وهذا إسناد رجاله كلهم ثقات؛ غير أن ابن لهيعة سيئ الحفظ؛ لكنه قد توبع عليه؛ فهو بذلك حديث صحيح.
ثمّ استدركت فقلت: حديث قتيبة عنه صحيح أيضًا؛ كما أفاده الذهبي.
والحديث أخرجه الترمذي (١/ ٥٧) بهذا السند.
وأخرجه ابن ماجة، والطحاوي (١/ ٢١)، والبيهقي (١/ ٧٦)، وأحمد (٤/ ٢٢٩) من طريق أخرى عن ابن لهيعة ... به. ثمّ قال الترمذي:
"هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث ابن لهيعة"!
كذا قال! وهو ما وصل إليه علمه، وبناءً على ذلك قال النووي في "المجموع " (١/ ٤٢٤):
"وهو حديث ضعيف؛ فإن ابن لهيعة ضعيف عند أهل الحديث"!
وذكر نحوه المنذري في "مختصره" (رقم ١٣٥)! قال الحافط (١/ ٤٣٦):
"لكن تابعه الليث بن سعد وعمرو بن الحارث: أخرجه البيهقي وأبو بشر الدَّوْلابي والدارقطني في "غرائب مالك" من طريق ابن وهب عن الثلاثة.
وصححه ابن القطان".
قلت: وهو عند البيهقي من طريق أحمد بن عبد الرحمن بن وهب قال: سمعت عمي يقول: سمعت مالكًا يُسْأل عن تخليل أصابع الرجلين في الوضوء؟ فقال: ليس ذلك على الناس. قال: فتركته حتى خف الناس. فقلت له: يا أبا عبد الله! سمعتك تفتي في مسألة تخليل أصابع الرجلين: زعمت أن ليس ذلك على الناس، وعندنا في ذلك سنة! فقال: وما هي؟ فقلت:
ثنا الليث بن سعد وابن لهيعة وعمرو بن الحارث عن يزيد بن عمرو المَعَافري
стр. 247
عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن المستورد بن شداد القرشي قال:
رأيت رسول الله ﷺ يدلك بخنصره ما بين أصابع رجليه.
فقال: إن هذا حديث حسن، وما سمعت به قط إلا الساعة! ثمّ سمعته يُسْأل بعد ذلك؟ فأمر بتخليل الأصابع.
قال عمي: ما أقل من يتوضأ إلا ويحيطه الخط الذي تحت الإبهام في الرجل؛ فإن الناس يثنون إبهامهم عند الوضوء؛ فمن تفقد ذلك سَلِمَ.
قال ابن التركماني:
"أحمد ابن أخي ابن وهب وإن أخرج عنه مسلم؛ فقد قال أبو زرعة: أدركناه ولم نكتب عنه. وقال ابن عدي: رأيت شيوخ أهل مصر الذين لحقتهم مجمعين على ضعفه"!
قلت: وتمام كلام ابن عدي -كما في "التهذيب" وغيره-:
"ومن ضعفه أنكر عليه أحاديث، وكثرة روايته عن عمه، وكل ما أنكروه عليه محتمل -وإن لم يروه غيره عن عمه، ولعله خصه به ... "، ثمّ ذكر الحافظ أحاديث مما أنكرت عليه ورجع عنها؛ وليس هذا منها. والله أعلم.
٥٩ - باب المسح على الخفين
١٣٦ - عن عَبَّاد بن زياد: أن عروة بن المغيرة بن شعبة أخبره: أنه سمع أباه المغيرة يقول:
عَدَل رسول الله ﷺ وأنا معه في غزوة تبوك قبل الفجر، فعدَلت معه، فأناخ النّبيّ ﷺ فتبرَّز، ثمّ جاء، فسكبت على يده من الإداوة؛ فغسل
стр. 248
كفيه، ثمّ غسل وجهه، ثمّ حسر عن ذراعيه؛ فضاق كُمَّا جُبَّته، فأدخل يديه فأخرجهما من تحت الجبة، فغسلها إلى المرفق، ومسح برأسه، ثمّ توضأ على خفيه؛ ثمّ ركب، فأقبلنا نَسِيرُ حتى نَجِد الناس في الصلاة قد قدّموا عبد الرحمن بن عوف، فصلّى بهم حين كان وقت الصلاة؛ ووجدنا عبد الرحمن وقد ركع بهم ركعة من صلاة الفجر، فقام رسول الله ﷺ ؛ فصفّ مع المسلمين فصلّى وراء عبد الرحمن بن عوف الركعة الثانية، ثمّ سلّم عبد الرحمن، فقام رسول الله ﷺ في صلاته، ففزِع المسلمون؛ فأكثروا التسبيح؛ لأنهم سَبقوا النّبيّ ﷺ بالصلاة، فلما سلّم رسول الله ﷺ قال لهم:
"قد أصبتم -أو قد أحسنتم-".
(قلت: إسناده صحيح. وأخرجه مسلم، وأبو عوانة في "صحيحيهما".
وقال أبو حاتم: إنه أصح حديث في الباب).
إسناده: حدثنا أحمد بن صالح: ثنا عبد الله بن وهب: أخبرني يونس بن يزيد عن ابن شهاب: حدثني عباد بن زياد.
وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم؛ غير أحمد بن صالح؛ فهو على شرط البخاري وحده؛ وقد ذكر ابن أبي حاتم في "العلل" (١/ ٣٣ / رقم ٦٥) أنه أصح حديث في الباب.
والحديث أخرجه ابن حبان في "صحيحه" (٣/ ٣٢٠ / ٢٢٢١ - الإحسان) من طريق حرملة بن يحيى قال: ثنا ابن وهب ... به.
وأخرجه مسلم وأبو عوانة في "صحيحيهما"، وكذا ابن خزيمة (٣/ ٩ / ١٥١٥)،
стр. 249
والبيهقي (١/ ٢٧٤ و ٢٩٥ - ٢٩٦)، وأحمد (٤/ ٢٥١)، والطبراني في "المعجم الكبير" (٢٠/ ٣٧٦ / ٨٨٠) من طريق ابن جريج: حدثني ابن شهاب ... به؛ وزاد في آخره:
يغبطهم؛ أن صلوا الصلاة لوقتها.
وكذلك رواه صالح عن ابن شهاب؛ أخرجه أبو عوانة، وأحمد (٤/ ٢٤٩)، وزادوا أيضًا في رواية لهم:
قال المغيرة: فأردت تأخير عبد الرحمن، فقال النّبيّ ﷺ : "دعه".
ورواه مالك (١/ ٥٧ - ٥٨) عن ابن شهاب؛ لكنه أخطأ في إسناده كما بينه الحافظ وغيره.
وكذلك أخطأ فيه جعفر بن برقان، فقال: عن الزهري عن حمزة وعروة ابني المغيرة بن شعبة عن أبيهما المغيرة ... فذكره نحوه؛ وزاد في آخره:
"قد أصبتم وأحسنتم! إذا احتبس إمامكم وحضرت الصلاة؛ فقدموا رجلًا يؤمكم".
أخرجه ابن حبان (٣/ ٣٢١ / ٢٢٢٢).
قلت: وهذا إسناد رجاله ثقات؛ لكنه معلول! وقد كشف عن علته: ابن حبان بنفسه، فقال عقبه:
"قصَّر جعفر بن برقان في سند هذا الخبر؛ فلم يذكر (عباد بن زياد) فيه؛ لأن الزهري سمع هذا الخبر من عباد بن زياد عن عروة بن المغيرة بن شعبة، وسمعه عن حمزة بن المغيرة عن أبيه".
стр. 250
قلت: أما رواية الزهري عن عباد؛ فقد رواها عنه يونس بن يزيد وابن جريج، كما تقدم.
وأما روايته عن حمزة بن المغيرة؛ فلم أرها إلا مختصرة جدًّا: عند الطبراني في "المعجم الكبير" (٢٠/ ٣٧٧ / ٨٨١) من طريق عبد الله بن صالح: حدثني الليث: حدثني يونس بن يزيد عن ابن شهاب عن عباد بن زياد عن حمزة بن المغيرة عن أبيه قال:
رأيت النبي ﷺ توضأ ومسح على خفيه.
وأخرجه أحمد (٤/ ٢٥١) من طريق عبد الرزاق، وهذا في "المصنف" (١/ ١٩١ - ١٩٢) من طريق ابن جريج المتقدمة: حدثني ابن شهاب عن عباد بن زياد ... بإسناده فساقه بطوله.
