Полный текст (153 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
العقيدة الواسطية - القرآن منزلٌ واختلاف الناس في أنواع الكلام
الشيخ/ عبد الكريم الخضير
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
هذا يسأل ويقول: ما معنى قديم النوع، متجدد الآحاد؟
قديم النوع: إن الله -جل وعلا- لم يزل متكلماً في القدم، في الأزل، وأنه -جل وعلا- بالنسبة لآحاده هذا نوعه قديم، في الأزل، وما زال يتكلم متى شاء، وإذا شاء، فآحاد الكلام متجدد، بمعنى أنه يتكلم بمشيئته وإرادته، فنوعه قديم يتكلم في الأزل، ثم إن الله -جل وعلا- ما يزال متكلماً، متى شاء إذا شاء، فالنوع قديم، والآحاد يعني أفراد الكلام متجددة، يعني أنه يتكلم، يتكلم في الأزل، ويتكلم في الماضي والحاضر والمستقبل، متى شاء، إذا شاء.
يقول: هل يقال عن القرآن: قيل الله، حديث الله؟
نعم، القيل هو القول ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ قِيلاً﴾ [(١٢٢) سورة النساء] يعني قولاً، فالقرآن قول الله، وقيل الله، وحديث الله ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا﴾ [(٢٣) سورة الزمر] والقرآن يقال له: حديث من هذه الحيثية، فهو حديث الله، يعني أن الله هو المتحدث به، والمتكلم به.
يقول: ما رأيك في مسألة الأولياء والكرامات، ونبش قبورهم أو زيارتها؟
إما هذا وإلا هذا.
طالب: نقش -يمكن-.
يقول: نبش قبورهم.
стр. 37
أما مسألة الأولياء، فالحديث الصحيح: ((من عادى لي ولياً)) الحديث القدسي: ((من عادى لي ولياً)) والأدلة من نصوص الكتاب والسنة تدل على أن المؤمنين أولياء الله، ومنهم من هو أخص بهذه الولاية بحسب ما في قلبه من إيمان، وما يزاوله من عمل مرضي لله -جل وعلا-، فالولاية لله ثابتة، من المؤمنين من هم أولياء، بل المؤمنين كلهم أولياء لكنهم يتفاوتون فيها بقدر إيمانهم، وأما الكرامات فهي ثابتة لهؤلاء الأولياء، كما أن للأنبياء معجزات، وكلها خارقة للعادة، لكن المعجزة مقرونة بالتحدي، وادعاء النبوة، مقرونة بادعاء النبوة، أما الكرامة فلا تقترن بادعاء النبوة؛ لأنها لغير الأنبياء للأولياء، فهذا الفرق بينهما، وما يخرق العادة إن كان على يد نبي صار معجزة، وإن كان على يد وليٍ متبع فهي كرامة، وإن كانت على يد غير متبع فهي ابتلاء من الله –جل وعلا- له ولغيره به؛ لأنه قد يحدث ما يخرق العادة من خوارق على أيدي بعض المخالفين من المبتدعة، بل بعضهم ممن يستعين بالشياطين، -نسأل الله السلامة والعافية-، فتخرق له العادة من أجل الابتلاء، ابتلاءه هو وابتلاء غيره به، فلا ينبغي أن يكون لهذا الخارق أثر في نفس الشخص، أو في نفوس غيره ممن يراه، ويطلع عليه، ويسمع عنه، إلا إذا عرض عمله على الكتاب والسنة، فإن وجد عمله مطابقاً للكتاب والسنة قلنا: كرامة، وإلا فهي من تضليل الشيطان، نسأل الله السلامة والعافية.
قد يقول قائل: إنا رأينا بعض الناس حصل لهم كرامات، وبعض الناس وهم أفضل منهم لم يحصل لهم شيء، فهل وجود الكرامة دلالة على أن هذا أفضل من غيره؟
لا؛ لأن هذا قد يحتاج لهذه الكرامة لتثبيته من جهة، أو من أجل يثبت أتباعه، أو تنتصر دعوته إلى الحق بهذه الكرامة، وبينما غيره قد لا يحتاج إلى هذه، فلا تجري على يديه.
يقول: نبش قبورهم؟
стр. 38
نبش القبور حرام لا يجوز إلا لمصلحة راجحة، إذا ترجحت المصلحة في معرفة سبب وفاته مثلاً إذا اتهم به أحد، أو شك بالسبب هل هو طبيعي، أو بفعل فاعل، مثل هذا المصلحة راجحة في نبشه، وإجراء الاختبارات عليه، فمثل هذه ينبش، وكذلك إذا كان في طريق الناس، وصار الناس يطئونه بأقدامهم؛ لأنه في طريقهم، فنبشه لا شك أنه مصلحة راجحة مراعاة للمصلحة العامة، ومراعاة لحرمته هو، وما عدا ذلك لا يجوز نبشه؛ لأن له حرمة.
أو زيارتها؟
نعم تزار القبور، قبور المسلمين تزار، لنفع الميت، ولانتفاع الزائر، فالزائر يتذكر بها الآخرة، ويعالج بها قلبه، وجاء الأمر بزيارة القبور، ((كنتُ نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها)) ولنفع الميت بالدعاء له، وهذا يتحقق بالزيارة الشرعية، لا بالزيارة البدعية التي يطلب فيها من الميت المدد، أو يتبرك به، أو يستعان به، أو .. كل هذا لا يجوز، هذا من الشرك.
يقول: أبي يتاجر في المخدرات -نسأل الله العافية- إذاً ماله حرام، والله يعلم أنا أريد أن توضح لي: هل أنا مشاركٌ معه في ماله الحرام، على فكرة أنا أدرس أحاول أن أقنعه، ولكن لا يستجيب؟ ما دوري لتجنب نفسي من المحرمات التي يرتكبها أبي؟
على كل حال هذا أبوه يذكر عنه الولد أنه يتاجر في المخدرات وماله حرام، وإذا كان لا كسب له سوى هذا المال، فإنه لا يجوز لولده أن يأكل من هذا المال؛ لأنه حرام بعينه، -نسأل الله السلامة والعافية-، على هذا يتكفف الناس، ويأخذون من الزكوات، ولا يأكل من هذا المال، وعليه أن يناصح أباه، ولا يفتر عن بذل النصيحة له، وإن اقتضى الأمر أن يخبر عنه إذا أصر وعاند، أن يخبر عنه من يستطيع ردعه، كف شره عن الناس فهذا متعين أيضاً.
طالب:. . . . . . . . .
يبلغ عنه الجهات الرسمية يمنعونه، يكف شره عن الناس؛ لأن هذه المخدرات لا يقتصر ضررها على صاحبها، نسأل الله السلامة والعافية.
هذا يقول: أين أجدي منظومة الشبراوي في النحو؟
رأيتها مطبوعة مراراً، لكن منها ما طبع ضمن مجموع المتون، مجموع المتون المجموعة التي يشتمل عليها ٦٦ متن هي موجودة فيه.
стр. 39
هذه تقول: عند طلب العلم، ونمثل عند دراسة الواسطية، فهل الأفضل دراسة عدة شروح حتى يفهم فهم كامل لكل مسائلها، أو نستمر بالطلب للطحاوية والتدمرية، وإن خفي بعض المسائل؟
لا شك أن حضور الدروس وسماع الدروس وسماع الأشرطة المسجلة مع قراءة الشروح المطبوعة يعين على فهم المراد، وإذا استغلق مسألة في شرح من الشروح وضحها الشارح الآخر، كم من مسألة يعني ما تفهم من خلال المتن أو من شرح أو من شرحين حتى يقرأ شروح أخرى فتنحل؛ لأن تصور المسائل، وتصوير المسائل للآخرين قدرات عند الناس، يعني يستطيع بعض الناس من خلال شرحه أن يصور المسائل بعد أن تصورها، وبعضهم ينقل ما في الشروح، ويسمي كلامه شرحاً، هذا قد يكون هو بنفسه ما تصور المسألة تصور دقيق، بحيث يستطيع تصويرها وتقليبها على أكثر من وجه، فإذا قرئ أكثر من شرح لا شك أنه أفضل.
يقول: نرجو منكم محاضرة عن الظلم وعواقبه، وخصوصاً ظلم من ينتسب لأهل الدين، والاستقامة والجحود والبخل مع أهله، وهو محسوب على أهل الدين والصلاح، وكيفية العلاج، وأسباب ذلك ... إلى آخره؟
لا شك أن الظلم ذنبٌ عظيم، وعواقبه وخيمة، ((واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب)) ويقول الرسول ﵊ في الحديث القدسي عن ربه -جل علا-: ((يا عبادِ: إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً، فلا تظالموا)) فالظلم شأنه عظيم، والنصوص في تحريمه نصوص الكتاب والسنة مستفيضة.
هذا من الكويت يقول: قيل: أنه يجب أن يقرأ القرآن كل يوم، ومن لم يقرأ أثم، فهل هذا صحيح، وما الدليل؟
стр. 40
أولاً: مسألة هجر القرآن، سواء هجر التلاوة، أو هجر التعلم، أو هجر العمل، هذا كله لا يجوز ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [(٣٠) سورة الفرقان] فالهجر أصناف، وأقل ما يكون بالنسبة للقرآن تلاوته، ومع ذلك تلاوته على الوجه المأمور به، فإذا كان أهلاً ليستنبط منه الأحكام ليعمل بها، وإلا قرأ في الكتب التي تعينه على هذا الأمر، فيقرأ حزبه اليومي، يخصص له من القرآن جزء يقرأ سواءٌ كان جزء اصطلاحي عشر ورقات أو أقل أو أكثر، المقصود أنه لا يخل بشيء من القرآن يقرأه يومياً، وإن شغل عنه قضاه من الغد أو بالليل، وإن كان يقرأ بالليل وشغل عنه يقرأ بالنهار، المقصود أنه لا يترك يوماً يمر بدون أن ينظر في كلام ربه -جل وعلا-، أما كونه يأثم أو لا يأثم؟ لا يأثم، لكنه مع ذلك هذا حرمانٌ شديد حتى يدخل في مسمى الهجر، ومعلومٌ أن كثير من طلاب العلم يحصل لهم شيء من هذا، ولو حفظ القرآن، بعض الناس يحفظ القرآن يحرص على حفظ القرآن، ثم بعد ذلك يتركه، ما يقرأ إلا في مناسبات، تقدم إلى الصلاة أو جاء رمضان، أو ما أشبه ذلك، فلا بد أن تفرض للقرآن من وقتك ما يكفي لقراءة الحزب اليومي، والمجرب عند كثير من طلاب العلم أن قراءة القرآن في سبع لا تشق على الناس، لا تشق لا سيما على طالب العلم، إذا جلس من صلاة الصبح إلى أن تنتشر الشمس قرأ حزبه اليومي الذي هو سبع القرآن، وامتثل قول النبي ﵊ لعبد الله بن عمرو: ((اقرأ القرآن في سبع، ولا تزد)).
يقول: ما رأيكم فيما يقول: صحابي أفضل منه أبو بكر يقصد عيسى ﵇، فهل كلامه صحيح؟
هذا الكلام ليس بصحيح، الأنبياء أفضل من غيرهم على الإطلاق، بل أفضل من الملائكة كما هو مقرر، فعيسى ﵇ نبي من أولي العزم، من الخمسة الذين هم أولوا العزم، وفضلهم معروف، فلا يجوز أن يفضل عليه غيره ممن هو دونه.
