١٢٢ - وعنها:
أنّ النّبيّ ﷺ توضأ فأدخل أصبعيه في حُجْرَيْ أذنيه.
(قلت: إسناده حسن).
إسناده: حدثنا إبراهيم بن سعيد: ثنا وكيع: ثنا الحسن بن صالح عن عبد الله ابن محمد بن عقيل عن الربيع بنت معوذ.
وهذا إسناد حسن أيضًا، رجاله -غير ابن عقيل- رجال مسلم.
وابن سعيد: هو الجوهري.
والحديث أخرجه البيهقي (١/ ٦٥) من طريق المؤلف.
وأخرجه ابن ماجة (١/ ١٦٨) من طريقين آخرين عن وكيع ... به.
١٢٣ - عن أبي أمامة- وذكر وضوء النّبيّ ﷺ قال:
كان رسول الله ﷺ يمسح المَأْقَيْن. قال: وقال:
"الأذنان من الرأس".
قال سليمان بن حرب (أحد رواته عن حماد): يقولها أبو أمامة.
وقال حماد: لا أدري هو من قول النّبيّ ﷺ أو أبي أمامة؟ يعني: قصة الأذنين.
(قلت: حديث صحيح دون (مسح المأقين)، وحسنه الترمذي في بعض نسخ "السنن"، وقواه المنذري وابن دقيق العيد وابن التركماني والزيلعي).
стр. 212
إسناده: حدثنا سليمان بن حرب: ثنا حماد. (ح) وثنا مسدد وقتيبة عن حماد بن زيد عن سنان بن ربيعة عن شهر بن حوشب عن أبي أمامة.
قال المصنف عقبه: قال سليمان بن حرب: يقولها أبو أمامة. قال قتيبة: قال حماد: لا أدري هو من قول النّبيّ ﷺ أو أبي أمامة؟ ! يعني: قصة الأذنين. قال قتيبة: عن سنان أبي ربيعة. قال أبو داود: وهو ابن ربيعة؛ كنيته أبو ربيعة.
قلت: وهذا سند لا بأس به في الشواهد. سنان بن ربيعة أبو ربيعة وشيخه شهر بن حوشب مختلف فيهما.
والأول؛ أخرج له البخاري مقرونًا. وقال الحافظ في "التقريب":
"صدوق فيه لين".
وشهر؛ صدوق كثير الإرسال، وروى له مسلم مقرونًا أيضًا؛ كما في "الترغيب" (٤/ ٢٨٤).
وبقية رجال الإسناد رجال الشيخين، وقد مَروا مِرارًا.
والحديث أخرجه البيهقي (١/ ٦٦) من طريق مسدد وأبي الربيع قالا: حدثنا حماد ... به بلفظ:
توضأ فغسل وجهه ثلاثًا، ويديه ثلاثًا، ومسح برأسه، وقال:
"الأذنان من الرأس"؛ وكان يمسح المأقين.
ثمّ أخرجه من طريق يوسف بن موسى القطان: ثنا سليمان بن حرب ... به بلفظ:
"أنه وصف وضوء رسول الله ﷺ ، فقال:
стр. 213
كان إذا توضأ مسح مأقيه بالماء.
وقال أبو أمامة: الأذنان من الرأس.
قال سليمان بن حرب: الأذنان من الرأس؛ إنما هو من قول أبي أمامة، فمن قال غير هذا؛ فقد بدل؛ أو كلمة قالها سليمان؛ أي: أخطأ.
أخرجه من طريق الدارقطني، وهو في "سننه" (٣٨).
وأخرجه الترمذي (١/ ٥٣): حدثنا قتيبة ... به ولفظه:
توضأ النّبي ﷺ ؛ فغسل وجهه ثلاثًا، ويديه ثلاثًا، ومسح برأسه، وقال: "الأذنان من الرأس".
قال قتيبة: قال حماد: لا أدري ... إلخ. وقال:
"هذا حديث [حسن]، ليس إسناده بذاك القائم".
ولفظة: "حسن" ثبتت في بعض النسخ، كما ذكر المحقق أحمد محمد شاكر.
وقد تابعه على هذا السياق بتمامه: يونس: ثنا حماد -يعني: ابن زيد- .. به. وفي آخره قول حماد: فلا أدري ... إلخ.
ورواه عفان بن حماد عن زيد بلفظ: عن أبي أمامة قال: وصف وضوء رسول الله ﷺ ... فذكر ثلاثًا ثلاثًا، ولا أدري كيف ذكر المضمضة والاستنشاق، وقال: "والأذنان من الرأس". قال:
وكان رسول الله ﷺ يمسح المأقين، وقال بأصبعيه -وأرانا حماد- ومسح مأقيه.
стр. 214
أخرجه أحمد (٥/ ٢٥٨).
ثمّ أخرجه (٥/ ٢٦٨) من طريق يحيى بن إسحاق: أنا حماد بن زيد بلفظ:
توضأ فمضمض ثلاثًا، واستنشق ثلاثًا، وغسل وجهه، وكان يمسح المأقين من العين، قال: وكان النّبيّ ﷺ يمسح رأسه مرة واحدة، وكان يقول:
"الأذنان من الرأس".
وأخرجه الطحاوي (١/ ١٩) عن يحيى بن حسان عن حماد ... به مختصرًا بلفظ:
توضأ فمسح أذنيه مع الرأس، وقال:
"الأذنان من الرأس".
وأخرجه ابن ماجة (١/ ١٦٨)، والدارقطني من طريق محمد بن زياد الزيادي: أخبرنا حماد بن زيد بلفظ: أن رسول الله ﷺ قال:
"الأذنان من الرأس"، وكان يمسح رأسه مرة، وكان يمسح المأقين.
ثمّ أخرجه الدارقطني عن الهيثم بن جميل ومحمد بن أبي بكر وأبي عمر كلهم عن حماد ... به مرفوعًا مقتصرين على قوله ﵊:
"الأذنان من الرأس". وقال الدارقطني:
"أسنده هؤلاء عن حماد، وخالفهم سليمان بن حرب؛ وهو ثقة حافظ".
قلت: هؤلاء الذين رفعوه: أبو الربيع -وهو سليمان بن داود العَتَكي-، ويحيى ابن إسحاق ويحيى بن حسان ومحمد بن زياد والهيثم بن جميل ومحمد بن أبي بكر وأبو عمر -وهو حفص بن عمر الحوضي- كلهم ثقات محتج بهم في
стр. 215
"الصحيح"؛ فتخطئتهم وردُّ روايتهم -وهم بهذه الكثرة والمنزلة في الثقة والعدالة- لمجرد جزم سليمان بن حرب بوقفه، أو لتوقف غيره في رفعه؛ مما لا ينشرح له الصدر، ولا تقبله قواعد هذا الفن الشريف؛ بل الظاهر من مجموع هذه الروايات عن حماد: أن حمادًا نفسه كان تارة يرفع الحديث، وتارة يوقفه، وتارة يتردد في ذلك، فروى كل عنه ما سمعه منه.
فكل الروايات عنه صحيحة ثابتة، لكن يبقى النظر في أصل الحديث؛ هل هو مرفوع أم موقوف؟
ويترجح عندنا الأول؛ وذلك لأمور:
الأول: ما قاله ابن التركماني في رده على البيهقي -بعد أن ذكر شيئًا من الخلاف السابق في رفعه ووقفه- قال:
"وإذا رفع أحد حديثًا ووقفه آخر، أو فعلهما شخص واحد في وقتين؛ يرجح الرافع؛ لأنه أتى بزيادة، ويجوز أن يسمع الإنسان حديثًا فيوقفه في وقت، ويرفعه في وقت آخر، وهذا أولى من تغليط الرافع".
وذكره الزيلعي (١/ ١٩) بتصرف يسير في بعض الألفاظ؛ دون أن ينسبه إلى ابن التركماني، وقد لاحظت ذلك منه غير مرة، وليس بجيد؛ فإن من أمانة العلم نسبةَ كل قول إلى قائله!
الأمر الثاني: أن قوله عليه الصلاة السلام: "الأذنان من الرأس"؛ روي عن أبي أمامة من وجهين آخرين: أخرجهما الدارقطني (٣٨ - ٣٩) وضعفهما.
الثالث: أن الحديث ورد مرفوعًا عن جمع كثير من الصحابة؛ وهم:
٢ - عبد الله بن زيد ٣ - عبد الله بن عباس ٤ - أبو هريرة ٥ - أبو موسى ٦ - عبد الله بن عمر ٧ - عائشة ٨ - أنس.
