Полный текст (1 269 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.
стр. 1191
كأن مواقع الثفنتان منها ... معرس باكرات الورد جون
أراد قطا تباكر الماء، وجون سود.
كأن مناخها ملقى زمام ... على معزائها وعلى الوجين
اللجام إذا طرح بالأرض كانت له أربعة آثار، والمعزاء والوجين ما صلب من الأرض، يريد أنها قد أثرت في الموضع الصلب.
وقال البعيث يهجو رجلاً:
مدامن جوعات كأن عروقه ... مسارب حيات تسر بن سمسما
يقول هو بادي العروق من سوء الحال فكأنها ممر حيات، وسمسم موضع، ويروى: تشربن سمسما، أي سما.
وقال الكميت يذكر رأل نعامة:
حتى إذا علم التدارج واتخذت ... رجلاه كالودع آثارا على الكثب
شبه آثار رجليه على الرمل بالودع.
وقال ذو الرمة:
ومن جردة غفل بساط تحاسنت ... بها الوشي قرات الرياح وخورها
جردة من الرمل جرداء لا شيء فيها، وشبه آثار الرياح بالوشي، وخورها ما لان منها. وقال النابغة:
كأن مجر الرامسات ذيولها ... عليه حصير تمقته الصوانع
وقد فسر في موضعه في وصف الديار.
стр. 1192
وقال الراعي وذكر الثور:
فصبحته كلاب الغوث يؤسدها ... مستوضحون يرون العين كالأثر
يؤسدها يغريها، مستوضحون يقال استوضح الرجل إذا نظر ليرى شبحا أو أثرا، يعني صيادين، وأراد يرون الأثر كالعين فقلب، يريد أن أثر الصيد عندهم إذا رأوه بمنزلة الصيد نفسه لا يخفى عليهم، وهذا الحديث الذي يتحدث عن لقمان سئل عن قيافته فقيل له: قد اشتبهت الآثار وإنه على ذاك ليعرف أثر الذرة الأنثى من الذكر على الصفا الأير، وقول جابر بن عمرو المازني أرى أثر رجلين يسوقان بعيرين ويقودان فرسين، شديد كلبهما قليل سلبهما والفرار بقراب أكيس.
وقال ذو الرمة:
كأن مجر العيس أطراف خطمها ... بحيث انتهى من كرس مركوها العقر
ملاعب حيات ذكور فيممت ... بنا مصدرا والشمس من دونها ستر
الكرس العطن، والمركو الحوض الصغير، والعقر مقام الشاربة يقول إذا وردت الماء جرت خطمها بين العطن والعقر.
وقال الطرماح وذكر ثورا:
فأصبح محبورا تخط ظلوفه ... كما اختلفت بالطرق أيدي الكواهن
وقال أيضاً يذكر ثورا:
وغدا تشق يداه آثار الربى ... قسم الفئال تشق أوسطه اليد
стр. 1193
الفئال لعبة للصبيان وهو أن يكوم تراب أو رمل ثم يخبأ فيه خبيء ثم يشق اللاعب تلك الكومة نصفين فيقول في أي الجانبين الخبيء؟ قال طرفة:
يشق حباب الماء حيزومها بها ... كما قسم الترب المفائل باليد
وقال عمر بن أبي ربيعة:
على قلوصين من ركابهم ... وعنتر يسين فيهما شجع
كأنما غادرت كلا كلها ... والثفنات الخفاف إذ وقعوا
موقع عشرين من قطا زمر ... وقعن خمساً خمساً معاشيع
ناقة عنتريس إذا كانت شديدة غليظة. ويقال أخذه بالعترسة أي بالجفاء والشدة، شجع طول والأشجع الجسيم، والشيع الفرق.
وقال العجاج:
خوى على مستويات خمس ... كركرة وثفنات ملس
التخوية أن لا يقع من البعير إذا برك على الأرض إلا ثفناته وكركرته ويكون متجافيا عن الأرض، وإذا كان البعير يبرك هكذا كان أعتق له، وملوسة الكركرة أن لا يكون بها سرر وهو شيء يخرج بكركرة البعير يغذو مثل الماء فيكون البعير إذا برك لم يتمكن بكركرته من الأرض وتجافى، وأنشد لمعدي كرب المعروف بغلفاء يرثي أخاه شرحبيل وكان رئيس بكر بن وائل وقتل يوم الكلاب الأول.
стр. 1194
إن جنبي عن الفراش لنابي ... كتجافي الأسر فوق الظراب
وملوسة الثفنات إن لا يعتمد عليها إذا برك إنما يخوي تخوية.
وقال طرفة وذكر الناقة:
كأن علوب النسع في دأياتها ... موارد من خلقاء في ظهر قردد
العلوب الآثار كأنها في جنبي البعير طرق، في خلقاء أي صخرة ملساء على رأس جبل.
تلاقي وأحياناً تبين كأنها ... بنائق غر في قميص مقدد
أي تجتمع هذه الموارد وتفترق أحياناً، والبنائق الدخاريص، غر بيض، شبه بياض آثار النسوع في جلدها ببياض بنائق القميص.
وقال عوف بن الأحوص:
ألم أظلف عن الشعراء عرضي ... كما ظلف الوسيقة الطريدة
أظلف من الظلف وهو الموضع الغليظ الذي لا تتبين فيه الآثار يقول ألم أمنعهم أن يؤثروا في عرضي، والوسيقة الطريدة.
كما ظلف أي أخذ بها في ظلف من الأرض، والكراع العنق من الحرة يمتد. وقال آخر آثار الحيات:
كأن مزاحفها أنسع ... جررن فرادي ومنها ثنى
وقال أوس بن حجر:
يقول له الراؤون هذاك راكب ... يؤبن شخصاً فوق علياء واقف
التأبين اتباع الأثر في الأرض بنظر واتباع آثار الميت لمحاسنه.
стр. 1195
وقال كعب بن زهير وذكر ذئباً وغراباً:
فلم يجدا إلا مناخ مطية ... تجافي بها زور نبيل وكلكمل
ومضربها وسط الحصى بجرانها ... ومثنى نواج لم يخنهن مفصل
وموضع طولي وأحناء قاتر ... يئط إذا ما شد بالنسع من عل
طولى زمام، قال الأصمعي: طولى يكون فوق البرذعة، والقاتر الرحل.