طالب:. . . . . . . . .
стр. 41
على كل حال عيسى نبي من الله -جل وعلا-، وله قوم، وله أتباع، وله كتاب من أولوا العزم فهو نبيٌ مستقل، لكن إذا نزل في آخر الزمان، لا شك أنه يحكم بشريعة محمد، ولا يقال: أنه من أمة محمد إلى بهذا الاعتبار، وإلا فهو نبيٌ على جهة الاستقلال.
يقول: أيهما أفضل لطالب العلم: أن يسجل الدرس ثم يفرغه، أم أنه يكتب الفوائد فقط أثناء الدرس، وهل هناك طريقة جيدة لفهم المسائل ثم كتابتها؛ لأنني أعاني من مشكلة عدم إكمال الفوائد؟
إذا أمكن أن تحضر آلة تسجيل، وتضمن تسجيل الدرس كاملاً، وتتفرغ أثناء الدرس للإنصات وفهم ما يقال في الدرس هذا أكمل، لكن إذا لم تتمكن من إحضار آلة تسجيل، ولا تدري هل ينشر مسجلاً فيما بعد أو لا، فاحرص على تدوين أهم المسائل.
طالب:. . . . . . . . .
ما دام العقد محرم وباطل كيف يكون ملك؟! ما دام العقد باطل كيف تنعقد الملكية؟ باطل لا تترتب عليها آثار الملكية.
طالب:. . . . . . . . .
لكن الذي يعرف لكن ليس لك أن تسأل أنت.
طالب:. . . . . . . . .
ثم بعد ذلك تاب وأناب وجاء يسأل؟
طالب:. . . . . . . . .
ما يضر هذا لكن الذنب أعظم، لكن الإشكال فيما إذا تاب وقد سكنت بيت اشتراه من المخدرات أيش يسوي؟ طالب:. . . . . . . . .
стр. 42
العقد على محرم صحيح وإلا باطل؟ العقد باطل، مخدرات وما في حكمها من خمور وغيرها، فليست بمال أصلاً فعقدها باطل، والآثار المترتبة على هذا العقد كلها باطلة، لكن أن تفترض شخص اشتغل بعملٍ محرم، أما كونه ما تاب وما أناب، هو ما جاء يسأل، المسألة كلها حرام بحرام ما هو بجائي يسأل، لكن الإشكال لو تاب وبنى على ذلك من هذا المال أربع أسر، كل أسرة في بيت، ونبت لحمهم من هذا المال الحرام ثم تاب وأناب والبيوت موجودة، أو مثلاً وظيفته الغناء يأخذ عليها أجر ثم تاب بعد ذلك، هل يقال: تخلص من هذا المال بالكلية؛ لأن مالك شرك في مالٍ مباح، كل مالك محرم، أو نقول: مما يعينه على التوبة أن نقول: باعتبار أن هذه الأموال بذلها الناس بطوعهم واختيارهم بخلاف الغصوب والمظالم والسرقات هذه لا بد من ردها، لكن هذا مال بذله صاحبه في مقابل عوض ولو كان محرماً، بذله بطبعه واختياره، ومن تشجيعه على التوبة أن يقال: التوبة تهدم ما كان قبلها؟ وهذا متجه، فرق بين أن يتجر يتعامل بمحرم، وبين أن يسرق أو يغصب أو ينتهب أموالٌ معروفٌ أصحابها، وأخذت بغير طوعهم واختيارهم هذا مثله.
طالب:. . . . . . . . .
ومعلوم صاحبه، مسروق.
طالب:. . . . . . . . .
لا محرم غير المال الذي يبذل بطوع واختيار يختلف عمن عرف صاحبه أنه أخذ المال منه قهراً إما بعلمه أو بغير علمه، هذا لا بد أن يرد عليه، لكن تفترض أن شخص اشترى مخدرات بألف ريال، ثم البائع تاب وأناب، نقول: رجع الألف لصاحبها؛ لأن البيع باطل؟ ما يقول بهذا أحد، لا يقول بهذا أحد، هذا بذلها بطوعه واختياره، وأثم في عقده، وأثم باستعمالها، لكن لا يرد عليه المال.
الطالب:. . . . . . . . .
البيع باطل من الأصل.
الطالب:. . . . . . . . .
стр. 43
لا لا، هناك أمور، الأمور تتفاوت، يا أخي فرق بين أن ينتهب المال أو يسرق من شخص بعينه لا بد من إعادته ولو ذهبت عينه لا بد من إعادته، وبين شخص بذل ماله ببيع وشراء، هل هذا يستحق رد؟ شخص فجر بامرأة بمقابل، زنى بامرأة بمقابل، نقول: هذا مهر البغي خبيث رجع عليه ماله، ما يقول بهذا أحد من أهل العلم أبداً، نقول: مال كسب خبيث تخلصي منه، لكن تفترض أنه ذهب أنفقه على أولاده أنه اشترى به بيوت وسكنها، من تمام التوبة أن يتخلص، لكن هل معنى هذا أننا إذا رأينا أنه لن يتوب إذا قلنا له تخلص من أربعة بيوت كل بيت مملوء من الناس، يعني مثل ما قلنا مثل التوبة من الربا، لا شك أن الإعانة على التوبة -لا سيما إذا كانت الأموال أخذت من طيب نفس-، أما إذا أخذت قهر لا بد من إعادته؛ لأنه يترتب على إعادتها أن نقول: أن من زنا يعاد عليه المهر هذا، ومن اشترى مخدرات يعاد عليه فلوسه ما هو بصحيح، ما يقول بهذا أحد أبداً، الذي بذل بطوعه واختياره يفوت عليه، قررنا في أكثر من مناسبة أن لو وجد شخص غرر بامرأة عفيفة وراودها ورفضت فأغراها، وهي مَدِينة ومحتاجه، وعندها أطفال، المقصود أنها مضطرة لمثل هذا الأمر، كما في قصة الثلاثة الذين انطبق عليهم الغار، تحت وطأة الضرورة قبلت بمبلغ كبير من المال، وقال لها يريد أن يزني بها بمبلغ مائة ألف مثلاً، ووافقت تحت ضغط الظروف، ثم لما انتهى قال: والله كسب الحجام خبيث، لا يجوز أدفع الخبيث أنا، نقول: أنت الخبيث، ادفعه وأنت باتشوف الجادة، ثم بعد ذلك لا تمكن منه؛ لأنه خبيث، فيؤخذ منهم، يفوت عليهم، أما إذا قلنا على أن العقد باطل ويرجع إلى صاحبه معناه كل الناس بيسون هذا، وهذا يغريهم بالاستمرار بالمعاصي.
الكلام على تنزيل القرآن:
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فقد قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى:
стр. 44
وقوله: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ [(١٥٥) سورة الأنعام] وقوله: ﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [(٢١) سورة الحشر] وقوله: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُواْ إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ * قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ * وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ﴾ [(١٠١ - ١٠٣) سورة النحل].
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فيقول المؤلف -رحمه الله تعالى- بعد أن قرّر أن القرآن كلام الله، بين في هذه الآيات أن الله -جل وعلا- قد نزل القرآن، وأن القرآن منزلٌ من قبل الله -جل وعلا-، ولذا في عقيدة أهل السنة والجماعة يقولون: منه بدأ، وإليه يعود ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ [(١٥٥) سورة الأنعام] هذا إشارة إلى القرآن، ﴿وَهَذَا كِتَابٌ﴾ يعني مكتوب، مكتوبٌ في اللوح المحفوظ، وبالصحف التي بأيدي السفرة، وهو مكتوبٌ أيضاً في المصاحف، فهو كتابٌ، يعني مكتوب ﴿أَنزَلْنَاهُ﴾ أنزله الله -جل وعلا- بواسطة جبريل ﵇ على نبيه محمد ﵊.
والوحي يأتي للنبي ﵊ على أنحاء كما جاء في الحديث الصحيح في البخاري وغيره، يقول: ((أحياناً يأتي مثل صلصلة الجرس، وأحياناً يتمثل لي الملك رجلاً)) وأحياناً -وهذا نادر- يأتي الملك على هيئته، وأحياناً ينفث في روعه ﵊.
стр. 45
﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ بركة القرآن لا تنتهي، فهو مبارك من كل وجه، وعلى أي حال، فمجرد قراءته متعبدٌ بها، التي لا تكلف شيئاً، وبكل حرف عشر حسنات، إذا قرئ القرآن يحصل للقارئ على كل حرف في مقابل كل حرف عشر حسنات، هذا أقل تقدير، والله يضاعف لمن يشاء، فأقل ما يحصل للقارئ في الختمة الواحدة قراءة القرآن مرة واحدة على أكثر من ثلاثة ملايين حسنة، هذا إذا قلنا أن المراد بالحرف حرف المبنى، وإلا فالخلاف موجود: هل المراد بالحرف حرف المعنى أو المبنى؟ لكن المرجح حرف المبنى.
وهذه من بركاته، من بركاته أنه شفاء لأمراض القلوب، ولأمراض الأبدان، فمن قرئت عليه الفاتحة برئ من اللدغة كأنما نشط من عقال، كأنه ما أصيب، فالبركة فيه من كل وجه، من تدبره ورتله، وقرأه على وجهٍ مأمور به، هداه الله، من يريد ويروم الهدى فإنه هنا في قراءة القرآن على الوجه المأمور به، من يريد زيادة الإيمان والطمأنينة وانشراح الصدر فعليه بقراءة القرآن، من يريد النور التام في الدنيا والآخرة فعليه أن يتمسك بالقرآن.
﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ﴾ [(٢١) سورة الحشر] يعني افترض أن القرآن ما نزل على بني آدم من البشر نزل على جبل من الجبال الصلبة، يقول -جل وعلا-: ﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا﴾ [(٢١) سورة الحشر] متشققاً ﴿مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [(٢١) سورة الحشر] لكن مع الأسف أن كثيراً من المسلمين لا يحرك فيهم ساكن، لا يحرك فيهم شعرة.