قال ابن شهاب: فحدثني إسماعيل بن محمد بن سعد عن حمزة بن المغيرة ... مثل حديث عباد بن زياد.
ومن هذا الوجه: هو عند مسلم (٢/ ٢٦ - ٢٧) وغيره.
والمقصود: أن (ابن برقان) خالف الثقات في إسقاطه (عبادًا) من الإسناد؛ فلا غرابة -إذن- في تضعيف أحمد وابن معين وغيرهما روايته عن الزهري خاصة.
ومن هنا: نستطيع أن نحكم على زيادته في آخر الحديث بالشذوذ والنكارة؛ لمخالفته الثقات!
١٣٧ - عن يحيى بن سعيد عن التيمي: ثنا بكر عن الحسن عن ابن المغيرة بن شعبة: عن المغيره بن شعبة:
أن رسول الله ﷺ توضأ ومسح ناصيته، وذكر فوق العمامة.
стр. 251
(إسناده صحيح على شرط البخاري. وأخرجه مسلم وأبو عوانة في "صحيحيهما". وصححه الترمذي).
إسناده: حدثنا مسدد: ثنا يحيى بن سعيد. (ح) وثنا مسدد: ثنا المعتمر عن التيمي: ثنا بكر عن الحسن ... به. قال عن المعتمر: سمعت أبي يحدث عن بكر بن عبد الله عن الحسن ... باللفظ الذي بعده. قال بكر: وقد سمعته من ابن المغيرة.
وهذا إسناد صحيح على شرط البخاري. وقول بكر هذا؛ هو في الروايتين -رواية يحيى بن سعيد، ورواية المعتمر- كلاهما عن التيمي.
والحديث أخرجه مسلم، وأبو عوانة في "صحيحهيما"، والنسائي (١/ ٢٩ - ٣٠)، والترمذي (١/ ١٧٠)، وأحمد (٤/ ٢٥٥) عن يحيى بن سعيد القطان ... به. وقال الترمذي:
"حديث حسن صحيح".
١٣٨ - (وفي رواية): عن المعتمر: سمعت أبي يحدث عن بكر بن عبد الله عن الحسن عن ابن المغيرة بن شعبة عن المغيرة:
أن نبي الله ﷺ كان يمسح على الخفين، وعلى ناصيته على عمامته.
قال بكر: وقد سمعته من ابن المغيرة.
(إسناده صحيح على شرط البخاري أيضًا. وأخرجه مسلم).
إسناده: سبق في الذي قبله.
стр. 252
والحديث أخرجه مسلم أيضًا عن المعتمر ... به.
وقد تابعه عن أبيه: يحيى بن سعيد القطان؛ كما في الرواية الأولى.
وتابعه أيضًا يزيد بن هارون: عند أبي عوانة والبيهقي؛ ولم يقع عندهم جميعًا تسمية ابن المغيرة.
وقد سماه غير التيمي -وهو حميد الطويل- قال: ثنا بكر بن عبد الله المزني عن حمزة بن المغيرة بن شعبة ... به أتم منه، وفيه قصة صلاة النّبيّ ﷺ مؤتمًا وراء عبد الرحمن بن عوف.
أخرجه أبو عوانة والنسائي، والبيهقي (١/ ٥٨ - ٦٠)، وأحمد (٤/ ٢٤٨) من طرق عن حميد.
وهو عند مسلم من هذا الوجه؛ لكن قال: عروة بن المغيرة!
وهي وهم من مسلم أو شيخه محمد بن عبد الله بن بزيع؛ كما بينه النووي.
نعم روى الحديث عن المغيرة ابنه عروة أيضًا؛ وهو:
١٣٩ - عن الشَّعْبي قال: سمعت عروة بن المغيرة بن شعبة يذكر عن أبيه قال: كنا مع رسول الله ﷺ في رَكْبِهِ؛ ومعي إداوة، فخرج لحاجته ثمّ أقبل، فتلقيته بالإداوة؛ فأفرغت عليه، فغسل كفيه ووجهه، ثمّ أراد أن يُخرج ذراعيه -وعليه جُبّة من صوف من جِبَابِ الروم ضيقةُ الكمين- فضاقت؛ فادَّرعهما ادِّراعًا، ثمّ أهويت إلى الخفين لأنزعهما، فقال لي:
"دع الخفين؛ فإني أدخلت القدمين الخفين وهما طاهرتان". فمسح
стр. 253
عليهما.
قال الشعبي: شهد لي عروة على أبيه، وشهد أبوه على رسول الله ﷺ .
(قلت: إسناده صحيح على شرط الشيخين. وقد أخرجاه، وكذا أبو عوانة في "صحاحهم").
إسناده: حدثنا مسدد: ثنا عيسى بن يونس: ثني أبي عن الشعبي.
وهذا إسناد صحيح على شرط البخاري.
والحديث أخرجه أحمد (٤/ ٢٥٥) قال: ثنا وكيع: ئنا يونس بن أبي إسحاق: سمعته من الشعبي ... به.
وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين.
وأخرجه أبو عوانة في "صحيحه" (١/ ٢٥٦) من طريقين آخرين عن يونس ... به.
ثمّ رواه من طريق ابن عيينة عن حصين وزكريا ويونس عن الشعبي ... به مختصرًا.
وحديث زكريا -وهو ابن أبي زائدة-: عند البخاري (١٠/ ٢٢٠)، ومسلم (١/ ١٥٨)، وأبي عوانة أيضًا (١/ ٢٥٥)، والدارمي (١/ ١٨١)، والبيهقي (١/ ٢٨١)، وأحمد أيضًا (٤/ ٢٥٥) من طرق عنه ... به تامًّا غير مختصر، لكن البخاري اختصره في "الطهارة" (١/ ٢٤٧).
وصرح زكريا بالتحديث في رواية أبي عوانة؛ ولم يقف عليها -أو لم
стр. 254
يستحضرها- الحافظ حين الكلام على الحديث فقال:
"وزكريا مدلس، ولم أره من حديثه إلا بالعنعنة. لكن أخرجه أحمد عن يحيى القطان عن زكريا، والقطان لا يحمل من حديث شيوخه المدلسين إلا ما كان مسموعًا لهم؛ صرح بذلك الإسماعيلي"!
وتابعه عمر بن أبي زائدة عن الشعبي؛ وهو أخو زكريا: أخرجه مسلم وأبو عوانة.
وإسماعيل بن أبي خالد: عند البيهقي، وزاد -بعد قوله: "إني قد أدخلتهما طاهرتين"-:
"لم أجنب بعد".
ورجاله رجال الشيخين؛ غير أن الراوي عن يحيى بن صالح -وهو عيسى بن غيلان-؛ لم أجد له ترجمة.
وتابعه مجالد عن الشعبي؛ وزاد -مكان: "لم أجنب بعد"-:
"ثمّ لم أمش حافيًا".
وهذه زياده منكرة؛ لتفرد مجالد -وهو ابن سعيد- بها دون جميع من رواه عن للشعبي، ودون من رواه غيره عن عروة وغيره؛ إلا ما سيأتي التنبيه عليه في الباب الذي يليه (رقم ١٤٥).
١٤٠ - عن الحسن وعن زرارة بن أوفى أن المغيرة بن شعبة قال:
تخلف رسول الله ﷺ ... فذكر هذه القصة، قال:
فأتينا الناس وعبد الرحمن بن عوف يصلّي بهم الصبح، فلما رأى
стр. 255
النّبيّ ﷺ أراد أن يتأخر؛ فأومأ إليه أن يَمضي، قال: فصليت أنا والنبيّ ﷺ خلفه ركعة، فلما سلّم؛ قام النبيّ ﷺ فصلّى الركعة التي سُبِقَ بها، ولم يزد عليها شيئًا.
(إسناده صحيح، وكذا قال الشوكاني).
إسناده: حدثنا هُدْبة بن خالد: ثنا همَّام عن قتادة عن الحسن وعن زرارة بن أوفى.
وهذا إسناد صحيح، رجاله رجال الشيخين، وهذا من طريق زرارة.
وأما من طريق الحسن عنه؛ فإنه منقطع؛ كما في "التلخيص" (٢/ ٢٩٤).
وصحح إسناده الشوكاني أيضًا، ولكنه جعله لحديث للمصنف آخر، إسناده ضعيف كما بينت ذلك في الكتاب الآخر (رقم ٢١).
