Полный текст (5 412 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تقديم
الحمد لله ربّ العالمين، حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، وتحياته الطيبات المباركات على رسوله وخليله محمّد الأمين خاتم النبيين وسيّد المرسلين صلوات الله وسلامه عليه، والتحية والإكرام لأهل بيته الطاهرين الطيبين الكرام، ورضي الله عن صحابته والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد،
يسعدني أن أقدّم للعلماء المهتمين بالحضارة الإسلامية والباحثين في مجال التراث الإسلامي نشرةً علمية مُحْكمة لأكبر معجم ببليوجرافي في التراث الإسلامي، وأهمّ كتاب في تاريخ الأدبيات الإسلامية حتى القرن الحادي عشر الهجري، ألا وهو كتاب "كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون"، لمؤلّفه مصطفى بن عبد الله القسطنطيني العثماني المعروف بكاتب جلبي وبحاجي خليفة (١٠١٧ - ١٠٦٧ هـ).
لم يكتف مؤلف الكتاب بذكر المؤلّفات العربية، بل ذكر أيضا ما كُتب باللغة التركية والفارسية. وقد استغرق عشرين سنة في جمع مادة الكتاب وكتابته في مسودة، ثم بدأ بتبييضه، فكتب منه إلى أثناء حرف الدال"، ثم وافته المنية، ﵀، تاركا وراءه القطعة المبيضة وجميع المسودة.
عني حاجي خليفة بذكر أسماء الكتب والفنون، فكان يذكر الفن ويُعرّف به اعتمادًا على "مفتاح السعادة" لطاش كبري زادة في الأغلب الأعم مع استدراكات عليه، ثم يذكر أسماء الكتب مرتبة على حروف المعجم، مع ذكر
стр. 2
مؤلّفيها إن وقع له ذلك، ويُتبع ذلك بالشروح والمختصرات والحواشي المتصلة بهذا الكتاب، وربما أشار إلى موضوع الكتاب، أو ذكر أوّله، لا سيما في المؤلّفات التي اطلع على نسخ منها.
ويعدّ هذا الكتاب النوعي عمدة المُشتغلين بالتراث ومرجعهم الأساسي، وقد احتل أهمية كبيرة بين الباحثين والدارسين والمحققين، فكانوا كثيري الرجوع إليه والاعتماد عليه في أبحاثهم ودراساتهم وتحقيقاتهم؛ وهو ما يدل على العبقرية الموسوعية الاستثنائية لحاجي خليفة، ﵀.
ونتيجة لهذه الأهمية البالغة، عني الأوربيون بتحقيقه ونشره وترجمته إلى اللغة اللاتينية لغة العلم في أوربا إلى عهد قريب، فقام المستشرق الألماني فلوجل (Flugel) بتحقيق الكتاب ونشر المجلدين الأولين منه خلال السنوات ١٨٣٥ - ١٨٥٨ م، في لايبزيغ، ثم طبعت مجلداته من الثالث إلى السابع - مع كشافاتها - في لندن.
ثم قام اثنان من العلماء الأتراك بإعادة نشر الكتاب، اعتمادًا على النشرة الأوربية، ومقابلتها على نسخة المؤلّف الخطية من المبيضة والمسوّدة. وممّا يؤسف عليه أنَّ هاتين الطبعتين لم تستوفيا المنهج العلمي في تحقيق النصوص، إذ تصرّفا في النصّ زيادةً وحذفًا، وقاما بتغيير الكثير من العبارات، ظنا منهما أنّ هذا مما ييسر فهم النص واستوائه، فضلًا عما وقع عندهما من تحريف وتصحيف لا تخلو منها صفحة من صفحات طبعاتهما.
ونظرًا للأهمية البالغة لهذا المرجع الكبير، الذي يستعمله كل المشتغلين بالتراث من مفهرسين وببليوجرافيين وفيلولوجيين ومحققين، إذ إنه يُعتبر من أهم الموسوعات المعرفية في تاريخ الإسلام، ونظرًا لموسوعية العلامة البارع حاجي
стр. 3
خليفة في تأليفه لهذا الكتاب النادر، فقد ارتأى مركز دراسات المخطوطات الإسلامية بمؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي ضرورة إصدار نشرة نقدية لهذا النص وإتاحته للعلماء والباحثين، وإخراجه للأجيال القادمة، لا سيما بعد ملاحظة الأخطاء الكثيرة الواقعة في النشرتين السالفتين، إضافة إلى الأخطاء التي وقع فيها مؤلّف الكتاب نفسه في أسماء الكتب وأسماء مؤلفيها ووفياتهم، ونسبة الكثير من الكتب إلى غير مؤلّفيها، خاصة وأنه لم تتح له الفرصة لإعادة النظر في المسودة التي وضعها، والتي أصبحت المورد الوحيد لهذا النصّ المهم. وقد أوكل مركز المخطوطات هذه المهمة الثقيلة إلى العالمين البارعين، الأخوين الأستاذ الدكتور أكمل الدين إحسان أوغلى والأستاذ الدكتور بشار عواد معروف وفريقه من المحققين).
إنّ النشرة التي يتشرّف مركز المخطوطات بمؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي بأن يقدّمها بين أيديكم هي أوّل نشرة علمية نقدية بحق لهذا النص المهم، "كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون"، حيث بذل فيها من الجهد المحمود في اعتماد نسخة المؤلف المبيضة، وما لم يبيض من المسودة، والتعليق عليها، وتصحيح آلاف الأخطاء الواقعة فيها؛ فضلا عن تجلية ما أُبهم من نصوصها. وممّا يميّز هذه النشرة أنها لا تنحصر فقط في ضبط النشرة الكاملة للمخطوطة، وتحقيقها تحقيقا نقديًا علميًّا واضحًا ودقيقا فحسب، بل كذلك من نواح أخرى كثيرة، من بينها تذييلها بمسارد تحليلية شاملة.
نرجو أن تكون مؤسسة الفرقان - بهذا الإنجاز الكبير وهذه الذخيرة النفيسة - قد أضافت لبنةً جديدةً لمكتبة التراث، وأتاحت مفتاحًا ثمينا للعلماء والباحثين
стр. 4
والمفهرسين والببليوجرافيين والفيلولوجيين والمحققين والطلبة، فتعم بذلك فوائده، وتجتنى عوائده.
وفي ختام هذه الكلمة، أجدُ لزامًا عليّ أن أتوجه بالشكر الجزيل والثناء العطر ووافر عبارات التقدير إلى الأخوين العزيزين - الأستاذ الدكتور أكمل الدين إحسان أوغلى، والأستاذ الدكتور بشار عوّاد معروف وفريقه من المحققين) - على هذا العمل المميّز والمتقن، وعلى الجهد العظيم المبذول في تحقيق هذا المرجع المهم، وتحريره وإخراجه؛ فجزاهم الله عنا كل خير؛ سائلا المولى أن يجعل عملهم هذا في موازين حسناتهم.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
أحمد زكي يماني
رئيس
مؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي
стр. 5
مقدمة التحقيق
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على سيدنا وإمامنا محمد وعلى آله الطيبين وصحابته أجمعين وبعد:
فهذه مقدمة وجيزة لعملنا في تحقيق كتاب كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون نأمل أن تنير طريق المستفيد منه.
كاتب جلبي أو حاجي خليفة حياته ومؤلفاته (١):
(١٠١٧ - ١٠٦٨ هـ / ١٦٠٩ - ١٦٥٧ م)
كاتب جلبي أو حاجي خليفة، كما يُعرف بلقبيه المختلفين، هو واحد من أبرز علماء المسلمين في القرن الحادي عشر الهجري السابع عشر الميلادي. وهو كما يتضح من ترجمته التي تضمنتها هذه المقدمة - رجل صَرَفَ همّته وقضى عمره في تحصيل العلم وتدوينه ونشره. بدأ يطلب العلم منذ نعومة أظفاره، وظل يشتغل به طيلة حياته في الحضر والسفر، وفي الحرب والسلم، حتى وافته المنية وهو منكب على الكتب في عمر يناهز التاسعة والأربعين.
عاش كاتب جلبي في القرن السابع عشر الميلادي، ذلك العصر الذي لم يلق اهتمامًا كبيرًا من الباحثين وكان يوصف حتى زمن قريب بأنه بداية عهد "الانحطاط" في الحضارة الإسلامية. ولا شك أنه كان واحدًا من أبرز الشخصيات العلمية التي عرفها العالم الإسلامي كله على الإطلاق. فإن انفتاحه في ذلك العهد المبكر على ثقافات مختلفة، ولا سيما على ثقافات وعلوم الغرب قد جعله يتبوأ مكانةً تليق به بين الرواد الذين أقاموا أولى الاتصالات فيما بين الشرق والغرب. كما أن ظهور شخصية بارزة أخرى مثل الرحالة أوليا جلبي في نفس القرن ثم قيامه في رحلاته التي سجلها في كتابه (سياحتنامه) بالكشف عن الحياة الاجتماعية فوق الرقعة الجغرافية الواسعة التي يضمها العالم العثماني بكل ثرائها وتنوعها يؤكد ما كان يذخر به القرن السابع عشر من حيوية اجتماعية ونشاط علمي.
_________
(١) كتبه أكمل الدين إحسان أوغلى.
стр. 6
كاتب جلبي هو أنموذج واضح لشخصية المثقف العثماني التركي الذي بدأ حياته العلمية بتعلم القرآن الكريم، وتحصيل علوم العربية، والتخصص في علوم الدين، والتمرّس بالعلوم الرياضية والطبيعية، مع إتقان للغة الفارسية وأدبها إلى جانب إتقانه للغة العربية. وقد ألف - كعادة العلماء العثمانيين الأتراك ومن سار على نهجهم من مثقفي الدولة العثمانية غير الناطقين بالعربية - باللغتين العربية والتركية في آن معا. كذلك فإن الأسلوب المسجع الذي هو القاسم المشترك في كافة النصوص النثرية الكلاسيكية التي كتبت في القرنين السادس عشر والسابع عشر لا نجده في أعماله أعماله إلّا في القليل النادر فهو لا يعبأ بتزويق أفكاره، ولا يعنى باستخدام التعابير والألفاظ الغريبة، أي أنه لا يتعسف في اختلاق الألفاظ والتراكيب، وإنما يميل إلى الكتابة بأسلوب واضح مختصر، ونادرًا ما يستخدم الجناس والتشبيه في الجملة.
كان كاتب جلبي يجيد التركية والعربية والفارسية، أي "الألسنة الثلاثة" بالمصطلح العثماني، ولهذا فقد استطاع بخبرته وبراعته العاليتين الاستفادة في تأليف من المصادر والمراجع المدونة بتلك اللغات الثلاث. فإلى جانب استخدامه الأوسع للغة التركية التي هي لغته الأم قد استفاد بكل يسر من اللغتين الأخريين عند الحاجة. ويدلنا اختياره للغة معينة منها في تأليفه أو ترجمته لأحد الكتب على ماهية الهدف الذي قصده من ذلك الكتاب وعلى جمهور القراء الذي أراده له. ولسوف يبدو لنا عند الاطلاع على قائمة أعماله ماهية المسوغات في اختيار لغة معينة لتأليف كتاب معين. كما استطاع بمساعدة معاونيه من الأوربيين المسلمين أن يطلع على عدد هام من الكتب الأوربية ليترجمها كما سيأتي بيان ذلك.
ففي الأحوال التي رأى فيها ضرورة مخاطبة النخبة العثمانية وزمرة رجال الحكم في عاصمة الدولة استخدم اللغة التركية. أي أنه استخدم اللغة التركية دائمًا وهو يضع مؤلفاته الهامة في الجغرافيا، وأيضًا عندما يعبر عن آرائه في شئون الدولة والمجتمع، وكذلك وهو يضع كتبه المتعلقة بالتاريخ، سواء كان في تاريخ أوروبا أم كان في تاريخ الدولة العثمانية. كان عند إعداده لأعماله يسعى للاستفادة من المصادر المعاصرة التي جاءت بالمعلومات والمعارف الحديثة التي تنير عقول الفئات التي يخاطبها وتتيح لها التعرف على تاريخها وتاريخ الأمم الأخرى المناهضة لها والتعرف
стр. 7
من ثم على تاريخ وجغرافيا العالم. لذا يفضل أن يكون خطابه لهم بلغتهم التي يفهمونها بسهولة، أي باللغة التركية التي هي اللغة الرسمية للدولة.