وأتلع يلوي بالجديل كأنه ... عبسيب سقاه من سميحة جدول
وسمر ظماء واترتهن بعدما ... مضت هجعة من آخر الليل ذبل
سفي فوقهن الترب ضاف كأنه ... على الفرج والحاذين قنو مذلل
أراد بعرات واترتهن أي تابعتهن ضاف يعني ذنباً سابغاً طويلاً.
ومضطمر من خاشع الطرف خائف ... لما تضع الأرض القواء وتحمل
يعني نفسه، واضطماره انضمامه.
وقال كثير في هذا المعنى:
وصادفت عيالاً كأن عواءه ... بكا مجرذ يبغي المبيت خليع
عيال يعني ذئباً يعيل في البلاد كما تقول عار، خليع خلعه أهله لجنايته.
عوى ناشز الحيزوم مضطمرا الحشا ... يعالج ليلاً قارساً مع جوع
فصوّت إذ نادي بباقٍ على الطوى ... محنب أطراف العظام هبوغ
стр. 1196
أي بصوت باق على الجوع. محنب مأطور، هبوع يستعين بعنقه في السير من الضعف.
فلم يجترس إلا معرس راكب ... تأيا قليلاً واسترى بفطيع
الاجتراس الإصابة، يقال هل اجترست شيئاً؟ ويروي: يحترس، أي يسرق يقال للذي يسرق الغنم المحترس وللشاة التي تسرق حريسة، تأيا تلبث، واسترى افتعل من السرى وهو سير الليل، بقطيع أي بقطيع من الليل.
وموقع حرجوج على ثفناتها ... صبور على عدوى المناخ جموع
ومطرح أثناء الزمام كأنه ... مزاحف أيم بالفناء صريع
عدوى المكان وتعاديه واحد وهو أن يرتفع بعض وينخفض بعض، والأيم الحية.
أبيات المعاني في المراثي
قالت الخنساء:
ولكني رأيت الصبر خيراً ... من النعلين والرأس الحليق
ومن رحض الغراب إذا تنادى ... دعاة الموت بالكأس الرحيق
كانت المرأة في الجاهلية إذا مات زوجها حلقت رأسها وأخذت نعلي زوجها فعلقتهما في عنقها وضربت بهما وجهها، وإذا لم تكترث المرأة بموت ميتها نشرت شعرها في مأتمه، فتقول: الصبر خير من أن أفعل فعل تلك أو فعل هذه، والرحض الغسل يقال: رحضت الثوب
стр. 1197
إذا غسلته، والغراب الشعر الأسود: ومنه قيل رجل غريب إذا كان أسود الشعر ولم يشب، ودعاة الموت النوائح وكن يدعون بالخمر إذا نحن ليكون أنشط لهن وأيسر.
وقال أبو ذؤيب وذكر قوماً ماتوا:
كانوا ملاويث فاحتاج الصديق لهم ... فقد البلاد إذا ما تمحل المطرا
أي احتاج هؤلاء الذين فقدوهم كما تمحل البلاد إذا فقدت المطر، والملاويث الذين يلاث بهم أي يعصب بهم ويرجى خيرهم.
وقال آخر:
إذا حاردت عنك العيون فإنه ... سيكفيك من عيني دمع ممانح
المحارة انقطاع الدر والدمع، والممانحة درورهما.
وقال المتنخل:
إن يمس نشوان بمصروقة ... منها بريّ وعلى مرجل
لا تقه الموت وقياته ... خطّ له ذلك في المحبل
نشوان سكران، مصروفة خمر صرف، على مرجل أي على لحم في قدر، أي لا يقيه ذلك الموت، المحبل حين حبل به، ويروى: في المجبل، أي حيث جبله الله .
ليس لميت بوصيل وقد ... علق فيه طرف الموصل
يريد أن الحي منقطع عن الميت بجهده ويهرب من حاله وقد
стр. 1198
استوثق منه وعلق طرف موصله به فالموت سيجمعهما لا محالة وإن أبى ذلك الحي فهو متصل. وقال:
نبكي على رجلٍ لم تبل جدته ... خلى عليك فجاجاً بينها سبل
لم تبل جدته أي مات شاباً، يقول خلي عليك أموراً كان يسدها فلما هلك ضاعت.
وقال آخر من هذيل: وهو ساعدة بن العجلان:
فلقد بكيتك يوم رجل شواحط ... بمعابل صلع وأبيض مقطع
يعني أنه كان يرميهم وينادي أخاه فجعل ذلك بكاء له، رجل رجالة واحدهم راجل، شواحط موضع، والمعبلة نصل عريض، وأبيض سيف، مقطع قاطع.
فرميت حول ملاءة محبوكة ... وأبنت للأشهاد حزة أدعى
أي رميت وعليّ هذه الملاءة، والمحبوكة التي لها حبك أي طرائق، والأشهاد الذين شهد وأما ثم، حزة أي ساعة، يريد أبنت لهم لما رميت من أنا فقلت أنا ابن فلان، يقال: جئتنا على حزة منكرة أي ساعة.
وقال أبو خراش:
بلى إنها تعفو الكلوم وإنما ... نوكل بالأدنى وإن جلّ ما يمضي
أي تبرأ الجراحات وينبت عليها اللحم حتى كأن لم يكن بها شيء فكذلك المصائب تذهب وتنسى، والأدنى الأقرب.
стр. 1199
وقال أبو جندب الهذلي:
لعمر أبي الطير المربة غدوةً ... على خالد لقد وقعت على لحم
المربة المقيمة الآلفة، يقول وقعت على لحم كان ممنوعاً.
وقال خفاف بن ندبة:
المرء يسعى وله راصد ... تنذره العين وثوب الضرا
أي تنذر الراصد عينه أن يثب على هذا المرصد ليختله.
وقال كثير يرثي:
وحال السفا بيني وبينك والعدى ... ورهن السفا غمر البديهة ماجد
السفا البعد والعدى البعد. وقال النابغة يرثي النعمان بن الحارث:
فلا يهنئ الأعداء مصرع ربهم ... وما عتقت منه تميم ووائل
أي عتقهم من غزوه. وقال:
وآب مصلوه بعين جلية ... وغودر بالجولان حزم زنائل
قال الأصمعي: قدم الأولون بخبر موته ولم يصدقوا وجاء
стр. 1200
المصلون وهم الذين جاؤوا بعدهم من خبر موته بعين جلية، والمصلي الثاني من السوابق، ويروى: وآب مضلوه أي قابروه. وقال يرثي:
يقولون حصن ثم تأبى نفوسهم ... وكيف بحصن والجبال جنوح
أي يقولون مات حصن ثم تأبى أنفسهم ذلك ويقولون كيف يكون ذلك والجبال على حالها؟ يريد أنه لو مات لتضعضعت الجبال.