стр. 216
وذكرها الحافظ في "التلخيص" (١/ ٤٣١ - ٤٣٢)، وخرجها؛ وجُلُّها عند الدارقطني؛ وأعلها كلها. لكنه قد نوزع في بعضها، كحديث عبد الله بن زيد؛ وهو عند ابن ماجة، وقد ذكر الحافظ نفسه أنه قواه المنذري، وابن دقيق العيد، وكذلك قواه ابن التركماتي، والزيلعي؛ بل ذكرا أنه أمثل إسناد في هذا الباب. وسوف نتكلّم عليه إن شاء الله تعالى في "صحيح ابن ماجة".
وبالجمله؛ فالحديث عندنا صحيح بهذه الطرق والشواهد للكثيرة؛ التي منها ما يأتي بعد باب من حديث ابن عباس في مسح الرأس والأذنين بماء واحد، انظر (رقم ١٢٦)، وأصرح منه ما سأذكره في الحديث (١٢٩).
٥١ - باب الوضوء ثلاثًا ثلاثًا
١٢٤ - عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده [عبد الله بن عمرو بن العاص]:
أن رجلًا أتى النّبيّ ﷺ فقال: يا رسول الله! كيف الطُّهور؟
فدعا بماء في إناء، فغسل كفيه ثلاثًا، ثمّ غسل وجهه ثلاثًا، ثمّ غسل ذراعيه ثلاثًا، ثمّ مسح برأسه، فأدخل أصبعيه السَّبَّاحتين في أذنيه، ومسح بإبهاميه على ظاهر أذنيه، وبالسباحتين باطن أذنيه، ثمّ غسل رجليه ثلاثًا ثلاثًا، ثم قال:
"هكذا الوضوء، فمن زاد على هذا أو نقص؛ فقد أساء وظلم -أو ظلم وأساء-".
(قلت: إسناده حسن صحيح. وأخرجه ابن خزيمة في "صحيحه".
стр. 217
وصححه النووي. غير أن قوله: "أو نقص" شاذ، بل هو وهم من بعض الرواة، كما عليه المحققون، ويعارضه ما يأتي في البابين التاليين من وضوئه ﷺ مرة مرة، ومرتين مرتين).
إسناده: حدثنا مسدد: ثنا أبو عوانة عن موسى بن أبي عائشة عن عمرو بن شعيب.
وهذا إسناد حسن، رجاله ثقات رجال البخاري؛ غير عمرو بن شعيب، وأبيه شعيب -وهو ابن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص القرشي-؛ قال الذهبي:
"قلت: شعيب والده لا مغمز فيه، ولكن ما علمت أحدًا وثقه، بل ذكره ابن حبان في "تاريخ الثقات". وقد روى عن جده عبد الله، وعن معاوية، وعن والده محمد بن عبد الله إن كان ذلك محفوظًا. وقد ذكر البخاري وأبو داود وغير واحد أنه سمع من جده، وهذا لا ريب فيه. أمّا رواية شعيب عن أبيه محمد بن عبد الله؛ فما علمتها صحت؛ فإن محمدًا قديم الوقاة؛ وكأنه مات شابًّا".
قلت: ورواية شعيب عن أبيه ستأتي في "البيوع" [باب الرجل يبيع ما ليس عنده].
وأمّا عمرو بن شعيب؛ فوثقه الجمهور، كما صرح به الحافظ في "تهذيب التهذيب"، وقال في "التقريب": إنه:
"صدوق".
قلت: لكنهم اختلفوا في الاحتجاج بروايته عن أبيه عن جده: فقال ابن عدي:
"عمرو بن شعيب في نفسه ثقة؛ إلا إذا روى عن جده عن النّبيّ ﷺ يكون مرسلًا؛ لأنّ جده عنده محمد بن عبد الله بن عمرو؛ ولا صحبة له"! قال
стр. 218
الذهبي:
"قلت: هذا لا شيء؛ لأنّ شعيبًا جده عبد الله فإذا قال: "عن أبيه" ثمّ قال: "عن جده"؛ فإنما يريد بالضمير في جده أنه عائد إلى شعيب".
وذكر ابن حبان في "الضعفاء" نحو ما ذكر ابن عدي؛ وزاد:
"وإن أراد جده عبد الله بن عمرو؛ فيكون الخبر منقطعًا؛ فإن شعيبًا لم يلق عبد الله"! ورده الذهبي أيضًا بقوله:
"قلت: قد مر أنّ محمدًا قديم الموت، وصح أيضًا أن شعيبًا سمع من معاوية، وقد مات معاوية قبل عبد الله بن عمرو بسنوات، فلا ينكر له السماع من جده؛ سيما وهو الذي رباه وكفله" (١).
قلت: فثبت بذلك أن شعيبًا سمع من جده عبد الله بن عمرو، وأن الإسناد ليس بمنقطع ولا بمرسل.
بيد أنه قد مرت الإشارة إلى أنّ شعيبًا قد روى عن أبيه محمد أيضًا، فإذا قال في الإسناد:
عن أبيه عن جده؛ فلقائل أن يقول: يحتمل أن يكون الضمير في (أبيه، جده) يعود إلى عمرو، وحينئذٍ فجده هو محمد بن عبد الله بن عمرو؛ وعليه يكون
стр. 219
الحديث مرسلًا؛ كما قال ابن عدي!
لكنا نقول: إن هذا احتمال بعيد؛ لقلة رواية شعيب عن أبيه محمد، حتى إن الحافظ ليقول في "التهذيب":
"ولم يأت التصريح بذكر محمد بن عبد الله بن عمرو في حديثه؛ إلا في هذين الحديثين".
يعني بأحدهما: ما سبقت الإشارة إليه أنه يأتي في "البيوع".
والآخر: عند النسائي في النهي عن الحمر الأهلية.
وأيضًا؛ فإني قد تتبعت أحاديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده في "مسند أحمد" وفي هذا الكتاب؛ فوجدتها على أربعة أنواع:
الأول: ما إسناده على نسق إسناد هذا الحديث: عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده؛ مما ليس فيه التصريح بما يلزم منه الوصل؛ وأن جده عبد الله بن عمرو.
وهذا النوع هو الأكثر؛ وسيأتي في الكتاب منه نحو عشرين حديثًا أو أكثر.
الثاني: مثله؛ إلا أن فيه التصريح بمثل قوله: سمعت رسول الله ﷺ ، أو رأيته، ونحو ذلك مما يلزم منه الصحبة والمشاهدة، ويلزم منه دفع الاحتمال السابق.
ومن أمثلته: ما سيأتي في "باب الصلاة في النعل" (رقم ٦٦٠)، وانظر "المسند" (٢/ ١٨١ و ١٨٥ و ١٨٦ و ٢٠٣ و ٢٠٥ و ٢١٥ و ٢١٦)، و (رقم ٧٠١) من هذا الكتاب.
الثالث: عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو؛ وهذا فيه بيان أن جده هو عبد الله بن عمرو؛ ليس هو ابنه محمد بن عبد الله.
стр. 220
ومن أمثلته ما سيأتي في "اللقطة" (رقم ١٥٠٤)، وفي "الطلاق" (رقم ١٩٦٨)، وفي "الفرائض" (رقم ٢٥٨٦)، وفي "الحدود" (باب ما لا قطع فيه).
النوع الرابع: عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو.
ومن أمثلته ما يأتي (رقم ٣٧٥)، وفي "الجمعة" (رقم ١٠١٩)، وفي "العيدين" (رقم ١٠٤٥)، وفي "البيوع"، (رقم ... و ... ) [في خيار المتبايعين، والرجوع في الهبة]، وفي "الحدود" (رقم ... )] العفو عن الحدود ما لم تبلغ السلطان]، وفي "الديات" (رقم ... ) [ديات الأعضاء]، وفي "الأدب" (رقم ... ).
فهذه الأنواع الثلاثة الأخيرة تشير إلى أن المراد من الجد المطلق في النوع الأول: إنما هو عبد الله بن عمرو؛ حملًا للمطلق على المقيد.
ولذلك ساق الإمام أحمد أحاديث هذا النوع في (مسند عبد الله بن عمرو) إشارةً إلى أنها موصولة. وكذلك فعل يونس بن حبيب في روايته لـ "مسند الطيالسي" (٢٩٨ - ٢٩٩). وبذلك جزم الحافظ فقال:
"وأمّا روايته عن أبيه عن جده؛ فإنما يعني بها الجد الأعلى عبد الله بن عمرو، لا محمد بن عبد الله، وقد صرح شعيب بسماعه من عبد الله في أماكن، وصح سماعه منه كما تقدّم، وكما روى حماد بن سلمة عن ثابت البناني عن شعيب قال: سمعت عبد الله بن عمرو ... فذكر حديثًا. أخرجه أبو داود من هذا الوجه".