جاء عنه ﵊ أنه قال: ((شيبتني هود وأخواتها)) الحديث مختلف فيه، حكمه مثل به كثيرٌ من أهل العلم الحديث المضطرب، وإذا أمكن ترجيح بعض الوجوه انتفى الافتراض كما قرره ابن حجر، فهو حينئذٍ حديث حسن، فمن منا من تؤثر فيه سورة هود؟ من منا من تؤثر فيه سورة هود؟
стр. 46
وهذا شيء مرَّ علينا، ومرَّ على غيرنا، أنا بدأت بسورة يونس، ولم أفق إلا وأنا في سورة يوسف، يعني بدون مبالغة يعني، والله -جل وعلا- يقول: عن هذا الكتاب: ﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [(٢١) سورة الحشر] من منا من يؤثر فيه قول الله -جل وعلا-: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ [(٨) سورة المدثر] ولما سمعها زرارة بن أوفى أو قرأها في الصلاة مات، صعق فمات، نحن نقول: هذه أساطير، بعض الناس ينفي مثل هذا، وحجتهم في النفي أن هذا القرآن نزل على قلب محمد ﵊ أتقى الناس، وأخشى الناس، وأورع الناس، ومع ذلك لم يحصل له مثل هذا، صحابته الكرام أبو بكر الذي لا تسمع قراءته من البكاء ما حصل له مثل هذا، وابن سيرين، يقول: ضعوا هؤلاء على جدار، فإن سقطوا من الجدار فهم صادقون، يعني كأنه يقول: إن هؤلاء ممثلون، لا حقيقة لصنيعهم، وجمعٌ من أهل العلم ومنهم شيخ الإسلام يقرر أن هذا حاصل وصحيح، وثابت عمن نسب إليه، إذاً كيف ما حصل للنبي ﵊؟ ولا لأصحابه الذين هم خيار الأمة؟! يقول: القرآن ثقيل بلا شك، ولو نزل على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً، هذا كلام الله -جل وعلا-، نزل على قلبٍ قوي قلب محمد ﵊ فتحمله، قوي يتحمل هذا القول الثقيل، وقل مثل هذا في أصحابه، ي-هم يستشعرون عظمة هذا القرآن، لكن لقوة قلوبهم ما يحصل لهم هذا الخلل، يعني هذا نقص خلل، يعني ما حصل في عصر التابعين مما ذكر من القصص كثيرٌ منها ثابت لا شك أنه ضعف أمام هذا القوي، يعني القلوب ضعفت عن تحمل هذا القوي فحصل ما حصل، يعني نزل على قلب محمد ﵊ قلب قوي يتحمل هذا الكلام القوي مع الاستشعار يتحمل مع الاستشعار، وكذلك صحابته الكرام، لكن جاء بعدهم التابعون مع هذا الاستشعار، يستشعرون عظمة القرآن وقوة القرآن مع أن قلوب بعد الصحابة ضعفت، ما حصل التوازن، يعني قوي مع قوي يتحمل، لكن قوي مع ضعيف ما يتحمل، ثم بعد ذلك إذا تجاوزنا القرون المفضلة انقطع هذا الأمر، صار الإنسان يقرأ القرآن، ويسمع القرآن، ولا يؤثر فيه، هل نقول: أن
стр. 47
القلوب قويت أو ما زالت ضعيفة؟ القلوب ضعيفة، لكنها ما تستشعر عظمة هذا القرآن، فاستشعار عظمة هذا القرآن ضعف في قلوب الناس، ولذلك لو حصل لمثل هؤلاء أدنى مصيبة في ماله أو في بدنه أو في ولده عرفت كيف ضعف هذه القلوب؟ هو جرى علينا وعلى غيرنا أمور هي محاك واختبارات والنتيجة صفر، وإن كانت الأمة لا تخلو من الكبار من الرجال العظماء الذين يتحملون مثل هذه الامتحانات ويتجاوزونها.
والعام الماضي كان واحد من المشايخ عنده محاضرة بعد صلاة العشاء تنتهي في الحادية عشرة، ولي معه موعد جلسنا معه بعد المحاضرة ساعة، ولم يتغير من وضعه شيء، هو الشيخ الذي عرفناه سابقاً ولاحقاً، ثم لما خرجنا منه وصلنا السكن اتصل علينا أن الشيخ حصل له العصر، يعني قبل المحاضرة، وقبل لقاءنا أن ابنه الأكبر سقط مغمياً عليه، وذهب به إلى المستشفى، ولم يتوصلوا إلى نتيجة، من يتحمل مثل هذا؟ لكنه اليقين، وعموم الناس كل واحدٍ يعرف نفسه، ومقدار قلبه، والله المستعان.
هذا القرآن لو نزل على جبل، لو أنزله الله -جل وعلا- على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً، عجوز في السبعين أو في الثمانين من عمرها، تذهب إلى المستشفى، ويقرر لها عملية، حصوات في المرارة، أو في الكلى، المقصود أنه يقرر لها عملية، فخرجت من المستشفى لتستخير، ثم رجعت إليهم من الغد، فحلل لها، ووجد أن الحصى نزل، طيب ماذا صنعت هي؟! ما هي بعادة ينزل الحصا من هذا المكان الذي هو فيه، لا بد من الاستئصال، قالوا: أيش صنعتِ؟ قالت: والله ما سويت إلا كأس من ماء زمزم نفثت فيه قرأت فيه الفاتحة والمعوذتين، ونزل الحصا، قالوا لها: عجيب، قالت: نعم. والله -جل وعلا- يقول: ﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا﴾ [(٢١) سورة الحشر] هذه حصوات صغيرة جداً كيف لا تتفت من القرآن؟ وأيضاً لكنه اليقين والإيمان، والله المستعان.
стр. 48
﴿لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [(٢١) سورة الحشر] والشاهد في قوله: ﴿لَوْ أَنزَلْنَا﴾ لكنه أنزل على هذه القلوب، قلوب أتقى الناس، وأخشاهم، وأعلمهم بالله -جل وعلا-، وأعرفهم به محمد ﵊ وأمته، واعترى الأمة من الضعف ما اعتراها، حتى أن قراءة القرآن، وسماع القرآن، وغير القرآن على حدٍ سواء، وبعض الناس يتأثر من بعض المواعظ، أو بعض القصائد أكثر من تأثره بالقرآن، ورأيتم ماذا يصنع الناس في يوم ختم القرآن؟ تجد القرآن يقرأ على مدى ثلاثين ليلة من ليالي رمضان، ما يؤثر في كثيرٍ من الناس، ثم إذا جاء الختم سمعت البكاء والصراخ من بعض الناس؟ لكن القرآن إنما يؤثر من يخاف الوعيد ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ﴾ [(٤٥) سورة ق].
في هذه السنة في المسجد الحرام، في ليلة من الليالي، هي ليلة سبعة وعشرين، وفي قنوت القنوت بعد التهجد في القنوت، سمعنا صراخاً عالياً، بكاء شديد، ثم بعد أن انتهت الصلاة وسلمنا، قال هذا الذي سمع منه البكاء: ماذا تسمون هذه؟ حافظة الشاي أو القهوة التي تمنعها من البرودة؟ قال: نسميها ثلاجة، قال: يا أخي أنت ما تفهم، ثلاجة وتحفظ الحرارة، قل: ترمس، قال: لا، نحن نسميها ثلاجة، وهذا الاصطلاح ولا مشاحة، قال: ترمس وإلا كذا، وإلى أن صارت شجار ونزاع بعد البكاء الذي سمعناه قبل ثلاث دقائق.
يا إخوان المسألة تحتاج إلى مراجعة وإلى إعادة نظر، وهل هذا بكاء حقيقي؟ يعني من يقرأ القرآن ويبكي، سمعنا -ولله الحمد- من يبكي في القرآن، لكن هل لهذا البكاء أثر؟ يعني تجده في أول الآية، وفي آخرها الصوت يعني متأثر، لكن الآية التي تليها ما كأنه مرَّ به آية وعد أو وعيد، يعني لا بد من إعادة النظر، السلف إذا بكاء في الليل يعاد في النهار، الواحد منهم.
стр. 49
والله -جل وعلا- يقول: ﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [(٢١) سورة الحشر] فإلى الله المشتكى، يعني نعاني معاناة شديدة من هذا الأمر، يعني لو أن أحداً يقرأ -وأنا أتحد عن نفسي- أقرأ في المصحف، وفي اليمين صفحة وفي اليسار صفحة، يتحرك الباب أو النافذة لا تدري أنت في أعلى الصفحة اليمنى أو في آخر اليسرى. فالمسألة تحتاج إلى علاج ومعاناة، تحتاج إلى إعادة نظر، والله المستعان.
يقول الله -جل علا-: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ﴾ [(١٠١) سورة النحل].
الطالب:. . . . . . . . .
يقرأ على الماء، ويقرأ على غيره مما يمكن استعماله، والقراءة على الماء.
الطالب:. . . . . . . . .
هو إذا كان الداء في الجوف، وأريد أن تصل هذه القراءة إلى الجوف، لا مانع أن يقرأ في عسل، أو في زيت أو ما أشبه ذلك.
الطالب:. . . . . . . . .
الشيخ ابن باز ﵀ سئل عن القراءة في الماء، فقال: تجوز، ومأثور عن عائشة، واستدل له بحديث عند البيهقي وغيره، حديث المعيون، حيث نفث له في الماء.
الطالب:. . . . . . . . .
فيه نص، لكن نسيته، الآن ما أستحضره.
الطالب:. . . . . . . . .
ما يمنع أن يكون غيره مثله، الحكم واحد.
الطالب:. . . . . . . . .
حسي ومعنوي.
الطالب:. . . . . . . . .
يعني إذا كان المرض عضوي وإلا نفسي؟ لا لا يؤثر في المرض العضوي ما في إشكال أبداً الطالب:. . . . . . . . .
على كل حال، ويش معنى الاستعداد؟ الاستعداد يعني يستطيع أن يقوي قلبه أكثر؟ لا.
стр. 50
يقول الله -جل وعلا-: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُواْ إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ﴾ [(١٠١) سورة النحل] ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ﴾ وهذا الشاهد ﴿قَالُواْ إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ﴾ يعني كذاب، تأتينا اليوم بكذا، وتأتينا غداً بكذا، يزعمون أن التغيير والتبديل من عنده ﵊، ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ [(١٠١) سورة النحل] حقيقة الأمر، وأنه من عند الله -جل وعلا-.
وأهل العلم يقولون: لو كان مفترياً -وحاشاه من ذلك- ما حصل هذا التبديل، وهذا التغيير؛ لأن هذا التبديل وهذا التغيير مثار تهمة، ومثل هذا المفتري لا يريد أن يتهم، والمفتري لا يريد أن يتهم، يريد أن يسد جميع منافذ الاتهام، فإذا كان يحصل هذا التبديل وهذا التغيير من قبل الله -جل وعلا-، وينزل على نبيه ﵊ ويخبرهم اليوم بشيء، ثم ينسخ بعد ذلك ويغير ويبدل، والمفتري الحقيقي لا يريد أن يتهم بشيء، فهو يسد منافذ الاتهام، فلو كان من عنده ما فعل هذا، فدل على أنه من عند الله -جل وعلا-.
стр. 51
﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [(١٠٢) سورة النحل] ﴿نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ﴾ نزله: يعني نزل به، يحمله روح القدس، وهو جبريل ﵇، والقدس التطهير؛ لأنه مطهر من أدران الذنوب، ﴿مِن رَّبِّكَ﴾ من الله -جل وعلا-، ﴿بِالْحَقِّ﴾ هذا التنزيل إنما هو بالحق لا بالباطل، والله -جل وعلا- هو الحق وكلامه حق، والتنزيل بالحق ﴿لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [(١٠٢) سورة النحل] يثبت الذين آمنوا، ووجوه التثبيت في القرآن كثيرة جداً، يعني إذا نزل ما يصدقه الواقع، حصل قصة، ثم نزل في هذه القصة من الوحي ما يؤيدها أو ما ينفيها، هذا تثبيت من الله -جل وعلا- لمن حضر هذه القصة، ولمن سمع هذه القصة ﴿لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ يثبتهم؛ لأنه مطابق للواقع، وفي قصة المجادلة فيما تقول عائشة ﵂، لا شك أن هذا تثبيت، وأنه دليل أنه من عند الله -جل وعلا-، يعني عائشة أقرب ما تكون إليهم ما تسمع، ثم ينزل الوحي من فوق سبع سماوات، مبينة للحكم، ذاكراً أصل القصة، لا شك أن مثل هذا تثبيت.
