← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 25881

صحيح سنن أبي داود ط غراس

ناصر الدين الألباني

Полный текст (3 494 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

صحيح سنن أبي داود الإمام الحافظ سليمان بن الأشعث السجستاني المتوفى سنة (٢٧٥ هـ) رحمه الله تعالى تأليف الإمام المحدث الشيخ محمد ناصر الدين الألباني المتوفى سنة (١٤٢٠ هـ) رحمه الله تعالى وهو الكتاب (الأم) -كما سمَّاه مؤلفه الشيخ ﵀ والذي خرّج فيه أحاديثه مطولًا، وتكلم على أسانيده ورجاله مفصلا، تعديلا وتجريحًا، وتصحيحًا وتضعيفًا، وعلى النحو الذي انتهجه ﵀ في السلسلتين "الصحيحة" و "الضعيفة" (١) المجلد الأول ١ - ٢٤٥ كتاب الطهارة غراس للنشر والتوزيع والدعاية والإعلان

стр. 2

جميع حقوق الملكية الأدبية والفنية محفوظة لـ دار غراس - الكويت وشريكهما ويحظَر طبع أو تصوير أو ترجمة أو إعادة تنضيد الكتاب كاملًا أو مجزأ أو تسجيله على أشرطة كاسيت أو إدخاله على الكمبيوتر أو برمجته على أسطوانات ضوئية إلا بموافقة خطيّة من الناشر. الطبعة الأولى ١٤٢٣ هـ ٢٠٠٢ م الناشر مؤسسة غراس للنشر والتوزيع الكويت- شارع الصحافة- مقابل مطابع الرأي العام التجارية هاتف: ٤٨١٩٠٣٧ - فاكس: ٤٨٣٨٤٩٥ - هاتف وفاكس: ٤٥٧٨٨٦٨ الجهراء: ص. ب: ٢٨٨٨ - الرمز البريدي: ٠١٠٣٠ Website: www.gheras.com E-mail: Info@gheras.com

стр. 3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة الناشر الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسولنا محمد ﷺ خاتم النبيين، وعلى له وصحبه أجمعين. أما بعد؛ فنقدم إلى القراء الكرام نتاجًا جديدًا مما خطّته يراعة شيخنا الإمام الحدث محمد ناصر الدين الألباني ﵀؛ ليفيد منه طلبة العلم بعامة، وطلاب الحديث والتخريج والعلل بخاصة؛ وهو كتاب "صحيح سنن أبي داود" -الكتاب الأم- الذي كان شيخنا الوالد ﵀ يعزو إليه في كتبه المختلفة عند تخريجاته المختصرة. وخير ما نعرّف به الكتاب أن نورد ما قاله عنه الشيخ نفسه في نهاية مقدمة الطبعة الجديدة للمجلد الأول لكتابه "مختصر صحيح البخاري"؛ حيث قال: " ... سيمرُّ بالقارئ الكريم عزوي كثيرًا لكتابي "صحيح أبي داود"، وربما أحيانًا لقسيمه "ضعيف أبي داود" -بالأرقام طبعًا- لأحاديثهما؛ فليعلم أنني إنما أعني بكل منهما: (الأم) والأصل الذي أخرّج فيهما الأحاديث، وأتكلم على الأسانيد ورجالها؛ تعديلًا وتجريحًا، وتصحيحًا وتضعيفًا؛ وأتتبع فيهما الطرق في مختلف المصادر، حتى المخطوطات أحيانًا؛ على النحو الذي أنهج عليه في "السلسلتين"، وهما المقصودان أيضًا في كل كتبي حين العزو إليهما؛ فاقتضى التنبيه".

стр. 4

وقال ﵀ في مقدمة "صحيح سنن أبي داود" -كتابه الآخر باختصار السند-، طبعة مكتبة المعارف: " ... وذلك لأن أحاديث "أبي داود" ... ؛ مخرجة تخريجًا علميًّا دقيقًا في مشروعي القديم، الذي كنت بدأت فيه من نحو أربعين سنة، وهو "صحيح أبي داود" و "ضعيف أبي داود"، ولا أزال أعمل فيهما على نوبات متفرقة متباطئة، يسر الله لي إتمامها ... ". وقد بدأ الشيخ مشروعه هذا -كما ذَكَرَ- منذ سنين طويلة، وجعله في دفاتر متعددة، وقد وجدنا على الوجه الداخلي لغلاف دفتره الأول ما يشير إلى تاريخ بداية عمله فيه بعبارة مختصرة: "سنة حجتي الأولى (١٣٦٨) أواخر صفر (١٣٦٩ هـ) ". وكان يسجل تاريخ انتهائه من بعض دفاتره، أو متابعته للعمل في بعضها الآخر، ولم يكمل تخريج الكتاب كله -" قدر الله وما شاء فعل"-؛ ولذلك لم يكن ﵀ يعزم على نشره -على أهميته- إلا بعد الانتهاء منه كاملًا؛ فقد وصل في هذا "الصحيح" إلى الحديث (٢٧٣٤) من كتاب "الجنائز"، (٢٥ - باب الجلوس عند المصيبة)، ومن "الضعيف" إلى الحديث (٥٦١) من كتاب "الجنائز" أيضًا، (٢٩ - باب في النوح). وهذا الكتاب مما يشهد لشيخنا ﵀ شهادة تامة ببصره النافذ -الناقد- في علم الحديث ورجاله، ونظرته الفاحصة للأسانيد وعللها، وتبحُّره في معرفة الشواهد -مما لا يستطيعه إلا من كَمَلَت -أو أوشكت- معرفته بعلم الحديث رواية ودراية، مع تضلّع بفهم كلمات الأئمة الجهابذه النقاد في الأسانيد والرجال ومرويّاتهم ...

стр. 5

فهاكَه -أخي القارئ! - غضًّا طريًّا؛ تتنعَّم بالنظر فيه، وتتمتّع باسْتِكْناهِ ظواهره وخوافيه. واعلم -أخي القارئ! - أن هذا الكتاب من بواكير أعمال الشيخ الحديثية بعد أن اشتدّ عوده -ولا يزال منذ بدأ شديدًا- ولم يبرح الشيخ ﵀ ينقّح فيه ويصحّح، ويزيد وينقص، ويحوّل من "الصحيح" إلى "الضعيف" -وبالعكس-، كما هي عادته ﵀ فيما يجدّ له من مصادر ومراجع؛ ليمشي على الخط الذي رسمه لنفسه في الحياة العلمية -وهو مما تلقاه عن أسلافه الأئمة الفحول-؛ ليقول -لسانًا وحالًا-: (العلم لا يقبل الجمود)! وهذه سكيكة مطروقة، وسبيل معلومة، وجادة مسلوكة؛ تدل على منهجية شيخنا ﵀ في البحث العلمي النزيه؛ ليحتل بها المكانة المرموقة التي عرفه بها للقاصي والداني، ولله الحمد والمنة. وعليه؛ كان لا بد لنا في أثناء عملنا لإخراج الكتاب من أمور ضرورية لإتمام العمل في أفضل صورة ممكنة، وهي تنطبق على هذا "الصحيح" وعلى "الضعيف" أيضًا، وتتلخص فيما يلي: ١ - كان الشيخ ﵀ قد نسّق كتابه هذا بشكل مختصر؛ يورد فيه نصّ الحديث في المتن -الأعلى- مختصرًا سنده، ثم يضع حكمه الإجمالي بين هلالين: (قلت: . . . . . . . .)، ثم يورد سنده أسفل -في الحاشية-، ثم يتكلم عليه بما تقتضيه الصناعة الحديثية؛ فكان أن جعلنا المتن والحاشيه معًا على نمط "الصحيحة" و "الضعيفة"، وميّزنا -في سبيل تحقيق هذا- نص الحديث في "السنن"، وأقوال أبي داود بالحرف الأسود؛ لأننا