والحديث أخرجه البيهقي (٢/ ٣٥٢) من طريق المؤلف.
١٤١ - قال أبو داود: "أبو سعيد الخدري وابن الزبير وابن عمر يقولون:
من أدرك الفرد من الصلاة؛ عليه سجدتا السهو".
(قلت: لم أقف على أسانيدها).
قال في "عون المعبود": "وهذه الآثار قد تتبعت في تخريجها؛ لكن لم أقف [على] من أخرجها موصولًا".
قلت: قال البيهقي عقبها:
стр. 256
"وحديث رسول الله ﷺ أولى أن يتبع".
وذلك لتصريحه أنه لم يزد على الركعة شيئًا. قال ابن رسلان:
"وبه قال أكثر أهل العلم. ويؤيد ذلك قوله ﷺ : "وما فاتكم فأتموا". وفي رواية: "فاقضوا". ولم يأمر بالسهو".
١٤٢ - عن أبي عبد الرحمن:
أنه شهد عبد الرحمن بن عوف يسأل بلالًا عن وضوء رسول الله ﷺ ؟ فقال:
كان يخرج يقضي حاجته، فآتيه بالماء، فيتوضأ ويمسح على عمامته ومُوقيه.
(قلت: حديث صحيح. أخرج منه أحمد، والضياء المقدسي في "الأحاديث المختارة": المسح على الموقين والخمار. وأخرجه ابن خزبمة أيضًا في "صححه").
إسناده: حدثنا عبيد الله بن معاذ: ثنا أبي: ثنا شعبة عن أبي بكر -يعني: ابن حفص بن عمر بن سعد- سمع أبا عبد الله عن أبي عبد الرحمن.
قال أبو داود: "هو أبو عبد الله مولى بتي تيم بن مرة".
قلت: وهو كشيخه أبي عبد الرحمن؛ كلاهما مجهول لا يعرف؛ كما قال ابن عبد البر.
وتبعه الذهبي في "الميزان". والحافظ في "التقريب".
والحديث أخرجه الحاكم (١/ ١٧٠) من طريق يحيى بن محمد: ثنا عبيد الله
стр. 257
ابن معاذ العنبري ... به.
ثم أخرجه من طريق آدم بن أبي إياس: ثنا شعبة ... به.
وأخرجه البيهقي (١/ ٢٨٨) من طريقه، ثمّ قال الحاكم:
"حديث صحيح؛ فإن أبا عبد الله مولى بني تيم معروف بالصحة والقبول"! ووافقه الذهبي!
فذهل عما ذكره في "الميزان" من الجهالة في بعض رجال إسناده، كما أشرنا إليه آنفًا.
والحديث رواه ابن جريج أيضًا عن أبي بكر، لكن قلب إسناده فقال: أخبرني أبو بكر بن حفص بن عمر: أخبرني أبو عبد الرحمن عن أبي عبد الله أنه سمع عبد الرحمن بن عوف ... به. وقال: خفية بدل: موقيه!
أخرجه أحمد (٦/ ١٢).
وأبو بكر بن حفص: اسمه عبد الله؛ قال الحافظ في "التهذيب":
"وأخرج النسائي أيضًا حديثه في الطهارة، ولم يرقم له المزي؛ وهو ثابت في رواية ابن الأحمر وابن حيوة".
قلت: وليس هو في النسخة المطبوعة في مصر. ولذلك لم يعزه النابلسي (١/ ١١٦) في الذخائر إلا للمصنف وحده.
والحديث بهذا الإسناد ضعيف.
لكني وجدت له طريقًا أخرى قوية؛ وهي ما أخرجه أحمد (٦/ ١٥) قال: ثنا عفان: ثنا حماد -يعني: ابن سلمة-: ثنا أيوب عن أبي قلابة عن أبي إدريس عن
стр. 258
بلال قال:
رأيت رسول الله ﷺ يمسح على الموقين والخمار.
وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم.
وأبو إدريس: هو عائذ الله بن عبد الله.
وأبو قلابة: اسمه عبد الله بن زيد؛ وهما ثقتان من رجال الشيخين.
وأخرجه الضياء المقدسي في "المختارة" -كما في "النَيل" (١/ ١٥٨) -، وابن خزيمة في "صحيحه" -كما في "نصب للراية" (١/ ١٨٣) -.
وهو في "صحيح مسلم"، و"أبي عوانة" وغيرهما من طريق أخرى عن بلال بلفظ:
مسح على الخفين والخمار.
وهو كذلك في "المسند"، و "الطبراني الكبير".
وأما تقديم الماء إليه ﷺ ؛ فهو شيء معهود في السنة؛ فانظر ما سبق (رقم ٣٣ و ٣٥).
ولذلك؛ فالحديث صحيح ثابت.
ثم وجدت لحديث أبي إدريس عن بلال شاهدًا من حديث أنس بن مالك: أن رسول الله ﷺ كان يمسح على الموقين والخمار.
أخرجه البيهقي قال: وأخبرنا أبو زكريا بن أبي إسحاق: ثنا أبو جعفر محمد ابن محمد بن نصير الصوفي: ثنا علي بن عبد العزيز: نا الحسن بن الربيع: ثنا أبو شهاب الحناط عن عاصم الأحول عن أنس بن مالك.
стр. 259
وهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات معرفون؛ غير الصوفي والراوي عنه؛ فإني لم أجد لهما الآن ترجمة فيما عندي من كتب الرجال!
١٤٣ - عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير:
أن جريرًا بال ثمّ توضأ؛ فمسح على الخفين، وقال: ما يمنعني أن أمسح وقد رأيت رسول الله ﷺ يمسح؟ ! قالوا:
إنما كان ذلك قبل نزول المائدة! قال:
ما أسلمت إلا بعد نزول المائدة.
(قلت: حديث حسن، وصححه ابن خزيمة والحاكم، ووافقه الذهبي).
إسناده: حدثنا علي بن الحسين الدِّرْهَمِيُّ: ثنا ابن داود عن بُكَيْرِ بن عامر عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير.
وهذا إسناد حسن في المتابعات، رجاله كلهم ثقات؛ غير بكير بن عامر؛ وهو مختلف فيه. وقد قال الآجري عن المؤلف:
"ليس بالمتروك". وقال ابن عدي:
"ليس كثير الرواية، ورواياته قليلة، ولم أجد له متنًا منكرًا، وهو ممن يكتب حديثه".
والحديث أخرجه الحاكم (١/ ١٦٩) من طريق جعفر بن أحمد بن نصر: ثنا علي بن الحسين الدرهمي: ثنا عبد الله بن داود ... به.
ثمّ أخرجه، ومن طريقه البيهقي (١/ ٢٧٠) من طريق أبي الحسن محمد بن غسان القزاز: ثنا عبد الله بن داود ... به. وقال الحاكم:
стр. 260
"حديث صحيح؛ وبكير بن عامر العجلي كوفي ثقة عزيز الحديث، يجمع حديثه في ثقات الكوفيين"! ووافقه الذهبي. قال الزيلعي (١/ ١٦٢):
"بهذا السند والمتن؛ رواه ابن خزيمة في "صحيحه" ... ".
وللحديث طريق أخرى: عند الدارقطني (٧١)، والبيهقي (١/ ٢٧٣ و ٢٧٤) عن شهر بن حوشب عن جرير بن عبد الله ... به.
فهذا مما يقوّي الطريق الأولى؛ فيكون الحديث حسنًا. وهو في "الصحيحين" وغيرهما بنحوه؛ دون قوله: قالوا ... إلخ.
١٤٤ - عن ابن بريدة عن أبيه:
أن النجاشي أهدى إلى رسول الله ﷺ خفين أسودين ساذجين، فلبسهما، ثم توضأ ومسح عليهما.
(قلت: حديث حسن، وكذا قال الترمذي).
إسناده: حدثنا مسدد وأحمد بن أبي شعيب الحَرَّاني قالا: ثنا وكيع: ثنا دَلْهَم بن صالح عن حُجَيْر بن عبد الله عن ابن بريدة.
وهذا إسناد حسن في الشواهد، رجاله ثقات رجال البخاري؛ غير دلهم بن صالح؛ فضعفوه؛ غير المصنف فقال:
"ليس به بأس". وقال أبو حاتم:
"هو أحب إليَّ من بكير بن عامر وعيسى بن المسيب".
وشيخه حجير بن عبد الله؛ قال ابن عدي:
"لا يعرف".