وفي كل يومٍ يُطّلع على سر من أسرار القرآن التي يثبت الله بها عباده الذين آمنوا، لكن لو قرأنا لقرآن على الوجه المأمور به عرفنا هذا، ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ مع الأسف أن أكثر المسلمين، وهم يقرؤون القرآن لا يعلمون وجوه هذا التثبيت، لا يعلمه إلا من عاناه ممن قرأه على الوجه المأمور به، ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [(١٠٢) سورة النحل] هدى لا شك أن فيه الهداية؛ لأنه هو الصراط المستقيم، كما جاء في تفسير السلف أنه القرآن هو الذي يهديهم وهو الذي يدلهم، ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [(٩) سورة الإسراء] فالقرآن هدى في مطلع سورة البقرة ﴿ألم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ [(٢) سورة البقرة] هدى فالقرآن هدى.
стр. 52
﴿وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ * وَلَقَدْ نَعْلَمُ﴾ [(١٠٢ - ١٠٣) سورة النحل] قال -جل وعلا-: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ الكفار يعرفون أن النبي ﵊ لا يقرأ ولا يكتب، ولم يطلع على كتب الأمم الماضية، إذاً كيف يتهم؟ نقول: لا، يأتيه من يعلمه من البشر، وعينوا شخصاً، قالوا: إنه هو الذي يعلم النبي ﵊، ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [(١٠٣) سورة النحل] لكن الله -جل وعلا- رد عليهم بقوله: ﴿لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ﴾ [(١٠٣) سورة النحل] يعني هذا القرآن النازل على محمد ﵊ الذي يبلغكموه لسانٌ عربيٌ مبين، وهذا الرجل الذي تقولون إنه يعلم النبي ﵊ أعجمي، والأعجمي لا ينطق بالعربية، ولو كان أصله عربياً، بخلاف العجمي المنسوب إلى العجم، فهذا نسبته إلى العجم يعني غير العرب، ولو نطق بالعربية؛ لأنه قد يقول قائل: ثم ماذا إذا كان أعجمي؟ سيبويه أعجمي، وإمام من أئمة العربية ما يمكن أن يقال هذا؟ جلُّ أئمة اللغة أعاجم، فهل يكون فيه رد ﴿لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ﴾ أعاجم لكنهم أئمة في العربية، فمن ينطق بالعربية لا يقال له أعجمي، ولو كان من العجم، يقال له: عجمي بدون همز، والذي لا ينطق بالعربية يقال له: أعجمي ولو كان من أصول عربية؛ لئلا يقال: أن هذا لسانه أعجم، هذا أعجم لكن سيبويه أعجم وهو أعرف منا بلغة العرب، نقول: لا، الأعجمي الذي لا يتكلم بالعربية، ولو كان من أصلٍ عربي، بخلاف العجمي.
طالب:. . . . . . . . .
المقصود أن بهذا يرد على من يمكن أن يثير مثل هذه الشبهة، ((العجماء جبار)) أيش معنى العجماء؟ البهيمة التي لا تنطق، فهي حينئذٍ تشبه الأعجمي وإلا العجمي؟
طالب:. . . . . . . . .
أيش معنى العجماء؟ شوفوا يا إخوان الآن الحديث فيه إشكال على ما قرر وإلا ما فيه إشكال، ((العجماء جبار))، يعني هل نسبتها إلى العجم مثل العجمي أو مثل الأعجمي؟
طالب:. . . . . . . . .
стр. 53
لا شك أن واقعها مثل الأعجمي، لا مثل العجمي، هذا الواقع، لكن بناء الكلمة؟ هي أقرب إلى العجمي، في بنائها أقرب إلى العجمي منها إلى الأعجمي، يشكل على ما قرر وإلا ما يشكل؟ يشكل، لكن العجمي الأصل فيه أنه لا يتكلم العربية، لو لم يتعلم لصار عجمي أعجمياً، الأصل فيه أنه لا يتكلم العربية إلا إذا تعلم، وهذا العجماء مثل العجمي الذي لم يتعلم؛ لأنها لم تتعلم، فتستمر عجماء، الآن اتضح لنا الفرق، لأنه لما قلنا: العجمي، هم يقولون: العجمي الذي يتكلم العربية؟ لا، المنسوب إلى العجم، فإن كان على أصله ونسبته إلى العجم ولم يتعلم العربية مثل سيبويه لقلنا: عجمي أعجمي، وهذه عجماء، ومع ذلك لا تتكلم مثل العجم، ومثل الأعاجم، مثل العجم الذين لم يتعلموا العربية، ومثل الأعاجم الذي لا ينطقون بالعربية، فلا إشكال حينئذٍ، فيه إشكال وإلا ما فيه إشكال؟ لما قررنا قلنا: الأعجمي الذي لا ينطق العربية لسانه غير عربي، والعجمي المنسوب إلى العجم، ولو نطق بالعربية، وإلا فالأصل فيه أنه منسوب إلى العجم والعجم لا يتكلمون العربية، لكنه تعلم فصار يتكلم بالعربية مثل سيبويه، فصار إمام من أئمة العربية، هذه العجماء منسوبة إلى العجم في الأصل قبل التعلم؛ لأنها ما تعلمت، فهي مثل العجمي الذي لا ينطق العربية بقي على أصله ولم يتعلم؛ لأنه قد يثار في مثل هذا الكلام، ممكن وإلا ما هو ممكن؟.
﴿لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ﴾ [(١٠٣) سورة النحل] يعني نزل بلسان العرب وبلغتهم، مبينٌ بواسطة هذه اللغة التي هي العربية أشرف اللغات، وعلى هذا يقبح بمن يتصدى لتعليم القرآن، أو تفسير القرآن، أو فهم القرآن، ولو لنفسه، وهو لا يتقن العربية، بل معرفة العربية بجميع فروعها خير ما يعين على فهم القرآن، بعد كلام النبي ﵊ وهو عربي.
الكلام واختلاف الناس فيه:
انتهينا الآن من مسألة القرآن والكلام، وللفرق في مسألة الكلام والناس اختلفوا في هذه المسألة على تسعة أقوال، ذكرها شارح الطحاوية:
يقول شارح الطحاوية ﵀: اختلف الناس أو افترق الناس في مسألة الكلام على تسعة أقوال:
стр. 54
أحدها: أن كلام الله هو ما يفيض على النفوس من المعاني، إما من العقل الفعّال عند بعضهم، أو من غيره، وهذا قول الصائبة والمتفلسفة.
وثانيها: أنه مخلوق، خلقه الله منفصلاً عنه، وهذا قول المعتزلة.
وثالثها: أنه معنىً واحد، قائمٌ بذات الله، هو الأمر والنهي والخبر والاستخبار، إن عبر عليه بالعربية كان قرآناً، وأن عبر عنه بالعبرانية كان توراةً، إلى آخره، وهذا قول: ابن كلاّب ومن وافقه كالأشعري وغيره. ويقولون حينئذٍ: القرآن عبارة عن المعنى، وابن كلاب يقول: حكاية، والأشاعرة يقولون: عبارة، القرآن عبارة عن كلام الله، وابن كلاب يقول: حكاية عن كلام الله. ويكثر في كلام المتعلمين الآن فيما يقوله الله -جل وعلا- حكاية عن كذا، حكاية عن موسى، يعني أن الله -جل وعلا- قاله على لسان فلان، فهذه الجملة هذه الكلمة تجتنب؛ لئلا نوافق المبتدعة.
الأمر الثاني: كلمة عبارة ابتذلها الناس، واستعملوها في غير موضعها، يقول لك مثلاً: هذا القلم عبارة أو هذا عبارة عن قلم، كيف عبارة؟! هذا قلم، كيف عبارة عن قلم؟ هذا عبارة عن كتاب، وهذه عبارة عن سيارة، وهذه عبارة عن كذا، يعني إقحام للشيء في غير موضعه.
رابعها: أنه حروفٌ وأصوات أزلية مجتمعة في الأزل، وهذا قول طائفة من أهل الكلام.
وخامسها: أنه حروفٌ وأصوات، لكن تكلم الله بها بعد أن لم يكن متكلماً، وهذا قول الكرّامية وغيرهم.
وسادسها: أن كلامه يرجع إلى ما يحدثه من علمه وإرادته القائم بذاته، وهذا يقوله صاحب المعتبر، المعروف: هبة الله بن ملكى، وهو طبيب، المعتبر مطبوع في الهند في مجلدين معروف يعني متداول، وإليه يميل الرازي في المطالب العالية.
وسابعها: أن كلامه يتضمن معنىً قائماً بذاته هو ما خلقه في غيره، وهذا قول: أبي منصور الماتريدي.
وثامنها: أنه مشترك بين المعنى القديم القائم بالذات، وبين ما يخلقه في غيره من الأصوات، وهذا قول: أبي المعالي ومن تبعه.
стр. 55
وتاسعها: أنه تعالى لم يزل متكلماً إذا شاء، ومتى شاء، وكيف شاء، ويتكلم به بصوت يسمع، وأن نوع الكلام قديم، وإن لم يكن الصوت المعين قديماً، وهذا هو المأثور عن أئمة الحديث والسنة، أنه تعالى لم يزل متكلماً إذا شاء، ومتى شاء، وكيف شاء، ويتكلم به بصوت يسمع، يعني بصوت حرف، وأن نوع الكلام قديم، وإن لم يكن الصوت المعين قديماً، وهذا المأثور عن أئمة الحديث والسنة.
يقول ابن القيم -رحمه الله تعالى- في النونية في كلام طويل جداً حول مسألة الكلام، يقول -رحمه الله تعالى-:
والله ربي لم يزل متكلماً ... وكلامه المسموع بالآذانِ
صدقاً وعدلاً أحكمت كلماته ... طلباً وإخباراً بلا نقصانِ
ورسوله قد عاذ بالكلمات مِن ... لدغٍ ومن عينٍ ومن شيطانِ
((أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق)) ((أعوذ بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة)) فاستعاذ النبي ﵊ بكلمات الله.
ورسوله قد عاذ بالكلمات من ... لدغٍ ومن عينٍ ومن شيطانِ
أيعاذ بالمخلوق؟! يعني لو كان القرآن مخلوق يستعاذ به؟ لا.
أيعاذ بالمخلوق حاشاه من الـ ... إشراك وهو معلم الإيمانِ
بل عاذ بالكلمات وهي صفاته ... سبحانه ليست من الأكوانِ
وكذلك القرآن عين كلام الـ ... مسموع منه حقيقة ببيانِ
هو قول ربي كله لا بعضه ... لفظاً ومعنىً ما هما خلقانِ
تنزيلُ ربِّ العالمين وقوله ... اللفظ والمعنى بلا روغانِ
لكنَّ أصوات العباد وفعلهم ... كمدادهم والرق مخلوقانِ
فالصوت للقاري ولكن الكلام ... كلام رب العرش ذي الإحسانِ
هذا إذا ما كان ثم وساطة ... كقراءة المخلوق للقرآنِ
فإذا انتفت تلك الوساطة ... مثلما قد كلم المولود من عمرانِ
فهناك المخلوق نفس السمع لا ... شيء من المسموع ففهم ذانِِ
هذه مقالة أحمدَ ومحمدٍ ... وخصومهم من بعد طائفتانِ
الإمام أحمد ومحمد بن إسماعيل البخاري ... إلى أن قال بعد أن جاء الكلام النفسي:
ودليلهم في ذاك بيتٌ قاله ... فيما يقال الأخطل النصراني
يا قوم قد غلط النصارى قبل في ... معنى الكلام وما اهتدوا لبيانِ
ولأجل ذا جعلوا المسيح إلههم ... إذ قيل كلمة خالق رحمنِ
ولأجل ذا جعلوه ناسوتاً ... ولاهوتاً قديماً بعد متحدانِ
стр. 56
في كلام كثيرٍ جداً ...