قلت: لا يوجد عند المصنف بهذا الإسناد غير حديث واحد؛ سيأتي إن شاء الله تعالى في "الأطعمة" (رقم ... ) [الأكل متكئًا]؛ لكن ليس فيه التصريح بالسماع من عبد الله؛ بل هو معنعن، وكذلك رواه أحمد (٢/ ١٦٥ و ١٦٦)، وروى به حديثًا آخر.
فلعل ما ذكره الحافظ هو رواية عن المصنف، أو هو في بعض النسخ من "السنن".
стр. 221
هذا؛ وقد بقي علينا الجواب عن علة أخرى أُعل بها هذا الإسناد مع ثبوت سماع شعيب من جده عبد الله؛ فقال الترمذي (١/ ١٤٠) -عقب حديث يأتي (برقم ٩٩١) -:
"ومن تكلم في حديث عمرو بن شعيب؛ إنما ضعفه لأنه يحدث عن صحيفة جده، كأنهم رأوا أنه لم يسمع هذه الأحاديث من جده"! وقال ابن معين:
"وجد شعيب كتب عبد الله بن عمرو، فكان يرويها عن جده إرسالًا، وهي صحاح عن عبد الله بن عمرو، غير أنه لم يسمعها"! قال الحافظ:
"فإذا شهد له ابن معين أن أحاديثه صحاح؛ غير أنه لم يسمعها وصح سماعه لبعضها؛ فغاية الباقي أن يكون وجاده صحيحة؛ وهو أحد وجوه التحمل".
قلت: وجواب الحافظ هذا؛ خير من جواب الذهبي؛ حيث قال:
"أما كونها وجادة أو بعضها سماع وبعضها وجادة؛ فهذا محل نظر، ولسنا نقول: إن حديثه من أعلى أقسام الصحيح؛ بل هو من قبيل الحسن"!
فقد تبين بهذا التحرير صلاحية الاحتجاج بالأحاديث المروية بهذا الإسناد.
وأمّا اشتراط بعضهم أن يكون الراوي عن عمرو ثقة؛ فمما لا حاجة إلى التنبيه عليه؛ لأنه شرط ضروري في جميع الرواة، لا يختص به عمرو؛ كما قال الحافظ.
من ذلك: قال البخاري في "تاريخه": "رأيت أحمد بن حنبل وعلي بن المديني وإسحاق بن راهويه وأبا عبيد وعامة أصحابنا يحتجون بحديث عمرو بن
стр. 222
شعيب عن أبيه عن جده، ما تركه أحد من المسلمين". قال البخاري:
"من الناس بعدهم؟ " (١).
وبالغ بعض المتقدمين فقال: "إذا كان الراوي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ثقة؛ فهو كأيوب عن نافع عن ابن عمر"!
وقد أخرج له ابن خزيمة في "صحيحه". والبخاري في "جزء القراءة خلف الإمام" على سبيل الاحتجاج.
ومن رام زيادة توسع في "هذه الترجمة؛ فليراجع "التهذيب"، و "الميزان"، وتحقيق أحمد محمد شاكر في تعليقه على "سنن الترمذي" (١/ ١٤٠ - ١٤٤)؛ وقد أجاد.
ثمّ إن الحديث أخرجه البيهقي (١/ ٧٩) من طريق المؤلف.
وأخرجه الطحاوي (١/ ٢٢) من طريق شيخه أحمد بن داود قال: ثنا مسدد ... به؛ دون قوله في آخره:
"أو ظلم وأساء".
وأحمد بن داود: هو ابن موسى السدوسي؛ وثقه ابن يونس؛ فلعل الشك جاء من المصنف.
وأخرجه أحمد (٢/ ١٨٠): ثنا يعلى [قلت: هو ابن عُبَيْدٍ الطَّنَافِسي]: ثنا
стр. 223
سفيان عن موسى بن أبي عائشة ... به؛ ولفظه:
جاء أعرابي إلى النّبيّ ﷺ يسأله عن الوضوء؟ فأراه ثلاثًا ثلاثًا، قال: "هذا الوضوء؛ فمن زاد على هذا؛ فقد أساء وتعدى وظلم".
وكذا أخرجه النسائي (١/ ٣٣)، وابن ماجة (١/ ١٦٣ - ١٦٤) من حديث يعلى ... به، ليس فيه: "أو نقص".
فقد اختلف فيها سفيان وأبو عوانة -واسمه الوضاح- فأثبتها هذا، ولم يذكرها سفيان؛ والقول قوله؛ لأمور ثلاثة.
الأول: أنه أحفظ من أبي عوانة، قال الدوري: "رأيت يحيى بن معين لا يقدم على سفيان في زمانه أحدًا في الفقه والحديث والزهد وكل شيء".
وقال المصنف: "بلغني عن ابن معين قال: ما خالف أحد سفيان في شيء؛ إلا كان القول قول سفيان".
وأبو عوانة تكلم في حفظه؛ على ثقته وجلالته، فقال أحمد:
"إذا حدث من كتابه فهو أثبت، وإذا حدث من غير كتابه ربما وهم". وذكر نحوه أبو حاتم؛ إلا أنه قال:
"وإذا حدث من حفظه غلط كثيرًا".
ثمّ وجدت في "مصنف ابن أبي شيبة" ما يعكر على هذا، فقال (١/ ٨ - ٩): حدثنا أبو أسامة عن سفيان ... بزيادة "أو نقص".
لكن أبو أسامة -وهو حماد بن أسامة- وإن كان ثقة ثبتًا؛ فقد قال الحافظ: "ربما دلس، وكان بأخرة يحدث من كتب غيره".
стр. 224
الأمر الثاني: أنني وجدت للحديث شاهدًا من حديث ابن عباس ... مثل رواية سفيان عن موسى:
أخرجه الطبراني في "الكبير" (١١/ ٧٥ / ١١٠٩١)؛ وفيه سويد بن عبد العزيز؛ قال الهيثمي (١/ ٢٣١):
"وضعفه أحمد ويحيى وجماعة، ووثقه دحيم".
الأمر الثالث: إذا ثبت عنه ﵊ الوضوء مرتين مرتين، والوضوء مرة مرة -كما في البابين التاليين- فكيف يكون ذلك ظلمًا وإساءة! ولذلك قال المحقق السندي في "حاشيته على ابن ماجة":
"وقد جاء في بعض روايات هذا الحديث: "أو نقص"، والمحققون على أنه وهم؛ لجواز الوضوء مرة مرة، ومرتين مرتين".
قلت: وأما جواب النووي ﵀ في "المجموع" (١/ ٤٤٠) بقوله:
"إِن ذلك الاقتصار منه ﵊ كان لبيان الجواز؛ فكان في ذلك الحال أفضل؛ لأن البيان واجب"!
وهذا عندي لا شيء؛ فإنه إذا كان لبيان الجواز؛ فمن فعل الجائز اتباعًا له ﵊ كيف يقال فيه: "فقد أساء وظلم"؟ !
ثمّ هل يستوي هذا مع الذي يزيد فوق الثلاث؛ الذي لم يفعله ﵊ ألبتة؛ مع أنه قال في كليهما: "فقد أساء وظلم"؟ !
اللهم! إنهما لا يستويان؛ فذاك متبع وهذا مبتدع، وهو المراد بهذا الوعيد!
وقوله: "أو نقص"؛ شاذ ووهم من أبي عوانة؛ وسبحان من لا ينسى ولا يسهو!
стр. 225
"قال الشيخ تقي الدين في "الإمام": وهذا الحديث صحيح عند من يصحح حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده؛ لصحة الإسناد إلى عمرو"؛ كذا في "نصب الراية" (١/ ٢٩).
قلت: وممن صححه من المتقدمين: ابن خزيمة؛ حيث أخرجه -أعني: في "صحيحه"؛ كما في "التلخيص" (١/ ٤٠٨) -، ومن التأخرين النووي في "المجموع" (١/ ٤٣١ - ٤٣٨)، وهو -كما قال- باعتبار شاهده المذكور آنفًا عن ابن عباس.
٥٢ - باب الوضوء مرتين
١٢٥ - عن أبي هريرة:
أنّ النّبيّ ﷺ توضأ مرتين مرتين.
(قلت: إسناده حسن صحيح، وكذا قال الترمذي، وصححه ابن حبان والحاكم والذهبي).
إسناده: حدثنا محمد بن العلاء: ثنا زيد بن الحُبَاب: ثنا عبد الرحمن بن ثوبان: ثنا عبد الله بن الفضل الهاشمي عن الأعرج عن أبي هريرة.
