← Акыда

Акыда · id 25863

شرح العقيدة الواسطية - عبد الكريم الخضير

عبد الكريم الخضير

Полный текст (153 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

ـ[شرح العقيدة الواسطية]ـ مؤلف الأصل: شيخ الإسلام ابن تيمية (المتوفى: ٧٢٨هـ) الشارح: عبد الكريم بن عبد الله بن عبد الرحمن بن حمد الخضير دروس مفرغة من موقع الشيخ الخضير [الكتاب مرقم آليا، رقم الجزء هو رقم الدرس - ٨ دروس]

стр. 2

العقيدة الواسطية الكلام على صفة الرجل لله تعالى الشيخ/عبد الكريم الخضير هذا يقول: ماذا عليَّ لو استيقظت بعد صلاة الظهر الساعة الواحدة مثلاً، فقلت في نفسي: أكملي النوم إلى قبيل خروج الوقت، أي قبل العصر، ثم أقوم فأصلي؟ إذا فاتت الجماعة وأيس منها، وليس أمامه خيار إلا أن يصلي منفرداً فالوقت فيه سعة، إلا أنه كلما بادر بأداء الفريضة كان أبرأ لذمته وأحوط له، ولكن لو أخرها إلى أثناء وقتها أو إلى آخره ما لم يخرجها عن وقتها فالأمر فيه سعة، مثل ما قلنا: أول الوقت أفضل إلا في شدة الحر، إذا اشتد الحر وأبرد لا مانع، وكل هذا إذا أيس من إدراك الجماعة في المسجد، وإلا فالأصل أنه ما دام يدركها مع الجماعة أنه متعين يجب عليه يأثم لو تركها مع الجماعة حيث ينادى بها في المسجد مع جماعة المسلمين، بل من أهل العلم من يرى أن صلى الجماعة شرط لصحة الصلاة، والنبي ﵊ يقول لابن أمِّ مكتوم: ((أتسمع النداء؟ )) قال: نعم، قال: ((أجب، لا أجد لك رخصة)) لكن إذا أيس وقام من النوم بعد فراغ الناس من الصلاة ولا يدرك جماعة أخرى لا سيما وإن كان هناك حاجة داعية إلى النوم بأن كان مريضاً أو متعباً فزاد في نومه لمدة ساعة قبل أن يخرج الوقت لا مانع من ذلك -إن شاء الله تعالى-، ولا إثم عليه إلا أنه ترك الأفضل. يقول: هذا يطلب أن تشرح ألفية ابن مالك، هذا من هولندا -ما شاء الله- يقول: ليته يشرح ألفية ابن مالك كما سبق أن شرح الأجرومية، لكان أجراً عظيماً بإذنه سبحانه، أخوكم الحسين من هولندا؟ والله ألفية ابن مالك على البال -إن شاء الله تعالى-، وهي من أولى ما يشرح في هذه الدروس والدورات، لكن عسى الله أن ييسر الأمر، نشرح بعد الأجرومية -إن شاء الله تعالى- القطر ثم الألفية.

стр. 3

هذا أيضاً يقول: وقع عندي إشكال في قصة آدم ﴿وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ﴾ [(٣٥) سورة البقرة] ثم أورد آية الأعراف، ثم أورد آية الصافات: ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾ [(٦٤) سورة الصافات] والإشكال هنا: هل الشجرة موجودة في الجنة أم في النار؟ الآن هذا محل إشكال وإلا لا؟ يعني هل هي شجرة واحدة؟. الشجرة هذه شجرة الزقوم التي تخرج في أصل الجحيم غير الشجرة التي في الجنة التي نهي آدم عن الأكل منها. يقول: في قول الله -جل وعلا-: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [(٤٤) سورة الإسراء] هل الأجساد تسبح لله فيكون لله تسبيحان بإرادة الشخص نفسه والتسبيح المذكور في الآية؟ يعني وهل جسد الكافر يسبح ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ﴾ يريد أن يدخل في هذه النكرة (شيء) في سياق النفي تعم كل شيء من الحيوانات والجمادات وغيرها، يقول: بما في ذلك جسد الكفار، يعني المسلم يسبح بلسانه بطوعه واختياره لكن هل جسده يسبح تسبيح غير التسبيح الذي يكون بلسانه؛ لأن الجسد شيء، وبناءً على ذلك فهل جسد الكافر الذي لا يسبح بلسانه يسبح تلقائياً بدلالة هذه الآية؟ يقول: هل الأجساد تسبح لله فيكون لها تسبيحان بإرادة الشخص نفسه؟ يعني حينما يسبح بلسانه والتسبيح المذكور في الآية؟ أقول: مثل هذا تكلف، ولا شك أن الآية فيها دلالة على عظمة الله -جل وعلا- حيث ينزهه كل شيء من الحيوانات والجمادات، وأما التفاصيل التي لم يرد فيها دليل فلا داعي لها، مع أن عموم الحديث يتناول كل شيء. ما درجة حديث صيام أيام البيض وصيام ثلاثة أيام من كل شهر؟ لا إشكال فيه صحيح، وأما تعيين الثلاثة بالبيض فهو حديث حسن مخرجٌ في السنن وغيرها. يقول: أحد الأشخاص يصف الشيخ عبد العزيز بن باز -رحمه الله تعالى- بالتشدد، وأن فتاويه قاسية فما قولكم في مثل هذا الشخص؟

стр. 4

على كل حال الشخص هذا لا شك أنه صاحب هوى، وإلا لو نظر بعين البصيرة في فتاوى الشيخ ﵀ لوجدها من أعدل الأقوال، يعني نابعة من نصوص الكتاب والسنة. يقول: ذكرتم في اللقاء الماضي جمع شيخ الإسلام بين رواية ثلث الليل ورواية شطر الليل بأن رواية ثلث الليل قد يكون حسب من غروب الشمس ورواية شطر الليل قد يكون حسب من صلاة العشاء، ويقول: كتب الشيخ ابن عثيمين على الواسطية قوله: الليل يبتدي من غروب الشمس اتفاقاً، لكن حصل الخلاف في انتهائه هل يكون بطلوع الفجر أو بطلوع الشمس، والظاهر أن الليل الشرعي ينتهي بطلوع الفجر، والليل الفلكي ينتهي بطلوع الشمس، فكيف الجمع بين ما قاله شيخ الإسلام في مبدأ الليل، وبين ما قاله الشيخ ﵀ اتفاقاً؟ هذا ليس فيه تعارض أبداً، يعني في قيام داود ﵇ هل يمكن أن يقول شخص حتى ممن انضوى تحت هذا الاتفاق أن الليل يبدأ من غروب الشمس، يعني للإنسان أن ينام من غروب الشمس إلى منتصف الليل ويترك صلاة العشاء، هل في أحد يقول بهذا؟ ما يمكن أحد يقال بهذا إطلاقاً، بل الليل يبدأ من صلاة العشاء، ثم بعد ذلك من صلاة العشاء إلى طلوع الفجر يقسمه نصفين، ينام نصفه ثم بعد ذلك يقوم الثلث ثم ينام السدس. هذا يقول: الرسول ﵊ أفضل من صلى وقام وصام وهديه خير هدي، ومع ذلك لا نجد هديه يوافق هدي داود ﵇، أفلا يكون تفضيل هدي داود من وجهٍ ما من الوجوه؟ النبي ﵊ لم يقم قيام داود ولم يصم صيام داود، مع أن هذا أفضل الصيام وأفضل القيام، وقد حث النبي ﵊ على أمور ولم يفعلها رفقاً بالأمة؛ لأنه لو فعل تظافر القول مع العمل لشق ذلك على الأمة مشقةً عظيمة، فليكن في الأمر سعة، يحث على الشيء، ويتركه لئلا يشق على أمته، وقد يفعل الشيء ويندم عليه لئلا يشق على أمته، فلا شك أن هديه ﵊ أكمل هدي، لكن إذا مدح شيئاً فنحن المعنيون به، بغض النظر عن كونه فعله أو لم يفعله، فيكون فعله خاصاً به وقوله هو العام، والفعل لا عموم له عند أهل العلم.

стр. 5

يقول: لو صح كون قيام داود من النوم في نصف الليل يوافق نزول الله لبقي سدسان أي ثلث الليل، وفي الحديث: أنه يبقى ثلاثة أسداس يقوم سدسان وينام سدس؟ شو الإشكال؟ يعني موافقة حديث النزول لقيام داود هذه مسألة طولنا فيها جداً، فإعادتها ما لها داعي. يقول: حبذا لو توضحون المعنى البلاغي في قول الله تعالى: ﴿قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ [(٨١) سورة الزخرف]. هذا على سبيل التنزل، أنه لو كان لله -جل وعلا- ولد فأنا أول المتعبدين باعتقاد الولد، لكنه ليس له ولد، وقد نفاه الله -جل وعلا- عن نفسه: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ [(٣) سورة الإخلاص] ونعى على الكفار الذي قالوا: إن الملائكة بنات الله، وهذا لا شك أنه أمرٌ عظيم، كما جاء في آخر سورة مريم، والله المستعان. طالب:. . . . . . . . . بعد طلوع الشمس؟ بعد طلوع الشمس؟ طالب: نعم لا، لا، هذه لا بد من المبادرة إذا قام من نومه وقد خرج الوقت هذا لا بد من المبادرة ((من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها)) يعني مباشرة، كون النبي ﵊ لما نام عن صلاة الصبح ولم يوقظهم إلا حر الشمس تأخر قليلاً حتى خرج من الوادي الذي حضر فيه الشيطان هذا لا يعني أن المسألة مطردة، لا بد أن يصلي إذا ذكر، وإذا قام من النوم. طالب:. . . . . . . . . لا ما ينفع، ما ينفع، لا بد من المبادرة ((فليصلها إذا ذكرها)). الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: وقوله ﷺ : ((لا تزال جهنم يلقى فيها وتقول: هل من مزيد؟ حتى يضع رب العزة فيها رجله)) وفي رواية: ((عليها قدمه فينزوي بعضها إلى بعض، وتقول: قط قط)) متفق عليه، وقوله ﷺ : ((يقول الله تعالى: يا آدم، فيقول: لبيك وسعديك، فينادي بصوت: إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثاً إلى النار)) متفق عليه، وقوله ﷺ : ((ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه وليس بينه وبينه ترجمان)).

