Полный текст (1 269 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.
стр. 771
اجتزار الفعفعيّ المناهب
كأنه حاص جنبٍ أخذعا من بغيهِ والرِفق حين أكنعا لم يعرف الأصمعي معنى قوله: كأنه حامل جنب أخذعا ولا الأخذع أيضاً، لم يعرفه، وقوله أكنع يقول أكنعهن فصرن قريبا منه، يريد أدناهن، يقال: أكنع السبع إذا دنا بعضه من بعض وقد اكتنع الموت وكنع إذا قرب، ويقال: أعوذ بالله من الكنوع - والقنوع فالكنوع المذلة والقنوع المسألة والتكنع في اليد من هذا. وقال ابن الأعرابي في هذا البيت: كأنه حامل جنب أخذعا - اًي كأنه ضرب بالسيف ضربة فتعلق جنبه، وحكي: ترى الجريح منهم يعارضه جنبه أو يده - وذلك إذا تعلقت، والخذَع الميل يقول تراه من بغيه مائلا كأنه ضُرب فتعلق جنبه فمال. وقال:
ذو النبلِ ما كان المها كُنوسا ... يرمي ويرجو الممكنات الليسا
ذو النبل مرفوع بقوله يرمي، ويرجو ما كان المها في الكنس، والممكنات اللواتي أمكنت، والليس اللواتي لا يبرحن يقال للذكر أليس وللأنثى ليساء. وقال أبو ذؤيب وذكر الثور:
فغدا يشرقُ متنه فبدا له ... أولى سوابقُها قريباً توزع
стр. 772
يشرّق متنه في الشمس، وفي توزع قولان، يقال: تغري به وتوسد، كقول النابغة:
فكان ضمران منه حيث يوزعه
أي يغريه وقد مر تفسيره في الأبيات في الكلاب، ويقال توزع تُكَف السوابق منها لئلا يخلو بها حتى يجتمع عليه كلها. وقال الجعدي وذكر الثور والكلاب:
فزّلَ ولم يدرِكنَ إلا غباره ... كما زَّلَ مرّيخ عليه مناكبُ
فأعجله لَه عن سبعة في مكره ... قضَينَ كما بتَّ الأنابيشَ لاعِبُ
المريخ سهم، عليه مناكب أي ريش. من مناكب النسور والأنابيش البسر في العود يعمد إلى عود فيجعل فيه شوك ثم يضرب في عرض البسر فتغترز فيه، واحدها أنبوش.
وقال امرؤ القيس:
وسنّ كُسنيقٍ سناء وسنّم ... ذعِرَتْ بمدلاجِ الهجيرِ نهوض
لم يعرفه الأصمعي، وقال غيره سن ثور، وسنيق جبل، سناء ارتفاعا وسنم بقرة، مدلاج من دلج إذا منشى وليس هو من أدلج ولا ادلّج وكيف يدلج في الهجير أو يدّلج.
وقال النظار الفقعسي وذكر الثور:
стр. 773
اذا الضراءُ مشَقت عرقوبه ... مشض المُلاحِين ثيابَ الدهقان
المشق جذب خفيف سريع، والملاحين المخاصمين وقول بشر يصف الكلاب والثور:
ستحدسه في الغيب أقرب محدس
أي ستصرعه. وقول لبيد:
وولى تحسُرُ الغمرات عنه ... كما ولَّى المراهنُ ذو الجلال
المراهن الفرس روهن عليه ... وقال لبيد يصف ثورا
أضل صواره وتضيفته ... نطوف أمرها بيد الشمال
تضيفته أخذَت ضيفتيْه أي ناحيتيْه، وضيف كل شيء ناحيته، يقال: أراد مالت إليه من قولهم تضيف فلان فلانا إذا مال إليه، نطوف سجابة تنطف أي تقطر مع الشمال. وقوله: فبات كأنه قاضي نَذور أي كأن عليه نذرا فهو يحفر.
стр. 774
وقال ابن أحمر يذكر بقرة:
ماريةٌ لؤلؤان اللونِ أوّدَها ... طلّ وبنّس عنها فرقذ خَصر
مارية - خفيفة - لونها لون اللؤلؤ، أودها طل عطفها وثنائها على ولدها، بنس تأخر، خصر من البرد، الفرقد ولدها.
ظلت تماحل عسعَساً لحماً ... يغشَى الضراءَ خفيّاً دونه النظر
تماحل عن ولدها أي تخادع وتماكر، والعسعس الذئب، الضراء ما واراك من شيء وسترك، وإنما تفعل ذلك لتختل، خفيا دونه النظر يقول: الذئب لا يتبين للناظر لطلَسه ولأنه على لون الأرض في الغبرة.
تربي له فهو مسرورٌ بغفلتها ... طورا وطورا تسنّاه فتعتكر
تريي لولدها تشرف له، والذئب مسرور بغفلتها عنه إذا غفلت، وطورا تسني ولدها أي تغشاه وتركبه، فتعتكر ترجع إليه. وقال أبو دواد يصف الصائد:
فأتانا يسعى تفرّش أمّ ال ... بيض شدّاً وقد تعالى النهارُ
أي أتانا يعدو كعدو النعامة رويدا وهو في ذلك خفيف يخفي
стр. 775
وطأه. وقوله يصف اللثور:
كأنه أوثار
قيل هو الثوب الأبيض المحشوّ، وقيل البرَذَعة. وقوله:
ففريق يفلج اللحمَ نيئاً ... وفريق لطابخِيِه قُتار
أي يشرّج ويقال يقسم:
الصائد والحبالة والقترة
قال:
وخشنا من مال الفتى إن أراحَها ... أضاعَ ويرجو نفعَها حين تعزُب
يعني حبالة الصائد، أن أراحها أي ردها إلى أهلها خالية فقد أخفق، وإن عزبت عنه فذهبت علم أن فيها صيدا ذهب بها. وقال آخر:
الشركُ يا نزالٌ غير مجمودٍ لك ... النَشاقَى ولي المفَاسيدُ
النشاقي العلائق التي قد نشبت في الحبالة، والمفاسيد التي قطعت الحبالة فأفلتت، يقول: ما أفلت فذهب جعلته لي وما علق جعلته لك فهذا شرك غير محود، وواحد المفاسيد مفسدة.