стр. 261
وذكره ابن حبان في "الثقات"، وحسَّن له الترمذيُّ هذا الحديث كما يأتي.
ثم قال المصنف عقبه:
"قال مسدد: عن دلهم بن صالح. قال أبو داود: هذا مما تفرد به أهل البصرة"!
قلت: وقد تعقب السيوطي المصنف في قوله: "هذا مما تفرد به أهل البصرة"؛ بما حاصله -كما في "عون المعبود"-: أنه ليس في رواة هذا الحديث بصري؛ سوى مسدد، ولم يتفرد به، فنسبة التفرد إلى أهل البصرة وَهَمٌ من المؤلف الإمام ﵁! والله أعلم.
والحديث أخرجه أحمد (٥/ ٣٥٢): ثنا وكيع: ثنا دلهم بن صالح ... به.
وكذلك أخرجه الترمذي في "سننه" (٢/ ١٣٤ - طبع بولاق)، وفي "الشمائل" أيضًا (١/ ١٥٦)، وابن ماجة (١/ ٩٥) عن وكيع.
وأخرجه البيهقي (١/ ٢٨٢ - ٢٨٣) من طريقين آخرين عن دلهم ... به. وقال الترمذي:
"هذا حديث حسن، إنما نعرفه من حديث دلهم".
وقد ساق له البيهقي شاهدًا من طريق الشعبي عن المغيرة بن شعبة:
أنَّ رسول الله ﷺ توضأ ومسح على خفيه. قال: فقال رجل عند المغيرة بن شعبة: يا مغيرة! ومن أين كان للنبي ﷺ خفان؟ قال: فقال المغيرة: أهداهما إليه النجاشي.
قال البيهقي:
"والشعبي إنما روى حديث المسح عن عروة عن المغيرة عن أبيه. وهذا شاهد لحديث دلهم بن صالح".
стр. 262
وحديث الشعبي عن عروة مضى (برقم ١٣٩)؛ ليس فيه: يا مغيرة ... بلخ.
لكن إسناد هذه الزيادة صحيح؛ فهو شاهد قوي لهذا الحديث. والله أعلم.
٦٠ - باب التوقيت في المسح
١٤٥ - عن خزيمة بن ثابت عن النّبي ﷺ قال:
"المسح على الخفين للمسافر ثلاثة أيام، وللمقيم يوم وليلة".
(قلت: حديث صحيح، وكذا قال النووي، وقال الترمذي: "حديث حسن، وذكر عن يحيى بن معين أنه صححه". ورواه أبو عوانة وابن حبان في "صحيحيهما").
إسناده: حدثنا حفص بن عمر: ثنا شعبة عن الحكم وحماد عن إبراهيم عن أبي عبد الله الجَدَلِيِّ عن خزيمة بن ثابت.
وهذا إسناد رجاله كلهم ثقات رجال "الصحيح"؛ غير أبا عبد الله الجدلي؛ وهو ثقة؛ غير أن فيه انقطاعًا، قال المصنف:
"إبراهيم -وهو النخعي- لم يسمع من أبي عبد الله الجدلي"! وحفص: هو ابن عمر بن الحارث الحوضي البصري.
وحماد: هو ابن أبا سليمان الكوفي؛ وفيه كلام من قبل حفظه؛ لكن حديثه هذا مقرون.
وقد جاء الحديث موصولًا، كما سنبينه؛ فهو حديث صحيح.
والحديث في "مسند الطيالسي" (رقم ١٢١٩): ثنا شعبة ... به.
стр. 263
وأخرجه الطحاوي (١/ ٤٩)، وأحمد (٥/ ٢١٤)، والطبراني في "معجمه الكبير"، وفي "الصغير" (ص ٢٣٨) من طرق عن شعبة ... به؛ وقرن في "الصغير" -مع الحكم وحماد-: مغيرة ومنصورًا.
وقد تابعه سفيان -وهو الثوري- عن حماد ومنصور عن إبراهيم ... به.
أخرجه أحمد.
وهشام الدَّسْتُوائي عن حماد وحده: أخرجه أحمد والطحاوي.
وأخرج البيهقي (١/ ٢٧٧) من طريق زائدة بن قدامة قال: سمعت منصورًا يقول: كنا في حجرة إبراهيم النَّخَعِيِّ، ومعنا إبراهيم التيمي، فذكرنا المسح على الخفين، فقال إبراهيم التيمي: تنا عمرو بن ميمون عن أبي عبد الله الجدلي عن خزيمة بن ثابت قال:
جعل لنا رسول الله ﷺ ثلاثًا؛ ولو استزدته لزادنا -يعني: المسح على الخفين للمسافر-.
قلت: وإسناد هذه الرواية صحيح؛ وهي تشير إلى ما سبق عن المؤلف أن النخعي لم يسمعه من أبي عبد الله الجدلي.
والحديث أخرجه الترمذي وابن ماجة والطحاوي والبيهقي والطيالسي (رقم ١٢١٨) وأحمد من طرق عن إبراهيم التيمي عن عمرو بن ميمون عن أبي عبد الله الجدلي ... به.
وأخرجه أبو عوانة في "صحيحه" (١/ ٢٦٢).
وقال الترمذي:
"وذُكِر عن يحيي بن معين أنه صحح حديث خزيمة في المسح".
стр. 264
ثم قال:
"هذا حديث حسن صحيح".
ورواه ابن حبان أيضًا -كما في "التلخيص" (٢/ ٣٩٦) -. وقال النووي: إنه "حديث صحيح".
قلت: وقد أُعل هذا الحديث بما لا يقدح؛ ولو أردنا بسط للكلام في ذلك لطال؛ فليراجع لذلك "نصب الراية" (١/ ١٧٥ - ١٧٧).
وللحديث شواهد كثيرة: من حديث علي بن أبي طالب -في "صحيح مسلم"، و"أبي عوانة"-، وصفوان بن عَسَّال وأبي بكرة والمغيرة بن شعبة -وهي عند الطحاوي والبيهقي وبعض أصحاب "السنن"-.
وفيها -ما عدا الأول- من الزيادات ما ليس في حديث الباب؛ فأرى من الفائدة ذكرها؛ مع التنبيه على ما لا يصح منها.
ففي حديث صفوان: "إلا من جنابة؛ ولكن من غائط وبول ونوم".
وفي حديث أبي بكرة: "إذا تطهر ولبس خفيه".
وفي حديث المغيرة: "ما لم يخلع". قال البيهقي:
"تفرد به عمرو بن رُدَيْحٍ؛ وليس بالقوي".
قلت: وفي معناها ما في بعض طرقه بغير هذا اللفظ عند أحمد بلفظ:
"ثمّ لم أمش حافيًا"؛ وهي ضعيفة أيضًا؛ لما سبق بيانه عند الحديث (رقم ١٣٩).
وقد صح عن علي ﵁:
стр. 265
أنه مسح على نعليه، ثمّ خلعهما، ثم صلّى.
كما سيأتي في الكلام على الحديث (رقم ١٥٦).
وهذا يؤيد قول من قال: إنْ نَزَعَ الخفين بعد المسح عليهما لا يضره، ولا يلزمه إعادة وضوء، ولا غسل رجليه، بل هو طاهر كما كان، ويصلي كذلك.
وبه قال الحسن وابن أبي ليلى وجماعة؛ كما في "الفتح" (١/ ٢٤٨). وإليه ذهب ابن حزم (٢/ ١٠٥). وقال:
"وهذه قول طائفة من السلف ... "؛ ثمّ روى ذلك عن هشام بن حسان، وعن إبراهيم النخعي.
وهذه فائدة تعرضنا لذكرها بالمناسبة، ولقِلَّة ما تراها في كتاب من كتب الفقه المشهورة.
(فائدة أخرى): ظاهر حديث الباب -ومثله الأ حاديث الأخرى-: أنَّ مدة المسح تبتدئ من حين يمسح بعد الحدث. وبه قال الأوزاعي وأبو ثور. قال النووي في "المجموع" (١/ ٤٨٧):
"وهو رواية عن أحمد وداود وهو المختار الراجح دليلًا. واختاره ابن المنذر؛ وحكى نحوه عن عمر بن الخطاب ﵁".
١٤٦ - وفي رواية: ولو استزدناه لزادنا.
(قلت: إسناد صحيح، وصححه ابن حبان وأبو عوانة).