стр. 6

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فيقول المؤلف -رحمه الله تعالى- في الأحاديث النبوية التي أوردها المؤلف في إثبات الصفات مما أثبته النبي ﵊ لربه على ما يليق بجلاله وعظمته، منها قوله ﵊: ((لا تزال جهنم)) وجهنم اسم من أسماء النار - نسأل الله السلامة والعافية - ((يلقى فيها)) من أهلها المستحقين لها، ومعلومٌ أن وقودها الناس والحجارة، النار وقودها الناس والحجارة - نسأل الله السلامة والعافية - وقد ضمن الله -جل وعلا- لها أن تمتلئ، فلا تزال يلقى فيها ويدعّون فيها دعّاً يدفعون دفعاً شديداً، ويلقون فيها وهي تقول: ﴿هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾ [(٣٠) سورة ق] والخلاف في هذا التعبير أو الأسلوب، هل هي تطلب المزيد أو تنفي أن يكون فيها محل المزيد؟ وكل هذا جاء عن أهل العلم من المتقدمين والمتأخرين، حينما تقول: ﴿هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾ كما جاء في سورة ق، هل معنى هذا أنها تطلب الزيادة؟ ﴿هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾ فيكون هذا من باب الطلب، أو يكون من باب نفي قبول الزيادة؟ وأنها قد امتلأت، وقد جاء التفسير بهذا وهذا، ولكن المرجح أن هذا طلب، بدليل باقي الحديث: ((حتى يضع فيها رب العزة رجله)) وفي رواية: ((عليها قدمه)). في فتح الباري يقول: ابن حجر -رحمه الله تعالى-: باب قوله: وتقول: ﴿هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾.

стр. 7

اختلف النقل عن قول جهنم هل من مزيد، فظاهر أحاديث الباب أن هذا القول منها لطلب المزيد، وجاء عن بعض السلف أنه استفهام إنكار، كأنها تقول: ما بقي فيَّ موضع للزيادة، فروى الطبري من طريق الحكم بن أبان عن عكرمة في قوله: ﴿هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾ أي هل من مدخل؟ قد امتلأت، ومن طريق مجاهد نحوه، وأخرجه بن أبي حاتم من وجه آخر عن عكرمة عن ابن عباس وهو ضعيف، ورجح الطبري أنه لطلب الزيادة على ما دلت عليه الأحاديث المرفوعة -يعني الأحاديث التي منها حديثنا صريح في أنها تطلب المزيد، ولو لم يكن فيها فضل يطلب له المزيد لما احتيج إلى أن يضع رب العزة فيها قدمه لينزوي بعضها إلى بعض، وتنكمش بحيث لا يبقى فيها مكان للزيادة، يعني الحديث صريح، وهو مخرجٌ في الصحيحين وغيرهما. وقال الإسماعيلي: الذي قاله مجاهد موجه، فيحمل على أنها قد تزاد وهي عند نفسها لا موضع فيها للمزيد يعني كأنها لكثرة ما ألقي فيها خيِّل لها أنها قد امتلأت. يقول: وقال الإسماعيلي: الذي قاله مجاهد موجه -يعني يمكن توجيهه، فيحمل على أنها قد تزاد وهي عند نفسها لا موضع فيها للزيادة؛ لأنه قد يقول قال: السلف يخفى عليهم مثل هذه الأحاديث فيؤولون القرآن على خلاف ما جاء عن النبي ﵊ لا سيما مجاهد، الذي قال بعض الصحابة: إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به، معروف مقامه في هذا الباب، يقول: فيحمل على أنها قد تزاد وهي عند نفسها لا موضع فيها للمزيد، فهي لكثرة ما يلقى فيها خيِّل إليها أنها قد امتلأت ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾ [(٣٠) سورة ق] يعني كأنها امتلأت من كثرة ما يلقى فيها.

стр. 8

والله -جل وعلا- يعلم لا تخفى عليه خافية، فيعرف أن فيها مواضع تقبل الزيادة، والله -جل وعلا- لا يظلم أحداً، فلا ينشئ لها خلقاً يعذبهم دون سابق جرم فيضع فيها رجله فينزوي بعضها بعضاً، وتقول: قطٍ قطٍ، أو قطْ قطْ، أو قطِ قطِ، أو قطي بالياء بإشباع قطي قطي، أو قطني، يعني حسبي ويكفيني، ضبطت اللفظة بهذه الأوجه، المقصود أن هذا الأسلوب هل من مزيد هو "هل" استفهام، فهل هو استفهام طلب كما تدل عليه الأحاديث في الصحيحين وغيرهما منها أحاديث الباب أو هو استفهام نفي لقبول الزيادة؟ وعرفنا القولين. وهذا الحديث: ((حتى يضع رب العزة فيها رجله)) حتى يضع الله -جل وعلا- والأسلوب أسلوب عظمة من قبل الله -جل وعلا-، فالعزة مناسبة لهذا السياق ((رب العزة فيها رجله)) ففي هذا إثبات الرجل لله -جل وعلا- على ما يليق بجلاله وعظمته، وتثبت حيث ثبتت بها النصوص الصريحة، خلافاً لمن أولها، خلافاً لمن أول الرجل، وقالوا: الرجل الجماعة، كما في حديث داود ﵊ أنه حينما اغتسل ونزل عليه رجل من جراد يعني جماعة من جراد من ذهب، ولكن هذا التأويل منافرٌ للسياق، يضع الرب –جل وعلا- على سبيل التنزل على قولهم جماعة من أيش؟ من البشر؟! السياق يأباه؛ لأن الله -جل وعلا- يخلق للجنة أقواماً؛ لأنها رحمته، والنار –جهنم- عذابه - نسأل الله السلامة والعافية - ففضله دائم ومتعدي لمن يستحق ولمن لا يستحق، جوده -جل وعلا- وسع كل أحد، فيناسب أن يخلق للجنة أقوام لم يعملوا عمل، لكن كونه يعذب من لا يستحق العذاب هذا ظلم وقد حرمه الله -جل وعلا- على نفسه.

стр. 9

قوله في حديث أنس: ((يلقى في النار وتقول: هل من مزيد؟ )) في رواية سعيد بن أبي عروبة عن قتادة: ((لا تزال جهنم يلقى حتى يضع قدمه فيها)) كذا في رواية شعبة وفي رواية سعيد: ((حتى يضع رب العزة فيها قدمه))، قوله: ((فتقول: قط قط)) في رواية سعيد: ((فيزوي بعضها إلى بعض وتقول: قط قط وعزتك)) وفي رواية سليمان التيمي عن قتادة فتقول: ((قدٍ قدٍ)) بالدال بدل الطاء، وفي حديث أبي هريرة: ((فيضع الرب عليها قدمه فتقول قطٍ قطٍ)) وفي الرواية التي تليها: ((فلا تمتلئ حتى يضع رجله فتقول قطٍ قطٍ)) فهناك تمتلئ ويزوى بعضها إلى بعض، وفي حديث أبي بن كعب عند أبي يعلى: ((وجهنم تسأل المزيد حتى يضع فيها قدمه فيزوي بعضها إلى بعض وتقول: قطٍ قطٍ)) وفي حديث أبي سعيد عند أحمد: ((فيلقى في النار أهلها فتقول: هل من مزيد؟ ويلقي فيها وتقول: هل من مزيد؟ حتى يأتيها فيضع قدمه عليها فتنزوي فتقول: قدني قدني)) وقوله: ((قط قط)) أي حسبي حسبي، وثبت بهذا التفسير عند عبد الرزاق من حديث أبي هريرة وقطْ بالتخفيف ساكناً ويجوز الكسر بغير إشباع، ووقع في بعض النسخ عن أبي ذر ((قطى قطى)) بالإشباع، و ((قطني)) بزيادة نون مشبعة، ووقع في حديث أبي سعيد ورواية سليمان التيمي بالدال بدل الطاء وهي لغة أيضاً، وكلها بمعنى يكفي، وقيل: قط صوت جهنم، والأول هو الصواب عند الجمهور. يعني يكفي، حسبي ويكفيني. يقول: ثم رأيت في تفسير بن مردويه من وجه آخر عن أنس ما يؤيد الذي قبله، ولفظه: ((فيضعها عليها فتقطقط كما يقطقط السقاء إذا امتلأ)) انتهى. فهذا لو ثبت لكان هو المعتمد، لكن في سنده موسى بن مطير وهو متروك، واختلف في المراد بالقدم، فطريق السلف في هذا وغيره مشهورة، وهو أن تمر كما جاءت ولا يتعرض لتأويله بل نعتقد استحالة ما يوهم النقص على الله -جل وعلا-.

стр. 10

نعتقد استحالة ما يوهم النقص -لكن هل في إثبات ما أثبته الله -جل وعلا- لنفسه في كتابه أو على لسانه نبيه ﵊ ما يظهر منه نقص؟ نعم، الله -جل وعلا- ليس كمثله شيء، وأثبت لنفسه ما ثبت نظيره للمخلوق، لكن للخالق ما يخصه، وللمخلوق ما يخصه، فلا مشابهة، فالله -جل وعلا- ليس كمثله شيء، وليس معنى هذا أننا نبالغ في التنزيه إلى حدٍ نصل فيه إلى نفي ما أثبته الله -جل وعلا- لنفسه، فكما أننا مطالبون بتنزيه الله -جل وعلا- عن مشابهة المخلوقين، فكذلك نحن مطالبون بأدلة، يعني إذا كان التنزيه في قوله -جل وعلا-: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [(١١) سورة الشورى] في نص أو نصوصٍ محدودة، فالإثبات التفصيلي يعني إذا كان النفي الإجمالي موجوداً، ونحن نعتقده كما جاء عن الله وعن رسوله ﵊، لكن هل يعني هذا أننا ننفي ما أثبته الله لنفسه -جل وعلا- من إثبات تفصيلي من الأسماء والصفات؟ ولذا هو يقول: ولا يتعرض لتأويله بل نعتقد استحالة ما يوهم النقص على الله -ما يوهم النقص فالله -جل وعلا- منزهٌ عنه، لكن المبتدعة يستغلون مثل هذا الكلام في نفي ما أثبته الله -جل وعلا- لنفسه؛ لأن الإثبات عندهم ملازمٌ لتصور النقص، لكن إذا أثبتنا ما أثبته الله -جل وعلا- لنفسه ونفينا ما نفاه عن نفسه لا يلزم من ذلك تخيل ولا توهم النقص بوجهٍ من الوجوه. قال: وخاض كثير من أهل العلم في تأويل ذلك، فقال: المراد إذلال جهنم فإنها إذا بالغت في الطغيان وطلب المزيد أذلها الله فوضعها تحت القدم، وليس المراد حقيقة القدم، والعرب تستعمل ألفاظ الأعضاء في ضرب الأمثال ولا تريد أعيانها، كقولهم: رغم أنفه وسقط في يده، وقيل المراد بالقدم: الفرط السابق أي يضع الله فيها ما قدمه لها من أهل العذاب.