وقال الأعشى:
فيا أخوينا من أبينا وأمنا ... ألم تعلما أن كل من فوقها لها
أي كل من فوق الأرض صائر إليها أي مقبور فيها.
وقال لبيد:
ألا تسألان المرء ماذا يحاول ... أنحب فيقضى أم ضلال وباطل
حبائله مبثوثة بمسيله ... ويفني إذا ما أخطأته الحبائل
النحب النذر، وحبائله مناياه يعني أنه يهرم إن لم يأته الموت في شبابه، ومنه قيل للشيخ الكبير: فإن أي هرم.
وقال لبيد:
قضيت لبابات وسليت حاجةً ... ونفس الفتى رهن بقمرة مؤرب
المؤرب المقامر، يقال آربت على القوم أي فلجت، أي نفس الفتى محتبسة للموت.
وقال يرثي:
стр. 1201
من فقد مولىً تصور الحي جفنته ... أو رزء مال ورزء المال ينجبر
تصور تعطف.
والنيب إن تعر مني رمةً خلقاً ... بعد الممات فإني كنت أثئر
النيب المسان من النوق، أي إن تلم مني بعظم بال فتأكله بعد مماتي فإني كنت أنحرها، وأثئر افتعل من الثأر، والإبل تأكل العظام أي تملح بها بعد الخلة وهو نبت حلو.
وقال يرثي أربد أخاه:
وأيقنت التفرق يوم قالوا ... تقسم مال أربد بالسهام
تطير غدائد الأشراك شفعاً ... ووتراً والزعامة للغلام
الغدائد الفضول، ويروي: عدائد، أي ما يعد من الميراث، تطير تفرق. وقال الأعشى:
وأحمدت إذ نجيت بالأمس صرمة ... لها غددات واللواحق تلحق
وقوله شفعاً ووتراً أي للغلام سهمان وللجارية سهم، والأشراك واحدها شرك وهي الأنصباء، والزعامة للغلام يقول إذا مات الرجل صارت رئاسة لابنه دون الإناث، والزعيم الرئيس.
وقال: أي لبيد يرثيه:
стр. 1202
فجعني الرعد والصواعق بال ... فارس يوم الكريهة النجد
يعفو على الجهد والسؤال كما ... أنزل صوب الربيع ذو الرصد
وكان أربد أصابته صاعقة، يعفو يجم ويزيد على السؤال كما يجم الماء يقال عفا شعره إذا كثر، والرصد جمع رصدة وهي المطرة تكون أولاً لما يأتي بعدها كالعهد كأنها ترصد مطرا، أراد أنه يعطي عطية ويرصد بأخرى. وقال يذكر موتى:
ويمشون أرسالاً ونلحق بعدهم ... كما ضم أخرى التاليات المشايع
المشايع الداعي يزجر إبله حتى يلحق أولها آخرها.
وقال الفرزدق:
فألق استك الهلباء فوق قعودها ... وشايع بها واضمم إليك التواليا
وقال آخر:
فلم أر عاماً كان أكثرها لكاً ... ووجه غلامٍ يستري وغلامه
المعنى وأكثر هلاك وجه. يستري يختار. وقال:
لقد ظفرت عيني بطول بكائها ... على ابن زهير إذ ثوى في المقابر
ظفرت من الظفرة وهي لحمة تخرج في العين. وأنشد:
هل لك في عجيز كالحمرة ... بعينها من البكاء ظفره
стр. 1203
وقال أبو زبيد يرثي عثمان بن عفان وذكر قبره:
على جنابيه من مظلومة قيم ... تبادرتها مساح كالمناسيف
جنابيه جانبيه، مظلومة أرض حفرت ولم تحفر قبل، قيم جمع قامة من التراب، والمساحي جمع مسحاة.
لها صواهل في صم السلام كما ... صاح القسيات في أيدي الصياريف
أي للمساحي أصوات إذا وقعت في الحجارة وهي السلام كأصوات الدراهم الستوقة إذا انتقدها الصياريف.
كأنهن بأيدي القوم في كبد ... طير تكشف عن جون مزاحيف
شبه المساحي في أيدي القوم يحفرون القبر بطير على إبل مزاحيف وهي المعيية. وإنما جعلها جونا لأنهم حفروا له في الحرة فشبه الحرة بابل سود، في كبد في شدة، ومنه لقد خلقنا الإنسان في كبد.
وقال وذكر القبر.
مقرمد ما علوا منه بقنطرة ... زاداً من الزاد غثاً غير مظلوف
ما علوا في معنى الذي علوا منه بقنطرة وقد قرمدوه، غير مظلوف يقول هذا من الزاد ليس بممنوع من جميع الخلق، ويقال منه
стр. 1204
اظلف نفسك عن كذا أي امنعها لأن ما يتزوده الميت قليل.
ثمت زكوا بما علوا وما حفروا ... حملاً على الكوم حمال التكاليف
الكوم التراب المجموع.
إن كان عثمان أمسى فوقه أمر ... كراقب العون فوق القنة الموفي
الأمر الحجارة، والعون جماعة عانة، والقنة دون الجبل، شبه ما جمع على قبره من الحجارة بحمار عانة قد أوفى على قنة ينتظر مغيب الشمس فيرد الماء.
أعثم قد حذرت نفسي فما ملكت ... إصفاق دار بعيد الألف مألوف
يقال أصفقت بك الدار أي ذهبت بك يعني دار المنية، يريد إصفاق دار مألوف بعيد الألف يعني عثمان، أي كان مألوفاً ثم صار بعيد الألف.
وقال أبو زبيدة يرثي قتيلاً:
خارج ناجذاه قد برد المو ... ت على مصطلاه أي برود
الناجذ آخر الأضراس، ومصطلاه يداه ورجلاه من اصطلاء النار، وبرود الموت عليهما إن الأطراف منهما تصفر.
стр. 1205
قال لبيد:
وكل أناس سوف تدخل بينهم ... دويهية تصفر منها الأنامل
وقال يذكره:
لحمة لو دنوا لثأر أخيهم ... حسروا قد ثناهم بعديد
أي قد استلحمه القوم، يريد أحاطوا به ولم يرد أن يكون عند أنفسهم أنه لحمة لهم، وإن دنوا منه رجعوا وقد ردهم بثأر ثان يعدونه مع الأول. وقوله:
صادياً يستغيث غير مغاث ... ولقد كان عصرة المنجود
العصرة الملجأ، والمنجود المكروب.