وكان كاتب جلبي عندما يريد مخاطبة العلماء والمثقفين الموجودين داخل رقعة الأراضي العثمانية وخارجها المنسوبين إلى أقوام ومجموعات عرقية متباينة فإنه يختار لهم اللغة العربية اللغة العلمية المشتركة. ومن أبرز الأمثلة على ذلك - إلى جانب كتابيه - كشف الظنون، وسلم الوصول كتابه المعروف اختصارًا باسم فذلكة والموسوم بعنوان: فذلكة أقوال الأخيار بعلم التاريخ والأخبار، والموصوف بالتاريخ الكبير الذي هو تاريخ عام بالعربية يبدأ من بدء الخليقة حتى سنة ١٠٥١ هـ / ١٦٤١ م. ولا شك أن قيام كاتب جلبي بجعل اللغة العربية لغة لهذه الأعمال الموسوعية الثلاثة إنما يكون قد قدم خدمة جليلة في المجال العلمي، كما يصبح جديرا بأن يكون علمًا شامخًا من أعلام تاريخ الثقافة الإسلامية بعد هذه المؤلفات التي لا يمكن الاستغناء عنها في الأدبيات الإسلامية. ولنا أن نبين هنا أن كاتب جلبي قد استفاد كثيرًا من الأدبيات الفارسية إلا إنه لم يصنف بها أيًا من آثاره الهامة.
إن المؤلفات العديدة التي خَلّفها لنا كاتب جلبي، والتي سوف نأتي على ذكرها باختصار، تنم عن معرفة موسوعية، وعن عمق في تمثل التراث الحضاري الإسلامي. ولا شك أن كتابه "كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون" الذي صار مرجعًا أساسيًا لا غنى عنه لدارسي الحضارة الإسلامية وهو خير دليل على موسوعية كاتب جلبي، وربما لا يعدله في هذه الشمولية بين مؤلفاته إلا كتاب "سُلّم الوصول إلى طبقات الفحول" الذي سبق أن اعتنينا بنشره لأول مرة (١) كما تدلنا كتبه التي ضمنها أفكاره، حول حاضر الدولة العثمانية، كما خَبَرَها من خلال عمله في الجهاز البيروقراطي في العاصمة إستانبول، أو عمله الإداري في الحملات العسكرية، على عقلية نقدية موضوعية، ونظرة تحليلية، وإن له من الآراء ما يعتبر شاهدًا حيا على الشعور القَلِق بين طبقة المثقفين العثمانيين من التحول في ميزان القوى الذي حصل
_________
(١) سلم الوصول إلى طبقات الفحول، إشراف وتقديم أكمل الدين إحسان أوغلى، إستانبول IRCICA ، ٢٠١٠ (في ستة مجلدات).
стр. 8
بين الدولة العثمانية والقوى الأوربية في ذلك الحين، ومن بوادر الضعف والخلل الذي أصاب الدولة العثمانية، والمشاكل الاجتماعية والاقتصادية التي مرت بها.
أما البعد الآخر في شخصية كاتب جلبي - والذي نعتبره من أهم العناصر في تكوينه الفكري - فهو انفتاحه على الثقافة الأوربية، واهتمامه بها، وعمله الدؤوب على نقل بعض المؤلفات الأوربية من كتب التاريخ والجغرافيا، ومحاولاته في الاستفادة من المصادر الغربية في كتاباته. وهو بعمله هذا يعتبر من أوائل الرُّواد في الحضارة الإسلامية في عصره، ممن بادروا بالاتصال بالغرب، وحاولوا فهم السبل التي أدت إلى تقدمه، وكيفية بداية تفوق الأوربيين على العالم الإسلامي، الذي كانت تمثله آنذاك الدولة العثمانية. ولم يقتصر عمل كاتب جلبي على الترجمة أو النقل من اللغة اللاتينية إلى إحدى اللغتين العربية أو التركية وإنما كانت له نظرات ومقارنات بين الحضارتين الإسلامية والأوربية، أوردها شذرات متفرقات في العديد من مؤلفاته، مما يدل على إحساس مبكر منه بسبق الأوربيين للعثمانيين في مجال العلم والثقافة.
ومن السمات المهمة التي جعلته يحوز مكانة متميزة هي همه في البحث عن الحقيقة، فهي ضالته التي انشغل بالعثور عليها، ثم شجاعته في عرض أفكاره والدفاع عنها وكذلك شجاعته في التناول المحايد للموضوعات الخلافية والجدلية. ولعل ذلك هو الذي جعله يحظى بمكانة متميزة في الشرق والغرب، فتحدث الغربيون عنه وعن أعماله بالإعجاب الشديد، حتى وصفه أحد المستشرقين بأنه السيوطي" التركي وقد ترك على الكتاب العثمانيين أثرًا كبيرًا، مما حدا ببعضهم أن يقتفي أثره، ويسير على نهجه، فهناك شهري زاده في كتابه (نو بيدا)، ونعيما في تاريخه. ومع ذلك فإن قيمته العلمية الحقيقية لم تظهر في تركيا إلّا في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، وخاصة منذ كتب عنه عدد من الكتاب والمفكرين الأتراك بعض البحوث والمقالات ابتداءً من الرسائل المستقلة التي كتبها بورصه لي محمد طاهر بك عن حياته، ثم المقالات التي تركزت بوجه خاص حول نظراته العقلانية وأفكاره المتحررة التي جاء بها كتابه "ميزان الحق".
إن كتبه الأخرى في التاريخ والجغرافيا، وكتبه التي حملت آراءه حول الدولة والمجتمع والحياة العلمية والثقافية في أيامه جديرة بالتحقيق المنهجي، والدراسة العلمية المتأنية، والنظرة المتعمقة لمعرفة أدق للوضع الثقافي والمستوى الحضاري
стр. 9
الذي كان عليه العالم الإسلامي في القرن السابع عشر، والذي لم يكن أبدًا مثلما زعم البعض منذ أواخر القرن التاسع عشر، وخلال القرن العشرين، قرنًا آخر من القرون المظلمة في تاريخ الإسلام، بل على العكس كان يزخر بالنشاط الفكري والعلمي ويسود المثقفين فيه إحساس بضرورة مراجعة النفس والاتجاه إلى النقد الذاتي.
وفيما يلي نقدم للقارئ العربي نبذة شاملة عن حياة كاتب جلبي وآثاره العلمية ومكانته الثقافية والمعلومات التي تحتوي عليها هذه النبذة مستمدة مما صنفه المرحوم الأستاذ أورخان شائق كوكياي في كتابه الشامل عن الموضوع وكذلك من مقالته في دائرة المعارف الإسلامية (١)، ومن المقدمة التي كتبناها في نشرنا، لكتابه سلم الوصول إلى طبقات الفحول.
حياته:
إن الأساس في التعرف على حياة كاتب جلبي هو ما استمددناه من ترجمته هو لنفسه في نهاية كتابيه "سُلّم الوصول إلى طبقات الفحول" (٢) و "ميزان الحق في اختيار الأحق" (٣). ثم من المعلومات التي سردها في مواضع مختلفة من مؤلفاته كلما وجد لذلك مناسبة، ومن بعض الملاحظات والإشارات المقتضبة، وغير ذلك من الشوارد التي لا تُقَارَنُ بما جاء في كتابيه المذكورين. فعندما نضم هاتين الترجمتين إلى تلك الملاحظات والإشارات يمكننا الحصول على سيرته وحياته بشكل كاف وهو ما فعله المرحوم الأستاذ أورخان شائق كوكياي في دراسته المطولة عن صاحب الترجمة، والتي اعتمدناها أساسًا لهذه المقدمة.
أصل اسمه مصطفى، واسم أبيه عبد الله، وهو يكتفي على غير العادة بذكر اسم والده فحسب، وكانت شهرته بين علماء المدينة باسم "كاتب جلبي"، وبين أهل الديوان باسم "حاجي خليفة" [وكلمة خليفة في المصطلح العثماني تعني آمر القلم ورئيسه] وهو حين يعرف بنفسه يقول إنه حنفي المذهب إشراقي المشرب". وقد ولد
_________
(١)
Orhan saik Gokyay، Katip Celebi Hayati ve Eserleri Hakkinda incelemeler، Ankara، ١٩٩١ - ٨.٣ - ٩٠;
Katip Celebi، Istanbul، ٢٠٠٢، TDV، Islam Ansiklopedisi، Cild ٢٥، s. ٣٦ - ٤٠.
(٢) مكتبة شهيد علي باشا، رقم أ ١٨٧٧/ ١٢٧.
(٣) نشره أبو الضيا، إستانبول ١٣٠٦، ص ١٢٩ وما بعدها.
стр. 10
حسبما ذكرته والدته - في شهر ذي القعدة عام ١٠١٧ هـ (فبراير/ شباط ١٦٠٩ م) في مدينة إستانبول، حيث كانت دارهم أيضًا. وهو بحسب قوله: "قسطنطيني المولد والدار". وعمل والده في قسم الـ (أندرون) (١) بالسراي العثماني، ثم "خرج" منه بوظيفة ملحقة بزمرة السلحدارية (٢)، وقنعت نفسه بتلك الوظيفة، فكان يشارك في الحروب والأسفار وكان على دين وخلق مواظبًا على مجالس العلماء والشيوخ، حتى إن ليله كان يقضيه في العبادة. ولما بلغ ابنه الخامسة أو السادسة من عمره اتخذ له معلمًا يعلمه القرآن وتجويده، هو الإمام عيسى خليفة القريمي، فتعلم على يديه قراءة القرآن والمقدمة الجزرية في التجويد، كما تعلم مبادئ الصلاة. ثم أسمعه بعد ذلك ما قرأه عليه وحفظه في دار القراء التي تعرف باسم مؤسسها مسيح باشا بإستانبول وتعلم أيضًا على يدي زكريا علي إبراهيم أفندي، ونَفَس زاده مصطفى أفندي (٣)، واكتفى بحفظ نصف القرآن.
وقرأ بعد ذلك كتابي التصريف والعوامل على إلياس خوجه، وتعلم الخط على يدي الخطاط أحمد جلبي الأحدب (بوكرى) (٤). ولما بلغ الرابعة عشرة من عمره بدأ والده يمنحه مصروفًا يوميًا قدره أربعة عشر درهما من راتبه، ثم اصطحبه إلى جانبه. وعلى هذا النحو انخرط للعمل مساعدًا (شاكرد) في "قلم محاسبة الأناضول" أحد أقلام الديوان الهمايوني (٥) (١٠٣٢ هـ / ١٦٢٢ - ١٦٢٣ م). وهناك تعلم مبادئ الحساب من أحد خلفاء القلم، وتعلم معها الأرقام وخط "السياقت" (٦) فأجاده حتى تقدم على أستاذه، أي "الخليفة" نفسه. ولما غادر الجيش إستانبول عام ١٠٣٣ هـ / ١٦٢٣ - ٢٤)
_________
(١) الأندرون: هو القسم الداخلي في السراي العثماني، وبمثابة المدرسة التي تقوم في إطار نظام محكم على تنشئة فئات مختلفة ممن سيعملون في وظائف الدولة.
(٢) السلحدارية: مجموعة من كبار الضباط الذين يحتفظون بأسلحة السلطان في القصر ويحملونها له عند خروجه إلى الحرب.
(٣) انظر: فذلكة ١/ ١٩٤ وما بعدها، وذيل الشقائق، ٤٥٨ وما بعدها، ومستقيم زاده، مجلة النصاب، مكتبة حالت أفندي، رقم ٦٢٨، ٤٢٦ أ.
(٤) انظر: أحمد الأحدب في تحفة الخطاطين، نشر: تاريخ عثماني انجمني، ص ٩٨.
(٥) الديوان الهمايوني: هو الهيئة التنفيذية العليا التي تتولى إدارة شؤون الدولة في شتى المجالات تحت رئاسة الصدر الأعظم.
(٦) نوع من الخط لا يستخدم التنقيط، ويأخذ شكلًا رمزيًا لا يعرفه إلّا من تعاطوه. وقد استخدمه العثمانيون بوجه خاص في شئون الحسابات والمالية.
стр. 11
لإخماد ثورة أباظة باشا سافر مع والده ليشارك في حملة ترجان. وكان آنذاك في آلاي السلحدار. وفي الوقت الذي حمي فيه وطيس الحرب مع أباظة باشا بالقرب من قيسري في ٢٢ ذي القعدة ١٠٣٣ هـ (٧ سبتمبر/ أيلول ١٦٢٤ م)، سنحت له الفرصة من فوق ربوة عالية "أن يشهد بعينيه عن كتب أحوال تلك الحرب".