وهذا إسناد حسن رجاله كلهم ثقات رجال مسلم؛ غير عبد الرحمن بن ثوبان؛ وهو جده؛ واسم أبيه ثابت؛ وهو حسن الحديث، وقد تكلم فيه من قبل حفظه، وأعدل الأقوال فيه قول المصنف:
"كان فيه سلامة، وليس به بأس، وكان مجاب الدعوة".
قلت: وقد صحح له الحافط العراقي حديثًا، سيأتي في الكتاب (رقم ... )،
стр. 226
وحسنه الحافط وغيره؛ كما سنبينه هناك إن شاء الله تعالى.
والحديث أخرجه الترمذي (١/ ٦٢) قال: حدثنا أبو كُرَيب [وهو محمد بن العلاء] ومحمد بن رافع قالا: حدثنا زيد بن حباب.
وأخرجه أحمد (٢/ ٢٨٨ و ٦٤٤): ثنا زيد بن الحباب ... به.
وأخرجه الدارقطني (٣٤)، والبيهقي (١/ ٣٩) عن زيد. وقال الترمذي:
"حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث ابن ثوبان عن عبد الله بن الفضل، وهو إسناد حسن صحيح".
وصححه ابن حبان، كما في "الفتح" (١/ ٢٠٨).
ثم رأيت الحاكم أخرج الحديث في "المستدرك" (١/ ١٥٠) من هذا الوجه، وقال:
"صحيح على شرط مسلم"! ووافقه الذهبي!
فوهما.
وله شاهد من حديث عبد الله بن زيد الأنصاري بهذا اللفظ:
أخرجه البخاري، والدارقطني (٣٥)، وأحمد (٤/ ٤١)، وهو حديث آخر لعبد الله غير حديثه المتقدّم (رقم ١١٠)؛ وإسناده غير إسناده.
١٢٦ - عن عطاء بن يسار قال: قال لنا ابن عباس:
أتحبُّون أن أُريَكم كيف كان رسول الله ﷺ يتوضأ؟
فدعا بإناء فيه ماء، فاغترف غرفة بيده اليمنى، فتمضمض واستنشق،
стр. 227
ثمّ أخذ أخرى، فجمع بها يديه، ثمّ غسل وجهه، ثمّ أخذ أخرى، فغسل بها يده اليمنى، ثمّ أخذ أخرى فغسل بها يده اليسرى، ثمّ قبض قبضة من الماء، ثمّ نفض يده، ثمّ مسح رأسه وأذنيه، ثمّ قبض قبضة أخرى من الماء، فرشّ على رجله اليمنى وفيها النعل؛ ثمّ مسحها بيديه: يد فوق القدم ويد تحت النعل، ثمّ صنع باليسرى مثل ذلك.
(قلت: إسناده حسن. وقال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم"، يوافقه الذهبي. لكن ذكر مسح النعلين من فوقهما ومن تحتهما شاذ في هذه الرواية. وقد أخرجه ابن حبان في "صحيحه" بدون المسح على النعلين، وصححه ابن خزيمة، وابن منده، وروى الترمذي منه -مسح الرأس والأذنين- وصححه أيضًا، ورواه البخاري في "صحيحه" دون مسح الأذنين).
إسناده: ثنا عثمان بن أبي شيبة: ثنا محمد بن بشر: ثنا هشام بن سعد: ثنا زيد عن عطاء.
وهذا إسناد حسن، رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين؛ غير هشام بن سعد؛ فمن رجال مسلم وحده؛ لكن قال الذهبي في "الميزان":
"قال الحاكم: أخرج له مسلم في الشواهد"!
وهو ثقة؛ لا سيما في روايته عن زيد بن أسلم. فقد قال الآجري عن المؤلف: "هشام بن سعد أثبت الناس في زيد بن أسلم"!
لكن قد تكلموا فيه من قبل حفظه؛ ولذلك فهو حجة إذا لم يخالف، وهو كما قال العجلي:
"حسن الحديث". وقال الحافظ في "التقريب": إنه
стр. 228
"صدوق له أوهام".
والحديث أخرجه الحاكم (١/ ١٤٧) من طريق خلاد بن يحيى السُّلَمِيّ: ثنا هشام بن سعد ... به، لكنه لم يذكر مسح النعل من فوق؛ بل قال:
ومسح أسفل النعلين. وقال:
"صحيح على شرط مسلم"! ووافقه الذهبي!
كذا! مع أنه نقل عنه كما سلف أن مسلمًا إنما أخرج لابن سعد في الشواهد؛ فإذا صح هذا؛ فلا يصح قولهما.
وإن صح هذا؛ فلا يصح ذاك.
ثم إنني أرى أن ذكر المسح على النعلين -من فوقهما ومن تحتهما- لا معنى له مع رش الرجلين الذي هو كناية عن غسلهما، بل ذلك من أوهام هشام بن سعد؛ فقد تابعه على هذا الحديث جمع من الثقات، فلم يذكر أحد منهم المسح على النعلين.
لا أقول هذا إنكارًا لثبوت المسح على النعلين؛ كلًّا؛ فذلك ثابت عن النّبي ﷺ ؛ لكن في غير هذا الحديث، كما سيأتي في الكتاب (برقم ١٤٧، وغيره).
وقال الحافظ في "الفتح":
"وأما ما وقع عند أبي داود والحاكم: فرش على رجله اليمنى ... إلخ؛ فالمراد بالمسح تسييل الماء حتى يستوعب العضو، وقد صح أنه ﷺ كان يتوضأ في النعل؛ كما سيأتي من حديث ابن عمر. وأما قوله: تحت النعل؛ فإن لم يحمل على التجوز عن القدم؛ وإلا فهي رواية شاذة، وراويها هشام بن سعد لا يحتج بما تفرد به؛ فكيف إذا خالف"!
стр. 229
كذا قال! وفي كلامه في ابن سعد مبالغة لا تخفى! ثم هي لا تتفق مع ما نقلناه آنفًا عن كتابه "التقريب"؛ فتأمل!
والوضوء في النعل سبق من حديث ابن عباس عن علي ﵁ في الكتاب (رقم ١٠٧)؛ وإليك أسماء الذين تابعوا هشامًا؛ دون الزيادة المشار إليها:
فمنهم: سليمان بن بلال؛ بلفظ: عن ابن عباس:
أنه توضأ فغسل وجهه، ثمّ أخذ غرفة من ماء، فمضمض واستنشق، ثمّ أخذ غرفة من ماء فجعل هكذا؛ أضافها إلى يده الأخرى، فغسل بهما وجهه، ثمّ أخذ غرفة من ماء، فغسل بها يده اليمنى، ثمّ غرف غرفة من ماء، فغسل بها يده اليسرى، ثمّ مسح برأسه، ثمّ أخذ غرفة من ماء، فرش على رجله اليمنى حتى غسلها، ثمّ أخذ غرفة أخرى، فغسل بها رجله -يعني: اليسرى-، ثمّ قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ.
أخرجه البخاري (١/ ١٩٤)، وأحمد (١/ ٢٦٨)، ومن طريقه البيهقي (١/ ٥٣).
ومنهم: محمد بن عجلان؛ بلفظ:
توضأ رسول الله ﷺ ، فغرف غرفة، فمضمض واستنشق ... الحديث نحو رواية هشام؛ إلا أنه قال:
ثمّ مسح برأسه وأذنيه: باطنهما بالسباحتين، وظاهرهما بإبهاميه، ثمّ غرف غرفة؛ فغسل رجله اليمنى، ثمّ غرف غرفة؛ فغسل رجله اليسرى.
أخرجه النسائي (١/ ٢٩)، والبيهقي (١/ ٥٥ و ٦٧)، وابن حبان في "صحيحه". قال الحافظ في "التلخيص" (١/ ٤٣٠):
"وصححه ابن خزيمة وابن منده".
стр. 230
قلت: وروى منه الترمذي (١/ ٥٢) -وصححه-، وابن ماجة (١/ ١٦٧) مسح الرأس والأذنين.
ومنهم: عبد العزيز بن محمد الدراوردي؛ ولفظه:
رأيت رسول الله ﷺ توضأ؛ فغسل يديه، ثمّ تمضمض واستنشق من غرفة واحدة، وغسل وجهه، وغسل يديه مرة مرة، ومسح رأسه وأذنيه مرة -قال عبد العزيز: وأخبرني من سمع ابن عجلان يقول في ذلك-، وغسل رجليه.
أخرجه النسائي، وإسناده صحيح.
