أهل بيته مما أمر الله ورسوله به، وفي الصحيح أنه خطب أصحابه بغدير يدعى خما بين مكة والمدينة فقال: «اذكركم الله في أهل بيتي» (١) . وفي السنن أنه قال: «والذي نفسي بيده لا يؤمنون حتى يحبوكم لله ولقرابتي» (٢) . وكان الصديق ﵁ يقول: ارقبوا محمدًا في أهل بيته» (٣) . رواه البخاري وقال: «والله لقرابة رسول الله ﷺ أحب إلي أن أصل من قرابتي» (٤) . وكذلك عمر ﵁ فإنهما ﵄ مدة خلافتهما ما زالا مكرمين لعلي وسائر بني هاشم يقدمانهم على سائر الناس. أما قوله تعالى: ﴿قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ (٥) . ففي الصحيحين عن سعيد بن جبير قال: سئل ابن عباس عنها، فقلت: أن لا تؤذوا محمدًا في قرابته. فقال ابن عباس: عجلت، إنه لم يكن

стр. 53

بطن من قريش إلا لرسول الله ﷺ فيهم قرابة. فقال: لا أسألكم عليه أجرًا؛ لكن أن تصلوا القرابة التي بيني وبينكم (١) ، فهو سأل الناس الذين أرسل إليهم أولاً أن يصلوا رحمه فلا يعتدوا عليه حتى يبلغ رسالة ربه؛ لم يقل إلا المودة للقربى ولا الموالاة. ولا ريب أن محبة أهل البيت واجبة؛ لكن لم يثبت وجوبها بهذه الآية؛ بل بما تقدم من الحديثين (٢) . فدك أزال الخلاف فيها بالنص روى البخاري عن عروة، عن عائشة: أن فاطمة ﵂ والعباس أتيا أبا بكر يلتمسان ميراثهما من فدك وسهمه من خيبر. فقال أبو بكر: «سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا نورث ما تركنا صدقة» (٣) . وكون النبي ﷺ : لا يورث ثبت بالسنة المقطوع بها وبإجماع الصحابة، وكل منهما دليل قطعي فلا يعارض ذلك بما يظن أنه عموم، وإن كان عمومًا فهو مخصوص ... ولهذا لم يصر أحد من أزواج النبي ﷺ على طلب الميراث، ولا أصرًا العم على طلب الميراث، بل من طلب من ذلك شيئًا وأخبر بقول النبي ﷺ رجع عن طلبه، واستمر الأمر على ذلك على عهد الخلفاء الراشدين إلى علي فلم يغير شيئًا من ذلك، ولا قسم له تركة، وفي الصحيح عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ

стр. 54

قال: «لا يقتسم ورثتي دينارًا ولا درهمًا ما تركت بعد مؤنة نسائي ومؤنة عاملي فهو صدقة» (١) . وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لا نورث ما تركنا فهو صدقة» أخرجه البخاري عن جماعة منهم أبو هريرة (٢) ، ورواه مسلم عنه وعن غيره (٣) فإن الله صان الأنبياء عن أن يورثوا دنيًا؛ لئلا يكون ذلك شبهة لمن يقدح في نبوتهم بأنهم طلبوا الدنيا وورثوها لورثتهم. وأولئك القوم قد أعطاهم أبو بكر، وعمر من مال الله بقدر ما خلفه النبي ﷺ أضعافًا مضاعفة، ولو قدر أنها كانت ميراثًا -مع أن هذا باطل- فإنما أخذ منهم قرية ليست كبيرة ولا قرية عظيمة. والمال الذي خلفه الرسول لم ينتفع أبو بكر ولا عمر منه بشيء؛ بل سلمه عمر إلى علي والعباس ﵃ يليانه ويفعلان ما كان النبي ﷺ يفعله، وهذا مما يوجب انتفاء التهم عنهما؛ فإن أبا بكر وعمر لا تقوم حجة بأنهما تركا واجبًا، أو فعلا محرمًا أصلاً (٤) . المقدم في الشورى وأبو بكر كان أبو بكر يسمر عند النبي ﷺ بعد العشاء ويتحدث معه في أمور المسلمين دون غيره من أصحابه (٥) .