стр. 11

القدم إنما سميت قدم؛ لأنها تتقدم الإنسان، تتقدمه في المشي، لا يمكن المشي إلا إذا تقدمت الرجل على الأخرى، ثم الثانية على الأولى وهكذا، وهنا يقول: وقيل المراد بالقدم الفرط السابق، أي يضع الله فيها ما قدمه لها من أهل العذاب، قال الإسماعيلي: القدم قد يكون اسماً لما قدم، كما يسمى ما خيط من ورق خيطاً، فالمعنى ما قدموا من عمل، وقيل المراد بالقدم: قدم بعض المخلوقين فالضمير للمخلوق معلوم، أو يكون هناك مخلوق اسمه قدم، أو المراد بالقدم الأخير؛ لأن القدم آخر الأعضاء فيكون المعنى حتى يضع الله في النار آخر أهلها فيها، ويكون الضمير للمزيد. لكن هذه كلها تأويلات يأباها السياق، تأويلات يأباها سياق الحديث، وكل هذا فرار من أن يثبت لله -جل وعلا- ما أثبته لنفسه، ولا شك أن هذا مجانب للصراط والمنهج الذي سار عليه سلف هذه الأمة وأئمتها. يقول: وقال بن حبان في صحيحه: بعد إخراجه، هذا من الإخبار التي أطلقت بتمثيل المجاورة، وذلك أن يوم القيامة يلقى في النار من الأمم والأمكنة التي عُصي الله فيها فلا تزال تستزيد حتى يضع الرب فيها موضعاً من الأمكنة المذكورة فتمتلئ؛ لأن العرب تطلق القدم على الموضع، قال الله -جل وعلا-: ﴿أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ﴾ [(٢) سورة يونس] يريد موضع صدق، قال الداودي: المراد بالقدم قدم صدق وهو محمد ﷺ ، والإشارة بذلك إلى شفاعته وهو المقام المحمود .... إلى آخره. ثم قال: وزعم ابن الجوزي أن الرواية التي جاءت بلفظ: الرجل تحريف من بعض الرواة؛ لظنه أن المراد بالقدم الجارحة، فرواها بالمعنى فأخطأ، ثم قال: ويحتمل أن يكون المراد بالرجل إن كانت محفوظة الجماعة، كما تقول: رجل من جراد، فالتقدير يضع فيها جماعة وأضافهم إليه إضافة اختصاص. يعني إذا قال: رجله، الذي يضاف إلى الله -جل وعلا- ألا يقتضي تشريف المضاف، كبيت الله وناقة الله وما أشبه ذلك، هذا يقتضي التشريف، فأي شرف لمن يوضع في النار؟.

стр. 12

يقول: وأضافهم إليه إضافة اختصاص، وبالغ بن فورك: فجزم بأن الرواية بلفظ الرجل غير ثابتة عند أهل النقل، وهو مردود لثبوتها في الصحيحين، وقد أوّلها غيره بنحو ما تقدم في القدم فقيل: رجل بعض المخلوقين، وقيل: إنها اسم مخلوق من المخلوقين، وقيل: إن الرجل تستعمل في الزجر، كما تقول: وضعته تحت رجلي، وقيل: إن الرجل تستعمل في طلب الشيء على سبيل الجد، كما تقول: قام في هذا الأمر على رجل، وقال أبو الوفاء بن عقيل: تعالى الله عن أنه لا يعمل أمره في النار حتى يستعين عليها بشيء من ذاته أو صفاته، وهو القائل للنار: ﴿كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا﴾ [(٦٩) سورة الأنبياء] فمن يأمر ناراً أججها غيره أن تنقلب عن طبعها وهو الإحراق فتنقلب فكيف يحتاج في نار يؤججها هو إلى استعانة؟! انتهى. المقصود أن هذا الكلام كله من التأويل المذموم المردود، الذي يراد منه نفي ما أثبته الله -جل وعلا- لنفسه، واعتقده واتفق عليه سلف هذه الأمة وأئمتها، فلا محيد عن إثبات ما أثبته الله لنفسه، الله -جل وعلا- يثبت لنفسه ونحن نقول: لا يُثبت، لا شك أن هذه محادة ومعاندة، فهؤلاء -أعني الذي ينفون ما أثبته الله لنفسه- كيف يتصورون يقوم القيامة إذا جاء الله -جل وعلا- على الصفة التي يعرفونها؟ كيف يعرفون الصفة وهم ينفون الصفات؟! يعني إذا جاء عن الصفة التي يعرفونها يسجدون له، هؤلاء كيف يسجدون؟ هل عرفوه من أجل أن يسجدوا له؟ لا يمكن أن يعرف إلا من خلال ما جاء عنه -جل وعلا- في كتابه أو على لسان نبيه ﵊، هل يمكن أن يعرف شخص دون وصف؟ يعرف شيء ما رؤي سابقاً ولا وصف؟ ما يمكن أن يعرف، والله -جل وعلا- وصف نفسه في كتابه وعلى لسان نبيه -علي الصلاة والسلام- وأجمع سلف الأمة على هذه الأوصاف فصاروا يعرفونه بهذه الأوصاف التي جاءت عنه، فإذا جاءهم على صفته عرفوه، فكيف يعرفه من ينكر صفاته؟ كيف يعرفه من ينكر الصفات؟ هل يمكن معرفته مع إنكار الصفات؟! بأي شيء يعرفونه؟!

стр. 13

فلا شك أن هذا خطر عظيم؛ لأنهم مع إنكارهم لهذه الصفات يعبدون غير ما جاءت صفاته في الكتاب والسنة؛ لأن ما أثبته الله -جل وعلا- لنفسه في كتابه وعلى لسان نبيه ﵊ وما أجمع عليه سلف هذه الأمة هو بمجموعه ما يمكن أن يعرف به إذا جاء على صفته، كما أننا لا نعرف النبي ﵊ إلا من خلال ما جاء في كتب الشمائل، في كتب السيرة، يعني لو لم نعرف أن الرسول ﵊ أبيض وربعة وبعيد ما بين المنكبين وضليع الفم وشذن الكفين كيف نعرفه؟ ما يمكن أن نعرفه إلا بهذه الأوصاف، فإذا جاء الرب -جل وعلا- على صفته التي نعرفها من خلال ما جاءنا عنه -جل وعلا- في كتابه وعلى لسان نبيه يسجد له من كان يعبده في الدنيا، لكن من ينفي الصفات كيف يعرف؟! أنا لا أتصور أن شخصاً ينفي الصفات ثم يقول: إنه سوف يعرف الرب -جل وعلا-، هو لا يتصور صفات مثبتة، إنه يعبد شيء لا أوصاف له وهذا أشبه ما يكون بالعدم؛ لأن وجوده في الأذهان، لا يمكن أن يتصور في الأعيان شيء لا أوصاف له، هل ممكن تتصور إنسان لا وجه له، ولا يد له، ولا رجل له، ولا شيء من الصفات؟ يمكن تتصور إنسان بهذه الكيفية؟ ما يمكن، يعني إذا كان الأذهان والخيالات يمكن أن تسرح مسارح ويمكن تثبت مثل هذه الأمور التي لا حقائق لها فالأعيان لا يمكن أن يوجد فيها مثل هذا، فلا بد من إثبات ما أثبته الله -جل وعلا- لنفسه، ولا يلزم من الإثبات التشبيه، لا يلزم من ذلك أن يكون الخالق مثل المخلوق، فالخالق له وجه وله رجل وقدم ويد وعين وسمع وبصر -جل وعلا- عن مشابهة المخلوقين، وتعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً، فله هذه الأوصاف ولا يعني أننا إذا أثبتنا شيء من ذلك أنه نشبه به أحد من خلقه.

стр. 14

الإمام ابن خزيمة ﵀ في كتاب التوحيد: لما أثبت الوجه لله -جل وعلا- قال: لا يستلزم مشابهة وجوه المخلوقين بحال من الأحوال ولا بوجهٍ من الوجوه، وإذا تأملنا في المخلوقين وهم يشتركون في القدر المشترك من الخلق وجدنا تبيان كبير بين وجوه المخلوقين، فهل يستطيع أحد أن يقول: وجه الإنسان مثل وجه القرد؟ أو وجه النملة مثل وجه الحمار؟ أو وجه الذئب مثل وجه الجمل؟ ما يمكن، فالإنسان له وجهل والجمل له وجهل والحمار له وجه، والنملة لها وجه والجرادة لها وجه، ولا يلزم من ذلك المشابهة، وهذا بين المخلوقين، الذين يجمعهم وصفٌ واحد، يشملهم وصفٌ واحد وهو الخلق، فكيف بالتفاوت والتباين بين الخالق والمخلوق؟!. في حديث أبي هريرة عند البخاري -رضي الله تعالى عنه- قال: قال النبي ﷺ : ((تحاجت الجنة والنار، فقالت النار: أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين، وقالت الجنة: ما لي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسخطهم! قال الله ﵎ للجنة: أنتِ رحمتي، أرحم بك من أشاء من عبادي، وقال للنار: إنما أنتِ عذابٌ أعذب بك من أشاء من عبادي، ولكل واحدةٍ منهما ملأها، فأما النار فلا تمتلئ حتى يضع الله عليها رجله فتقول: قطٍ قطٍ، فهنالك تمتلي، ويزوى بعضها إلى بعض -يعني ينضم بعضها إلى بعض- ولا يظلم الله من خلقه أحدا ً -يعني لا يضع فيها ولا يدخل في هذه النار –جهنم- من لا يستحق العقوبة- وأما الجنة فإن الله ينشئ لها خلقاً)) وهذا السياق يأبى جميع التأويلات التي أبداها من ينكر هذه الصفات. قول النار: هل هو بلسان المقال أو بلسان الحال؟ يعني هل تنطق أو بلسان الحال؟ طالب:. . . . . . . . .

стр. 15

نعم، تتكلم، القدرة الإلهية صالحة لمثل هذا، وقال -جل وعلا- عن السماوات والأرض: ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [(١١) سورة فصلت] يقول النووي: هذا الحديث على ظاهره، وأن الله يخلق في الجنة والنار تمييزاً يدركان به ويقدران على المراجعة والاحتجاج، ويحتمل أن يكون بلسان الحال، لكن الأصل في الكلام أنه بلسان المقال، ثم بعد ذلك بعضهم يقول: هل لها لسان وأسنان وفم يخرج منه الكلام وحنجرة وما أشبه ذلك؟ نقول: لا يلزم، لا يلزم من هذا كله شيء، ولذلك حينما نفى المبتدعة صفة الكلام عن الله -جل وعلا- بناءً على أن إثبات الصفة يوهم وجود مثل هذه الأشياء، نعم لو ثبتت عن الله -جل وعلا- هذه الأمور أثبتناها على ما يليق بجلاله وعظمته، لكن الذي لم يثبت عنه لا نثبته إلا بدليلٍ ملزم، والقدرة صالحة لمثل هذا، فتتكلم النار وتتكلم الجنة ويتكلم الجماد تكلم الذئب وتكلمت البقرة، والله المستعان. طالب:. . . . . . . . . الشيخ: كيف صارت صفة نقص؟ طالب:. . . . . . . . . يعني النقص بالنسبة للخالق وإلا المخلوق؟ يعني المقعد هذا الذي ما له رجلين أكمل من اللي له رجلين؟ كيف تصير صفة نقص؟ طالب:. . . . . . . . . شوف يا أخي الإهانة والإكرام أمور نسبية، يعني كون شيء فوق شيء هل نقول: أن الأسفل مهان ما يلزم يا أخي، ما يلزم أبداً. طالب:. . . . . . . . . القدم أيش فيها؟ طالب:. . . . . . . . . القدم قالوا: هو الشيء الذي يتقدم على غيره، فيقدم لها أناس أو مخلوقات تمتلئ بهم، مثل ما مرّ بنا، على كل حال هذه كلها تأويلات مردودة القصد منها ومن ورائها نفي ما أثبته الله -جل وعلا- لنفسه. طالب: إضافة رب العزة؟ إضافة رب العزة، العزة معروف أنها صفة من صفات الله -جل وعلا- وهي معنىً من المعاني فتكون الإضافة من باب؟ طالب: إضافة الموصوف. من إضافة الموصوف إلى صفته.

