Полный текст (233 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله رب العالمين، بما حمد به نفسه، كما هو أهله؛ والصلاة على محمد عبده ورسوله، وعلى آله، كما هو أهله.
قال أبو عبد الله ﵀: حدثني أبي، عن رجاء بن نوح، عن عباد ابن كثير، عن عثمان الأعرج، عن يونس بن عبيد وحوشب، عن الحسن: أنه قال: حدثني سبعة رهط من أصحاب رسول الله ﷺ ، منهم: أبو هريرة، وجابر بن عبد الله، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعمران بن حصين، ومعقل بن يسار؛ كلهم يحدث عن رسول الله ﷺ ، ويزيد بعضهم على بعض: أنه نهى.
قال أبو عبد الله ﵀: وحدثنا الفضل بن محمد بن وزير الدمشقي قال: حدثنا حمزة بن ربيعة، عن عباد بن كثير بن قيس الثقفي، عن عثمان الأعرج، عن الحسن: أنه قال: حدثني رهط من أصحاب رسول الله ﷺ ، منهم: أبو هريرة الدوسي، وجابر بن عبد الله الأنصاري، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، وعمران بن حصين، ومعقل بن يسار، وأنس بن مالك؛ يزيد بعضهم على بعض: أنه نهى.
قال أبو عبد الله رحمه: فقد نظرنا في هذا الحديث، في هذه
стр. 2
الأشياء التي رووا عن رسول الله ﷺ : أنه نهى عنها، فإذا هي متفاوتة؛ فمنها نهى أدب، ومنها نهى تحريم. وقد جمعها الحديث كله، ولم نجد شيئا قد نهى عنه إلا بحق. وذلك أن ضرره راجع إلى بعده عن سبيل الهدى؛ فإن سبيل الهدى مستقيم إلى الله تعالى، ومن زاغ فإنما يزيغ عن الله تعالى؛ والاستقامة تقرب العبيد إلى الله، وأن الله - تبارك اسمه - دعا العباد إلى دار السلام وأعلمهم أنهم ملاقوه، وبعث رسوله ﵇؛ فقال: (قُل هَذِهِ سَبيلِى أَدعوا إِلى الله عَلى بَصَيرَةٍ أَنا وَمَن اِتَبَعَنَى) . فمن أجابه فعلا فقد أجابه، وإجابته اتباع رسوله فيما زجر عنه. وقال الله تعالى في تنزيله (وَمَا آَتاكُمُ الرَسُولُ فَخَذُوهُ، وَما نَهَاكُم عَنهُ فَانتَهُوا) .
فوجدنا النهى على ضربين: منه نهى تحريم تأديب، ومنه نهى تحريم. فمن ترك الأدب انحط عن درجته، ومن وثب على التحريم سقط في الهلكة.
стр. 3
الاحتباء في ثوب واحد
وأما قوله: (نهى أن يحتبى الرجل في ثوب واحد) .
فقمن أن يكون إنما نهى عنه من أجل أن العورة تبدو إذا احتبى به؛ لأنه لم يتستر، فإذا احتبى بدت عورته.
وكان القوم حديثى عهد بجاهلية، وكانوا يطوفون بالبيت عراة، فلم يكونوا يحتشمون من التعرى وكشف العورة. فلما من الله تعالى عليهم بالإسلام؛ فأدبهم، وأمرهم بالستر في غير آية من التنزيل، وأمرهم بغض الأبصار، وحفظ الفروج؛ فقال (قُل لَلِمُؤمِنينَ يَغُضُوا مِن أَبصارِهِم، وَيَحفَظُوا فُرُوجَهُم) . وقال رسول الله ﷺ لا يحل لرجل يؤمن
стр. 4
بالله واليوم الآخر أن ينظر إلى عرض أخيه، فشدد في هذا، وحسم هذا الباب على الخلق.
اشتمال الرجل في ثوب واحد
وأما قوله: (نهى أن يشتمل الرجل في ثوب واحد) .
فالاشتمال: أن يلتف بثوبه، ويرفع أحد جانبيه يمينا وشمالا على عاتقه. فهذا مثل ما وصفنا بدءا أنه ستبدو عورته إذا فعل ذلك.
اشتمال الصماء
وأما قوله: (نهى أن تشتمل الصماء بثوب) .