стр. 55

وأيضًا فكان النبي ﷺ إذا استشار أصحابه أول من يتكلم أبو بكر في الشورى، وربما تكلم غيره، وربما لم يتكلم غيره، فيعمل برأيه وحده في الأمور العظيمة، فإذا خالفه غيره اتباع رأيه دون رأي من يخالفه. فالأول: أنه استشار أصحابه في أسارى بدر، فتكلم أبو بكر أولاً، فروى مسلم في صحيحه عن ابن عباس قال: «لما أسر الأسارى يوم بدر قال رسول الله ﷺ لأبي بكر، وعمر: ما ترون في هؤلاء الأسارى؟ فقال أبو بكر: يا نبي الله هم بنو العم والعشيرة أرى أن تقبل منهم الفدية، فتكون لنا قوة على الكفار، فعسى الله أن يهديهم للإسلام. فقال رسول الله ﷺ ما ترى يا ابن الخطاب؟ قلت: لا والله ما أرى الذي رأى أبو بكر؛ ولكن أرى أن تمكنا فنضرب أعناقهم، فتمكن عليًا من عقيل فيضرب عنقه، ويمكن حمزة من العباس فيضرب عنقه، وتمكنني من فلان قريب لعمر فأضرب عنقه. وأشار ابن رواحة بتحريقهم. فاختلف أصحابه فمنهم من يقول الرأي ما رأى أبو بكر، ومنهم من يقول: الرأي ما رأى عمر، ومنهم من يقول: الرأي ما رأى ابن رواحة. قال: فهوى رسول الله ﷺ ما قال أبو بكر ولم يهو ما قلت وذكر تمام الحديث» (١) . وأما الثاني: ففي يوم الحديبية لما جاءه جاسوسه الخزاعي وأخبره أن قريشًا قد جمعوا له الأحابيش -وهم الجماعة المستعجمة من قبائل، والتحبش التجمع- وأنهم مقاتلوه وصادوه عن البيت استشار أصحابه أهل المشورة مطلقًا هل يميل إلى ذراري الأحابيش، أو ينطلق إلى

стр. 56

مكة؟ قال أبو بكر: الله ورسوله أعلم يا نبي الله إنما جئنا معتمرين ولم نجئ لقتال أحد، ولكن من حال بيننا وبين البيت قاتلناه. قال النبي ﷺ : «فروحوا إذن» والحديث معلوم عند أهل العلم أهل التفسير والمغازي والسير والفقه، والحديث. رواه البخاري (١) ، ورواه أحمد في مسنده (٢) . ثم إنه لما تكلم عروة بن مسعود الثقفي وهو من سادات ثقيف وحلفاء قريش مع النبي ﷺ وأخذ يقول عن أصحابه، «إنهم أشواب» أي أخلاط. وفي المسند «أوباش يفرون ويدعوك» قال له الصديق: امصص بظر اللات، أنحن نفر، وندعه؟! ثم لما صالح النبي ﷺ قريشًا كان ظاهر الصلح فيه غضاضة وضيم على المسلمين، وفعله النبي ﷺ طاعة لله وثقة بوعده له وأن الله سينصره عليهم، واغتاض من ذلك جمهور الناس وعز عليهم حتى على مثل عمر، وعلي، وسهل بن حنيف ... ففي الصحيحين عن أبي وائل قال: «قام سهل بن حنيف يوم صفين، فقال: أيها الناس اتهموا أنفسكم، وفي لفظ: اتهموا رأيكم على دينكم، لقد كنا مع رسول الله ﷺ يوم الحديبية ولو نرى قتالاً لقاتلنا، وذلك في الصلح الذي كان بين رسول الله ﷺ وبين المشركين، فجاء عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله! ألسنا على حق وهم على باطل؟ قال: بلى. قال: أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ قال: بلى. قال: ففيم نعطي الدنية في ديننا ونرجع ولما يحكم الله بيننا وبينهم، فقال: يا ابن الخطاب: إني رسول الله، ولن يضيعني الله أبدًا. قال: فانطلق عمر فلم يصبر متغيظًا فأتى أبا بكر فقال: يا أبا بكر: ألسنا على حق وهم على باطل؟

