"قلت: كيف يتعين أن يكون الوهم فيه عن عكرمة؛ وهو مذكور في هذا السند الذي هو فيه على الصحيح، بل يحتمل أن يكون الوهم من غيره. وقد ذكر صاحب "الإمام" أن أبان بن يزيد رواه أيضًا عن يحيى بن أبي كثير فقال: هلال ابن عياض؛ فتابع أبان عكرمة على ذلك، وابن القطان أحال الاضطراب في اسمه على يحيى بن أبي كثير. ثم ذكر البيهقي عن أبي داود أنه قال: لم يسنده إلا عكرمة. قلت: تقدم قريبًا أن أبان تابعه". قال:
"وبقي فيه علل لم يذكرها؛ منها: أنه سكت عن عكرمة هنا، وتكلم فيه كثيرًا في (باب مس الفرج بظهر الكف)، وفي (باب الكسر بالماء). ومنها: أن راوي الحديث عن الخدري لا يعرف، ولا يحصل من أمره شيء. ومنها: الاضطراب في متن الحديث، كما هو مبين في كتاب ابن القطان. وأخرجه النسائي من حديث عكرمة عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة".
قلت: ومن حديث أبي هريرة: رواه الطبراني في "الأوسط". وزعم الهيثمي في "المجمع" (١/ ٢٠٧): أن "رجاله موثقون"!
وصرَّح المنذري في "الترغيب" (١/ ٨٥): بأن "إسناده لين".
فأصاب؛ لأنه -كما ترى- مداره على عكرمة عن ابن أبي كثير؛ وهو ضعيف عنه، كما سبق.
وقد خالفه الأوزاعي -وهو الثقة الحجة-؛ فرواه عن يحيى بن أبي كثير عن رسول الله ﷺ ... مرسلًا معضلًا.
стр. 37
أخرجه البيهقي (١/ ١٠٠) (١).
وبالجملة؛ فالحديث ضعيف لا يصح؛ لاضطرابه وجهالة راويه موصولًا، وانقطاعه وتجرده عن شاهد يقويه.
(تنبيه): قال في "عون المعبود": "وفي بعض النسخ -بعد قوله: "إلا عكرمة"- هذه العبارة: "ثنا أبان: ثنا يحيى ... بهذا؛ يعني: حديث عكرمة بن عمار" انتهى. قلت: ليست هذه العبارة للمؤلف أصلًا؛ لأن أبا داود ذكر أنه لم يسنده إلا عكرمة، فلم يقف عليه أبو داود مسندًا من غير رواية عكرمة، فأراد ملحق هذه العبارة الاستدراك على أبي داود؛ بأنه قد أسنده عن يحيى بن أبي كثير: أبان بن يزيد العطار. ولكن لم أقف على نسبة هذه العبارة لأحد من الأئمة"!
قلت: قد سبق نسبتها إلى صاحب "الإمام"؛ وهو ابن دقيق العيد ﵀.
وقد جاءت هذه العبارة في النسخة المطبوعة في المطبعة التازية بمصر.
ومما يدل على أنها ليست من أبي داود: أن أبان بن يزيد ليس من شيوخه؛ بل إنما يروي عنه أبو داود بالواسطة.
(تنبيه ثانٍ): ينبغي أن لا تغترَّ بتصحيح الحاكم للحديث؛ لما عُرف من تساهله؛ لا سيما بعد بيان ما فيه من العلل! ولا بموافقة الذهبي له، بعد أن نقلنا لك عنه أن بعض رواته لا يعرف!
وكثيرًا ما ترى الذهبي يوافق الحاكم في تصحيحه؛ خطأ منهما، وفيها كثير مما يصرّح الذهبي نفسه في "الميزان" وغيره بضعفه! ولو أردنا أن نتتبع ذلك عليه؛ لجاء
стр. 38
في كتاب مستقل، وسيأتيك بعض -أو كثير- من ذلك في هذا الكتاب؛ إن شاء الله تعالى (*).
٨ - باب أيَرُدُّ السلامَ وهو يبول ؟
١٢ - عن ابن عمر قال:
مرَّ رجل على النبي ﷺ وهو يبول؛ فسلّم عليه؛ فلم يردَّ عليه.
(قلت: إسناده حسن. وأخرجه مسلم، وأبو عوانة في "صحيحيهما"، وصححه الترمذي).
قال أبو داود: "وروي عن ابن عمر وغيره: أنّ النّبيّ ﷺ تيمم ثمّ رد على الرجل السلام".
(قلت: سيأتي في (باب التيمم في الحضر) (رقم ٣٥٦ و ٣٥٧)).
إسناده: أخرجه من طريقين عن عمر بن سعد عن سفيان عن الضحاك بن عثمان عن نافع عن ابن عمر.
وهذا إسناد حسن؛ وهو على شرط مسلم؛ لكن في الضحاك بن عثمان كلام
стр. 39
من قبل حفظه، لا ينزل حديثه عن رتبة الحسن.
وقد أخرجه مسلم، وأبو عوانة في "صحيحيهما"، والنسائي، والترمذي -وصححه- وابن ماجة من طرق عن سفيان به.
١٣ - عن المهاجر بن قُنْفُذٍ:
أنه أتى النّبيّ ﷺ وهو يبول، فسلّم عليه، فلم يردَّ عليه حتى توضأ، ثم اعتذر إليه، فقال:
"إني كرهت أن أذكر الله إلا على طُهْرٍ -أو قال: على طهارة-".
(قلت: إسناده صحيح على شرط مسلم، وصححه ابن حبان (٨٠٠)، والحاكم والذهبي والنووي).
إسناده: ثنا محمد بن الثنى: ثنا عبد الأعلى: ثنا سعيد عن قتادة عن الحسن عن حُضَين بن المنذر أبي ساسان عن المهاجر بن قنفذ.
وهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم رجال الشيخين؛ غير الحضين هذا؛ فمن أفراد مسلم؛ فهو على شرطه.
وقد أخرجه النسائي أيضًا، والدارمي (٢/ ٢٧٨)، وابن ماجة والحاكم، وعنه البيهقي، وأحمد (٥/ ٨٠) من طرق عن قتادة به. وليس عند النسائي والدارمي قوله: "إني كرهت ... " إلخ. وقال الحاكم:
"صحيح على شرط الشيخين"! ووافقه الذهبي!
وفيه نظر من وجهين:
الأول: ما علمت من حال أبي ساسان: أن البخاري لم يخرج له.
стр. 40
والآخر: أن الذهبي قال في "الميزان"؟
"كان الحسن البصري كثير التدليس؛ فإذا قال في حديث: عن فلان ضعف احتجاجه؛ ولا سيما عمن قيل: إنه لم يسمع منهم كأبي هريرة ونحوه، فعدوا ما كان له عن أبي هريرة في جملة المنقطع".
لكن الظاهر من سياق كلامه أنه يريد حديثه عن الصحابة دون غيرهم من التابعين؛ فقد أكثر الحافظ من النقول عن العلماء في أن الحسن يروي عمن لم يلقه من الصحابة، فلم يذكر ولا نقلًا واحدًا أنه روى عمن لم يلقه من التابعين، ويشهد لهذا إطباق العلماء تقريبًا على الاحتجاج بحديث الحسن عن غيره من التابعين، بحيث إنني لا أذكر أنه مرَّ عليَّ حديث واحد من هذا القبيل -لم يصرح فيه الحسن بالسماع- فأعلوه بذلك.
هذا ما ظهر لي في هذا المقام؛ والله أعلم (١).
على أنَّ للحديث شاهدًا من حديث ابن عمر، رواه المصنف في (التيمم في الحضر) بإسناد حسن؛ لكن فيه جملة مستنكرة؛ أوردناه من أجلها في للكتاب الآخر رقم (٥٨).
والحديث صححه النووي (٢/ ٨٨).
٩ - باب في الرجل يذكر الله على غير طُهْرٍ
١٤ - عن عائشة قالت:
كان رسول الله ﷺ يذكر الله على كل أحيانه.
стр. 41
(قلت: إسناده صحيح على شرط مسلم. وقد أخرجه هو، وابن حبان (٧٩٨)، وأبو عوانة في "صحاحهم"؛ وقد حسنه الترمذي).