وقال آخر في الأنشاق:
стр. 776
مناتين أبرام كأنَّ أكفَّهم ... أكفُ ضبابٍ اُنشِقَّتْ في الحبائل
وقال آخر وهجا رجلا ميتا:
كأن الظباءَ العُفرِ يعلمنَ أنه ... وثيق عُرى الأربيّ في العشرَاتِ
لَبيقَ إذا ما خَطّ بالنابِ أثرة ... تبينَ بالخَوفا في البكَراتِ
يقول هو صاحب صيد ومهنة ليس بكريم ولا سيد، والأربي مواثق الحبالة وهي مثل الأواخي وهي الأربة، والأربة العروة عروة الآري والاخية، والخَوفاء حلقة في الخف أثرة من أثر تأثيره. وقال امرؤ القيس:
بعثنا ربيئاً قبل ذلك مخمِلاً ... كذئبِ الغضا يمشي الضراءَ ويتّقي
المخمل الذي يخفي شخصه، ويتقي الناس وقيل يلبس الخمل وقوله ايضاً يصف الربىء:
فجاء خفياً يسفنُ الأرضَ بطنه ... ترى الترب منه لاصقأ كل مَلصَقِ
يسفن يمسح. وقول أبي دواد للصائد.
أوف فارقُب لنا الأوابد واربأ ... وانقص الأرض إنها مذكارُ
أي تنبت ذكور البقل فالمشي فيه أخفى.
فأتانا يسعى تفرّش أم ال ... بيض شدا وقد تعالى النهار
стр. 777
أتانا الصائد يعدو كما تعدو النعامة وهو في ذلك خفيف يخفي وطأه. وقوله يصف الثور:
كأنه أوثار
قد تقدم تفسيره. وقال الطرماح وذكر الثور:
فلما غدا استذرَى له سمط رملة ... لحوليْنِ أدنى عهده بالدواهِ
استذرى استتر له، سمط رملة أي صاحب رملة وأخو رملة يعني صائدا، أقرب عهده بالادهان حولان.
وبالغسلِ إلا أن يمير عصارة ... على رأسه من حشوِ أليسَ جائن
الغسل الخطمي، يقول هو بعيد العهد بالدهن والغسل إلا أن يخرج ما في كرش ثور مما يصيد فيعصره على رأسه، والحشو ما في جوفه من العلف، والأليس الشجاع المبرز الذي لا يبرح، والحائن الذي حانت منيته، وقال رؤبة:
يرمي ويرجو الممكنات اللِيسا
الليس جمع أليس وهو الذي لا يبرح. وقال الطرماح:
أخو قنصَ يهفو كأنّ سراتَه ... ورجليْه سلم بين حبلى مشاطِنِ
يهفو يمر مرا سريعا، وسراته أعلى ظهره، شبه رجليه إذا عدا وتحرك ظهره بسلم وهو دلو، بين حيلين ينزعان بها والدلو تضطرب
стр. 778
وتمايل، والمشاطن الذي يشاطنه رجل آخر ينزع هذا وينزع هذا، والمساحل نحوه، وقال مالك بن خالد الخُناعي:
حتى أشبّ له رامٍ بمُحدَلة ... ذو مِرّة بِدوارِ الصيدِ هَمّاسُ
المحدلة التي غمز طائفها إلى مؤخرها ثم عطفها إلى مقدمها. وأنشد الأصمعي لأبي حية:
ومصونةٌ دفغتْ فلما أقبلَتْ ... عطفَتْ طوائفها على الأقبالِ
ذو مرة أي ذو عقل، بدوار الصيد أي بمداورته وهو مصدر داورته دواراً، همّاس يمر مرا خفيا.
يدنى الحشيف عليها كي يواريها ... ونفسَه وهو للأطمار لبّاس
الحشيف الثوب الخلق يدنيه على القوس ليسترها ويستر نفسه.
فقامَ في سِيتَيْها فانتحَى فرَمى ... وسهمه لبناتِ الجوفِ مسّاسُ
قام في سيتيها أي قام بينهما، إنتحى تحرف، وبنات الجوف الأفئدة قال أبو عمرو: الأمعاء والكبد. وقال آخر من هذيل وذكر أتانا:
أتيحَ له أقيدر ذو حَشيفٍ ... غبيّ في نجاشتهِ زَلوج
стр. 779
الأقيدر القصير العنق، وغبي خفي إذا نجش الوحش وهو أن يحوشها نحو الرامي، زلوج خفيف على الأرض.
ويُهلك نَفَسه إن لم ينلْها ... فحُقَّ له سَحير أو بَعيج
يقول يهلك نفسه باللوم إن فاته شيء من الوحش أي يخطئه، سحير يصيب سَحْره والسحر الرئة، والبعيج المبعوجَ البطن أي المشقوقة. وقال أسامة الهذلي وذكر حمارا:
فلما تولى صادراً واستراثُه ... غبيُّ سَفاةٍ في المقابرِ صائدُ
استراثه استبطأه، غبي سفاة يعني أنه قد غبى في قترته أي خفي فيها، والسفا التراب الذي خرج من القترة، يقول كأنه في قبر من قترته.
مُقيت إذا لم يرمِ لاهو يائس ... ولا هو حتى يخفُقُ النجمُ راقدُ
مقيت مقدّر إذا لم يرم، يخفق النجم يغيب. وقال أمية بن أبي عائذ يذكر حمارا وآتنا:
فأسلكَها مرصداً حافظا ... به ابن الدُجَى لاطئاً كالطحالِ
مرصدا موضعا يرصد فيه، حافظا يحفظها من أن تزيغ وتجور.
ومثله قول الآخر أبو خراش:
فلما رأى أن لا نجاءَ وضمّه ... إلى الموتِ لِصبِ حافظ وقفيلِ
ابن الدجى صائد والدجى جمع دُجية وهي القترة كما قالوا للدليل
стр. 780
هو ابن فلاة، وقوله لاطئا كالطحال يريد أنه في قترته لازق كما لزق الطحال بالجنب.
مفيداً معيداً لأكلِ القَني ... ص ذا فاقةٍ ملحِماً للعِيال
له نسوة عاطلات الصدو ... ر عُوجٌ مراضيعٌ مثل السعاليَ
ملحم يقول هو مرزوق من الصيد والقنيص والقنص واحد وهو الصيد، ويقال ملحم للعيال أي يطعم عياله اللحم، عاطلات لا حلَى عليهن من الهزال.
وقال كعب بن زهير وذكر حميراً وردت:
فصادَفَ ذا شكوةٍ لاصقا ... لصوقَ البرام يظنَّ الظنونا
قصيز البنانِ دقيق الشوي ... يقول أيأتينَ أم لا يجينا
يعني صائداً، والبرام القراد. وقال الطرماح وذكر حماراً:
صادفْت طلوا طويلَ الطوي ... حافظَ العين قليلَ السَآم
منطو في مستوَى دُجية ... كانطواءِ الَحرِ بببن السِلامِ
الطلو الخفيف الجسم يريد صائداً، والدجية القترة، والحر الأبيض من الحيات، والسلام الحجارة، والصائد يوصف بخفة الجسم.