ويقول في كتابه (فذلكه) وهو يروي قصة المعركة تلك مجددًا بها الذكرى وكان الفقير [يقصد نفسه كعادة العلماء العثمانيين عند الحديث عن أنفسهم تواضعًا] واقفا في ذلك المحل، فرأيت الباشا المرحوم الصدر الأعظم (طباني ياصِّى محمد باشا) وقد وضع على رأسه خوذة محلاة بماء الذهب، ولا يزال صليل رمحه في أذني إلى "الآن". وشارك كاتب جلبي في حملة العراق عام ١٠٣٥ هـ (١٦٢٥ - ١٦٢٦ م)، وفي ١٢ رمضان من نفس العام (٧ يونية/ حزيران ١٦٢٦ م) فتسلق برجًا عاليًا خلف جناح السلحدارية، وشاهد سير المعركة، وكانت طلقات المدافع من برج الأعاجم تمر من فوقه، رغم بعد المسافة (١). واستمر الحصار هناك تسعة أشهر، وشهد بعينيه كيف تكون ضراوة الحروب. ونتيجة لغلبة الخصم بسبب القحط انقطع الأمل وبدأت رحلة العودة، وعندها عانى من الضيق أعظمه مع الجميع. ولكنه راح يسلي نفسه متعللا بأن البلية إذا عمت طابت.
وقد أوجز كاتب جلبي تصويره المؤلم لتلك العودة بقوله: "لم تكن المشقة التي عاناها عساكر الإسلام في هذا الطريق شيئًا حدث في التاريخ من قبل"، ولما بلغوا مدينة الموصل توفي والده في شهر ذي القعدة عام ١٠٣٥ هـ (أغسطس سبتمبر ١٦٢٦ م)، ودفن هناك في مقبرة الجامع الكبير. ولم يمض شهر آخر حتى توفي عمه عند موضع (جَرّاحْلو) بالقرب من نصيبين. وعلى هذا رجع كاتب جلبي إلى ديار بكر مع أحد أقربائه، ومكث هناك مدة وقام أحد زملاء والده ويدعى أحمد خليفة بتعيينه مساعدًا في "قلم" مقابلة السواري" (٢).
وفي عام ١٠٣٧ هـ (١٦٢٧ - ١٦٢٨ م) عاد إلى إستانبول، وراح يواظب على دروس قاضي زاده منلا قاسم ت ٨٩٩ هـ / ١٤٩٤ م. ثم شارك بعد ذلك في حصار
_________
(١) فذلكة ٢/ ٨٣ وما بعدها.
(٢) هو أحد أقلام الديوان الهمايوني، وكانت مهمته مسك دفاتر جنود سواري القبوقولية، وتنظيم تذاكر علوفاتهم ورواتبهم.
стр. 12
مدينة أرضروم، وبعد الحصار الذي دام سبعين يومًا بلا طائل لقي مع غيره عناءً كبيرًا في الطريق إلى توقاد، فقد تجمدت أيادي وأرجل الغالبية من شدة البرد وبترت بعضها، ومات من مات، وتعرض هو خلال تلك الكارثة للكثير من المحن والآلام "التي لم تحدث من قبل".
وفي عام ١٠٣٨ هـ (١٦٢٨ - ١٦٢٩ م) حضر مدة إلى إستانبول، وراح يواظب على دروس قاضي زاده محمد أفندي (ت ١٠٤٥ هـ / ١٦٣٥ م)، وتأثر به كثيرًا، فقد كان الرجل عالما طلق اللسان عظيم التأثير في نفوس سامعيه، يحضهم على طلب العلم والتخلص من الجهل، فجعله يتعلق به وجذبه إلى طريق الشغل وتحصيل العلم جذبة وأي جذبة". وبدأ يتذاكر معه العلوم العالية التي درسها من قبل، وظل مداومًا على دروسه ووعظه حتى خرج للحرب مرة أخرى مع خسرو باشا (١). وفي عام ١٠٣٩ هـ (١٦٢٩ - ١٦٣٠ م) كان في حاشية خسرو باشا مشاركًا إياه في حملتي همدان وبغداد، وقد رَوَى فيما بعد ما تعرضوا له أثناء تلك الحرب، وأشار إلى المدن والمواقع التي استولوا عليها، مثل قلعة كلعنبر وحسن آباد وهمدان وبستون وغيرها، وذلك في كتابه الكبير في الجغرافيا المعروف باسم (جهاننما) (٢) وفي كتابه (فذلكه) (٣). وعقب حرب همدان في عام ١٠٤٠ هـ (١٦٣٠ - ١٦٣١ م) رافق الجيش عندما نزل به خسرو باشا إلى بغداد.
ويذكر كاتب جلبي حصار الجيش العثماني لبغداد الذي بدأ في ٢٢ صفر ١٠٤٠ هـ (٣٠) سبتمبر (١٦٣٠ م) في كتابه (فذلكه)، فيقول إنه بسبب الأمر الصادر خلافًا للقاعدة العامة جاء الجيش كله إلى قرب المتاريس ورابط هناك، فارتبك الجميع ورفعوا خيامهم ثم نصبوها خلف المتاريس، وقام كل واحد بحفر خندق أمام خيمته، ثم يصور كاتب جلبي الأمور ببعض الصور الحية عندما يقول: "وكنا نقوم بتكويم القرب الجرداء ونفتح دفتر المقابلة ونجلس وراءه، وفي الليل نحفر حفرة ننام فيها
مثل القبر" (٤).
_________
(١) ميزان الحق، ص ١٣٠.
(٢) نشر إبراهيم متفرقة، ص ٣٠٠، ٣٠٢، ٣٠٣.
(٣) فذلكة ٢/ ١١٨ وما بعدها.
(٤) نفس المصدر ٢/ ١٢٨ وما بعدها.
стр. 13
وفي عام ١٠٤١ هـ (١٦٣١ - ١٦٣٢ م) عاد كاتب جلبي مرة أخرى إلى إستانبول وراح يواظب على دروس قاضي زاده وقرأ عليه التفسير وإحياء العلوم، وشرح المواقف، والدرر، والطريقة المحمدية.
وفي عام ١٠٤٣ هـ (١٦٣٣ - ١٦٣٤ م) عندما انسحب الجيش تحت قيادة الوزير الأعظم محمد باشا إلى حلب لقضاء الشتاء هناك سافر كاتب جلبي من حلب إلى الحجاز، وفي عودته كان الجيش آنذاك في ديار بكر فقضى فصل الشتاء في تلك المدينة بمصاحبة بعض العلماء والتباحث معهم. وفي عام ١٠٤٤ هـ (١٦٣٤ - ١٦٣٥ م) سافر مع السلطان مراد الرابع في حملته (١٦٣٤ - ١٦٣٥ م) على رَوَان، وروى لنا بالتفصيل مشاهداته وانطباعاته عن تلك الحرب.
وبعد أن قضى قدر عشر سنوات يصاحب الجيش في الحروب والحملات المختلفة، "وتم له بذلك أمر الحج والجهاد" عاد إلى إستانبول بقصد التفرغ الكامل لتحصيل العلم الشريف، والانتقال من "الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر" كما هو شائع. وفي إستانبول أنفق على شراء الكتب إرثًا صغيرًا كان له. وكان أثناء إقامته في حلب قد بدأ يسجل أسماء الكتب التي يراها في حوانيت الوراقين، وكان يميل بطبعه إلى مطالعة كتب التاريخ والطبقات والوفيات أكثر من غيرها، حتى استكمل قراءة كل ما وقع تحت يده منها في عام ١٠٤٦ هـ (١٦٣٦ - ١٦٣٧ م). ولما توفي أحد أقربائه عام ١٠٤٧ هـ (١٦٣٨ م) وكان تاجرًا ثريًا ورث عنه عدة أحمال من الأقجه (اسم العملة العثمانية)، فانفق قدر ثلاثة منها على شراء الكتب والباقي على تعمير وإصلاح دار له كانت تقع في الجانب الشمالي لجامع الفاتح (١)، وفي موضع متوسط بين الجامع المذكور وجامع السلطان سليم، ثم تزوج في السنة نفسها.
ولأنه كان قد عزم على الانقطاع للبحث والتأليف لم يشارك هذه المرة في حملة السلطان مراد الرابع على بغداد وراح يواظب على دروس مصطفى أفندي الأعرج الذي اشتهر بالعلم والفضل (٢)، فقد وجد في ذلك الرجل عِلْمًا وفيضًا يزيد عما وجده لدى كل العلماء الذين حضر دروسهم من قبل، فاتخذه أستاذًا له. كما
_________
(١) هو الجامع الذي بناه فاتح إستانبول السلطان محمد الثاني.
(٢) انظر: فذلكة ٢/ ٣٩٢.
стр. 14
أبدى الأستاذ أيضًا اهتمامًا بكاتب جلبي يزيد عن اهتمامه بباقي طلابه. وقد قرأ على هذا الأستاذ الأندلسية في العروض، وهداية الحكمة (حتى نهاية الباب الرابع)، والملخص في علم الهيئة، وأشكال التأسيس في علم الهندسة مع شرحه (١).
وفي عام ١٠٤٩ هـ (١٦٣٩ - ١٦٤٠ م) واظب على سماع دروس الشيخ كُرْد عبد الله واعظ جامع آيا صوفيا، وانتقل في العام التالي إلى سماع دروس الشيخ كجه جي محمد أفندي واعظ جامع السليمانية.
أما في عام ١٠٥٢ هـ (١٦٤٢ - ١٦٤٣ م) فقد قرأ على الواعظ ولي أفندي نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر لابن حجر العسقلاني، وبدأ يسمع دروسه في النخبة أيضًا والألفية. واستطاع في عامين أن يكمل أصول الحديث. ولأن هذا الواعظ كان قد أخذ هذا الفنّ عن الشيخ إبراهيم اللقاني في مصر، فإن كاتب جلبي كان يعد نفسه تلميذًا للأخير بالواسطة. كما قرأ كتاب تلخيص المفتاح على المولى ولي الدين تلميذ المولى أحمد حيدر السُّهْرَاني ومفتي أَرْمَنَاك، وقرأ كتاب الفرائض للإمام سراج الدين محمد وشمسية كاتبي في المنطق.
والتقى عدة مرات بالشيخ المصري سري الدين الرضا الذي جاء إلى إستانبول عام ١٠٥٧ هـ (١٦٤٧ م) وسمع بعض دروسه. وظل كاتب جلبي قدر عشر سنوات منكبًا ليل نهار على القراءة والبحث، وقد ينسى نفسه أحيانًا مع كتاب، ويظل الشمع مشتعلًا في غرفته من مغيب الشمس إلى مطلعها، فلا يكل ولا يمل أبدا. وكان يتردد عليه في تلك الآونة بعض الطلاب ليتعلموا على يديه.
واستطاع في عام ١٠٥٥ هـ (١٦٤٥ - ١٦٤٦ م) أن يشهد بنفسه بمناسبة حملة الجيش العثماني على جزيرة كريت كيف يجري إعداد الخرائط ورسمها، ورأى الكتب المؤلفة في ذلك الموضوع، واطلع على كافة الخرائط. وفي تلك الأثناء حصلت قطيعة بينه وبين كبير موظفي قلم المقابلة (باش خليفه)، لأنه قال له إن "العادة الجارية عند السلف هي تبديل النوبة على خلافة هذا القلم كل عشرين سنة، فهل النوبة لم تأت بعد علينا بحسب أصول الطريق"، فلما رد عليه "الباش خليفة" بأن النوبة "مدى الحياة، بادر هو بطلب الاستعفاء. وعاش نحو ثلاث سنوات منزويًا بعيدًا عن
_________
(١) انظر: جامع المتون طوب قابي سراي، أمانت خزينه سي، رقم ١٧٦٣، ٥ أ.
стр. 15
الحياة الوظيفية، وكان يدرس عليه في تلك الأثناء عدد من الطلاب في موضوعات مختلفة، لكنه مرض فكان يقرأ كتب الطب، وطالع أيضًا كتب الأسماء والخواص بقصد البحث عن سبل ووسائل للتداوي من ناحية والتنقيب عن الشفاء بالطرق الروحانية من ناحية أخرى.
وكان ينعزل عن الناس، ويتقرب إلى الله ثقة منه أن دعواته إليه بقلب سليم والتعويذات التي صنعها سوف تأتي بالنتيجة (١). وفي أثناء عام ١٠٥٧ هـ (١٦٤٧ م) قام بتدريس شرح الأشكال في الهندسة والمحمدية لعلي قوشجي في الحساب لكل من مولانا محمد بن أحمد الرومي ولولده هو نفسه، كما علمهما من الزيج قاعدة استخراج دستور التقويم.