من الطرائف أن بعضهم يقول: بقدم الجلد والغلاف، كتب المصحف في الورق قال: حتى الورق قديم والجلد قديم، والغلاف قديم كل شيء قديم. ثم تهكم –شيخ الإسلام- بقوله: ما لهم لم يقولوا بقدم الكاتب والمجلِّد؟! إذا كان الجلد والغلاف كله قديم، فلماذا المجلد ما يصير قديم؟
على كل حال هذه المسألة عظيمة، وفيها مباحث طويلة، وضل فيها طوائف ممن ينتسب إلى الدين، ولا فرق بين من يقول: إن الله -جل وعلا- خلق الكلام في الشجرة حينما كلم موسى وأخبره بأنه رب، فإذا قلنا: أنه خلق الكلام في الشجرة، فكلام الشجرة المخلوق فيها ككلام فرعون المخلوق فيه ﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [(٢٤) سورة النازعات] ولا فرق، إذا قالت الشجرة: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ﴾ على قول المعتزلة القرآن مخلوق، أن الله خلقه في الشجرة، فالشجرة هي التي قالت: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ﴾ فما الفرق بين قول الشجرة وبين قول فرعون ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ في فرق وإلا ما في فرق؟ ما في فرق، لكن الضلال حاصل، نسأل الله السلامة والعافية.
هنا مذهب السالمية الذي يعبر عنهم بالاقترانية يقول:
والفرقة الأخرى فقالت إنه ... لفظٌ ومعنى ليس ينفصلانِ
واللفظ كالمعنى قديمٌ قائمٌ ... بالنفس ليس يقابل الحدثانِ
فالسين عند الباء لا مسبوقة
يعني لو قلت: بسم الله، خرجت الباء والسين في آنٍ واحد، يعني ما في باء تسبق السين أو سين تسبق الباء، الكلام كله مقترن بعضه ببعض.
فالسين عند الباء لا مسبوقة ... لكن هما حرفان مقترانِ
إلى آخره ...
والقائلون بذا يقولوا إنما ... ترتيبها في السمع بالآذانِ
يعني أن الله -جل وعلا- على حد زعمهم تلفظ بالحروف دفعة واحدة، -تعالى الله عما يقولون-، لكن جبريل رتب هذه الحروف، يعني من باب التصوير والتمثيل -تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً-، يعني كأن هذه الحروف مطبعة، الذي جمع حرف حرف أعطيت للطابع، وقيل: يا لله رتب هذه الحروف وأطبعها، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً. الله المستعان.
стр. 57
يا إخوان: هذا كلام قد يقول قائل: كيف يصدر مثل هذا الكلام عن عاقل، هذه البدع تنشأ شيئاً فشيئاً، تبدأ بمخالفة يسيرة للوحيين، مخالفة يسيرة، ثم هذا المخالف يصر على هذه المخالفة، ثم يورد له من الأدلة ما لو كان متصفاً بالورع لرجع، ولكن تأخذه العزة بالإثم فيصر، ثم يُلزم بلوازم لكلامه، ثم يلتزم بهذه اللوازم، وإلا ابتداءً ما يمكن أن يقول مثل هذا الكلام، هل يتصور أن الله -جل وعلا- نطق بهذا الكلام كله دفعةً واحدة، بسم الله الباء ليست قبل السين ولا السين قبل الباء، يعني دفعة واحدة، وجبريل هو الذي تولى، الملك الذي نزل به، هو الذي تولى الترتيب، يعني نظير قول الناس أو نظير ما هو الواقع، الحروف حروف المطابع يعني لما كانت المطابع حروف يعني رص، ما هي بكمبيوتر يمشي بطريقة الكترونية لا، الحروف كانت تأتي من رصاص حرف، حرف، هذا حرف يصلح في أول الكلمة ونفس الحرف إذا كان في وسطها، ونفس الحرف إذا كان في آخرها، تجمع الحروف حوالي مائة قطعة، إذا نظرنا إلى تغير صورة الحرف من كونه في أول الكلمة أو في أثنائها أو في آخرها، فيؤتى بها في كيس أو في علبة هذه الحروف دفعة واحدة تسلم لصاحب المطبعة من المصنع الذي يصنعها، ثم صاحب المطبعة يرتب هذه الحروف، يعني ما في هذا الكيس من هذه الحروف هل يستفاد منه؟ إذاً كلام الله -جل وعلا- لا يستفاد منه، إنما الكلام المفيد في ترتيب من رتب هذا الكلام، هذا غاية في الضلال، نسأل الله السلامة والعافية.
والقائلون بأنه بمشيئة ... في ذاته أيضاً فهم نوعانِ
إحداهما جعلته مبدوءاً به ... نوعاً حذارِ تسلسل الأعيانِ
فيسد ذاك عليهمُ في زعمهم ... إثبات خالق هذه الأكوانِ
يعني أن كلامه حادث، ويبدئه بمشيئة لكنه حادث؛ لئلا يلزم أن يورث قديم مع الله -جل وعلا-، فعلى هذا تتسلسل الحوادث في القدم، وهذا ممنوع، هذا قول الكرّامية.
والآخرون أولوا الحديث ... كأحمدٍ ومحمدٍ وأئمة الإيمانِ
قالوا بأن الله حقاً لم يزل ... متكلماً بمشيئة وبيانِ
إلى آخره ... ، ثم مذهب قول ابن حزم في القرآن، وهو كلام شنيعٌ قبيح:
وأتى ابن حزمٍ بعد ذاك فقال ... ما للناس قرآنٌ ولا اثنانِ
стр. 58
بل أربعٌ كلٌ يسمى بالقرآن ... وذاك قولٌ بين البطلانِ
يقول: ما عندنا قرآن واحد، عندنا أربعة قرآنات.
وأتى ابن حزمٍ بعد ذاك فقال ... ما للناس قرآنٌ ولا اثنانِ
بل أربعٌ كلٌ يسمى بالقرآن ... وذاك قولٌ بين البطلانِ
هذا الذي يتلى وآخرُ ثابتٌ ... في الرسمِ يدعى المصحف العثماني
يعني: ما ينطق به قرآن، والذي في المصحف قرآن غير الذي ينطق به.
والثالث المحفوظ بين صدورنا ..
الذي لا ينطق به المحفوظ في الصدور.
هذه الثلاثة خليقة الرحمن .. هذه مخلوقة
هذا الذي يتلى وآخرُ ثابتٌ ... في الرسمِ يدعى المصحف العثماني
والثالث المحفوظ بين صدورنا ... هذه الثلاث خليقة الرحمنِ
والرابع المعنى القديم كعلمه ... كلٌ يعبرُ عنه بالقرآنِ
فقول ابن حزم لا شك أنه ضلال، ثم قال هنا الشارح -بعد أن ترجم له بترجمة مطولة- يقول: فلا بد من بيان معناه، فقوله: "بل أربعٌ كلٌ يسمى بالقرآن" هذا الذي يتلى، والثاني: المكتوب في المصاحف، والثالث: المحفوظ في الصدور، والمراد بالرسم الخط، وقوله: "هذه الثلاث خليقة الرحمن" وهذا القول من أبطل الأقوال التي قيلت في القرآن، ولذلك قال الناظم: "وذلك قولٌ بينُ البطلان" وقوله: "والرابع المعنى القديم" إلى آخره كأنه -والله أعلم- وافق الأشاعرة والكلابية في إثبات المعنى النفسي، وقد تقدم القول في المعنى النفسي بما أغناه عن الإعادة، يعني أنه يوافق المعتزلة في الثلاثة، ويوافق الأشعرية في المعنى النفسي، وقول الناظم: "وأظنه قد رام شيئاً لم يجد ... إلى قوله: أن المعين ذو مراتبَ أربعٍ" أن المعين كزيد مثلاً، له أربع وجودات، وجوده الخارجي: يعني المكون من جسده المحسوس المرئي، هذا وجوده الخارجي.
ووجودٌ ذهني: يعني أنت في ذهنك تتصور أن زيد من البشر، وأنه من الذكور، تتصوره ذكر وتتصوره من بني آدم، وتتصوره ذا طول وعرض، ووجودٌ ذهني.
ووجودٌ لفظي، لفظت بهذه الحروف الزاي والياء والدال، أي في اللفظي إذا تلفظت بلفظ زيد.
ووجودٌ رسمي: أي خطي.
стр. 59
هذه المراتب الأربع، يعني لما تقول: زيد، أمامك زيد ماثل هذا وجود خارجي، وأنت تتصور هذا المسمى بهذا الاسم من بني آدم تتصوره ذكر، وتتصوره له طول وعرض ولون هذا وجود ذهني، ووجود لفظي أنت لفظت قلت: هذا زيد، أنت تلفظت بالحروف الثلاثة، ثم بعد ذلك وجودٌ رسمي كتبت زيد، فهذه الوجودات الأربعة، وهي التي ذكرها الله تعالى في قوله: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾ [(١ - ٤) سورة العلق] فذكر المراتب الأربعة، وهي الوجود العيني الخارجي الذي هو خلقه، وذكر الوجود الرسمي المطابق للفظي الدال على العلمي، فمذهب ابن حزم أن القرآن في المراتب الثلاث مخلوق، وهو وجوده العيني واللفظي والرسمي، ولكن الأولى بالتسمية بالقرآن هو وجوده العيني، بقي عنده "والمعنى القديم" فهو غير مخلوق، نسأل الله السلامة والعافية.
فمن أراد النجاة، وأراد العصمة، فعليه بالكتاب والسنة، والله أعلم.
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 60
شرح العقيدة الواسطية
مسألة رؤية الله
الشيخ/ عبد الكريم الخضير
يسأل يقول: ما الفرق بين قول المعتزلة في القرآن والماتريدية؟
ذكرنا في الدرس الماضي أن المعتزلة يقولون: إن الله -جل وعلا- خلق كلامه منفصلاً عنه، فحينما كلم موسى، التي تكلمت الشجرة، خلق الكلام فيها، خلق الكلام في الشجرة وهي التي تكلمت، وهي التي قالت: ﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ﴾ [(١٢) سورة طه] ولذا يردُّ عليهم أهل الحق بأنه لا فرق بين هذا، وبين قول فرعون: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [(٢٤) سورة النازعات] يعني مخلوق صادر من مخلوق، إذاً لا فرق، هذا قول المعتزلة: خلقه الله -جل وعلا- منفصلاً عنه -تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً-.