стр. 57

قال: بلى. قال: أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ قال: بلى. قال: فعلام نعطي الدنية في ديننا ونرجع ولما يحكم الله بيننا وبينهم. فقال: يا ابن الخطاب إنه رسول الله ولن يضيعه الله أبدًا. قال: فنزل القرآن على رسول الله ﷺ بالفتح، فأرسل إلى عمر فأقرأه إياه. فقال: يا رسول الله أو فتح هو؟ قال: نعم. فطابت نفس عمر ورجع (١) . وتاب الله على الذين عارضوا ذلك ﵃. وهذا من أبين الأمور دلالة على موافقته للنبي ﷺ ومناسبته له واختصاصه به قولاً وعملاً وعلمًا وحالاً إذ كان قوله من جنس قوله، وعمله من جنس عمله، وفي المواطن التي ظهر فيها تقدمه على غيره في ذلك (٢) . مشاورة النبي ﷺ لأبي بكر، وعمر فيما لم يكن فيه وحي خاص الأمور العامة الكلية التي تعم المسلمين إذا لم يكن فيها وحي خاص كان يشاور فيها أبا بكر وعمر وإن دخل غيرهما في الشورى؛ لكن هما الأصل في الشورى. وكان عمر تارة ينزل القرآن بموافقته فيما يراه، وتارة يتبين له الحق في خلاف ما رآه فيرجع عنه. وأما أبو بكر فلم يعرف أنه أنكر عليه شيئًا، ولا كان أيضًا يتقدم في شيء اللهم إلا تنازع هو وعمر فيم يولي من بني تميم (٣) .

стр. 58

وشبه كلا منهما بنبيين لما استشار أبا بكر وأشار بالفداء، واستشار عمر فأشار بالقتل (١) . قال ﷺ : «سأخبركم عن صاحبيكم: مثلك يا أبا بكر كمثل إبراهيم قال: ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢) ومثل عيسى إذ قال: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٣) . ومثلك يا عمر مثل نوح إذ قال: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ (٤) . أو مثل موسى إذ قال: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ﴾ (٥) ولم يعب واحدًا منهما بما أشار عليه به؛ بل مدحه وشبهه بالأنبياء؛ فشبه أبا بكر بإبراهيم وعيسى في لينه في الله، وشبه عمر بنوح وموسى في شدته في الله (٦) (٧) .

стр. 59

أبو بكر من أفصح الناس وأخطبهم ليست الفصاحة التشدق بالكلام، ولا سجع الكلام، ولا كان في خطباء العرب من الصحابة وغيرهم تكلف الأسجاع، ولا تكلف التحسين الذي يعود إلى مجرد اللفظ الذي سمي «علم البديع» كما يفعله المتأخرون من أصحاب الخطب والرسائل والشعر، وإنما البلاغة المأمور بها في مثل قوله تعالى: ﴿وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغًا﴾ (١) هي «علم المعاني والبيان» فيجمع صاحبها بين تكميل المعاني المقصود وبين تبيينها بأحسن وجه (٢) . وأكثر الخطب التي ينقلها صاحب «نهج البلاغة» كذب على عليّ، وعلي أجل وأعلا قدرًا من أن يتكلم بذلك الكلام؛ ولكن هؤلاء وضعوا أكاذيب وظنوا أنها مدح، فلا هي صدق، ولا هي مدح. لا ريب أن عليًا كان من أخطب الناس، وكان أبو بكر خطيبًا، وعمر خطيبًا، وكان ثابت بن قيس بن شماس خطيبًا معروفًا بأنه خطيب رسول الله ﷺ ... كما كان حسان بن ثابت، وكعب بن مالك، وعبد الله بن رواحة شعراءه. ولكن كان أبو بكر ﵁ يخطب عن النبي ﷺ في

стр. 60

حضوره وغيبته -فكان النبي ﷺ إذا خرج في المواسم- يدعو الناس إلى متابعة النبي ﷺ ونبي الله ساكت يقره على ما يقول، وكان كلامه تمهيدًا وتوطئة لما يبلغه الرسول، ومعونة له، لا تقدمًا بين يدي الله ورسوله، ولما قدم رسول الله ﷺ هو وأبو بكر مهاجرين إلى المدينة قعد رسول الله ﷺ وقام أبو بكر يخاطب الناس عنه حتى ظن من لم يعرفهما أنه رسول الله إلى أن عرف بعد أن رسول الله ﷺ هو القاعد. وكان يخرج مع النبي ﷺ إلى الوفود فيخاطب الوفود، وكان يخاطبهم في مغيبه. ولما توفي رسول الله ﷺ كان هو الذي خطب الناس (١) . خطبته بعد وفاة الرسول ﷺ كان عمر ﵁ من أخطب الناس، وأبو بكر أخطب منه يعرف له عمر بذلك، وهو الذي خطب المسلمين وكشف لهم عن موت النبي ﷺ ، وثبت الإيمان في قلوب المسلمين حتى لا يضطرب الناس لعظيم المصيبة التي حلت بهم - ففي الصحيحين عن ابن عباس: «أنا أبا بكر خرج وعمر يكلم الناس. فقال: اجلس يا عمر، فأبى أن يجلس، فأقبل الناس إليه وتركوا عمر. فقال أبو بكر: أما بعد فمن كان منكم يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، قال الله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ﴾ (٢) قال: والله لكأن الناس لم يعلموا أن الله قد أنزل هذه الآية حتى تلاها أبو بكر فنقلها الناس كلهم فما