فالعلة فيه مثل ذلك أيضا. فأما الصماء: فهو أن يلتف بثوب، ثم
стр. 5
يخرج يده اليمنى من عند صدره.
حدثنا عبد الكريم بن عبد الله السكرى، حدثنا على بن الحسن، عن عبد الله بن المبارك، عن جرير، عن قابوس، عن أبيه، عن ابن عباس رضى الله عنه: أنه كان يكره أن يلتحف الرجل بثوبه، ثم يخرج يده من قبل صدره؛ وقال: تلك الصماء.
الانتعال قائما
وأما قوله: (نهى أن ينتعل الرجل وهو قائم - وقال: إني أخاف أن يحدث به داء لا دواء له) .
فقد بين العلة فيه؛ فللجسد عليك حق، فإذا حملت عليه ما لا يطيق، فحدث به داء؛ فقد ظلمته.
وإنما جعل قوام البدن على الرجلين، فإذا انتعلت قائما، لم تجد بدا. من أن ترفع قدما لتنعلها، فصار حمل البدن على رجل واحدة؛ فاضطربت العروق، فإذا اضطربت العروق، لم يؤمن أن يحدث داء؛ لأن العروق مجارى الدم ومجارى الريح؛ فإذا تضايقت في حال الاضطراب، هاج الدم، وهاجت الرياح؛ فربما وقعت في مرض لا تخرج منه أبدا، وربما فاض الدم من العروق
стр. 6
إذا اختنق العرق عند تضايقه من مكانه؛ فصار الدم علقة، فإذا صارعلقة لم يجر، وكان دمه فاسدا، وربما انكمشت الرياح الحادثة، وهاجت الساكنة؛ فهذا أمر عظيم.
وقد أوصى الله العباد في شأن النفس؛ فقال: (وَلاَ تُلقُوا بِأَيدِيكُم إِلى التَهلُكَة) .
وقال: (وَلاَ تَقتُلُوا أَنفُسَكُم إِنّ الله كَانَ بِكُم رَحيماً) . ثم قال: (وَمَن يَفعَل ذَلِكَ عُدواناً وَظُلماً فَسَوفَ نُصلِيهِ ناراً وَكَانَ ذَلِكَ عَلى الله يَسيراً) . فانظر أى وعيد هذا! وظلم النفس كظلم العباد.. فهذه أشياء خفية؛ فخفى على العامة عظيم مرجوع ضررها إلى النفس. وإنما تستر له لأنه ستره، فنحن نقيم ستره، لا أن نسبر عنه، فالستر غير التستر عنه. وأيضا خلة أخرى أن الجن والشياطين ينظرون إلى عورات بنى آدم، فيضحكون ويستهزئون. حدثنا بشر ابن خالد البصرى، حدثنا سعيد بن مسلمة بن هشام بن عبد الملك، حدثنا الأعمش، عن زيد العمى، عن أنس بن مالك رضى الله عنه، عن رسول الله ﷺ قال (ستر بين أعين الجن وبين عورات بنى آدم إذا وضع الرجل ثوبه أن يقول: بسم الله) وكذلك في البراز يخاف أن ترميه الجن بداهية.
стр. 7
وقد نهى رسول الله ﷺ عن الاغتسال في البراز حتى يخطوا على أنفسهم دائرة؛ كى يكون ذلك حريما لهم، فلا يصل إليه الجن بداهية. حدثنا قتيبة، عن ابن لهية، عن عقيل عن ابن شهاب، قال: قال رسول الله ﷺ (إذا اغتسل أحدكم في براز من الأرض ولم يجد ما يستتر به، فليخطط على نفسه خطا، وليغتسل وسط الخط) .
أحكام قضاء الحاجة
البول في المغتسل
وأما قوله: (نهى أن يبال في المغتسل) .
فقد بين في حديث آخر: (أن منه يحدث عامة الوسوسة) وذلك أن المغتسل في ذلك الزمان - أعنى المدينة - كان في أرض ذات سباخ، فإذا صب الماء استنقع، وصار ذلك الموضع وحلا، فإذا بال فيه استنقع واختلط بذلك الطين الذي فيه البول. وأما إذا كان مغتسلا مقاما ومشيدا، فجرى فلم يبق هنالك بول، فلن يجد الوسواس سبيلا إلى أن يحدث نفسك بشيء.