стр. 16

وقوله: ((يقول الله تعالى: يا آدم، فيقول: لبيك وسعديك)) ينادي الرب -جل وعلا- آدم وهو أبو البشر فيجيبه آدم ﵇ لبيك وسعديك، وهما بلفظ التثنية والمقصود بلبيك إجابة بعد إجابة، وسعديك إسعاداً بعد إسعاد، فآدم يجيب ويقيم على إجابة الله -جل وعلا- ويطلب منه أن يسعده إسعاداً بعد إسعاد ((فينادي بصوت)) ينادي النداء من لازمه الصوت، فقوله: بصوت، تأكيد، وإذا أكد اللفظ امتنع إرادة المجاز، إذا أكد اللفظ سواءً كان بلفظه تأكيداً لفظياً أو تأكيداً معنوياً بمعناه، كما هنا انتفى إرادة المجاز، فينادي بصوتٍ ففي هذا إثبات الكلام لله -جل وعلا-، وأنه بصوت ((فينادي بصوتٍ إن الله يأمرك)) يعني يا آدم ((إن الله يأمرك)) وهذا من باب التعظيم، تعظيم الله -جل وعلا- نفسه، حيث لم يقل: إني آمرك، وبعض المبتدعة يقولون: إن المنادي غير الله -جل وعلا-، ولو كان الرب -جل وعلا- لقال: إني آمرك، فنسب الأمر إلى نفسه، يعني فماذا عن قول الله -جل وعلا-: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ ذ (٥٨) سورة النساء] فمن المتكلم هنا؟ هو الله -جل وعلا-، لكن كونه -جل وعلا- يعبر عن نفسه بهذا الأسلوب لا شك أنه من باب التعظيم، يعني كما يقول الملك في حاشيته: إن الملك يأمركم بكذا، أو لرعيته؛ لأن المتكلم العادي يضيف الأمر إلى نفس مباشرة بالضمير، يكني عن نفسه بالضمير ولا إشكال في هذا، إني أفعل كذا وآمر بكذا، لكن ليس هذا من أساليب التعظيم، إنما قاله: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ لا شك أنه مع كونه أمر يحمل استشعار عظمة الآمر.

стр. 17

يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-: ((فينادي بصوتٍ: إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثاً إلى النار)) الذين هم أهل النار وسكانها، وبعث النار جمعٌ غفير، هم السواد الأعظم، من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين، وأما بالنسبة لأهل الجنة فهم واحد من ألف، الصحابة -رضوان الله عليهم- خافوا وفزعوا فمن هذا الواحد؟ قال: ((ما أنتم بالنسبة للأمم إلا كالشعرة السوداء في جنب الثور الأبيض، أو الشعرة البيضاء في جنب الثور الأسود)). وجاء في الحديث الصحيح أن من يأجوج ومأجوج تسعمائة وتسعة وتسعين، ومن سائر الخلق واحد، فمثل هذا لا شك أنه يطمأن لكن على الإنسان ينظر لنفسه بمفرده؛ لأنه ما ضاع من ضاع وضل ومن ضل إلا بالمقارنة، يعني مثلاً بعض الناس يقول: الآن الكفار تجده يسافر إلى بلد من البلدان وينظر إلى هؤلاء الملايين المتكاثرة، فيخيل إليه أنه ليس له مكان في النار، ويبشر قومه أنهم كلهم في الجنة، ما دام يشهدون أن لا إله إلا الله، وهؤلاء المليارات كفار لكن بهذه المقارنة يضل الإنسان ويضيع، ويأمن من مكر الله. فعلى الإنسان أن ينظر إلى نفسه بمفرده ماذا قدم مما ينجيه من عذاب الله؟ ولو نظر في حال سلف هذه الأمة لوجد الخوف من الله -جل وعلا- يستولي عليهم، بحيث لا يصل إلى حد القنوط واليأس من رحمة الله، لكن هو الخوف الباعث عن العمل، وجاء في الحديث الصحيح حديث ابن مسعود ((وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخل النار)) نسأل الله السلامة والعافية، فالإنسان لا يغتر، يعني إذا سمع أن من يأجوج ومأجوج تسعمائة وتسعة وتسعين قال خلاص: ما لنا مكان، يا أخي عليك أن تنظر إلى نفسك بمفردك، وتنظر فيما ينجيك من عذاب الله -جل وعلا-، فتأتمر بما أمرت به وتنتهي عما نهيت عنه.

стр. 18

ولا شك أن النصوص جاءت بما يبعث على الخوف، وجاء من النصوص ما يبعث على الأمل والرجاء، وعلى هذا حال المسلم ينبغي أن يكون متعبداً لله -جل وعلا- عابداً له مستصحباً الخوف والرجاء، فلا يحمله الخوف على اليأس من رحمة الله والقنوط، ولا يحمله الرجاء إلى أن يأمن من مكر الله، فعليه أن يكون بين هذين الأمرين، وبعض الناس سمعتم وسمع غيركم سافر ورأى الجموع الغفيرة من الكفار فيقول: أبشروا كلكم في الجنة، مع أن المعتمد عند أهل السنة والجماعة أنه لا يشهد لأحدٍ من أهل الجنة إلا من شهد له النبي ﵊، وأما بقية الناس فلا يشهد لهم، إنما يرجى للمحسن ويخاف على المسيء. ((إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثاً إلى النار)) متفقٌ عليه. يا سلعة الرحمن ليس ينالها ... في الألف إلا واحدٌ لا اثنانِ يعني بعث الجنة واحد وبعث النار تسعمائة وتسعة وتسعون. وقوله: ((ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه وليس بينه وبينه ترجمان)) فالحديث السابق فيه إثبات صفة الكلام لله -جل وعلا- على ما يليق بجلاله وعظمته، وتقدم ذكر المذاهب في هذه الصفة.

стр. 19

((ما منكم من أحد)) (ما) هذه نافية، ومنكم الخطاب لكل من يتأتى أو يمكن أن يتجه إليه الخطاب من هذه الأمة، والكلام هذا يشمل الجميع، كل من يتجه إليه الخطاب من المكلفين ((إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان)) وهذا الكلام كلام تقرير وليس بكلام تشريف بحيث يختص بالمؤمنين، إنما كلٌ سيكلم وكلٌ سيحاسب ((ليس بينه وبينه ترجمان)) يعني بلغته، إنما الترجمان إنما يطلب حينما تختلف اللغة، لغة المتحدث والمحدَث، فالترجمان هو الذي ينقل الكلام من لغة إلى لغة، وقد يطلق على من يبلغ الكلام ولو كان باللغة نفسها، فقد جاء في صحيح البخاري عن أبي جمرة نصر بن عمران الضبعي أنه كان يترجم بين يدي ابن عباس، يعني أنه يبلغ كلام ابن عباس إلى من لا يسمعه، وهذا يسمى عند أهل العلم يسمونه المستملي، المستملي هو الذي يبلغ كلام الشيخ إلى الجموع التي لا تسمع، والترجمان هو الذي ينقل من لغة إلى لغة، هذا الأصل وقد يستعمل في اللغة نفسها في تبليغ الكلام الذي لا يسمع ((ما منكم من أحد)) أحد هذه نكرة في سياق النفي، فتعمُّ كل من يمكن أن يوجه إليه الخطاب ((إلا سيكلمه ربه)) وهذا في القيامة ((وليس بينه وبينه ترجمان)) فيقرره على أعماله ويحاسبه ويناقشه، أحدٌ يحاسب وأحدٌ تعرض أعماله عرض، والله المستعان. وفي هذا إثبات صفة الكلام ((سيكلمه ربه)) صفة الكلام لله -جل وعلا- على ما يليق بجلاله وعظمته. وأما مسألة أو صفة العلو التي أورد فيها المؤلف -رحمه الله تعالى- نصوص قد تكون أكثر من غيرها فتؤجل إلى استئناف الدروس -إن شاء الله تعالى-، وسوف يعلن عنها، وأما هذا الدرس فهو آخر الدروس بالنسبة لهذه السنة، والله أعلم. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. طالب: هل يفهم من ذلك أن الله تكلم بلغة؟ كلٌ يكلمه بكلامٍ يفهمه لا يحتاج فيه إلى ترجمان هذا مقتضى النص.

стр. 20

شرح العقيدة الواسطية معية الله الشيخ/ عبد الكريم الخضير السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الآيات الدالة على معية الله: الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فقد قال شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى-: وقوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [(٤) سورة الحديد] وقوله: ﴿مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [(٧) سورة المجادلة] وقوله: ﴿لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا﴾ [(٤٠) سورة التوبة] وقوله: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [(٤٦) سورة طه] وقوله: ﴿إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ﴾ [(١٢٨) سورة النحل] وقوله: ﴿وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [(٤٦) سورة الأنفال] وقوله: ﴿كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [(٢٤٩) سورة البقرة]. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

стр. 21

فيقول المؤلف -رحمه الله تعالى- بعد أن أثبت وذكر الشيخ -رحمه الله تعالى- ما جاء عن الله في صفة الاستواء والعلو، ذكر -رحمه الله تعالى- أن الله -جل وعلا- مع كونه مستوياً على عرشه بائناً من خلقه فوق سماواته، له صفة العلو المطلق بأنواعه، علو الذات، وعلو القدر، وعلو القهر، أثبت مع ذلك أن الله -جل وعلا- مع خلقه، معهم معية عامة ومعية خاصة، معهم بعلمه، وسمعه وبصره، ومعهم بحفظه ونصره وتأييده؛ لأن العلو قد يفهم منه أنه يخفى عليه شيء ما دام عالياً عنهم بائناً منهم، بينه وبينهم هذه السماوات، أنه قد يخفى عليه شيء من أمرهم، فأردف ذلك بما يدل على معيته لهم، وأنه لا تخفى عليه منهم خافية، وأنه -جل وعلا- معهم بعلمه وإحاطته بنصره وتأييده، وأن المعية ثابتة لله -جل وعلا- على ما يليق بجلاله وعظمته، وليست كمعية المخلوق. معنى المعية العامة: وهذه الصفة -أعني صفة المعية- جاء عن جمهور السلف بالنسبة للمعية العامة، المعية العامة جاء عن كثير من السلف أنها بمعنى العلم ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ﴾ [(٤) سورة الحديد] يعني بعلمه؛ لئلا يُظن أنه معهم -جل وعلا- بذاته فيقتضي ذلك الحلول، وأنه حالٌ بكل مكان؛ لأنهم منتشرون في كل كان، فما دام هو معهم وهم منتشرون في كل مكان قد يخطر على بال بعض الناس وقد خطر، وقد قالوا به أن الله -جل وعلا- معهم بذاته في كل مكان؛ لما يقتضيه لفظ "مع", فضل طائفة من الناس فظنوا أنه معهم ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ﴾ وهم منتشرون في الأماكن كلها، ويدخلون الأماكن الشريفة، وغير الشريفة من الأماكن القذرة، فلم ينزهوا الله -جل وعلا- عن حلول هذه الأماكن. والقول بالحلول والاتحاد قولٌ معروف عند فئة وفرقة ضالة، هم جماعة من المتصوفة قادهم الضلال إلى أن وصلوا أن الله -جل وعلا- حالٌ في كل شيء، وأنه -تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً- موجود في كل مكان وحالٌ فيه. شبهة حول تأويل المعية:

стр. 22

قد يقول قائل: إذا كان السلف أو جمهور السلف أولوا المعية بالعلم، تقول هذا تأويل وإلا ليس بتأويل؟ نعم تأويل، قد يتذرع بهذا من يقول ما داموا أولوا المعية بالعلم، لماذا لا نؤل الرحمة بالثواب، والغضب بالانتقام، وما أشبه ذلك، ما دام التأويل سائغ لماذا لا يطلق؟ الرد على الشبهة: نقول: نحن ملزمون بنصوص؛ لأن هذا الباب، أعني ما يتعلق بالله -جل وعلا- وما لا يدركه العقل من الإيمان بالغيب نحن ملزمون بنصوص بما جاء عن الله وعن رسوله ﵊ ولذا نقف عند هذه النصوص، فالسلف وقفوا عند هذه النصوص، الرحمة أثبتوها، ولم يؤولوها بلازمها، الغضب والمقت أثبتوهما، ولم يؤولوا ذلك بلازمهما، لكن جاء عنهم ونحن ملزمون بفهمهم، جاء عنهم تأويل المعية بالعلم، فنحن -أعني أهل السنة والجماعة- أهل اتباع، ولسنا بأهل ابتداع، فما دام السلف أولوا المعية بالعلم يسوغ لنا ذلك. وعلى هذا فكل ما اتفق عليه السلف نحن ملزمون به، وبالقول به لا يجوز لنا أن نحدث رأياً جديداً غير ما اتفقوا عليه، وإذا اختلفوا، إذا اختلفوا في إثبات صفة أو نفيها فإن كانت الأقوال متعادلة فالذي لديه آلية النظر والاجتهاد له أن يختار من أقوالهم ما يشاء، حسب ما يترجح عنده، لا على حسب تشهيه ورأيه، إنما حسب ما يترجح عنده بالدليل. وجمهور السلف أولوا المعية بالعلم، ومنهم من وقف، وجعل المعية كغيرها من الصفات، وأنها معية حقيقية تثبت لله -جل وعلا- على ما يليق بجلاله وعظمته، وبهذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية، وأنه كونه معهم لا يقتضي ذلك الامتزاج، ولا الاختلاط، فهو معهم وهو على عرشه، فهو -جل وعلا- مع خلقه ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ﴾ [(٤) سورة الحديد] وهو على عرشه بائنٌ من خلقه، هذا ما يختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، ويقول إذا تصور هذا في المخلوق فلأن يتصور في الخالق الذي لا تدركه الأفهام ولا تبلغه الأوهام من باب أولى, فإذا قال القائل: سرنا والقمر معنا، هل يعني هذا ممتزجٌ بهم مخالطٌ لهم؟!

стр. 23

لا يقتضي ذلك، لا يقتضي المخالطة ولا الممازجة، و"مع" تأتي بالمخالطة وتأتي بما لا يقتضي المخالطة ولا الممازجة، فإذا قلت: سرنا والقمر معنا، لا يقتضي هذا أن القمر مخالطٌ ممازج، وإذا قلت: شربت اللبن معه الماء اقتضى ذلك أن يكون اللبن مختلطاً بالماء، أو تقول: أكلت التمر ومعه السمن صار مخلوطاً, السمن بالتمر وهكذا. فـ"مع" تأتي بلغة العرب بمعنى المخالطة والممازجة، وتأتي أيضاً مع عدم اقتضاء المخالطة والممازجة, وشيخ الإسلام يرى أنها المعية حقيقية لكنها لا تقتضي مخالطة ولا ممازجة. الله معنا حقيقة ومع ذلك هو على العرش: فالله -جل وعلا- مع خلقه حقيقة لا مجازاً، ومع ذلكم هو على عرشه بائنٌ من خلقه، وإذا كان شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- يقرر في صفة النزول الإلهي في الثلث الأخير من الليل، إذا كان يقرر أنه ينزل في آخر كل ليلة، في الثلث الأخير من كل ليلة إلى السماء الدنيا، ولا يخلو منه العرش. فإذا سلمنا مثل هذا التسليم فإننا لا نلتزم باللوازم الباطلة التي التزمها المبتدعة وقالوا بها, فمنهم من نفى العلو ونفى الاستواء؛ لأن الله معنا، فكيف يكون عالياً؟ وكيف يكون مستوياً؟! وهذا تقدم، وهذا لا شك أنه تعطيل لنصوص كثيرة, ومنهم من نفى المعية نفياً مطلقاً، عملاً ببعض النصوص، وأنها تقتضي ما تقتضيه من اللوازم الباطلة, ومنهم من التزم باللوازم الباطلة، ومع ذلك أهل السنة يثبتون الاستواء، ويثبتون العلو، ويثبتون النزول، ويثبتون المعية على ما يليق بجلال الله وعظمته، وعلى هذا المرجح في هذا قول جمهور السلف، وأننا إذا أول السلف تبعناهم -ولا يمكن أن يؤولوا مثل هذا التأويل إلا وقد وقفوا فيه مع نصٍ عن النبي ﷺ المبلغ عن الله -جل وعلا- ما نزل عليه- فنحن ملزمون بفهم السلف، لا سيما في هذا الباب الذي لا تدركه العقول، فالسلف أعرف وأعلم، ومذهبهم أحكم وأسلم؛ لأنهم عاصروا النبي ﵊ وعايشوه وعايشوا التنزيل، فعرفوا ملابسات القضايا، وما احتف بها، فهم أعلم من غيرهم، لا سيما وقد زكاهم النبي ﵊ وشهد لهم بالخيرية. شبهة والرد عليها:

стр. 24

قد يقول قائل: في قوله ﵊: ((رب مبَلغٍ أوعى سامع)) أنه قد يأتي من يفهم النصوص ممن تأخر زمنه أفضل من فهم وأوعى من فهم من تقدم زمنه، هذا الكلام يُسلَّم أو ما يُسلَّّم؟ ((ربَ مبَلغٍ أوعى من سامع)) لكن قد يسلم شيء من هذا إذا كان مرد ذلك إلى الفهم، وما يدخله الفهم، أما هذا الباب، باب الغيبيات لا يدخله الفهم، فلا بد من اتباع السلف في هذا، هذا لا يدخله الفهم، قد يقول قائل: إن السلف مثلاً -في مسألة يدخلها الفهم من الأحكام العملية مثلاً- قد يقول قائل: أن السلف فهموا من هذه الآية فهماً، وهي تدل على حكم شرعي، ثم جاء بعدهم من فهم غير هذا الفهم؟ نقول إذا اختلف السلف في شيء، وصار لهم أقوال، إذا اتفقوا على شيء لا يجوز مخالفتهم إطلاقاً، لا فيما يدخله الفهم ولا ما لا يدخله الفهم إذا اتفقوا، ولا يجوز إحداث قولٍ جديد لم يقل به السلف، حتى قال أهل العلم: أن السلف إذا اختلفوا على قولين أو ثلاثة، لا يجوز إحداث قول ثالث أو رابع؛ لأنه خروجٌ عما اتفق عليه السلف في الجملة. إذاً كيف نفهم حديث: ((رب مبلغٍ أوعى من سامع))؟: قد يكون هذا السامع فهم من هذا النص شيئاً، ثم بلغ هذا النص شخصاً آخر فهم منه غير هذا الفهم، وهو أفضل من فهم من تقدم، لكن موافق لفهم بعض من تقدم، قد يكون فهم الثاني يخالف فهم الأول للنص مع الاتحاد في الحكم، كلاهما يتفقان على الحكم, لكن مأخذ الحكم من هذا النص يختلف فيه هذا عن هذا، والأمثلة على ذلك كثيرة جداً، يعني يأتي المتأخر ويذكر حديثاً يستدل به استدل به من قبله من الأئمة، ثم يبدي وجه استدلال أوضح مما أبداه مَن قبله، هذا موجود وإلا غير موجود؟ موجود، يعني لو نظرنا في المجموع للنووي، أو في المغني لابن قدامة، تجدهم يستدلون بأدلة استدل بها الأئمة، لكن يبدون وجه استدلال قد لا يبديه من تقدم قبلهم، لكنهم مع ذلك لم يختلفوا في الحكم مع الأئمة، ولذا بعضهم يقول: أنه ((رب مبلغٍ أوعى من سامع)) أن المتأخر يفهم من النص حكم يختلف عما فهمه المتقدم.

стр. 25

لا، لا يخرج عن دائرة فهم من تقدم، لكنه هذا المبلغ زيد بلغ عمراً، فهم عمرو من هذا النص غير ما فهمه زيد، واختلف معه في الحكم، لكن وافق غيره من العلماء، فلا يجوز لنا أن نحدث قول جديد غير ما فهمه السلف. وللمتأخر أن ينظر في النصوص، لكن ليس له أن يحدث أقوال جديدة لم يقل بها من تقدمه، لا سيما في مواطن الإجماع، ظاهر وإلا ما هو بظاهر؟ يعني لو أتينا بمثال ماذا نقول؟ ماذا نقول؟ مثال كررناه مراراً لا مانع أن نذكره هنا؛ لأنه واضح، حينما نأتي إلى مسألة البروك، كيف نفهم البروك؟ يعني لو فهمنا مثل فهم ابن القيم على العين والرأس، وفهم غيره أيضاً لا يعطل، وثقتنا بابن القيم وبعلم ابن القيم يعني شيء متقرر في النفوس ومعروف، ولو الإنسان يستدرك على هؤلاء الجبال، يقول ابن القيم: أن الحديث انقلب على راويه؛ لأنه لا يمكن أن يقدم يديه قبل ركبتيه فيكون عاملاً بصدر الحديث؛ لأن الحديث: ((إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير، وليضع يديه قبل ركبتيه)) رأى ابن القيم أن هذا الحديث عجزه ينقض صدره؛ لأنه إذا قدم يديه قبل ركبتيه برك مثل البعير، ولذا يقول ابن القيم إن الحديث انقلب على راويه، يعني ما قال جمعٌ غفير من أهل العلم أن السنة تقديم اليدين قبل الركبتين؟ وأيش مقتضى هذا؟ مقتضى هذا أن يكون الحديث مقلوب، يعني كيف يتصور أن الإنسان يقدم يديه قبل ركبتيه ولا يبرك مثل ما يبرك البعير؟