стр. 61

أسمع بشرًا من الناس إلا يتلوها، فأخبرني المسيب أن عمر قال: والله ما هو إلا سمعت أبا بكر تلاها فعقرت حتى ما تقلني رجلاي، وحتى أهويت إلى الأرض حين سمعته تلاها، وعلمت أن رسول الله ﷺ قد مات» (١) (٢) . خطبته يوم السقيفة وخطب يوم السقيفة خطبة بليغة انتفع بها الحاضرون كلهم، حتى قال عمر: كنت زورت في نفسي مقالة أعجبتني أريد أن أقدمها بين يدي أبي بكر وكنت أداري منه بعض الحد، فلما أردت أن أتكلم قال أبو بكر: على رسلك، فكرهت أن أغضبه، فتكلم أبو بكر وكان أحلم مني وأوقر، والله ما ترك من كلمة أعجبتني في تزويري إلا قال في بديهته مثلها أو أفضل منها (٣) . خطبته بعد البيعة (٤) قال ابن إسحاق: حدثني الزهري، حدثني أنس بن مالك، قال: لما بويع أبو بكر في السقيفة، وكان الغد جلس أبو بكر على المنبر إلى أن قال: فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: «أيها الناس فإني قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني، الصدق أمانة، والكذب خيانة، والضعيف فيكم قوي عندي حتى أزيح علته إن شاء الله، والقوي فيكم ضعيف حتى آخذ منه الحق

стр. 62

إن شاء الله، لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالذل، ولا يشيع قوم قط الفاحشة إلا عمهم الله بالبلاء، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم. قوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله» . وهذا إسناد صحيح (١) . خطبته لما حصلت الردة روى ابن عساكر من طريقين، عن شبابة بن سوار، حدثنا عيسى بن يزيد المدني، حدثني صالح بن كيسان، قال: لما كانت الردة قام أبو بكر في الناس فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: الحمد لله الذي هدى فكفى، وأعطى فأغنى؛ إن الله بعث محمدًا ﷺ العلم شريد، والإسلام غريب طريد، قد رث حبله، وخلق عهده، وضل أهله منه، ومقت الله أهل الكتاب فلا يعطيهم خيرًا لخير عندهم، ولا يصرف عنهم شرًا لشر عندهم، قد غيروا كتابهم وألحقوا فيه ما ليس منه، والعرب الآمنون يحسبون أنهم في منعة من الله لا يعبدونه ولا يدعونه، فأجهدهم عيشًا، وأضلهم دينًا، في ظلف من الأرض مع ما فيه من السحاب فختمهم الله بمحمد، وجعله الأمة الوسطى، نصرهم بمن اتبعهم، ونصرهم على غيرهم، حتى قبض الله نبيه ﷺ ، فركب منهم الشيطان مركبه الذي أنزله عليه، وأخذ بأيديهم، وبغى هلكتهم ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ﴾ (٢) . إن من حولكم من العرب منعوا شتاهم وبعيرهم، ولم يكونوا في دينهم وإن رجعوا إليه أزهد منهم يومهم هذا، ولم

стр. 63

يكونوا في دينكم أقوى منكم يومكم هذا، على ما قد تقدم من بركة نبيكم ﷺ ، وقد وكلكم إلى المولى الكافي، الذي وجده ضالاً فهداه، وعائلاً فأغناه ﴿وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾ الآية (١) ، والله لا أدع أن أقاتل على أمر الله حتى ينجز الله وعده ويوفي لنا عهده، ويقتل من يقتل منا شهيدًا إلى الجنة، ويبقى من بقي منا خليفته وذريته في أرضه، قضاء الله الحق، وقوله الذي لا خلف له: ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ﴾ الآية (٢) ثم نزل (٣) . خطبته لما جمع الجموع لغزو أهل الكتاب بالشام لما اجتمع عند الصديق من الجيوش لغزو الشام ما أراد قام في الناس خطيبًا، فأثنى على الله بما هو أهله، ثم حث الناس على الجهاد، فقال: ألا لكل أمر جوامع فمن بلغها فهو حسبه، ومن عمل لله كفاه الله، عليكم بالجد والقصد، فإن القصد أبلغ، ألا إنه لا دين لمن لا إيمان له، ولا إيمان لمن لا خشية له، ولا عمل لمن لا نية له، ألا وإن في كتاب الله من الثواب على الجهاد في سبيل الله كما ينبغي للمسلم أن يحب أن يخص به هي النجاة التي دل الله عليها إذ نجا بها من الخزي وألحق بها الكرامة (٤) .