стр. 6

وجدنا هذا النمط بعد التجربة أنفع للقارئ، وأبعد عن تشتيت ذهنه، وأيسر من النواحي الطباعية الفنية. ٢ - ضبط عناوين الأبواب الفقهية وترقيمها تسلسليًّا لكل كتاب فقهي (١)؛ اعتمادًا منا على نسخة الأستاذ عزت عبيد الدعاس؛ لدقّتها -أولًا-، وثانيًا؛ فإنه تبين لنا لاحقًا أن شيخنا المصنف ﵀ كان قد اعتمد على النسخة (التازية) في قريب من ثلاثة أرباع عمله في الكتاب، ثم عدل إلى طبعة (الدعاس)؛ وذلك لأسباب شرحها فيما يأتي، تحت الحديث (٢٢٧٠). ثم أدرجنا الأبواب التي كان الشيخ ﵀ قد حذفها لعدم وجود حديث تحتها على شرطه في هذا الكتاب، وقد كان هذا هو منهجه قديمًا؛ إلا أنه عدل عنه أخيرًا، وفي ذلك فوائد عدة لا تخفى؛ كما فعل في كتابه "صحيح الترغيب والترهيب" و "ضعيفه"، انظر مثلًا (١٠ - باب الخاتم يكون فيه ذكر الله .. )، و (١٩ - الاستتار في الخلاء) من "كتاب الطهارة"؛ فهما محذوفان في أصل الشيخ "الصحيح" هذا مع أحاديثهما؛ لأنهما ليسا على شرطه فيه، بل هما من شرطه في "الضعيف". ٣ - اعتمدنا الترقيم الأصلي للشيخ ﵀ بما فيه من تكرار في الموضع، أو نقص، وضبطنا العزو من الكتاب -وإليه- نفسه، وكذلك بين الكتابين "الصحيح" و "الضعيف". ومن الضروري هنا أن نشير إلى أن الشيخ نفسه قد عدّل ترقيمه الخاص؛ تبعًا لما حذف أو أضاف من الأحاديث؛ مما أحدث فارقًا بين الترقيم الجديد

стр. 7

والقديم يقل أو يزيد، لكنه ظل يعزو غالبًا إلى ترقيمه القديم؛ فليكن القارئ من هذا على ذُكْرٍ حين يعزو الشيخ من كتبه الأخرى إلى هنا، وليتَّبعْ ما يتيسّر له من الوسائل الأَخرى للوصول إلى بغيته إن لم يهتدِ إليه. ٤ - يعزو الشيخ أحيانًا إلى أحاديث في هذا الكتاب لم يَصِلْ بعدُ إلى تخريجها وتحقيقها، فيترك مكان أرقامها فارغًا ( ... )، لإثباتها حين الوصول إليها، فهذه تركناها كما هي مع الإشارة أحيانًا إلى ما يساعد القارئ للاهتداء إلى الأحاديث المقصودة بين معقوفتين []؛ كذكر الباب مثلًا أو ما شابه، انظر مثلًا (ص ٦٢). ٥ - نصوص الأحاديث تركناها كما هي عند الشيخ ﵀؛ إلا ما لا بُدَّ منه -من طبيعة البشر- من سبق قلم أو نحوه. ٦ - الأحاديث التي أشار الشيخ ﵀ إلى نقلها من "الصحيح" إلى "الضعيف" أو العكس، قمنا بنقلها، وأشرنا إلى ذلك في الحاشية، ووضعنا لها رقمًا مكررًا ملحقًا بـ (/ م). مثال الحديث (١١ / م). وأخيرًا؛ نرجو الله ﵎ أن يتقبّل منا عملنا، ويغفر لنا زلاتِنا، ونسأله -سبحانه- أن يجزي خيرًا كل من أسْهَم معنا في إخراج هذا الكتاب القيم إلى حيّز الوجود؛ بجهد أو فكرة أو دلالة ذيلت باسم (الناشر)، ويجزي والدنا الشيخ رحمه الله تعالى عنا وعن المسلمين جميعًا خير الجزاء، ويرحمه رحمة واسعة، إنه سميع مجيب. ٢٦ شوال ١٤٢٢ هـ - الموافق ١/ ١٠ / ٢٠٠٢ م الناشر

стр. 8

المقدمة الحمد لله رب العالين، وصلى الله تعالى على رسولنا ونبينا محمد، وعلى له وصحبه أجمعين، أما بعد: فقد اشتهر بين المشتغلين بعلم السنّة أنّ الأحاديث الواردة في "سنن أبي داود"، وسكت عنها، ولم يتكلم بشيء من الجرح عليها؛ أنها صالحة للاحتجاج بها والاعتماد عليها، والسبب في ذلك هو أبو داود نفسه ﵀، حيث وردت عنه جمل وعبارات يستفاد هذا من ظاهرها، بل بعضها نص في ذلك، وقد اجتمع لدي منها أربع عبارات أنا ذاكرها الآن، ثمّ أتكلم عليها بما ظهر لي من الحق فيها، وأدعم ذلك ببعض النقول عن بعض الأئمة الفحول، وهي هذه: (١) قال أبو داود في رسالته المشهورة (١) إلى أهل مكة: "وليس في كتاب "السنن" الذي صنفته رجل متروك الحديث، وإذا كان فيه حديث منكر بينت أنه منكر، وليس على نحوه في الباب غيره"، ثمّ قال: "وما كان في كتابي من حديث فيه وهن شديد فقد بينته، وما لم أذكر فيه شيئًا فهو صالح، وبعضها أصح من بعض". (٢) وعنه أنه قال:

стр. 9

"كتبت عن رسول الله ﷺ خمسمائة ألف حديث؛ انتخبت منها ما ضمنته هذا الكتاب -يعني: كتاب "السنن"- جمعت فيه أربعة آلاف حديث، ذكرت الصحيح وما يشبهه وما يقاربه" (١). (٣) وروي عنه أنه "يذكر في كل باب أصح ما عرفه فيه" (٢). (٤) ويروى عنه أنه قال: "وما سكتُّ عنه؛ فهو حسن" (٢). فالرواية الأخيرة -إن صحت- صريحة فيما اشتهر من الاحتجاج بما سكت عنه، أما الروايتان قبلها؛ فلا تتعرضان لهذه المسألة ببيان، غير أن الثانية قد تشعر بما أفادته هذه الأخيرة؛ لأنّ ما يشبه الصحيح ويقاربه إنما هو الحسن، وما يتكلم عليه ويُعله ليس منه كما لا يخفى.