стр. 26

الأئمة عملوا بالحديث، ولا أبدوا لنا وجه لاتفاق بين صدر الحديث وعجزه، لكن ما يمنع أن نفهم نبحث، أيش معنى البروك؟ في الأصل أيش معناه؟ يعني لو قدم ركبتيه بقوة ما نقول برك؟! برك عمر -رضي الله تعالى عنه- بين يدي النبي ﷺ برك، هل برك مثلما برك البعير؟ برك على ركبتيه كما في الحديث الصحيح، برك على ركبتيه بين يدي النبي ﵊ هل معنى ذلك أنه كل من قدم يديه قبل ركبتيه نقول برك؟ أو كل من نزل بقوة على الأرض نقول برك؟ نعم، كل من نزل بقوة نقول برك، لكن إذا نزل برفق وطمأنينة نقول برك وضع يديه قبل ركبتيه يكون الحديث متفق، هل نكون بهذا أحدثنا قول جديد؟ أو فهمنا الخبر ولم نأتي بقول المسبق إليه في الحكم نفسه، قد يكون التعليل موجود عند المتقدمين ما أبدوه، ونكون حينئذٍ فهمنا من الحديث ما يجعله متسق، عجزه يشهد لصدره، فالممنوع أن ينزل الإنسان بقوة على الأرض سواءً قدم يديه وإلا قدم ركبتيه، لا يبرك مثلما يبرك البعير بحيث يثير الغبار، ويفرق الحصا، ويخلخل البلاط، أحياناً تسمعون إذا نزل بعض الناس حتى على ركبتيه يكون بروكه أشد من بروكه على يديه لو نزل عليهما، ويبقى أن الحديث لا قلب فيه، وآخره يشهد لأوله، ولا فيه أدنى إشكال؛ لأن الحديث: ((وليضع)) لا يبرك يعني لا ينزل بقوة، لكن يضع يديه قبل ركبتيه. الأمر الثاني: أنه لا يمكن موافقة بروك البعير بأي وجه من الوجوه إلا بالنزول بالقوة؛ لأن مجرد تقديم اليدين على الركبتين وأنت واقف، هل هذا يشابه بروك البعير الذي من الأصل يديه على الأرض؟ هل تكون مشابهة للبعير وأنت واقف يديك ليست على الأرض؟ هو يديه على الأرض من الأصل البعير. طالب:. . . . . . . . .

стр. 27

لا لا لا ركبتيه ولا شيء، هذا القول ما يخدم المصلحة، لا هذا القول ولا الثاني، المقصود أن البعير من الأصل يديه على الأرض، فلا يمكن مشابهة الإنسان للبعير في الصورة بحال من الأحوال، ما يمكن مشابهته؛ لأن الإنسان واقفٌ، ويداه على صدره، هذا الأصل، وأما البعير في الصورة يداه على الأرض من الأصل، فليست فيهما مشابهة بالصورة، لكن المشابهة المنهي عنها النزول على الأرض بقوة مثل ما يفعل البعير، نحن فهمنا الحديث على هذا الفهم، هل نقول: أننا أتينا بجديد، واخترعنا قولاً لم يقل به أحد؟ القول بتقديم اليدين على الركبتين قول معروف عند أهل العلم، الحكم متقرر عند أهل العلم، لكن كوننا فهمنا العلة، وقد فهمها من قبلنا، وهذا يلزم كل من صحح الحديث أن يقول بهذا القول، كل من صحح الحديث ورجح تقديم اليدين على الركبتين يلزمه أن يقول بهذا القول، وإلا أيش معنى البروك؟ يعني كوننا لم نطلع على أحد قال بهذا القول معناه أننا أحدثنا في الدين ما لم يقل به سلف هذه الأمة، الإشكال في إحداث حكم شرعي لم يقال به من قبل، هذا الإشكال، أما كوننا نفهم .. طيب اختلف السلف في فهم آية: ﴿وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ﴾ [(٢٧٩) سورة البقرة] ﴿وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ يعني هل معنى هذا أن لنا رأس المال وقت الدخول في التجارة أو وقت التوبة؟ يعني كون الإنسان يرجح أحد الوجهين الذين تحتملهما الآية أو الحديث لا يعني أنه أحدث قولاً جديداً، لكن لا يأتي بفهمٍ يترتب عليه حكم شرعي غير مسبوق إليه. طالب:. . . . . . . . . هذه مسألة مثل ما ذكرنا –خلافية- منهم من يقول: أنه ما دام الخلاف موجود والممنوع مخالفة الإجماع فلا مانع من أن نحدث قول ثالث، أو نلفق بين القولين قولاً ثالثاً، لا مانع من هذا، ومنهم من يقول: لا بد أن يتقيد بما جاء عن سلف هذه الأمة في الأحكام، فلا يحدث قول، ولا يلفق بين قولين، مسألة معروفة في أصول الفقه.

стр. 28

المقصود أننا ملزمون بفهم السلف، ولا يجوز لنا الخروج عن فهمهم، لا سيما في باب الغيبيات التي لا تدركها العقول والآراء، وأما في المسائل التي تدركها الآراء، ومردها إلى الاجتهاد فإن لنا أن نجتهد، وباب الاجتهاد مفتوح إلى قيام الساعة، فيمن توفرت لديه الأهلية، لكن يبقى أنه لا يحدث حكم لم يسبق إليه، أو يبتدع قولاً أو يبتدع عبادة أو شيء لم يسبق إليه. طالب:. . . . . . . . .؟ هو الأصل لو لم يوجد من يسأل ما تُطرق إلى هذه المسائل؛ لأن التوسع فيها يفتح للأوهام آفاق، لكن ما دام وجد من يسأل لابد من الرد عليه، وجدت شبهة لا بد من كشفها، شيخ الإسلام أورد شبهات في شرح حديث النزول وأجاب عليها، وإذا كان اقتضى ذلك في عصر شيخ الإسلام ففي عصرنا من باب أولى؛ لأن الشبهات الآن دخلت على العوام في بيوت المسلمين، فلا بد من كشفها؛ لأن القائل .. يعني سيأتي في أحاديث النزول بسطه إن شاء الله تعالى، القائل يقول: إذا كان الثلث الأخير في المشرق الذي يليه الثلث الأوسط من الليل، وفي المغرب الثلث الأول، فإذا انتقل من المشرق من المغرب صار ثلث أخير، ثم ينتقل إلى المغرب ثلث أخير، فعلى هذا يكون الليل كله ثلث أخير، لا بد من الإجابة على هذا، فيكون مقتضى الحديث أن الله -جل وعلا- نازل في الليل كله، وهذا لا يمكن أن يقال به؛ لأنه يترتب عليه تعطيل العلو والاستواء، وما أشبه ذلك, لكن لا بد من كشف هذه الشبهات، وإذا تصورنا في المخلوق مثل هذه الأمور الدقائق التي لا يمكن أن يسلم الشخص إلا بالتسليم المطلق في المخلوقات فكيف بالخالق؟

стр. 29

يعني يرد علينا في بعض ما يحدث في مخلوق ما يقتضي أننا لا بد في النهاية نسلم، وضربنا مثال ما جاء في الصحيح أن الشمس تسجد تحت العرش في كل ليلة، تحت العرش وتستأذن في كل ليلة، طيب ألا يلزم من ذلك أنه يخلو عنها مدارها في وقتٍ من الأوقات، والمتقرر عند علماء الهيئة وغيرهم أنها في مدارها، أربعة وعشرين ساعة، تطلع على هؤلاء وتغرب عن هؤلاء إلى آخره، ومع ذلكم نجزم بأنها تسجد تحت العرش، ونقول سجود حقيقي؛ لأنه هو الأصل في التعبير، هو الأصل في النصوص الحقيقة، فلا بد من التسليم، وما جاء عن الله ورسوله كله حق، ولا يمكن أن يأتي في النصوص الصحيحة الصريحة شيءٌ من التعارض والتباين، بل هي متحدة متسقة، وما جاء من مختلف الحديث، وما ظاهره التعارض، إنما هو بالنسبة لما يظهر للمجتهد، وإلا في حقيقة الأمر لا تعارض ولا اختلاف، كل حديثين متعارضين في الظاهر لا بد من الجمع بينها إذا كانا صحيحين، وإلا يحكم على أحدهما بأنه راجح والآخر مرجوح، والمرجوح عند أهل العلم يسمونه -إذا لم يمكن الجمع- يسمى الشاذ عند أهل العلم المرجوح. نأتي إلى النصوص، يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-: وقوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [(٤) سورة الحديد] يعني المجموع السماوات والأرض في ستة أيام ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ بعد أن يخلق السماوات والأرض استوى على العرش، لكن هل معنى هذا أن السماوات والأرض قبل العرش، أو أنه خلق العرش ثم لم يتم الاستواء عليه إلا بعد أن خلق السماوات والأرض هذا مقتضى العطف بثمَّ، معروف أن أول المخلوقات العرش، والخلاف ذكرناه فيما سبق في آيات الاستواء في الأول العرش أو القلم في قول ابن القيم: والحق أن العرش قبلٌ لأنه ... وقت الكتابة كان ذا أركان فالعرش متقدم على الجميع، فعلى هذا الترتيب زمني وإلا ذكري؟ \ طالب:. . . . . . . . . استواء ذكري وإلا زمني؟ الطالب:. . . . . . . . . لا، ما يمنع أن يكون العرش قبل ثم السماوات ثم الاستواء بعدهما. الطالب:. . . . . . . . .