وقال الكميت يرثي:
كأن أكف الناس إذ بنت عطفت ... عليها حثاة القبر ذات الرواعد
يريد ماتت العطايا حيث متّ: والرواعد صوت التراب في القبر حين دفن. وقال مدرك بن حصن الأسدي:
بكى جزعاً من أن يموت وأجهشت ... إليه الجرشي وارمعل خنينها
أجهشت ارتفعت، والجرشي النفس، الأصمعي: بكاء جشب
стр. 1206
وازمعل تتابع. وأنشد:
وليلة طخيا يرمعل ... منها على الساري ندىً مخضل
والخنين بكاء لا يفصح به من الأنف، والخنة من الأنف.
وقال متمم بن نويرة للذي جاء بنعي أخيه:
وآثرت هدماً بالياً وسوية ... وجئت به تعدو بشيراً مقزعا
مقزعا خفيفاً وكل مخفف مقزع وأصله من القزع في السحاب، والهدم الخلق، والسوية البرذعة.
وقال الراعي:
وللمنية أسباب تقربها ... كما تقرب للوحشية الذرع
واحدها ذريعة وهو بعير يستتر به الرامي فإذا قربت الوحش رماها. وقال:
أحار بن عبدٍ للدموع البوادر ... وللجد أمسى عظمه في الجبائر
قوله للجد كقولك: لجده أصابه هذا، والجبائر ما يشد على الكسر من الخشب. وقال طرفة:
لعمرك إن الموت ما أخطأ الفتى ... لكالطول المرخى وثنياه باليد
стр. 1207
يقول هو مثل حبل أرخى وثنياه في يد متى شاءت جرته.
وقال الجعدي:
سألتني هلكوا ... شرب الدهر عليهم وأكل
الباء في معنى عن، وقوله شرب الدهر عليهم أي شرب الناس بعدهم وأكلوا وليس يريد بهذا الدهر، أراد سألتني عن أناس. ومثله:
دع المغمر لا تسأل بمصرعه ... واسأل بمصقلة البكري ما فعلا
أي عن مصقلة. وقال متمم بن نويرة:
فلما تفرقنا كأني وما لكا ... لطول اجتماع لم نبت ليلة معا
معنى لطول مع طول اجتماع، يقول إذا مضى فكأنه لم يكن.
وقال النمر بن تولب يرثي أخاه:
تضمنت أدواء العشيرة يبنها ... وأنت على أعواد نعش تقلب
كأن امرءاً في الناس كنت ابن أمه ... على فلج من بحر دجلة مطنب
يقول تضمنت ما كان في العشيرة من الداء أو فساد حين كنت فيهم وأنت اليوم على نعش تقلب، والفلج النهر، من بحر دجلة أي من سعة دجلة، مطنب مبعد.
وقال العجاج وذكر إفاقته من مرضه:
بعد اللتيا واللتيا والتي ... إذا علتها أنفس تردت
اللتيا تصغير التي، يقال للشيء إذا جاء بعد عسر جاء بعد اللتيا
стр. 1208
والتي، إذا علتها أنفس هذا مثل أي بعد عقبة من عقاب من عقاب الموت تردت سقطت وهلكت.
أوعظة إن نفس حر بلت ... أو طلبت بالجهد ما قد ألت
يقول هذه المرضة عظة إن نفس حر برأت، يقال بل وأبلّ إذا برأ، أو طلبت النفس بالجهد ما قد آلت أي أضعفت فيه، يقال ألا - خفيف - أي ترك الجهد وقصر. وقال الجعدي:
ثلاثة أهلين أفنيتهم ... وكان الأله هو المستآسا
أي المستعاض يريد يسأل العوض وهو الأوس، يقال أسته أوسا إذا أعطيته. وقال ابن أحمر:
أو ينسأن يومي إلى غيره ... إني حواليّ وإني حذر
ينسأن يؤخر، الحوالي فعالي من الحيلة.
وقال أبو كبير يرثي قوماً:
هاجوا لقومهم السلام كأنهم ... لما أصيبوا أهل دين محتر
أي محكم، يقول ثبتوا على الصلح كما ثبت هؤلاء على دينهم.
وقال خداش بن زهير:
стр. 1209
وما المرء إلا هامة أو بلية ... يصفقها داعٍ له غير غافل
يقول إما أن يموت سريعاً فيصير هامة، والعرب تزعم أن عظام الموتى تصير هامة فتطير، وإما أن يتأخر أجله فيتعذب بالهرم فيكون كالبلية التي تعذب حتى تموت هزلاً وضراً، والبلية الناقة تعقل عند قبر صاحبها فلا تعلف حتى تموت.
وقال أبو زبيد:
كالبلايا رؤوسها في الولايا ... ما نحات السموم حر الخدود
الولايا البراذع واحدتها ولية، وكانوا إذا فعلوا هذا بالإبل قوروا البرذعة وأدخلوها في عنق البعير.
وقال زهير:
بلاد بها نادمتهم وألفتهم ... فإن أوجشت منهم فإنهم بسل
بسل حرام، يقول إن أقفرت منهم أي خلت فإنهم كانوا حراماً ممتنعين لا يطمع فيهم أحد أن يغزوهم.
وقالت الخنساء ترثي أخاها:
أبعد ابن عمرو من ال الشري ... د حلت به الأرض أثقالها
حلت زينت، وأثقالها موتاها.
وقال الفرزدق:
وجفن سلاح قد فقدت فلم أنح ... عليه ولم أبعث عليه البواكيا
стр. 1210
وفي جوفه من دارم ذو حفيظة ... لوان المنايا أنسأته لياليا
يريد في جوف الجفن وهو البطن، وكان أتى وليدة فماتت وهي حامل، والسلاح الجنين نفسه، يريد أن الولد عدة وقوة بمنزلة السلاح. وقال آخر:
فأصبح في غبراء بعد إشاحة ... من العيش مردود عليها ظليمها
أراد حفرة غبراء، إشاحة محاذرة وإشفاق، ظليمها ما أخرج من ترابها والمظلومة الأرض التي تحفر في غير موضع الحفر. وقال آخر:
فبعض اللوم عاذلتي فإني ... ستكفيني التجارب وانتسابي
أي تكفيني تجاربي الأشياء وأني أنتسب فأجد آبائي قد ماتوا فأعلم أني ميت ولي في ذلك كفاية من لومك لي.