стр. 781
وقال الهذلي أبو ذؤيب:
كأنه في حواشي ثوبه صُرَد
يلحسن الرَصفَ له قَصْبة ... سمحج المتنِ هتوف الخطامِ
الرصف عقب السهم وجمعه رصاف، والقصبة القوس، والسمحج الطويلة الظهر، الخطام الوتر، هتوف مصوت.
إن ينل صيداً يكن جله ... لعجايا قوتهم بالِلحام
أو يصادف خفقاً يصِفهم ... بعتيقِ الخَشلِ دون الطعامَ
عجايا واحدتها عجيّ وهي التي ماتت أمهاتها فسقيت من ألبان غيرها يتتبع بها مواضع اللبن يعني ولد الصائد، والخفق أن لا يصادف شيئاَ، وعتيق الخشل يقال انه سويق المقل، والخشل نوي المقل، وجعله هاهنا المقل نفسه. وقال رؤبة وذكر الصائد:
لايشتكي صدغيه من داءِ الودَقِ ... فباتَ والنفس من الحرصِ الفَشقَ
في الزرب لو يمضغ شرياً ما بزق
الودقة نكتة تخرج في العين من بياض والذي يشتكي عينه يصيبه عليه الصداع، وجمع الودقة ودْق ولكنه حركه وأخرجه على المصدر كأنه قال ودِق ودَقا، والفشق الانتشار يقال ظبي أفشق القرنين، يريد
стр. 782
أن حرصه قد انتشر، والشري الحنظل، يقول قد صمّت مخافة أن يسمع الوحش صوته. ومثله:
فباتَ يخفي صوتَه والريحا ... والنفَسَ العالي والتسبيحا
وقال الشماخ:
وحلأها عن ذي الأراكةِ عامر ... أخو الخضر يرمي حيثُ تكوى النواحز
حلأها منعها من الماء، والخضر من محارب، والنواحز التي بها نحاز فتكوى في جنوبها وأصول أعناقها. وقال صخر الغي وذكر الوعول والقاض:
خفيّ الشخص مقتدرٌ عليها ... يسنّ على ثمائِلها السماما
الثميلة ما بقي في الجوف من الطعام، يريد أنه يرمي بطونها وخواصرها، والسمام جمع سَم يريد السهام. وقال ذو الرمة وذكر الحمير:
وقد أسهرت ذا أسهم باتَ جادل ... له فوقُ زُجّي مرفقيه وحاوِح
جادل منتصب، والزج طرف المرفق، وحاوح صوت، يقول هو بارك على مرفقيه لا ينام. ومثله قوله يذكره:
стр. 783
كأنه خشيةَ الاخطاء محموم
وقوله:
أو كان صاحب أرض أو به مُوم
الأرض الرعدة، والوم البِرسام، وقال أبو حية:
وفي الجانب الأقصى الذي ليس ضربةً ... برمح بلي حرّان زُرق معابِله
يعني القانص، قال: ليس يكون قدر ضربة برمح، ثم قال: بلى - ومثل هذا كثير، قال:
فلا تبعدنَ يا خير عمرو بن جندبِ ... بلى ان من زارَ القبورَ ليبعدا
وقال كعب بن زهير يصف الصائد:
لطيف كصمدّادِ الصفا لا يغرّه ... بمرتقبِ وحشيّه وهو نائمُ
وقد فسر في الأبيات في الهوام. وقال الشماخ وذكر عين ماء:
عليها الدُجى المستنشآتُ كأنها ... هوادج مشدود عليها الجزائز
الدجى القُتَر، المستنشآت المستحدثات، شبهها بالهوادج لأن الصائد يبنى على قترته شجر الثمام والحشيش ثم يقبّبه، والجزائز العهن
стр. 784
واحدها جزيزة. وقال أبو النجم يذكر الصائد والحية في القترة:
وهو كذي الشوق إلى زِيالها ... إن لم يرَ الصحةَ في اعتزالِها
زيالها فراقها، يريد إن لم ير الصواب في اعتزالها لأنه لو خرج من قترته أتاه السبع فأكله أو نذِرت به الوحش فصبر على مقاساتها وقال يصف القترة:
بيت حتوف مُكفَأ مردوحا
مكفأ له كفاء مرسل من خلفه، ردحتُ البيت وأردحته. وقال خداش بن زهير:
وأوس لنا ركن الشمالِ بأسهمٍ ... خفافٍ وناموس سديد حمائرُه
أوس اسم صائد، والناموس القترة، والحمائر صفائح حجارة واحدتها حمارة. وقال حميد الأرقط:
بيت حتوف أردِحت حمائره
وقال الكميت:
تخذَّ الطمر مئزراً وتردّي ... غير ما قدرة به الطمرورا
الطمر الخلق والطمرور أيضاً كذلك، يقول لم يقدر على ذلك قال امرؤ القيس:
стр. 785
بعثنا ربيئاً قبل ذلك مُخمِلاً ... كذئبِ الغضا يمشي الضَراء ويثقَّى
وقد مضى تفسيره. وقال كعب بن زهر وذكر القانص:
فلمارأى الصيدَ يوماً وأشرَعَت ... زوي سهمَه غاوٍ من الجنِ حارِم
قال أبو عمرو: يقولون ليس من وحشية إلا وعليها جني، وهو مثل بيت النابغة:
يقول راكبها الجني مرتفقاً ... هذا لكنّ ولحم الشاة محجور
حارم حرمه الصيد. وقال أمية بن أبي عائذ الهذلي وذكر رامياً:
يصيب الفريص وصدقاً يقو ... ل مرحَى وإيحى إذا ما يواليِ
إذا أصاب قال مرحى وإذا ثنى قال إيحى يقال ذلك عند الفرح والتعجب.
وقال امرؤ القيس وذكر رامياً:
فهو لاتنمي رميته ... ماله لاعدّ من نفَرِه
يقول لا تجوز الوضع الذي رماها فيه حتى تموت، وقوله لا عد كل من نفره يدعو عليه بالموت، يقول إذا عد أهله لم يعد معهم ولم يرد وقوع الفعل ولكنه كما يقال قاتله الله.
وقال أوس بن حجر وذكر رامياً أخطأ.
فعض بابهامِ اليمين ندامةً ... ولهف سراً أمه وهو لاهف
стр. 786
عض أبهام يمينه لأن القوس في يساره فقال: يا لهف أمّتاه لئلا يسمعِ الوحش.
وقال أبو خراش:
منيباً وقد أمسى تقدمَ وردَها ... أقيدر محموز القِطاع نذيلُ
القطاع جمع قِطْع وهو نصل قصير عريض، محموز شديد يقال حمز اللبن إذا أشتدت حموضته، والأقدر القصير اعنق يعني الصائد، تقدم فقعد على طريقها ويقال نذَل ونَذيل وسمج وسَميج.