وأخرجه الدارمي (١/ ١٧٧)، وابن ماجة (٤٠٣)، والحاكم (١/ ١٥٠)، والبيهقي (١/ ٥٠) مختصرًا دون قوله: وغسل وجهه ... إلخ. وقال الحاكم:
"صحيح على شرط مسلم". ووافقه الذهبي؛ وهو كما قالا.
وصححه النووي في "المجموع" (١ / ... ).
ومنهم: ورقاء -وهو ابن عمر اليَشْكُرِيُّ-؛ بلفظ:
ألا أريكم وضوء رسول الله ﷺ ؟ قال: فغسل يديه مرة مرة، ومضمض مرة، واستنشق مرة، وغسل وجهه مرة، وذراعيه مرة مرة، ومسح رأسه مرة، وغسل رجليه مرة مرة، ثم قال: هذا وضوء رسول الله ﷺ .
أخرجه البيهقي (١/ ٦٧)، وقال:
"هذا إسناد صحيح".
(تنبيه): ظاهر حديث الباب: أنه ﵊ مسح أذنيه بماء الرأس، فهو شاهد قوي لحديث أبي أمامة المتقدّم (رقم ١٢٣):
стр. 231
"الأذنان من الرأس".
ثمّ إنّ الحديث لا مناسبة له بالباب، بل محله في الباب الذي يليه؛ فلو أورده المصنف فيه؛ لأصاب!
٥٣ - باب الوضوء مرة مرة
١٢٧ - عن ابن عباس قال:
ألا أخبركم بوضوء رسول الله ﷺ ؟ فتوضأ مرة مرة.
(قلت: إسناده صحيح على شرط البخاري. وقد أخرجه، وقال الترمذي: إنه أحسن شيء في الباب وأصح).
إسناده: حدثنا مسدد: ثنا يحيى عن سفيان: حدثني زيد بن أسلم عن عطاء ابن يسار عن ابن عباس.
وهذا إسناد صحيح على شرط البخاري؛ وقد أخرجه كما يأتي.
والحديث أخرجه النسائي (١/ ٢٥)، والترمذي (١/ ٦٠)، وابن ماجة (١/ ١٦١) من طرق عن يحيى بن سعيد القطان. .. به.
وأخرجه البخاري (١/ ٢٠٧)، والترمذي أيضًا، والدارمي (١/ ١٧٧)، والطحاوي (١/ ١٧)، وأحمد (١/ ٢٣٣ و ٣٦٥) عن سفيان ... به.
وتابعه معمر وداود بن قيس: عند البيهقي (١/ ٨٠)، وأحمد (١/ ٣٣٢ و ٣٣٦).
وأخرجه الحاكم (١/ ١٥٠ - ١٥١) عن داود وقال: إنه
стр. 232
"صحيح على شرط مسلم". ووافقه الذهبي؛ وهو كما قالا.
وله متابعات أخرى عن زيد؛ فانظر الذي قبله. ثمّ قال الترمذي: إنه "أحسن شيء في هذا الباب وأصح".
وتابعه عمرو بن دينار عن عطاء ... به: رواه الطبراني (٣/ ١٢٠ / ١).
ورواه (٣/ ٩٩ / ٢) من طريق ابن لهيعة عن يزيد بن عبد الله بن الهاد عن إسماعيل بن إبراهيم عن يعقوب بن خالد عن ابن عباس عن النّبي ﷺ ؛ قال: "الوضوء مرة مرة"!
هكذا جعله من قوله ﷺ ؛ وهو منكر تفرد به ابن لهيعة بهذا السند؛ وهو ضعيف سيئ الحفط.
ويعقوب بن خالد؛ الظاهر أنه ابن المسيب، لكنهم لم يذكروا له رواية عن الصحابة، انظر "الجرح والتعديل" (٤/ ٢ / ٢٠٧).
٥٤ - باب في الفرق بين المضمضة والاستنشاق
[ليس تحته حديث على شرط كتابنا هذا. (انظر "الضعيف")]
٥٥ - باب في الاستنثار
١٢٨ - عن أبي هريرة: أنّ رسول الله ﷺ قال:
"إذا توضأ أحدكم؛ فليجعل في أنفه ماء، ثمّ لْيَنْثُرْ".
(قلت: إسناده صحيح على شرط الشيخين؛ وقد أخرجاه، وكذا أبو عوانة
стр. 233
في "صحاحهم").
إسناده: حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة.
وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين؛ وقد أخرجاه كما يأتي.
والحديث في "الموطأ" (١/ ٤١ - ٤٢) بهذا الإسناد. وعنه: أخرجه البخاري وأبو عوانة في "صحيحيهما"، والنسائي والبيهقي وأحمد (٢/ ٢٧٨)، ومحمد في "موطئه" (٤٣) كلهم عن مالك ... به وزادوا:
"من استجمر فليوتر".
وتابعه سفيان الثوري عن أبي الزناد.
أخرجه مسلم وأحمد (٢/ ٢٤٢).
وتابعه ابن شهاب: أخبرني أبو إدريس الخولاني أنه سمع أبا هريرة وأبا سعيد الخدري يقولان: قال رسول الله ﷺ ... فذكره بالزيادة.
أخرجه ابن حبان (٢/ ٣٥٢ / ١٤٣٥).
وله في "المسند" (٢/ ٢٧٧ و ٣٠٨ و ٣١٦ و ٣٥٢) وكذا في "مسلم" طرق أخرى.
وله عند أحمد (٢/ ٢٨٩) طريق أخرى من فعله ﵊؛ قال: ثنا عتاب بن زياد: ثنا عبد الله بن مبارك: أنا معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ :
أنه كان إذا استنشق؛ أدخل الماء منخريه.
стр. 234
وهذا إسناد صحيح، رجاله رجال الشيخين؛ غير عَتَّاب بن زياد، وهو ثقة.
١٢٩ - عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "استنثروا مرتين بالغتين أو ثلاثًا".
(قلت: إسناده صحيح، وصححه ابن القطان في "بيان الوهم والإيهام" (٢/ ١٥٦ / ١)، وقال الحافظ: "إسناده حسن").
إسناده: حدثنا إبراهيم بن موسى: ثنا وكيع: ثنا ابن أبي ذئب عن قارظ عن أبي غطفان عن ابن عباس.
وهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم رجال مسلم؛ غير قارظ -وهو ابن شيبة-؛ قال النسائي:
"ليس به بأس".
وذكره ابن حبان في "الثقات".
والحديث أخرجه ابن ماجة عن وكيع ... به.
ثمّ أخرجه هو والبخاري في "التاريخ" (٤/ ١ / ٢٠١)، والحاكم (١/ ١٤٨)، وأحمد (١/ ٣١٥) من طريق أخرى عن ابن أبي ذئب ... به.
ورواه عنه الطيالسي قال (رقم ٢٧٢٤): ثنا ابن أبي ذئب ... به؛ ولفظه: عن أبي غطفان قال:
رأيت ابن عباس توضأ، فمضمض واستنشق مرتين مرتين، وقال: قال رسول الله ﷺ :
"إذا مضمض أحدكم واستنثر؛ فليفعل ذلك مرتين بالغتين أو ثلاثًا".
стр. 235
وعنه أخرجه البيهقي (١/ ٤٩).
وأورده الحاكم شاهدًا لحديث (لَقِيط) الذي بعده؛ وسكت عليه، وصححه ابن القطان، كما في "التلخيص" (١/ ٤٠٥). وقال في "الفتح" (١/ ٢١٠):
"وإسناده حسن". وقال في "التهذيب" في ترجمة (قارظ):
"له عندهما حديث ابن عباس في الطهارة. قلت: أخرجه النسائي أيضًا، ولم يذكر ذلك المزي"!
قلت: ولم أره في "سننه الصغرى"! وهو نفسه لم يعزه في "التلخيص" للنسائي؛ بل جعل مكانه: ابن الجارود، فالظاهر أنه يعني "السنن الكبرى" له!
ورواه الطبراني في "الكبير" (٣/ ٩٨ / ١)، وزاد:
"والأذنان من الرأس".
وسنده صحيح؛ وهو من شواهد حديث أبي أمامة المتقدم برقم (١٢٣).
١٣٠ - عن لَقِيطِ بن صَبِرَةَ قال:
كنت وافد بني المُنْتَفِق -أو في وفد بني المنتفق- إلى رسول الله ﷺ .
قال: فلما قدمنا على رسول الله ﷺ ، فلم نصادفه في منزله، وصادفنا عائشة أم المؤمنين، قال: فأمرت لنا بخَزيرة فصنعت لنا، قال: وأتينا بقناع -والقناع: الطبق- فيه تمر، ثمّ جاء رسول الله ﷺ فقال:
"هل أصبتم شيئًا أو أُمِرَ لكم بشيء؟ ".