وفي أواخر عام ١٠٥٨ هـ (١٦٤٨ م) حصل على وظيفة "الخليفة الثاني" في القلم الذي كان يعمل فيه، وذلك بتوصية من شيخ الإسلام عبد الرحيم أفندي إلى الصدر الأعظم قوجه محمد باشا بسبب كتاب تقويم التواريخ، وذلك رغم ما بذله المعارضون له من مساع لرفض طلبه وجهود مادية ومعنوية للحيلولة دون ذلك (٢) وكان عبد الرحيم أفندي هذا صديقًا ودودًا له، مطلعا على سرّه، يحادثه في شئون الدولة، ويستعين بمشورته في موضوعات شتى (٣). والشاهد على ذلك أنه أفتى بأن كتاب ميزان الحق كتاب مفيد وقنع كاتب جلبي بما كان يتقاضاه من نقود تكفيه على معيشته، ولم يطلب المزيد. وقد ظهر عدد كبير من مؤلفاته في غضون تلك السنوات الأخيرة، كما استطاع بمساعدة الشيخ محمد إخلاصي (٤) أن ينقل إلى التركية بعض الكتب اللاتينية.
وفي يوم الجمعة السابع والعشرين من ذي الحجة عام ١٠٦٧ هـ (٦ أكتوبر ١٦٥٧ م) شعر كاتب جلبي بضيق وهو يشرب قهوة الصباح، فسقط الفنجان من يده ومات فجأة (٥). وكان قد كشف عن ذلك من قبلها لزوجته وخادمه، فقال لهما
_________
(١) انظر: كشف الظنون، علم الخواص، ١/ ٧٢٥ وما بعدها، وعلم العزائم، ٢/ ١١٣٧.
(٢) انظر: تقويم التواريخ نشر إبراهيم متفرقة، ٢٤٧ وميزان الحق في اختيار الأحق، ١٤٠.
(٣) انظر مثلا: فذلكة ٢/ ٢٩٣، وتحفة الكبار، ١٢٥
(٤) وهو الراهب الفرنسي الذي اهتدى إلى الإسلام.
(٥) انظر: تقويم التواريخ، أحداث ١٠٦٧ هـ، ص ١٣٦.
стр. 16
بعد أن سيطر عليه الخوف عندما أكل بطيخًا فجًّا في تلك الليلة، ثم اغتسل في الصباح بماء بارد: "ماذا يا ترى، فقد فعلنا أشياء تُناقِضُ بعضها بعضًا، حفظنا الله تعالى من الضر" (١). وتكررت نفس الأقوال سببًا للوفاة في نسخة من كتاب ميزان الحق جرى استنساخها عام ١١٣٨ هـ (٢)، ولكن يضاف إلى الحادثة بعض التفاصيل. إذ تقول الروايات التاريخية إن كاتب جلبي قد فسدت معدته بسبب البطيخ غير الناضج الذي أكله مساءً، فذكر أن في صدره ألما ظهر، "فاستعمل بعض المعاجين والمسهلات، وبينما هو يشرب القهوة بعدها تغيرت حاله، وسقط الفنجان من يده، وراح وهو في هذا الاضطراب يفتش بغير حيلة في كتب الطب، وإذا به يموت فجأة".
وهناك تباين في بعض المصادر حول تاريخ وفاته، إذ يُلاحظ أن تاريخ الوفاة في هذه المخطوطة كان مكتوبًا على شكل (١٠٦٧) ثم تم مَسْحه من بعد وجُعل على شكل (١٠٦٨). كما ذكر محمد عُبَيْدي في (تذكره شكوفجيان) التي تحمل اسم (نتائج الأزهار) أن كاتب جلبي توفي عام ١٠٧٤ هـ (١٦٦٣ - ١٦٦٤ م) وهو خطأ (٣). بينما يذكر مستقيم زاده في مجلة النصاب أنه توفي في أدرنة عام ١٠٦٤ هـ وهذا خطأ أكبر (٤). والواقع أن هذه المخطوطة كتبت بخط بديع الجمال، إلا أن عدم معرفة الناسخ للعربية جعلتها تفيض بالأخطاء.
ويذكر المؤرخ التركي المعاصر إسماعيل حامي دانشمند تاريخ وفاته على أنه ١٥ من ذي الحجة ١٠٦٨) هـ (٢٤) سبتمبر ١٦٥٧). إلّا أنه لا يذكر كالعادة المصدر الذي اعتمد عليه (٥).
ويقع قبر كاتب جلبي في مقبرة صغيرة تلاصق سبيل مياه في أسفل مدرسة بالقرب من جامع زَيْرَك بإستانبول، وهناك صورة فوتوغرافية لشاهد قبره القديم نشرها شرف الدين يالتقايا في مقدمة كشف الظنون. وفي عام ١٩٥٣ م شُيدت له مقبرة جديدة ونُقِش على شاهدها الجديد اسمه وتاريخ وفاته.
_________
(١) انظر: جهاننما، طوب قابي، روان، رقم ١٦٢٤، ١/ أ.
(٢) انظر: مكتبة الفاتح، رقم ٥٣٣٥، ٤٤ / أ.
(٣) انظر: نتائج الأزهار، مكتبة جامعة إستانبول ٢٩٢٣. T.Y ٩/ أ، ورقم ٣٣٨٦ Y. T ، ١٥ / ب.
(٤) انظر: مكتبة حالت أفندي، رقم ٦٢٧، ورق ٣٦١/ أ وما بعدها.
(٥) انظر: Izahli Osmanli Tarihi Kronolojisi، Ist.١٩٤٨، III، s.٤٢٣:
стр. 17
شخصيته:
يقول محمد عزتي بن لطف الله الذي اشترى معظم مؤلفات كاتب جلبي ومسوداتها من تركته عقب وفاته بعامين إنه كان رجلًا صاحب همة، حَسَنَ الطباع، قليل الحديث، حكيم النزعة (١).
ويصفه عشاقي زاده الذي صاحبه في شبابه في عدة أبيات من الشعر التركي تقول (٢):
مع الزاهد والعابد رفيق وشريك مشرب واحد
يرى لكل قاعدة ما يناسبها
وأرْسَلَ على هؤلاء المتعلمين الجدد
صوته الشجي كالناي حسنا
ولم يك قعيدًا كالدجاجة ليلًا عند مسقاها
وهو صغيرُ مع الصغير كبيرٌ مع الكبير (٣).
وقد حظي كاتب جلبي بسمعة طيبة، ونال تقدير الناس واحترامهم في حياته وبعد مماته، ولم يخرج على ذلك إلّا رجل يدعى الشيخ محمد نظمي في كتابه الذي ألفه عام ١١٠٨ هـ (١٦٩٦ م) تحت عنوان "هدية الإخوان وعبرة الخلان"، فقد كتب عن العلاقة التي كانت بين قاضي زاده والشيخ السيواسي، وتعرض وهو يترجم لحياة الثاني لكاتب جلبي، فَقَدَحَهُ بلسان غليظ. والحق أن مؤلفات كاتب جلبي كلها تشهد على روحه السمحة، وموضوعيته في النقد، وحياده بين الأطراف المختلفة (٤). فقد كان كاتب جلبي رجلًا وقورًا ينفر من الهجاء (٥)، ولم يتحدث في كتابه عن الهزل والمزاح إلا قليلا، إذ كان يعرف للأخلاق السامية قدرها، ولهذا امتدح كتاب (اخلاق علائي) في الأخلاق والحكم والسياسة بما لم يمتدح به كتابًا آخر، وامتدح
_________
(١) انظر جهاننما، مكتبة طوب قابي روان، رقم ١٦٢٤، ورق ١.
(٢) ذيل عشاقي زاده، مكتبة حفيد أفندي، رقم ٢٤٢، ورق ١٣١ /أ.
(٣) رند وزاهدله همدم وهمرنك.
(٤) انظر: هدية الإخوان، مكتبة. السليمانية، حاجي محمود أفندي، رقم ٤٥٨٧.
(٥) انظر: كشف الظنون، ٢/ ١٠١٠.
стр. 18
مؤلفه قنالي زاده علي أفندي، فقال هو أحسن من الجميع في نفس الأمر، شكر الله سعي مؤلفه، وجعله مثابًا ومأجورًا بسبب هذا التأليف الحنيف والتحرير اللطيف ولعمري إنه كامل أخلاقه طيب أعراقه، من الأفاضل الأفراد، وآثاره تجذب بيد لطفها عنان الفؤاد". ونعلم أيضًا أنه كان من أصحاب الذوق الرفيع، إذ يهوى تربية الزهور، وكان يزرع نوعًا من السنبل الأزرق كثير الأوراق.
أعماله:
١ - فذلكة أقوال الأخيار في علم التاريخ والأخبار (بالعربية):
وهو أول كتاب شرع في تأليفه فكتبه بالعربية، ويضم مقدمة وثلاثة أصول وخاتمة، وهو في التاريخ الإسلامي العام. وتضم المقدمة أربعة فصول، يتحدث أولها عما يحتويه الكتاب من فصول وأبواب. ويتحدث الفصل الثاني عن معنى التاريخ وموضوعاته وفوائده. بينما يتعرض الفصل الثالث لأسماء الكتب التي كتبت في ذلك الموضوع مرتبة بحسب الترتيب الألفبائي، وتبدأ بالكتب العربية ثم الفارسية ثم التركية. أما الفصل الرابع فهو يتعرض لذكر القواعد والأصول التي يجب على المؤرخ الالتزام بها في الكتابة. وفي الأصل الأول الذي قسمه إلى قسمين، ثم جعل كل قسم إلى ثلاثة فصول، تحدث في أولهما عن بداية خلق المخلوقات، وفي الثاني عن الأنبياء والرسل، وفي الثالث عن الخلفاء الراشدين الأربعة. أما القسم الثاني فقد تحدث في فصله الأول عن الحكام الذين حكموا قبل ظهور الإسلام وفي الفصل الثاني عن الحكام الذين جاءوا بعد الإسلام، مرتبين بحسب القرون، وفي الفصل الثالث عن المتغلبة، والخوارج، وعمّن ادعوا النبوة، ثم يردف ذلك بتتمة جمع فيها بعض المعلومات النافعة.
وفي القسم الأول من الأصل الثاني تحدث عن "الأمور الكلية لأحوال البشر"، فقسمه هو الآخر إلى ثلاثة فصول، تحدث في الفصل الأول عن هيئة الأرض والأقاليم، وفي الفصل الثاني عن الأقوام المختلفة وقبائل العرب، وفي الفصل الثالث عن الأسماء والألقاب والكنى والأنساب والوفيات وقواعد كل ذلك. وجعل القسم الثاني مخصصًا للمدن والرجال الذين تحدث عنهم في القسم الأول مرتبين بحسب الترتيب الألفبائي. أما الأصل الثالث والأخير فقد جعله للأحداث والوقائع التي مرت
стр. 19
منذ الهجرة النبوية حتى حياة المؤلف، أي حتى عام ١٠٠٠ هـ (١٥٩١ م) وذلك بترتيب السنوات. والملاحظ أنه استفاد من تاريخ الجنّابي المعروف بالعيلم الزاخر في الأول والآخر. وقد فرغ المؤلف من كتابته في آخر شهر ربيع الآخر عام ١٠٥٢ هـ (يوليه) (١٦٤٢ م). والنسخة الوحيدة الموجودة منه هي نسخة المؤلف المحفوظة الآن في مكتبة بايزيد العمومية تحت رقم (١٠٣١٨).
٢ - فذلكه (بالتركية):
وقد كتبه ذيلًا للكتاب الأول، فهو في التاريخ، ويبدأ من أول عصر المؤلف أي قبل مولده (١٠١٧ هـ / ١٦٠٩ م) من عام ١٠٠٠ هـ (١٥٩١ م) إلى عام ١٠٦٥ هـ (١٦٥٤ م). وقد رتب الأحداث فيه على السنين، وجعل في نهاية كل سنة ذكر موجز لوفيات رجال الدولة وحياة المشاهير من العلماء والشعراء، كما تحدث عن مؤلفات مَنْ له مؤلفات منهم. واستفاد من الكتب الأخرى في الأحداث التي لم يشهدها، ولا سيما حسن، بكزاده، كما نقل عن بجوي وجَرَّاحْزَاده وبيري باشا زاده وفخري. وينتهي الكتاب بحادثة عصيان إبشير باشا عام ١٠٦٥ هـ (١٦٥٤ م). وقد طبع ذلك الكتاب في مجلدين في مطبعة جريدة الحوادث بإستانبول (المجلد الأول ٤١٢ ص سنة ١٢٨٦ هـ، والمجلد الثاني ٣٩٨ ص سنة ١٢٨٧ هـ).