الأبيات في الكِناس
قال:
وبيت تخفق الأرواح فيه ... خَلاءَ الليلِ معمور النهار
تمارسه صوانعٌ مشفقاتٌ ... على خرقٍ يقوَّم بالمَداري
يعني كناساً، والمداري القرون، وخرُق اولادها واحدها خَرق ومثله للعجاج:
وشجرَ الهدّابَ عنه فجفا ... بسلهبيْنٍ فوق أنفٍ أذلفا
الذلف قصر الأنف ورجوع طرفه إلى الرأس. وقال ذو الرمة وذكر ثوراً:
إلى كلِ بهوٍ ذي أخٍ يستعده ... إذا هجّرت أيامه للتحول
стр. 787
بهو يعني كناسه وكل فجوة ومتسع بهو، وقوله ذي أخ أخبر أن له كناسا آخر يستعده هذا الثور إذا زالت الشم فتحول عن هذا إليه. ومنه قول طرفة:
كأنّ كناسَي ضالة ويكنفانها ... وأطْرَ قسيّ تحت صُلب مؤيّد
وقد فسر في كتاب الابل. وقال النجاثي وذكر ظبياً:
إذا الشمسُ ضَحَّت متنها يستعدّه ... لحد الضحى أحوى الشراسيفِ أكحلِ
قال: هذا الكناس له بابان باب للشمال وباب للجنوب فهو يستعد باب الجنوب للشتاء وباب الشمال للصيف، وضحت أظهرت. وقال لبيد يصف ديارا:
تحمل أهلُها وأجدَّ فيها ... نعاج الصيفِ أخبيةُ الظلالِ
أي اتخذت كُنُساً جدداً ولا يكون كناس إلا تحت شجرة وجعلها نعاج صيف لأنهم يرتحلون لطلب المياه. وقال العجاج يذكر الثور:
فباتَ في مكتنسٍ معمورٍ ... مساقطٍ كالهودجِ المخدورِ
مكتنس شجر جعل كناساً، معمور من البَقر، مساقط مسترخ
стр. 788
أغصانه وورقه وكأنه هودج صير له خدر.
كأن ريحَ جوفه المزبورِ ... بالخُشثبِ دون الهدَبِ اليخضورِ
مزبور كأنه طوي بخشب كما تطوى البئر بالحجارة، ثم قال بالخشب دون الهدب - يقول هو أسفل من الهدب والهدب ورق الأرطي.
وبالشتاء حضر المحضور ... إذا انتحَى كالنابثِ المثيرِ
أي هذا الكناس كثير الحاضر في الشتاء من البقر والظباء.
مرَّت له دونَ الرجا المحفورِ ... نواشطٌ الأرطاةِ كالسيورِ
أي تعترض له عروق الشجرة دون الرجا يعني ناحية المكنس، ونواشط عروق تأخذ من هذا الشق إلى الشق الآخر. وقال آخر يذكر ظبياً:
وينبحُ بين الشعبِ نبحاً كأنه ... نباحُ سلوقٍ أبصرتْ ما يريبُها
وبيّضه الهزل المسوّد غيره ... كما ابيض عن حمض المراضَين نيبها
الظبي إذا أسن وصارت لقرونه شعب نبح وقيل له نباح وأشعب. ومنه قول أبي دواد:
نبّاح من الشُعْب
والظبي إذا هزل ابيض وكل أبيض إذا هزل اسود والبعير يشيب وجهه إذا رعى الحمض. وقال الراجز:
أكلن حمضاً فالوجوه شيب
стр. 789
وقال عمر بن لجأ:
شابت ولما تَدن من ذكائها
دخول الظباء الكُنس في الحر
قال الراعي وذكر ناقة:
أخالف الفلاةَ فأرمي بها ... إذا أعرَضَ الكانس المظهر
إذا قالَ في فتن واحد ... من الضالةِ الرئم والأعفرُ
أعرض عن الشمس، يقول من شدة الحر يجتمع اثنان مختلفان. وقال الحطيئة:
وقدَّت لها الشعري فأل ... فت الخدودَ بها الهواجر
يريد الحر الذي كان بالشعري فجعلت الخدود مؤتلفة في الكنس من شدة الحر.
وقال ذو الرمة:
ويوم يُزيرُ الظبي أقصى كناسِه ... وينزو كنزوِ المعلَقاتِ جنادبه
يزير الظبي أقصى الكناس من شدة الحر، والمعلقات الظباء تعلقن في الشرك فينزون وانما ينزو الجندب من الرمضاء. وقال:
ويوم من الشعري يظل ظباؤه ... بسوقِ العضاه عوّذا لا تبرّح
стр. 790
أي لو أجيء في الكنس تحت سوق العضاه وهوَ شجر. وقال المرار وذكر فلاة:
وفي ذُراها من الجوزاءِ عاصفة ... ترمي الكناسَ بأفراق اليعافيرِ
يكف من حَجرتيْها ثم يهجمها ... على الكناسِ أصيلا بعد تغوِيرِ
الحر يكف من جانبها أي يضم، ثم يهجمها أي يدخلها الكنس، أصيلا عشياً، بعد تغوير يعني نصف النهار. ومثله له:
ويومٌ من النجم مستوقد ... يسوق إلى الموتِ نور الظباءِ
النور النوافر والنَوار النَفور، وقوله إلى الموت يريد أنها تدخل الكنس وتخفى فكأنها مدفونة في القبور.
تراها تدورُ بغيرِ أنها ... ويهجمُها بارح ذو عماءِ
أي ذو غبار، شبه البارح بالسحاب.
إذا حرجت تتّقي بالقرون ... أجيج سمومٍ كَلفح الصلاءِ
يقول إذا ضاقت عليها الكنس اتقت الحر بالقرون، ومثله قول الطرماح:
يتقي الشمسَ بمدرية ... كالحماليج بأيدي التلام
стр. 791
وقال مسكين الدارمي:
وهاجرةٌ ظلّتْ كأنّ رؤوسها ... علاها صداع أو فَوال تضورها
وقال الشماخ:
إذا كان يعفوز الفلاةِ كأنه ... من الحر ِحرج تحت لوح مفرّجِ
الحرج الودعة تكون تحت الرحل يزين به الرحل، قال الأصمعي ودعة تكون في أعلى الهودج من داخله، يقول: انطوى الظبي في كناسه في هذا الوقت فكأنه من بياضه ودعة تحت الرحل. وقال لبيد وذكر ناقة:
تسلب الكانس لم يُرَبها ... شعبة الساقِ إذا الظل عقَل
أي تدخل الناقة كناس الظبي من الحر، لم يور بها لم يشعر بها حتى هجمت عليه، ويروى: لم يوأر بها مقلوب، يقال استورأت إذا مرت عليه نفار، والساق ساق الشجرة، عقل اعتدل.