إسناده: علقه المصنف فقال: رواه منصور بن المعتمر عن إبراهيم التيمي ... بإسناده: ولو استزدناه لزادنا.
стр. 266
وقد وصله الإمام أحمد (٥/ ٢١٣): ثنا أبو عبد الصمد العَمِّي: ثنا منصور: ثنا إبراهيم بن يزيد التيمي عن عمرو بن ميمون عن أبي عبد الله الجدلي عن خزيمة بن ثابت الأنصاري أن رسول الله ﷺ قال:
"امسحوا على الخفاف ثلاثة أيام". ولو استزدنا لزادنا.
وهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين؛ غير الجدلي؛ وهو ثقة كما سبق في الرواية الأولى.
ثم قال أحمد: ثنا سفيان عن منصور ... به بلفظ:
سألنا رسول الله ﷺ عن المسح على الخفين؟ فرخص للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، والمقيم يومًا وليلة.
قال أحمد: سمعته من سفيان مرتين يذكر:
للمقيم، ولو أطنب السائل في مسألته لزادهم.
وكذلك رواه الطحاوي، وأبو عوانة عن سفيان ... به؛ لكن أبا عوانة لم يسق لفظه بتمامه.
وقد تابعه سعيد بن مسروق -والد سفيان- الثوري عن إبراهيم التيمي.
أخرجه ابن ماجة (١/ ١٩٦)، وأحمد (٥/ ٢١٤ و ٢١٥) عن سفيان عن أبيه عن إبراهيم التيمي ... به. ولفظه:
ولو مضى السائل على مسألته؛ لجعلها خمسًا.
فقد اتفق على هذه الزيادة -عن التيمي- ثقتان: منصور وسعيد بن مسروق؛ فهي زيادة صحيحه ثابتة؛ وإن كان لا يؤخذ منها حكم زائد على أصل الحديث.
стр. 267
وقد سبق أن نقلنا عن النووي أنه صحح الحديث.
وأما بهذه الزيادة؛ فزعم (١/ ٤٨٥) أنه ضعيف بالاتفاق! وضعفه من وجهين:
أحدهما: أنه مضطرب.
والثاني: أنه منقطع؛ قال شعبة:
"لم يسمع إبراهيم من أبي عبد الله الجدلي". وقال البخاري:
"ولا يعرف للجدلي سماع من خزيمة"!
قلت: أما الاضطراب؛ فهو من النوع الذي لا يقدح، كما تجد تفصيله في "نصب الراية"؛ وليس هو في هذه الزيادة فقط؛ بل هو واقع في أصل الحديث أيضًا. ولو كان قادحًا؛ لا صححه من سبق ذكرهم، وفيهم النووي!
وأما الانقطاع؛ فإنما هو بالنسبة إلى سند المصنف في الرواية الأولى؛ لأنها من طريق إبراهيم النخعي عن أبي عبد الله الجدلي.
وأما الزيادة؛ فإنها من طريق إبراهيم التيمي عن عمرو بن ميمون عن الجدلي؛ وقد صرح التيمي بسماعه عن عمرو، كما سبق في الكلام على الرواية الأولى.
وأما قول البخاري المذكور؛ فإنما هو على قول من يشترط في الاتصال اللقاء والسماع؛ ولو مرة! والجمهور على خلافه؛ وهو أنه يكفي إمكان اللقاء، وهو ثابت هنا، فلا انقطاع.
ولو صح لما جاز للنووي أن يصحح أصل الحديث؛ لأنه من هذا الطريق أيضًا.
وبالجملة؛ فالنووي قد تناقض في هذا الحديث تناقضًا ظاهرًا، وأوقع غيره في الغلط عليه؛ فقد قال الحافظ في "التلخيص" (٢/ ٣٩٦) -بعد أن ذكر أنّ هذه
стр. 268
الزيادة رواها كأصلها ابن حبان-، قال:
"وادّعى النووي في "شرح المهذب" الاتفاق على ضعف هذا الحديث، وتصحيح ابن حبان له يَرُدُّ عليه، مع نقل الترمذي عن ابن معين أنه صحيح أيضًا؛ كما تقدّم"!
قلت: الترمذي إنما ذكر ذلك بعد أن ساق الحديث بدون الزيادة؛ فهو غير وارد على النووي؛ لأنه صرح بصحة الحديث بدون الزيادة كما سبق؛ بل إنه نقل قول الترمذي فيه:
"حديث حسن صحيح".
والحق والعدل: أن من صحح أصل الحديث يلزمه أن يصحح هذه الزيادة؛ لأنه من طريقه؛ وهو الذي نراه ونجزم به.
ومن ضعف الزيادة يلزمه أن يضعف الحديث من أصله، لا كما فعل النووي ﵀. والله تعالى هو الموفق.
٦١ - باب المسح على الجوربين
١٤٧ - عن هُزَيْلِ بن شُرَحْبيل عن المغيرة بن شعبة:
أنّ رسول الله ﷺ توضأ ومسح على الجوربين والنعلين.
(قلت: إسناده صحيح على شرط البخاري، وصححه ابن حبان، وقال الترمذي: إنه "حديث حسن صحيح"، واحتج به ابن حزم).
إسناده: حدثنا عثمان بن أبي شيبة عن وكيع عن سفيان الثوري عن أبي قيس الآوْدِيِّ عن هزيل بن شرحبيل عن المغيرة بن شعبة.
стр. 269
وهذا إسناد صحيح على شرط البخاري.
والحديث أخرجه أحمد (٤/ ٢٥٢): ثنا وكيع ... به.
وكذلك أخرجه الترمذي. وابن ماجة عن وكيع.
وأخرجه الطحاوي (١/ ٥٨)، والبيهقي (١/ ٢٨٣) من طريق أبي عاصم عن سفيان الثوري. ثم قال الترمذي:
"حديث حسن صحيح".
واعلم أن هذا الحديث مما اختلفت فيه آراء علماء الحديث تصحيحًا وتضعيفًا: فصححه الترمذي وغيره كما يأتي، وضعفه البيهقي وغيره كالمصنف؛ حيث قال عقبه:
"كان عبد الرحمن بن مهدي لا يحدث بهذا الحديث؛ لأن المعروف عن المغيرة: أن النبي ﷺ مسح على الخفين"! وذكر البيهقي عن مسلم وغيره تضعيفه؛ بسبب ما أشار إليه المصنف عن ابن مهدي من المخالفة! وتعقبه ابن التركماني بقوله:
"قلت: هذا الخبر أخرجه أبو داود وسكت عنه؛ وصححه ابن حبان، وقال الترمذي: حسن صحيح. وأبو قيس عبد الرحمن بن ثروان؛ وثقه ابن معين. وقال العجلي: ثقة ثبت. وهزيل؛ وثقه العجلي، وأخرج لهما معًا البخاري في "صحيحه". ثم إنهما لم يخالفا الناس مخالفة معارضة؛ بل رويا أمرًا زائدًا على ما رووه بطريق مستقل غير معارض؛ فيحمل على أنهما حديثان. ولهذا صحح الحديث كما مر".
وذكر بعضَ هذا: ابنُ دقيق العيد ﵀؛ ففي "نصب الراية" (١/ ١٨٥):
стр. 270
"قال الشيخ تقي الدين في "الإمام": ومن يصححه يعتمد -بعد تعديل أبي قيس- على كونه ليس مخالفًا لرواية الجمهور مخالفة معارضة، بل هو أمر زائد على ما رووه، ولا يعارضه؛ ولا سيما وهو طريق مستقل برواية هزيل عن المغيرة؛ لم يشارك المشهورات في سندها".
وهذا هو التحقيق في هذا الحديث. وأوضح ذلك الأستاذ الفاضل الشيخ أحمد محمد شاكر في تعليقه على "الترمذي"؛ فقال (١/ ١٦٨) -بعد أن ذكر بعض كلمات المضعفين-:
"وليس الأمر كما قال هؤلاء الأئمة؛ والصواب صنيع الترمذي في تصحيح هذا الحديث، وهو حديث آخر غير حديث المسح على الخفين، وقد روى الناس عن المغيرة أحاديث المسح في الوضوء؛ فمنهم من روى المسح على الخفين، ومنهم من روى المسح على العمامة، ومنهم من روى المسح على الجوربين، وليس شيء منها بمخالف للآخر؛ إذ هي أحاديث متعددة، وروايات عن حوادث مختلفة، والمغيرة صحب النبيّ ﷺ نحو خمس سنين؛ فمن العقول أن يشهد مع النّبيّ وقائع متعددة في وضوئه ويحكيها؛ فيسمع بعض الرواة منه شيئًا، ويسمع غيره شيئًا آخر؛ وهذا واضح بديهي".
