العبر في خبر من غبر
لمؤرخ الإسلام الحافظ الذهبي
٧٤٨ هجرية ـ ١٣٤٧ م
الجزء الأول
من سنة ١ إلى سنة ٣١٨
حققه وضبطه على مخطوطتين
أبو هاجر محمد السعيد بن بسيوني زغلول
دار الكتب العلمية بيروت لبنان
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة المؤلف
قال الحافظ العلامة العمدة أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن الذهبي رضوان الله عليه:
الحمد لله مميت الأحياء ومحيي الأموات ومبيد الأشياء ومعيد البريات ومنزل القرآن ومجزل العطيات ومجري الفلك ومالك الملك ومقدر الآجال والأفعال والأقوات ومحصي عدد الرمل والقطر والنبات
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة مدخرة لوقت الممات
وأشهد أن محمدا عبده ورسوله خاتم النبوات وأفضل المخلوقات
وبعد فهذا تاريخ مختصر على السنوات أذكر فيه ما قدر لي من أشهر الحوادث والوفيات مما يتعين على الذكي حفظه ويتحتم على العالم إحضاره والله الموفق والأعمال بالنية ولا حول ولا قوة إلا بالله
стр. 3
السنة الأولى من التاريخ الإسلامي
فيها هاجر النبي ﷺ
إلى المدينة. فقدمها يوم الاثنين ضحى، لاثنتي عشرة خلت من شهر ربيع الأول، فنزل بها وبنى مسجدها وأقام بها ثلاثا.
وفيها توفي: البراء (١) بن معرور أحد النقباء وأول من بايع النبي، ﷺ ليلة العقبة.
وأبو أمامة أسعد بن زرارة (٢) بالذبحة. وكان من سادة الأنصار ومن رؤسائهم الأبرار، ومن بني مالك بن النجار.
سنة اثنتين
كانت غزوة بدر يوم الجمعة
سابع عشر من رمضان. فاستشهد من المسلمين أربعة عشر، وقتل من الكفار سبعون.
فممن قتل: أبو جهل المخزومي، وعتبة بن ربيعة العبشمي، وهما مقدما الجيش، وكبيرا قريش. وشيبة أخو عتبة، والوليد بن عتبة، وأمية بن خلف الجمحي، وعقبة بن أبي معيط.
وهلك فيها أبو لهب.
والمطعم بن عدي.
وفيها فرض رمضان.
стр. 4
وفي شوالها دخل النبي صلى الله علية وسلم بعائشة.
وفيها توفي عثمان بن مظعون.
وفيها تحولت القبلة في وسط السنة.
وفيها بنى علي بفاطمة ﵄.
وفيها ولد المسور بن مخرمة، وعبد الله بن الزبير، ومروان بن الحكم، والنعمان بن البشير.
سنة ثلاث
في رمضان ولد الحسن بن علي.
ودخل النبي صلى الله علية وسلم بحفصة في رمضان أيضاً، وزينب بنت جحش، وزينب بنت خزيمة العامرية أم المساكين. فعاشت عنده نحو ثلاثة أشهر وتوفيت.
وفيها تزوج عثمان أم كلثوم بنت النبي صلى الله علية وسلم.
كانت وقعة أحد
وفي يوم السبت حادي عشر شوال كانت وقعة أحد. فاستشهد يومئذٍ حمزة عم النبي صلى الله علية وسلم ومصعب بن عمير العبدري، وتتمة سبعين رجلاً، ﵃.
وفيها بئر معونة بعد أحد. قال أنس: بعث رسول الله صلى الله علية وسلم سبعين رجلاً فقتلوا ببئر معونة.
سنة أربع
في صفر كانت غزوة بئر معونة.
قال أنس: كانوا سبعين فقتلوا يومئذ.
стр. 5
قلت: منهم: المنذر بن عمرو الساعدي أميرهم، ونافع بن بديل بن ورقاء، وعامر بن فهيرة والحارث بن الصمة وحرام بن ملحان وعروة بن أسماء السلمي.
وقال غير أنس: كانوا أربعين، وكان يقال لهم القراء، فاستشهدوا ونزل فيهم قرآن ثم نسخ. وفيها غزوة بني النضير، ونزلوا صلحاً وجلوا إلى خيبر.
وبعدها غزوة ذات الرقاع. ولقي النبي صلى الله علية وسلم جمعاً من غطفان فلم يكن قتال.
سنة خمس
غزوة الخندق
في شوال غزوة الخندق. وهي غزوة الأحزاب. ولم يكن فيها إلا رمي بالنبل ومصابرة أكثر من عشرين يوماً. وخرج للمبارزة عمرو بن عبد ود. فبارزه علي ﵁ وقتله.
وبعدها في عقبها غزوة بني قريظة. ثم نزلوا بعد حصار خمسة وعشرين يوماً على حكم سعد. فقتلت مقاتلتهم، وكانوا ست مئة أو أزيد. وسبيت ذراريهم. وبعدها توفي سيد الأوس سعد بن معاذ من سهم أصابه يوم الأحزاب.
وفي شعبان تزوج النبي صلى الله علية وسلم بجويرية بنت الحارث.
стр. 6
وفيها على الصحيح، غزوة بني المصطلق. وتسمى غزوة المريسيع. فهزمهم النبي صلى الله علية وسلم. وأصاب يومئذٍ جويرية.
وفيها مرجعهم من هذه الغزاة كان حديث الإفك. وقيل في سنة ست .
سنة ست
الحديبية
في ذي القعدة خرج النبي صلى الله علية وسلم في ألف وأربع مئة معتمرين حتى نزل الحديبية.
وبايع أصحابه تحت الشجرة.
وصالح قريشاً.
سنة سبع من الهجرة
في صفر فتحت خيبر.
واصطفى النبي ﷺ من السبي صفية بنت حيي بن أخطب، وجعل عتقها صداقها.
واستشهد من المسلمين بخيبر بضعة عشر رجلاً.
وفي ذي القعدة كانت غزوة القضاء. قضاها المسلمون عن عمرة الحديبية.
وفي رجوعهم بنى النبي ﷺ بميمونة بنت الحارث بسرف في ذي الحجة.
ثم بعد أيام قدمت أم حبيبة بنت أبي سفيان من الحبشة. ودخل النبي ﷺ .
стр. 7
سنة ثمان من الهجرة
وقعة مؤتة بقرب الكرك
في جمادى الأولى وقعة مؤتة بقرب الكرك. فاستشهد أمراء الجيش ثلاثتهم: زيد بن حارثة الكلبي مولى رسول الله صلى الله علية وسلم، ثم جعفر بن أبي طالب. ثم عبد الله بن رواحة الخزرجي أحد النقباء ليلة العقبة. وقتل أيضاً غير من سمي ثمانية أنفس. ثم أخذ الراية خالد بن الوليد من غير إمرة، فجال بها واستظهر على المشركين، وتحيز بالمسلمين. وهي أول مشاهدة في الإسلام.