إسناده: ثنا محمد بن العلاء: ثنا ابن أبي زائدة عن أبيه عن خالد بن سلمة -يعني: الفأفاء- عن البهِيِّ عن عروة عن عائشة.
وهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات على شرط مسلم.
وقد أخرجه هو وأبو عوانة في "صحيحيهما"، والترمذي وابن ماجة والبيهقي، وأحمد (٦/ ٧٠ و ١٥٣) من طرق عن يحيى بن زكريا بن أبي زائدة عن أبيه ... به. وقال الترمذي:
"حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث يحيى بن زكريا بن أبي زائدة".
قلت: بلى؛ قد عرفناه من طريق غيره، وهو الوليد بن القاسم بن الوليد الهَمْداني، وهو ثقة حسن الحديث:
أخرجه الإمام أحمد (٦/ ٢٧٨): ثنا الوليد: ثنا زكريا قال: ثنا خالد بن سلمة ... به. وهذا السند فيه فائدة كبرى، وهي تصريح زكريا بسماعه من خالد؛ فإنه قد قيل في زكريا: إنه يدلس عن الشعبي، وبعضهم -كالمصنف وغيره- أطلق ولم يقيده بالشعبي، والله أعلم. فبهذا السند زالت شبهة تدليسه. والله الموفق لا رب سواه.
١٠ - باب الخاتم يكون فيه ذكر الله يدخل به الخلاء
[ليس تحته حديث على شرط كتابنا هذا. (انظر "الضعيف")]
стр. 42
١١ - باب الاستبراء من البول
١٥ - عن ابن عباس قال:
مرَّ رسول الله ﷺ على قبرين فقال:
"إنهما يعذبان، وما يعذبان في كبير: أما هذا فكان لا يستنزه (وفي رواية: يستتر) من البول. وأما هذا فكان يمشي بالنميمة". ثمّ دعا بعَسِيبٍ رَطْبٍ، فشقه باثنين، ثمّ غرس على هذا واحدًا وعلى هذا واحدًا، وقال:
"لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا".
(قلت: إسناده صحيح على شرط الشيخين. وقد أخرجاه، وأبو عوانة في "صحاحهم"، وصححه الترمذي).
إسناده: ثنا زهير بن حرب، وهَنَّاد بن السَّريِّ قالا: ثنا وكيع: ثنا الأعمش قال: سمعت مجاهدًا يحدث عن طاوس عن ابن عباس.
وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين؛ وقد أخرجاه.
ثمّ قال أبو داود: "قال هناد: "يستتر" مكان: "يستنزه". حدثنا عثمان بن أبي شيبة: ثنا جرير عن منصور عن مجاهد عن ابن عباس عن النبي ﷺ بمعناه قال: " ... كان لا يستتر من بوله". وقال أبو معاوية: "يستنزه" ... ".
والحديث أخرجه النسائي: أخبرنا هنّاد بن السري عن وكيع ... به؛ إلا أنه قال: "يستنزه" مثل رواية زهير.
стр. 43
وأخرجه الشيخان وأبو عوانة وبقية الأربعة والبيهقي من طرق كثيرة عن وكيع ... به. بعضهم قال: "يستنزه"، والبعض: "يستتر"، إلا رواية البيهقي فبلفظ: "يتوقى"؛ وكذلك هي في "المستخرج على الصحيح" لأبي نعيم. قال الحافظ:
"وهي مفسرة للمراد".
وتابعه عبد الواحد بن زياد عن الأعمش ... به باللفط الأول: أخرجه مسلم والدارمي.
ومحمد بن خازم ... باللفظ الثاني: عند البخاري.
وقد خالف الأعمش: منصور؛ فرواه عن مجاهد عن ابن عباس ... بإسقاط طاوس من بينهما.
وكذلك رواه البخاري من طريق جرير كما رواه الصنف.
وإيرادهما على الوجهين -دون أي ترجيح- دليل على صحتهما عندهما.
ويؤيد ذلك: أن الطيالسي رواه (رقم ٢٦٤٦) عن شعبة عن الأعمش عن مجاهد عن ابن عباس ... مثل رواية جرير عن منصور.
وشعبة ثقة حجة؛ فروايته تؤيد أن الأعمش رواه على الوجهين معًا؛ كما قال بعض المحققين المتأخرين.
١٦ - عن عبد الرحمن ابن حسَنَة قال:
انطلقت أنا وعمرو بن العاص إلى النّبي ﷺ ؛ فخرج ومعه دَرَقَةٌ، ثمّ استتر بها ثم بال، فقلنا: انظروا إليه يبول كما تبول المرأة! فسمع ذلك فقال:
стр. 44
"ألم تعلموا ما لقي صاحب بني إسرائيل؟ ! كانوا إذا أصابهم البول؛ قطعوا ما أصابه البول منهم، فنهاهم، فَعُذِّبَ في قبره".
(قلت: إسناده صحيح على شرط البخاري، وصححه الحاكم والذهبي على شرطهما؛ وهو كما قالا).
إسناده: ثنا مسدد: ثنا عبد الواحد بن زياد: ثنا الأعمش عن زيد بن وهب عن عبد الرحمن ابن حسنة.
وهذا إسناد صحيح على شرط البخاري.
والحديث أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٤/ ١٥٨)، ومن طريقه ابن ماجة والحاكم والبيهقي وأحمد من طرق عن الأعمش به. وقال الحاكم:
"صحيح على شرط الشيخين". ووافقه الذهبي؛ وهو كما قالا.
ورواه ابن حبان أيضًا في "صحيحه" كما في "الترغيب" (١/ ٨٧ - رقم ٧)، وسكت عليه في "مختصره"، وقال الحافظ في "الفتح" (١/ ٢٦١):
"وهو حديث صحيح، صححه الدارقطني وغيره".
١٧ - قال أبو داود: "قال منصور عن أبي وائل عن أبي موسى في هذا الحديث قال: جلد أحدهم ... ".
قلت: هذا معلق وموقوف، وقد وصله مسلم (١/ ١٥٧): ثنا يحيى بن يحيى: أخبرنا جرير عن منصور عن أبي وائل قال:
كان أبو موسى يشدد في البول ويبول في قارورة ويقول: إن بني إسرائيل كان إذا أصاب جلد أحدهم بول قرضه بالمقاريض. فقال حذيفة: لوددت أن صاحبكم
стр. 45
لا يشدد هذا التشديد؛ فلقد رأيتني أنا ورسول الله ﷺ نتماشى، فأتى سباطة خلف حائظ، فقام كما يقوم أحدكم فبال، فانتبذتُ منه، فأشار إليَّ، فجئت فقمت عند عقبه حتى فرغ.
ورواه البخاري (١/ ٢٦٣) من طريق شعبة عن منصور بلفظ: "ثوب أحدهم"؛ وهي مفسرة لرواية مسلم.
ورواه أحمد (٥/ ٣٨٢ و ٤٠٢) من الوجهين بلفط: "أصاب أحدهم"؛ وهي على إطلاقها تشمل اللفظين كما لا يخفى.
قال الحافظ في "الفتح":
"قوله: "ثوب أحدهم"؛ وقع في رواية مسلم: "جلد أحدهم". قال القرطبي: مراده بالجلد واحد الجلود التي كانوا يلبسونها، وحمله بعضهم على ظاهره، وزعم أنه من الإصر الذي حملوه. ويؤيده رواية أبي داود؛ ففيها: "كان إذا أصاب جسد أحدهم"؛ لكن رواية البخاري صريحة في للثياب؛ فلعل بعضهم رواه بالمعنى".
قلت: يشير الحافظ برواية أبي داود إلى لفظ آخر في الحديث عن أبي موسى ذكره بعد هذا، لكني جرّدته من هنا، وأودعته في الكتاب الآخر المختص بالأحاديث الضعيفة؛ لأنه منها بهذا اللفظ، فانظر رقم (٥).
١٢ - باب البول قائمًا
١٨ - عن حذيفة قال:
أتى رسول الله ﷺ سُباطة قوم فبال قائمًا، ثم دعا بماء فمسح على خفيه (زاد في رواية: قال: فذهبت أتباعد، فدعاني حتى كنت عند عقبه).