٣ - تحفة الكبار في أسفار البحار (بالتركية):
كان كاتب جلبي قد حضر حرب كريت التي بدأت عام ١٠٥٥ هـ (١٦٤٥ م)، فشاء أن يروي الأحداث والوقائع التي مرت منذ العهد العثماني الأول حتى عام ١٠٦٧ هـ (١٦٥٦ م)، وهو العام الذي شرع فيه كتابة هذا الكتاب، سواء في البر أم البحر. فقد شهد المؤلف بعينيه الهزائم والانكسارات التي لحقت بالعثمانيين ومدى طغيان الأعداء وغرورهم، وكل ذلك نتيجة للتدابير الناقصة والأخطاء التي ارتكبها المسئولون، فروى من خلال هذا الكتاب حياة قباطنة الماضي الشجعان وحروب قراصنة البحر والمجاهدين، ثم الآراء والتدابير التي كان يتخذها بعض المسئولين والعقلاء، مستهدفا تنبيه العثمانيين وإنقاذهم من حالة الفتور التي وقعوا فيها. ولهذا السبب كان وهو يتحدث بخاصة عن الهزائم التي تعرض لها العثمانيون في بداية حملتهم على جزيرة كريت - يشير بإيجاز إلى أسباب كل هذه الهزائم والسبل
стр. 20
الكفيلة للحيلولة دون وقوعها، من خلال كشفه للأخطاء وسوء التدبير. وقد تم طبع ذلك الكتاب في غرة ذي القعدة ١١٤١ هـ (١٧٢٩ م) في مطبعة إبراهيم متفرقة، وكان ترتيبه الثاني بين الكتب المطبوعة آنذاك، كما زوّده إبراهيم متفرقة بسبع صفحات للمندرجات وصحيفتين لأخطاء الطباعة وعدة خرائط مهمة وأشياء أخرى. وكانت طبعته الثانية عام ١٣٢٩ هـ (١٩١٩ م) في مطبعة البحرية (١٢+ ١٦٦ +٢ ص). وقد صدرت له مؤخرًا طبعة محققة نشرها الدكتور إدريس بستان (١).
٤ - تقويم التواريخ (بالتركية):
وهو تاريخ إسلامي عام، يضم الوقائع والأحداث التي ذكرتها التواريخ المختلفة، منذ هبوط آدم ﵇ إلى الأرض حتى عام ١٠٥٨ هـ (١٦٤٨ م)، وهو بمثابة جدول زمني أو ثبت بالأحداث التي مرت في الكتب التي كتبها قبل ذلك، وخاصة كتاب الفذلكة العربي، وفرغ من كتابته في شهرين عام ١٠٥٨ هـ (١٦٤٨ م). وهو الكتاب الذي أرسل إلى الصدر الأعظم قوجه محمد باشا في نفس سنة الفراغ منه بواسطة شيخ الإسلام عبد الرحيم أفندي، وتمت عندئذ ترقية كاتب جلبي إلى درجة الخليفة الثاني. وللكتاب عدة ذيول، أولها الذي كتبه محمد شيخي أفندي ووصل به حتى عام ١١٤٤ هـ (١٧٣١ م)، والذيل الثاني هو الذي كتبه إبراهيم متفرقة ووصل به حتى عام ١١٤٦ هـ (١٧٣٣ م)، ثم قام إبراهيم متفرقة بطبع الكتاب الأصلي مع هذين الذيلين عام ١١٤٦ هـ (يونيه ١٧٣٣ م).
٥ - تاريخ فرنكي ترجمه سي (بالتركية):
وهو ترجمة تركية لكتاب يوهان كاريون Johann Carion بعنوان Chronik وقام بهذه الترجمة كاتب جلبي مع الشيخ محمد إخلاصي في إستانبول عام ١٠٦٥ هـ (١٦٥٤ م)، ثم أضيفت لتلك الترجمة بعض ذيول مختصرة أخرى. وقد فعل فيه مثلما فعل في كتاب لوامع النور تماما، ولأن قصد المترجم ليس هو الترجمة المباشرة، بل ليكون إضافة يضعها على الأعمال التاريخية الأخرى التي كتبها فلم ينظر لتحسين عباراته ولم يراع نظام الكلام وقواعده وصرح بأنه سوف يقوم بتصحيح الأخطاء الواقعة وهو يضيف تلك الترجمة إلى التواريخ الأخرى. وبعد
_________
(١) Tuhfetü'l - Kibâr fi Esfâri'l - Bihar، Kâtib Celebi، Hazirlayan: Idris Bostan، Ankara ٢٠٠٨.
стр. 21
الترجمة التي تشغل ١٨٨ صحيفة من هذه الحولية تأتي عدة ذيول أضيفت إليها. ويضم الذيل الأول حديثًا عن السلطان سليمان القانوني وطرد المسلمين من إسبانيا وإرغام قسم منهم على تغيير دينه. وهذا الذيل تم نقله عن تاريخ الراهب الروماني هوراتيوس تورسللينو Horatius Torsellino . ثم يلي ذلك ذيلان آخران.
٦ - تاريخ قسطنطينيه وقياصره (رونق السلطنة) (بالتركية):
وهو كتاب نقله كاتب جلبي ترجمة واختصارًا من كتاب كبير حسب قوله ليضم حوادث وقعت في الشرق حتى سنة ١٥٧٩ م، وأصل الكتاب وضعه عدة مؤلفين، ثم جرى تذييله بعد ذلك بملوك مدينة القسطنطينية، وهؤلاء المؤلفون هم: يوهانس زواراس نيستاس اكومينات Johannes Zouaras Nicestas Acominate ونيسافوروس Nicephorus Gregoras والأثيني لايونيكوس شالكونديل Laonikos Chalcondyle. والكتاب الأصلي الذي وضعه هؤلاء المؤلفون تم طبعه في فرانكفورت عام ١٥٨٧ م.
٧ - إرشاد الحيارى إلى تاريخ اليونان والروم والنصارى (بالتركية):
وهو كتاب تاريخ الدول المجاورة لدول المسلمين، وفي تاريخ حكامها ونظم الحكم فيها جمعه كاتب جلبي من الكتب الأجنبية التي حاول ترجمتها، مثل أطلس مينور وغيره، بقصد تعريف المسلمين بأحوال وأوضاع تلك الدول. وهو عبارة عن رسالة تقع في ٥٨ ورقة، وتضم مقدمة وعدة فصول. وكان قد بدأ كتابتها في الرابع عشر من كانون الثاني عام ١٦٥٤ م، وجعلها على قسمين، تحدث في الأول عن الأديان في أوربا، بينما خصص الثاني لعادات وقوانين الحكام فيها، كما تحدث عن نظم الإدارة والديمقراطية والجمهورية وأصول الانتخاب، وغير ذلك مما تقدم الغرب فيه وعلاقاتهم بالعثمانيين.
٨ - سلم الوصول إلى طبقات الفحول (بالعربية):
معجم بيوغرافي واسع يشمل الساحة الثقافية للعالم الإسلامي (المشرق المغرب آسيا الوسطى والهند). يضم نحو ٨٥٦١ ترجمة. وقد جرى تركيب التراجم في قسمه الأول بحسب أسماء الأشخاص. أما في القسم الثاني فإنه يشمل كنى وأنساب
стр. 22
وألقاب هؤلاء الأعلام وفق منهجية معينة. وقد استعان كاتب جلبي بالعديد من المصادر المهمة بالعربية والتركية والفارسية وكذلك بعض كتب الجغرافيا الأوربية التي اعتنى بترجمتها إلى التركية. [حصرنا من هذه المصادر ما يزيد عن ١٥٠ مصدرًا] (١).
٩ - جهاننما (ومعناه: مرآة العالم) (بالتركية):
وهو كتاب يحوز أهمية تتجاوز تصور العثمانيين للجغرافيا، ونقطة تحول عظيمة من نظرة الشرقيين إلى نظرة الغربيين في علم الجغرافيا. وقد جرت ترجمته عدة مرات إلى اللغات الأوربية، وكان عونًا كبيرًا للرحالة الذين زاروا القسم الآسيوي من تركيا، لا سيما في القرن التاسع عشر. وقد جعله صاحبه على قسمين، تحدث في الأول عن البحار والأنهار والجزر، بينما تحدث في الثاني عن اليابسة، فذكر المدن مرتبة ترتيبًا ألفبائيا، وعن الممالك التي تم اكتشافها بعد القرن السابع للهجرة الثالث عشر الميلادي). وتم طبع هذا الكتاب في مطبعة إبراهيم متفرقة في ١٠ محرم ١١٤٥ هـ (٣ يوليه ١٧٣٢ م). فكان ترتيبه الحادي عشر في الكتب التي تم طبعها في تلك المطبعة.
١٠ - لوامع النور في ظلمات أطلس مينور (بالتركية):
وهو الكتاب الثاني في الجغرافيا لكاتب جلبي، وهو ترجمة لكتاب أطلس مينور الذي وضعه جير هارد ميركاتور (G. Mercator) و ل. هونديوس (Lud. Hundius). وبدأ كاتب جلبي في ترجمته عن اللاتينية بمساعدة الشيخ محمد إخلاصي في أواسط المحرم ١٠٦٤ هـ (أوائل ديسمبر (١٦٥٣ م). وهو يتحدث فيه عن جغرافية الدول الأوربية واحدة واحدة، ابتداءً من القطب الشمالي وجزيرة ايسلاندا، فيذكر الأنهار والجبال والمدن في خليط من المعلومات الجغرافية والتاريخية ونظم الحكم. أما الأقسام المخصصة في الكتاب لآسيا وإفريقيا وأمريكا فهي ليست بهذا التفصيل. وتوجد مخطوطات ذلك الكتاب محفوظة في أغلب مكتبات إستانبول، أما نسخة المؤلف فهي في مكتبة نور عثمانيه تحت رقم (٢٩٩٨) وتضم ٤٢٩ ورقة.
_________
(١) انظر، التفاصيل في سلم الوصول إلى طبقات الفحول إشراف وتقديم أكمل الدين إحسان أوغلى، إستانبول، IRCICA ، ٢٠١٠ ، المجلد الأول ص ٢٩ - ٨٠.
стр. 23
١١ - إلهام المُقدَّس في فيض الأقدس (بالتركية):
وهي رسالة كتبها كاتب جلبي عندما كان منشغلًا بعلم الهيئة، وسيطرت على ذهنه ثلاث مسائل، فأرجعها إلى مسائل فقهية وطلب الجواب عنها من علماء عصره الأولى هي تحديد أوقات الصلاة والصوم في البلدان الشمالية، والثانية هي إمكانية طلوع وغروب الشمس من جهة واحدة في نقطة من العالم، والثالثة هي وجود أو عدم وجود بلد غير مكة يمكن أن تكون قبلةً، مهما توجه الإنسان بوجهه. ونقل الإجابة عن ذلك في المسألة الأولى من آراء فقهاء الحنفية، بينما استشهد في المسألة الثانية برأي سدرة المنتهى لتقي الدين أبي بكر محمد، وشرح المسألة الثالثة مستعينًا برأي مولانا خسرو حول تعريفه للقبلة.
وتوجد مخطوطات تلك الرسالة في مكتبات إستانبول.
١٢ - كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون (بالعربية):
سيأتي الكلام عليه لاحقًا.
١٣ - تحفة الأخيار في الحكم والأمثال والأشعار (باللغات الثلاث):
وهو كتاب في المحاضرات، رتبه على حروف المعجم، فهو نوع من الموسوعات، أو هو بتعريف المؤلف "سمير الخلوة". وقد جمعه من الكتب المختلفة، بثلاث لغات هي العربية والتركية والفارسية في الفلسفة والأدب، وفي الأمور المتعلقة بالعائلة وإدارة البلاد، وفي الطيور والحيوان والأعشاب، وفي الملح واللطائف والحكايات وفي بعض النقاط المتعلقة بالنحو والصرف، وفي الأشعار والأمثال وغير ذلك.
وتوجد نسخة منه في مكتبة السليمانية (أسعد أفندي ٢٥٣٩/ ٥٦٥ ورق).
١٤ - دُرر منتثرة وغرر منتشرة (بالعربية):
وهو مجموع جمعه كاتب جلبي عندما كان يقرأ ويدرس كتب الوفيات والطبقات من أجل إعداد كتابه في التراجم، فهو مختارات من نكات مفيدة ومسائل وبحوث مختلفة. ولم يطلق عليه اسمًا خاصًّا في المقدمة، وإنما قال: "هو درر منتثرة وغرر منتشرة وزواهر مختلفة وجواهر غير مؤتلفة مشتملة على فوائد وافية … الخ. فهو جمع لأمور مختلفة قد لا يربط فيما بينها رابط، مثال ذلك: النّية، والحُلَّة،
стр. 24
واستقبال القبلة، وآداب الأكل، والافتقار والذل والجنين في بطن أمه، واليقين والطمأنينة، وشرط صحة الملوك، والصلاة في جوف الكعبة، وعلم الكلام، وعقوق الأستاذ، وموضوع العبادة، والسرّ المكتوم، وعيادة المريض، وذم الشعر، وفتنة الأشعرية والحنفية، وإنكار الكرامات ومزج الخمر بالماء، والشطرنج، وبغداد، والجواب الحاضر، والخوف والرجاء، والقناعة، وولد السوء، ورد القاضي كتاب السلطان، والافتخار بالبخل، ونَحْوُ الفقهاء .. وغير ذلك مما استخرجه من كتب الغزالي، والحارث المحاسبي، والشافعي، والاصطخري، وأبي ثور، وابن جرير، وابن سريج، وأبي القاسم القشيري، والسبكي والذهبي، وغيرهم من المؤلفين.