стр. 30

هم يقولون: ترتيب ذكري ما يلزم منه الزمن ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ﴾ [(٤) سورة الحديد] يعني ما يدخل في الأرض، يعلم ما يلج في الأرض مما ينزل من فوق، من العلو، من مطرٍ وغيره، يعلم ما يدخل في هذه الأرض وما يخرج منها من نباتٍ ونحوه، كل هذا يعلمه الله -جل وعلا- لا يخفى عليه منه شيء، لا قطرة ماء ولا أدنى ما ينبت من الأرض وما يخرج منها، ﴿وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاء﴾ من ينزل من السماء يعلمه الله -جل وعلا-، ﴿وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ يعرج فيها وإلا يعرج إليها؟ طالب:. . . . . . . . . ما يعرج إليها؟ طالب:. . . . . . . . . طيب. ما يعرج فيها، نحن بين أمرين: إما أن نضمن العروج معنى الدخول؛ لأن الدخول يعدّى بـ"في" أو نضمن الحرف معنى "إلى" فنقول ما يعرج إليها أو ما يدخل فيها، وأيهما أولى تضمين الفعل أو تضمين الحرف؟ عند شيخ الإسلام تضمين الفعل أولى، تضمين الفعل معنىً يتعدى بالحرف نفسه، ﴿وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ وهذا هو الشاهد، يعني مع كونه مستوٍ على عرشه، مع كونه -جل وعلا- مستوياً على عرشه هو معكم، ﴿أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [(٤) سورة الحديد] يعني مبصر لأعمالكم، فهو معكم ببصره، بعلمه، بسمعه، فهو يعلم ويسمع ويبصر ما تعملون، ومقتضى ذلك أنه إذا كان معنا، إذا استحضرنا مثل هذا النص لا بد أن تكون منزلة المراقبة لله -جل وعلا- عاملة عملها فينا، وهي مرتبة الإحسان، إذا كان الله -جل وعلا- معنا يسمع كلامنا ويبصر أعمالنا ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [(٤) سورة الحديد] ويسمع كلامنا، ويرانا أين ما كنا، وهو معنا أين ما كنا، فلا بد أن نراقبه، لا بد من أن نراقب الله -جل وعلا- في جميع أعمالنا، وهذه مرتبة الإحسان التي هي: أن تعبد الله -جل وعلا- كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك. في قول الشاعر: إذا ما خلوت الدهر يوماً فلا تقل ... خلوت ولكن قل عليَّ رقيب لا هي نونية "يراني". وإذا خلوت بريبة في ظلمة ... والنفس داعية إلى الطغيان فاستحِ من نر الإله وقل لها ... إن الذي خلق الظلام يراني

стр. 31

يعني أيش الدرس العملي الذي نستفيده من مثل هذه الآية؟ إذا كان الله -جل وعلا- معنا أينما كنا ويرانا، يرى أعمالنا ويبصرنا ويسمع كلامنا أين ما كنا في أي مكان كنا، سواءٌ كنا ضاحين للشمس وضح النهار، أو كنا في ظلمة الليل، أو في ظلمات ثلاث، أو أكثر، الله -جل وعلا- يعلم ذلك كله، ومقتضى ذلك أن نراقبه في جميع أعمالنا وأقوالنا، وفي جميع تصوراتنا. وقوله: ﴿مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [(٧) سورة المجادلة]. ﴿مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى﴾ ما يكون كان هنا تامة وإلا ناقصة؟ تامة ما تحتاج إلى مبتدأ وخبر -اسم خبر- ما تحتاج إلى هذا، إنما هي بمعنى يوجد، ﴿مَا يَكُونُ﴾ ما يوجد ﴿مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ﴾ والأصل أن هذا من إضافة الصفة إلى الموصوف، ما يكون من ثلاثة نجوى، يعني يتناجون إلا والله -جل وعلا- رابعهم.

стр. 32

والنجوى الكلام سراً، هذه هي النجوى, ﴿مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ -جل وعلا- رابعهم بعلمه، بحيث لا يخفى عليه شيءٌ من نجواهم، ﴿وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِن ذَلِكَ﴾ لأنه لم يذكر إلا الأعداد الفردية، ما ذكر الأشفاع، ثلاثة وخمسة، ولا أدنى من ذلك، يعني أدنى من ثلاثة اثنين، إلا هو ثالثهم، ولا واحد يتحدث إلى نفسه إلا والله -جل وعلا- يطلع على ما يختلج في صدره ﴿وَلَا أَدْنَى مِن ذَلِكَ﴾ سواءٌ واحد أو اثنين أو أربعة ﴿وَلَا أَكْثَرَ﴾ ستة, سبعة, عشرة، مائة، لا تشتبه عليه اللغات، ولا تلتبس عليه الأصوات، يعني لو قدر أن الملايين، نحن يمرُّ علينا شيء من هذا، لو تصورنا مثلاً المطاف وهو كضيض بالزحام، وكل واحدٍ يتكلم بكلام يختلف عن كلام غيره، وأحياناً لا يسمعه من بجواره، ولغات مختلفة ومطالب متعددة لا يخفى على الله -جل وعلا- شيء من لغاتهم، ولا لهجاتهم، ولا من مطالبهم وحاجاتهم إضافة إلى سائر من على ظهر المعمورة -جل وعلا-، ﴿وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِن ذَلِكَ﴾ العدد المذكور ولا أكثر منه ﴿إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ أينما كانوا في أي مكان كانوا ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ يخبرهم بما عملوا، هو معهم لا يظن العامل عمل السوء أنه يخفى على الله -جل وعلا- ولا يظن المتكلم بكلامٍ لا يرضي الله -جل وعلا- أنه يخفى على الله، ولا يظن أيضاً، بل لا يظن من عمل أي عملٍ أنه يخفى على الله، أو يتكلم بأي كلام، لا بد أن ينبئه الله -جل وعلا- بما حصل منه يوم القيامة، فإن كان خيراً جازاه عليه، وإن كان شراً عاقبه عليه أو عفا عنه ﴿أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ وقت الحساب يقررهم، ((ما منكم من أحدٍ إلا سيكلمه ربه يوم القيامة، ليس بينه وبينه حجاب وليس دونه ترجمان)) بدون ترجمان، ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [(٧) سورة المجادلة] وهذه من الألفاظ العامة المحفوظ عمومها، خلافاً لمن يقول: أنه لا يجهل، لكن لا يثبت له صفة العلم، أو يقول من الفلاسفة: أنه

стр. 33

يعلم الكليات ولا يعلم الجزئيات. لا تخفى عليه خافية يعلم كل شيء. المعية الخاصة: وقوله: ﴿لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا﴾ [(٤٠) سورة التوبة] الآيات السابقة في المعية العامة، في قوله -جل وعلا-: ﴿لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا﴾ هذا قاله النبي ﵊ لأبي بكر لما كانا في الغار، وقف المشركون على فم الغار، ولو نظر أحدهم إلى موضع قدميه لأبصرهم، أبو بكر ﵁ داخله ما يداخل سائر البشر مما جبلوا عليه من خوف العدو، فخاف أبو بكر وحزن، فقال النبي ﵊: ﴿لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا﴾ فأعماهم الله -جل وعلا- عن نظر ما هو بإزاء أقدامهم، ولو نظروا لأبصروا. في كتب السير يذكرون أشياء أن العنكبوت نسجت على فم الغار، والحمام أيضاً جمع عشه عليه، فهذا السبب في كونهم لم يروا، وهل هذا أبلغ أو كونه مكشوف بحيث يراه من رزق هذه النعمة نعمة البصر؟ أيهما أبلغ في الحياطة والحماية والنصر والتأييد؟ كونه مكشوف أبلغ، وعلى كل حال ما ذكر في هذه السير لا يثبت بسند صحيح. قوله: ﴿لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا﴾ هنا معية النصر والتأييد والحفظ، التي هي المعية الخاصة، وقوله جل وعلا: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [(٤٦) سورة طه] وهذا لموسى وهارون لما خافا من فرعون أن يبطشا بهما، قال الله -جل وعلا- مطمئناً لهما: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ ومقتضى هذه المعية ومقتضى هذا السمع وهذا البصر الحفظ والتأييد والنصر، وعدم تمكين العدو منهما ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ وهذه معية خاصة. الأولى خاصة بمحمد ﵊ وأبي بكر، والثانية خاصة بموسى وهارون.

стр. 34

وقوله -جل وعلا-: ﴿كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [(٢٤٩) سورة البقرة] هذه أيضاً معية خاصة، لكنها مقترنة بوصف، الأولى والثانية مقترنة بأشخاص، الأولى بالنبي ﵊ وأبي بكر، والثانية بموسى وهارون، والثالثة مقترنة ... قبل ذلك: ﴿إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ﴾ [(١٢٨) سورة النحل] هذه مقترنة بوصف التقوى ووصف الإحسان، وهذه أيضاً معية خاصة، فعلى المسلم إذا أراد أن يكون له نصيب من هذه المعية الخاصة معية الحفظ والنصر والتأييد أن يتصف بالوصف الذي رتبت عليه هذه المعية وهي التقوى والإحسان, والتقوى فعل المأمورات، واجتناب المحظورات، والإحسان له صور: منها: إحسان الإنسان في معاملته لربه -جل وعلا- بأن يعبده كأنه يراه، فإن لم يكن يراه فإنه يراه, وأيضاً: إحسان للإنسان مع نفسه، إحسان الإنسان مع الخلق، وقد أمرنا بالإحسان في كل شيء، وقد كتب علينا الإحسان في كل شيء ((فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة)). وقوله: ﴿وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ وهذه أيضاً معية خاصة لمن اتصف بهذا الوصف، وهو الصبر، فعلى المسلم أن يأخذ النصيب الوافر من الصبر سواءٌ كان الصبر على طاعة الله، أو عن معصية الله، أو الصبر على أقداره، فإذا صبر الصبر بكافة ما تقتضيه هذه الكلمة حصل له من هذه المعية نصيباً وافراً. وقوله -جل وعلا-: ﴿وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ هذه من المعية الخاصة التي مقتضاها الحفظ والنصر والتأييد لمن اتصف بهذا الوصف، وامتثل هذا الأمر، اصبروا بجميع أنواع الصبر ﴿إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾.

стр. 35

وقوله -جل وعلا-: ﴿كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [(٢٤٩) سورة البقرة] فالكثرة لا يعول عليها، وإذا عرفنا هذا فالمعول على القوة المعنوية، وهي قوة الارتباط بالله -جل وعلا- وأما الكثرة في العَدد والعُدد فالوقائع والحوادث تشهد بأنها لا قيمة لها، فالنبي ﵊ في غزوة بدر المشركون ثلاثة أضعاف، ومع ذلك هزموا، وقتل منهم عدد كبير، وأسر عدد. وأيضاً في غير ذلك على مرِّ التاريخ بقدر تمسك المسلمين بدينهم وتمسكهم وعملهم بأسباب النصر ينصرون على الأعداء، ولو قل العدد، ولو كثر عدد العدو، ومصداق ذلك في قول الله -جل وعلا-: ﴿كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ﴾ كم هذه للتقليل وإلا للتكثير؟ للتكثير، ﴿كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً﴾ يعني في وقائع كثيرة جداً حصل هذا، فئة قليلة تغلب فئة كثيرة بإذن الله؛ لأنهم عملوا بأسباب النصر، ﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ﴾ [(٧) سورة محمد] فإذا عملنا بأسباب النصر غلبنا أعداءنا مهما بلغ عددهم، ومهما بلغت عُددهم، ﴿غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [(٢٤٩) سورة البقرة]. وهذه كسابقتها معية خاصة لمن اتصف بهذا الوصف، وهو الصبر بأنواعه، والله أعلم, وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد, وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 36

العقيدة الواسطية - القرآن منزلٌ واختلاف الناس في أنواع الكلام الشيخ/ عبد الكريم الخضير السلام عليكم ورحمة الله وبركاته هذا يسأل ويقول: ما معنى قديم النوع، متجدد الآحاد؟ قديم النوع: إن الله -جل وعلا- لم يزل متكلماً في القدم، في الأزل، وأنه -جل وعلا- بالنسبة لآحاده هذا نوعه قديم، في الأزل، وما زال يتكلم متى شاء، وإذا شاء، فآحاد الكلام متجدد، بمعنى أنه يتكلم بمشيئته وإرادته، فنوعه قديم يتكلم في الأزل، ثم إن الله -جل وعلا- ما يزال متكلماً، متى شاء إذا شاء، فالنوع قديم، والآحاد يعني أفراد الكلام متجددة، يعني أنه يتكلم، يتكلم في الأزل، ويتكلم في الماضي والحاضر والمستقبل، متى شاء، إذا شاء. يقول: هل يقال عن القرآن: قيل الله، حديث الله؟ نعم، القيل هو القول ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ قِيلاً﴾ [(١٢٢) سورة النساء] يعني قولاً، فالقرآن قول الله، وقيل الله، وحديث الله ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا﴾ [(٢٣) سورة الزمر] والقرآن يقال له: حديث من هذه الحيثية، فهو حديث الله، يعني أن الله هو المتحدث به، والمتكلم به. يقول: ما رأيك في مسألة الأولياء والكرامات، ونبش قبورهم أو زيارتها؟ إما هذا وإلا هذا. طالب: نقش -يمكن-. يقول: نبش قبورهم.