стр. 46
(قلت: إسناده على شرطهما؛ وقد أخرجاه، والزيادة على شرط البخاري؛ وهي عند مسلم).
إسناده: حدثنا حفص بن عمر ومسلم بن إبراهيم قالا: ثنا شعبة. (ح)، وثنا مسدد: ثنا أبو عوانة -وهذا لفظ حفص- عن سليمان عن أبي وائل عن حذيفة.
قال أبو داود عقبه: "قال مسدد: قال: فذهبت ... " إلخ.
وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين، وأما الرواية الأخرى؛ فهي على شرط البخاري وحده؛ وإن كان مسلم قد أخرجها دون صاحبه من طريق أخرى عن سليمان؛ وهو الأعمش.
والحديث أخرجه الشيخان، وبقية الأربعة والدارمي، وأبو عوانة في "صحيحه"، والبيهقي، وأحمد (٥/ ٣٨٢ و ٤٠٢) من طرق عن الأعمش به؛ وليست عند ابن ماجة والدارمي الزياده، وكذا البخاري كما سبق.
وقد تابعه منصور عن أبي وائل بدونها أيضًا: أخرجاه في "الصحيحين"؛ وقد سبق لفظه في التعليق قريبًا.
ورواه أبو عوانة أيضًا في "صحيحه" (١/ ١٩٧) من طريق الطيالسي؛ وهو في "مسنده" (رقم ٤٠٧).
وللحديث طريق أخرى مختصرًا دون قوله: ثمّ دعا ... إلخ.
أخرجه أحمد (٥/ ٣٩٤) عن نَهِيك بن- وفي الأصل: عن! وهو خطأ- عبد الله السلولي: ثنا حذيفة.
وهذا إسناد حسن، رجاله كلهم ثقات رجال مسلم؛ غير نهيك هذا، وقد ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقد حكى في "التعجيل" أنه روى عنه يونس بن أبي
стр. 47
إسحاق وغيره، ثمّ قال:
"قلت: ذكر ابن أبي حاتم عن أبيه أن أبا إسحاق السبيعي روى عنه".
قلت: هذا الحديث من روايته عنه؛ فكأن الحافظ ذهل عنه فلم يستحضره عند الكتابة!
١٣ - باب في الرجل يبول بالليل في الإناء ثمّ يضعه عنده
١٩ - عن حُكَيمة بنت أُميمة بنت رُقيقة عن أمها أنها قالت:
كان للنبي ﷺ قدح من عَيْدان تحت سريره، يبول فيه بالليل.
(قلت: حديث صحيح، وقال الحاكم: "صحيح الإسناد"، ووافقه الذهبي، وصححه ابن حبان).
إسناده: ثنا محمد بن عيسى: ثنا حجاج عن ابن جريج عن حُكيمة.
وهذا إسناد حسن إن شاء الله تعالى، رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين؛ غير حكيمة هذه، وقد ذكرها ابن حبان في "الثقات"، وقد قال الذهبي في (فصل النسوة المجهولات) من "الميزان":
"وما علمت في النساء من اتهمت ولا من تركوها".
وغير محمد بن عيسى -وهو ابن نجيح الطباع أبو جعفر-؛ وهو ثقة فقيه، وقد توبع كما يأتي الإشارة إلى ذلك.
والحديث أخرجه النسائي أيضًا، والحاكم والبيهقي من طرق عن حجاج به؛ وصرَّح ابن جريج بالتحديث في رواية النسائي. ثمّ قال الحاكم:
"صحيح الإسناد"! ووافقه الذهبي!
стр. 48
ورواه ابن حبان في "صحيحه" (١٤١)، وأبو ذر الهروي في "مستدركه" الذي خرّجه على "إلزامات الدارقطني للشيخين" -كما في "التلخيص" (١/ ١٨٣) -، وسكت عليه المنذري (رقم ٢٢).
وللحديث شاهد من حديث عائشة بسند صحيح بنحوه. أخرجه النسائي وغيره.
١٤ - باب المواضع التي نهى النبي ﷺ عن البول فيها
٢٠ - عن أبي هريرة: أنَّ رسول الله ﷺ قال:
"اتقوا اللاعِنَيْن".
قالوا: وما اللاعنان يا رسول الله؟ ! قال:
"الذي يتخلَّى في طريق الناس أو في ظلهم".
(قلت: إسناده صحيح على شرط مسلم. وقد أخرجه هو وأبو عوانة والحاكم في "صحاحهم").
إسناده: ثنا قتيبة بن سعيد: ثنا إسماعيل بن جعفر عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة.
وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم.
وبه أخرجه في "صحيحه" فقال (١/ ١٥٦): ثنا يحيى بن أيوب وقتيبة وابن حُجر -جميعًا- عن إسماعيل بن جعفر ... به.
وتابعه سليمان بن بلال قال: ثنا العلاء ... به.
стр. 49
وأخرجه الحاكم (١/ ١٨٥ - ١٨٦) من الوجهين، وقال:
"صحيح على شرط مسلم".
ورواه ابن الجارود بلفظ: "أو مجالسهم (١) ".
وابن حبان: "وأفنيتهم"؛ كما في "التلخيص".
٢١ - عن حَيْوَة بن شريح: أن أبا سعيد الحميري حدثه عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله ﷺ :
"اتقوا الملاعن الثلاثة: البراز في الموارد، وقارعة الطريق، والظل".
(قلت: إسناده ضعيف (*) للانقطاع بين معاذ بن جبل وبين الحميري، وأعله المصنف وغيره، ولجهالة الحميري هذا وضعفه المنذري وابن حجر).
إسناده: أما الانقطاع فنقل المنذري في "الترغيب" (١/ ٨٣) عن المصنف ﵀ أنه قال: "هو مرسل. يعني أن أبا سعيد لم يدرك معاذًا"، ونقله الحافظ أيضًا في "تهذيب التهذيب" عنه ثم قال:
"وقال -يعني المصنف- في كتاب التفرد عقب حديثه -يعني هذا- ليس هذا بمتصل".
وأما الجهالة: فقال أبو الحسن القطان:
"أبو سعيد هذا شامي مجهول الحال". وقال الذهبي:
стр. 50
"لا يدرى من هو". وقال الحافظ في "التقريب":
"مجهول، وروايته عن معاذ مرسلة".
والحديث أخرجه ابن ماجة أيضًا والحاكم وعنه البيهقي من طريق حيوة عن أبي سعيد به. وقال الحاكم:
"صحيح الإسناد" ووافقه الذهبي! وكذا صححه ابن السكن. قال الحافظ في التلخيص (١/ ٤٦١):
"وفيه نظر لأن أبا سعيد لم يسمع من معاذ، ولا يعرف هذا الحديث بغير هذا الإسناد. قاله ابن القطان". فقول النووي في "المجموع" (٢/ ٨٦):
"إسناده جيد" غير جيد.
وللحديث شاهد من حديث ابن عباس مرفوعًا: بلفظ:
قيل: ما الملاعن يا رسول الله؟ قال:
"أن يقعد أحدكم في ظل يستظل فيه، أو في طريق، أو في نقع ماء".
أخرجه الإمام أحمد (١/ ٢٩٩): ثنا عتاب بن زياد ثنا عبد الله قال: أنا ابن لهيعة قال: ثني ابن هبيرة قال: أخبرني من سمع ابن عباس.
وهذا إسناد رجاله كلهم ثقات؛ غير الرجل الذي لم يسم.
وقال الحافظ في "بلوغ المرام" (١/ ١٠٢) بعد أن ذكر الحديث من رواية معاذ وابن عباس:
"وفيهما ضعف"، وبين سبب ذلك في هذا بقوله في "التلخيص":
"وفيه ضعف لأجل ابن لهيعة. والراوي عن ابن عباس مبهم".
стр. 51
وأشار إلى هذا الهيثمي في "المجمع" (١/ ٢٠٤)، وفيه نظر؛ فإن ابن لهيعة صحيح الحديث إذا روى عنه عبد الله بن المبارك وغيره من العبادلة؛ كما قال عبد الغني الأزدي وغيره، والحافظ نفسه يقول في ترجمته من "التقريب":
"ورواية ابن المبارك وابن وهب عنه أعدل من غيرهما".