قال: قلنا: نعم يا رسول الله! قال: فبينا نحن مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ
стр. 236
جلوس؛ إذ دفع الراعي غنمه إلى المُراح؛ ومعه سخلة تَيْعِر. فقال: "ما وَلّدْتَ يا فلان؟ ! ". قال: بَهمة. قال: "فاذبح لنا مكانها شاة". ثمّ قال:
"لا تحْسِبَنَّ -ولم يقل: لا تحسَبَنَّ- أنَّا من أجلك ذبحناها، لنا غنم مائة لا نريد أن تريد، فإذا وَلَّد الراعي بَهمة ذبحنا مكانها شاة".
قال: قلت: يا رسول الله! إن لي امرأة، وإن في لسانها شيئًا-يعني: البَذاء؟ - قال: "فطلقْها إذًا". قال: قلت: يا رسول الله! إنّ لها صحبة ولي منها ولد؟ ! قال:
"فمرها -يقول: عِظها-؛ فإن يك فيها خير فستفعل، ولا تضرب ظعينتك كضربك أُمَيِّتَكَ".
فقلت: يا رسول الله! أخبرني عن الوضوء؟ قال:
"أسبغ الوضوء، وخلل بين الأصابع، وبالغ في الاستنشاق؛ إلا أن تكون صائمًا".
(قلت: إسناده صحيح. وروى بعضه الترمذي، والحاكم، وصححاه، وكذا صححه ابن خزيمة وابن الجارود وابن حبان والبغوي وابن القطان والنووي والذهبي).
إسناده: حدثنا قتيبة بن سعيد في آخرين قالوا: ثنا يحيى بن سُلَيْم عن إسماعيل بن كثير عن عاصم بن لَقِيط بن صَبِرة عن أبيه لَقِيط بن صَبِرة.
وهذا إسناد صحيح، رجاله ثقات رجال الشيخين؛ غير إسماعيل بن كثير، وعاصم بن لقيط، وهما ثقتان بلا خلاف.
стр. 237
والحديث أخرجه النسائي (١/ ٢٦) بهذا الإسناد مختصرًا مقتصرًا على قوله في آخره: أخبرني عن الوضوء ... إلخ.
وأخرجه الترمذي (١/ ١٥٠ - طبع بولاق)، وابن ماجة (١/ ١٦٠)، والحاكم (١/ ١٤٨)، وعنه البيهقي (١/ ٧٦) من طرق أخرى عن يحيى بن سليم ... به مختصرًا. وقال الترمذي:
"حديث حسن صحيح".
وتابعه على هذا القدر: الحسن بن علي أبو جعفر: عند الطيالسي (رقم ١٣٤١) وزاد في آخره:
"ولا تضرب ظَعِينتَك كما تضرب أمتك".
وداود بن عبد الرحمن العطار: عند الحاكم (١/ ١٤٨) ... مثله، كلاهما عن إسماعيل بن كثير.
وتابعهم سفيان الثوري ... قال:
أتيت النّبيّ ﷺ فذبح لنا شاة وقال: "لا تحسبن ... " الحديث. إلى قوله:
"فإذا بلغت مائة ذبحنا شاة": أخرجه أحمد (٤/ ٣٣).
ثمّ روى من طريقه بإسناده قوله ﵊:
"إذا توضأت فأبلغ الاستنشاق؛ ما لم تكن صائمًا".
وروى منه الترمذي (١/ ٥٦ / رقم ٣٨):
"إذا توضأت فخلل الأصابع". وقال:
"حديث حسن صحيح".
стр. 238
وصححه ابن خزيمه وابن الجارود وابن حبان -كما في "التهذيب"-، والبغوي وابن القطان، والنووي في "المجموع".
والأمر بإسباغ الوضوء؛ ورد من حديث ابن عمرو عند مسلم والنسائي وأحمد.
ومن حديث ابن عباس عند الدارمي (١/ ١٧٨) بسند صحيح.
١٣١ - وفي رواية: ذكر معناه ... قال:
فلم ينْشَبْ أنْ جاء رسول الله ﷺ يَتقلَّعُ يتكفَّأ ... وقال: عَصيدة، مكانَ: خَزِيره.
(قلت: إسناده صحيح).
إسناده: حدثنا عقبة بن مُكرَم: ثنا يحيى بن سعيد: ثنا ابن جريج: حدثني إسماعيل بن كثير عن عاصم بن لقيط بن صبرة عن أبيه وافد بن المنتفق: أنه أتى عائشة ... فذكر معناه، قال: فلم ننشب ... إلخ.
وهذا إسناد صحيح أيضًا.
والحديث أخرجه أحمد (٤/ ٢١١): ثنا يحيى بن سعيد ... به؛ وقال: على يده شملة.
وأخرجه الحاكم (١/ ١٤٨)، وعنه البيهقي من طريق مسدد عن يحيى، ومن طريق حجاج بن محمد عن ابن جريج ... به ببعضه اختصارًا.
وأحمد أيضًا (٤/ ٣٣).
стр. 239
١٣٢ - وفي أخرى ... بهذا الحديث قال فيه:
"إذا توضأت فمضمض".
(قلت: إسناده صحيح، وصححه الحافظ).
إسناده: حدثنا محمد بن يحيى بن فارس: ثنا أبو عاصم: ثنا ابن جريج ... بهذا الحديث.
وهذا إسناد صحيح أيضًا، وكذلك قال الحافظ في "فتح الباري" (١/ ٢١١).
والحديث أخرجه الدارمي (١/ ١٧٩) مختصرًا: أخبرنا أبو عاصم ... به بلفظ:
"إذا توضأت؛ فأسبغ وضوءك، وخلِّل بين أصابعك".
٥٦ - باب تخليل اللِّحية
١٣٣ - عن أنس [يعني: ابن مالك]:
أنّ رسول الله ﷺ كان إذا توضأ؛ أخذ كفًّا من ماء؛ فأدخله تحت حَنَكه، فخلَّل به لحيته، وقال:
"هكذا أمرني ربي ".
(قلت: حديث صحيح، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي، وصححه ابن القطان أيضًا).
стр. 240
إسناده: حدثنا أبو توبة الربيع بن نافع: ثنا أبو المَلِيح عن الوليد بن زوران عن أنس -يعني: ابن مالك-.
وهذا إسناد رجاله كلهم ثقات رجال البخاري؛ غير الوليد بن زَوْرَان؛ قال المصنف عقب الحديث:
"ابن زوران روى عنه حجاج بن حجاج، وأبو المليح الرقي".
قلت: وروى عنه جعفر بن برقان أيضًا، وعبد الله بن مُعَيَّة الجَزَرِي، وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال الآجُرِّي عن المصنف:
"لا ندري سمع من أنس أو لا؟ ". وقال الذهبي في "الميزان":
"ليس بحجة؛ مع أن ابن حبان وثقه". وقال الحافط في "التقريب": إنه "لين الحديث". وأما في "التلخيص" (١/ ٤١٥) فقال:
"مجهول الحال".
وتبع في ذلك ابن القطان؛ فقد قال ابن القيم في "التهذيب" (١/ ١٠٧):
"قال أبو محمد بن حزم: لا يصح حديث أنس هذا؛ لأنه من طريق الوليد بن زوران، وهو مجهول. وكذا أعله ابن القطان بأن الوليد هذا مجهول الحال. وفي هذا التعليل نظر؛ فإن الوليد هذا روى عنه جعفر بن برقان وحجاج بن منهال وأبو المليح الحسن بن عمرو الرقي وغيرهم؛ ولم يعلم فيه جرح".
فكأنه مال إلى تقوية هذا الإسناد! وهو محتمل.
والحديث صحيح على كل حال؛ لطرقه وشواهده كما يأتي.
والحديث أخرجه البيهقي (١/ ٥٤) من طريق المؤلف.
стр. 241
وله طرق أخرى عن أنس؛ فقال ابن القيم:
"وقد روى هذا الحديث: محمدُ بن يحيى الذهلي في كتاب "علل حديث الزهري" فقال: حدثنا محمد بن عبد الله بن خالد الصفار -من أصله، وكان صدوقًا-: حدثنا محمد بن حرب: حدثنا الزُّبَيْدِي عن الزهري عن أنس بن مالك: أن رسول الله ﷺ توضأ، فأدخل أصابعه تحت لحيته، فخللها بأصابعه، ثم قال: "هكذا أمرني ربي ". وهذا إسناد صحيح"!