وفي رمضان، في أواخره أو وسطه، فتح مكة.
وفي شوال وقعة حنين. وكان النبي صلى الله علية وسلم في عشرة آلاف مقاتل أو أزيد. فولى يومئذ المسلمين الأدبار، وثبت النبي صلى الله علية وسلم في طائفة، وتراجع المسلمون، واستشهد يومئذٍ طائفة يسيرة. ثم سار النبي ﷺ فحاصر حصن الطائف بضعاً وعشرين ليلة، ونصب عليها المنجنيق، ثم ترحل عنها. وأسلموا في العام المقبل. واستشهد على الطائف جماعة.
وفيها توفيت أم أمامة زينب ابنة النبي صلى الله علية وسلم، وأكبر بناته.
سنة تسع من الهجرة
غزوة تبوك،
في رجب غزوة تبوك، فسار النبي ﷺ بعد أن صلى قبل خروجه على النجاشي ﵁ صلاة الغائب.
وفي شعبان توفيت أم كلثوم بنت النبي ﷺ زوجة عثمان.
стр. 8
وفيها قتل عروة بن مسعود الثقفي. قتله قومه إذ دعاهم إلى الإسلام.
وبعد رجوع النبي ﷺ من تبوك توفي سهيل بن بيضاء الفهري.
أحد السابقين الأولين. وصلى عليه النبي ﷺ في المسجد.
وعبد الله بن أبي بن سلول رأس المنافقين. وصلى عليه النبي ﷺ ، وألبسه قميصه إكراماً له.
وفيه نزلت: " ولا تصل على أحد منهم مات أبداً ".
ومات قتلاً ملك الفرس شهر براز بن شيرويه. قتله أمراء الدولة وملكوا عليهم بوران بنت كسرى.
سنة عشر من الهجرة
سنة الوفود
وتسمى سنة الوفود، لكثرة من وفد فيها من العرب مسلمين ودخل الناس في دين الله أفواجا.
وفي ربيع الأول توفي إبراهيم ابن النبي ﷺ ، وهو ابن سنة ونصف.
حجة الوداع
وحج النبي ﷺ حجة الإسلام. وحج معه من الصحابة مئة ألف أو يزيدون، حتى حج من لم يره قبلها ولا بعدها، ونالوا بذلك نصيباً من الصحبة.
وفي ذي الحجة ظهر الأسود العنسي الدجال الذي ادعى النبوة، وكان له شيطان يخبره بالمغيبات فضل به خلق واستولى على اليمن؛ إلى أن قتل في صفر من العام الآتي.
стр. 9
سنة إحدى عشرة من الهجرة
توفي سيد البشر أبو القاسم
ﷺ في وسط نهار يوم الاثنين ثاني عشر ربيع الأول. غسل وكفن يوم الثلاثاء. ودخل الناس أفواجاً يصلون عليه ويخرجون. ودفن ليلة الأربعاء.
بيعة أبي بكر الصديق
بكرة يوم الثلاثاء
فيها ارتدت العرب وظهر مسيلمة الكذاب
واستفحل أمره. وسار المسلمون لحربه وعليهم خالد بن الوليد. فكانوا ألفين وسبع مئة، فالتقوا: طليحة الأسدي، وعيينة بن حصن الفزاري، وقرة بن هبيرة القشيري ببزاخة فاقتتلوا أشد قتال. ثم هرب طليحة نحو الشام. ثم حسن إسلامه، وأسر خالد عيينة وقرة وبعث بهما إلى الصديق فحقن دمائهما. وأتى خالد بمالك بن نويرة في رهط من بني حنظلة فضرب أعناقهم. وكان خالد قد وجه ثابت بن أقرم الأنصاري وعكاشة بن محصن الأسدي فأخذوا ثقل طليحة وقتلوا رجلاً معه. فساق خلفهم طليحة وأخوه سلمة فقتلا عكاشة وثابتاً.
وبعد النبي صلى الله علية وسلم بستة أشهر أو أقل توفيت ابنته أم الحسن فاطمة ﵂، ولها أربع وعشرون سنة.
وفي تلك الأيام توفيت أم أيمن حاضنة النبي ﷺ ومولاته.
سنة اثنتي عشرة
وقعة اليمامة
في ربيع الأول كانت وقعة اليمامة. فقتل كبير القوم مسيلمة الكذاب. وفتحت اليمامة صلحاً على يد خالد، بعد أن استشهد من الصحابة
стр. 10
أربع مئة وخمسون رجلاً. وبعضهم يقول: استشهد من الصحابة ست مئة نفس. وقال غير واحد: قتل من الصحابة وغيرهم ألف ومئة رجل.
قلت فمنهم:
زيد بن الخطاب العدوي. وكان أسن من عمر. وأسلم قبله. وكان مفرط الطول، وأسمر. وكانت معه راية المسلمين يومئذ، فلم يزل يتقدم بها في نحر العدو حتى قتل. ووجد عليه عمر. وكان يقول: أسلم قبلي واستشهد قبلي وكان يقول: ما هبت الصبا إلا وأنا أجد ريح زيد.
ومنهم أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس. وسالم مولاه. وكانا بدريين. وكان سالم مولى أبي حذيفة من قراء الصحابة الأعيان.
ومنهم ثابت بن قيس بن شماس. وأبو دجانة سماك بن خرشة الساعدي. والطفيل بن عمرو الدوسي. وشجاع بن وهب الأسدي والحكم بن سعيد بن العاص الأموي. وبشير بن سعد الأنصاري أبو النعمان. وعباد بن بشر.
وقد سمى خليفة بن خياط طائفة ممن استشهد يوم اليمامة. ثم قال:
стр. 11
فجميع من استشهد من المهاجرين والأنصار ثمانية وخمسون رجلاً.
وفي ذي الحجة توفي صهر النبي ﷺ على زينب أبو العاص بن الربيع العبشمي وهو ابن أخت خديجة، هالة بنت خويلد بن أسد.
سنة ثلاث عشرة من الهجرة
في أولها جهز أبو بكر الصديق البعوث إلى الشام، وأمر على الجيش جماعة: عمرو بن العاص، ويزيد بن أبي سفيان، وأبا عبيدة بن الجراح، وشرحبيل بن حسنة. وبعث إلى العراق خالد بن الوليد، فافتتح الأبلة، وأغار على السواد، وحاصر عين التمر، وأوطأ الفرس ذلاًوهوانا. ثم خرق البرية إلى الشام.
واجتمع المسلمون فكانت وقعة أجنادين بين الرملة وبيت جبرين في جمادى الأولى.