وهذا الحديث من رواية ابن المبارك عنه فإنه هو عبد الله الذي لم ينسب فيه، وعليه فعلة الحديث جهالة التابعي، ولولا ذلك لأوردت الحديث بسبب شاهده هذا في "صحيح المصنف" وقد روى عن أبي هريرة نحوه دون ذكر الموارد، فانظر رقم (٢٠) من "الصحيح".
ثم بدا لي نقل الحديث إلى "صحيح السنن" [هنا] لشواهد أخرى أوردتها في "تخريج منار السبيل" (١/ ١٠٠).
١٥ - باب في البول في المستحمِّ
٢٢ - عن حُميد الحِمْيَرِيِّ -وهو ابن عبد الرحمن- قال:
لقيت رجلًا صحب النّبيّ ﷺ كما صحبه أبو هريرة قال:
نهى رسول الله ﷺ أن يمتشط أحدنا كلَّ يوم، أو يبول في مُغْتسله.
(قلت: إسناده صحيح، وكذا قال النووي والعسقلاني والعراقي).
إسناده: ثنا أحمد بن يونس: ثنا زهير عن داود بن عبد الله عن حميد الحميري.
وهذا سند صحيح، رجاله ثقات رجال الشيخين؛ غير داود بن عبد الله الأودي؛ وهو ثقة باتفاق النقاد.
стр. 52
وللحديث تتمة تأتي برقم (٧٤).
والحديث أخرجه النسائي أيضًا (١/ ٤٧ و ٢/ ٢٧٦)، والحاكم (١/ ١٦٨)، والبيهقي (١/ ١٩٠) من طرق عن داود بن عبد الله الأودي عنه. وقال البيهقي:
"رواته ثقات؛ إلا أن حميدًا لم يسم الصحابي الذي حدثه؛ فهو بمعنى المرسل"!
وتعقبه ابن التركماني فأصاب، حيث قال:
"قد قدمنا أن هذا ليس بمرسل، بل هو متصل؛ لأنّ الصحابة كلهم عدول، فلا تضرهم الجهالة".
ولذلك قال النووي في "المجموع" (٢/ ٩١)، والعراقي في "التقريب" (٢/ ٤٠)، والحافظ في "بلوغ المرام" (١/ ٢٢ من شرحه):
"وإسناده صحيح". وقال في "الفتح" (١/ ٢٤٠):
"رجاله ثقات، ولم أقف لمن أعله على حجة قوية، ودعوى البيهقي أنه في معنى المرسل مردودة؛ لأنّ إبهام الصحابي لا يضر، وقد صرح التابعي بأنه لقيه. ودعوى ابن حزم أن داود -راويه عن حميد بن عبد الرحمن- هو ابن يزيد الأودي، وهو ضعيف: مردودة؛ فإنه ابن عبد الله الأودي، وهو ثقة، وقد صرح باسم أبيه أبو داود وغيره".
والحديث سكت عليه المنذري (رقم ٢٦).
وله شاهد بسند حسن عن عبد الله بن يزيد، خرّجته في "الصحيحة" (٢٥١٦) في التبوُّل.
стр. 53
١٦ - باب النهي عن البول في الجُحْر
[ليس تحته حديث على شرط كتابنا هذا. (انظر "الضعيف")]
١٧ - باب ما يقول الرجل إذا خرج من الخلاء
٢٣ - عن عائشة ﵂:
أنَّ النبي ﷺ كان إذا خرج من الغائط قال: "غُفْرانَك".
(قلت: إسناده صحيح، وصححه أبو حاتم وابن خزيمة وابن حبان وابن الجارود والحاكم والنووي والذهبي).
إسناده: حدثنا عمرو بن محمد الناقد: ثنا هاشم بن القاسم: ثنا إسرائيل عن يوسف بن أبي بُردة عن أبيه: حدثتني عائشة.
وهذ إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين، غير يوسف هذا؛ وقد وثقه ابن حبان والعجلي والحاكم.
والحديث أخرجه البخاري في "الأدب المفرد" (١٠٠)، وعنه الترمذي والدارمي وابن ماجة، وابن السني (رقم ٢٢) من طريق النسائي، وابن خزيمة (١/ ١٥ / ١)، والحاكم (١/ ١٥٨)، والبيهقي من طرق عن إسرائيل بن يونس به.
وقال الترمذي:
"حديث حسن". والحاكم:
"حديث صحيح؛ فإن يوسف بن أبي بردة من ثقات آل أبي موسى"؛ ووافقه الذهبي. وقال الحافظ في "البلوغ":
стр. 54
"وصححه أبو حاتم"!
قلت: ونقل ابنه في "العلل" (١/ ٤٣ / رقم ٩٣) أنه:
"أصح حديث في هذا الباب".
وهذا لا يفيد صحة الحديث، كما هو مقرر في المصطلح، وإنما يفيد صحة نسبيَّة. وقال المناوي:
"وصححه ابن خزيمة وابن حبان وابن الجارود والنووي في "مجموعه" ... ".
قلت: وعزاه النووي فيه (٢/ ٧٥) للنسائي في "اليوم والليلة"، وصححه أيضًا في "الأذكار" (ص ٣٥).
وعزاه المنذري (رقم ٢٨) إلى النسائي أيضًا، ولكنه أطلق ولم يقيد! فاعترض عليه صاحب "العون" بقوله:
"ما أخرجه النسائي في "السنن المجتبى"، بل أخرجه في كتاب "عمل اليوم والليلة"، فإطلاقه من غير تقييد لا يناسب".
وقد أصاب.
وعزاه الحافظ في "التلخيص" (١/ ٥٣٠) إلى "السنن"، وذكر أنه أشهر ما في الباب.
ورواه أحمد أيضًا (٦/ ١٥٥).
١٨ - باب كراهية مس الذكر باليمين في الاستبراء
٢٤ - عن أبي قتادة قال: قال رسول الله ﷺ :
"إذا بال أحدُكم فلا يمسَّ ذكرَهُ بيمينه، وإذا أتى الخَلاءَ فلا يَتَمَسَّحْ
стр. 55
بيمينه، وإذا شَرِبَ فلا يشربْ نَفَسًا واحدًا".
(قلت: إسناده صحيح على شرط الشيخين. وقد أخرجاه وأبو عوانة وابن خزيمة في "صحاحهم"، وصححه الترمذي).
إسناده: ثنا مسلم بن إبراهيم وموسى بن إسماعيل قالا: ثنا أبان: ثنا يحيى عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه.
وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين.
والحديث أخرجه الشيخان والنسائي والترمذي والدارمي وابن ماجة، وأبو عوانة في "صحيحه"، وابن خزيمة (٧٨ و ٧٩)، والبيهقي، وأحمد (٥/ ٢٩٥ و ٢٩٦ و ٣٠٠ و ٣٠٩ و ٣١١) من طرق عن يحيى -وهو ابن أبي كثير- ... به، وقد صرح يحيى بالتحديث عند بعضهم.
وليس عند الدارمي وابن ماجة الجملة الأخيرة، وليس عند الترمذي إلا الأولى من الثلاث.
وهي عند ابن حبان (١٣٦)، وأبي عوانة (٥/ ٣٥٨) من حديث جابر.
٢٥ - عن حفصة زوج النبي ﷺ :
أنَّ النبي ﷺ كان يجعل يمينه لِطعامه وشرابه وثيابه، ويجعل شماله لما سوى ذلك.
(قلت: حديث صحيح، وقال الحاكم: "صحيح الإسناد").
إسناده: ثنا محمد بن آدم بن سليمان المصيصي: ثنا ابن أبي زائده قال: ثني أبو أيوب -يعني: الإفريقي- عن عاصم عن المسيب بن رافع ومعبد عن حارثة بن
стр. 56
وهب الخزاعي قال: حدثتني حفصة.
وهذا إسناد حسن: محمد بن آدم المصيصي؛ وثقه النسائي وغيره.