وقال كثير:
وتعانَقَتْ أدم الظباء وباشَرَتْ ... أكناف كل ظليلةٍ مقيال
يقول تجتمع فتتقي بعضها من الحر ببعض، وظليلة شجرة، ومقيال يقال فيها.
стр. 792
الجزء الخامس من كتاب المعاني
كتاب الوعيد والبيان والخطابة
فيه
الأبيات في الوعيد والبيان والخطابة وفي الدعاء بالشر واليمن واللأيمان والعداوة والبغضاء والظلم والبغي والداهية والخطة والقيد والغل.
بسم الله الرحمن الرحيم
الأبيات في الوعيد
قال نافع بن لقيط الفقعسي:
إربِط حمارَكَ إنه مستنفر ... في إثرِ أحمر عمدنَ لغرّبِ
يروى: أزجر حمارك، ومعناه كف نفسك عن أذى قومك لا تطمحن إليهم بالأذى فانك قد عيرت في شتمهم كما يعير الحمار عن مربط أهله يتبع حماراً.
أعطيكَ ذمةَ والديّ كليهما ... لأذَرّفنْكَ الموتَ إن لم تهرب
ولأحملنكَ إلى نهابرٍ إن تثبَ ... فيها وإن كنتَ المنهِّت تعطب
لأذرفنك الموت أي لأشرفن بك عليه، ويقال ذرف على الأربعين، والمنهِت الأسد، والنهابر من الرمل واحدها نهبور وهو المشرف منه. وقال عبد اللَه بن عَنمة:
أزجر حماركَ لا يرتع بروضتنا ... إذأ يردّ وقيد العَير مكروب
стр. 793
هذا مثل، يقول: رد شرك عنا لا تعرض لنا وإلا تفعل يرجع إليك أمرك مضيقاً عليك، والمكروب المضيّق. وقال أبو المثلم:
أعام بن عجلان مقصورةً ... بغيريَ من شِبعٍ عرِّض
يريد عامر بن عجلان أقتصر بالحديث عليك لا أبلغها الحي أجمعين، والمقصورة رسالة، وإذا شبعت فعرض بغيري.
فإن الذي يُتّقى شرّه ... كما تتّقى النار بالمِركضِ
الأصمعي: ما سبقه بالمركض أحد، قال: وليس المركض بشيء وليس هو باسم، والركض الرفع وأراد به عوداً تحرك به النار.
متى ما أشأ غير زَهوِ الملو ... كِ أجعَلْكَ رهطاً على حُيّضِ
الرهط أديم سيورا دقاقاً ويترك أعلاه لا يقد تأتزر به النساء والصبيان، أي يقدرك الناس مما أظهر منك وليس هذا مني زهواً
وأكحلكَ بالصاب أو بالجلاءِ ... ففقّح بعينيكَ أو غَمِّض
الصاب شجر له لبن يحرق العين إذا أصابها قطرة منه، والجلاء كحل يجلو العين يحك على حجر ثم يكتحل به، وهذا مثل أراد أنه يأتيك من قبلي شيء يحرقك ففقّح عينيك أو أغمض أي أنكران شئت أو تغافل فإني لا أجيئك إلا بما تعرف، ويقال للجرو أول ما يفتح عينيه قد فقّح، يقول فتهيأ لها مني.
стр. 794
وأسعطْكَ في الأنفِ ماءَ الأبا ... ءِ مما يثمّلُ المِخوضِ
الاباء القصب ويقال الأباء هاهنا الذي تشرب منه الأروى فتبول فيه وتدمنه، ويثمل ينقع وقد فسد واستنقع.
جهلّتَ سعوطكَ حتى ظنن ... تَ أن قد أرِضتَ ولم تؤرَض
أي جهلت ما صنعت بك حتى ظننت أن بك زكمة وإنما ذا مما وضعت برأسك، والأرض الركام. وقال رؤبة:
يا أيها الكاسر عيْن الأغضَن ... والقائل الأقوال ما لم يلقني
هرّق على خمرك أو تبيّن ... بأي دلو إن غرفنا تستني
إن صحّ في أوفر حقن المحقن ... فالسبّ تخريق الأديم الألخن
هرق على خمرك أي أقبل على لهوك وباطلك، يقول إن فاخرتني فبم تفاخرني. ومثله للفضل بن عباس اللهبي:
من يساجلني يساجل ماجِدا ... يملأ الدلَو إلى عقدِ الكَرَبِ
إن صح يقول إن تم أي إن اجتمع في أسقية وفرما تحقن وأحقن تبين أيّنا أكرم، والمحقن الذي يحقن فيه، واللخَن النتن يريد من
стр. 795
سابّ خرقّ جلده ولخن. ونحوه قول العجاج:
والشوق شاج للعيون الحُذّل
يقول هو الذي حذّلها وأبكاها وكذلك السب هو الذي ألخن الأديم وخرقه. وقال رؤبة:
ودَغْية من خَطلٍ مغدَودِنٍ ... قربان مَلكٍ أو شريفِ المعدنِ
قامَتْ به شدّاكُ بعد الأوهنِ ... بدرءِ همّاز دروء الضَيزنِ
الدغية الكلمة القبيحة، والخطل المضطرب، مغدودن مسترخ، قربان ملك أي من خاصة ملك كريم المغرس، شدّاك خصلتك التي هي أشد وهي فُعلى، بدرء أي يدفع، والضيزن الذي يضارّك. وقال:
والملغ يلكى بالكلامِ الأملَغِ ... لولا دَبوقاءِ استهِ لم يبدَغِ
الملغ النذل، يلكى يلهج يقال لكيت بدنس أي لزقت به والدبوقاء الدبق ودبوقاء الاست العذرة، يقول لولا خرؤه لم يتلطخ يقال بدغ الرجل في خرئه إذا تلطخ به. وقال:
فابهز بي المدره والزعما ... وذا عضاضٍ يعدل الظَلوما
ابهز بي يقول القُه بي من قولك رجل مبهوز، والزعيم في
стр. 796
هذا الموضع، المتكلم وفي غيره الكفيل.
يعتقم الأجدالَ والخصوما ... بشُطسيِّ يفهمُ التفهيما
الشطَسيِ المارد المتكبر من الرجال.
ويَعتقي بالكلمِ التكليما ... ممتنعَ العقميّ أو عقيما
أذللت من قَسوتيِ التحريما
يعتقي يعتاق مقلوب، يقال: اعتاقه واعتقاه، يريد يعتاق بكلم منه التكليم الذي كلمه به خصمه، والعقميّ من اعتقام البئر كأنه يأتيه من عرض أو عقيما يعني الداهية، قسوتي صعوبتي، والتحريم يقال بعير محرّم إذا لم يمسه حبل ولم يذلّل. وقال المرقش:
أبلغ المنذِرَ المنقّبَ عني ... غير مستعتبِ ولا مستعينِ
لا ت هنا وليتني طرفَ الزجِّ ... وأهلي بالشَأم ذَاتَ القرونِ
المنقب المستقصي في الطلب، لات هنا أي ليس هذا وقت إرادتك، والزج موضع، وقوله بالشأم ذات القرون لأن الروم كانوا بالشأم وأراد قرون شعورهم كأنه قال بالشأم ذات العدوّ، وليتني في بلاد العدو.