هكذا ذكره ابن القيم -بعد كلامه السابق في رده على ابن القطان-، فأوهمني أن هذا كلام ابن القيم نفسه، وأن التصحيح منه! ثمّ تبين لي أنه ليس كذلك؛ فقد قال بعد صفحة (١٠٩):
"قلت: وتصحيح ابن القظان لحديث أنس من طريق الذهلي؛ فيه نظر! فإن الذهلي أعله فقال في "الزهريات": وحدثا يزيد بن عبد ربه: حدثنا محمد بن حرب عن الزبيدي أنه بلغه عن أنس بن مالك ... فذكره. قال الذهلي: هذا هو المحفوظ. قال ابن القطان: وهذا لا يضره؛ فإنه ليس من لم يحفظ حجةً على من حفظ، والصفار قد عيَّن شيخ الزبيدي فيه، وبين أنه الزهري، حتى لو قلنا: إن محمد بن حرب حدث به تارة فقال فيه: عن الزبيدي: بلغني عن أنس ... لم يضره ذلك، فقد يُراجع كتابه؛ فيعرف منه أن الذي حدث به الزهري فيحدث به عنه، فأخذه عنه الصفار هكذا". قال ابن القيم:
"وهذه التجويزات لا يلتفت إليها أئمة الحديث وأطباء علله، ويعلمون أن الحديث معلول بإرسال الزبيدي له، ولهم ذوق لا يحول بينه وبينهم فيه التجويزات والاحتمالات"!
ونحن نرى أن الحق مع ابن القطان؛ لأن الاحتمال الذي أبداه؛ إنما هو في سبيل الجمع بين روايات الثقات؛ وإلا لزم توهيم الثقة بدون دليل؛ بل بمجرد
стр. 242
الذوق! وهذا ليس من العلم في شيء! ويدلك على ما ذهبنا إليه أمران:
الأول: أن محمد بن عبد الله الصفار إنما روى الحديث من أصل كتابه، وهذا مما يبعد الظن بخطئه.
الثاني: أنه قد تابعه على وصله: محمد بن وهب بن أبي كريمة -وهو ثقة بلا خلاف-: أخرجه الحاكم (١/ ١٤٩)، وقال: إنه "صحيح". ووافقه الذهبي. وقال الحافظ في "التلخيص" (١/ ٤١٦) - بعد أن ساقه-:
"رجاله ثقات؛ إلا أنه معلول ... "؛ ثمّ ساقه عن الذهلي من الوجه المنقطع، ثم قال:
"وصححه الحاكم قبل ابن القطان؛ ولم تقدح هذه العلة عندهما فيه".
وللحديث طرق أخرى: عند ابن ماجة والحاكم والبيهقي عن أنس.
وله شواهد منها:
عن عثمان ﵁:
أن النّبيّ ﷺ كان يخلل لحيته.
أخرجه الترمذي، وصححه؛ وهو عند البخاري أصح شيء في الباب، وقد تقدّم تخريجه والكلام على إسناده في الحديث (رقم ٩٨).
ومنها: عن عائشة ﵂:
أنّ النّبيّ ﷺ كان إذا توضأ خلل لحيته بالماء.
أخرجه الحاكم (١/ ١٥٠)، وأحمد (٦/ ٢٣٤)، وأبو عبيد في كتاب "الطهور"
стр. 243
من طرق أربعة عن عمر بن أبي وهب الخُزَاعي: حدثني موسى بن ثروان عن طلحة ابن عبيد الله بن كَرِيزٍ الخُزَاعي عنها.
وهذا إسناد رجاله كلهم ثقات رجال مسلم؛ غير عمر بن أبي وهب الخزاعي؛ ولم أجد له ترجمة فيما عندي من كتب الرجال (١)! والظاهر أنه في "ثقات ابن حبان"؛ فقد قال الهيثمي في "المجمع" (١/ ٢٣٥):
"رواه أحمد، ورجاله موثقون".
فقد لاحظنا أن الهيثمي كثيرًا ما يقول هذه العبارة: "ورجاله موثقون" في إسناد فيه بعض من تفرد ابن حبان بتوثيقه. والله أعلم. وقال الحافظ في "التلخيص" (١/ ٤١٦):
"رواه أحمد؛ وإسناده حسن"!
وسكت عليه ابن القيم في "التهذيب" (١/ ١٠٨ و ١١٢).
ومنها: عن ابن عمر ... نحوه.
رواه ابن ماجة (٤٣٢) بسند فيه ضعف؛ وصحح بعضهم وقفه. وأعله ابن أبي حاتم (١/ ٣١) بالإرسال.
وللحديث شواهد أخرى كثيرة؛ وفيما ذكرنا كفاية، فمن أراد الزيادة؛ فليرجع إلى المصدرين الآخرين لابن القيم والحافظ.
стр. 244
٥٧ - ومن "باب المسح على العِمَامة "
١٣٤ - عن ثوبان قال:
بعث رسول الله ﷺ سَرِيَّةً؛ فأصابهم البَرْدُ، فلما قدموا على رسول الله ﷺ ؛ أمرهم أن يمسحوا على العصائب والتساخين.
(قلت: إسناده صحيح، وكذا قال النووي، وصححه الحاكم والذهبي والزيلعي).
إسناده: حدثنا أحمد بن محمد بن حنبل: ثنا يحيى بن سعيد عن ثور عن راشد بن سعد عن ثوبان.
وهذا إسناد صحيح، رجاله رجال البخاري؛ غير راشد بن سعد؛ وهو ثقة. وكذلك قال النووي (١/ ٤٠٨):
"إسناده صحيح". وأعله الحافظ في "التلخيص" (١/ ٤٢٦) بقوله:
"وهو منقطع"!
وكأن مستنده في ذلك ما ذكره في ترجمة راشد هذا من "التهذيب"؛ فقال:
"وقال أبو حاتم والحربي: لم يسمع من ثوبان. وقال الخلال عن أحمد: لا ينبغي أن يكون سمع منه".
ونقل الزيلعي (١/ ١٦٥) قول أحمد هذا، وزاد في آخره:
"لأنه مات قديمًا". ثمّ تعقبه بقوله:
"وفي هذا القول نظر؛ فإنهم قالوا: إن راشدًا شهد مع معاوية صفين؛ وثوبان
стр. 245
مات سنة أربع وخمسين، ومات راشد سنة ثمان ومائة. ووثقه ابن معين وأبو حاتم والعجلي ويعقوب بن شيبة والنسائي. وخالفهم ابن حزم فضعفه. والحق معهم".
والحديث أخرجه البيهقي (١/ ٦٠) -من طريق المؤلف-، والحاكم (١/ ١٦٩) من طريق -أحمد بن حنبل، وهو في "المسند" (٥/ ٢٧٧) بهذا السند-. ثمّ قال الحاكم:
"صحيح على شرط مسلم"! ووافقه الذهبي!
وقد وهما. قال الزيلعي؛ متعقبًا الحاكم:
"وفيه نظر؛ فإن ثورًا لم يرو له مسلم، بل انفرد به البخاري، وراشد بن سعد لم يحتج به الشيخان".
وللحديث عند أحمد (٥/ ٢٨١) طريق آخر عن ثوبان؛ فيه عتبة أبو أمية الدمشقي؛ قال الحسيني:
"مجهول؛ كما في (الكنى) من "التعجيل"".
٥٨ - باب غسل الرِّجْلَيْنِ
١٣٥ - عن المُسْتَوْرِدِ بن شَدَّاد قال:
رأيت رسول الله ﷺ إذا توضأ يَدْلُكُ أصابع رجليه بخِنصره.
(قلت: حديث صحيح، وقال مالك: "حديث حسن"، وصححه ابن القطان).
إسناده: حدثنا قتيبة بن سعيد: ثنا ابن لهيعة عن يزيد بن عمرو عن أبي عبد الرحمن الحُبُلِيّ عن المستورد بن شداد.
стр. 246
وهذا إسناد رجاله كلهم ثقات؛ غير أن ابن لهيعة سيئ الحفظ؛ لكنه قد توبع عليه؛ فهو بذلك حديث صحيح.
ثمّ استدركت فقلت: حديث قتيبة عنه صحيح أيضًا؛ كما أفاده الذهبي.
والحديث أخرجه الترمذي (١/ ٥٧) بهذا السند.
وأخرجه ابن ماجة، والطحاوي (١/ ٢١)، والبيهقي (١/ ٧٦)، وأحمد (٤/ ٢٢٩) من طريق أخرى عن ابن لهيعة ... به. ثمّ قال الترمذي:
"هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث ابن لهيعة"!