وعاصم: هو ابن بهدلة، وهو حسن الحديث.
وبقية رجاله ثقات رجال الشيخين؛ غير أبي أيوب الإفريقي -واسمه عبد الله ابن علي-؛ قال أبو زرعة:
"لين، في حديثه إنكار، ليس بالمتين".
وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال ابن معين:
"ليس به بأس"، ولخص ذلك الحافظ في "التقريب" فقال:
"صدوق يخطئ".
وأمّا المنذري فقال في "مختصره":
"فيه مقال"! فما صنع شيئًا.
والحق أن مثل هذا لا ينزل حديثه عن درجة الحسن إذا لم يخالف.
والحديث أخرجه الحاكم أيضًا (٤/ ١٠٩) من طريق معلى بن منصور: ثنا أبو أيوب الإفريقي ... به، لكن ليس في إسناده (معبد) المقرون مع المسيب بن رافع؛ ووقع فيه تحريف في بعض الأسماء. ثمّ قال الحاكم:
"صحيح الإسناد"! ورده الذهبي بقوله:
"قلت: في سنده مجهول"! !
كذا قال! وليس بصواب؛ فإن رواته كلهم معروفون، ولعله أشكل عليه بعض
стр. 57
الأسماء المشار إليها، فتكون وقعت في نسخته -أيضًا- محرفة؛ والله أعلم.
وأخرجه البيهقي (١/ ١١٢ - ١١٣) من طريق أخرى عن يحيى ... به مثل رواية الكتاب.
والحديث رواه ابن حبان أيضًا؛ كما في "التلخيص" (١/ ٥١٨) (١).
ثمّ تبين لي أن فيه اختلافًا على عاصم:
فرواه عنه أبو أيوب هكذا.
ورواه أبان بن يزيد العطار فقال: ثنا عاصم عن معبد بن خالد عن سواء الخزاعي عن حفصة ... فأسقط من الإسناد (المسيب) قرين (معبد)؛ وجعل (سواءً الخزاعي) مكان (حارثة بن وهب الخزاعي)، وهذا صحابي؛ وذاك تابعي وثقه ابن حبان، وأخرج له ابن خزيمة في "صحيحه".
ورواه حماد بن سلمة: ثنا عاصم بن بهدلة عن سواء الخزاعي عن حفصة ... فأسقط من الإسناد (المسيب) وقرينه؛ وهما الواسطة بين (عاصم) عن (حارثة) أو (سواء).
ورواه زائدة عن عاصم عن المسيب عن حفصة ... فأثبت (المسيب)، وأسقط الواسطة بينه وبين حفصة ﵂.
وهذا اضطراب شديد، والظاهر أنه من عاصم؛ فإنه غير قوي في حفظه، وقد أخرج هذه الرويات عنه: أحمد في "مسنده" (٦/ ٢٨٧ - ٢٨٨).
وعلى كل حال؛ فالحديث صحيح بما بعده.
стр. 58
٢٦ - عن عائشة قالت:
كانت يد رسول الله ﷺ اليمنى لطُهوره وطعامه، وكانت يده اليسرى لخلائه وما كان من أذى.
(قلت: إسناده صحيح، وكذا قال النووي، وهو على شرط مسلم).
إسناده: ثنا أبو توبة الربيع بن نافع: ثني عيسى بن يونس عن ابن أبي عَرُوبة (*) عن أبي معشر عن إبراهيم عن عائشة.
وهذا إسناد رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين؛ غير أبي معشر -وهو زياد بن كليب-؛ وهو من رجال مسلم وحده. لكن قال المنذري رقم (٣١):
"إبراهيم لم يسمع من عائشة؛ فهو منقطع"؛ وكذا قال الحافظ في "التلخيص" (١/ ٥١٨).
ولذلك فقد ساقه المؤلف موصولًا عقب هذا؛ فقال: ثنا محمد بن حاتم بن بزيع: ثنا عبد الوهاب بن عطاء عن سعيد عن أبي معشر عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة عن النّبيّ ﷺ ... بمعناه.
قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم. وقال العرافي في "طرح التثريب" (٢/ ٧١):
"إسناده صحيح".
والحديث أخرجه الإمام أحمد (٦/ ٢٦٥): ثنا عبد الوهاب ... به.
стр. 59
ورواه مغيرة عن إبراهيم عن عائشة: أخرجه أحمد (٦/ ١٧٠).
ورواه محمد بن أبي عدي عن سعيد عن رجل عن أبي معشر عن إبراهيم عن عائشة: أخرجه أحمد أيضًا (٦/ ٢٦٥)، والبيهقي (١/ ١١٣).
والصواب عندي الرواية الموصولة؛ لأنها زيادة من ثقة، وهما مقبولة.
والحديث قال النووي في "المجموع" (٢/ ١٠٨):
"رواه أحمد وأبو داود بإسناد صحيح".
ورواه مسروق عنها بنحوه؛ وسيأتي إن شاء الله رقم ( ... ) في (اللباس) [باب في الانتعال].
١٩ - باب الاستتار في الخلاء
[ليس تحته حديث على شرط كتابنا هذا. (انظر "الضعيف")]
٢٠ - ومن "باب ما يُنهى عنه أن يُستنجى به "
٢٧ - عن شَيْبان القِتْبانيّ:
أن مَسلمة بن مُخَلَّد استعمل رُوَيفع بن ثابت على أسفل الأرض، قال شيبان: فَسِرْنا معه من كُومِ شَرِيك إلى عَلْقَمَاء، أو من علقماء إلى كوم شريك -يريد عَلْقَام-، فقال رُويفع:
إن كان أحدنا في زمن رسول الله ﷺ لَيأخذُ نِضْوَ أخيه؛ على أنَّ له النصف مما يُغنمُ ولنا النصف، وإن كان أحدنا لَيطير له النَّصْلُ والرِّيش، ولِلآخرِ القِدْحُ، ثمّ قال: قال لي رسول الله ﷺ :
стр. 60
"يا رويفع! لعلَّ الحياة ستطول بك بعدي؛ فأخبر الناس أنّه من عَقَدَ لحيته، أو تَقلَّدَ وَتَرًا، أو استنجى برجيع دابة أو عظم؛ فإنّ محمدًا منه بريء".
(قلت: حديث صحيح، وقال النووي: إسناده جيد).
إسناده: ثنا يزيد بن خالد بن عبد الله بن موهَب الهمداني: ثنا المُفَضَّلُ -يعني: ابن فَضَالة المصري- عن عياش بن عباس القِتْبَاني أن شِيَيْم بن بَيْتان أخبره عن شيبان القتباني.
وهذا سند رجاله كلهم ثقات؛ غير شيبان القتباتي؛ فهو مجهول، كما في "التقريب".
لكن قد سمع الحديث شييم بن بيتان من رويفع بن ثابت مباشرة أيضًا، كما يأتي؛ كما أن له فيه إسنادًا آخر.
والحديث أخرجه البيهقي (١/ ١١٠) من طريق المؤلف بهذا الإسناد، وكذلك أخرجه أحمد (٤/ ١٠٩) قال: ثنا يحيى بن غيلان قال: ثنا المفضل ... به.
وتابعه ابن لهيعة فقال: ثنا عياش بن عباس عن شييم بن بيتان قال: ثنا رويفع بن ثابت قال:
كان أحدنا في زمان رسول الله ﷺ ... الحديث.
أخرجه أحمد (٤/ ١٠٨)، وابن لهيعة ثقة يخشى من سوء حفظه.
لكن تابعه على روايته هكذا حيوة بن شريح؛ وهو ثقة حجة من رجال الشيخين: أخرجه النسائي (٢/ ٢٧٧): أخبرنا محمد بن سلمة قال: ثنا ابن وهب عن حيوة بن شريح -وذكر آخر قبله- عن عياش.
стр. 61
فهذا إسناد صحيح متصل بسماع شِييم من رويفع، وليس عند النسائي إلا المرفوع من قوله ﵊:
"يا رويفع! لعل الحياة ... " إلخ.
والحديث سكت عليه الحافظ في "التلخيص" (١/ ٤٩٩ - ٥٠٠). وقال النووي (٢/ ١١٦):
"رواه أبو داود والنسائي بإسناد جيد".