واستشهد يومئذ طائفة من الصحابة. ثم كان النصر ولله الحمد، وكانت ملحمة عظيمة.
وفاة الصديق، ﵁
وتوفي أبو بكر الصديق، ﵁، لثمان بقين من ذي القعدة عن ثلاث وستين سنة. وعاش بعده أبوه أبو قحافة أشهراً.
خلافة عمر بنص من أبي بكر
وولي الخلافة عمر بنص من أبي بكر. فلم يختلف عليه اثنان. فوالله لو نص لهم النبي ﷺ على علي بن أبي طالب كما تفتري الرافضة لما اختلف عليه اثنان أيضاً.
стр. 12
سنة أربع عشرة
في رجب فتحت دمشق صلحاً وعنوة
ثم أمضيت صلحاً بعد أن حوصرت حصاراً طويلاً.
وفيها كانت وقعة جسر أبي عبيد. واستشهد يومئذ طائفة منهم: أبو عبيد بن مسعود الثقفي، وهو الذي نسب إليه الجسر، وهو والد المختار الكذاب وكان من سادة الصحابة وهذه الوقعة عند نجران على مرحلتين من الكوفة.
وعن الشعبي قال: قتل أبو عبيد في ثمان مئة من المسلمين.
وفيها مصر البصرة عتبة بن غزوان، وأمر ببناء مسجدها الأعظم.
وفيها وقعة مرج الصفر في أول السنة. وكانت وقعة هائلة استشهد فيها جماعة.
وفيها وقيل في العام الماضي وقعة فحل بالشام.
وفيها فتحت بعلبك وحمص صلحاً. وهرب هرقل عظيم الروم من أنطاكية إلى القسطنطينية.
سنة خمس عشرة
وقعة اليرموك في رجب
وكان المسلمون ثلاثين ألفاً، والروم أزيد من مئة ألف قد سلسلوا أنفسهم، الخمسة والستة في سلسلة لئلا يفروا. فلما هزمهم الله كان الواحد يقع في وادي اليرموك فيقع من معه في السلسلة، حتى ردموا الوادي واستوت حافتاه فيما قيل، وداستهم الخيل.
стр. 13
واستشهد يومئذ طائفة منهم: عياش بن أبي ربيعة المخزومي، وعكرمة ابن أبي جهل، وعبد الرحمن بن العوام أخو الزبير، وعامر بن أبي وقاص أخو سعد.
وفي شوال وقعة القادسية بالعراق. وقيل كانت في أول سنة ست عشرة . وأمير الناس بن أبي وقاص. ورأس المجوس رستم ومعه الجالينوس، وذو الحاجب. وكان المسلمون أرجح من سبعة آلاف، والمجوس ستين ألفاً أو أربعين ألفاً. وكان معهم سبعون فيلاً. فقتل رستم والجالينوس وذو الحاجب. ثم حصرهم المسلمون في المدائن. واستشهد عمرو بن أم مكتوم الأعمى المؤذن.
وفيها افتتحت الأردن كلها عنوة، إلا طبرية فافتتحت صلحاً.
وفيها توفي سعد بن عبادة سيد الخزرج في حوران. بال في بخش فمات لوقته، فيقال إن الجن أصابته.
سنة ست عشرة
فيها افتتحت حلب وأنطاكية صلحاً.
وفيها مصر سعد الكوفة وأنشأها.
وفيها افتتحت الرها وسروج.
стр. 14
وفيها نزل عمر ﵁ على بيت المقدس وأخذها بالأمان.
واستشهد بالقادسية أبو زيد الأنصاري القاري واسمه سعد بن عبيد وهو والد أمير حمص عمير بن سعد.
سنة سبع عشرة
عام الرمادة
قحط الناس بالحجاز. واستسقى عمر بالعباس.
ثم خرج فيها إلى سرغ، ورد منها للطاعون الذي بالشام. وزاد في مسجد النبي ﷺ زيادة.
وفيها سار أمير البصرة أبو موسى الأشعري وافتتح الأهواز.
وفيها كانت وقعة جلولاء. فجال المسلمون جولة وانهزموا، ثم ثبتوا فكان الفتح، وقتل من المشركين عدد كبير وكانت ملحمة عظيمة.
وكان بعضهم يسميها فتح الفتوح وسميت جلولاء لما تجللها من الشر. وبلغت الغنائم ثمانية عشر ألف ألف، وقيل ثلاثين ألف ألف.
وفيها تزوج عمر بأم كلثوم بنت فاطمة الزهراء.
وفيها توفي عتبة بن غزوان المازني، أحد السابقين الأولين. يقال أسلم سابع سبعة. وهو الذي اختط البصرة.
سنة ثمان عشرة
طاعون عمواس وقع بناحية الأردن. فاستشهد أبو عبيدة عامر ابن عبد الله بن الجراح الفهري أمين الأمة، وأمير أمراء الشام. ومن مناقبه
стр. 15
أن أبا بكر أشار به وبعمر للخلافة يوم السقيفة.
واستشهد بالطاعون معاذ بن جبل الأنصاري الخزرجي، وله ست وثلاثون سنة. وكان من نجباء الصحابة.
ويزيد بن أبي سفيان بن حرب الأموي. أسلم يوم فتح، ثم كان من أفاضل الصحابة. وهو أحد الأمراء الأربعة الذين استعملهم الصديق على غزو الشام. ثم ولى دمشق لعمر. وولي دمشق بعده أخوه معاوية.
واستشهد في الطاعون أبو جندل بن سهيل بن عمرو العامري الذي رده أبوه في قيوده يوم الحديبية.
وأبو عبد الرحمن الحارث بن هشام بن المغيرة المخزومي أخو أبي جهل، أسلم يوم الفتح وحسن إسلامه. وقيل استشهد باليرموك.
وفيها افتتحت حران، ونصيبين، وشميساط، والموصل، أكثرها على يد عياض بن غنم الفهري. وفيها افتتحت السوس وجند يسابور وتستر.
سنة تسع عشرة
فيها كانت وقعة بأرمينية أصيب فيها: صفوان بن المعطل الذكواني.
وقيل فيها توفي يزيد بن أبي سفيان.
وفيها فتحت تكريت.
وفيها توفي بخلف أبو المنذر أبي بن كعب الأنصاري سيد القرآء.
стр. 16
سنة عشرين
فيها سار عمرو بن العاص من الشام فافتتح بعض ديار مصر.
ونازل أبو موسى الأشعري تستر.
وفيها توفي أبو سعد عياض بن غنم الفهري أحد السابقين الأولين. وكان نائب أبي عبيدة على الشام، فأقره عمر.
وفيها توفي بلال الحبشي مؤذن النبي ﷺ بداريا.