стр. 64

أفضل الأمة بعد النبي ﷺ أبو بكر فضل الله على النبيين بعضهم على بعض، وفضل الرسل على غيرهم، وأولو العزم أفضل من سائر الرسل، وكذلك فضل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار على غيرهم، وكلهم أولياء الله، وكلهم في الجنة، وقد رفع الله درجات بعضهم على بعض. وأمهات الفضائل: العلم والدين والشجاعة، والكرم. وكل من كان أفضل من غيره من الأنبياء والصحابة وغيرهم فإنه أعلم. ورأس الفضائل العلم، قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ (١) . والأحاديث الصحيحة مع الدلائل الكثيرة المتعددة توجب علمًا ضروريًا لمن علمها أن أبا بكر كان أحب الصحابة إلى النبي ﷺ ، وأفضل عنده من عمر وعثمان وعلي وغيرهم، وكل من كان بسنة رسول الله ﷺ وأحواله أعلم كان بهذا أعرف، وإنما يستريب فيه من لا يعرف الأحاديث الصحيحة من الضعيفة؛ فإما أن يصدق الكل، أو يتوقف في الكل فمن الأحاديث الصحيحة ما أخرج البخاري ومسلم، عن ابن عمر ﵄، قال: «كنا نقول ورسول الله ﷺ حي: أفضل أمة النبي ﷺ بعده أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان» (٢) . وروى الترمذي وغيره مرفوعًا عن علي ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: «هذان سيدا كهول أهل الجنة (٣) من الأولين والآخرين لا تخبرهما يا

стр. 65

علي» (١) . وفي الصحيح: أن جنازة عمر لما وضعت جاء علي بن أبي طالب يتخلل الصفوف، ثم قال: إني لأرجو أن يجعلك الله مع صاحبيك، فإني كثيرًا ما كنت أسمع النبي ﷺ يقول: «دخلت أنا وأبو بكر، وعمر، وذهبت أنا وأبو بكر، وعمر» (٢) . فهذا يبين ملازمتهما للنبي ﷺ في مدخله ومخرجه وذهابه. ولهذا قال مالك للرشيد لما قاله له: يا أبا عبد الله: أخبرني عن منزلة أبي بكر، وعمر من النبي ﷺ فقال: يا أمير المؤمنين منزلتهما منه في حياته كمنزلتهما منه بعد وفاته، قال: شفيتني يا مالك، شفيتني يا مالك. وتواتر عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: «خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر» وقد روي هذا عنه من طرق كثيرة قيل إنها تبلغ ثمانين طريقًا، وقد روى البخاري عنه في صحيحه من طريق الهمدانيين الذين هم أخص الناس بعلي، حتى كان يقول: لو كنت بوابًا على باب جنة ... لقلت لهمدان ادخلي بسلام رواه البخاري من طريق سفيان الثوري وهو همداني، عن منذر وهو همداني، عن محمد بن الحنفية، قال: قلت لأبي: «أي الناس خير بعد رسول الله ﷺ ؟ قال: أبو بكر. قال: قلت ثم من؟ قال: ثم عمر» (٣) . وهذا يقوله لابنه بينه وبينه وليس هو مما يجوز أن يقوله تقية،