وأما قول أبي منصور الماتريدي: أن كلامه يتضمن معنىً قائماً بذاته، هو ما خلقه في غيره، يتضمن معنىً قائماً بذاته، يعني غير منفصل عنه، هو ما خلقه في غيره، إذن ماذا يكون الفرق بينهما؟
стр. 61
مسألة الانفصال والاتصال، فالمعتزلة يقولون: منفصلٌ عنه، خلقه كغيره من المخلوقات، يعني كما يخلق فلان من بني آدم، منفصلاً عنه، والماتريدية يقولون: هو معنىً قائم بذاته، وفي الوقت نفسه هو ما خلقه في غيره، كأن الماتريدية يوافقون المعتزلة بمسألة الخلق، إلا أنهم لما أُلزم المعتزلة بصحة كلام فرعون -على حد زعمهم- على قول المعتزلة يكون كلام فرعون: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ صحيح، مثل الشجرة أيش الفرق؟ لما ألزموا بهذا، قالوا: هو معنىً قائم بذاته -جل وعلا- هو ما خلقه في غيره، وهذا تناقض؛ لأن هذه المذاهب الباطلة المخالفة للكتاب والسنة هي تبدأ في أول الأمر بمخالفة يسيرة، ثم تتطور يكون لهذه المخالفة لازم، يلزم عليها لازم، ثم يناقش المتبني لهذا القول، فيلتزم باللازم؛ لأن كل قول له لازم، يعني مثل ما يقول أهل السنة في إثبات الرؤية، يقول المبتدعة: لو أثبتنا الرؤية للزم منها أن يكون الله -جل وعلا- جسم يرى، والقاعدة عند أهل السنة أنهم يثبتون ما أثبته الله لنفسه، وما أثبته له رسوله ﵊ وعلى الكيفية التي يعلمها -جل وعلا- ولا نعملها، فعلى هذا لا نلتزم باللازم، ومن أهل السنة من يقول: إن لازم الحق حق، لازم الحق حق, فإذا كان من لازم إثبات ما أثبته الله -جل وعلا- لنفسه أن يكون جسماً، والجسم لم يرد نفيه ولا إثباته في النصوص، لكنه من لازم ما أثبت يثبت، ولازم الحق حق، ومنهم من يقول: لا نثبت إلا ما أثبته الله -جل وعلا- لنفسه، سواءً كان ذلك في كتابه أو على لسان نبيه ﵊ وما لم يذكر نفياً ولا إثباتاً لا نثبته ولا ننفيه.
يعني من لازم الرؤية، كما يقول الأشاعرة إنه -جل وعلا- يكون منحازاً إلى جهة؛ لأن الذي ليس في جهة لا يمكن رؤيته؛ لأن البصر إنما ينتهي إلى جهة، نقول: لا مانع من إثبات الجهة المثبتة لله -جل وعلا- في الكتاب والسنة، وهي العلو.
стр. 62
أقول: هذه المذاهب البدعية تبدأ بمخالفة يسيرة، ثم بعد ذلك يلزم على هذه المخالفة لازم ويصر هذا المبتدع على قوله، ثم يلتزم باللازم، يلزم من قوله كذا؟ يقول: نعم، يلزم، ويلتزم به، فيزداد الأمر، ثم يلزم على هذا اللازم لازم أشد منه، ثم يلتزم به، وقد التزم النفاة حتى صار معبودهم العدم، العدم المحض، الذي لا وجود له البتة، والتزم المشبهة بما ألزموا به حتى صار معبودهم صنماً، موصوفاً بصفات المخلوقين.
فالتناقض الوارد في كلام الماتريدية أنه معنىً قائم بنفسه هو ما خلقه في غيره، إن كانوا يريدون المعنى قائم بذات الله -جل وعلا- والحروف قامت بغيره، فهل يمكن الانفصال أو لا يمكن بين المعنى والحرف؟ يمكن الانفصال وإلا ما يمكن؟
طالب:. . . . . . . . .
لا, المكتوب من عمل المخلوق، المداد قصدك المداد؟
الطالب:. . . . . . . . .
لا، يرون القرآن المكتوب، ما هو الكتابة، لا، يعني نفرق بين مذهب أهل السنة، المداد مخلوق عند أهل السنة، والرق والورق والجلد والغلاف كلها مكتوبة، وإن شذ من شذ من بعض الجهال من قال إن المداد، وما يتبعه حتى الجلد قديم، وألزم كما تقدم، وألزم بكون الكاتب أيضاً يمكن يصير قديم بعد، إذا كانت الكتابة قديمة إذن الكاتب قديم.
هؤلاء المبتدعة لما التزموا بهذه اللوازم حصل منها ما حصل من البعد الشديد عن الحق الثابت في الكتاب والسنة، لا شك أنهم أتوا بالمضحكات بعد ذلك؛ لأن هذه اللوازم ترتب عليها لوازم أشنع منها فالتزموا بها، والذي لا يعتصم بالكتاب والسنة، ويجعل الكتاب قائده لا شك أنه يضل، يضل إذا اعتمد على عقله دون أن يسير بالكتاب والسنة، والذي لا يعتصم بالكتاب والسنة يضل بلا شك.
стр. 63
المقصود أن قولهم فيه تناقض، يقولون: هو معنىً قائم بذات الله، المعتزلة مطرد مذهبهم، خلقه في غيره وانتهى، وهؤلاء يقولون: معناه قائم بذاته، ليوافقوا أهل السنة، ولئلا يبعدوا كثيراً، وأما ما خلقه في غيره فيوافقون فيه المعتزلة، وليس مرادهم بذلك هو ما يراه أهل السنة من أن القرآن المتلو المسموع بالحرف والصوت هو كلام الله -جل وعلا- هم يقولون: المعاني، وأما أهل السنة فيقولون: القرآن بحرفه وصوته المقروء المكتوب المسموع هو كلام الله -جل وعلا- والتلاوة والقراءة والكتابة هذه فعل المخلوق، فالصوت صوت القاري، والكلام كلام الباري.
مسألة الرؤيا:
المسألة التي تلي مسألة الكلام مسألة الرؤيا، وهي آخر المسائل التي يستدل لها المؤلف من القرآن، ثم بعد ذلك ينتهي المؤلف من عرض الأدلة من كتاب الله -جل وعلا- المثبتة للأسماء الصفات، ثم يثني بالسنة بفصل مستقل، وبعض من ينتقد هذه الرسالة العظيمة لشيخ الإسلام يقول: لو يعاد ترتيب هذه الرسالة، وتصاغ من جديد، وتذكر أدلة كل صفة، وكل اسم من الكتاب والسنة في آنٍ واحد، ولا يفرق، أولاً: تذكر أدلة الكتاب، ثم تذكر أدلة السنة، يعني فعلى سبيل المثال لما ذكر الآيات من القرآن على إثبات الرؤيا، يردفها بالأحاديث المثبتة للرؤيا في موضع واحد، وقل مثل هذا في الكلام وغيرها مما سبق من الأسماء والصفات، فيأتي بالدليل من القرآن والدليل من السنة، وشيخ الإسلام لا، فصَل الأدلة من القرآن، ثم أردفها بالأدلة من السنة، وهذا نوع، تفنن في التأليف، وإلا فعادته وطريقته ﵀ في بقية كتبه أنه يسرد الأدلة من الكتاب والسنة.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فقد قال شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى-:
стр. 64
وقوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ* إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [(٢٣) سورة القيامة] وقوله: ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ يَنظُرُونَ﴾ [(٢٣) سورة المطففين] وقوله: ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [(٢٦) سورة يونس] وقوله: ﴿لَهُم مَّا يَشَاؤُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [(٣٥) سورة ق] وهذا الباب في كتاب الله تعالى كثير, ومن تدبر القرآن طالباً للهدى منه تبين له طريق الحق.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فيقول المؤلف -رحمه الله تعالى- فيما ذكره من الأدلة من الكتاب على إثبات رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة في الآخرة، أما في الدنيا فنقل الاتفاق على أنه لا يراه أحد قبل أن يموت، ففي شرح الطحاوية يقول: اتفقت الأمة على أنه لا يراه أحدٌ في الدنيا بعينيه، ولم يتنازعوا في ذلك إلا في نبينا ﷺ خاصة، منهم من نفى رؤيته بالعين، ومنهم من أثبتها له ﷺ منهم من نفى رؤيته ﵊ لربه بالعين، الرؤية البصرية، ومنهم من أثبتها له.
وحكى القاضي عياض في كتاب الشفا باختلاف الصحابة ﵃ ومن بعدهم في رؤيته ﷺ وإنكار عائشة ﵂ أن يكون النبي ﵊ رأى ربه بعين رأسه، وقالت لمسروق: (من حدثك أن محمداً ﷺ رأى ربه فقد كذب) وفي بعض الروايات: (فقد أعظم الفرية) متفقٌ عليه, وبهذا قال ابن مسعود وأبو هريرة. وعن ابن عباس ﵄ أنه رأى ربه بعينه.
стр. 65
فنفي الرؤيا من قبله ﵊ لربه هو المعروف عن عائشة، وشددت في ذلك، وأنكرت على من أثبت، قال: وبهذا قال ابن مسعود وأبو هريرة، وعن ابن عباس ﵄: (أنه رأى ربه بعينه) وروى عطاء عنه: (رآه بقلبه) يعني: لا بعينه، وفي صحيح مسلم عن أبي ذر -رضي الله تعالى عنه- قال: (سألت رسول الله ﷺ هل رأيت ربك؟ فقال: ((نورٌ أنى أراه)) يعني استبعاد؛ لأن الله -جل وعلا- حجابه النور -وفي رواية- ((النار، لو كشفه لأحرقت سبحات وجه من انتهى إليه بصره)) والله المستعان.
على كل حال هذه المسألة خلافية بين الصحابة، من أثبتها كابن عباس ومن يقول بقوله لا يثرب عليه، ومن نفاها وهو قول أكثر الصحابة، وهو المرجح لقوله ﵊: ((نورٌ أنى أراه)) هذا هو المرجح، ولكن هذه المسائل العقدية إذا وجد الخلاف فيها بين السلف لا يكون المخالف فيها مبتدعاً؛ لأنه لا يمكن أن يوصف ابن عباس بأنه مبتدع، بينما المسائل التي اتفقوا عليها لو أن شخصاً أثبت غير ما اتفقوا عليه، ولو تشبث ببعض النصوص وبعض الأدلة، فإنه يوصف حينئذٍ بالابتداع.
رؤية الله في المنام:
يذكر في تراجم كثير من أهل العلم لا سيما من التابعين أنه رأى الله -جل وعلا- في المنام، فهل تمتنع رؤيته في اليقظة، وتكون ممكنة في المنام؟
في كثير من التراجم قالوا: إنه رأى الله -جل وعلا- في المنام، والرسول ﵊ رأى ربه في المنام، رأى الله -جل وعلا- في المنام في حديث اختصام الملأ الأعلى، معروف وإلا ما هو معروف؟ فهل يختلف الحكم في رؤيته -جل وعلا- في اليقظة في الدنيا قبل الآخرة، وبين رؤيته في المنام؟
стр. 66
لا شك أن الرؤية في اليقظة غير ممكنة؛ لعدم القدرة على التحمل، وإن كان أهل العلم يقولون: إن الرؤيا ممكنة؛ لأنها لو لم تكن ممكنة لما سألها موسى ﵇ موسى نبي، رسول معصوم لا يسأل غير الممكن، لكن لما كان وقوعها غير ممكن لماذا؟ لعدم قدرة الرائي، أو من يريد الرؤيا على التحمل، ولذا قال الله -جل وعلا- لما سأله موسى: ﴿قَالَ لَن تَرَانِي﴾ [(١٤٣) سورة الأعراف] ثم ذكر له علامة ﴿لَن تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ [(١٤٣) سورة الأعراف] هذا جبل، فكيف بالإنسان المكون من لحم ودم يثبت أمام رؤية الباري؟! يحترق؛ لأن حجابه النور أو النار هذا بالنسبة للرؤية بعين الرأس بالبصر،. . . . . . . . . هذه لا تستطاع.
وأما الرؤية في المنام فأثبتها كثيرٌ من أهل العلم، فهل إثباتها سائغ أو تنفى كالرؤية بعين البصر؟
طالب:. . . . . . . . .
هي كرامة لا شك كرامة، لكن هل هي ممكنة أو ممتنعة كرؤيته بعين البصر؟
طالب:. . . . . . . . .