стр. 10

وأمّا الرواية الأولى فمفهوم قوله: "وهن شديد"؛ أنه لا يبين ما فيه وهن غير شديد، وحينئذ ينبغي التوفيق بين هذا المفهوم إذا كان مرادًا، وبين صريح قوله: "وما لم أذكر فيه شيئًا فهو صالح": فإما أن يقال: إنّ هذا المفهوم لا اعتداد به؛ لمخالفته لهذا المنطوق! وهذا عندنا -هنا- ضعيف مرجوح، وذلك لإمكان التوفيق بينهما، وهو أن يقال: إن الصالح عند أبي داود يشمل الحديث الضعيف الذي لم يشتد ضعفه، وعليه فلا تعارض بين المنطوق والمفهوم، وهذا هو الذي تطمئن إليه النفس، وينشرح له الصدر بعد طول تفكر وتدبر، وهو الذي جنح إليه الحافظ ابن حجر العسقلاني ﵀ حيث قال (١): "ولفظ (صالح) في كلامه؛ أعم من أن يكون للاحتجاج أو للاعتبار، فما ارتقى إلى الحسن ثم إلى الصحيح؛ فهو بالمعنى الأول (الاحتجاج)، وما عداهما؛ فهو المعنى الثاني (الاعتبار)، وما قصر عن ذلك فهو ما فيه وهن شديد".

стр. 11

وهذا تحقيق بديع من الحافظ ﵀؛ والنقد العلمي الحديثي الصحيح يشهد بوجود هذه الأنواع الأربعة في "السنن"، ومنها أحاديث واهية السند ظاهرة الضعف يسكت عليها أبو داود، حتى إن النووي ﵀ يقول في بعضها (١)؟ "وإنما لم يصرح أبو داود بضعفه لأنه ظاهر". وقال المنذري في مقدمة كتابه "الترغيب والترهيب" (١/ ٨): "وأنبّه على كثير مما حضرني حال الإملاء مما تساهل أبو داود ﵀ في السكوت عن تضعيفه"، ثمّ قال: "وكل حديث عزوته إلى أبي داود وسكتُّ عنه؛ فهو كما ذكر أبو داود، ولا ينزل عن درجة الحسن، وقد يكون على شرط الشيخين أو أحدهما" (٢). وعلى هذا؛ فليس يظهر صوابًا قول الحافظ ابن الصلاح في "المقدمة" -بعد أن ذكر الروايات الثلاث الأُوَلَ- ما نصه: "فعلى هذا؛ ما وجدناه في كتابه مذكورًا مطلقًا وليس في واحد من "الصحيحين" ولا نص على صحته

стр. 12

أحد ممن يميز بين الصحيح والحسن؛ عرفناه بأنه من الحسن عند أبي داود، وقد يكون في ذلك ما ليس بحسن عند غيره؛ ولا مندرج فيما حققنا ضبط الحسن به على ما سبق" (١). وليس لدينا من أقوال أبي داود في هذه المسألة ما يشهد لما ذهب إليه؛ إلا الرواية الأخيرة عنه على جهلنا بصحتها عنه، حتى إن ابن الصلاح -نفسه- أعرض عن ذكرها في كتابه، والظاهر أنه اعتمد على منطوق قوله: "فهو صالح"، ولم يلتفت إلى المفهوم السابق الذكر؛ وهذا منه غير جيد؛ لما أسلفنا، ولما نقله هو -نفسه- عن الحافظ ابن منده أنه قال: "كان أبو داود يخرج الإسناد الضعيف إذا لم يجد في الباب غيره؛ لأنه أقوى عنده من رأي الرجال". ولذلك؛ فقد رد على ابن الصلاح غير ما واحد من العلماء المحققين، فقال ابن كثير الدمشقي في "مختصره" ردًّا عليه:

стр. 13

"قلت: الروايات عن أبي داود بكتابه "السنن" كثيرة جدًّا، ويوجد في بعضها من الكلام -بل والأحاديث- ما ليس في الأخرى، ولأبي عبيد الآجري عنه أسئلة -في الجرح والتعديل، والتصحيح والتعليل- كتاب مفيد، ومن ذلك أحاديث ورجال قد ذكرها في "سننه" فقوله: "وما سكت عليه فهو حسن"؛ مما ينبغي التنبيه عليه والتيقظ له". وقال المناوي في "الفيض" -بعد أن نقل عن أبي داود الرواية الأولى-: "قال الذهبي: قد وفَّى؛ فإنه بيّن الضعيف الظاهر (١) وسكت عن المحتمل، فما سكت عنه لا يكون حسنًا عنده ولا بد -كما زعمه ابن الصلاح وغيره-؛ بل قد يكون فيه ضعف. وهذا قد سبقه إليه ابن منده حيث قال ... (قلت: فذكر ما نقلناه عنه آنفًا ثمّ قال). قال ابن عبد الهادي: هذا رد على من يقول: إن ما سكت عليه أبو داود يحتح به ومحكوم عليه بأنه حسن عنده، والذي يظهر أن ما سكت عنه -وليس في "الصحيحين"- ينقسم إلى صحيح محتج به، وضعيف غير محتج به بمفرده، ومتوسط بينهما، فما في "سننه" ستة أقسام أو ثمانية: صحيح لذاته، صحيح لغيره بلا وهن فيهما، ما به وهن شديد، ما به وهن غير شديد، وهذان قسمان: ما له جابر، وما لا جابر له، وما قبلهما قسمان: ما بين وهنه، وما لم يبين وهنه". قلت: وهذا تقسيم صحيح أيضًا.

стр. 14

فظهر بهذا البيان أنه ليس كل ما سكت عنه أبو داود حسنًا صالحًا للاحتجاج به عنده. وأما أن الأمر كذلك عند غيره؛ فمما لا مناقشة فيه؛ حتى عند القائلين بالقول المرجوح، وفي كلام ابن الصلاح السابق إشارة إلى ذلك، وعلى هذا جرى عمل المحققين من الأئمة، فضعفوا كثيرًا من الأحاديث التي سكت عليها أبو داود في "سننه"؛ كالحافظ المنذري والنووي والزيلعي والعراقي والعسقلاني وغيرهم، كما ستقف على كلماتهم في ذلك إن شاء الله تعالى في الكتاب المستقل بالأحاديث الضعيفة من "السنن" إن شاء الله (*).

стр. 15

١ - كتاب الطهارة ١ - باب التَّخَلِّي عند قضاء الحاجة ١ - عن المغيرة بن شعبة: أنّ النَّبيَّ ﷺ كان إذا ذهب المَذْهبَ أبعد. (قلت: إسناده حسن صحيح، وقد صححه الترمذي والحاكم والذهبي والنووي). إسناده: ثنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب القعنبي: ثنا عبد العزيز -يعني: ابن محمد- عن محمد -يعني: ابن عمرو- عن أبي سلمة عنه. وهذا إسناد حسن عندي: عبد الله بن مسلمة القعنبي ثقة عابد؛ احتج به الشيخان. وعبد العزيز بن محمد: هو الدراوردي؛ ثقة يخطئ واحتج به مسلم، وروى له البخاري مقرونًا. ومحمد بن عمرو: هو ابن علقمة الليثي؛ وهو صدوق له أوهام، روى له البخاري مقرونًا، ومسلم متابعة. وأبو سلمة: هو ابن عبد الرحمن بن عوف الزهري؛ ثقة حجة عند الشيخين وغيرهما، ولم يسمع من أبيه. والحديث أخرجه النسائي أيضًا، والترمذي والدارمي وابن ماجة وابن خزيمة في "صحيحه" (١/ ١٠ / ١)، والحاكم، وعنه البيهقي في "سننه الكبرى" (١/ ٩٣)