وتوجد النسخة الوحيدة التي هي بخط المؤلف في مكتبة نور عثمانية بإستانبول تحت رقم (٤٩٤٩)، وتقع في ٢٤٣ ورقة.
١٥ - دستور العمل في إصلاح الخلل (بالتركية):
كان كاتب جلبي قد شارك هو الآخر في اجتماع الديوان الهمايوني [السلطاني] الذي انعقد عام ١٠٦٣ هـ (١٦٥٣ م) بقصد بحث الأسباب التي أدت إلى تناقص الإيرادات وزيادة النفقات في ميزانية الدولة، وإيجاد حلول لعجز الميزانية الذي يقتضي جباية ضرائب العام التالي مقدمًا. وباعتباره رجلًا له تجاربه في الحرب والسلم وعلمه بتاريخ السلف فقد قام بوضع رسالة في هذا الصدد من مقدمة وثلاثة فصول ونتيجة، ثم جعل لها ذلك العنوان. فذكر في المقدمة أن حياة المجتمعات تشبه حياة الأفراد من حيث انقسامها إلى مراحل مختلفة، وأن لكل مرحلة خصائصها التي تتميز بها، وأن الدولة العثمانية قد ولجت مرحلة الركود، وأن على المسئولين الذين بيدهم زمام الأمور أن يروا ذلك ويتخذوا له التدابير اللازمة، وأن القاعدة العامة في علاج الخلل أن تتضمن الجانب العضوي والجانب النفسي معًا، وأن لكل مرحلة علاج خاص بها.
أما في الفصل الأول فهو يتحدث عن أحوال الرعية، فيقول إن العلماء والعسكر وأصحاب التيمار [أي الاقطاعات] والرعايا يشكلون الأركان الأربعة الأساسية في المجتمع الذي يحكمه السلطان بواسطة رجال الدولة.
ويقول إن هذه الأركان تشبه الأخلاط الأربعة في البدن، فإذا استفادت من بعضها البعض واتسق عملها صلح البدن، وصلح نظام المجتمع. ثم يشير إلى أنه
стр. 25
رأى بعينيه حالة الخراب التي وصلت إليها كافة القرى أثناء سفره على مدى اثنتي عشرة سنة، ويعدد أسباب ذلك في فداحة الضرائب وانتشار الرشوة ومخالفة القانون، ثم يقول محذرًا: إنه في حالة الاستمرار في ذلك فلا مفر من خراب البلاد مع انتشار الثورات والمظالم.
وفي الفصل الثاني يتعرض لأحوال العسكر، فيقول إن النفقات زادت نتيجة للازدياد المستمر في أعداد العسكر، ثم جرى تخفيض عددهم إلى النصف، وكان هناك تدابير أخرى عديدة يمكن اللجوء إليها دون تخفيض عدد الجند.
أما في الفصل الثالث فهو يتحدث عن أوضاع خزانة الدولة، بينما يسرد في الخاتمة السبل والوسائل التي يراها مناسبة لدفع الخلل.
وقد طبعت هذه الرسالة في إستانبول عام ١٢٨٠ مع رسالة (عين علي) المعروفة باسم "قوانين آل عثمان".
١٦ - رجم الرجيم بالسين والجيم:
وهو كتاب وضعه عام (١٠٦٤ - ١٠٦٥ م)، وجمع فيه المسائل الفقهية (١٠٦٤ - ١٠٦٥) الغريبة والفتاوى المعضلة العجيبة من خطوط مشايخ الإسلام وهو كتاب مفقود لم يعثر عليه حتى الآن.
١٧ - بيضاوي تفسيرينك شرحي (شرح تفسير البيضاوي) (بالتركية):
كان كاتب جلبي قد قرأ تفسير البيضاوي من أوله على يدي أستاذه الشيخ مصطفى الأعرج، فبدأ في غضون عام ١٠٥٢ هـ (١٦٤٣ م) يكتب شرحا له، ولكن يبدو أن المؤلف لم يستمر في هذا العمل، أو أن هذا الشرح مفقود.
١٨ - شرح المحمدية (بالتركية):
وهو شرح كتبه كاتب جلبي على محمدية علي قوشجي في علم الحساب في غضون عام ١٠٥٧ هـ (١٦٤٧ م) برجاء من تلميذه مولانا محمود ابن العالم الأقحصاري أحمد الرومي، ثم سماه حسن الهدية". فقد كانت تجمعه بذلك التلميذ ألفه وصحبة علمية دون سائر التلاميذ. ولما وصل الشرح إلى باب الجبر والمقابلة في غضون العام التالي توفي ذلك التلميذ، فَتَرك صاحبنا الشرح على حاله دون تبييض. ويبدو أن مخطوطته ضاعت.
стр. 26
١٩ - جامع المتون من جل الفنون:
وهو مجموع لمتون من الخلاصات والشروح التي قرأها كاتب جلبي أو دَرَّسَها لتلامذته في موضوعات مختلفة، ثم أضاف إليها فيما بعد مقدمات نافعة تحت عنوان تتمة وتذييل. وتلك المقدمات هي: مقدمة في علم التفسير من إتمام الدراية، وتعليم المتعلم، وبداية الهداية في التذكير ومقامات الحريري في الأدب، وجهينة الأخبار في التاريخ. أما المتون التي جمعها هذا الكتاب فهي: الشافية، والكافية، والوضعية العضدية، وتلخيص المفتاح، والأندلسية، والموجز، واللمعة في الصناعة الشعرية، ومنار الأنوار والنقاية مختصر الوقاية والسراجية، ونخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر، والأربعين النووية، ومقدمة الجزرية، والشاطبية، والعقيلة الرائية للشاطبي والتعرف والتهذيب والشمسية في المنطق، ومتن السمرقندي، وهداية الحكمة والرسالة العضدية وقانونجه، والملخص في الهيئة، وسي فصل، وأشكال التأسيس، والشمسية في الحكمة العملية.
والنسخة الوحيدة الموجودة من هذا المجموع محفوظة في مكتبة سراي طوب قابي (امانت خزينه، سي، ١٧٦٣)، وهي تقع في ٦٦٦ ورقة.
٢٠ - ميزان الحق في اختيار الأحق (بالتركية):
وهو آخر كتابٍ وضعه كاتب جلبي، إذ انتهى من تأليفه في شهر صفر عام ١٠٦٧ هـ (نوفمبر ١٦٥٦ م). وقد كتبه حول عدة مسائل كانت مثارًا للجدل في أيامه، مثل الخلاف حول حياة الخضر ﵇ أو مماته، والتغني، والرقص والدوران، والتصلية والترضية، والتبغ أو الدخان، وشرب القهوة، وتعاطي الأفيون والمكيفات، وفقر أو غنى أبوي النبي محمد ﷺ ، وإيمان فرعون، والاختلاف في الرأي حول مكانة الشيخ محيي الدين بن عربي، وسبّ يزيد، والبدعة، وزيارة القبور، والصلاة في ليالي القدر والجمعة الأولى من رجب والنصف من شعبان، والمصافحة، والانحناء، والأمر بالمعروف، والأمة، والرشوة، والحديث حول أبي السعود أفندي والشيخ محمد البركوي، والحديث عن السيواسي وقاضي زاده. وقد طبع ذلك الكتاب الصغير عدة مرات في أعوام (١٢٨١ هـ) (١٨٦٤ م) و (١٢٨٦ هـ) (١٨٦٩ م) و (١٣٠٦ هـ) (١٨٨٨ م).
стр. 27
كشف الظنون (١):
عني المسلمون منذ وقت مبكر بتأليف الكتب الخاصة برصد المؤلفات التي عني العلماء بتأليفها، لكنها قليلة جدا قياسًا بما ألفوا في مجالات العلم الأخرى، وأول ما نشير إليه هو كتاب "الفهرست في أخبار العلماء المصنفين من القدماء والمُحْدَثين وأسماء ما صنفوه من الكتب"، لأبي الفرج محمد بن أبي يعقوب إسحاق النديم المتوفى سنة ٣٨٠ هـ والذي يُعد أول كتاب منظم يُعْنَى بذكر المؤلفات المدونة إلى زمانه، وهو جهد متقدم ومتميز في تلك الأعصر يُسَجَّل بعنوان الفخر في تاريخ الفكر العربي الإسلامي، بل في تاريخ الفكر الإنساني عامة (٢).
وفي المئة السابعة قام مؤرخ العراق الكبير تاج الدين علي بن أنجب البغدادي المعروف بابن السّاعي خازن الكتب في المدرسة المستنصرية ببغداد والمؤرخ الموسوعي الكبير (٥٩٣ - ٦٧٤ هـ) بتأليف كتابه "الدر الثمين في أسماء المصنفين" الذي وصلت إلينا قطعة منه حققها صديقنا العلامة أحمد شوقي بنبين ومحمد سعيد حنشي. ومع أنه كتاب تراجم، لكن مادته الأساسية والغرض منه هو رصد المؤلفات التي "كانت تزخر بها الخزانة العربية الإسلامية من درر ونفائس ونوادر أكثر منه كتاب تراجم … ولو وصل إلينا الكتاب كاملا لوقفنا على مزيد من المترجمين ومن المؤلفات التي فات ذكرها الكثير من معاصريه والذين جاءوا بعده" (٣).
وإذا استثنينا هذين الكتابين فإن أحدًا قبل حاجي خليفة لم يفكر بمثل هذا العمل العلمي الراصد لحركة التراث الإسلامي. نعم، نجد في كتب التراجم ومعجمات الشيوخ والمشيخات والفهارس والأثبات الكثير من أسماء الكتب المؤلفة في فنون شتى، لا سيما تلك التي تُروى فيجتمع طلبة العلم لسماعها، ومن ثم روايتها، لكن ما فكر به هذا العالم العثماني المتنوّر هذا الكم الكبير من المؤلفات يُعَدُّ نقلة بجمع نوعية وتفكيرًا متقدمًا لذكر أمهات الكتب المؤلفة وما جرى عليها من شروح أو
_________
(١) من هنا إلى نهاية المقدمة كتبه بشار عواد معروف.
(٢) نشرته مؤسسة الفرقان بتحقيق صديقنا الدكتور أيمن فؤاد سيد (لندن ٢٠٠٩ م).
(٣) من مقدمة العلامة أحمد شوقي بنبين لما نشره من الكتاب / ٦٠ (ط. الأولى ٢٠٠٧ م).
стр. 28
تعليقات أو ما كُتِب عليها من الحواشي، وما قام من جاء بعدهم باختصارها أو ترجمتها إلى لغات أخرى لتعم فوائدها وتجتنى عوائدها.
إن بروز مثل هذه الفكرة في القرن الحادي عشر الهجري (السابع عشر الميلادي)، يُعد نقلة نوعية في تاريخ الفكر الإسلامي الذي شهد في هذه الأعصر الكثير من الجمود وقلة الإبداع. ومن ثم صار هذا الكتاب من الكتب التي احتلت منزلة متميزة عند العلماء الذين جاءوا بعده تدل على ذلك كثرة الذيول والمستدركات المؤلفة عليه، بل نجد الأوربيين يهتمون به ويعنون بتحقيقه وطبعه وترجمته إلى اللاتينية. ولعل الذين عنوا برصد التراث العربي الإسلامي في عصرنا أمثال كارل بروكلمان وفؤاد سزكين كانوا ممن تأثروا بصنيع حاجي خليفة المتميز في زمانه.