وقد رواه الطحاوي في "شرح المعاني" (١/ ٧٤) من طريق أصبغ بن الفرج قال: ثنا ابن وهب ... به.
وسكت عليه المنذري أيضًا (رقم ٣٣).
٢٨ - قال أبو داود: "ثنا يزيد بن خالد: ثنا مُفَضَّلٌ عن عياش أن شِيَيْم ابن بَيْتَان أخبره ... بهذا الحديث أيضًا عن أبي سالم الجيشاني عن عبد الله ابن عمرو ... يذكر ذلك وهو معه مرابط بحصن باب (أليُونَ) ".
قال أبو داود: "حصن (أليون) على جبل بالفسطاط".
قال أبو داود: "وهو شيبان بن أمية؛ يكنى أبا حذيفة".
(قلت: صحيح الإسناد).
٢٩ - عن جابر:
نهانا رسول الله ﷺ أن نَتَمَسَّحَ بعَظْمٍ أو بَعْر.
(قلت: إسناده صحيح على شرط مسلم. وقد أخرجه هو، وأبو عوانة في
стр. 62
"صحيحيهما").
إسناده: ثنا أحمد بن محمد بن حنبل: ثنا روح بن عبادة: ثنا زكريا بن إسحاق: ثنا أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله.
وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم، وهو في "المسند" (٣/ ٣٤٣، ٣٨٤) بهذا السند، ورواه البيهقي عن المؤلف به.
وأخرجه مسلم، وأبو عوانة من طرق عن روح ... به.
وتابعه ابن لهيعة عن أبي الزبير: أخرجه أحمد (٣/ ٣٣٦).
٣٠ - عن عبد الله بن مسعود قال:
قَدِمَ وفد الجن على رسول الله ﷺ ، فقالوا: يا محمد! انْهَ أمَّتك أن يستنجوا بعظم أو روثة أو حُمَمَة؛ فإن الله تعالى جعل لنا فيها رزقًا. قال: فنهى النّبيّ ﷺ .
(قلت: إسناده صحيح، وصححه ابن التركماني).
إسناده: ثنا حَيْوة بن شُرَيْح الحِمصي: ثنا ابن عياش عن يحيى بن أبي عمرو السيباني عن عبد الله بن الديلمي عن عبد الله بن مسعود.
وهذا إسناد صحيِح رجاله كلهم ثقات، وابن عياش: هو إسماعيل الحمصي وشيخه حمصي أيضًا، وابن عياش -إذا روى عن الشاميين- حجة عند البخاري وأحمد وابن معين، وإذا روى عن الحجازيين؛ فهو ضعيف، وقد بين السبب في ذلك محمد بن عثمان بن أبي شيبة عن يحيى بن معين؛ قال:
"هو ثقة فيما روى عن الشاميين، وأما روايته عن أهل الحجاز؛ فإن كتابه
стр. 63
ضاع، فخلط في حفظه عنهم".
ومن ذلك تعلم أن قول المنذري (رقم ٣٥):
"في إسناده إسماعيل بن عياش؛ وفيه مقال"! لا يروى ولا تحقيق فيه.
والحديث أخرجه البيهقي من طريق المؤلف، وأخرجه الدارقطني (٢١) من طريق هشام بن عمار: نا إسماعيل بن عياش ... به. وقال الدارقطني -وتبعه البيهقي-:
"إسناد شامي ليس بثابت"!
وقد رد ذلك عليهما ابن التركماني فقال في "الجوهر النقي":
"قلت: ينبغي أن يكون هذا الإسناد صحيحًا؛ فإن عبد الله بن فيروز الديلمي وثقه ابن معين والعجلي، ويحيى بن أبي عمرو وثقه يعقوب بن سفيان، وقال ابن حنبل: ثقة ثقة. وهو حمصي، ورواية ابن عياش عن الشاميين صحيحة، كذا ذكر البيهقي في (باب ترك الوضوء من الدم)، وحيوة الحمصي أخرج عنه البخاري".
وللحديث طريق أخرى عندهما: عن ابن وهب: ثني موسى بن عُلَيٍّ عن أبيه عن ابن مسعود ... به.
وهذا سند صحيح على شرط مسلم.
وأما هما؛ فأعلّاه بأن عُلَيَّ بن رباح لم يثبت سماعه من ابن مسعود! ورده ابن التركماتي أيضًا بأن هذا ليس بشرط عند مسلم والجمهور، بل يكفي إمكان اللقاء والسماع؛ وعُلَيّ هذا؛ ولد سنة خمس عشرة، كذا ذكر أبو سعيد بن يونس، فسماعه من ابن مسعود ممكن بلا شك؛ لأن ابن مسعود توفي سنة (٣٢)، وقيل: (٣٣).
قلت: وهو لم يذكر بتدليس؛ فلا تضرّ عنعنته.
стр. 64
ومن طريقه: أخرجه الخطابي أيضًا في "غريب الحديث" (٤٧/ ١).
وله شاهد في "مسند البزار" (ص ٣١ - زوائده) عن عبد الله بن الحارث بن جَزْءٍ ... مرفوعًا مختصرًا.
وطريق آخر عند النسائي (١/ ٣٥ - ٣٦ - دار القلم).
٢١ - باب الاستنجاء بالحجارة
٣١ - عن عائشة: أنّ رسول الله ﷺ قال:
"إذا ذهب أحدكم إلى الغائط؛ فليذهب معه بثلاثة أحجار يستطيب بهنّ؛ فإنها تجزئ عنه".
(قلت: حديث حسن، وقال النووي: "صحيح"، وحسن إسناده الدارقطني).
إسناده: حدثنا سعيد بن منصور وقتيبة بن سعيد قالا: ثنا يعقوب بن عبد للرحمن عن أبي حازم عن مسلم بن قُرْطٍ عن عروة عن عائشة.
وهذا إسناد رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين؛ غير مسلم بن قرط؛ قال الذهبي في "الميزان":
"لا يعرف، روى عنه أبو حازم الأعرج". وقال السيوطي في "حاشيته على النسائي":
"قال الزركشي في "التخريج": قرط: بضم القاف وسكون الراء وطاء مهملة؛ لم يرو عنه غير أبي حازم، ولا يعرف هذا الحديث بغير هذا الإسناد، ولا ذكر لابن قرط في غيره، ولم يتعرضوا له بمدح ولا قدح، وقال الشيخ ولي للدين: ذكره ابن
стр. 65
حبان في "الثقات"، وقال:
يخطيء. ولا نعرفه بأكثر من أنه روى عن عروة". وقال الحافظ في "تهذيب التهذيب" -بعد أن نقل قول ابن حبان فيه: "يخطيء"-:
"هو مقل جدًّا، وإذا كان مع قلة حديثه يخطيء؛ فهو ضعيف".
قلت: لكن الحديث له شاهد من رواية أبي أيوب الأنصاري ﵁ بلفظ:
"إذا تغوط أحدكم فليتمسح بثلاثة أحجار؛ فإن ذلك كافيه". قال في "مجمع الزوائد" (١/ ٢١١):
"رواه الطبراني في "الكبير" و "الأوسط"؛ ورجاله موثقون، إلا أن أبا شعيب صاحب أبي أيوب لم أر فيه تعديلًا ولا جرحًا".
فالحديث -بهذا الشاهد- حسن إن شاء الله تعالى، بل هو صحيح؛ فإنه بمعنى حديث سلمان المتقدم رقم (٥):
"ولا يستنجي أحدنا بأقل من ثلاثة أحجار".
والحديث أخرجه الدارمي وأحمد (٦/ ١٣٣) قالا: ثنا سعيد بن منصور ... به.
وأخرجه النسائي قال: أخبرنا قتيبة ... به.
وأخرجه الدارقطني (٢٠)، وكذا أحمد (٦/ ١٠٨) من طريق عبد العزيز بن أبي حازم: نا أبي ... به. وقال الدارقطني:
"إسناد حسن". وفي نسخة:
стр. 66
"صحيح".
ونقل الحافظ في ترجمة ابن قرط عنه أنه حسنه. والزيلعي (١/ ٢١٤ و ٢١٥) أنه قال:
"إسناد صحيح".