وللحديث شاهد وهو:
١٤٨ - قال أبو داود: "وروي هذا أيضًا عن أبي موسى الأشعري عن النّبيّ ﷺ : أنه مسح على الجوربين. وليس بالمتصل ولا بالقوي".
(قلت: انقطاعه غير مسلَّم، ثمّ هو قوي بما قبله).
إسناده: هو كما ترى معلق، وقد وصله ابن ماجة والطحاوي والبيهقي من طريق عيسى بن يونس عن أبي سنان عيسى بن سنان عن الضحاك بن عبد الرحمن
стр. 271
عن أبي موسى قال:
رأيت رسول الله ﷺ يمسح على الجوربين والنعلين.
وأعله المصنف بما تراه في الأعلى؛ وأوضح ذلك البيهقي فقال:
"الضحاك بن عبد الرحمن لم يثبت سماعه من أبي موسى. وعيسى بن سنان ضعيف لا يحتج به"! قال ابن التركماني:
"قلت: هذا أيضًا كما تقدّم: أنه على مذهب من يشترط للاتصال ثبوت السماع، ثمّ هو معارض بما ذكره عبد الغني؛ فإنه قال في "الكمال": سمع الضحاك من أبي موسى. وابن سنان وثقه ابن معين وضعفه غيره، وقد أخرج الترمذي في (الجنائز) حديثًا في سنده عيسى بن سنان هذا؛ وحسنه".
قلت: الحق: أن عيسى بن سنان ضعيف عند جمهور المحدثين من قبل حفظه؛ دون أن يتهم؛ فمثله قد يكون حسن الحديث إذا توبع أو كان له شاهد.
وأما سماع الضحاك من أبي موسى؛ فهو الظاهر؛ لأن المثبت مقدّم على النافي. وكأنه لذلك ذكر له المزي في "التهذيب" رواية عن أبي موسى، وتبعه الحافظ في "تهذيبه". ولو كانا يريان عدم سماعه منه؛ لقالا بعد أن ذكرا روايته عنه:
"ولم يسمع منه"! كما هي عادتهما في مثل ذلك. والله أعلم.
وبالجملة؛ فالحديث قوي يشاهده الذي قبله.
١٤٩ - قال أبو داود: "ومسح على الجوربين: علي بن أبي طالب وأبو مسعود والبراء بن عازب وأنس بن مالك وأبو أمامة وسهل بن سعد وعمرو ابن حُرَيْثٍ. وروي ذلك عن عمر بن الخطاب، وابن عباس".
стр. 272
(قلت: قد وقفنا على أثر علي بن أبي طالب؛ وفي سنده من لم نجد له ترجمة وعلى أثر أبي مسعود؛ وإسناده صحيح على شرط الشيخين. وعلى أثر البراء بن عازب؛ وإسناده صحيح على شرط مسلم. وأنس بن مالك؛ وإسناده صحيح على شرط الشيخين. وأبي أمامة؛ وإسناده حسن. وعمر بن الخطاب؛ وإسناده ضعيف).
قلت: أما أثر علي؛ فوصله عبد الرزاق في "مصنفه" -كما في "نصب الراية" (١/ ١٨٦) - فقال: أخبرنا الثوري عن الزّبرِقَانِ عن كعب بن عبد الله قال:
رأيت عليًّا بال؛ فمسح على جوربيه ونعليه، ثمّ قام يصلّي.
وكذا أخرجه البيهقي (١/ ٢٥٨) من طريق إسرائيل عن الزبرقان.
وخالفهما شعبة فقال: عن أبي الورقاء سمع رجلًا من قومه -يقال له: عبد الله بن كعب- يقول ... فذكره: أخرجه البيهقي.
فقلب اسم كعب بن عبد الله؛ فقال: عبد الله بن كعب. والصواب الأول، وقد بحثت عن ترجمته كثيرًا؛ فلم أجد من ذكره!
وأما أبو الورقاء؛ فإن كان هو فائد بن عبد الرحمن الكوفي العطار؛ فهو متروك.
وإن كان غيره؛ فلم أعرفه!
وأما أثر أبي مسعود؛ فوصله عبد الرزاق أيضًا قال: أخبرنا الثوري عن منصور عن خالد بن سعد قال:
كان أبو مسعود الأنصاري يمسح على جوربين له -من شعر- ونعليه.
أخبرنا الثوري عن الأعمش عن إبراهيم عن همام بن الحارث عن أبي مسعود ... نحوه.
стр. 273
وهذا إسناد صحيح. والذي قبله صحيح على شرط الشيخين.
وأخرجه البيهقي عن شعبة عن منصور.
(تنبيه): كذا في نسخة: "أبو مسعود".
وفي نسخة "عون المعبود": "ابن مسعود"؛ وقد وصله عنه عبد الرزاق أيضًا: أخبرنا معمر عن الأعمش عن إبراهيم:
أن ابن مسعود كان يمسح على خفيه، ويمسح على جوربيه.
ورجاله ثقات رجال الستة؛ لكنه منقطع؛ فإن إبراهيم -وهو ابن يزيد النخعي- لم يلق ابن مسعود.
بيد أنه رواه الطبراني في "الكبير"؛ قال في "المجمع" (١/ ٢٥٨):
"ورجاله موثقون".
وأما أثر البراء؛ فقال عبد الرزاق: أخبرنا الثوري عن الأعمش عن إسماعيل ابن رجاء عن أبيه قال:
رأيت البراء يمسح على جوربيه ونعليه.
وأخرجه البيهقي من طريق ابن نمير عن الأعمش.
وهذا سند صحيح على شرط مسلم.
وأما أثر أنس؛ فله عنه طرق:
(١) قال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن قتادة عن أنس بن مالك:
أنه كان يمسح على الجوربين.
стр. 274
وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين.
(٢) أخرجه البيهقي من طريق الأعمش -أظنه- عن سعيد بن عبد الله قال:
رأيت أنس بن مالك أتى الخلاء، فتوضأ ومسح على قلنسوة بيضاء مزرورة، وعلى جوربين أسودين مِرْعَزّييْنِ.
وسعيد بن عبد الله؛ الظاهر أنه ابن عبد الله بن ضرار؛ قال أبو حاتم:
"ليس بقوي"؛ كما في "الميزان".
(٣) ذكر ابن حزم (٢/ ٨٥) من طريق الضحاك بن مخلد عن سفيان الثوري: حدثني عاصم الأحول قال:
رأيت أنس بن مالك مسح على جوربيه.
وهذا إسناد صحيح على شرطهما.
(٤) ومن طريق حماد بن سلمة عن ثابت البناني وعبيد الله بن أبي بكر بن أنس بن مالك قالا جميعًا:
كان أنس بن مالك يمسح على الجوربين والخفين والعمامة.
وهذا إسناد أو إسنادان صحيحان على شرط مسلم.
وأما أثر أبي أمامة؛ فذكره ابن حزم عن حماد بن سلمة عن أبي غالب عن أبي أمامة الباهلي:
أنه كان يمسح على الجوربين والخفين والعمامة.
وهذا إسناد حسن.
стр. 275
وأما أثر عمر؛ فذكره ابن حزم من طريق وكيع عن أبي جَنَابٍ عن أبيه عن خِلاس بن عمرو عن ابن عمر قال:
بال عمر بن الخطاب يوم الجمعة، ثم توضأ ومسح على الجوربين والنعلين، وصلّى بالناس الجمعة.
وهذا إسناد ضعيف؛ أبو جناب: هو يحيى بن أبي حية، كان يحيى بن سعيد يتكلم فيه وفي أبيه.
وأما بقية الآثار -وهما عن سهل بن سعد، وعمرو بن حريث، وابن عباس-؛ فلم أقف عليها!
نعم؛ ذكر المعلق على "نصب الراية" أن أثر سهل: عند ابن أبي شيبة (ص ١١٦)، لكن هذا الكتاب لم يصل إلينا بعد، وإنما وقفنا على الجزء الرابع منه.
وروى الطبراني في "الكبير" عن عمرو بن حريث:
أنه مسح على نعليه ثمّ قام فصلّى. قال في "المجمع" (١/ ٢٥٨):
"ورجاله ثقات".