стр. 66

ويرويه عن أبيه خاصة، وقاله على المنبر، وروى عنه أنه سمع ذلك من النبي ﷺ ولا ريب أن عليًا لا يقطع بذلك إلا عن علم، وهو الذي يليق بعلي ﵁، فإنه من أعلم الصحابة بحق أبي بكر، وعمر، وأعرف بمكانهما من الإسلام، وحسن تأثيرهما في الدين، حتى أنه تمنى أن يلقى الله بمثل عمل عمر ﵃ أجمعين، وقد سمى علي ﵁ ابنيه: أبا بكر، وعمر. وكان علي ﵁ يقول: لا أوتي بأحد يفضلني على أبي بكر وعمر إلا جلدته حد المفتري (١) . وليس هذا من باب التواضع، بالمتواضع لا يجوز أن يتقدم بعقوبة من يفضله بقول الحق ولا يسميه مفتريًا. والمتواتر عن ابن عباس أنه كان يفضل أبا بكر وعمر على علي، وروى ابن بطة بسنده قال: سمعت ليث بن أبي سليم يقول: أدركت الشيعة الأولى وما يفضلون على أبي بكر وعمر أحدًا. وقال شريك بن أبي نمر وقال له قائل: أيما أفضل أبو بكر أو علي؟ قال له: أبو بكر. فقال له السائل: تقول هذا وأنت من الشيعة؟ فقال: نعم، إنما الشيعي من يقول هذا، والله لقد رقى على هذه الأعواد فقال: ألا إن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر، وعمر. أفكنا نرد عليه قوله؟ أفكنا نكذبه؟ والله ما كان كذابًا. وذكر القاضي عبد الجبار وعزاه إلى كتاب أبي القاسم البلخي (٢) . وقال الشيخ ﵀ بعد أن ذكر آية ﴿لا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ

стр. 67

مَعَنَا﴾ ولكن ليس في هذا ما يدل على أن عليًا أو عثمان أو عمر أو غيرهم أفضل من أبي بكر، لأنهم لم يكنوا مع النبي ﷺ في هذه الحال. ولو كانوا معه لم يعلم أن حالهم سيكون أكمل من حال الصديق، بل معروف من حالهم دائمًا وحاله أنهم وقت المخاوف يكون الصديق أكمل منهم كلهم يقينًا وصبرًا، وعند وجود أسباب الريب يكون الصديق أعظم يقينًا وطمأنينة، وعندما يتأذى منه النبي ﷺ يكون الصديق أتبعهم لمرضاته وأبعدهم عما يؤذيه، هذا هو المعلوم لكن من استقرأ أحوالهم في محيا رسول الله ﷺ بعد وفاته (١) . كل مدح وثناء في القرآن فهو أول داخل فيه وفي الجملة كل ما في القرآن من خطاب (المؤمنين) و (المتقين) و (المحسنين) ومدحهم فهو أول من دخل في ذلك من هذه الأمة، وأفضل من دخل في ذلك من هذه الأمة، فعلم أنه أفضل الأمة، كما استفاض عن النبي ﷺ من غير وجه أنه قال: «خير القرون القرن الذي جئت فيه، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» (٢) . ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ (٣) . الأشهر عند أهل التفسير أن الذي جاء بالصدق محمد، والذي صدق به أبو بكر، وقال بهذا طائفة، وذكره الطبري بإسناده إلى

стр. 68

علي (١) . وفي هذا حكاية ذكرها بعضهم عن أبي بكر عبد العزيز بن جعفر غلام أبي بكر الخلال: أن سائلاً سأله عن هذه الآية، فقال له أو بعض الحاضرين: نزلت في أبي بكر، فقال السائل: بل في علي، فقال أبو بكر بن جعفر: اقرأ ما بعدها ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ إلى قوله ﴿لِيُكَفِّرَ اللهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ الآية (٢) ، فبهت السائل (٣) . ولفظ الآية مطلق لا يختص بأبي بكر ولا بعلي، بل كل من دخل في عمومها دخل في حكمها، ولا ريب أن أبا بكر، وعمر، وعثمان، وعليًا أحق هذه الأمة بالدخول فيها؛ لكنها لا تختص بهم؛ فما فيها من مدح فهو يشتمل على الصحابة فإنهم جاءوا بالصدق وصدقوا به، وهم من أعظم أهل الأرض دخولاً في ذلك. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ (٤) وأبو بكر ﵁ قد ثبت أنه صديق بالأدلة الكثيرة فيجب أن تتناوله الآية قطعًا، وأن نكون معه؛ بل تناولها له أولى من تناولها لغيره من الصحابة، وهذه الآية نزلت في كعب بن مالك لما تخلف عن غزوة تبوك وصدق النبي ﷺ في أنه لم يكن له عذر، وتاب الله عليه ببركة الصدق (٥) .