كذا قال! وهو ما وصل إليه علمه، وبناءً على ذلك قال النووي في "المجموع " (١/ ٤٢٤):
"وهو حديث ضعيف؛ فإن ابن لهيعة ضعيف عند أهل الحديث"!
وذكر نحوه المنذري في "مختصره" (رقم ١٣٥)! قال الحافط (١/ ٤٣٦):
"لكن تابعه الليث بن سعد وعمرو بن الحارث: أخرجه البيهقي وأبو بشر الدَّوْلابي والدارقطني في "غرائب مالك" من طريق ابن وهب عن الثلاثة.
وصححه ابن القطان".
قلت: وهو عند البيهقي من طريق أحمد بن عبد الرحمن بن وهب قال: سمعت عمي يقول: سمعت مالكًا يُسْأل عن تخليل أصابع الرجلين في الوضوء؟ فقال: ليس ذلك على الناس. قال: فتركته حتى خف الناس. فقلت له: يا أبا عبد الله! سمعتك تفتي في مسألة تخليل أصابع الرجلين: زعمت أن ليس ذلك على الناس، وعندنا في ذلك سنة! فقال: وما هي؟ فقلت:
ثنا الليث بن سعد وابن لهيعة وعمرو بن الحارث عن يزيد بن عمرو المَعَافري
стр. 247
عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن المستورد بن شداد القرشي قال:
رأيت رسول الله ﷺ يدلك بخنصره ما بين أصابع رجليه.
فقال: إن هذا حديث حسن، وما سمعت به قط إلا الساعة! ثمّ سمعته يُسْأل بعد ذلك؟ فأمر بتخليل الأصابع.
قال عمي: ما أقل من يتوضأ إلا ويحيطه الخط الذي تحت الإبهام في الرجل؛ فإن الناس يثنون إبهامهم عند الوضوء؛ فمن تفقد ذلك سَلِمَ.
قال ابن التركماني:
"أحمد ابن أخي ابن وهب وإن أخرج عنه مسلم؛ فقد قال أبو زرعة: أدركناه ولم نكتب عنه. وقال ابن عدي: رأيت شيوخ أهل مصر الذين لحقتهم مجمعين على ضعفه"!
قلت: وتمام كلام ابن عدي -كما في "التهذيب" وغيره-:
"ومن ضعفه أنكر عليه أحاديث، وكثرة روايته عن عمه، وكل ما أنكروه عليه محتمل -وإن لم يروه غيره عن عمه، ولعله خصه به ... "، ثمّ ذكر الحافظ أحاديث مما أنكرت عليه ورجع عنها؛ وليس هذا منها. والله أعلم.
٥٩ - باب المسح على الخفين
١٣٦ - عن عَبَّاد بن زياد: أن عروة بن المغيرة بن شعبة أخبره: أنه سمع أباه المغيرة يقول:
عَدَل رسول الله ﷺ وأنا معه في غزوة تبوك قبل الفجر، فعدَلت معه، فأناخ النّبيّ ﷺ فتبرَّز، ثمّ جاء، فسكبت على يده من الإداوة؛ فغسل
стр. 248
كفيه، ثمّ غسل وجهه، ثمّ حسر عن ذراعيه؛ فضاق كُمَّا جُبَّته، فأدخل يديه فأخرجهما من تحت الجبة، فغسلها إلى المرفق، ومسح برأسه، ثمّ توضأ على خفيه؛ ثمّ ركب، فأقبلنا نَسِيرُ حتى نَجِد الناس في الصلاة قد قدّموا عبد الرحمن بن عوف، فصلّى بهم حين كان وقت الصلاة؛ ووجدنا عبد الرحمن وقد ركع بهم ركعة من صلاة الفجر، فقام رسول الله ﷺ ؛ فصفّ مع المسلمين فصلّى وراء عبد الرحمن بن عوف الركعة الثانية، ثمّ سلّم عبد الرحمن، فقام رسول الله ﷺ في صلاته، ففزِع المسلمون؛ فأكثروا التسبيح؛ لأنهم سَبقوا النّبيّ ﷺ بالصلاة، فلما سلّم رسول الله ﷺ قال لهم:
"قد أصبتم -أو قد أحسنتم-".
(قلت: إسناده صحيح. وأخرجه مسلم، وأبو عوانة في "صحيحيهما".
وقال أبو حاتم: إنه أصح حديث في الباب).
إسناده: حدثنا أحمد بن صالح: ثنا عبد الله بن وهب: أخبرني يونس بن يزيد عن ابن شهاب: حدثني عباد بن زياد.
وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم؛ غير أحمد بن صالح؛ فهو على شرط البخاري وحده؛ وقد ذكر ابن أبي حاتم في "العلل" (١/ ٣٣ / رقم ٦٥) أنه أصح حديث في الباب.
والحديث أخرجه ابن حبان في "صحيحه" (٣/ ٣٢٠ / ٢٢٢١ - الإحسان) من طريق حرملة بن يحيى قال: ثنا ابن وهب ... به.
وأخرجه مسلم وأبو عوانة في "صحيحيهما"، وكذا ابن خزيمة (٣/ ٩ / ١٥١٥)،
стр. 249
والبيهقي (١/ ٢٧٤ و ٢٩٥ - ٢٩٦)، وأحمد (٤/ ٢٥١)، والطبراني في "المعجم الكبير" (٢٠/ ٣٧٦ / ٨٨٠) من طريق ابن جريج: حدثني ابن شهاب ... به؛ وزاد في آخره:
يغبطهم؛ أن صلوا الصلاة لوقتها.
وكذلك رواه صالح عن ابن شهاب؛ أخرجه أبو عوانة، وأحمد (٤/ ٢٤٩)، وزادوا أيضًا في رواية لهم:
قال المغيرة: فأردت تأخير عبد الرحمن، فقال النّبيّ ﷺ : "دعه".
ورواه مالك (١/ ٥٧ - ٥٨) عن ابن شهاب؛ لكنه أخطأ في إسناده كما بينه الحافظ وغيره.
وكذلك أخطأ فيه جعفر بن برقان، فقال: عن الزهري عن حمزة وعروة ابني المغيرة بن شعبة عن أبيهما المغيرة ... فذكره نحوه؛ وزاد في آخره:
"قد أصبتم وأحسنتم! إذا احتبس إمامكم وحضرت الصلاة؛ فقدموا رجلًا يؤمكم".
أخرجه ابن حبان (٣/ ٣٢١ / ٢٢٢٢).
قلت: وهذا إسناد رجاله ثقات؛ لكنه معلول! وقد كشف عن علته: ابن حبان بنفسه، فقال عقبه:
"قصَّر جعفر بن برقان في سند هذا الخبر؛ فلم يذكر (عباد بن زياد) فيه؛ لأن الزهري سمع هذا الخبر من عباد بن زياد عن عروة بن المغيرة بن شعبة، وسمعه عن حمزة بن المغيرة عن أبيه".
стр. 250
قلت: أما رواية الزهري عن عباد؛ فقد رواها عنه يونس بن يزيد وابن جريج، كما تقدم.
وأما روايته عن حمزة بن المغيرة؛ فلم أرها إلا مختصرة جدًّا: عند الطبراني في "المعجم الكبير" (٢٠/ ٣٧٧ / ٨٨١) من طريق عبد الله بن صالح: حدثني الليث: حدثني يونس بن يزيد عن ابن شهاب عن عباد بن زياد عن حمزة بن المغيرة عن أبيه قال:
رأيت النبي ﷺ توضأ ومسح على خفيه.
وأخرجه أحمد (٤/ ٢٥١) من طريق عبد الرزاق، وهذا في "المصنف" (١/ ١٩١ - ١٩٢) من طريق ابن جريج المتقدمة: حدثني ابن شهاب عن عباد بن زياد ... بإسناده فساقه بطوله.
قال ابن شهاب: فحدثني إسماعيل بن محمد بن سعد عن حمزة بن المغيرة ... مثل حديث عباد بن زياد.
ومن هذا الوجه: هو عند مسلم (٢/ ٢٦ - ٢٧) وغيره.
والمقصود: أن (ابن برقان) خالف الثقات في إسقاطه (عبادًا) من الإسناد؛ فلا غرابة -إذن- في تضعيف أحمد وابن معين وغيرهما روايته عن الزهري خاصة.
ومن هنا: نستطيع أن نحكم على زيادته في آخر الحديث بالشذوذ والنكارة؛ لمخالفته الثقات!
١٣٧ - عن يحيى بن سعيد عن التيمي: ثنا بكر عن الحسن عن ابن المغيرة بن شعبة: عن المغيره بن شعبة:
أن رسول الله ﷺ توضأ ومسح ناصيته، وذكر فوق العمامة.