(فائدة): لم يرد شيء يدل على اعتبار اشتراط الثخانة في الجوربين لجواز المسح عليهما، بل قال النووي في "المجموع" (١/ ٥٠٠):
"وحكى أصحابنا عن عمر وعلي ﵄ جواز المسح على الجورب وإن كان رقيقًا، وحكوه عن أبي يوسف ومحمد وإسحاق وداود".
قلت: وهو مذهب ابن حزم.
стр. 276
٦٢ - باب
١٥٠ - عن يعلى بن عطاء عن أبيه: أخبرني أوس بن أبي أوس الثقفي:
أنه رأى رسول الله ﷺ أتى كِظَامة قوم -وفي لفظ: رأيت رسول الله ﷺ أتى كظامة -يعني: الِميضأة-؛ فتوضأ ومسح على نعليه وقدميه.
(قلت: حديث صحيح. وأخرجه ابن حبان في "صحيحه". وصححه ابن القطان من حديث ابن عمر).
إسناده: حدثنا مسدد وعباد بن موسى قالا: ثنا هشيم عن يعلى بن عطاء.
وهذا إسناد رجاله كلهم ثقات رجال "الصحيح"؛ غير عطاء والد يحيى؛ قال الحافظ في "التهذيب":
"قال أبو الحسن بن القطان: مجهول الحال، ما روى عنه غير ابنه يعلى.
وتبعه الذهبي في "الميزان". وأما ابن حبان فذكره في "الثقات"، وروى له هذا الحديث".
والحديث أخرجه البيهقي (١/ ٢٨٦) من طريق المؤلف.
وأخرجه أحمد (٤/ ٨): ثنا هشيم ... به مختصرًا؛ بلفظ:
رأيت رسول الله ﷺ أتى كظامة قوم فتوضأ.
وأخرجه الطبراني في "الكبير" (١) قال: حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي: نا عثمان بن أبي شيبة: نا هشيم ... به؛ بلفظ:
стр. 277
أتى كظامة -يعني: مطهرة-؛ فتوضأ ومسح على قدميه.
وهكذا أخرجه الحازمي في "الاعتبار" (ص ٤٢) من طريق سعيد بن منصور: أنا هشيم ... به، وزاد:
بالطائف.
قال هشيم: كان هذا في أول الإسلام.
وقد تابعه شعبة عن يعلى: أخرجه الطبراني قال: حدثنا معاذ بن المثنى: نا مسدد: نا يحيى بن سعيد عن شعبة عن يعلى بن عطاء عن أبيه عن أوس بن أبي أوس قال:
رأيت النّبي ﷺ توضأ، ومسح على نعليه، وقام إلى الصلاة.
وأخرجه أحمد أيضًا قال: ثنا يحيى ... به؛ لكن وقع في سنده تحريف مطبعي.
ثم قال الطبراني: حدثنا عبدان بن أحمد: نا زيد بن الحُريش: حدثني يحيى ابن سعيد ... به.
وأخرجه الحازمي؛ لكن وقع في نسختنا: "يحيى بن سعيد عن يعلى بن عطاء"! فكأنه سقط منها شعبة من بينهما. ثمّ قال الحازمي:
"لا يعرف هذا الحديث مُجَوَّدًا متصلًا إلا من حديث يعلى بن عطاء، وفيه اختلاف أيضًا"!
والاختلاف الذي يشير إليه: هو أن حماد بن سلمة رواه عن يعلى بن عطاء عن أوس الثقفي:
أن رسول الله ﷺ توضأ ومسح على نعليه.
стр. 278
أخرجه الطيالسي (رقم ١١١٣): ثنا حماد بن سلمة ... به.
وأخرجه الطحاوي (١/ ٥٨)، وأحمد (٤/ ٩)، والطبراني من طرق عن حماد ... به، لكنهم خالفوه فجعلوه من (مسند أبي أوس) لا من (مسند ابنه) فقالوا: عن أوس بن أبي أوس قال: رأيت أبي يومًا توضأ فمسح على النعلين. فقلت له: أتمسح عليهما؟ فقال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يفعل.
وكذلك رواه شريك عن يعلى بن عطاء عن أوس بن أبي أوس قال: كنت مع أبي على ماء من مياه العرب، فتوضأ ومسح على نعليه، فقيل له؟ فقال: ما أزيدك على ما رأيت رسول الله ﷺ يصنع.
أخرجه الطحاوي وأحمد والطبراني من طرق عنه.
فقد اتفق حماد -في رواية الأكثرين- وشريك على إسقاط عطاء من الإسناد، وعلى أن الحديث من (مسند أبي أوس) ليس من (مسند ابنه أوس)؛ خلافًا لرواية هشيم وشعبة، وهي عندي أصح وأولى؛ لأنهما أوثق وأحفظ من حماد وشريك.
وقد أخرجه البيهقي من طريق الطيالسي، ثم قال:
"وهذا الإسناد غير قوي"! فتعقبه ابن التركماني بقوله:
"الوجه الأول أخرجه الحازمي في "الناسخ والمنسوخ" وقال: لا يعرف مجودًا متصلًا إلا من حديث يعلى بن عطاء، وأخرجه أيضًا ابن حبان في "صحيحه"؛ قالاحتجاج به كافٍ"!
أقول: الإنصاف أن تقول: إن الاحتجاج به وحده لا يكفي؛ لأنه -وإن سلم من الاضطراب المخل-؛ فإنه من رواية عطاء أبي يعلى، وقد عرفت أنه مجهول الحال، وقد اشتهر ابن حبان بتوثيق أمثاله من المجهولين.
стр. 279
لكن الحديث صحيح بما له من الشواهد التي منها: ما أخرجه أبو بكر البزار في "مسنده": ثنا إبراهيم بن سعيد: ثنا روح بن عبادة عن ابن أبي ذئب عن نافع:
أن ابن عمر كان يتوضأ ونعلاه في رجليه، ويمسح عليهما، ويقول: كذلك كان رسول الله ﷺ يفعل.
وقد قال ابن القطان: إنه حديث صحيح. كما في "شرح علوم الحديث" (ص ١٢) للحافظ العراقي.
قلت: وهو صحيح على شرط مسلم.
وابن سعيد هذا: هو الجوهري البغدادي، من شيوخ المصنف الذين تقدموا في الكتاب.
وبقية شواهده تراجع في "الجوهر النقي"؛ ويأتي بعضها في الباب الذي يلي.
٦٣ - ومن "باب كيف المسح ؟ "
١٥١ - عن المغيرة بن شعبة:
أن رسول الله ﷺ كان يمسح على الخفين.
إسناده: حدثنا محمد بن الصَّبَّاح البزاز: ثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد قال: ذكره أبي عن عروة بن الزبير عن المغيرة بن شعبة.
وهذا إسناد حسن إن شاء الله تعالى، رجاله كلهم ثقات؛ غير عبد الرحمن بن أبي الزناد، وهو مختلف فيه، ويظهر لنا من النظر في كلمات من تكلم فيه: أن ذلك من أجل حفظه، فهو من الذين يكتب حديثهم ويحتج به؛ ما لم يخالف أو يشذ؛ فهو حسن الحديث. وقد ترجمه الذهبي في "الميزان" ترجمة واسعة، ثمّ قال
стр. 280
في آخرها:
"قلت: قد مشَّاه جماعة وعدَّلوه، وكان من الحفاظ المكثرين؛ ولا سيما عن أبيه وهشام بن عروة، حتى قال يحيي بن معين: هو أثبت الناس في هشام، وذكر محمد بن سعد أنه كان مفتيًا، وقد روى أرباب "السنن الأربعة". له، وهو إن شاء الله تعالى حسن الحال، وقد صحح له الترمذي". وقال الحافظ في "التقريب":
"صدوق، تغير حفظه لما قدم بغداد، وكان فقيهًا".
والحديث أخرجه البخاري في "التاريخ الأوسط" بهذا الإسناد عن هذا الشيخ -كما في "التلخيص" (٢/ ٣٩١) -، ولفظه:
رأيت رسول الله ﷺ يمسح على خفيه ظاهرهما. قال:
"وهذا أصح من حديث رجاء عن كاتب المغيرة".
قلت: يشير إلى حديث آخر للمغيرة، رواه المصنف أيضًا بلفظ:
فمسح أعلى الخفين وأسفله!
وهو معلول، ولذلك أودعناه في الكتاب الآخر (رقم ٢٣).