стр. 37

أما مسألة الأولياء، فالحديث الصحيح: ((من عادى لي ولياً)) الحديث القدسي: ((من عادى لي ولياً)) والأدلة من نصوص الكتاب والسنة تدل على أن المؤمنين أولياء الله، ومنهم من هو أخص بهذه الولاية بحسب ما في قلبه من إيمان، وما يزاوله من عمل مرضي لله -جل وعلا-، فالولاية لله ثابتة، من المؤمنين من هم أولياء، بل المؤمنين كلهم أولياء لكنهم يتفاوتون فيها بقدر إيمانهم، وأما الكرامات فهي ثابتة لهؤلاء الأولياء، كما أن للأنبياء معجزات، وكلها خارقة للعادة، لكن المعجزة مقرونة بالتحدي، وادعاء النبوة، مقرونة بادعاء النبوة، أما الكرامة فلا تقترن بادعاء النبوة؛ لأنها لغير الأنبياء للأولياء، فهذا الفرق بينهما، وما يخرق العادة إن كان على يد نبي صار معجزة، وإن كان على يد وليٍ متبع فهي كرامة، وإن كانت على يد غير متبع فهي ابتلاء من الله –جل وعلا- له ولغيره به؛ لأنه قد يحدث ما يخرق العادة من خوارق على أيدي بعض المخالفين من المبتدعة، بل بعضهم ممن يستعين بالشياطين، -نسأل الله السلامة والعافية-، فتخرق له العادة من أجل الابتلاء، ابتلاءه هو وابتلاء غيره به، فلا ينبغي أن يكون لهذا الخارق أثر في نفس الشخص، أو في نفوس غيره ممن يراه، ويطلع عليه، ويسمع عنه، إلا إذا عرض عمله على الكتاب والسنة، فإن وجد عمله مطابقاً للكتاب والسنة قلنا: كرامة، وإلا فهي من تضليل الشيطان، نسأل الله السلامة والعافية. قد يقول قائل: إنا رأينا بعض الناس حصل لهم كرامات، وبعض الناس وهم أفضل منهم لم يحصل لهم شيء، فهل وجود الكرامة دلالة على أن هذا أفضل من غيره؟ لا؛ لأن هذا قد يحتاج لهذه الكرامة لتثبيته من جهة، أو من أجل يثبت أتباعه، أو تنتصر دعوته إلى الحق بهذه الكرامة، وبينما غيره قد لا يحتاج إلى هذه، فلا تجري على يديه. يقول: نبش قبورهم؟

стр. 38

نبش القبور حرام لا يجوز إلا لمصلحة راجحة، إذا ترجحت المصلحة في معرفة سبب وفاته مثلاً إذا اتهم به أحد، أو شك بالسبب هل هو طبيعي، أو بفعل فاعل، مثل هذا المصلحة راجحة في نبشه، وإجراء الاختبارات عليه، فمثل هذه ينبش، وكذلك إذا كان في طريق الناس، وصار الناس يطئونه بأقدامهم؛ لأنه في طريقهم، فنبشه لا شك أنه مصلحة راجحة مراعاة للمصلحة العامة، ومراعاة لحرمته هو، وما عدا ذلك لا يجوز نبشه؛ لأن له حرمة. أو زيارتها؟ نعم تزار القبور، قبور المسلمين تزار، لنفع الميت، ولانتفاع الزائر، فالزائر يتذكر بها الآخرة، ويعالج بها قلبه، وجاء الأمر بزيارة القبور، ((كنتُ نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها)) ولنفع الميت بالدعاء له، وهذا يتحقق بالزيارة الشرعية، لا بالزيارة البدعية التي يطلب فيها من الميت المدد، أو يتبرك به، أو يستعان به، أو .. كل هذا لا يجوز، هذا من الشرك. يقول: أبي يتاجر في المخدرات -نسأل الله العافية- إذاً ماله حرام، والله يعلم أنا أريد أن توضح لي: هل أنا مشاركٌ معه في ماله الحرام، على فكرة أنا أدرس أحاول أن أقنعه، ولكن لا يستجيب؟ ما دوري لتجنب نفسي من المحرمات التي يرتكبها أبي؟ على كل حال هذا أبوه يذكر عنه الولد أنه يتاجر في المخدرات وماله حرام، وإذا كان لا كسب له سوى هذا المال، فإنه لا يجوز لولده أن يأكل من هذا المال؛ لأنه حرام بعينه، -نسأل الله السلامة والعافية-، على هذا يتكفف الناس، ويأخذون من الزكوات، ولا يأكل من هذا المال، وعليه أن يناصح أباه، ولا يفتر عن بذل النصيحة له، وإن اقتضى الأمر أن يخبر عنه إذا أصر وعاند، أن يخبر عنه من يستطيع ردعه، كف شره عن الناس فهذا متعين أيضاً. طالب:. . . . . . . . . يبلغ عنه الجهات الرسمية يمنعونه، يكف شره عن الناس؛ لأن هذه المخدرات لا يقتصر ضررها على صاحبها، نسأل الله السلامة والعافية. هذا يقول: أين أجدي منظومة الشبراوي في النحو؟ رأيتها مطبوعة مراراً، لكن منها ما طبع ضمن مجموع المتون، مجموع المتون المجموعة التي يشتمل عليها ٦٦ متن هي موجودة فيه.

стр. 39

هذه تقول: عند طلب العلم، ونمثل عند دراسة الواسطية، فهل الأفضل دراسة عدة شروح حتى يفهم فهم كامل لكل مسائلها، أو نستمر بالطلب للطحاوية والتدمرية، وإن خفي بعض المسائل؟ لا شك أن حضور الدروس وسماع الدروس وسماع الأشرطة المسجلة مع قراءة الشروح المطبوعة يعين على فهم المراد، وإذا استغلق مسألة في شرح من الشروح وضحها الشارح الآخر، كم من مسألة يعني ما تفهم من خلال المتن أو من شرح أو من شرحين حتى يقرأ شروح أخرى فتنحل؛ لأن تصور المسائل، وتصوير المسائل للآخرين قدرات عند الناس، يعني يستطيع بعض الناس من خلال شرحه أن يصور المسائل بعد أن تصورها، وبعضهم ينقل ما في الشروح، ويسمي كلامه شرحاً، هذا قد يكون هو بنفسه ما تصور المسألة تصور دقيق، بحيث يستطيع تصويرها وتقليبها على أكثر من وجه، فإذا قرئ أكثر من شرح لا شك أنه أفضل. يقول: نرجو منكم محاضرة عن الظلم وعواقبه، وخصوصاً ظلم من ينتسب لأهل الدين، والاستقامة والجحود والبخل مع أهله، وهو محسوب على أهل الدين والصلاح، وكيفية العلاج، وأسباب ذلك ... إلى آخره؟ لا شك أن الظلم ذنبٌ عظيم، وعواقبه وخيمة، ((واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب)) ويقول الرسول ﵊ في الحديث القدسي عن ربه -جل علا-: ((يا عبادِ: إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً، فلا تظالموا)) فالظلم شأنه عظيم، والنصوص في تحريمه نصوص الكتاب والسنة مستفيضة. هذا من الكويت يقول: قيل: أنه يجب أن يقرأ القرآن كل يوم، ومن لم يقرأ أثم، فهل هذا صحيح، وما الدليل؟

стр. 40

أولاً: مسألة هجر القرآن، سواء هجر التلاوة، أو هجر التعلم، أو هجر العمل، هذا كله لا يجوز ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [(٣٠) سورة الفرقان] فالهجر أصناف، وأقل ما يكون بالنسبة للقرآن تلاوته، ومع ذلك تلاوته على الوجه المأمور به، فإذا كان أهلاً ليستنبط منه الأحكام ليعمل بها، وإلا قرأ في الكتب التي تعينه على هذا الأمر، فيقرأ حزبه اليومي، يخصص له من القرآن جزء يقرأ سواءٌ كان جزء اصطلاحي عشر ورقات أو أقل أو أكثر، المقصود أنه لا يخل بشيء من القرآن يقرأه يومياً، وإن شغل عنه قضاه من الغد أو بالليل، وإن كان يقرأ بالليل وشغل عنه يقرأ بالنهار، المقصود أنه لا يترك يوماً يمر بدون أن ينظر في كلام ربه -جل وعلا-، أما كونه يأثم أو لا يأثم؟ لا يأثم، لكنه مع ذلك هذا حرمانٌ شديد حتى يدخل في مسمى الهجر، ومعلومٌ أن كثير من طلاب العلم يحصل لهم شيء من هذا، ولو حفظ القرآن، بعض الناس يحفظ القرآن يحرص على حفظ القرآن، ثم بعد ذلك يتركه، ما يقرأ إلا في مناسبات، تقدم إلى الصلاة أو جاء رمضان، أو ما أشبه ذلك، فلا بد أن تفرض للقرآن من وقتك ما يكفي لقراءة الحزب اليومي، والمجرب عند كثير من طلاب العلم أن قراءة القرآن في سبع لا تشق على الناس، لا تشق لا سيما على طالب العلم، إذا جلس من صلاة الصبح إلى أن تنتشر الشمس قرأ حزبه اليومي الذي هو سبع القرآن، وامتثل قول النبي ﵊ لعبد الله بن عمرو: ((اقرأ القرآن في سبع، ولا تزد)). يقول: ما رأيكم فيما يقول: صحابي أفضل منه أبو بكر يقصد عيسى ﵇، فهل كلامه صحيح؟ هذا الكلام ليس بصحيح، الأنبياء أفضل من غيرهم على الإطلاق، بل أفضل من الملائكة كما هو مقرر، فعيسى ﵇ نبي من أولي العزم، من الخمسة الذين هم أولوا العزم، وفضلهم معروف، فلا يجوز أن يفضل عليه غيره ممن هو دونه. طالب:. . . . . . . . .
следующие страницы →