стр. 69

خصال اجتمعت فيه في يوم ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ قال لأصحابه: «من أصبح منكم اليوم صائمًا؟ فقال أبو بكر: أنا. قال: فمن تبع منكم اليوم جنازة؟ فقال أبو بكر: أنا. قال: هل فيكم من عاد مريضًا؟ قال أبو بكر: أنا. قال: هل فيكم من تصدق بصدقة؟ فقال أبو بكر أنا. قال ما اجتمعن في امرئ إلا دخل الجنة» (١) وهذه الأربعة لم ينقل مثلها لعلي ولا غيره في يوم (٢) . وأول من يدخل الجنة من هذه الأمة روى أبو داود في سننه «أن النبي ﷺ قال لأبي بكر: أما إنك يا أبا بكر أول من يدخل الجنة من أمتي» (٣) ، وأهل السنة عندهم أن أهل بدر كلهم في الجنة، وكذلك أمهات المؤمنين عائشة وغيرها، وأبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وطلحة، والزبير هم سادات أهل الجنة بعد الأنبياء (٤) . ويدعى من أبوابها كلها في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: «من أنفق زوجين في سبيل الله (٥) دعي من أبواب الجنة: يا عبد الله هذا خير؛ فمن كان من أهل

стр. 70

الصلاة دعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة، [ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الصيام وباب الريان] (١) فقال أبو بكر: ما على هذا الذي يدعى من تلك الأبواب كلها من ضرورة (٢) فهل يدعى أحد من تلك الأبواب كلها (٣) ؟ قال نعم. وأرجو أن تكون منهم يا أبا بكر (٤) . ولم يذكر هذا لغير أبي بكر ﵁» (٥) . ثناء عائشة على أبيها كانت عائشة ﵂ من أخطب الناس، حتى قال الأحنف بن قيس: سمعت خطبة أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي فما سمعت الكلام من مخلوق أفحم ولا أحسن من عائشة. قالت عائشة ﵂ في خطبتها (٦) أبي، وما أبي، والله لا تعطوه الأيدي (٧) ، وذلك طود منيف (٨) ، وفرع مديد، هيهات كذبت الظنون، أنجح إذ أكديتم (٩) ، وسبق إذ ونيتم (١٠) سبق الجواد إذا

стр. 71

استولى على الأمد (١) ، فتى قريش ناشئًا، وكهفها كهلاً، يفك عانيها، ويريش مملقها (٢) ، ويرأب شعبها (٣) ، ويلم شعثها (٤) ، حتى حليته قلوبها. ثم استشرى في الله فما برحت شكيمته في ذات الله تعالى (٥) ، تشتد، حتى اتخذ بفنائه مسجدًا يحيي فيه ما أمات المبطلون. وكان ﵀ غزير الدمعة، وقيذ الجوانح (٦) ، شجى النشيج (٧) ، فتتقصف عليه نساء مكة وولدانها (٨) يسخرون منه ويستهزئون به ﴿اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ فأكبرت ذلك رجالات من قريش فحنت إليه قسيها، وفوقت لها سهامها، وأنثلوه غرضًا (٩) ، فما فلوا له صفاة (١٠) ، ولا قصفوا له قناة (١١) ، ومر على سيسائه (١٢) حتى إذا ضرب الدين

стр. 72

بجرانه، وألقى بركه (١) ، ورست أوتاده، ودخل الناس في دين الله أفواجًا، ومن كل فرقة أرسالاً وأشتاتًا، اختار الله لنبيه ما عنده. فلما قبض الله نبيه نصب الشيطان روقه (٢) ، ومد طنبه، ونصب حبائله، فظن رجال أن قد تحققت أطماعهم، ولات حين الذي يرجون، وأنى والصديق بين أظهرهم، فقام حاسرًا مشمرًا، فجمع حاشيته، ورفع فطرته (٣) ، فرد نشر الإسلام على غره (٤) ، ولم شعثه بطبه، وأقام أوده بثقافه (٥) ، فوقذ النفاق بوطئته (٦) ، فانتاش الدين بنعشه (٧) ، فلما أراح الحق على أهله (٨) ، وقرر الرؤوس على كواهلها (٩) ، وحقن الدماء في أهبها (١٠) ، أتته منيته، فسد ثلمه بنظيره في المرحمة، وشقيقه في السيرة

стр. 73

والمعدلة، ذاك ابن الخطاب، لله أم حفلت له ودرت عليه (١) لقد أوحدت به (٢) ، فنفخ الكفرة وديخها (٣) ، وشرد الشرك شذر مذر (٤) ، وبعج الأرض وبخعها، فقاءت أكلها، ولفظت خبيئها (٥) ترأمه ويصد عنها (٦) ، وتصدى له فيأباها، ثم ورع فيها وودعها كما صحبها، فأروني ما تريبون، وأي يومي أبي تنقمون، أيوم إقامته إذ عدل فيكم، أم يوم ظعنه إذ نظر لكم؟ أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم، وقد روى هذه القصة جعفر بن عون عن أبيه، عن عائشة، وهؤلاء رواة الصحيحين، وقد رواها أبو أسامة عن هشام بن عروة عن أبيه، وبعضهم رواها عن هشام ولم يذكر فيه عن عروة (٧) . قول عمر: ليلة ويوم من أبي بكر خير من عمر وآل عمر روى الطلمنكي من حديث ميمون بن مهران، قال: كان أبو