стр. 8
البول في الماء الراكد
وأما قوله: (ونهى عن البول في الماء الراكد) .
فهذه غدران المدينة والمواضع التي يستنقع فيها الماء، وهي قليلة، لا عرض ولا طول؛ فإذا بال فيها لم يؤمن أن يجيء جاء فيغترف منه للوضوء.
وقد نهى في حديث آخر (عن أن يبول في الماء الراكد ثم يغتسل فيه أو يتوضأ منه) . ثم قال أبو هريرة رضى الله عنه: وليبل في الماء الجارى أن شاء. حدثنا بذلك الجارود بن معاذ، حدثنا عمر بن هارون، عن حماد بن سلمة، عن أبى المهزم، عن أبى هريرة، قال: وحدثنا الشقيقى، عن أبيه، عن جده، قال: رأيت عبد الله بن بريدة يبول في الماء الجارى.
حدثنا الحسن بن مطيع، حدثنا خلف بن أيوب، عن يحيى بن زكريا،
стр. 9
عن يونس، عن الحسن، قال: لا بأس بالبول في الماء الجارى.
قال أبو عبد الله ﵀: وإنما وقع النهى في الماء الراكد إذا كان قليلا ليس له عرض ينبسط ولا طول يمتد؛ فذلك بمنزلة الإناء. وأما إذا انبسط حتى يشبه الجارى في اطراد بعضه على بعض، فهو لاحق بالجارى؛ ألا ترى إلى قول رسول الله ﷺ في البحر وهو راكد: (هو الطهور ماؤه، الحل ميتته)
البول في المشارع
وأما قوله: (نهى أن يبول في المشارع) .
فإن مشارع المدينة راكدة وذلك أن العيون المنتبذة عن المدينة كانت تشرع منها إلى المدينة، فتجرى إلى حوض، وهو المشرعة، فيستقى منه.
فهذا والأواني واحد؛ لأن المشارع - الماء الجارى فيها كالساكن ليس
стр. 10
له انصباب وجرى كالنهر، فذلك البول يدور مع الماء في المشرعة، ولا يكاد يخرج إلا بعد مدة.
فكل مكان لا يكون مجرى الماء فيه قوة وانصباب، فإذا بال فيه فالبول هناك موجود. وإنما رخص في الماء الجارى لجريه وذهابه. وقلما يوجد في المشارع ذلك الجرى السريع الذي يذهب بأثر البول؛ ألا ترى أنهم لم يعنوا بالجرى الضعيف من الأنهار حتى يكون له قوة، فمنهم من قال حتى يدهده بعرة أو جوزة.
قال: حدثنا عمر بن أبى عمر، حدثنا شريح بن النعمان، قال: سمعت أبا يوسف يقول في الماء الجارى القليل: إذا كان بقدر ما إذا رفعت بكفيك منه، فاض من الجانبين، ولم ينقطع أعلاه من أسفله؛ فلا بأس به.
وتأويل حديث رسول الله ﷺ : (إذا كان الماء قلين لم يحمل خبثا) على ذلك تأولوه.
قال: وسمعت أبا يوسف يقول في تأويل الحديث الذي جاء (إذا كان الماء قلين) إذا كان عينه تنبع، وكانت مقدار قلتين، وهو جار وله نبعان، فلا بأس به.
حدثنا الجارود، حدثنا عيسى بن الفضل المروزى، عن عبد الله
стр. 11
ابن المبارك في تأويل هذه الحديث، قال: إذا كان الماء قلين جاريا. حدثنا عمر بن أبى عمر، حدثنا شريح بن النعمان، قال: سمعت أبا يوسف يقول في تأويل هذا الحديث: (إذا كان الماء قلين) إذا كان عينه تنبع، وكانت مقدار قلتين، وهو جار وله نبعان؛ فتوضأ من نبعانه؛ فلا بأس به.
البول والفرج باد للشمس أو القمر
وأما قوله: (نهى أن يبول الرجل وفرجه باد إلى الشمس أو القمر) .
فإن الشمس والقمر خلقان من خلقه، وآيتان من آياته، وكسوتهما من نور العرش فيما روى لنا.
فلا تستقبل بعورتك إياهما إعظاما لهما، وإجلالآ لذلك النور.