стр. 16

من طرق عن محمد بن عمرو به. وقال الترمذي: "حديث حسن صحيح". والحاكم: "صحيح على شرط مسلم"؛ ووافقه الذهبي! وهو من أوهامهما؛ لا علمت من أن مسلمًا إنما أخرج لمحمد بن عمرو متابعة. لكن الحديث صحيح، فقد ورد من طريق أخرى عند الدارمي، وأحمد (٤/ ٢٤٤) عن محمد بن سيرين عن عمرو بن وهب الثقفي عن المغيرة ... به نحوه. وهذا إسناد صحيح: محمد بن سيرين؛ أشهر من أن يذكر. وعمرو بن وهب؛ وثقه النسائي وابن حبان والعجلي وابن سعد. ولهذا قلت فيه: "إسناده حسن صحيح"؛ فهو حسن باعتبار الطريق الأولى، وصحيح بالنظر إلى الطريق الأخرى. ٢ - عن جابر بن عبد الله: أنّ النبي ﷺ كان إذا أراد البَرَاز انطلق حتى لا يراه أحد. (قلت: حديث صحيح). إسناده: أخرجه من طريق إسماعيل بن عبد الملك عن أبي الزبير عنه. وهذا إسناد ضعيف: إسماعيل بن عبد الملك صدوق كثير الوهم، وهو ابن أبي الصُّفَيْراء -بالفاء-. وأبو الزبير مدلس، وقد عنعنه.

стр. 17

ومن هذا الوجه: أخرجه ابن ماجة أيضًا، والحاكم والبيهقي، وله عنده تتمة. لكن الحديث صحيح لشواهده الكثيرة؛ منها الذي قبله. ومنها: عن عبد الرحمن بن أبي قُرَاد: عند النسائي وغيره بسند صحيح. والحديث قال في "المجموع" (٢/ ٧٧): "فيه ضعف يسير، وسكت عليه أبو داود؛ فهو حسن عنده". ٢ - باب الرجل يتبوأ لبوله [ليس تحته حديث على شرط كتابنا هذا. (انظر "للضعيف")] ٣ - باب ما يقول الرجل إذا دخل الخلاء ٣ - عن أنس بن مالك قال: كان رسول الله ﷺ إذا دخل الخلاء قال: "اللهم! إني أعوذ بك (وفي رواية: أعوذ بالله) من الخُبُثِ والخبائث". قال أبو داود: "وقال وُهَيْب (١): فليتعوذ بالله".

стр. 18

(قلت: إسناده صحيح على شرط البخاري، وقد أخرجاه دون رواية وهيب، فهي شاذة كالتي قبلها). إسناده: ثنا مسدد بن مسرهد: ثنا حماد بن زيد وعبد الوارث عن عبد العزيز ابن صهيب عنه. قال حماد: "اللهم! إني أعوذ بك".

стр. 19

وقال عبد الوارث: "أعوذ بالله". قال أبو داود: "رواه شعبة عن عبد العزيز: "اللهم! إني أعوذ بك". وقال مرة: "أعوذ بالله"". وهذا إسناد صحيح على شرط البخاري، وقد أخرجاه في "الصحيحين" من طرق عن عبد العزيز. وأخرجه مسلم، وأبو عوانة في "صحيحه" (١/ ٢١٦)، والترمذي، والدارمي من طرق عن حماد بن زيد بلفظه. وتابعه عليه هشيم عن عبد العزيز: أخرجه مسلم، وأحمد (٣/ ٩٩)، وابن أبي شيبة (١/ ١). وسعيد بن زيد: عند البخاري في "الأدب المفرد" (ص ١٠٠)، وإسناده صحيح على شرط مسلم. وحماد بن سلمة: عند ابن السني في "اليوم والليلة" (رقم ١٦)، وهو صحيح أيضًا. وشعبة في إحدى الروايتين عنه؛ أخرجه البخاري في "الدعوات"، وأبو عوانة وابن السني. وأما رواية عبد الوارث (١)؛ فتابعه عليها إسماعيل ابن عُلَيَّة: عند مسلم وابن ماجة، وأحمد (٣/ ١٠١)، ورواه النسائي لكن بلفظ حماد بن زيد. وأما رواية شعبة باللفظين؛ فأخرجه الترمذي (١/ ١٠)، وأخرجه أحمد (٣/ ٢٨٢) باللفظ الآخر، والبخاري وغيره باللفظ الأول كما سبق.

стр. 20

وهو الصواب إن شاء الله تعالى؛ لاتفاق أكثر الرواة عليها كما رأيت، ولأن شعبة قد وافقه في إحدى الروايتين عنه، وهي التي اعتمد عليها البخاري؛ فلم يرو الأخرى؛ فالأخذ بها أولى وأحرى. وأيضًا فقد قال الإمام أحمد: "حماد بن زيد أثبت من عبد الوارث وابن علية والثقفي وابن عيينة". ٤ - عن زيد بن أرقم عن رسول الله ﷺ قال: "إن هذه الحُشُوشَ مُحْتَضَرَةٌ، فإذا أتى أحدُكم الخلاءَ فليقلْ: أعوذ بالله من الخُبُثِ والخبائث". (قلت: إسناده صحيح على شرط البخاري. وكذلك قال الحاكم ووافقه الذهبي). إسناده: ثنا عمرو بن مرزوق: نا شعبة عن قتادة عن النضر بن أنس عن زيد ابن أرقم. وهذا إسناد صحيح على شرط البخاري، فقد أخرج لعمرو بن مرزوق في "صحيحه" وبقية الرجال ثقات مشهورون من رجال الشيخين. وقد أخرجه الطيالسي في "مسنده" (رقم ٦٧٩): ثنا شعبة عن قتادة سمع النضر بن أنس به. وهذا صحيح على شرطهما، وفيه فائدة؛ وهي تصريح قتادة بسماعه من النضر. ومن هذا الوجه: رواه ابن ماجة والبيهقي، وأحمد (٤/ ٣٦٩ و ٣٧٣). ولقتادة فيه شيخ آخر، رواه سعيد بن أبي عروبة عنه عن القاسم بن عوف

стр. 21

الشيباني عن زيد بن أرقم به: أخرجه ابن ماجة والبيهقي، وأحمد (٤/ ٣٧٣)، وابن أبي شيبة (١/ ١). وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم. وأخرجه الحاكم (١/ ١٨٧) من الوجهين، ثمّ قال: "كلا الإسنادين من شرط "الصحيح" ... " ووافقه الذهبي. والحديث أشار إليه الترمذي في "سننه" (١/ ١١) وأعله بقوله: "في إسناده اضطراب: روى هشام الدستوائي وسعيد بن أبي عروبة عن قتادة. فقال سعيد: عن القاسم بن عوف الشيباني عن زيد بن أرقم. وقال هشام: عن قتادة عن زيد بن أرقم. ورواه شعبة ومعمر عن قتادة عن النضر بن أنس. فقال شعبة: عن زيد بن أرقم. وقال معمر: عن النضر بن أنس عن أبيه عن النّبيّ ﷺ ". قال الترمذي: "سألت محمدًا -يعني: البخاري- عن هذا؟ فقال: يحتمل أن يكون قتادة روى عنهما جميعًا". قلت: وهذا الذي أجاب به البخاري ﵀ احتمالًا: هو الذي نجزم به ونطمئن إليه؛ وذلك أن قتادة ثقة حافظ ثبت، فليس بكثير عليه أن يكون له في حديث واحد إسنادان فأكثر؛ كما يقع ذلك كثيرًا لأمثاله من الحفاظ، كالزهري وغيره، كما يشهد بذلك من له ممارسة واضطلاع بهذا الشأن. ولذلك فإننا لا نرى إعلال الترمذي بما ذكر صوابًا! على أننا نقول: إن مجرد الاختلاف في إسناد حديث لا يستلزم إعلاله أو الحكم عليه بالاضطراب؛ ذلك لأن شرط المضطرب من الحديث أن تستوي