стр. 74

موسى الأشعري إذا خطب بالبصرة يوم الجمعة وكان واليها صلى على النبي ﷺ ، ثم ثنى بعمر بن الخطاب يدعو له. فقام ضبة بن محصن العنزي فقال: أين أنت من ذكر صاحبه قبله تفضله عليه؟ - يعني أبا بكر ﵄ ثم قعد. فلما فعل ذلك مرارًا أمحكه (١) أبو موسى فكتب أبو موسى إلى عمر ﵁: أن ضبة يطعن علينا ويفعل. فكتب عمر إلى ضبة: أن يخرج إليه، فبعث به أبو موسى، فلما قدم ضبة المدينة على عمر ﵁، فقال الحاجب: ضبة العنزي بالباب، فأذن له، فلما دخل عليه قال: لا مرحبًا بضبة، ولا أهلاً. قال ضبة: أما المرحب فمن الله. وأما الأهل فلا أهل ولا مال، فبم استحللت إشخاصي من مصري بلا ذنب أذنبت، ولا شيء أتيت؟ قال: ما الذي شجر بينك وبين عاملك؟ قلت: الآن أخبرك يا أمير المؤمنين - إنه كان إذا خطب حمد الله وأثنى عليه، وصلى على النبي ﷺ ، ثم ثنى يدعو لك، فغاضبني ذلك منه وقلت: أين أنت من صاحبه تفضله عليه؟ فكتب إليك يشكوني. قال: فاندفع عمر ﵁ باكيًا وهو يقول: أنت والله أوفق منه وأرشد منه، فهل أنت غافر لي ذنبي يغفر الله لك؟ قلت: غفر الله لك يا أمير المؤمنين، ثم اندفع باكيًا يقول: والله لليلة من أبي بكر ويوم خير من عمر، وآل عمر، فهل لك أن أحدثك بيومه وليلته؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين. قال: أما ليلته؛ فإن رسول الله ﷺ لما خرج من مكة هاربًا من المشركين، خرج ليلاً فتبعه أبو بكر، فجعل يمشي مرة أمامه، ومرة خلفه، ومرة عن يمينه، ومرة عن يساره، فقال له رسول الله ﷺ : ما هذا يا أبا بكر، ما أعرف هذا من فعلك؟ فقال: يا رسول الله ﷺ أذكر

стр. 75

الرصد فأكون أمامك وأذكر الطلب فأكون خلفك، ومرة عن يمينك، ومرة عن يسارك، لا آمن عليك. فمضى النبي ﷺ على أطراف أطابعه حتى حفيت، فلما رأى أبو بكر ﵁ أنها حفيت حمله على عاتقه حتى أتى به فم الغار، فأنزله. ثم قال: والذي بعثك بالحق لا تدخله حتى أدخله، فإن كان فيه شيء فبي، فدخل فلم ير شيئًا يستريبه فحمله فأدخله، فلما دخل وجد الصديق أجحار الأفاعي، فلما رأى أبو بكر ذلك ألقمه عقبة فجعلن يلسعنه ويضربنه، وجعلت دموعه تتحادر على خده من ألم ما يجد، ورسول الله ﷺ يقول: لا تحزن إن الله معنا؛ فأنزل الله سكينته وطمأنينته على أبي بكر فهذه ليلته. وأما يومه: فلما توفي النبي ﷺ ارتدت العرب فقال بعضهم: نصلي ولا نزكي، وقال بعضهم نزكي ولا نصلي. فأتيته ولا آلوه نصحًا. فقلت: يا خليفة رسول الله تألف الناس وأرفق بهم. فقال لي: أجبار في الجاهلية، وخوار في الإسلام؟! قبض رسول الله ﷺ وارتفع الوحي، والله لو منعوني عقالاً كانوا يعطونه رسول الله ﷺ لقاتلتهم عليه. فكان والله رشيد الأمر، ثم كتب إلى أبي موسى يلومه. وحديث ضبة هذا من أشهر الأحاديث (١) (٢) .
следующие страницы →