وأبو الهيثم بن التيهان الأنصاري أحد النقباء.
وأسيد بن حضير الأسلمي، عقبي بدري.
وسعيد بن عامر بن حذيم الجمحي.
وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب الهاشمي، وصلى عليه عمر.
وأم المؤمنين زينب بنت جحش الأسدية.
وفيها مات هرقل في الباطن مسلماً.
سنة إحدى وعشرين
فيها توفي سيف الله خالد بن الوليد
بن المغيرة المخزومي. أسلم في صفر سنة ثمان. وشهد غزوة مؤتة، وكان أميراً شريفاً
стр. 17
بطلاً شجاعاً مجاهداً عظيم القدر، كثير الفتوحات ميمون النقيبة. مات ابن ستين سنة على فراشه.
وفيها وقعة نهاوند
وكانت ملحمة عظمى. بقي المصاف ثلاث أيام ثم نزل النصر.
واستشهد أمير المسلمين النعمان بن مقرن المزني. وكان من سادة الصحابة. فنعاه عمر للناس على المنبر وبكى. ولما قتل أخذ الراية حذيفة بن اليمان ففتح الله على يده.
وفيها شكا أهل الكوفة سعداً، فعزله عمر. وولى عمار بن ياسر الصلاة، وعبد الله بن مسعود بيت المال.
وفيها توفي العلاء بن الحضرمي، حليف بني أمية.
وفيها استشهد يوم نهاوند طليحة بن خويلد الأسدي.
وكان صحابياً فارتد، ثم حسن إسلامه. وكان يعد بألف فارس.
سنة اثنتين وعشرين
فيها فتحت أذربيجان على يد المغيرة بن شعبة. قاله ابن إسحاق.
وفيها افتتحت مدينة نهاوند صلحاً.
وافتتح حذيفة الدينور عنوة، ثم غزا همذان فافتتحها عنوة.
وفيها افتتح عمرو بن العاص طرابلس الغرب.
وفيها افتتح جرجان.
стр. 18
وفيها توفي أبي بن كعب.
وقد مر، سنة تسع عشرة.
سنة ثلاث وعشرين
فيها توفي قتادة بن النعمان الظفري الذي وقعت عينه يوم أُحد فردها النبي ﷺ . وكان بدرياً، نزل عمر في قبره.
واستشهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب لثلاث بقين أو أربع من ذي الحجة. وهو كان يحج بالناس مدة خلافته.
وقتل الهرمزان صاحب تستر. قتله عبيد الله بن عمر وتوهم فيه أنه أعان على قتل أبيه.
سنة أربع وعشرين
في أول المحرم دفن عمر ﵁.
بيعة عثمان ر ضي الله عنه بالخلافة
وفيها توفي سراقة بن مالك بن جعشم المدلجي أسلم بعد غزوة حنين وحسن إسلامه.
سنة خمس وعشرين
فيها انتقض أهل الري. فغزاهم أبو موسى الأشعري.
وفيها استعمل عثمان على الكوفة أخاه لأمه الوليد بن عقبة بن أبي معيط. فجهز سلمان بن ربيعة الباهلي في اثني عشر ألفاً إلى برذعة، فقتل وسبى وفتحها.
стр. 19
وفيها انتقض أهل الأسكندرية. فغزاهم عمرو بن العاص، فقتل وسبي.
سنة ست وعشرين
فيها زاد عثمان في المسجد الحرام.
وفيها فتحت سابور على يد عثمان بن أبي العاص. وصالحهم على ثلاثة آلاف ألف درهم وثلاث مئة ألف درهم.
سنة سبع وعشرين
فيها ركب معاوية بالجيش في البحر وغزا قبرس.
وفيها صالح أبو موسى الأشعري أهل أرجان على ألفي ألف درهم، وصالح أهل دارابجرد على ألف ألف وثمانين ألفا.
وفيها عزل عمرو بن العاص عن مصر بعبد الله بن سعد بن أبي سرح. فغزا ابن سرح إقليم إفريقية وافتتحها. فأصاب كل إنسان ألف دينار. وقتل الملك جرجير في مائتي ألف. وبلغ سهم الفارس وفرسه ثلاثة آلاف دينار.
وفيها توفيت أم حرام بنت ملحان بقبرس. وكانت مع زوجها عبادة بن الصامت.
стр. 20
سنة ثمان وعشرين
فيها انتقض أهل أذربيجان، فغزاهم الوليد بن عقبة. ثم صالحوه.
وقيل فيها غزوة قبرس وقد مرت.
سنة تسع وعشرين
فيها افتتح عبد الله بن عامر بن كريز مدينة إصطخر عنوة بعد قتال عظيم.
واستشهد عبيد بن معمر بن عثمان التيمي الأمير. وكان أحد الأجواد. مختلف في صحبته. وفيها عزل عثمان أبا موسى عن البصرة، وعثمان بن أبي العاص عن فارس.
وجمع ذلك لعبد الله بن عامر بن كريز. وكان شهماً شجاعاً، وافتتح فتحاً كبيراً. افتتح بلاد فارس ثم بلاد خراسان جميعها في سنة ثلاثين .
سنة ثلاثين
فيها افتتح ابن عامر خراسان وفارس. وهرب من يديه يزدجرد بن كسرى. وجهز وراءه جيشاً. وبعث بزياد بن الربيع الحارثي فافتتح سجستان.
ولما تمت لابن عامر هذه الفتوحات العظيمة خرج من نيسابور
стр. 21
محرماً بعمرة، وخلف على خراسان الأحنف بن قيس، فاجتمع أهل خراسان جمعاً لم يسمع بمثله. فالتقاهم الأحنف فهزمهم.
ثم قضى ابن عامر عمرته مسرعاً وأتى عثمان. ثم رد إلى البصرة.
ولما كثرت الفتوحات في هذا العام وأتى الخراج من كل ناحية اتخذ عثمان له الخزائن ثم قسمها. وكان يأمر للرجل بمئة ألف.
سنة إحدى وثلاثين
فيها كانت غزوة الأساود فغزا ابن أبي سرح في البحر الرومي.
وفيها توفي أبو سفيان بن حرب الأموي. وكان قد فقئت عينه على الطائف، وذهبت الأخرى فيما قيل يوم اليرموك. وكان يومئذ يحرض على الجهاد. وقيل توفي في السنة الآتية.
وفيها توفي الحكم بن أبي العاص بن أمية الأموي، والد مروان وابن عم أبي سفيان، وعم عثمان بن عفان. أسلم يوم الفتح. كان يفشي سر النبي ﷺ . وقيل كان يحاكيه في مشيته، فطرده إلى الطائف وسبه. فلم يزل طريداً إلى أن استخلف عثمان، فأدخله المدينة وأعطاه مئة ألف.