وقد كتب حاجي خليفة كتابه باللغة العربية، وهي اللغة المقدسة لغة هذا الدين الذي أنعم الله به على البشرية. وقد أدرك هذا العالم مثل غيره من علماء الأمة الإسلامية، وإن اختلفت أعراقهم، بأن هذه اللغة هي وعاء هذا الدين وشعاره الذي يتميز به المسلم عن غيره ومن هنا أكد علماء أصول الفقه على أن المجتهد في الشريعة ينبغي أن يكون متبحرًا في العربية يبلغ مبلغ علمائها من علوم اللغة والنحو والتصريف والمعاني وغير ذلك بحيث يكون قادرًا على فهم ما يُلقى إليه ويميز بين صريح الكلام وظاهره ومجمله، وحقيقته ومجازه، وعامه وخاصه، ومحكمه ومتشابهه، ومطلقه ومقيده، ونصه وفحواه ولحنه ومفهومه (١). ومن هنا وجدنا علماء الدولة العثمانية يعنون بهذه اللغة ويؤلفون فيها، ويتناقشون ويتناظرون في دقائقها إلى جانب معرفتهم بالتركية والفارسية.
ومع ضعف المؤلف الظاهر في هذه اللغة إذ يخطئ في الأمور التي لا يخطئ فيها المبتدؤون من نحو رفع المجرور مثل قوله: "لتلميذه أبو سعيد" و "للشيخ أبو الفتوح"، و "للشيخ أبو العباس" ونحو ذلك في مئات المواضع التي علقنا عليها، كما أنه كثير الخطأ في التذكير والتأنيث فهو كثيرًا ما يؤنث ما حقه التذكير، أو يذكر ما
_________
(١) ينظر في ذلك: المستصفى للغزالي ٢/ ٣٥٢، والإحكام في أصول الأحكام للآمدي ٣/ ٢٠٥، وشرح الأصول للبزدوي ٤/ ١١٣٦، وجمع الجوامع للسبكي ٢/ ٤٠٠.
стр. 29
حقه التأنيث، ومنه عدم كتابة ألف لام التعريف لعدم وجودها في لغته الأم؛ فإنه كتب فيها أفضل كتبه، ومنها "كشف الظنون" و "سلم الوصول" و "فذلكة أقوال الأخيار في علم التاريخ والأخبار" وغيرها لعلمه أنَّ عالم الإسلام الفسيح الذي حكمته الدولة العثمانية المتعدد الأعراق واللغات، لا يستغني عن هذه اللغة، لغة دينه، التي أوجب الإسلام على كل مسلم تعلمها، أو تعلم شيء منها يتعبد بها رَبَّه، فضلا عن أنَّ علماء الأمة ما بين مشرق للشمس ومغيب جميعهم يعرفون هذه اللغة، فلا يُطلق على أحد اسم "عالم" إلا أن يكون ممن عرفها وأجادها.
ومما يتعين تذكير القارئ به أن الرجل مع طموحه الشديد وفكره النيّر الذي قاده إلى تأليف هذا الكتاب، فإن ثقافته التراثية ضعيفة، فإنه لم يكن من الموسوعيين الذين سبروا العلوم والمؤلفات التي كتبت فيها، لذلك وقع في أخطاء كثيرة لا سيما في أسماء العلماء وسيرهم وتواريخ وفياتهم وعناوين مؤلفاتهم، والملحق الذي كتبناه وبينا أخطاءه في أكثر من ست مئة وخمسين صفحة كونت المجلد الثامن من هذا الكتاب شاهد على ذلك. ومما زاد الطين بلة أنَّ الرجل لم تتح له فرصة تبييض كتابه سوى ذلك الربع أو دونه مما كان يمكن أن يتلافى بعض الأخطاء التي وقع فيها لو كان بيض الكتاب كاملا وأعاد النظر فيه.
على أننا ينبغي أن ننصف الرجل فقد اقتحم موضوعًا يُعْجزُ الكثير من العلماء، وأخطاؤه مغفورة مغمورة في الفكرة الرائدة التي حاول تحقيقها في ذلك الزمن الرديء الذي غلب عليه الجمود والتخلف وقلة الابتكار.
ومما يذكر له من الفضل العميم تلك الهمة العظيمة في حشد الشروح والمختصرات والمنظومات لكثير من أمهات المؤلفات المشهورة التي عني المسلمون بالتعليق عليها أو شرحها أو تحشيتها أو اختصارها أو نظمها، مما لم يسبق إلى مثل هذه الفكرة الرائدة التي يعجز عن الإحاطة بها كثيرون.
ابتدأ المؤلف كتابه بمقدمة استغرقت مئة صفحة تقريبًا من المجلد الأول ثم بدأ بذكر أسماء الكتب مرتبة على حروف المعجم، وألحق في كل كتاب ما يتصل به من تذييل أو شرح أو تعليق أو حاشية، أو اختصار، أو نقد أو نظم، وهي عملية
стр. 30
تحتاج إلى صَبْر كبير وفكر منظم نشهد للمؤلف به، فهو عمل ليس بالهين، وهو جهد متميز على الرغم مما وقع فيه من أخطاء كثيرة.
وقد تكونت مادة كتابه هذا من مصدرين رئيسين، أولهما ما نقله من الكتب التي وردت فيها أسماء الكتب، فكان يذكر كل اسم كتاب ورد فيها. ولما كانت الموارد التي ينقل منها هي كتب خطية لا تعرف دقة ناسخيها ومعرفتهم بموضوع الكتاب فقد وقع فيها الكثير من التصحيفات والتحريفات انتقلت إلى المؤلف الذي ظنها صحيحة، فضلًا عن اختلاف المؤلفين السابقين الذين ينقل منهم في ذكر أسماء المؤلفات ومؤلفيها بصيغ مختلفة مما أربكه، ولم يكن أمامه مع قلة معارفه المتنوعة
إلا أن يذكرها كما ذكروها، فوقع فيها التحريف والتصحيف الذي لم ينتبه إليه.
أما المصدر الثاني فهي المخطوطات أو الشروح أو الحواشي التي وقف عليها ونقل عناوينها وأسماء مؤلفيها كما هو مذكور عليها، وربما أخطأ هو حال الكتابة والنقل، وهي الكتب التي ذكر أولها، وهو دليل قاطع على أنه رأى نسخة خطية من ذلك الكتاب.
طبعات الكتاب:
طبع الكتاب أولًا طبعة أوربية مترجمة إلى اللاتينية وهي التي حققها كوستاف فلوجل في سبعة مجلدات ضخمة، طبع منها فلوجل في لايبزك المجلدين الأول والثاني وطبعت المجلدات الخمسة الباقية في لندن بين ١٨٣٥ - ١٨٥٨، والطبعة الثانية هي التي قام بها العالمان التركيان شرف الدين يالتقيا ورفعت كليسي في مجلدين طبعا بين ١٩٤١ - ١٩٤٣ مع مقدمة بالتركية، وعلى هاتين الطبعتين طبع الكتاب غير مرة في بعض المطابع التجارية.
وكتاب "كشف الظنون" ينتهي في الطبعة الأوربية في الصفحة ٥٢١ من المجلد السادس أما بقية المجلد والمجلد السابع فهي مستدركات من كتب أخرى.
ويلاحظ أنَّ الطبعة الأوربية اعتمدت بالدرجة الأولى على نسخة راغب باشا (١٠٣١) المكتوبة سنة ١١٧٠ هـ بدلالة نقل المحقق ما كتبه الناسخ في آخرها وهذا نصه:
"قد اتفقَ الفراغُ عن تصحيح هذا الكتاب بعون عناية الملك الوهاب المشتهر بأسماء الكتب لدى أعيان الأفاضل والكتاب. وقد أمرني بتصحيحه من هو وليٌّ للعلماء الأعلام وصدر للفضلاء النبلاء الفهام، والحال أنَّ النُّسخ من هذا الكتاب قد
стр. 31
تطرق فيها التحريف والتصحيف بكثرة الاستكتاب، وامتثلتُ أمرَهُ بين الإقدام والإحجام لعلمي بما انطوى عليه من الإعجام مع ما فيَّ من العجز والقصور والعيّ والفتور واشتغال الأفكار ومصابرة، الأقدار، فاعتمدتُ على عوائد مولاي الجليل في إقداره الجَمِيل، فشمّرتُ ساعدَ الاجتهاد وأخذتُ في تحرير ما به قد أشاد بعد أن حصلتُ مسودة المؤلف ليكون الغلط من النسّاخ، إذ الغالب عليهم أن يكونوا للكتب مُسَاخ، فتتبعتُ كل ما فيه من كتب ورسائل وحواشٍ وشروح ومراسل بمراجعة كتب الطبقات والتواريخ التي تنوف عن أربع مئة مجلد، حتى جعلتُ كل كتاب بربه مؤيد، وحرّرتُ وفيات المصنفين الأمجاد بعد أن كانت متفاوتة الأعداد، وربما كان بعضهم خلي عن ذكر زمن الوفاة فذكرته ليكون مكمّلًا غير مفتقر لما سواه، وأدرجت على ترتيبه ما صُنِّف بعده مما بَعُد وما فاته من الكتب والحواشي مما يوجد وكل ما ذكر من بعد تاريخ وفاته فهو مضموم، وما فاته (كذا) مصنفه مما ألف قبله فهو مفهوم حتى أشرق بتمامه سنة وقت الإشراق من يوم الأحد الرابع من شهر ربيع الآخر لسنة سبعين ومئة بعد الألف السابع (كذا) فنسأل الله سبحانه أن يجيزنا عليه من كرمه العميم وأن يجزل صلتنا برحمته إنه البر الرؤوف الرحيم، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما والحمد لله رب العالمين".
إنَّ هذا النص يشير من غير ريب إلى التغيير الكثير الذي أجراه الناسخ على نسخة المؤلف بحيث صار الاعتماد على ما فيه لا يمثل ما كتبه المؤلف في المبيضة أو المسودة.
على أنّ من محاسن هذه الطبعة أنها كانت كثيرًا ما تضع ما يضيفه الناسخ من زيادات بين حاصرتين، ولكن اعتماد فلوجل على هذه النسخة أفسد طبعته.
أما الطبعة التركية فقد زعم القائمون عليها بأنهم اعتمدوا نسخة المؤلف التي بخطه في المبيضة والمسودة، لكن الحق المر الذي يتعين بيانه بأنهم تابعوا الطبعة الأوربية في أكثر عملهم إذا استثنينا من ذلك القسم الخاص بالمبيضة، زيادة على ذلك أنهم غَيّروا الكثير من عبارات المؤلف وتلاعبوا بالنص في آلاف المواضع التي أشرنا في كثير من تعليقاتنا إليها، وزادوا نصوصًا من عندهم، غالبا ما اقتبسوها من نسخة راغب باشا فأقحموها في النسخة، بل أدرجوا في النص ما كان فلوجل في طبعته
стр. 32
قد أدرجه بين حاصرتين إشارة منه أنه زيادة منه على نص المؤلف، من غير إشارة إلى أنَّ هذا من المدرج، وأمثلة ذلك كثيرة أشرنا إلى مئات منها في تعليقنا على النص.
وصف النسخة الخطية:
كتب المؤلف أول ما كتب هذا الكتاب مسوّدة فجاءت في (٢١٩) ورقة من القطع الكبير، مسطرتها مختلفة كونها مسودة، فقد بلغ عدد الأسطر في الأوراق الأولى بين ٨٥ - ٩٥ سطرًا، في كل سطر ما بين ١٧ - ٢٠ - كلمة فضلا عن الزيادات التي كتبها في حواشي النسخة حتى أصبحت صعبة القراءة جدًّا، وانتهى من كتابة حرف الصاد منها سنة ١٠٥٠ هـ كما نص على ذلك في نهاية هذا الحرف منها حيث قال: "تم حرف الصاد بعون خالق العباد في أواخر ربيع الآخر سنة ١٠٥٠". ثم انتهى من كتابتها كاملة سنة ١٠٥١ هـ كما يظهر من رقم كتبه بالحمرة في آخر المسودة، وكما كتب هو في آخره - وإن ضرب عليه قال: "الحمد لله على التمام والصلاة والسلام على سيد الأنام وآله وأصحابه الكرام. تم الكتاب يوم الاثنين التاسع والعشرين من شهر ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وألف في منزلي بمدينة قسطنطينية حماها الله عن البلية".
والمسوّدة محفوظة بتمامها في خزانة كتب ولي الدين جار الله بإصطنبول برقم (١٦١٩).
وكتب ولي الدين جار الله في أول هذه النسخة ما يأتي:
"اعلم أنّ هذا الكتاب المسمى بكشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لأستاذ أستاذي حاجي خليفة المشتهر بكاتب جلبي الإستانبولي بيضه بعدما سوّده إلى آخر الكتاب إلى كلمة دروس من حرف الدال المهملة، انتقل إلى رحمة الله تعالى سنة سبعة (كذا) وستين وألف، وبقي الكتاب من كلمة دروس في مسودته غير مبيض. ثم اجتمع ستة رجال فبيضوه لكن لم يبيضوه كما ينبغي، والمسودة هي في هذا المجلد بخط المؤلف المُسوّد ﵀.