стр. 797
وقال امرؤ القيس:
أقصر إليكَ من الوعيدِ فإنني ... مما ألاقي لا أشدّ حزامي
أي قد جربت حتى لا احتاج أن اتشدد للاشياء ولا أتحزم لها. وقال الزبرقان بن بدر:
ألم أكُ باذلاً ودّي ونَصري ... وأصرف عنكم ذربي ولَغبي
ذرَبي حدة لساني، ولغبي سيء كلامي وأصله رديء الريش. وقال أوس:
أقولُ بما صبّتْ على عما يتي ... وأمري وفي حبلِ العشيرة أحطمب
يقول أقول بما جربت وما علمت مما مضى من دهري وهو مثل. وقال جرير:
إني إذا الشاعرُ المغرورُ حرّبني ... جار لقبرٍ على مرّانِ مرموسِ
حربني أغضبني يعني قبر تميم، يقول أنا جار لتميم ممن يهجوها أذب عنهم الشعراء. وقال عنترة:
سيأتيكما عني وإن كنت نائيأ ... دخانَ العلندَي دون بيتي مذود
стр. 798
يقال أن العلندي جبل لم ير إلا وعليه كالدخان، ويقال العلندي شجر له دخان كثير إذا أوقد به وهذا من قولك: لأثيرن عليكم شرا يبلغ دخانه السماء - أي يأتيكم من هجائي شيء له دخان كدخان العلندي، مذود يذود عنه ويدافع.
قصائذ من قيل امرىء يحتديكُم ... وأنتم بِجسمَى فارتدوا وتقلدّوا
بيّن ذلك الدخان فقال قصائد، يحتديكم يتعمدكم بها، فارتدوا هذا الهجاء وتقلدوا، كما قال الآخر أبو ذؤيب:
لخبِرّت أنا نحتدي الحمد إنما ... تكلّفه من النفوسِ خيارها
ومثل قول الأول:
سأكسوكما يا ابن يزيد بن جعشمٍ ... رداءيْن من قارٍ ومن قِطرانِ
اذا لُبسا زاداً على اللبسِ جدّة ... ولم يبلَ وَشى منهما لِأوانِ
وقال أوس:
وما أنا إلا مستعد كما ترى ... أخو شرَكيّ الورد غير معتمِ
شركي الورد سريع يقال لطمه لطما شركيا أي متتابعا، يريد أنه ورد في إثر ورد ومعنى الورد أنه أغشاهم ما يكرهون، يقال لا يزال فلان يتوردنا بالشر، معتِم محتبس، قيل لأعرابي: ما قمر أربع؟ فقال عتمة ربع، أي قدر ما يحتبس في عشائه، وقوله:
стр. 799
على حينِ أن جد الذكاءِ وادركَتْ ... قريحةَ حسى من شريح معمِمِ
الذكاء السن، يقال فرس مذكّ إذا كان قد أسن، والقريحة أول ما يخرج من البئر، واقتراح القول ابتداؤه، ومنه اقترحْ عليّ ما شئت وشريح ابنه، أي بعد ما أسننت وادرك ابني وقال الشعر، وضرب الحسى مثلا للشعر. وقال الشماخ:
نبئتُ أن ربيعاً أن رعى إبلاً ... يهدي إلىّ خناه ثاني الجِيد
فان كرهتَ هجائي فاجتنبْ سخطَي ... لا يعقلنّكَ إفراعي وتصعيدي
أن رعى إبلا أي استغنى وصار له مال، ثاني الجيد أي رخى البال غير مكترث لذلك، وإفراعي هاهنا انحداري وهذا حرف من الأضداد، يقال أفرع في الجبل صد وأفرع منه إنحدر. وقال آخر في الصعود وهو رجل من العبلات:
إني امروء من يمانٍ حين تنسبني ... وفي أميةٍ إفراعي وتصويبي
وقال آخر:
إني لأشقى الناس إن كنتَ غارماً ... ضمان التي يسقي بها نخلُ مَلهمُ
عبد الرحمن عن عمه قال: يقول إن كنت كلما عقرت سانية
стр. 800
ضمنتها فإني شقي. وقال غيره: أراد جريرة القصيدة يتغنى بها الساقي نخل ملَهم وذلك انه رمى بشيء فانتفى منه، كما قال ابن أحمر:
وإن قال غاوٍ من تنوخ قصيدةً ... به جربّ عدّت عليَّ بزوبرا
يعني الداهية. وقال النابغة للنعمان بن جبلة:
ولولا أبو الشقراء ما زال ماتح ... يعالج خطّافاً بإحدى الجرائرِ
الجرائر جمع جريرة، يعني ما ينشد إذا استقى، وكان بعضهم يجعله من غير هذا، يقول: لولا أبو الشقراء وأنه أعتق أسراءنا ما زال رجل منا قد أسرته قوم فهو يستقي لهم، والجرائر في هذا التفسير جع جرور وهي البئر البعيدة القعر. وقال الأعشى:
وإن عتاقَ الطيرِ سوف يزور ... ثناءً على أعجازهُنَ معلّقُ
به تنفض الأحلاس والديكُ نائم ... وتعقَد أطراف الحبالِ وتطلقُ
يعني أنهم إذا رحلوا وحطوا تمثلوا بهذه القصيدة. وقال المسيب:
إني امرؤ مهدِ بغيب تحيةِ ... إلى ابن الجلنديّ فارس الخيلَ جيفر
بها تنفض الأحلاس والديَكُ نائمَ ... إلى مسنفاتِ آخر الليلِ ضمّر
стр. 801
يقول إذا رحلوا إبلهم وحطوا عنها تمثلوا بهذه القصيدة وأنشدوها. وقال آخر:
سأرفع قولاً للحصيْن ومالكِ ... تطيرُ به الغربان سطرَ المواسمِ
وتروي به الهيم الظماء وَيطّي ... بأمثالها الغاوون سجع الحمائم
الغربان غربان الابل واحدها غرابة وهو مقعد الراكب، شطر أي نحو وتروي به الهيم الظماء يريد أنه يتغنى بهذا القول إذا سقيت. وقال جرير:
رفع المطي بما وسمتُ مجاشعاً ... والزنبريّ يعوم ذو الأجلالِ
الزنبري العظام من السفن، والأجلال الشرع، يقول غنى بهجائي لهم في البحر والبر. وقال زهير:
فإن الشعرَ ليس له مردّ ... إذا وَرَدَ المياء به التِجار
يقول إذا استقوا الماء تمثلوا به وترنموا. وقال:
سيأتي آلُ حصنٍ حيث كانوا ... من المذلاتِ باقيةً ثناءُ
أصل المذَل القلق أي كلام لا يستقر بمكان واحد ولكنه يسير على
стр. 802
ألسنة الرجال، باقية نصب على الحال. وقال المسيب بن علس:
فلأهديّنَ مع الرياح قصيدةً ... مني مغلغلةً إلى القعقاع