وقال الحاكم: أجمع مشايخنا أن نيسابور فتحت صلحاً. وفتحها في سنة إحدى وثلاثين.
стр. 22
ثم روى بإسناد له أن صاحب نيسابور كتب إلى ابن عامر يدعوه إلى خراسان ويخبره أن يزدجرد بن كسرى قد قتله أهل مرو. فبادر ابن عامر إلى ناحية قومس، ونزل على نيسابور وحاصرها سبعة أشهر ثم افتتحها.
سنة اثنتين وثلاثين
فيها سار معاوية وتوغل في الروم
فالتقى العدو بالقرب من القسطنطينية.
وفيها توفي العباس عم رسول الله ﷺ عن ست وثمانين سنة.
وأبو الدرداء عويمر بن زيد، وقيل ابن عبد الله، الأنصاري الخزرجي. أسلم بعد بدر. وكان حكم هذه الأمة. ولي قضاء دمشق وبها توفي.
ومات عبد الرحمن بن عوف الزهري أحد العشرة، وأحد الثمانية الذين سبقوا إلى الإسلام. وكان غنياً شاكراً بعد أن كان فقيراً صابراً. وقد باع من أرضه بأربعين ألف دينار فتصدق بها. وفيها توفي عبد الله بن زيد بن عبد ربه الأنصاري الذي أدى الأذان، وكان بدرياً.
وفيها توفي عبد الله بن مسعود الهذلي، حليف بني زهرة، وما أكثر مناقبه.
وفيها توفي أبو ذر الغفاري واسمه جندب إبن جنادة على
стр. 23
الصحيح. أسلم خامس خمسة، ثم رجع إلى أرضه، ثم هاجر بعد بدر. وكان لا يأخذه في الله لومة لائم.
سنة ثلاث وثلاثين
فيها غزا المسلمون قبرس ثانياً
وفيها جهز الملك قارن بخراسان أربعين ألفاً. فقام بأمر المسلمين عبد الله بن خازم السلمي، وجمع أربعة آلاف فالتقى قارن، فقتل في المصاف قارن. وكانت الهزيمة.
وفيها غزا معاوية افرنطية وملطية وحصن المرأة من أرض الروم.
وفيها غزا عبد الله بن سعد بن أبي سرح بلاد الحبشة.
وفيها توفي المقداد بن الأسود الكندي، ولم يثبت أن بدراً شهدها فارس سواه. واختلف في الزبير.
سنة أربع وثلاثين
فيها غزا ذات الصواري في البحر من ناحية إسكندرية، وأميرها ابن أبي سرح.
وفيها وثب أهل الكوفة بسعيد بن العاص فأخرجوه ورضوا بأبي موسى. وكتبوا فيه إلى عثمان فأمره عليهم. ثم إنه رد عليهم سعيداً فخرجوا ومنعوه.
وفيها توفي أبو طلحة الأنصاري زيد بن سهل، أحد النقباء ليلة
стр. 24
العقبة، الذى قال فيه النبي ﷺ : " صوت أبي طلحة في الجيش خير من فئة ".
وفيها توفي عبادة بن الصامت، أبو الوليد الخزرجي، أحد النقباء ليلة العقبة. ولي قضاء القدس. ومات بالرملة وقيل ببيت المقدس.
وفيها مات كعب الأحبار بحمص. وكان عالم أهل الكتاب قبل أن يسلم. فأسلم زمن أبي بكر، وروى عن عمر.
وفيها مات مسطح بن أثاثة، وكان بدرياً.
سنة خمس وثلاثين
وفيها غزوة ذي خشب وعلى الناس معاوية.
وفيها توفي عامر بن ربيعة حليف بني عدي. أسلم قبل عمر، وهاجر الهجرتين.
وفيها توفي عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي أخو عياش. وكان شريفاً نبيلاً من أحسن الناس وجهاً. ولاه النبي ﷺ الجند ومخاليفها فبقي عليها إلى أن مات.
وفي أواخرها حصر المصريون عثمان ﵁ لينزع نفسه من الخلافة، ولم يزل الأمر بهم إلى أن تجرؤوا عليه واقتحموا عليه داره فذبحوه والمصحف بين يديه، في يوم الجمعة ثاني عشر ذي الحجة، وله بضع وثمانون سنة. ﵁. فإنا لله وإنا إليه راجعون.
ثم بويع علي رضي الله عنه
стр. 25
سنة ست وثلاثين
لما قتل عثمان صبراً توجع له كل أحد وأسقط في أيدي جماعة وسار طلحة والزبير وعائشة نحو البصرة طالبين بدم عثمان من غير أمر علي بن أبي طالب. فساق وراءهم. وكانت وقعة الجمل أثارها سفهاء الفريقين، وقتل بينهما نحو العشرة آلاف. ورمى مروان طلحة بن عبيد الله بن عثمان التيمي أحد العشرة بسهم فقتله، ومناقبه كثيرة. وقتل الزبير بن العوام الأسدي حواري رسول الله ﷺ ، وابن عمته، وأول من سل سيفه في سبيل الله.
قتله ابن جرموز بوادي السباع.
وممن قتل يوم الجمل مجاشع بن مسعود السلمي، وأخوه مجالد، ولهما صحبة.
وزيد بن صوحان، وكان من سادة التابعين، صواماً قواماً.
وفي أولها توفي حذيفة بن اليمان أحد السابقين وصاحب سر رسول الله ﷺ . ثبت عنه أنه قال: ما معني وأبي أن نشهد بدراً إلا أنا أخذنا كفار قريش، فأخذوا علينا عهد الله وميقاقه أن لا نقاتل مع النبي ﷺ . قال فأخبرناه الخبر. فقال: نفي لهم بعهدهم ونستعين الله عليهم.
سنة سبع وثلاثين
وقعة صفين في صفر
وبقيت أياماً وليالي، وقتل بين الفريقين ستون ألفاً. فقتل مع علي عمار بن ياسر أبو اليقظان العبسي الذي قال له
стр. 26
النبي ﷺ : تقتلك الفئة الباغية. وكان أحد السابقين، وممن عذب في الله. ومناقبه جمة.
وقتل مع علي من الصحابة: أبو ليلى الأنصاري والد عبد الرحمن وذو الشهادتين خزيمة بن ياسين بن الفاكه الأنصاري يقال أنه بدري.
وسعد بن الحارث بن الصمة أخو أبي جهم.
ومن غير الصحابة: عبيد الله بن عمر بن الخطاب العدوي. كان على خيل أهل الشام يومئذ. يقال: قتله عمار. ولما طعن والده سل سيفه ووثب على الهرمزان صاحب تستر فقتله، وقتل أيضاً مفينة وبنتاً لأبي لؤلؤة فلما ولي عثمان هم بقتله ثم تركه.