ومثله للبيد:
فإن أنت لم ينفعك علمك فانتسب ... لعلك يهديك القرون الأوائل
فإن لم تجد من دون عدنان والداً ... ودون معدّ فلتزعك العواذل
أي تعرف أنهم قد ماتوا فتتعظ.
أبيات المعاني في الشيب والكبر
قال النمر بن تولب:
стр. 1211
أودى الشباب وحب الخالة الخلبة ... وقد برئت فما بالصدر من قلبه
الخالة المختالون واحدهم خائل مثل بائع وبائعة، أي كبرت وذهب حبهم عني، والخلبة الذين يخلبون النساء ويخدعونهن، وقد برئت أي بريء صدري من ودهم فلم يبق فيه شيء منه.
وقد تثلم أنيابي وأدركني ... قرن عليً شديد فاحش الغلبة
وقد رمى بسراه الدهر معتمداً ... في المنكبين وفي الساقين والرقبة
قرن يعني الهرم، والسرى جمع سروة وهي السهم ذو القطبة المدورة يرمى به بين الهدفين. وقال الشماخ:
لقومٍ تصاببت المعيشة بعدهم ... أعز عليّ من عفاء تغيرا
تصاببت جعلت آخذ منه قليلاً قليلاً كما يتصاب الإناء أي تؤخذ صبابته والصبابة البقية تبقى في الإناء، من عفاء يعني من شعر أبيض، والعفاء وبر البعير والحمار فضربه مثلاً لابيضاض شعره.
وقال أبو كبير:
فإذا دعاني الداعيان تأيدا ... وإذا أحاول شوكتي لم أبصر
تأيد تشدد، لأني لا أسمع صوتاً ضعيفاً، يقول قد ثقل سمعاً وإذا أراد إخراج شوكة دخلت في يده أو بعض جسده لم يبصرها لضعف بصره. وقال آخر وهو أبو خراش:
стр. 1212
فقدت بني لبني فلما فقدتهم ... صبرت ولم أقطع عليهم أبا جلي
بنو لبني إخوته، أي لم أقتل نفسي ولم أجزع جزعاً قبيحاً، والأبجل عرق. وقال طفيل يذكر قوماً ماتوا:
مضوا سلفاً، قصد السبيل عليهم ... وصرف المنايا بالرجال يقلب
يريد أن طريقنا عليهم لا نستطيع أن نجوز عن ذلك.
وقال الحطيئة وذكر الكبر:
فمنها أن يقاد به بعير ... ذلول حين تهترش الضراء
أي لا يستطيع أن يركب بعيراً صعباً لضعفه، والضراء الكلاب لئلا ينفر إن اهترشت، وهذا توكيد لذل البعير.
وقال آخر: عامر بن جوين:
ماذا أرجي من الحياة إذا ... خلفت وسط الظعائن الأول
معتنزاً أطرد الكلاب عن ال ... ظل إذا ما دنون للجمل
يقال اعتنز الرجل إذا وقف ناحية، هذا رجل قد كبر فخلف مع النساء لأن الشبان ومن كانت به قوة يركبون إبلهم فيأتون المنزل بكراً ويأتي النساء والضعفاء بعد، وقوله أطرد الكلاب فذلك أن الكلب يأتي في الحر فيستتر بظل جمله فيطرده عنه لئلا ينفر به لأنه لا يملكه، معتنز متوكئ على عنزة وهي العكازة.
وقال آخر:
وركبت راحلةً الكبير ولم يكن ... يمشي الهميس مع المطي ركابي
стр. 1213
راحلة الكبير العصا ويمكن أن يكون بعيراً ذلولاً. يقول لا أقدر أن أركب صعباً لضعفي. وقال آخر المخبل:
كما قال سعد اذ يقود به ابنه ... كبرت فجنبني الأرانب صعصعا
أي لا تنفج فينفر بعيري، يقول لست أقدر على ضبطه لضعفي وكبر سني. وقال آخر:
وطالت بي الأيام حتى كأنني ... من الكبر البادي بدت لي أرنب
أي انحنيت فكأني صائد يختل أرنباً فهو يتطامن له كيلا يراه.
ومثله لأبي الطمحان القيني:
وقد طالت بي الأيام حتى ... كأني خاتل يدنو لصيد
وقال الحطيئة يذكر الكبر:
ويأخذه الهداج إذا هداه ... وليد الحي في يده الرداء
الهداج مشى فيه مقاربة خطو وسرعة، وهداه تقدمه، الوليد الصبي يعني أنه تقدمه يقوده، في يده الرداء أي قد يحمل عنه رداءه لضعفه.
стр. 1214
وقال آخر في هذا المعنى:
وقد جعلت إذا ما قمت يثقلني ... ثوبي فأنهض نهض الشارب السكر
وقال الحطيئة:
ويأمر بالركاب فلا تعشى ... إذا أمسوا وقد قرب العشاء
أي يقول لأهله لا تعشوها فإني أخاف أن يذهب بها في الليل لضعفه، ومثله قول النمر بن تولب:
وقولي إذا ما اطلقوا عن بعيرهم ... تلاقونه حتى يؤوب المنخل
أراد لا تلاقونه حتى - فأضمر لا - أي أقول لهم إذا أرسلوا بعيرهم: لا تقدرون عليه، أي يذهب أي أظن الناس كلهم مثلي لضعفي.
وقال آخر:
أتى الندي فلا يقرب مجلسي ... وأقود للشرف الرفيع حماري
أي لا أقدر أن أركب من الأرض لأني قد صرت شيخاً فأقود حماري إلى موضع مرتفع حتى أركبه.
وقال آخر:
يا ويح هذا الرأس كيف اهتزا ... وحيص موقاه وقاد العنزا
أي انحنى حتى صار كأنه يقود عنزا، حيص أي ضاق كأنه قد
стр. 1215
خيط، يقال حص شقاقاً في رجلك، واهتز تحرك، والحوص الخياطة، والموقان مقدما العين، وقاد العنز انحنى يتقاصر لعنز يقودها.
ومثله قول لبيد:
أخبر أخبار القرون التي مضت ... أدبّ كأني كلما قمت راكع
وقال العجاج:
جاري لا تستنكري عذيري ... وقدري ما ليس بالمقدور
وكثرة التحديث عن شقوري
عذيري حالي، وقدري يقول صرت من كبري أقدر ما لم أكن أقدر قبل اليوم، شقوري أموري وأخباري، ويقال أن الرجل إذا كبر كثر تحدثه عن الخالي من أمره، أبو عبيدة: شقوري عيوبي، قال بعض بني أسد: لأدقن شقورك، يعني العيب، لأدقن لأظهرن.