стр. 22

الروايات، بحيث لا يمكن ترجيح بعضها على بعض بشيء من وجوه الترجيح؛ كحفظ راويها أو ضبطه أو كثرة صحبته، أو غير ذلك من الوجوه! فأما إذا ترجح لدينا إحدى الروايات على غيرها؛ فالحكم حينئذ لها، والحديث صحيح، ولا يطلق عليه وصف المضطرب، أو على الأقل: ليس له حكمه، كما أفاده ابن الصلاح في "المقدمة". وإذا كان لا بد من الترجيح بين الروايات السابقة؛ فرواية من قال: عن قتادة عن القاسم بن عوف عن زيد بن أرقم؛ هي أرجح لدينا؛ وذلك لأن سعيد بن أبي عروبة وهشامًا الدستوائي أثبت الناس في الرواية عن قتادة، كما قال ابن أبي خيثمة وغيره. ثمّ إن رواية سعيد مقدمة على رواية هشام؛ لما فيها من الزيادة في الإسناد، وهي من ثقة، فيجب قبولها. على أن أبا داود الطيالسي قال في سعيد: "كان أحفظ أصحاب قتادة". وقد صرح الإمام البيهقي في رواية معمر -التي ذكرها الترمذي- أنها وهم؛ كما في "سننه". وقتادة بصري وفيما حدث معمر -وهو ابن راشد- بالبصرة شيء من الضعف، كما ذكر الحافظ في "التقريب"، فروايته لا تقاوم رواية أوثق الناس في قتادة عند الاختلاف، فلم يبق ما يقوم للمعارضة إلا رواية شعبه، وهو ثقة حافظ متقن؛ ولذلك فالرأي عندي ثبوت روايته مع رواية سعيد؛ كما جريت عليه في صدر الكلام. لكني؛ أقول: إن كان لا بد من الترجيح؛ فرواية سعيد مقدمة عليه؛ ومعه متابع له في الجملة كما سبق بيانه؛ والله تعالى أعلم. ثمّ إن الحديث رواه بعض الضعفاء عن قتادة على وجه آخر بلفظ: "هذه الحشوش محتضرة، فإذا دخل أحدكم الخلاء فليقل: بسم الله".

стр. 23

أخرجه ابن السني (رقم ١٩) من طريق قَطَن بن نُسَيْر: ثنا عدي بن أبي عمارة الدارع قال: سمعت قتادة عن أنس مرفوعًا به. قال في "الميزان" -في ترجمة عدي هذا-: "قال العقيلي: في حديثه اضطراب، وعنه قطن بن نسير". زاد الحافظ في "اللسان": "وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال: روى عنه القاسم بن عيسى الطائي والبصريون. قلت: ومن أغلاطه أنه روى عن قتادة عن أنس في القول عند دخول الخلاء. وإنما رواه قتادة عن النضر بن أنس عن زيد بن أرقم. وقيل: عن النضر بن أنس عن أبيه. والأول أصح". (تنبيه): قال الحافظ في "التلخيص" (١/ ٤٦١) -أن الحديث-: "أخرجه أبو داود والنسائي وغيرهما"! وذكر في مكان آخر منه (٥٣٠) أنه في "السنن الأربعة"! وسكت عليه. وفي هذا الإطلاق تساهل أو ذهول، وذلك أن الحديث ليس عند النسائي في "سننه الصغرى" المعروف بـ "المجتبى"، وإنما هو في "سننه الكبرى"؛ كما قيّده صاحب "عون المعبود"، كما أنه ليس عند الترمذي ثاني الأربعة، وإنما أشار إليه إشارة كما سبق أن ذكرنا. والله تعالى هو الموفق. ٤ - باب كراهية استقبال القبلة عند الحاجة ٥ - عن سلمان قال: قيل له: لقد علمكم نبيكم كل شيء حتى الخِرَاءَةَ؟ قال: أجل؛ لقد نهانا ﷺ أن نستقبل القبلة بغائط أو بول، وأن لا نستنجي

стр. 24

باليمين، وأن لا يستنجي أحدُنا بأقلِّ من ثلاثة أحجار، أو نستنجي برجيع أو عظم (*). (قلت: إسناده صحيح على شرط البخاري. وقد أخرجه مسلم، وأبو عوانة في "صحيحيهما"، وصححه الترمذي والدارقطني). إسناده: ثنا مسدد بن مسرهد: ثنا أبو معاوية عن الأعمش عن إبراهيم عن عبد الرحمن بن يزيد عن سلمان. وهذا إسناد صحيح على شرط البخاري؛ فقد احتج بمسدد بن مسرهد، وبقية رواته متفق عليهم. والحديث أخرجه مسلم والنسائي والترمذي والدارقطني والبيهقي، وأحمد (٥/ ٤٣٩) كلهم عن أبي معاوية به. وأخرجه مسلم والنسائي والدارقطني، وكذا أبو عوانة في "صحيحه"، وابن ماجة، وأحمد (٥/ ٤٣٧ - ٤٣٨) من طرق أخرى عن الأعمش ومنصور عن إبراهيم به. وقال الترمذي: "حديث حسن صحيح". والدارقطني: "إسناد صحيح". ٦ - عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إنما أنا لكم بمنزلة الوالد أعلمكم، فإذا أتى أحدُكم الغائطَ؛ فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها، ولا يستطب بيمينه".

стр. 25

وكان يأمر بثلاثة أحجار، وينهى عن الرَّوْث والرِّمَّة. (قلت: إسناده حسن. وقد أخرجه أبو عوانة وابن خزيمة وابن حبان في "صحاحهم". وروى مسلم بعضه). إسناده: ثنا عبد الله بن محمد النُّفَيْليُّ: ثنا ابن المبارك عن محمد بن عجلان عن القَعْقَاع بن حكيم عن أبي صالح عن أبي هريرة. وهذا إسناد حسن، رجاله رجال "الصحيح"؛ غير أن ابن عجلان إنما أخرج له مسلم متابعة. والحديث أخرجه أبو عوانة أيضًا في "صحيحه" (١/ ٢٠٠)، والنسائي والدارمي وابن ماجة والبيهقي، وأحمد (٢/ ٢٤٧ - ٢٥٠) من طرق عن ابن عجلان به. ورواه ابن خزيمة وابن حجان (١٢٨ - ١٣٠) في "صحيحيهما" كما في "التلخيص" (١/ ٤٥٦). وروى بعضه مسلم (١/ ١٥٥) من طريق سهيل عن القعقاع به بلفظ: "إذا جلس أحدكم على حاجته؛ فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها". والحديث صححه النووي (٢/ ٩٥ و ١٠٩). ٧ - عن أبي أيوب -روايةً-[قلت: يعني: عن النّبيّ ﷺ ] قال: "إذا أتيتم الغائط؛ فلا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول، ولكن شرقوا أو غربوا".