مع الرياح أي تذهب كال مذهب كما تأخذ الرياح في كل وجه أي يتحملها الناس ويحسنها. وقال الكميت وذكر قصيدة له:
فتلكَ إليكَ تقدبم مذهباتٍ ... بها يترنم الوله الطروبُ
فلا الرجزاءُ تعجز عن قيام ... ولا ذاتُ العقال ولا العتوبُ
ولكن كل نابئةٍ خَروجً ... من الأمثال والطلُق المنيبُ
يقول هذه القصائد ليست كالرجزاء ولا كالظالع ولا العتوب، وهو الذي يعتب على يد واحدة: والنابئة التي تخرج من أرض إلى أرض، ويروى: ولكن كل آبية، وهي التي تأبى أن يقال مثلها، والطلق التي لا عقال لها، ويقال ان المنيب أول الابل الماضي على وجهه في الصدر من أناب. وقال يذكر قصائده:
غرائبٌ يدعونّ الرواة كأنما ... رشَونهم والراكبَ المتغردّا
تعلّظ أقواماً بميسم بارق ... وتفطم أوباشاً حميلاً ومُسنداً
يقول يطلبها الناس حتى يرووها من حسنها فكأنَها رشتهم
стр. 803
والعلاط سمة في العنق بمنزلة القلادة، والمسند الدعى، والحميل الذي يحمل من بلاده صغيراً. وقال خداش بن زهير:
كذبتُ عليكم أوعدوني وعلّلوا ... بي الأرض والأقوام قُردان مِوظَبا
كذبت عليكم إغراء أي عليكم بي، ومثله لمعقر بن حمار البارقي:
وذبيانية أوصت بنيها ... بأن كذبَ القراطفِ والقُروفِ
عليكم بها، أوعدوني من الوعيد وتغنوا بشتمي وعللوا به السفْر
إذا مِقنَب منكم تقيَّل قَيلة ... ثنى رجل الأخرى عليّ فشبّبا
المقنب من الخيل ما بين خمسة عشر إلى ثلاثين، يقول إذا سوى من اللبن استلقى ووضع رجلا على رجل وتغنى بهجائي، وشبب فيه، والقيل شرب نصف النهار. وقال الراعي:
تغنى ليبلغني خنزر ... وكل ابن مومسةٍ أخزرُ
قياماً يوارون عوراتِهم ... بشتمى وعوراتهم أظهرُ
أي تغني بشتمي، يريدون أن يغطوا على أنفسهم بشتمي وعوراتهم أظهر لأنهم إذا شتموني شتموا أنفسهم بذلك يعني قومه. وقال القطامي:
стр. 804
وطال ما ذبّ عني سائرٍ شرُد ... يصبحنَ فوق لسان الراكب العادي
فاسألُ نزاراً فقد كانت تنازلني ... بالنصفِ من بين إسخان وإبرادِ
سائر يعني شعرا يسير في الناس ووحّد على اللفظ لأنه أراد الشعر ومعنى الشعر جميع ولذلك قال شرد، والنصف الإنصاف، وإسخان وإبراد شر وخير، يقال أسخنت له الحرب وأبردت له السلم. وقال ابن أحمر وذكر امرأة:
إذا عرضتُ منها بنجدٍ تحيةً ... فان لها أخرى تخبّ بمَوسِم
يقول إذا قلت فيها قصيدة أمتدحها بها فبلغت نجدا فإني قائل أخرى فتسير حتى تروى بالموسم. وقال الراعي:
وقلتُ له إن تدلَج الليلَ لاتزل ... أمامكَ بيت من بيوتي عائر
أي بيت هجاء سائر. وقال بشر:
إذا ما شئتَ نالكَ هاجراتي ... ولم يُعمَل إليكَ بهن ساقي
الهاجرات الكلام القبيح، يقال أهجر في منطقه، يقول يأتيك الهجاء من غير أن آتيك به لأنه يسير. وقال جرير:
وأطلعتُ القصائد طَود سَلَمى ... وجدّع صاحبي شُعَبَي انتقامي
سلمى أحد جبلي طيء، وإطلاعه إياه القصائد أنه هجا الأعور النبهاني، وصاحبا شعبي رجلان هجاهما، وشعبي موضع. وقال الشماخ:
لولا ابن عفانٍ والسلطانُ مرتقَب ... أوردت فجّا من اللّعباءَ جُلمودي
стр. 805
مرتقب محاذر، واللعباء أرض لبني سليم وكان بها أعداؤه، وجلموده يريد الهجاء.
وقال راشد بن شهاب:
بذمً يغشى المرء خزياً ورَهطه ... لدى السرحةِ العشياء في ظِلّها الأدَم
السرحة شجرة كانت بعكاظ يجتمعون عندها ويتحدثون في ظلها وكان الأدم يباع تحتها، ويروى العشواء وهي الكثيفة الظل التي لا يبصر فيها لشدة سواد الظل. وقال الأخطل:
وما يبقى على الأيامِ إلا ... بنات الدهرِ والكلم العقورُ
بنات الدهر أحداثه وصروفه، والكلم العقور الهجاء. وقال ابن مقبل:
بني عامر ما تأمرون بشاعرٍ ... تخيرّ بابات الكتاب هجائيا
وعندي الدُهَيم لوأحلُ عقالها ... فتصعد لم تعدم من الَجن حاديا
بابات سطور واحدها بابة، والدهيم الداهية والأصل ناقة حمل عليها رؤوس إخوة قتلوا فضربت مثلا في الشر فأراد أن الجن تحدو القوافي كأنها تسوقها إلى الشاعر. وقال عنتر:
هل غادرَ الشعراءُ من متردَّمٍ ... أم هل عرفَتْ الدارُ بعد توهّمِ
غادر ترك، متردم مترقع مستصلَح يقال ردمت ثيابي ولدمتها
стр. 806
وأصلحتها، ويقال ثوب مردَمّ إذا سد خلله بالرقاع، وهذا كقولك هل ترك الأول للآخر شيئاً؟ أي هل ترك الشعراء شيئاً ينظر فيه، ويروى مترنم أي متغنى فيه. وقال النابغة:
يصّد الشاعرُ الثنيان عني ... صدود البَكرِ عن قَوم هجانَ
والثنيان الذي يعد ثانياً من الشعراء ويقال هو الشاعر ابن الشاعر يقول لا يقوى على مهاجاتي كما لا يطيق البكر القرمَ فيصدّ عنه. وقال الأعشى:
أبا مِسمع أقصر فإن غريبة ... متى تأتكم تلحق بها أخواتها
غريبة قصيدة هجاء. وقال الكميت يذكر قصيدة:
فدونكموها آلُ كلبٍ فإنها ... غرائب ليست بانتحالٍ ولاخُشب
الأخشب من القداح الذي لم تتم صنعته جعله مثلا. وقال الراعي للأخطل:
أبا مالكٍ لا تنطق الشعرَ بعدها ... وأعطِ القياد عثَمت على كسرِ
العثم أن ينكسر العظم فينجبر على عقد، يريد انا قتلنا قومك.