وهذه القصص وهذه الأخبار التي يوردونها لا أصل لها ولا صحة لها؟
الطالب:. . . . . . . . .
نعم, أيوه.
الطالب:. . . . . . . . .
أما رؤيته ﵊ فهي ثابتة، رؤيته ﵊ أنت تقصد رؤية المسلم للنبي ﵊ أو رؤية النبي ﵊ لربه في المنام؟
الطالب:. . . . . . . . .
لماذا؟
فإذا أمكنت رؤيته, إذا أمكنت رؤيته ﵊ في المنام تمكن رؤية غيره ممن يقتدي به ويرث منه من ميراثه بالنصيب الوافر، وأيش المانع؟ لا سيما وقد ادعاها جمع من أهل العلم الموثوقين، ولا شك أن حال المنام أقل من حال اليقظة، ولذا يدعي بعضهم أنه يرى النبي ﷺ في اليقظة، ولا شك أن هذا زيغ، ضلال، وهذا من شطحات المتصوفة، يعني ممكن الرؤيا في المنام وإلا غير ممكنة؟ رؤية الله -جل وعلا-؟.
طالب:. . . . . . . . .
معروف الحديث معروف -القصة معروفة- نعم.
طالب:. . . . . . . . .
стр. 67
يعني, ولذلك لا يدرك الكيفية من رآه في المنام التي يتفق أهل السنة على عدم العلم بها، إذا رأى كيفية وقال: إنه هو الله -جل وعلا- هل يستطيع أن يطبق ما جاء في النصوص على ما رأى، ويقول: رأيت عينه كذا وسمعه كذا وإلى آخره؟! نعم.
طالب:. . . . . . . . .
إذا ما في كيفية ما في رؤية, هاه؟
طالب:. . . . . . . . .
إذن كيف يقول: رأى ربه؟ والرسول ﵊ رأى ربه، كيف على أي كيفية؟
الطالب:. . . . . . . . .
يرى النور؟
طالب:. . . . . . . . .
يعني موجودة في المنام، لكن القدرات في المنام تختلف عنها في اليقظة؛ لأن الإنسان وهو في المنام يرى أنه يطير مثلاً، وهو في اليقظة لا يستطيع، نعم, ويرى أنه اقتلع صخرة عظيمة، وهو في اليقظة لا يستطيع، وقد يضعُف عن حقيقته، وبهذا يرد أهل العلم على من يصحح الأحاديث ويضعفها ويدعي أنه رأى النبي ﵊ في المنام، وسأله عن بعض الأحاديث، وعن بعض الأحكام، فأجابه.
نعم، الشيطان لا يتلبس به ﵊ إذن كيف يقول: أنا سألت النبي ﵊ رأيته في المنام، وسألته عن حديث كذا، فقال: صحيح، وسألته عن حديث كذا، فقال: ضعيف، والشيطان لا يتلبس به ولا يتمثل به؟ فهل نقول: هذا التصحيح والتضعيف صحيح كما يدعيه بعضهم؟
السيوطي كثيراً ما يعتمد على مثل هذا، يسأل النبي ﵊ وهو نائم فيقول: هذا الحديث صحيح.
إذا تبينا أن هذا هو الرسول ﵊ هو المسؤول، وهو المجيب، فهل هذا الصنيع صحيح أو غير صحيح؟ يعتمد عليه أو لا يعتمد عليه؟
طالب: غير صحيح.
إيه غير صحيح، لماذا؟
طالب:. . . . . . . . .
هو ثبت في الحديث أن الشيطان لا يتمثل به، فالمرئي هو النبي ﵊ والمتكلِّم والمتكلَّم معه هو الرسول ﵊ فإذا أثبتنا أن هذا هو ﵊ وهذا كلامه، وهذا السؤال سأله فلان، وأجابه بكذا، فما المانع من تصحيح مثل هذا؟
طالب:. . . . . . . . .
ما هي بمسألة. . . . . . . . .، المسألة رد قوي من أهل العلم في هذه المسألة.
طالب:. . . . . . . . .
стр. 68
ما هو كذا، لا، المسألة ثانية، أهل العلم ردوا, اجتثوا هذه الشبهة من أساسها، فقالوا: هذه رواية، هذا الرائي يروي للناس ما رأى، صح وإلا لا، هو يروي للناس ما رأى، ومن شروط الراوي أن يكون حافظاً يقظاً، العدالة موجودة، لكن حافظ يقظ، الإنسان في حال النوم حافظ يضبط، أو يضيع أكثر ما سمع؟ إذن ليس بثقة في حال النوم، فلا يقبل قوله؛ لأن الضعف جاء من جهة الراوي.
طالب:. . . . . . . . .
على كل حال مثل هذا قد يستأنس به، لكن يبنى عليه حكم؟ لا، نقول: الحديث صحيح؛ لأن السيوطي سأل النبي ﵊ فقال: صحيح، أبداً، ولا نلتفت إلى مثل هذا؛ لأن السيوطي وهو في حال اليقظة وإن كان من الحفاظ يعتريه ما يعتريه، فكيف إذا كان في المنام؟.
الإنسان يرى في المنام أشياء ثم إذا استيقظ من النوم لا يستطيع أن يقص ما رأى كما وقع، لا بد أن ينسى، ولا بد أن يطرأ له تغيّر.
طالب:. . . . . . . . .
حديث الأذان ثبتت شرعيته بإقرار النبي ﷺ النبي ﵊ أقرّه، وهو في المنام، لكن ما اكتسب الشرعية حتى أقره النبي ﵊ وإلا الرؤيا ما يثبت فيها حكم.
يقول -رحمه الله تعالى-: وقوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [(٢٣) سورة القيامة].
﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ﴾: من النضرة، وهي الحسن والبهاء، ويكتسب هذا في الدنيا قبل الآخرة بالاتباع للنبي ﵊ والاقتداء به، والإخلاص لله -جل وعلا- ولزوم الطاعة والعبادة، لا شك أن هذا يكسب الوجه نضرة، وجاء في الحديث: ((نضَّر الله امرءاً سمع مقالتي فوعاها ثم أداها كما سمعها)) , فالنضرة لها وسائل تكتسب في الدنيا، وهؤلاء الذين هم أهل الجنة وجوههم ناضرة، يعني حسنة.
﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾: من النظر وتعديته بـ "إلى" يدل على حقيقته، وهو النظر بعيني الرأس والبصر, ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ومنهم من يتأول هذا ويقول: منتظرة، وإذا كانت منتظرة فلا تحتاج إلى التعدية بـ"إلى" وهذا من أقوى الأدلة على إثبات الرؤيا، رؤية المؤمنين ربهم .
стр. 69
ومثلها قوله -جل وعلا-: ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ يَنظُرُونَ﴾ [(٣٥) سورة المطففين] , وهؤلاء هم الأبرار، وهم على الأرائك ينظرون، وحذف المفعول -مفعول ينظرون- للتعميم، فهم ينظرون كل ما يسرهم، ويغتبطون به، وأعظم ذلك رؤية الباري -جل وعلا-.
ثم قال: ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [(٢٦) سورة يونس] ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى﴾ أهل مرتبة الإحسان لهم الحسنى، التي هي الجنة ﴿وَزِيَادَةٌ﴾ وهي النظر إلى وجهه الكريم، كما جاء ذلك مفسراً من قبل النبي ﷺ ، فقد ثبت عنه ﵊ أنه فسَّر الزيادة بالنظر إلى وجهه الكريم. ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ يقول ابن رجب -رحمه الله تعالى- في شرح حديث جبريل في جامع العلوم والحكم، يقول ثبت في صحيح مسلم عن النبي ﷺ تفسير الزيادة بالنظر إلى وجه الله تعالى في الجنة، قال: وهذا مناسبٌ لجعله جزاءً لأهل الإحسان؛ لأن الإحسان: هو أن يعبد المؤمن ربه -جل وعلا- في الدنيا على وجه الحضور والمراقبة، كأنه يراه بقلبه؛ لأن رؤيته بعين رأسه ممتنعة فما بقي إلا الرؤية القلبية، أن تعبد الله كأنك تراه، كأنه يراه بقلبه، وينظر إليه في حال عبادته، فكان جزاؤه ذلك النظر إلى وجه الله عياناً في الآخرة، والجزاء من جنس العمل، كما سيأتي في الحديث: ((إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر)) أو ((الشمس صحواً ليس دونها سحاب)) , ثم بعد ذلك حث على صلاة الصبح وصلاة العصر؛ لأن الرؤية تحصل للمؤمنين في الجنة، لكن على مراتب، مراتب متفاوتة، منهم من تحصل له في أول النهار وفي آخره، ومنهم من تحصل له كل جمعة، فهم يتفاوتون في هذا حسب تفاوت أعمالهم، بتفاوت أعمالهم، وجاء في الحديث -وفيه كلام لأهل العلم-: أن قربهم من الرب -جل وعلا- في يوم المزيد قربهم بحسب قربهم من الإمام يوم الجمعة، وهذا الحديث فيه كلام لأهل العلم.
يقول: فكان جزاء ذلك النظر إلى وجه الله عياناً في الآخرة؛ لأنه حريصٌ على هذه الرؤية، ولذا لزم منزلة المراقبة لله -جل وعلا- فعبد الله -جل وعلا- في الدنيا كأنه يراه.
стр. 70
ثم قال ﵀: ﴿لَهُم مَّا يَشَاؤُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [(٣٥) سورة ق] ولدينا مزيد، ﴿لَهُم مَّا يَشَاؤُونَ فِيهَا﴾ مما يستمتع به، وتشتهيه الأنفس، وتلذ له الأعين، ولدينا مزيد على ذلك كله، وفسر برؤية الله -جل وعلا-.
يقول -رحمه الله تعالى- والمسألة ستأتي يعني في الفصل الثاني، وإثبات هذه الأسماء والصفات من السنة، يقول -رحمه الله تعالى-:
وهذا الباب في كتاب الله كثير، يعني آيات الأسماء والصفات كثيرة جداً، تفوق آيات الأحكام أكثر من آيات الأحكام، يقول: وهذا الباب في كتاب الله كثير لمن تدبر القرآن؛ لأن الإنسان قد يكون ديدنه قراءة القرآن ليلاً ونهاراً، ويمكث على ذلك سنين بل عقود، ولم يصل إلى هذه الحقيقة، لماذا؟
لأنه يقرأ -وأجره إن شاء الله ثابت عند الله -جل وعلا- الذي هو أجر الحروف- لكنه لا يتدبر ولا يحصل له مثل هذا، هذا العلم العظيم لا سيما في هذا الباب، ولذا قال: وهذا الباب في كتاب الله كثير لمن تدبر القرآن، لا بد من التدبر طالباً للهدى منه؛ لأن من الناس من يتدبر القرآن لأمرٍ في نفسه، هو يريد شيء، يعني يتدبر القرآن قد يكون تدبره وبالاً عليه، ومن المستشرقين الكفار من اعتنى بالقرآن وتدبره وأخذ من المتشابه ما يرد به على المسلمين، وينقض به بعض شرائع الإسلام، وهكذا أتباعهم وأذنابهم في كل فترة يأتون بشيء نتيجته التدبر لا لطلب الهدى، أما من تدبر القرآن طالباً الهدى.