стр. 26

فَقَدِمْنا الشام؛ فوجدنا مراحيض قد بنيت قِبَل القبلة؛ فكنا ننحرف عنها ونستغفر الله. (قلت: إسناده على شرط البخاري. وقد أخرجه هو ومسلم وأبو عوانة في "صحاحهم"). إسناده: ثنا مسدد بن مُسَرْهَد: ثنا سفيان عن الزُّهْري عن عطاء بن يزيد الليثي عن أبي أيوب. وهذا إسناد على شرط البخاري. وقد أخرجه في "صحيحه" (١/ ٣٩٦): ثنا علي بن عبد الله قال: ثنا سفيان به. وكذلك أخرجه مسلم، وأبو عوانة في "صحيحه" (١/ ١٩٩)، والنسائي والترمذي والدارمي والبيهقي، وأحمد (٥/ ٤٢١) من طرق عن سفيان بن عيينة به. وقال الترمذي -أنّه-: "أحسن شيء في هذا الباب". ثمّ أخرجه البخاري والنسائي وابن ماجة، وأحمد (٥/ ٤١٦ و ٤١٧ و ٤٢١) من طرق أخرى عن الزهري به. وللحديث إسنادان آخران عن أبي أيوب: أخرج أحدهما مالك (١/ ١٩٩)، ومن طريقه النسائي، وأحمد عنه (٥/ ٤١٤) عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن رافع بن إسحاق -مولى لآل الشفاء- عنه.

стр. 27

وهذا إسناد صحيح. وقد تابعه همام: أنا إسحاق ابن أخي أنس عن رافع بن إسحاق به: أخرجه أحمد (٥/ ٤١٥)؛ وهو صحيح أيضًا. والآخر: أخرجه الدارقطني في "سننه" (٢٣) من طريق ورقاء عن سعد بن سعيد عن عمر بن ثابت عن أبي أيوب مرفوعًا. وهذا إسناد حسن صحيح. وللنهي عن الاستقبال شاهد من حديث عبد الله بن الحارث: أخرجه ابن ماجة (٣١٧) بسند صحيح، وابن حبان (١٣٣) بسند آخر صحيح أيضًا. ٨ - عن مروان الأصفر قال: رأيت ابن عمر أناخ راحلته مستقبل القبلة، ثمّ جلس يبول إليها، فقلت: أبا عبد الرحمن! أليس قد نُهي عن هذا؟ ! قال: بلى؛ إنما نهي عن ذلك في الفضاء، فإذا كان بينك وبين القبلة شيء يسترك؛ فلا بأس. (قلت: إسناده حسن، ورجاله رجال "الصحيح". وقد حسنه الحازمي، والحافظ في "الفتح"، وصححه الدارقطني والحاكم والذهبي). إسناده: ثنا محمد بن يحيى بن قارس: ثنا صفوان بن عيسى عن الحسن بن ذَكوان عن مروان الأصفر.

стр. 28

وهذا إسناد حسن: محمد بن يحيى بن فارس: هو ابن يحيى بن عبد الله بن فارس الذهلي، ثقة حافظ، أحد الأعلام، روى له البخاري. وصفوان بن عيسى ثقة من رجال مسلم. والحسن بن ذكوان ثقة من رجال البخاري، لكن فيه كلام، ولذلك أورده الذهبي في "الميزان"؛ وحكى أقوال الأئمة فيه، واعتمد هو على أنه صالح الحديث. وقال الحافظ في "التقريب": "صدوق يخطئ". قلت: فمثله حسن الحديث إن شاء الله تعالى؛ ما لم يظهر خطأه. وأما مروان الأصفر؛ فثقة من رجال الشيخين. والحديث أخرجه الدارقطني أيضًا (٢٢)، والحاكم (١/ ١٥٤)، والبيهقي (١/ ٩٢) -من طريقه، ومن طريق أبي داود-؛ كلهم عن صفوان به. وقال الدارقطني: "هذا صحيح، كلهم ثقات". وقال الحاكم: "صحيح على شرط البخاري؛ فقد احتج بالحسن بن ذكوان"! ووافقه الذهبي! وفيه نظر من وجهين، يعرفان مما سبق من الكلام على الحديث. والحديث سكت عليه المنذري. وقال الحافظ في "الفتح" (١/ ١٩٩): "سنده لا بأس به". ونقل الشوكاني عن "الفتح" أيضًا أنه قال: "إسناده حسن". وسكت عليه في "التلخيص". وأخرجه الحازمي في "الاعتبار" (ص ٢٦) وقال:

стр. 29

"حديث حسن". ٥ - باب الرخصة في ذلك ٩ - عن عبد الله بن عمر قال: لقد ارتقيت على ظهر البيت، فرأيت رسول الله ﷺ على لَبِنَتَيْنِ مستقبلَ بيت المقدس لحاجته. (قلت: إسناده صحيح على شرطهما. وقد أخرجاه، وكذا أبو عوانة في "صحاحهم"، وصححه الترمذي). إسناده: ثنا عبد الله بن مَسْلَمَة عن مالك عن يحيى بن سعيد عن محمد بن يحيى بن حَبّان عن عمه واسع بن حَبَّان عن عبد الله بن عمر. وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين. والحديث في "موطأ مالك" (١/ ٢٠٠). وأخرجه البخاري (١/ ١٩٨)، والنسائي، والبيهقي عنه. ورواه مسلم وكذا البخاري وأبو عوانة والدارمي وابن ماجة، وأحمد (٢/ ١٣، ٤١) من طرق أخرى عن يحيى بن سعيد به. وتابعه عبيد الله بن عمر عن محمد بن يحيى بن حبان عند الشيخين، وأبي عوانة والترمذي، وأحمد (٢/ ١٢). وقال الترمذي: "حديث حسن صحيح". وللحديث إسنادان آخران عن ابن عمر:

стр. 30

الأول: من طريق فُلَيْحٍ عن عبد الله بن عكرمة عن أبي المغيرة رافع بن حنين عنه. أخرجه أحمد (٢/ ٩٦ و ٩٩ و ١١٤). وهذا إسناد لا بأس به في المتابعات: رافع بن حنين؛ وثقه ابن حبان. وقال الدارقطني: "ولا أعلمه أسند إلا حديثًا واحدًا، ولم يروه غير فليح بن سليمان عن عبد الله ابن عكرمة عنه". قلت: وعبد الله بن عكرمة؛ ذكره ابن حبان في "الثقات" أيضًا، وروى عنه -غيرَ فليح- أسامة بن زيد. وفليح بن سليمان؛ روى له الشيخان، وفيه كلام. والآخر: من طريق أيوب بن عتبة عن يحيى بن أبي كثير عن نافع عنه. وهذا كالذي قبله: أيوب بن عتبة ضعيف لسوء حفظه؛ فإذْ قد روى ما وافق فيه الثقات؛ فقد حفظ. وبقية رجاله رجال الشيخين. ١٠ - عن جابر بن عبد الله قال: نهى نبي الله ﷺ أن نستقبل القبلة بول، فرأيته قبل أن يُقبض بعام يستقبلها. (قلت: إسناده حسن، وحسنه الترمذي والبزار وكذ االنووي، وصححه البخاري وابن السكن والحاكم ووافقه الذهبي. ورواه ابن خزيمة وابن حبان في "صحيحيهما").