ولقد رأيت مبيضته بخطه إلى كلمة دروس من حرف الدال في مجلد كامل موجود في بلدة قسطنطينية، وكتب مختصر هذا الكتاب من جهة اللفظ وزاد عليه أسامي كثيرة أستاذنا المتبحر في جميع العلوم والفنون السيد الحسين العباسي النبهاني الحلبي المتوفى بعد خمسة وتسعين وألف في حلب الشهباء".
стр. 33
ثم بدأ بتبييض الكتاب، فكتب منه مجلدًا إلى أثناء حرف الدال، والظاهر أنه توفي بعد ذلك ولم يكمله وهي تكوّن الأوراق الخمسين الأولى من المسودة، وهي أقل من ربع أوراق المسودة المتكونة من ٢١٩ ورقة.
وقد وصل إلينا المجلد المُبَيّض، وهو محفوظ اليوم في خزانة كتب ريوان كشك برقم (٢٠٥٩)، وقد كتب المؤلف عنوان الكتاب بالحمرة بخط جميل نصه: "كتاب كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون، مما عُني بجمعه وتأليفه كاتبه الفقير إلى عناية ربه القدير مصطفى بن عبد الله الكاتب القسطنطيني مولدًا ومنشأ، عُفِي عنه".
وكتب المؤلف هذه النسخة المبيضة بخط جميل متقن، ابتدأ اسم كل كتاب بالحمرة، وكذلك الواو التي تفصل بين كتاب وآخر من العنوان نفسه، أو من الشروح والمختصرات والتعليقات والحواشي ونحوها، وكتب بعض التعليقات في حواشي النسخة.
وقد جاء المجلد بخطه إلى لفظة "دروس" في (٣٠٦) أوراق. وآخر ما فيه: درك في اللفظ المشترك لمحمد بن محمد ابن الحاج المتوفى سنة أربع وسبعين وسبع مئة"، وهو الذي يحمل الرقم (٦٦٩٨) من نشرتنا هذه، تتكون كل ورقة من صفحتين مسطرة الصفحة مختلفة بين ٤٣ - ٥٠ سطر، في كل سطر ما معدله ست كلمات، ثم زاد بعضهم من "دروس" إلى آخر "رونق الطرفة" (رقم ٨٧٨٤ من طبعتنا)، وهي الأوراق ٣٠٧ - ٣٦٢ بخط رديء كثير التصحيف والتحريف.
والظاهر أنَّ المؤلف أراد أن يجعل كتابه في عدة مجلدات حيث أنهى المجلد الأول من المبيضة بخطه في نهاية الورقة ٢١٥، وهو آخر حرف الثاء فكتب هناك: تم المجلد الأول من كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون يوم السبت الثامن من صفر سنة اثنتين وستين وألف، ويتلوه المجلد الثاني في حرف الجيم، والحمد لله العزيز العليم".
ثم كتب في الورقة الأولى من المجلد الثاني (الورقة ٢١٦) بالحمرة: "المجلد الثاني من كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون"، وفي ظهر الورقة "باب الجيم". والظاهر أنه بيض منه تسعين ورقة فقط، ثم فجأه الموت فلم يكمل المجلد الثاني.
стр. 34
نهج العمل في التحقيق:
قد بيّنا فيما تقدم وصول الكتاب كاملًا بخط مؤلفه، في قسميه المبيض إلى أثناء حرف الدال، وفي المسودة التي انتهى المؤلف من كتابتها سنة ١٠٥١ هـ.
ولما كانت جميع النسخ الكثيرة المتوفرة من هذا الكتاب قد نُسخت من نسخة المؤلف المبيضة ثم من المسودة أو نسخت عن نسخ منسوخة عنها، فقد أصبح اعتماد هذه النسخ لا فائدة ترتجى منه، بل هو نوع من العبث الذي لا نجيزه لأنفسنا، ومن ثم كان معولنا على نسخة المؤلف المبيضة إلى كلمة "دروس" ثم بعد ذلك على مسودة المؤلف إلى آخر الكتاب.
ومع صعوبة قراءة نسخة المؤلف وتتبعه فيما كتب في حواشيها وحشر المعلومات فيها حشرًا غير منظم في كثير من الأحيان، فإننا التزمنا التزاما صارمًا بما كتبه المؤلف، فثبتنا النص كما كتبه وعَلّقنا على ما كُنا نراه حريًا بالتعليق من تصحيح خطأ، أو بيان وهم سواء أكان منه أو ممن نقل منه، واستثنينا من ذلك الأخطاء النحوية الظاهرة وما يماثلها، من نحو حذفه لألف لام التعريف، فقد أصلحناها في المتن وأشرنا إليها في الهامش لكثرتها أولا ولبشاعتها وإفسادها النص لو بقيت على حالها ثانيًا، أما بقية الأخطاء الكثيرة فأثبتناها كما ذكرها المؤلف وأشرنا إلى صوابها في الهامش التزامًا بالمنهج العلمي في المحافظة على نص المؤلف وعدم التسور عليه.
على أننا، ونحن ننقل نص المؤلف من مسودته بعد انتهاء المبيّضة، فإننا ربما تصرفنا بعض تصرف في ترتيب أسماء الكتب لا سيما تلك التي كتبها في حواشي المسودة أو استدركها في أماكن أخرى، وعذرنا في ذلك أنَّ المؤلف قد أعاد الترتيب عند تبييض ما بَيّضه من المسودة، وهو تصرف فيما نرى لا يضر لأنه لا يتسوّر على المؤلف ولا يغير في النص الذي كتبه.
وقد قابلنا النص بالمطبوعة التركية وثبتنا الاختلافات الكثيرة بينها وبين النص الذي كتبه المؤلف، لأنها هي الطبعة المنتشرة بين أوساط الباحثين يعتمدونها منذ ظهورها قبل ما يقرب من ثمانين عاما إلى يوم الناس هذا، وقد زعم ناشروها أنهم رجعوا إلى نسخة المؤلف التي بخطه، وهو أمر فيه نظر شديد، فقد كانوا كثيرًا ما يخالفون هذه النسخة إما اعتمادًا على الطبعة الأوربية أو على نسخة راغب باشا التي غيّرت النص وزادت عليه وحذفت منه وعَدّلت فيه كما نص على ذلك ناسخها، وإن
стр. 35
آلاف التعليقات التي ثبتناها في هوامش نشرتنا هذه وسبقناها بحرف "م" رمز المطبوعة التركية تنبئ عن هذا الصنيع غير المحمود في علم تحقيق النصوص.
وكان من منهجنا في تحقيق هذا النص التعرف على مؤلفي الكتب والشروح والحواشي والتعليقات والمختصرات والنصوص التي ذكرها المؤلف، وذلك عن طريق بيان وفياتهم أو أزمانهم التي عاشوا فيها، وذكر بعض الموارد المختارة الدالة على تراجمهم من غير استقصاء بل اكتفاء ببعضها، ومن غير ذكر لسيرهم أو شيء منها، لئلا تتضخم هوامش النص بما لا فائدة منه ولا عائدة.
أما الأسماء التي لم نقف على ترجمة لها أو لم نعرفها فقد نصصنا على ذلك، لنثير انتباه القارئ العالم إلى أننا قد بذلنا الوسع واستنفدنا الطاقة في البحث والفحص فلم نوفق، عسى أن يوفق غيرنا في ذلك، وهذا من أوليات البحث العلمي الرصين.
لقد عنينا عناية بالغة بمقابلة النص بأصله الخطي الذي كتبه المؤلف، وأعدنا المقابلة عند التصحيح زيادة في التدقيق، ولم نبخل عليه بوقت أو جهد في قراءة نص متشابك يُعجز كثيرًا من الناس قراءته، فكان الصبر والأناة والخبرة لأكثر من نصف قرن في معاناة النصوص الخطية أكبر مساعد في حل ما خفي وصعب منه.
ثم عُنينا بتفصيل النص من حيث إظهار أسماء الكتب وشروحها وحواشيها ومختصراتها وكل ما يتصل بها، فوضعنا لكلٍّ منها رقما بدأناه بفقرة جديدة، وهي الأرقام المعتمدة في فهارس الكتاب لتيسير الوصول إليها والإفادة منها. ثم فصلنا النص من حيث بداية الفقرات، ووضع النقط والفواصل ونحوها مما يُظهر المعاني ويُجَلِّي النص، فضلًا عن ضبط النص بالحركات، لأهميتها البالغة في قراءة النص قراءة سليمة، وإيمانا منا بأن تحقيق النصوص من غير ضبط بالحركات لا يُعد تحقيقًا علميًّا متقنًا، فالضبط في النصوص الخالية منه هو المنبئ عن قدرة المحقق في حسن قراءة النص قراءة سليمة وفهمه فهما سويًا كما أراده مؤلفه.
على أننا نرى من الواجب علينا التنبيه على أن كثيرًا من الأسماء التي لم نقف عليها غالبا ما تكون قد نُقِلت محرفة وقد ضاع صوابها نتيجة التحريف، أو تكون منقولة من مخطوطات كتبت عليها هذه الأسماء فنقلها المؤلف أو تحرفت عند نقلها، فضاع أصلها.
وقد عُنينا في تحقيقنا لهذا النص ببيان الأخطاء الكثيرة التي وقع فيها المؤلف، في نسبة كتاب إلى غير صاحبه، أو تحريف في العنوان، أو اسم المؤلف، أو تاريخ وفاته،
стр. 36
أو تكرره على المؤلف من غير أن يدري، فضلا عن بيان تاريخ وفيات المؤلفين الذين لم يعرف المؤلف وفياتهم حال الكتابة فبيّض لها، وهي مئات عديدة، لم نعدها من أخطاء المؤلف التي رأينا من المفيد أن نجمهرها في مكان واحد فيه شيء من التفصيل، هو "الملحق" بأخطاء المؤلف الذي احتل المجلد الثامن من هذه النشرة وزادت صفحاته على الست مئة وخمسين صفحة.
ورأينا من المفيد إلحاق عدد من الكشافات المُيسّرة للإفادة من هذا النص المهم، فصنعنا زيادة على "الملحق" الذي بيّنا فيه أخطاء المؤلف، كشافًا بأسماء المؤلفين المذكورين في هذا الكتاب، وآخر بأسماء المُصَنّفات، وثالثًا بأسماء العلوم التي ذكرها في الكتاب، ورابعًا بأسماء الأمكنة والبقاع، وخامسًا بجريدة المصادر والمراجع المعتمدة في تحقيق هذا الكتاب.
وقد شاركنا في تحقيق هذا الكتاب شابّان فاضلان محبّان للعلم والتعلّم والتراث هما: الدكتور مهران محمود الزُّعبي، والدكتور محمود بشار عواد العُبيدي، فبذلا جهدًا محمودًا أبانا فيه عن قُدرة متميزة في هضم مادة الكتاب ومعرفتها، وأسهما إسهامًا فاعلًا في كل مراحل التحقيق، فاستحقا التنويه والعرفان والشكران.
ولا بد لنا وقد بذلنا الجهد واستنفدنا الطاقة في تحقيق هذا النص المهم المتنوع المعارف واللغات وما فيه من أخطاء كثيرة كان من أسبابها وفاة مؤلفه قبل تبييض القسم الأكبر من كتابه وإعادة النظر فيه، فإننا نعترف بأننا لا يمكن أن نكون بديلا عن آلاف الباحثين الذين رجعوا إلى هذا الكتاب في أبحاثهم وتحقيقاتهم، فربما وقف أحدهم على خطأ لم ننتبه إليه لتشعب موضوعات الكتاب وتنوعها، ومن ثم فإننا نهيب بإخواننا طلبة العلم الجادين أن يوافونا بما فاتنا من التعقيبات، ونؤكد أن قلبنا لكل نصيح مفتوح، فالتعاون في مثل هذا الكتاب مطلوب ومحمود.
والشكر موصول دائمًا وأبدًا إلى مؤسسة الفرقان العتيدة والقائمين عليها التي تبنت هذا المشروع التراثي العلمي المهم والإنفاق عليه ونشره لتعم فوائده وتجتني عوائده.
نسأل الله جل في عُلاه أن يتقبل منا عملنا في خدمة تراث هذه الأمة العظيمة، وأن يثبتنا بقوله الثابت في الحياة الدنيا والآخرة، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
المحققان
стр. 37
عنوان الكتاب كما كتبه المؤلف في أول المبيضة
стр. 38
بداءة المجلد الأول من المبيضة بخط المؤلف
стр. 39
آخر المجلد الأول من المبيضة بخط المؤلف وفيه تاريخ الانتهاء منه سنة ١٠٦٢ هـ
стр. 40
طرة المجلد الثاني من المبيضة بخط المؤلف
следующие страницы →