وظاهر أن هذا من اختلاف النسخ.
وأما النووي فجمع بين النسختين؛ فقال (٢/ ٩٣ و ٩٦):
"حديث صحيح، قال الدارقطني: إسناده حسن صحيح"!
٣٢ - عن خزيمة بن ثابت قال:
سئل رسول الله ﷺ عن الاستطابة؟ فقال:
"بثلاثة أحجار ليس فيها رجيع".
(قلت: حديث حسن أو صحيح).
إسناده: حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي: ثنا أبو معاوية عن هشام بن عروة عن عمرو بن خزيمة عن عمارة بن خزيمة عن خزيمة بن ثابت.
وهذا إسناد رجاله كلهم ثقات رجال البخاري؛ غير عمرو بن خزيمة؛ قال في "الميزان":
"لم يرو عنه سوى هشام بن عروة، لكنه قد وثق".
قلت: وثقه ابن حبان على قاعدته! وفي "التقريب" أنه مقبول، يعني: إذا توبع؛ وإلا فضعيف.
стр. 67
قلت: لكن الحديث له شواهد يرقى بها إلى درجة الحسن أو الصحيح، فانظر رقم (٥ و ٢٧ و ٢٩ و ٣٠).
والحديث سكت عليه المنذري (رقم ٣٧).
وقد أخرجه ابن ماجة (١/ ١٣٢)، وأحمد (٥/ ٢١٣ - ٢١٥)، والطبراني (٤/ ١٠٠ / ٣٧٢٥) من طرق عن هشام ... به. وأخرجه البيهقي من طريق المصنف. ثمّ قال -أعني: المصنف-:
"كذا رواه أبو أسامة وابن نمير عن هشام". قال البيهقي:
"وكذلك رواه محمد بن بشر العبدي ووكيع وعبدة بن سليمان عن هشام.
ورواه ابن عيينة عن هشام عن أبي وجزة عن عمارة. وكان علي بن المديني يقول: الصواب رواية الجماعة عن هشام عن عمرو بن خزيمة".
٢٢ - باب في الاستبراء
[ليس تحته حديث على شرط كتابنا هذا. (انظر "الضعيف")]
٢٣ - باب في الاستنجاء بالماء
٣٣ - عن أنس بن مالك:
أن رسول الله ﷺ دخل حائطًا ومعه غلام معه مِيضَأَةٌ -وهو أصغرنا-، فوضعها عند السدرة، فقضى حاجته، فخرج علينا وقد استنجى بالماء.
(قلت: إسناده صحيح على شرط مسلم. وقد أخرجه هو والبخاري وأبو عوانة في "صحاحهم").
стр. 68
إسناده: حدثنا وهب بن بقية عن خالد -يعني: الواسطي- عن خالد -يعني: الحذَّاء- عن عطاء بن أبي ميمونة عن أنس بن مالك.
وهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات رجال مسلم.
وقد أخرجه في "صحيحه" كما سيأتي.
وأخرجه أبو عوانة في "صحيحه" (١/ ١٩٥) عن المصنف، فقال: ثنا أبو داود السِّجْزِيُّ قال: ثنا وهب بن بقية ... به.
و(السِّجْزِيُّ): نسبة إلى سجستان؛ قال المنذري (١/ ١٢):
"وهو من عجيب التغيير في النسب، وقد نسب أبو داود وغيره كذلك".
والحديث أخرجه مسلم: ثنا يحيى بن يحيى: أخبرنا خالد بن عبد الله ... به.
ثمّ أخرجه هو والبخاري والنسائي وللدارمي وأبو عوانة أيضًا، والطيالسي (رقم ٢١٣٤)، وعنه البيهقي، وأحمد (٣/ ١٧١) من حديث شعبة عن عطاء ... به. والشيخان، وأحمد (٣/ ١١٢)، ومن طريقه أبو عوانة عن روح بن القاسم عنه ... به.
٣٤ - عن أبي هريرة عن النّبيّ ﷺ قال:
"نزلت هذه الآية في أهل قُباء: ﴿فيه رجال يحبون أن يتطهروا﴾؛ قال: كانوا يستنجون بالماء فنزلت فيهم هذه الآية".
(قلت: حديث صحيح، وصححه النووي والحافظ ابن حجر).
إسناده: ثنا محمد بن العلاء: أخبرنا معاوية بن هشام عن يونس بن الحارث عن إبراهيم بن أبي ميمونة عن أبي صالح عن أبي هريرة.
стр. 69
وهذا إسناد ضعيف: يونس بن الحارث ضعيف.
وشيخه إبراهيم بن أبي ميمونة مجهول؛ قال الذهبي: "ما روى عنه سوى يونس بن الحارث".
والحديث أخرجه الترمذي وابن ماجة والبيهقي عن المصنف ... بهذا الإسناد. وقال الترمذي:
"حديث غريب من هذا الوجه". وقال الحافظ في "التلخيص" (١/ ٥٢٥) -وسبقه النووي في "المجموع" (٢/ ٩٩) -:
"إسناده ضعيف".
قلت: لكن الحديث له شواهد كثيرة يرقى بها إلى درجة الصحيح:
فمنها: ما عند أحمد (٣/ ٤٢٢) من طريق أبي أويس: ثنا شُرَحْبِيلُ عن عُوَيْمِ ابن ساعدة الأنصاري أنه حدثه:
أنّ النّبيّ ﷺ أتاهم في مسجد قباء، فقال:
"إنّ الله ﵎ قد أحسن عليكم الثناء في الطُّهور في قصة مسجدكم، فما هذا الطُّهور الذي تطهرون به؟ ".
قالوا: والله يا رسول الله! ما نعلم شيئًا؛ إلا أنه كان لنا جيران من اليهود، فكانوا يغسلون أدبارهم من الغائط؛ فغسلنا كما غسلوا.
وهذا إسناد حسن.
رواه ابن خزيمة في "صحيحه" (١/ ١٤ / ٢).
ثم رأيته في "المستدرك" (١/ ١٥٥)؛ وصححه، ووافقه الذهبي.
стр. 70
ومنها: ما أخرجه الحاكم (١/ ١٨٧)، وعنه البيهقي من طريق محمد بن إسحاق عن الأعمش عن مجاهد عن ابن عباس:
﴿فيه رجال يحبون أن يتطهروا﴾؛ قال: لما نزلت هذه الآية؛ بعث رسول الله ﷺ إلى عُوَيْمِ بن ساعدة فقال:
"ما هذا الطهور الذي أثنى الله عليكم به؟ ". قالوا: يا نبي الله! ما خرج منا رجل ولا امرأة من الغائط إلا غسل دبره -أو قال: مقعدته-، فقال النّبي ﷺ :
"ففي هذا". وقال الحاكم:
"هذا حديث صحيح على شرط مسلم"! ووافقه الذهبي!
وفيه نظر من وجهين:
الأول: أن مسلمًا إنما روى لابن إسحاق مقرونًا بغيره.
وثانيًا: هو مدلس؛ وقد عنعنه.
وله شاهد ثالث من حديث جابر وأبي أيوب وأنس جميعًا:
رواه ابن ماجة وغيره، وقد صححه النووي (٢/ ٩٩)، وسوف نخرجه ونتكلم على إسناده في "صحيح ابن ماجة" -إن شاء الله تعالى- رقم ( ... ).
(تنبيه أول): قد تبين لك أنه ليس في شيء من هذه الأحاديث ذكر الحجارة مع الماء، وقد اشتهر على الألسنة أنهم كانوا يجمعون بينهما؛ بل جاء الحديث في "المهذب" بلفظ:
"قالوا: نتبع الحجارة الماء"! فقال النووي:
"كذا يقوله أصحابنا وغيرهم في كتب الفقه والتفسير، وليس له أصل في
стр. 71
كتب الحديث".
ولعله أراد ليس له أصل صحيح؛ وإلا فقد رواه البزار بلفظ "المهذب"؛ لكن إسناده ضعيف، كما قال الحافظ في "البلوغ"، و "التلخيص".