стр. 807
وقال بعض الشعراء لعمرو بن معدي كرب وكان عمرو هجاه.
ليس النزول يسيراً إن همَمْت به ... ولست منها على غُنمٍ وإحرازِ
أي ليس نزولك عن الخطة التي أحملك عليها من الهجاء يسيراً ولست من مهاجاتي على غنيمة تحورزها.
فإن أبيتَ وشر الغَيَ غنيمة أطوله ... فإنَّ عِرضكَ من عرضِ امرئ جازى
جاز قاض، فلما بلغ البيت عمراً قال: صدق لا أهجوه أبداً. وقال أبو النجم:
ينصرني الله ومن شاءَ نصر ... بمنطقٍ كأنه الصخر الأصر
إذا تعيا المتعيّون انحدَر
الأصرفي صوته إذا ضُرب صوّت، يقول إذا عيّ الشعراء انحدر شعري. وقال الطرماح:
أتهجو من روى جزعاً واؤماً ... كساقي الليل من كدرٍ وصافى
تنخّل ما استطعتُ فإن حربي ... تلقح بالقصائدِ عن كشافِ
يقول تترك من يقول الشعر فلا تهجو وتهجو من رواه لغيره جزعاً منك ولؤماً - ثم شبه رواية الشعر من غير أن يقوله بهذا الذي يسقى بالليل ولا يدري أصاف ما يسقي أم كدر، ثم قال: تنحل أنت
стр. 808
الشعر فإن قصائدي تأتيك تترى، ثم ضرب الكَشوف مثلا ويقال للناقة إذا حمل عليها في سنتين متواليتين كشوف وهو أن يحمل عليها في دم نتاجها. وقال يذكر الشعراء:
ويؤديهم عليّ فتاءِ سنى ... حَنَانَكَ ربنا يا فا الجَنان
سيعلم كلهم أني مسن ... إذا رفعتْ عِنانا عن عنانِ
يؤديهم يعينهم، فتاء سني حداثتي، حنانك رحمتك يا ذا الرحمة، أي إذا رفعت الخيل سبقا بعد سبق وشوطاً بعد شوط. وقال العجاج:
وشاعرٌ آلى بجهدٍ المقسمِ ... ليعضدنَّ باطلى وأضمي
أي ليقطعن لعبي وجدي، والأضم شدة الغضب.
كما تمنى مارث في مَفطَمِ ... وقد رأى دوني من تهجّمي
المارث الذي يمضغ على دردره أي أصول أسنانه يريد الصبي ومفطم فطام.
أم الربيقِ والأرَيقِ الأزنَم ... فلم يلثْ شيطانه تنهّمي
أي رأى دوني داهية، يقال، جاء بأم الربيق على أريق، والأزنم ذو الزَنمة فلم يلث لم يحبس، والتنهم الزجر.
مختتئاً لشيّئان مِرجم
المختتئ المنكسر المستخذي، والشيئان البعيد النظر، والمرجم
стр. 809
الشديد العدْو. وقال طرفة:
وقرّبتُ بالقربى وجدّكَ إنني ... متى يك أمر للنكيثة أشهدُ
وقربت بالقربى أدللت بالقرابة، والنكيثة الأمر يبلغ فيه أقصى المجهود من النفس، يقول متى يحدث مثل هذا أشهده، يقال بلغت نكيثة البعير إذا جهدته.
بلا حدَثٍ أحدثته وكمحدثٍ ... هجائي وقذفي بالشكاة ومطرَدى
المعنى بلا حدث كان منى هجاؤه لي وقذفه بالشكاة، وقوله كمحدث أي من أتى ذلك إليّ فهو كمحدث، ويقال أراد فعل ذلك بي بلا حدث أحدثته وكمحدث من فعل ذلك به، أي قد استويا في الهجاء والشكاة. وقال أبو دواد: وأتاني تقحيم كعب لي المنطق إن النكيثة الإقدام في نظام ما كنت فيه فلا يحزنك قول، لكل حسناء ذام التقحيم الكلام بعضه في أثر بعض كأنه هجاه، وكعب هو كعب ابن مامة وكان بلغه عنه ماكره، والنكيثة بلوغ الأمر منتهاه، في نظام أي في نظام من الكلام، والذام والذيم العيب. وقال طرفة:
سأحلب عيساً صحن سم فأبتغي ... به جيرتي حتى يجَلّوا لي الخمر
стр. 810
الصحن الإناء القصير الجدار، والعيس ماء الفحل وهو سم قاتل، وهذا مثل يقول: أقول فيهم شعراً يكون بمنزلة هذا حتى يخبروني بجليّة الأمر، والخمَر ما واراك من شيء. وقال:
إن امرء أسرِف الفؤاد يرى ... عَسلاً بماءِ سحابة شَتمِي
سرف الفؤاد أي خطيء الفواد والسرف الخطاء، الأصمعي قال: قال لي أبو خيرة أردتكم فسِرفتكم، وأنشد لجرير يمدح بني أمية:
أعطوا هنيدةَ يحدوها ثمانيةٌ ... ما في عطائهم مَنْ ولا سرَف
أي يضعون العطاء موضعه لا يخطئون. وقال جرير:
جبيت جبَى عبد فأصبحت موردّا ... غرائب يلقى صعبةً من يذودها
الجبي جمع الماء في الحوض حتى ترده الإبل فتشرب، يقول جبيت أي جمعت في حوضك ماء لا يروى واردتك، وهذا مثل يريد أنك لم تغن فيما عبأتَ لي وكان الذي أوردته من إبلك غرائب من الشعر، ويروى ضيعة أي شغلاً وعملاً، يذودها يدفعها. وقال:
وأوقدت نارى بالحديدِ فأصبحت ... لها وهج يصلى بها الله من يصلى
أي أوقدت ناري بمياسم الشعر، وهذا مثل.
следующие страницы →