وقتل مع علي: هاشم بن عتبة بن أبي وقاص المعروف بالمرقال، حامل راية علي يومئذ، ويقال: له صحبة.
وعبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي. وكان على رجالة علي.
وأبو حسان قيس بن المكشوح المرادي أحد الأبطال، وأحد من أعان على قتل الأسود العنسي.
وقتل أيضاً مع معاوية: حابس بن سعد الطائي قاضي حمص، وكان على رجالة معاوية.
стр. 27
وقتل مع علي: جندب بن زهير الغامدي الكوفي، ويقال: له صحبة.
وقتل من أمراء معاوية: ذو الكلاع الحميري، نزيل حمص، وأحد من شهد اليرموك، وكان على ميمنة معاوية، وكان من أعظم أصحابه خطراً لشرفه ودينه. وطلب منه أن يخطب الناس ويحرضهم على القتال.
وقال يزيد بن هارون: سمعت الجراح بن المنهال يقول: كان عند ذي الكلاع اثنا عشر ألف بيت من المسلمين. فبعث إليه عمر ﵁ فقال: نشتري هؤلاء نستعين بهم على عدوهم. فقال: لا، هم أحرار. فأعتقهم في ساعة واحدة.
الجراح متروك الحديث.
وصح عن أبي وائل، عن أبي ميسرة عمرو بن شرحبيل قال: رأيت قباباً في رياض. فقلت: لمن هذه؟ قالوا: لذي الكلاع وأصحابه. ورأيت قباباً في رياض فقيل: هذه لعمار بن ياسر وأصحابه. فقلت: كيف وقد قتل بعضهم بعضاً؟ قال: إنهم وجدوا الله واسع المغفرة.
وممن قتل يومئذ: كريب بن الصباح بن إبراهيم الحميري أحد الأبطال المذكورين.
قتل جماعة مبارزة، ثم بارزه علي ﵁، فقتله علي.
وكان معاويه في سبعين ألفاً، وكان علي في تسعين ألفاً وقيل في مئة ألف، وقيل في خمسين ألفاً.
стр. 28
قال خليفة: تسمية من شهد صفين من البدريين مع علي بن أبي طالب: سهل بن حنيف، وخوات بن جبير، وأبو أسيد الساعدي. وأبو اليسر، ورفاعة بن رافع الأنصاري، وأبو أيوب الأنصاري بخلف فيه.
ومن غير البدريين: خزيمة بن ثابت، وقيس بن سعد عبادة، وأبو مسعود عقبة بن عمرو البدري. وأبو عياش الزرقي، وقرظة بن كعب، وسهل بن سعد، وجابر بن عبد الله، وأبو قتادة، الأنصاريون.
وعدي بن حاتم، والأشعث بن قيس، وسليمان بن صرد، وجندب بن عبد الله، وجارية بن قدامة. وعبد الله بن عباس وعبد الله بن جعفر، والحسن، والحسين.
ثم قال: تسمية من شهدها مع معاوية من الصحابة: عمرو بن العاص، وابنة عبد الله، وفضالة بن عبيد، والنعمان بن بشير، ومسلمة بن مخلد. وبسر بن أبي أرطاة ومعاوية بن حديج الكندي، وحبيب بن مسلمة الفهري، وأبو الأعور السلمي. وأبو غادية الجهني قاتل عمار.
فبلغنا أن الأشعث بن قيس برز في ألفين، وبرز أبو الأعور السلمي في خمسة آلاف. فاقتتلوا. ثم غلب الأشعث على الماء وأزالهم عنه.
ثم التقوا يوم الأربعاء سابع صفر، ويوم الخميس، ويوم الجمعة، وليلة السبت. ثم لما خاف أهل الشام الكسرة، رفعوا المصاحف بإشارة عمرو بن
стр. 29
العاص ودعوا إلى الحكم بما في كتاب الله. فأجاب علي ﵁ إلى تحكيم الحاكمين. فاختلف عليه جيشه، وخرجت الخوارج وقالوا: لا حكم إلا لله. وكفروا علياً فحاربهم.
وقال ابن سيرين: افترقوا عن سبعين ألف قتيل يوم صفين يعدون بالقضب. فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وفيها توفي خباب بن الأرت التميمي أحد السابقين البدريين وصلى عليه علي بالكوفة.
وفي رمضان اجتمع أبو موسى الأشعري ومن معه من الوجوه، وعمرو بن العاص ومن معه من الوجوه بدومة الجندل للتحكيم، فلم يتفقا لأن عمراً خلا بأبي موسى وخدعه وقال: تكلم قبلي فأنت أفضل مني، وأكثر سابقة.
فقال: أرى أن نخلع علياً ومعاوية. ويختار المسلمون لهم رجلاً يجتمعون عليه.
فقال: هذا الرأي.
فلما خرجا وتكلم أبو موسى وحكم بخلعهما قام عمرو وقال: أما بعد، فإن أبا موسى قد خلع علياً كما سمعتم، وقد وافقته على خلع علي ووليت معاوية.
فسار الشاميون وقد بنوا في الظاهر على هذه الصورة. ورد أصحاب علي إلى الكوفة أن الذي فعله عمرو حيلة وخديعة لا يعبأ بها.
стр. 30
سنة ثمان وثلاثين
في شعبان قتلت الخوارج عبد الله بن خباب وعليهم مسعر بن فدكي وشبث بن ربعي.
وفيها كانت وقعة النهروان بين علي والخوارج. فقتل رأس الخوارج عبد الله بن وهب السبائي. وقتل أكثر صحابه. وقتل من جند علي اثنا عشر رجلاً. ويقال كانت هذه الوقعة في سنة تسع.
وفيها توفي صهيب بن سنان المعروف بالرومي توفي في شوال بالمدينة. وكان من السابقين الأولين.
وفيها توفي سهل بن حنيف الأوسي، والد أبي أمامة. وكان بدرياً.
توفي بالكوفة وصلى عليه علي.
وفيها قتل محمد بن أبي بكر الصديق. وكان قد سار إلى مصر والياً عليها لعلي. وبعث معاوية عسكراً عليهم معاوية بن حديج الكندي. فالتقى هو ومحمد، فانهزم عسكر محمد واختفى هو في بيت لامرأة. فدلت عليه. فقال: احفظوني في بيت أبي بكر. فقال معاوية بن حديج: قتلت ثمانين من قومي في دم عثمان وأتركك؟ وأنت صاحبه فقتله وصيره في بطن حمار وأحرقه.
وقال شعبة عن عمرو بن دينار: إن عمراً قتل محمد بن أبي بكر.