стр. 71
مفسر من المفسرين المعاصرين يستدل على جواز التصوير من القرآن ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلاً﴾ [(٤٣) سورة الأنفال] ثم قال: ﴿وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ﴾ [(٤٤) سورة الأنفال] يقول: ما يمكن يكون الكبير صغير، أو الكثير قليل إلا بالتصوير، أما حقيقته لا تتغير، ويستدل بهذا على جواز التصوير، يعني هذا تدبر القرآن طالباً للهدى، ويصل إلى هذه النتيجة؟ ويعارض بها ما صح عن النبي ﵊؟!! يقول: ما ترى الكبير صغير، أو الكثير قليل إلا بالتصوير، إذن التصوير جائز، وذكر في تفسيره أنه عرض هذا الاستنباط الذي لم يسبق إليه على شيخ من شيوخ, جهة من الجهات، فقال: هذا الدليل يدل على وجوب التصوير، لا على جوازه!!
المقصود أن التدبر إنما يكون طلباً للهدى، ما هو أنت في نفسك شيء تريد أن تستدل له من القرآن؟ لا، الآن هذه الفكرة التي في ذهنك جعلتها سائقاً وقائداً للقرآن، ولم تجعل القرآن سائقاً لك، ولما تحتاجه من علم. طالب:. . . . . . . . .
شوف الفتنة، إذا فتن الإنسان لا حيلة معه، وهذا التفسير حقيقةً مشحون بمثل هذه الأمور، ومع ذلك مقرر من كثير ممن ينتسب إلى العلم في الشرق والغرب، حتى رؤوس المبتدعة الكبار والمستشرقين كلهم قرروه لماذا؟ لأنه يخدمهم.
طالب:. . . . . . . . .
ما يحتاج، عرضه يكفي، يعني ما هو بيعرض لأنه علم هذا، يعرض لأنه ضلال، يعني تدبر القرآن من أجل استنباط مثل هذه الأحكام هذا طلب للهدى؟! هذا واضح.
ولذا يقول الشيخ -رحمه الله تعالى-: وهذا الباب في كتاب الله كثير من تدبر القرآن بشرط أن يكون طالباً للهدى منه -يعني من القرآن- تبين له طريق الحق.
وابن القيم ﵀ يقول:
فتدبر القرآن إن رمت الهدى ... فالعلم تحت تدبر القرآن
стр. 72
فالتدبر شأنه عظيم، قراءة القرآن على الوجه المأمور به، لا شك أن لها شأن في بناء النفس في العلم والعمل، هذا أمرٌ لا بد منه لطالب العلم، فيجعل من وقته إذا كان تعود على قراءة الهذّ، بعض الناس إذا تعود على شيء لا يستطيع فراقه، فالذين تعودوا على قراءة الهذّ يصعب عليهم أن يقول ارجعوا من جديد وتدبروا، ابدأوا بالتدبر، لكن لا يمنع أن يكون له ختمات على طريقته يكتسب من ورائها أجر الحروف، ويكون له أوقات ولو نصف ساعة في اليوم يقرأ فيها بالتدبر، ويراجع ما يشكل عليه في التفاسير الموثوقة.
وذكر الحافظ ابن كثير -رحمه الله تعالى- عن شخص أنه يختم القرآن كل يوم، هذا تدبُر؟ هذا تدبُر وإلا لا؟ لا، له ختمة واحدة تدبر أمضى فيها عشرين سنة، ومات ولم يكملها.
فإذا فرضنا أنه خصص لكل يوم آية، آية واحدة يتدبرها ويراجع عليها ما يراجع من التفاسير، ثم بعد ذلك لما تم العشرين سنة مات، ولمة أكمل.
стр. 73
المقصود أن مثل هذا لا بد من العناية به، وكثيرٌ من الناس يقول: والله أنا اعتدت، والعادة مشكلة، العادة تفرض نفسها على الإنسان، وبعضهم يقول: أنا اعتدت القرآن أن أقرأ القرآن في سبع، ولا أستطيع أن أتدبر، لأنه يلزم عليَّ أن أقرأ القرآن في الشهر مرة مثلاً، فأكون ما ثبتُّ على العمل الذي بدأت به، والنبي ﵊ إذا عمل عملاً أثبته، وأفضل العمل ما داوم عليه صاحبه، وأيضاً النقص من العمل لا شك أنه على غير الهدي النبوي، النبي ﵊ يثبت العمل إذا عمله، فيكون في النفس شيء إذا قلل من نصيبه اليومي، فنقول: لا مانع أن تقرأ على طريقتك، تختم كل سبع، وتجعل هناك ختمة للتدبر، ولو في الشهر مرة أو في الشهرين مرة، أو في السنة مرة، لكن لا تترك هذا الباب؛ لأن العلم كل العلم في قراءة القرآن على هذا الوجه، العلم الذي يورث العمل العلم الذي يورث الخشية، العلم الذي يورث الطمأنينة واليقين، ويزيد في الإيمان هو ما نشأ عن التدبر، وقد جاء الأمر به في أربع آيات من القرآن، في النساء في قوله -جل وعلا-: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا﴾ [(٨٢) سورة النساء] وفي سورة ص: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ﴾ [(٢٩) سورة ص] وفي سورة المؤمنون: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءهُم مَّا لَمْ يَأْتِ آبَاءهُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ [(٦٨) سورة المؤمنون] وفي سورة القتال -سورة محمد-: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [(٢٤) سورة محمد] خطير، فلا بد من التدبر، والقرآن إنما أنزل للعمل، والعمل نتيجة للتدبر، لا يمكن أن يعمل بالقرآن من يقرأه هذّاً، لا يمكن أن يستنبط منه وهو يقرأ في الربع الساعة جزء كامل، في الجلسة الواحدة ساعة يقرأ خمسة أجزاء، هذا لا يمكن مع هذا، ولا شك أن العادة قاهرة، لو جلس أن يتدبر ما علم إلا وقد ختم السورة، لا يفيق إلا وقد ختم السورة؛ لأن في الأمور المحسوسة الذي تعود على السرعة في السيارة وهو في طريقه
стр. 74
رأى حادث، والحادث فيه أموات، لا شك أنه يتأثر، ثم يقلل من هذه السرعة إذا تجاوزه يقلل, ثم لا يلبث أن يزيد يزيد يزيد إلى أن يصل إلى عادته، فالإنسان إذ مرَّ بمثل قول الله -جل وعلا-: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ﴾ [(٢٤) سورة محمد] وهو يهذّ ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [(٢٤) سورة محمد] تريث قليلاً، ثم بعد ذلك لا يلبث أن يعود إلى عادته، فالعادة لا شك أنها قاهرة، لكن مع ذلك نقول: استمر على عادتك، ولك أجر الحروف إن شاء الله تعالى، واجعل لك ختمة تدبر، ولتكن في وقتٍ الذهن يصير فاضي من أمور الدنيا، ويكون بين يديك من التفاسير الموثوقة ما تراجع فيه ما يشكل عليك.
طالب:. . . . . . . . .
أيش المانع؟ ما في شيء؛ لأن الأجر المرتب على القراءة من قرأ، والقراءة تحصل من غير تدبر، فأجر القراءة شيء، وأجر التدبر والترتيل قدرٌ زائدٌ عليه, وجاء عند أحمد والدارمي: ((يقال لقارئ القرآن اقرأ وارتق بدرج الجنة كما كنت تقرأ في الدنيا هذّاً كان أو ترتيلاً)) لكن الذي يرد على هذا أن الذي يقرأ بالهذّ ينتهي ما عنده بسرعة، فيقف عن الارتقاء، والذي يقرأ بالترتيل لا ينتهي بسرعة.
وعلى كل حال، قارئ القرآن على خير، سواءً قرأ بالهذ أو بالترتيل، وإن كان الترتيل والتدبر أفضل بكثير، حتى يقرر بعض أهل العلم أن الشيء اليسير مع التدبر أفضل من الكثير مع عدمه.
وابن القيم يقول: لو افترضنا أن شخصاً ختم القرآن في شهر مرة واحدة على الوجه المأمور به، أو ختم عشر مرات يقرأ القرآن في ثلاث بدون تدبر ولا ترتيل، فلا شك أن هذا أفضل، يكون من قرأه مرة كمن أهدى درة ثمينة، ومن قرأه عشراً فكأنما أهدى عشر درر، لكن هذه الدرة الثمينة قد تعادل مائة من العشر، ولا شك أنه أفضل وأجره أعظم، لكن بعض الناس يقول تعودت, والله ما أقدر أنا، وبعض الناس يعني كأنه أخذ على نفسه العهد، وإن لم يلفظ به أنه يقرأ القرآن في كذا، يعني اختط لنفسه أنه يقرأ القرآن في سبع، فكونه يقرأ القرآن في كل أسبوعين أو في كل عشرة أيام لا شك أنه رجوع ونكوص عما اختطه لنفسه، وهذا عند أهل العلم معروفٌ أنه لا ينبغي.
стр. 75
فالإنسان يسدد ويقارب، فيجعل لأجر الحروف وقت، ويجعل أيضاً للتدبر وقت آخر، وإن كانت قراءته كلها بالتدبر، وإن كان يترتب على ذلك قلة في القراءة، فما يمنع من ذلك -في رأيي- مانع؛ لأنه عدولٌ من المفضول إلى الأفضل، وإن كان أقل في الكمية، إلا أنه أعظم في الكيفية.
فكون الإنسان يجلس بعد صلاة الصبح فبدلاً من أن يقرأ حزبه اليومي أربعة أجزاء ليختم في سبع لو قرأ جزء واحد بالتدبر والترتيل، وقرأه في كل شهر على هذه الطريقة، لا شك أن هذا أفضل، وإن كان أجر الحروف -المرتب على الحروف- أقل لكن الأجر المرتب بامتثال الأمر بالترتيل، والأمر بالتدبر أعظم، كما قرّر ذلك أهل العلم.
وذكرنا مراراً أن الخلاف بين أهل العلم في الأفضل: الإسراع في القراءة مع كثرة المقروء، أو التدبر والترتيل مع قلة المقروء؟ والجمهور على أن التدبر والترتيل ولو كان المقروء قليلاً أفضل من الإسراع، ولو كان المقروء كثيراً، وعند الشافعية العكس.
لكن المسألة مفترضة في شخصٍ يريد أن يجلس ساعة، يقول: أقرأ في هذه الساعة جزء أو خمسة أجزاء، أيهما أفضل؟ الجمهور يقول: تقرأ جزء على الوجه المأمور به أفضل من خمسة، وعند الشافعية يقولون: الخمسة أفضل؛ لأن الأجر فيها أعظم، الخمسة فيها نصف مليون حسنة، بينما الجزء الواحد فيه مائة ألف، كما هو معروف.
طالب:. . . . . . . . .
إيه يعني هل يحصل للحافظ فقط، أو لكل من يقرأ، ولو كانت قراءته نظر؟ هذه مسألة معروفة عند أهل العلم، بحثوها واختلفوا فيها، والذي يقول: أنه لا بد أن يكون حافظاً يقول: أنه في الآخرة ليس لديه مصحف، فلا بد أن يقرأ من حفظه، والذي يقول: أنه على حاله سواء كان من حفظه أو من مصحفه يؤيده قوله: ((كما تقرأ في الدنيا)).
وابن القيم ﵀ يقرر أن أهل القرآن الذين هم أهل الله وخاصته هم أهل العناية به، بقراءته، بفهمه، بالعمل به، بإقرائه، ولو لم يحفظوه، هذا كلام ابن القيم في زاد المعاد.
следующие страницы →