وقال زهير:
دقوا بينهم عطر منشم
أي أظهروه.
وحفظة أكنها ضميري ... والعصر قبل هذه العصور
مجرسات غرة الغرير ... بالزجر والريم على المزجور
الحفظة الغضب، أي صرت أغضب مما لم أكن أغضب منه
стр. 1216
مجرسات يقول والدهر جرست الغر منا أي أحكمته، والريم الفضل بين الشيئين. قال المخبل:
فأقع كما أقعى أبوك على استه ... يرى أن ريما فوقه لا يعادله
والريم العظم يفضل من الجزور عن السهم فلا يتقسم، يقول الذي يزجر فعليه الفضل أبداً لأنه يزجر عن أمر قد قصر فيه.
وقال العجاج:
إن الهوى والقدر الكرارا ... ألبسن من ثوب البلي نجارا
يقول ألبستني خلقة الكبير وهيئته، والنجار الخلقة واللون.
وقال الكميت:
لا تغبط المرء أن يقال له ... أمسى فلان لسنه حكما
إن سره طول عمره فلقد ... أضحى على الوجه طول ما سلما
أي لا تغبطه أن يقال هو حكم مجرب لطول عمره فإن ذلك كله نقصان من طول عمره وإن عمره وإن سره طول عمره فقد استبان على وجهه طول سلامته.
وقال النمر بن تولب في مثل هذا المعنى بعد أن ذكر الكبر وآفاته:
يود الفتى طول السلامة والغنى ... فكيف ترى طول السلامة يفعل
стр. 1217
وقال حميد بن ثور في مثل ذلك:
أرى بصري قد رابني بعد صحة ... وحسبك داء أن تصح وتسلما
وقال الأصمعي في قول العجاج:
إما ترى دهراً حناني حفضا
أي ألقاني، يقال حفضت الشيء إذا ألقيته، ومنه قول أمية:
وحفضت النذور وأردفتهم ... فضول الله وانتهت القسوم
أي ألقيت. وقال ابن مقبل:
يا حرّ من يعتذر من أن يلم به ... ريب الزمان فإني غير معتذر
يقول من قال ضعفي من مرض أو غيره وليس من الكبر فإني غير معتذر من الكبر ولكني معترف.
راميت شيبي كلانا قائم حججا ... ستين ثم انتضلنا أقرب الفقر
الفقرة الامكان، يقال أفقرك الصيد أي امكنك، راميت شيبي مثل كأنه كان يراعيني وأنا أراعيه ستين سنة فلما جاوزتها أسننت فتمكن مني ورماني.
стр. 1218
راميته هاهنا أي كان يرميني هو بالبياض وكنت أرميه بالخضاب والتغيير، ومثله قبله في خالي عمري من الأمراض فقد راميت أي دفعت عني بالدواء والعلاج.
أرمي النحور فأشويها وتثلمني ... ثلم الاناء فأغدو غير منتصر
النحور نحور الأهلة، يقال نحرت الشهر أي استقبلته بالعمل، أشويها أي أخطئ وتصيبني هي في الظهر والرأس.
في الظهر انحناء وفي الرأس شيب، حتى يستمر به أي يستشد به، والهجار حبل يشد في الرسغ ثم يشد إلى الحقب، وقصره أن لا يوسع للبعير فيه وهذا مثل لتقارب الخطو من الكبر، أراد بقوله به أي بي، كالفتر أي الفترة. وقال ابن أحمر:
لبست أبي حتى تمليت عمره ... وبليت أعمامي وبليت خاليا
أي تمتعت به حتى تمليت عمره أي عشت به ملاوة من الدهر، ويقال ملاوة.
وفي كل عام تدعوان أطبة ... إلى وما يجدون إلا الهواهيا
يعني صاحبيه وكان سقي بطنه، وما يغنون شيئاً، والهواهي ما ليس بشيء.
стр. 1219
فإن تقصرا عني تكن لي حاجة ... وإن تبسطا لا تمنعاني قضائيا
يقول إن تكفا عني فلا تداوياني تكن لي حاجة في صدري من الدواء لأنني أظن شربي له نفعاً لي، وإن تبسطا علي فتداوياني لا تمنعاني مما قضى علي.
شربت الشكاعى والتددت ألدة ... وأقبلت أفواه العروق المكاويا
الشكاعي نبت يتداوى به، والتددت من اللدود وهو أن يخرج اللسان ثم يلد في أحد الشقين، وأقبلت أفواه العروق أي جعلتها قبالة المكاوي.
ولا علم لي ما نوطة مستكنة ... ولا أيما فارقت أسقى سقائيا
النوطة الورم، يقوم لا علم لي بهذا الورم المستكن في جوفي ولا أي البلاد التي وطنت وخالطت أوعى في الداء وقال:
رأيت المنايا طبقت كل مرصد ... يقدن قيادا أو يجردن حاديا
طبقت كل مرصد أي ملأت كل طريق، يقدن إلى هذه المراصد قيادا أو يجردن سائقاً، وهذا مثل، وقال:
بان الشباب وأفني ضعفك العمر ... لله درك أي العيش تنتظر
стр. 1220
يقول عشت مثل عمرين - وكان بلغ تسعين - وقال:
أو هل ترين الدهر عرى مسه ... إلا على لمم يروح ويغتدي
يقول إن لم يهلك الدهر الإنسان فإنه يغدو عليه ويروح بالنقصان. وقال:
زعمت غنية أن اكثر لمتي ... شيبت، وهان بذاك ما لم تزدد
لما رأت غربا هجائن وسطها ... مرحت وجالت في الصراع إلا بعد
غربا جاوز القدر ومنه يقال: استغرب فلان في الضحك، هجائن بيض، يقول لما رأت بي شيباً كثيراً مرحت بشبابها ونشاطها وجالت في الصراح الأبعد. وقال الكميت:
والشيب فيه لأهل الرأي موعظة ... ومن عيوب الرجال الشيب والغزل
إذ هما اتفقا نصا قعودهما ... إلى التي غبها التوقيع والجزل
قعودهما الرجل، والتوقيع الدبر، يقال بعير موقع والجزل أن ينزع من الكاهل عظم فيبقى مكانه منخفضاً وذلك البعير أجزل. وقال أبو النجم يصف دهراً مضى:
كيف وإن عادت علينا نعمه ... بنصف قد رابه تقسمه
أي هذا لا يرجع إن رجعت النعم يعني قوته وسواد شعره.