وفيها مات الأشتر النخعي. واسمه مالك بن الحارث. بعثه علي على مصر. فهلك في الطريق فيقال إنه سم، وإن عبداً لعثمان لقيه فسقاه
стр. 31
عسلاً مسموماً. وكان الأشتر من الأبطال الكبار. وكان سيد قومه وخطيبهم وفارسهم.
سنة تسع وثلاثين
فيها توفيت أم المؤمنين ميمونة بسرف، وثم بنى بها النبي ﷺ .
وفيها تنازع أصحاب علي وأصحاب معاوية في إمامة الحج. فمشى في الصلح أبو سعيد الخدري على أن يكون إمام الموسم شيبة بن عثمان الحجبي.
سنة أربعين
فيها توفي خوات بن جبير الأنصاري البدري، أحد الشجعان المذكورين.
وأبو مسعود عقبة بن عمرو الأنصاري نزل ماء ببدر فقيل له البدري. ولكنه شهد العقبة.
وأبو أسيد الساعدي مالك ربيعة بدري مشهور، وقيل بقي إلى سنة ستين.
استشها استشهد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب
وفيها ليلة الجمعة سابع عشر رمضان استشهد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب. وثب عليه عبد الرحمن بن ملجم الخارجي فضربه في يافوخه
стр. 32
بخنجر، فبقي يوماً وتوفي، وعاش نيفاً وستين ستة أو دونها، ﵁.
ثم قتل ابن ملجم وأحرق ولله الحمد.
وفيها مات الأشعث بن قيس الكندي بالكوفة في ذي القعدة.
وكان شريفاً مطاعاً جواداً شجاعاً. له صحبة. ثم ارتد، وحسن إسلامه. وكان أجل أمراء علي. وفيها مات معيقيب الدوسي. هاجر إلى الحبشة، وشهد بدراً بخلف. وكان على خاتم النبي ﷺ . له حديثان.
سنة إحدى وأربعين
في ربيع الآخر سار أمير المؤمنين الحسن بن علي في جيوشه يقصد معاويه. وسار معاوية في جيوشه. فدخل العراق وتنازل الجمعان بمسكن من ناحية الأنبار. فرأى الحسن من عسكره الاختلاف عليه وقلة الخير. وكان سيداً وادعاً لا يرى سفك الدماء. واتفق أنه وقع في معسكره هوشة وخبطة، ووقع النهب حتى إنهم نهبوا فسطاطه، وضربه رجل من الخوارج بخنجر مسموم في إليته فخدشه. فتألم ومقت أهل العراق. ورأى الصلح أولى، تحقيقاً لقول جده المصطفى ﷺ : " إن ابني هذا سيد وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين.
فراسل معاوية وشرط عليه شروطاً بادر إليها معاوية بالإجابة، ثم سلم إليه الخلافة، على أن تكون الأمر من بعده للحسن، وعلى أن يمكنه أخذ ما شاء من بين المال ليقضي منه دينه وعداته وغير ذلك.
стр. 33
فروى مجالد، عن الشعبي. ويونس بن أبي إسحاق، عن أبيه أن أهل العراق بايعوا الحسن، وسار بهم نحو الشام. وجعل على مقدمته قيس بعد سعد. وأقبل معاوية حتى نزل منبج. فبينا الحسن بالمدائن إذ نادى مناد في عسكره: قتل قيس بن سعد. فشد الناس على خيمة الحسن فنهبوها. وطعنه رجل بخنجر، فتحول إلى القصر الأبيض، وسبهم وقال: لا خير فيكم. قتلتم أبي بالأمس واليوم تفعلون بي هذا. ثم كتب إلى معاوية على أن يسلم إليه بيت المال، وأن لا يسب علياً بحضرته، وأن يحمل إليه خراج فسا ودارابجرد كل سنة. فأجابه.
فكتب إليه أن أقبل. فسار معاوية من منبج إلى مسكن في خمسة أيام. فسلم إليه الحسن الأمر، ثم سارا حتى دخلا جميعاً الكوفة. وتسلم الحسن بيت المال، وكان فيه سبعة آلاف ألف درهم، فاحتملها وتجهز إلى المدينة، وأجرى معاوية على الحسن في السنة ألف ألف درهم.
وقال عمرو بن دينار: لما توفي علي بعث معاويه عهداً: إن حدث به حدث ليجعلن هذا الأمر إلى الحسن.
وصح في البخاري عن الحس البصري قال: استقبل والله الحسن بن علي معاوية بكتائب أمثال الجبال.
فقال عمرو بن العاص: إني لأرى كتائب لا تولي حتى يقتل أقرانها.
فقال له معاوية، وكان والله خير الرجلين: أي عمرو. إن قتل هؤلاء هؤلاء، وهؤلاء هؤلاء، من لي بأمور المسلمين؟ من لي بنسائهم وضعفتهم؟ فبعث إليه برجلين عبد الرحمن بن سمرة وعبد الله بن عامر بن كريز في الصلح.
стр. 34
كريز في الصلح
فقال لهما الحسن: إنا بني عبد المطلب قد أصبنا من هذا المال، وإن هذه الأمة قد عاثت في دمائنا.
قال: وإنه يعرض عليك كذا وكذا، ويطلب إليك ويسألك.
قال: فمن لي بهذا؟ فما سألهما شيئاً إلا قالا نحن لك به فصالحه.
قلت: وسمي هذا العام عام الجماعة لاجتماع الناس على معاوية.
وفيها توفي صفوان بن أمية بن خلف الجمحي. أسلم بعد حنين، ثم شهد اليرموك أميراً. وكان شريفاً جليلاً. وملك قنطاراً من الذهب. وله رواية في صحيح مسلم.
وفيها توفيت أم المؤمنين حفصة بنت عمر العدوية. عن بضع وخمسين سنة. وصلى عليها مروان أمير المؤمنين. وقيل توفيت سنة خمس وأربعين.
وفيها، فيما قيل، توفي لبيد بن ربيعة العامري الشاعر المشهور القائل:
ألا كل شيء ما خلا الله باطل
وفد على النبي ﷺ فأحسن إسلامه. وقيل مات في إمرة عثمان بالكوفة عن مئة وخمسين سنة. قيل: أنه ما قال شعراً منذ أسلم.
سنة اثنتين وأربعين
فيها غزا عبد الرحمن بن سمرة سجستان. فافتتح زرنج وغيرها. وسار راشد بن عمرو فشن الغارات ووغل في بلاد السند.
стр. 35
سنة ثلاث وأربعين
فيها فتحت الرخج من أرض سجستان.
وأفتتح عقبة بن نافع كوراً من بلاد السودان.
وشتا بسر بن أبي أرطاة بأرض الروم.