стр. 31

إسناده: ثنا محمد بن يشار: ثنا وَهْبُ بن جرير: ثنا أبي قال: سمعت محمد ابن إسحاق يحدث عن أبان بن صالح عن مجاهد عن جابر. وهذا إسناد حسن؛ رجاله كلهم ثقات، وفي محمد بن إسحاق -صاحب "المغازي"- كلام لا يضر؛ ولا ينزل حديثه عن درجة الحسن. والحديث أخرجه الترمذي أيضًا، وابن ماجة والحاكم والبيهقي، وأحمد (١/ ٣ / ٣٦٠) من طرق عن محمد بن إسحاق به. وفي رواية أحمد تصريح ابن إسحاق بالتحديث، وكذا في رواية الحاكم، وقال: "صحيح على شرط مسلم"! ووافقه الذهبي! وهو من تساهلهما كما سبق. وقال الترمذي: "حديث حسن". ونقل عنه ابن القيم في "تهذيب السنن" (١/ ٢٢) أنه قال: "سألت محمدًا عنه؟ فقال: حديث صحيح". وكذا نقله الحافظ في "التلخيص" (١/ ٤٦٠). قلت: ورواه الدارقطني أيضًا (٢٢) من هذا الوجه، وقال: "رجاله كلهم ثقات". ورواه أيضًا البزار -وحسنه-، وابن الجارود وابن خزيمة وابن حبان، وصححه أيضًا ابن السكن. قال الحافظ: "وتوقف فيه النووي؛ لعنعنة ابن إسحاق، وقد صرح بالتحديث في رواية

стр. 32

أحمد وغيره. وضعفه ابن عبد البر بأبان بن صالح! ووهم في ذلك؛ فإنه ثقة باتفاق، وادعى ابن حزم أنه مجهول؛ فغلط". (تنبيه): ذكر ابن القيم -وتبعه الحافظ- أن الحديث لا حجة فيه؛ لأنه حكاية فعل لا عموم لها، ولا يعلم هل كان في فضاء أو بنيان؟ وهل كان لعذر من ضيق مكان ونحوه أو اختيارًا؟ فلا يجوز أن يقدم على النصوص الصحيحة الصريحة في المنع. ٦ - باب كيف التكشُّف عند الحاجة ؟ ١١ - عن ابن عمر: أنّ النّبيّ ﷺ كان إذا أراد حاجة؛ لا يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض. (قلت: حديث صحيح؛ رواه البيهقي بإسناد صحيح عنه، وصححه السيوطي). إسناده: ثنا زهير بن حرب: ثنا وكيع عن الأعمش عن رجل عن ابن عمر. قال أبو داود: "رواه عبد السلام بن حرب عن الأعمش عن أنس بن مالك؛ وهو ضعيف". قلت: وهذا؛ قد وصله الترمذي (١/ ٢١)، والدارمي (١/ ١٧١)، وللبيهقي (١/ ٩٦) من طرق عن عبد السلام به. وإنما ضعفه أبو داود من الوجهين؛ لأن في الأول: الرجلَ الذي لم يسم، وفي الثاني انقطاعًا؛ فقال الترمذي:

стр. 33

"وكلا الحديثين مرسل، ويقال: لم يسمع الأعمش من أنس ولا من أحد من أصحاب النّبي ﷺ ، وقد نظر إلى أنس بن مالك قال: رأيته يصلي ... فذكر عنه حكاية في الصلاة". قال المنذري: "وذكر أبو نعيم الأصبهاني أن الأعمش رأى أنس بن مالك، وابن أبي أوفى وسمع منهما، والذي قاله الترمذي هو المشهور". قلت: لكن الحديث صحيح إن شاء الله تعالى؛ فقد أخرجه البيهقي من طريق أحمد بن محمد بن أبي رجاء المِصيصِي -شيخ جليل-: ثنا وكيع: ثنا الأعمش عن القاسم بن محمد عن ابن عمر مرفوعًا بلفظ: كان إذا أراد الحاجة تنحى، ولا يرفع ثيابه ... إلخ. وهذا إسناد صحيح: القاسم بن محمد: هو ابن أبي بكر الصديق؛ وهو ثقة حجة لا يسأل عن مثله. والمصيصي هذا: هو ابن عبيد الله بن أبي رجاء؛ وهو ثقة، كما قال النسائي. وقال مرة: "لا بأس به". وذكره ابن حبان في "الثقات". وقد أشار السيوطي في "الجامع" لصحته، كما قال المناوي. (تنبيه): قال في "عون المعبود": "يوجد في بعض النسخ -بعد قول المؤلف: "وهو ضعيف"- هذه العبارة: "قال أبو عيسى الرملي: حدثناه أحمد بن الوليد: ثنا عمرو بن عون: أخبرنا عبد السلام ... به". قلت: أبو عيسى: هو إسحاق -ورّاق أبي داود-، وهذه إشارة من الرملي إلى

стр. 34

أنّ الحديث اتصل إليه من غير طريق شيخه أبي داود، فهذه العبارة من رواية أبي عيسى الرملي لا من رواية اللؤلؤي عن أبي داود، فلعل بعض النساخ لرواية اللؤلؤي اطلع على رواية الرملي فأدرجها في نسخة اللؤلؤي، ومراده بذلك أنه لما كانت رواية عبد السلام غير موصولة؛ أشار بوصلها برواية أبي عيسى الرملي". قلت: وهذه العبارة وردت في النسخة التازية في صلب الكتاب؛ كأنها من كلام أبي داود! ٧ - باب كراهية الكلام عند الخلاء ١١ / م (*) - عن عكرمة بن عمار عن يحيى بن أبي كثير عن هلال بن عِيَاض قال: ثني أبو سعيد قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يخرجِ الرجلان يضربان الغائط، كاشفين عن عورتهما يتحدثان؛ فإن الله يَمْقُتُ على ذلك". قال أبو داود: "لم يسنده إلا عكرمة بن عمار". (قلت: يشير بذلك إلى ضعف الحديث؛ فقد قال الآجُرِّيُّ عن أبي داود: "عكرمة بن عمار ثقة، وفي حديثه عن يحيى بن أبي كثير اضطراب" (١). وأعلَّه المنذري وابن التركماني بجهالة هلال بن عياض هذا).

стр. 35

إسناده: حدثنا عبيد الله بن عمر بن ميسرة: حدثنا ابن مهدي: حدثنا عكرمة بن عمار. والحديث أخرجه ابن ماجة أيضًا (١/ ١٤٢)، والحاكم (١/ ١٥٧ - ١٥٨)، والبيهقي (١/ ٩٩ - ١٠٠) من طرق عن عكرمة، فقال بعضهم: هلال بن عياض -كما في رواية أبي داود-، وقال بعضهم: عياض بن هلال -على القلب-، وبعضهم قال: عياض بن عبد الله. وهذا اضطراب شديد؛ مما يوهن الحديث؛ وإن كان البيهقي روى عن ابن خزيمة أن الصحيح من ذلك قول من قال: عياض بن هلال. قال ابن خزيمة: "وأحسب الوهم فيه عن عكرمة بن عمار حين قال: عن هلال بن عياض"! فقد تعقبه ابن التركماني في "الجوهر النقي" بقوله:

стр. 36

"قلت: كيف يتعين أن يكون الوهم فيه عن عكرمة؛ وهو مذكور في هذا السند الذي هو فيه على الصحيح، بل يحتمل أن يكون الوهم من غيره. وقد ذكر صاحب "الإمام" أن أبان بن يزيد رواه أيضًا عن يحيى بن أبي كثير فقال: هلال ابن عياض؛ فتابع أبان عكرمة على ذلك، وابن القطان أحال الاضطراب في اسمه على يحيى بن أبي كثير. ثم ذكر البيهقي عن أبي داود أنه قال: لم يسنده إلا عكرمة. قلت: تقدم قريبًا أن أبان تابعه". قال: "وبقي فيه علل لم يذكرها؛ منها: أنه سكت عن عكرمة هنا، وتكلم فيه كثيرًا في (باب مس الفرج بظهر الكف)، وفي (باب الكسر بالماء). ومنها: أن راوي الحديث عن الخدري لا يعرف، ولا يحصل من أمره شيء. ومنها: الاضطراب في متن الحديث، كما هو مبين في كتاب ابن القطان. وأخرجه النسائي من حديث عكرمة عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة". قلت: ومن حديث أبي هريرة: رواه الطبراني في "الأوسط". وزعم الهيثمي في "المجمع" (١/ ٢٠٧): أن "رجاله موثقون"! وصرَّح المنذري في "الترغيب" (١/ ٨٥): بأن "إسناده لين". فأصاب؛ لأنه -كما ترى- مداره على عكرمة عن ابن أبي كثير؛ وهو ضعيف عنه، كما سبق. وقد خالفه الأوزاعي -وهو الثقة الحجة-؛ فرواه عن يحيى بن أبي كثير عن رسول الله ﷺ ... مرسلًا معضلًا.

стр. 37

أخرجه البيهقي (١/ ١٠٠) (١). وبالجملة؛ فالحديث ضعيف لا يصح؛ لاضطرابه وجهالة راويه موصولًا، وانقطاعه وتجرده عن شاهد يقويه. (تنبيه): قال في "عون المعبود": "وفي بعض النسخ -بعد قوله: "إلا عكرمة"- هذه العبارة: "ثنا أبان: ثنا يحيى ... بهذا؛ يعني: حديث عكرمة بن عمار" انتهى. قلت: ليست هذه العبارة للمؤلف أصلًا؛ لأن أبا داود ذكر أنه لم يسنده إلا عكرمة، فلم يقف عليه أبو داود مسندًا من غير رواية عكرمة، فأراد ملحق هذه العبارة الاستدراك على أبي داود؛ بأنه قد أسنده عن يحيى بن أبي كثير: أبان بن يزيد العطار. ولكن لم أقف على نسبة هذه العبارة لأحد من الأئمة"! قلت: قد سبق نسبتها إلى صاحب "الإمام"؛ وهو ابن دقيق العيد ﵀. وقد جاءت هذه العبارة في النسخة المطبوعة في المطبعة التازية بمصر. ومما يدل على أنها ليست من أبي داود: أن أبان بن يزيد ليس من شيوخه؛ بل إنما يروي عنه أبو داود بالواسطة. (تنبيه ثانٍ): ينبغي أن لا تغترَّ بتصحيح الحاكم للحديث؛ لما عُرف من تساهله؛ لا سيما بعد بيان ما فيه من العلل! ولا بموافقة الذهبي له، بعد أن نقلنا لك عنه أن بعض رواته لا يعرف! وكثيرًا ما ترى الذهبي يوافق الحاكم في تصحيحه؛ خطأ منهما، وفيها كثير مما يصرّح الذهبي نفسه في "الميزان" وغيره بضعفه! ولو أردنا أن نتتبع ذلك عليه؛ لجاء

стр. 38

في كتاب مستقل، وسيأتيك بعض -أو كثير- من ذلك في هذا الكتاب؛ إن شاء الله تعالى (*). ٨ - باب أيَرُدُّ السلامَ وهو يبول ؟ ١٢ - عن ابن عمر قال: مرَّ رجل على النبي ﷺ وهو يبول؛ فسلّم عليه؛ فلم يردَّ عليه. (قلت: إسناده حسن. وأخرجه مسلم، وأبو عوانة في "صحيحيهما"، وصححه الترمذي). قال أبو داود: "وروي عن ابن عمر وغيره: أنّ النّبيّ ﷺ تيمم ثمّ رد على الرجل السلام". (قلت: سيأتي في (باب التيمم في الحضر) (رقم ٣٥٦ و ٣٥٧)). إسناده: أخرجه من طريقين عن عمر بن سعد عن سفيان عن الضحاك بن عثمان عن نافع عن ابن عمر. وهذا إسناد حسن؛ وهو على شرط مسلم؛ لكن في الضحاك بن عثمان كلام

стр. 39

من قبل حفظه، لا ينزل حديثه عن رتبة الحسن. وقد أخرجه مسلم، وأبو عوانة في "صحيحيهما"، والنسائي، والترمذي -وصححه- وابن ماجة من طرق عن سفيان به. ١٣ - عن المهاجر بن قُنْفُذٍ: أنه أتى النّبيّ ﷺ وهو يبول، فسلّم عليه، فلم يردَّ عليه حتى توضأ، ثم اعتذر إليه، فقال: "إني كرهت أن أذكر الله إلا على طُهْرٍ -أو قال: على طهارة-". (قلت: إسناده صحيح على شرط مسلم، وصححه ابن حبان (٨٠٠)، والحاكم والذهبي والنووي). إسناده: ثنا محمد بن الثنى: ثنا عبد الأعلى: ثنا سعيد عن قتادة عن الحسن عن حُضَين بن المنذر أبي ساسان عن المهاجر بن قنفذ. وهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم رجال الشيخين؛ غير الحضين هذا؛ فمن أفراد مسلم؛ فهو على شرطه. وقد أخرجه النسائي أيضًا، والدارمي (٢/ ٢٧٨)، وابن ماجة والحاكم، وعنه البيهقي، وأحمد (٥/ ٨٠) من طرق عن قتادة به. وليس عند النسائي والدارمي قوله: "إني كرهت ... " إلخ. وقال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين"! ووافقه الذهبي! وفيه نظر من وجهين: الأول: ما علمت من حال أبي ساسان: أن البخاري لم يخرج له.

стр. 40

والآخر: أن الذهبي قال في "الميزان"؟ "كان الحسن البصري كثير التدليس؛ فإذا قال في حديث: عن فلان ضعف احتجاجه؛ ولا سيما عمن قيل: إنه لم يسمع منهم كأبي هريرة ونحوه، فعدوا ما كان له عن أبي هريرة في جملة المنقطع". لكن الظاهر من سياق كلامه أنه يريد حديثه عن الصحابة دون غيرهم من التابعين؛ فقد أكثر الحافظ من النقول عن العلماء في أن الحسن يروي عمن لم يلقه من الصحابة، فلم يذكر ولا نقلًا واحدًا أنه روى عمن لم يلقه من التابعين، ويشهد لهذا إطباق العلماء تقريبًا على الاحتجاج بحديث الحسن عن غيره من التابعين، بحيث إنني لا أذكر أنه مرَّ عليَّ حديث واحد من هذا القبيل -لم يصرح فيه الحسن بالسماع- فأعلوه بذلك. هذا ما ظهر لي في هذا المقام؛ والله أعلم (١). على أنَّ للحديث شاهدًا من حديث ابن عمر، رواه المصنف في (التيمم في الحضر) بإسناد حسن؛ لكن فيه جملة مستنكرة؛ أوردناه من أجلها في للكتاب الآخر رقم (٥٨). والحديث صححه النووي (٢/ ٨٨). ٩ - باب في الرجل يذكر الله على غير طُهْرٍ ١٤ - عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يذكر الله على كل أحيانه.
следующие страницы →