والصبح والشيب غريماً....يكرمه ... ينصفه طوراً وطوراً يظلمه
стр. 1221
يقول إذا خضبه رجع إلى سواده فذلك انصافه وإذا نصل الخضاب بدا وذلك ظلمه، وقال المرقش الأكبر:
ليس على طول الحياة ندم ... ومن وراء المرء ما يعلم
يقول لا أندم إن فارقتني طول الحياة ومت وأنا حديث السن إذا كان من وراء ذلك الهرم والضعف والشيب، والندم هاهنا بمعنى التلهف، الأصمعي: من وراء المرء ما يعلم - يقول من عمل شيئاً وجده - ووراء هاهنا أمام.
يأتي الشباب الأقورين ولا ... تغبط أخاك أن يقال حكم
الأقورين الدواهي، ومن هاهنا أخذ الكميت:
لا تغبط المرء أن يقال له ... أمسى فلان لسنه حكما
وقال المرقش:
رأت أقحوان الشيب فوق خطيطة ... إذا مطرت لم يستكن صؤابها
الخطيطة الأرض لم تمطر بين أرضين ممطورتين، شبه رأسه بها لصلعته لأن الخطيطة يقل نبتها ويذوي، والصوائب القمل، يقول لا شعر هناك فيستكن فيه. وأنشد أبو عبيدة لأبي محمد الفقعسي:
رأين شيخاً ذرئت مجاليه ... يقلى الغواني والغواني تقليه
ذرئت شمطت، مجاليه مقدم شعره، يقال غشيته ذرأة - إذا شمط
стр. 1222
موضع جلحه، ومنه ملح ذرآني. وأنشد الأصمعي لأبي نخيلة:
وقد علتني ذرأة بادي بدي ... ورثية تنهض في تشددي
وقال النمر بن تولب:
لعمري لقد أنكرت نفسي ورابني ... مع الشيب أبدالي التي أتبدل
رابني تبدلي الضعف بالقوة ونحو ذلك.
فضول أراها في أديمي بعدما ... يكون كفاف اللحم أو هو أجمل
كأن محطا في يدي حارثية ... صناع علت مني به الجلد من عل
المحط خشبة تصقل بها الجلود، يقول كان جلدي في الشباب كأنه قد صقل، وإنما ذكر بني الحارث لأنهم بنجران وهم أصحاب أدم والصناع الحاذقة. وقال العجاج:
فإن يكن أمسى البلى تيقري ... والمرء قد يصير للتيير
مقررا بغير لا تقرير
تيقوري أي الأمر الذي وقرت به وهو فيعول من الوقار والتاء فيه مبدلة من واو أصله ويقور، والبلى هاهنا الكبر، يقول صيرني الكبر إلى الوقار، والمرء قد يرجع للمرجع أي للكبر، قد قرر بالرضا بالهرم، وليس ذاك مما يقرر به الناس.
بعد شباب عبعب التصوير
стр. 1223
عبعب ضخم. وقال:
إما تريني أصل القعادا ... واتقي أن أنهض الأرعادا
من أن تبدلت بآدي آدا
القعاد جمع قاعد من النساء وهي التي قعدت عن الحيض والولد، يقول صرت شيخاً لا أزور الشواب من أجل أن تبدلت، والآد والأيد سواء وهما القوة. وقال طرفة:
ولقد بدالي أنه سيغولني ... ما غال عادا والقرون فأشبعوا
أي ذهبوا إلى شعوب وهي المنية ودخلوا فيها، يقال أشمل القوم دخلوا في ريح الشمال وكذلك الجنوب والصبا والدبور وأربعوا دخلوا في الربيع وكذلك أشتوا وأصافوا واخرفوا، فإن أردت أنهم أقاموا في هذه الأزمنة في موضع قلت فعلوا وكذلك إن أردت أن الرياح أصابتهم قلت فعلوا.
стр. 1224
وقال الأعشى:
فإن يمسي عندي الشيب والهم والعشا ... فقد بنّ مني والسلام تفلق
بأشجع أخاذ على الدهر حكمه ... فمن أي ما تجني الحوادث أفرق
أي ذهبن برجل أخاذ أشجع يعني نفسه ويقال أراد الشباب، فمن أي شيء تجنبه الحوادث بعد هذه الثلاث أفرق.
وقال المرار الفقعسي:
لما رأى الشيب قد هاجت نصيته ... بعد الحلاوة حتى أخلس الشعر
تيمم القصد من أولى أواخره ... سير المنحب لما أغلي الخطر
النصى نبت، هاج اصفر ويبس، شبه شعره بذلك، بعد الحلاوة أراد سواده، يقول سار فيه الشيب وشاع كسرعة هذا المنحب الذي أغلى الخطر فهو أسرع ما يكون. وقال النابغة الجعدي:
ما كان أغنى عن أبي دهم مزنمة ... حمر الخدود وقينة بكر
وأبح جندي وثاقبة ... سبك كثاقبة من الجمر
وجديد حر الوجه حودث بال ... مثقال خبء خوالد الدهر
стр. 1225
أبح جندي يعني درهما من ضرب أجناد الشأم، ثاقبة مضيئة سبك يعني سبائك الذهب جمع سبيكة، وخوالد الدهر الأيام.
وقال وذكر قوماً موتوا:
أنشد الناس ولا أنشدهم ... إنما ينشد من كان أضل
أي أبغي الناس ولا أبغيهم أقول أين فلان وفلان؟ فأما هؤلاء فقد حضرت هلكهم: وروى عن أبي عبيدة: انشد الناس ولا أنشدهم أي لا أخبر عنهم: وقال عدي بن زيد وذكر صباه:
شبابي فأضحى للشباب حفيظة ... لمن كان عن طول الغواية نازعا
فلله ما قد كان بعد ذهابه ... وبعد قناع الشيب ما ليس نافعا
يقول فعلت ذلك في شبابي فأضحى للشباب غضب على من نزع عن الجهل، فلله ما قد مضى بعد مضيه وبعد مجيء الشيب ما كان أعجبه!!.؟ وقال أبو ذؤيب:
وقد أرسلوا فراطهم فتأثلوا ... قلبياً سفاهاً كالأماء القواعد
مطأطأة لم ينبطوها وإنها ... لترضى بها فراطها أم واحد
فراطهم الذين سبقوا إلى القبر: تأثلوا اتخذوا قبراً، والسفا التراب وأنث سفاها أراد حفرة كأن ترابها إماء قواعد لأن الأمة تقعد
стр. 1226
مستوفذة للعمل، والحرة تربع وتطمئن، يقال: بل أراد بالقواعد جمع قاعد وهي الطاعنة في السن، مطأطأة يعني الحفرة، لم ينبطوها لم يستخرجوا ماءها لأنها قبر وإن حافريها يرضون أن تكون أماً لواحد.