وفي ليلة عيد الفطر توفي أبو عبد الله عمرو بن العاص السهمي أمير مصر. أسلم في هدنة الحديبية، وهاجر، وولي إمرة جيش ذات السلاسل. وكان من دهاة قريش وأجدادها وذوي الحزم والرأي.
وفيها توفي عبد الله بن سلام الإسرائيلي حليف الأنصار. وقد شهد له النبي ﷺ بالجنة.
وفيها توفي محمد بن مسلمة الأنصاري بالمدينة في صفر. وكان بدرياً. اعتزل الفتنة واتخذ سيفاً من خشب.
سنة أربع وأربعين
في ذي الحجة توفي أبو موسى الأشعري المقرئ الأمير. استعمله النبي ﷺ على عدن. واستعمله عمر على الكوفة والبصرة. وفتحت على يده عدة أمصار.
وفيها افتتح عبد الرحمن بن سمرة مدينة كابل.
وفيها غزا المهلب بن أبي صفرة في أرض الهند ووصل إلى قندابيل فالتقى العدو فهزمهم. وفيها توفيت أم المؤمنين أم حبيبة بنت سفيان الأموية.
стр. 36
سنة خمس وأربعين
فيها غزا معاوية بن حديج إفريقية.
وفيها توفي أبو خارجة زيد بن ثابت بن الضحاك الأنصاري المقرئ الفرضي الكاتب، وله ست وخمسون سنة. وأول مشاهدة الخندق.
وكان عمر يستخلفه على المدينة إذا حج. وقيل بقي إلى سنة أربع وخمسين.
وفيها توفي عاصم بن عدي سيد بني العجلان. وكان رده النبي ﷺ من بدر في شغل، وضرب له بسهمه، وقتل أخوه معن يوم اليمامة.
سنة ست وأربعين
فيها ولي الربيع بن زياد الحارثي سجستان. فزحف كابل شاه في جمع من الترك وغيرهم، فالتقوا على بست، فهزمهم الربيع وساق خلفهم إلى الرخج.
وفيها، قيل في سنة تسع وأربعين، توفي عبد الرحمن بن خالد بن الوليد بن المغيرة. وكان شريفاً جواداً ممدحاً مطاعاً. وكان إليه لواء معاوية يوم صفين. وغزا الروم غير مرة.
سنة سبع وأربعين
فيها جمعت الترك فالتقاهم عبد الله بن سوار العبدي ببلاد القيقان. فاستشهد عبد الله وعامة من معه. وغلبت الترك على القيقان.
стр. 37
وغزا رويفع بن ثابت الأنصاري أمير أطرابلس الغرب أفريقية، فدخلها ثم أنصرف.
سنة ثمان وأربعين
فيها توجه سنان بن سلمة بن المحبق الهذلي والياً على أرض الهند عوض عبد الله بن سوار.
وقتل بسجستان عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة المخزومي. وكان مولده بالحبشة.
سنة تسع وأربعين
في ربيع الأول توفي سيد شباب أهل الجنة أبو محمد الحسن بن علي الهاشمي. وأرخه فيها الواقدي وسعيد بن عفير. والأكثر على أنه سنة خمسين .
سنة خمسين
فيها بخلف الحسن بن علي ﵁، وله سبع وأربعون سنة، بالمدينة.
وفيها توفي عبد الرحمن بن سمرة بن حبيب بن ربيعة بن عبد شمس العبشمي الأمير، أسلم يوم الفتح وافتتح سجستان وغيرها.
وفيها توفي كعب بن مالك السلمي الشاعر، أحد الثلاثة الذين خلفوا وتاب الله عليهم. وكان ممن شهد العقبة.
стр. 38
وفيها توفي المغيرة بن شعبة الثقفي. أسلم عام الخندق، وولي العراق لعمر ولغيره. وكان من رجال الدهر حزماً وعزماً ورأياً ودهاء. يقال إنه أحصن ثلاث مئة امرأة، وقيل ألف امرأة. وفيها توفيت أم المؤمنين صفية بنت حييّ بن أخطب.
وفيها غزا يزيد بن معاوية القسطنطينية، وقيل في سنة إحدى.
سنة إحدى وخمسين
فيها توفي على باب القسطنطينية أبو أيوب الأنصاري خالد بن زيد. وكان عقبياً بدرياً كثير المناقب.
وفيها على الأصح توفي جرير بن عبد الله البجلي بقرقيسيا.
وفيها توفيت أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث الهلالية.
وفيها توفيت بعذرا حجر بن عدي الكندي وأصحابه بأمر معاوية.
ولحجر صحبة ووفادة وجهاد وعبادة.
سنة اثنتين وخمسين
توفي أبو نجيد عمران بن حصين الخزاعي. أسلم عام خيبر. وبعثه عمر يفقه أهل البصرة. وولي قضاءها. وكان الحسن يحلف ما قدم البصرة خير لهم من عمران.
стр. 39
وفيها توفي كعب بن عجرة الأنصاري. من أهل بيعة الرضوان ومعاوية بن حديج الكندي التجيبي الأمير. له صحبة ورواية.
وفيها أو قبيلها أبو بكرة الثقفي نفيع بن الحارث، وقيل ابن مسروح. تدلى من الطائف ببكرة. فأتى النبي ﷺ مسلماً.
سنة ثلاث وخمسين
فيها في قول المدائني توفي فضالة بن عبيد الأنصاري. قاضي دمشق لمعاوية وخليفته عليها إذا غاب. وكان أصغر من شهد الحديبية، وقيل بقي إلى سنة تسع.
وفيها، وقيل بعدها، عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق. أسلم يوم بدر. وقتل يوم اليمامة سبعة. وكان من الرماة والشجعان. وتوفي بمكة.
وفيها توفي الأمير زياد بن أبيه الذي استلحقه معاوية وزعم أنه ولد أبي سفيان. وكان لبيباً فاضلاً سيداً، يضرب المثل بدهائه. وقد جمع له معاوية إمرة العراقين.
стр. 40
وفيها، وقيل قبلها، توفي عمرو بن حزم الأنصاري الخزرجي.
شهد الخندق، وولي العلم على نجران وله سبع عشرة سنة.
وفيها توفي فيروز الديلمي قاتل الأسود العنسي. له صحبة. ورواية.
سنة أربع وخمسين
فيها على الأصح أسامة بن زيد حارثة الكلبي حب رسول الله ﷺ وابن حبه. وأمه أم أيمن.
وفيها على الصحيح ثوبان مولى رسول الله ﷺ بحمص.
وفيها جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف. وكان من سادة قريش وحلمائها أسلم بعد بدر.
وفيها حسان بن ثابت الأنصاري الشاعر، عن مئة وعشرين سنة كأبيه وجده.
وفيها سعيد بن يربوع المخزومي، من مسلمة الفتح، عن مئة