وأخرجه الترمذي -عن علي بن حجْرٍ-، والدارقطني (٧١) -عن سليمان بن داود الهاشمي-، وأحمد (٤/ ٢٥٤) -عن إبراهيم بن أبي العباس-؛ ثلاثتهم عن ابن أبي الزناد ... به، وكلهم قالوا:
على ظهر الخفين؛ إلا علي بن حجر فقال:
على ظاهرهما. وقال الترمذي:
"حديث حسن، وهو حديث عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه عن عروة
стр. 281
عن المغيرة، ولا نعلم أحدًا يذكر عن عروة عن المغيرة: على ظاهرهما ... غيره"!
قلت: لكن الأحاديث الأخرى التي وردت في مسح الخفين؛ كلها أو جُلُّها تقول:
مسح على الخفين، وهي نصوص ظاهرة في معنى اللفظ الذي رواه ابن أبي الزناد، بل هو نص في ذلك؛ لأنه لا يحتمل -ولو احتمالًا بعيدًا- المسح أسفله، فهي شواهد صحيحه لهذا الحديث؛ فهو على هذا صحيح. فتأمل!
ثم الحديث؛ أخرجه الطيالسي (رقم ١٩٢): ثنا ابن أبي الزناد عن أبيه عن عروة بن المغيرة عن المغيرة بن شعبة:
أنّ النّبيّ ﷺ مسح على ظاهر خفيه.
فخالف الجماعة؛ حيث قال: عروة بن المغيرة. قال البيهقي (١/ ٢٩١) -بعد أن رواه من طريق الطيالسي-:
"كذا رواه أبو داود الطيالسي عن عبد الرحمن بن أبي الزناد. وكذلك رواه إسماعيل بن موسى عن ابن أبي الزناد. ورواه سليمان بن داود الهاشمي ومحمد ابن الصباح وعلي بن حجر عن ابن أبي الزناد عن أبيه عن عروة بن الزبير عن المغيرة". قال الشيخ أحمد محمد شاكر:
"فإن كانت الروايتان محفوظتين؛ وإلا كانت إحداهما وهمًا والأخرى صوابًا، ولا ضرر في ذلك؛ لأنه تردد بين راويين ثقتين: عروة بن الزبير، وعروة بن المغيرة".
قلت: والرواية الأولى أرجح؛ لاتفاق الأكثر عليها. والله أعلم.
وللحديث طريق أخرى: عند البيهقي عن الحسن عن المغيرة.
стр. 282
وهو منقطع، كما قال الحافظ (٢/ ٣٩٤).
١٥٢ - وفي رواية: على ظهر الخُفَّين (١).
(قلت: إسناده حسن صحيح، وقال الترمذي: "حديث حسن").
١٥٣ - عن علي ﵁ قال:
لو كان الدين بالرأي؛ لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه، وقد رأيت رسول الله ﷺ يمسح على ظاهر خفيه.
(قلت: إسناده صحيح، وكذا قال الحافظ).
إسناده: حدثنا محمد بن العلاء: ثنا حفص بن غِيَاث عن الأعمش عن أبي إسحاق عن عبد خير عن علي.
وهذا إسناد صحيح، رجاله ثقات رجال الشيخين؛ غير عبد خير؛ وهو ثقة، وقد مر.
والحديث أخرجه البيهقي من طريق المصنف.
وكذلك رواه ابن حزم (٢/ ١١١).
ثمّ أخرجه البيهقي، والدارقطني (٧٣) من طرق أخرى عن حفص ... به.
وقال الحافظ في "التلخيص" (٢/ ٣٩٢) -بعد أن عزاه للمصنف-:
"وإسناده صحيح". وقال في "البلوغ":
"إسناده حسن"!
стр. 283
والصواب الأول.
١٥٤ - وفي رواية: قال:
ما كنت أرى باطن القدمين إلا أحقَّ بالغَسْل؛ حتى رأيت رسول الله ﷺ يمسح على ظهر خفيه.
(قلت: إسناده صحيح).
إسناده: حدثنا محمد بن رافع: ثنا يحيى بن آدم قال: ثنا يزيد بن عبد العزيز عن الأعمش ... بإسناده قال.
وهذا إسناد صحيح كالسابق.
والحديث أخرجه البيهقي من طريق المصنف ... بهذا السند والمتن.
١٥٥ - وفي لفظ: قال:
لو كان الدين بالرأي؛ لكان باطن القدمين أحق بالمسح من ظاهرهما، وقد مسح النّبي ﷺ على ظهر خفيه.
(قلت: إسناده صحيح).
إسناده: هو إسناد الرواية الأولى (رقم ١٥٣)؛ وهو ثابت في "مختصر المنذري" (رقم ١٥٤)، وليس هو في نسخة "عون المعبود".
١٥٦ - وفي رواية: قال:
كنت أرى أن باطن القدمين أحق بالمسح من ظاهرهما، حتى رأيت رسول الله ﷺ يمسح ظاهرهما.
стр. 284
قال وكيع: يعني: الخفين.
(قلت: إسناده صحيح).
إسناده: علقه المصنف بقوله: "ورواه وكيع عن الأعمش بإسناده".
وهو في "المسند" (١/ ٩٥ / رقم ٧٣٧) موصولًا: ثنا وكيع ... به.
ووصله ابنه عبد الله فقال (رقم ١٠١٣): ثنا إسحاق بن إسماعيل وأبو خيثمة قالا: حدثنا وكيع ... به؛ وليس عندهما قول وكيع في آخره: يعني: الخفين.
وقد تابعه إبراهيم بن طهمان عن أبي إسحاق ... به؛ ولفظه:
حتى رأيت رسول الله ﷺ توضأ ومسح على ظهر قدميه على خفيه ... والباقي مثله سواءً.
أخرجه البيهقي.
وتابعه يونس؛ ولفظه:
رأيت عليًّا توضأ ومسح على النعلين، ثمّ قال: لولا أني رأيت رسول الله ﷺ فعل كما رأيتموني فعلت؛ لرأيت أن باطن القدمين هو أحق بالمسح من ظاهرهما.
أخرجه أحمد (رقم ١٢٦٣)، والدارمي (١/ ١٨١): حدثنا -وقال الدارمي: أخبرنا- أبو نعيم: حدثنا يونس عن أبي إسحاق ... به.
وهذا إسناد صحيح.
ولم ينفرد أبو إسحاق بذكر المسح على النعلين: عن علي مرفوعًا، بل تابعه السُّدِّيُّ:
стр. 285
أخرجه أحمد (رقم ٩٤٣ و ٩٧٠): حدثنا ابن الأشجعي: حدثنا أبي عن سفيان عن السدي عن عبد خير عن علي:
أنه دعا بكوز من ماء، ثمّ قال: أين هؤلاء الذين يزعمون أنهم يكرهون الشرب قائمًا؟ قال: فأخذه فشرب وهو قائم، ثم توضأ وضوءا خفيفًا، ومسح على نعليه، ثمّ قال: هكذا وضوء رسول الله ﷺ للطاهر؛ ما لم يُحْدِثْ.
وهذا إسناد حسن، رجاله كلهم ثقات.
وابن الأشجعي يعرف بكنيته: أبو عبيدة بن عبيد الله بن عبيد الرحمن.
ورواه ابن خزيمة في "صحيحه" عن سفيان -كما في "نصب الراية" (١/ ١٨٩) -.
ورواه شريك عن السدي ... نحوه؛ وفيه: ثمّ قال:
لولا أني رأيت رسول الله ﷺ مسح على ظهر قدميه؛ رأيت أن بطونهما أحق ... الحديث: أخرجه أحمد أيضًا (رقم ٩٤٣).
(فائدة): واعلم أن بعض العلماء فهموا من قوله في هذه الرواية: للطاهر ما لم يحدث؛ أي: حدثًا أصغر، وبناءً على ذلك قالوا: (إنما يجوز المسح على النعلين لمن كان على وضوء، ثم أراد تجديده)! !
وليس يظهر لنا هذا المعنى؛ بل المراد ما لم يحدث حدثًا أكبر؛ أي: ما لم يُجْنِب؛ فهو بمعنى حديث صفوان بن عسال بلفظ:
"إلا من جنابة، ولكن من غائط أو بول أو نوم".
وقد سبق ذكره عند الحديث (رقم ١٤٥). والدليل على ما ذهبنا إليه أمور:
الأول: أن راوي الحديث نفسه -أعني: عليًّا ﵁ قد مسح على