يقولون لما جشت البئر أوردوا ... وليس بها أدنى ذفاف لوارد
جشت أخرج ما فيها من التراب، والذفاف الماء القليل، يقول ليس هي بمكان يستقي منه الماء إنما هي قبر.
فكنت ذنوب البئر لما تبسلت ... وسربلت أكفاني ووسدت ساعدي
الذنوب الدلو، أي كنت كالدلو لما دليت ودفنت، وتبسلت كره منظرها. وقال ساعدة بن جؤية:
إذا ما زار مجنأة عليها ... ثقال الصخر والخشب القطيل
مجنأة يعني قبراً مسنماً، والقطيل المقطوع.
وقال صخر الغي:
لعمرك والمنايا غالبات ... ولا ينهي طوارقها الحماما
الطوارق هم الطراق بالحصى الذين يتكهنون، أي لا يدفعون ما
стр. 1227
حم أي ما قدر. وقال يذكر ابنه ويرثيه:
لعلك ميت إما غلام ... تبوأ من شمصير مقاما
يقول لنفسه أي لعلك ميت إن غلام مات فتنبوأ قبراً بشمنصير المعنى أتموت إن كان غلام قد مات، وما في قوله إما صلة.
وقال البريق يرثي رجلاً رأى قبره:
فرفعت المصادر مستقيماً ... فلا عيناً وجدت ولا ضمارا
المصادر مواضع معروفة، يقول رفعت فيها فلم أره بعينه لم أجد من يخبر بغيبته، وإذا كان الشيء غائباً ليس بقائم بعينه فهو ضمار، ويقال هو في ضميري أي فيما غيبت.
أودع صاحبي بالغيب إني ... أراني لا أحس له حوارا
يقول وداعي له أن أدعو لقبره بالسقيا. وقال آخر:
وإنما الناس فاسعوا لا أبالكم ... أكائل الطير أو حشو لآرام
يقول إما مقتول لا يدفن فتأكله الطير أو مدفون، وكان الرجل إذا مات بنى على قبره مثل العلم، وواحد الآرام أرم، والأكولة شاة اللحم التي تؤكل. وقال آخر:
فإنك والتأبين عروة بعد ما ... دعاك وأيدينا إليه شوارع
стр. 1228
كالرجل الحادي وقد تلع الضحى ... وطير المطايا فوقهن أواقع
يعني الغربان تقع على المتقدمات.
فوليت عنه يرتمي بك سابح ... وقد واجهت أذنيه منك الأخادع
التأبين الثناء على الميت، يقول حدا بالإبل وقد تباعد عنها فوقع الحداء في غير موضعه فكذلك أنت وضعت التأبين في غير موضعه.
وقال أبو الطمحان القيني:
فإني رأيت الدهر إن تكر لا ينم ... وإن أنت تغفل تلقه غير غافل
دنت حفظتي وخصف الشيب لمتي ... وخليت بالي للأمور الأثاقل
دنت حفظتي أي امتعضت من الذل والضيم، وقوله: خليت بالي للأمور الأثاقل - أي تركت الصبا للأمور العظام من احتمال جريرة ودفع ضيم عن قومي ووفادة إلى ملك.
وقال آخر:
إني إذا شاركني في جسمي ... من ينتقي مخي ويبري عظمي
لم أطلب الذئب بثأر البهم
يعني الكبر، ويقال: الحمى. وقال الفرزدق:
وما من فراق غير حيث ركابنا ... على القبر محبوس علينا قيامها
يقول لا نتفرق بعد هذا المكان الذي نحن فيه وركابنا محبوس علينا قيامها، يعني ركاب أصحابه الذين شهدوا دفنه، يقول فليس
стр. 1229
بعد هذا الفراق غيره لأنا لا نجتمع.
وقال أوس بن حجر يرثي:
على الأروع الصقب لو أنه ... يقوم على ذروة الصاقب
لأصبح رتما دقاق الحصى ... كظهر النبي من الكاثب
الصاقب اسم جبل بعينه وليس يريد أنه يصير فوقه وإنما هو مثل قولك فلان يقوم بأمر فلان وينهض فيه، يقول لو تحامل على هذا الجبل لأصبح الجبل دونه دقاقاً كظهر النبي وهو رمل بعينه، من الكاثب نسبه كما تقول كظهر المربد من البصرة.
وقالت أم تأبط شراً تبكي على ابنها تأبط: وا ابناه وا ابن الليل، ليس بزميل، شروب للقيل، يضرب بالذيل، كمقرب الخيل، وا ابناه ليس بعلفوف، تلفه هوف، حشي من صوف.
قولها: وا ابن الليل تريد أنه صاحب غارات، والزميل الضعيف، والقيل شرب نصف النهار، تقول ليس هو بمهياف يحتاج إلى هذه الشربة، يضرب بالذيل، تقول إذا عدا صفق برجليه في إزاره من شدة عدوه، والهوف الريح الحارة، يقال هيف وهوف، وقولها: حشي من صوف، تقول ليس هو بخوار أجوف، والمعلوف الجافي المسن فتضمه الريح فلا يغزو ولا يركب.
стр. 1230
أبيات المعاني في الآداب
قال أبو خراش الهذلي:
أرد شجاع البطن قد تعلمينه ... وأوثر غيري من عيالك بالطعم
وأغتبق الماء القراح فأنتهي ... إذا الزاد أمسى للمزلج ذا طعم
يقال للجوع: في جوفي شجاع يتلمظ وهو مثل.
وقال أعشى باهلة:
لا يغمز الساق من أين ومن وصب ... ولا يعض على شر سوفه الصفر
وهي حية تكون في بطون الناس والمواشي تشتد على الإنسان إذا جاع وتعذبه، والطعم الطعام والطعم الشهوة، والمزلج الضعيف من الرجال الذي ليس بكثيف، أغتبق أشرب ليلاً، وأنتهي أي تنتهي نفسي. وقال آخر:
أقسم جسمي في جسوم كثيرة ... وأحسو قراح الماء والماء بارد
أي أقسم قوتي وأطعمه غيري وأجتزئ أنا بالماء البارد في الشتاء والبرد. وقال النمر بن تولب:
أزمان لم تأخذ إلي سلاحها ... إيلي بجلتها ولا أبكارها
следующие страницы →