وأقول: إنه منكر؛ لمخالفته لجميع من روى هذا الحديث من الثقات.
(تنبيه ثان): وهم في حديث أبي هريرة -هذا- عالمان فحلان:
أحدهما: ابن العربي؛ حيث قال في "تفسيره" (١/ ٤١٥):
"وهذا حديث لم يصح"!
وهذا فيه إسراف ظاهر، فالحديث صحيح لا شك فيه؛ لما سبق من الشواهد وغيرها، ولو قال: (إسناده لم يصح)؛ لصدق.
والآخر: الحافظ ابن حجر؛ حيث قال في "الفتح" (٧/ ١٩٥): إن "إسناده صحيح"!
وهو غير صحيح إ! بل ضعيف بشهادة الحافظ نفسه؛ كما نقلناه عنه.
٢٤ - باب الرجل يَدْلُكُ يده بالأرض إذا استنجى
٣٥ - عن أبي هريرة قال:
كان النبي ﷺ إذا أتى الخلاء؛ أتيته بماء في تَور أو رَكوة، فاستنجى ثمّ مسح يدَه على الأرض، ثم أتيته بإناء آخر فتوضأ".
(قلت: حديث حسن، وصححه ابن حبان).
إسناده: أخرجه من طريقين عن شريك عن إبراهيم بن جرير عن المغيرة عن
стр. 72
أبي زرعة عن أبي هريرة. هكذا وقع في أكثر النسخ: (عن المغيرة)! ولم ترد في بعض النسخ الخطية المصححة، وهذا هو الصواب؛ لوجوه أربعة ذكرها صاحب "العون"، يطول الكلام بإيرادها.
وأزيد عليها وجهًا خامسًا: أن البيهقي أخرج الحديث في "سننه" (١/ ١٠٦ و ١٠٧) عن المصنف من الوجهين ... هكذا على الصواب دون ذكر: (عن المغيرة)؛ وكذلك هو عند كل من أخرج الحديث كما يأتي.
وهذا إسناد رجاله كلهم ثقات؛ إلا أن شريكًا -وهو ابن عبد الله القاضي- سيئ الحفظ، قال الحافظ في "التقريب":
"صدوق يخطيء كثيرًا، تغير حفظه منذ ولي القضاء بالكوفة، وكان عادلًا فاضلًا عابدًا شديدًا على أهل البدع".
وقد توبع عليه؛ كما يأتي، فالحديث حسن؛ إن شاء الله تعالى.
والحديث أخرجه النسائي وابن ماجة، وأحمد (٢/ ٣١١ و ٤٥٤)، وابن حبان في "صحيحه" (١٣٨ و ١٤٠٢) من طرق عن شريك عن إبراهيم بن جرير عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير عن أبي هريرة.
وتابعه أبان بن عبد الله بن أبي حازم؛ إلا أنه خالفه في إسناده فقال: حدثنا إبراهيم بن جرير بن عبد الله عن أبيه ... مثله.
أخرجه النسائي والدارمي وابن ماجة والبيهقي. وقال النسائي:
"هذا أشبه بالصواب من حديث شريك"! وتعقبه ابن التركماني بقوله:
"قلت: أبان هذا؛ قال ابن حبان: كان ممن فحش خطأه وانفرد بالمناكير. وشريك القاضي ممن استشهد به مسلم. وحديثه هذا؛ أخرجه ابن حبان في
стр. 73
"صحيحه"، فلا نسلِّم أن حديث أبان أشبه بالصواب منه، ولا يمتنع أن يكون لإبراهيم فيه إسنادان؛ أحدهما: عن أبي زرعة، والآخر: عن أبيه؛ كما مر نظير ذلك".
قلت: ويؤيد أنه ليس أشبه بالصواب: أن أبان قد اضطرب فيه: فمرة رواه هكذا عن إبراهيم عن أبيه. ومرة أخرى قال: ثني مولى لأبي هريرة قال: سمعت أبا هريرة.
أخرجه الدارمي والبيهقي، وأحمد (٢/ ٣٥٨).
وهذا مما يدل على سوء حفظه الذي وصفه به ابن حبان، وكذلك قال الحافط في "التقريب":
إنه "صدوق في حفظه لين".
والحديث قال النووي (٢/ ١٠٢):
"إسناده صحيح؛ إلا أن فيه شريكًا، وقد اختلفوا في الاحتجاج به".
قلت: وللحديث شاهد من حديث عائشة وميمونة ﵄ في حديث غسل الجنابة:
أنه ﷺ بعد غسله فرجه؛ ضرب بيده الأرض فغسلها.
وسيأتيان في الكتاب برقم (٢٤٣ و ٢٤٤).
٢٥ - باب السواك
٣٦ - عن أبي هريرة -يرفعه- قال:
"لولا أن أشق على المؤمنين؛ لأمرتهم بتأخير العشاء، وبالسواك عند كل صلاة".
(قلت: إسناده صحيح على شرطهما. وأخرجه أبو عوانة في "صحيحه"
стр. 74
بتمامه. وأخرجاه في "الصحيحين" دون الأمر بتأخير العشاء. وقال النووي: "إسناده صحيح").
إسناده: حدثنا قتيبة بن سعيد عن سفيان عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة.
وهذا سند صحيح على شرط الشيخين، وقد أخرجا بعضه كما يأتي.
والحديث أخرجه أبو عوانة في "صحيحه"، (١/ ١٩١)، والبيهقي (١/ ٣٧) من طرق عن سفيان بن عيينة ... به.
ومن هذا الوجه: أخرجه مسلم، والدارمي دون الأمر بتأخير العشاء.
وكذلك أخرجه مالك، وعنه البخاري وكذا النسائي عن أبي الزناد ... به.
وهذا القدر له طرق أخرى: عند البخاري ومالك والترمذي -وصححه-، وابن ماجة وأبي عوانة أيضًا، والطيالسي (رقم ٢٣٢٨)، وأحمد (٢/ ٢٨٧ و ٣٩٩ و ٤٠٠ و ٤٢٩ و ٤٦٠ و ٥١٧).
كما أن له -بتمامه- طرقًا أخرى. فقال أحمد (٢/ ٢٥٠ و ٤٣٣): ثنا يحيى: أنا عبيد الله: حدثني ابن أبي سعيد عن أبي هريرة بلفظ:
"بالسواك مع الوضوء، ولأخرت العشاء إلى ثلث الليل -أو شطر الليل-".
وهذا إسناد صحيح على شرط الستة (١).
стр. 75
ورواه محمد بن إسحاق عن سعيد بن أبي سعيد عن عطاء مولى أم صفية عن أبي هريرة بلفظ: "كل صلاة"!
فزاد في الإسناد (عطاءً) هذا؛ ولا يعرف كما قال الذهبي.
طريق ثالث: أخرجه أحمد أيضًا (٢/ ٢٥٨ - ٢٥٩): ثنا أبو عبيدة الحداد -كوفي ثقة- عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعًا بلفظ:
"عند كل صلاة بوضوء، ومع كل وضوء سواك".
وهذا إسناد حسن؛ كما قال المنذري في "الترغيب" (١/ ٩٩ / رقم ٣).
ثمّ إن الحديث؛ قال النووي في "المجموع" (٣/ ٥٦):
"رواه أبو داود بإسناد صحيح" ثمّ قال:
"وأما الحديث المذكور في "النهاية" و "الوسيط": "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة، ولأخرت العشاء إلى نصف الليل": فهو -بهذا اللفظ- حديث منكر لا يعرف، وقول إمام الحرمين: إنه حديث صحيح؛ ليس بمقبول، فلا يغتر به"! !
قلت: إن كان يعني بقوله: إنه منكر؛ لأنّ فيه: "إلى نصف الليل" -وهو ليس في حديث الباب-؛ فقوله هو المنكر؛ لأنّ هذه الزيادة صحيحة ثابتة؛ فهي عند أحمد على الشك بلفظ:
"إلى ثلث الليل -أو شطر الليل-"، كما سبق.
وهي عند الحاكم في روايته المذكورة آنفًا من طريق عبد الرحمن الأعرج عن سعيد بن أبي سعيد بلفظ: "إلى نصف الليل" بدون شك.