وقد قال الله تعالى: (وَجَعَلنا اللَيلَ وَالنَّهارَ آَيَتينِ، فَمَحونا آَيَةَ
стр. 12
اللَيلِ، وَجَعَلنا آَيَةَ النَّهارِ مُبصِرِةً (. حدثنا عمر بن يحيى بن نافع الأيلى، عن أنس بن مالك في قوله تعالى:) فَمَحَونا آَيَةَ اللَيلِ (قال: سواد في القمر.
وأيضا علة أخرى: أن الملائكة الموكلين بسياقتهما معهما؛ فإذا بدا لهما بدا للملائكة.
وروى عن رسول الله ﷺ أنه قال:) أجلوا - أو قال أكرموا - الكرام الكاتبين الذين لا يفارقونكم إلا في حالين. الغائط والجنابة (وكان رسول الله ﷺ يستر عورته عن عائشة رضى الله عنها. وقالت عائشة رضى الله عنها:) ما رأيت منه - يعنى عورته - (.
حدثنا الجارود، حدثنا الفضل بن موسى، عن عبد السلام بن حرب، عن الأعمش، عن أنس بن مالك قال: كان رسول الله ﷺ إذا دخل الخلاء لم يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض.
стр. 13
استقبال القبلة واستدبارها ببول أو غائط
وأما قوله: (نهى أن تبول مستقبل القبلة) .
فإن القبلة بيت الله.. بسط الأرض، وجعلها بساطا لعباده ومهادا ومسكنا، واختار موضع البيت لنفسه فلم يملكه أحداً، وجعله محل الرحمة ومعلمه ومظهره. وهو بحذاء البيت المعمور، وبحذاء العرش؛ فله حرمة عظيمة. وهو بعين الله، وصفوته من الأرض؛ فإذا استقبله بفرجه، فقد أسقط حرمته، واستهان به.
حدثنا محمد بن إسماعيل بن سمرة الأحمس، حدثنا إبراهيم بن عيينة، عن ابن الصباح، قال: سمعت من أبى نصير، عن مولى لأبى بكر، عن أبى بكر رضى الله عنه، قال: من انحرف عن القبلة من غائط أو بول تعظيما لجلال الله تعالى، لم يستو منحرفا حتى يغفر الله له. قال: ومن مقت نفسه في ذات الله آمنه الله من مقته.
стр. 14
ثم روى عن رسول الله ﷺ : أنه تبول مستقبل القبلة.. حدثنا الجارود بذلك، حدثنا عبيد الله موسى، حدثنا عيسى الخياط، عن نافع، عن ابن عمر، قال: رأيت رسول الله ﷺ في كنفيه مستقبل القبلة.
قال عبيد الله: حدثنا عيسى، عن أبيه، عن أبى هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ ، (لاتستقبلوها ولا تستدبروها) . قال عيسى: فذكرت ذلك للشعبى، فقال: صدق أبوهريرة، وصدق ابن عمر. أما قول أبى هريرة، فذاك في الصحراء لا يستقبلها ولا يستدبرها. وأما قول ابن عمر رضى الله عنهم، فذاك كنيف بيت صنع للنتن ليس فيه قبلة؛ استقبل حيث شئت. حدثنا سهل بن العباس، حدثنا عبد الله بن نمير العوفى، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، قال: رأيت رسول الله ﷺ في كنفيه لبنتين مستقبل القبلة يبول.
стр. 15
التبول قائما
وأما قوله: (نهى أن يبول الرجل وهو قائم) .
فهذا على معنيين:
أحدهما: أنه إذا بال قائما لم يؤمن من أن يصيبه من النضح، وقال ﷺ (استنزهوا من البول، فإن عامة عذاب القبر منه) وروى أنه مر بقبر، فقال: (أتسمعون ما أسمع؟) ، قالوا: لا يا رسول الله؛ فقال: (لولا تمريغ في قلوبكم، وتزبيد في حديثكم لسمعتم ما أسمع، إن صاحب القبر أقعد فضرب فصاح صيحة تسمع من الخافقين، وتطاير كل عضو منه ثم عاد إلى مكانه) . قيل: يا رسول الله، في ماذا؟ قال: (في البول) .
قال: وذكر لنا أنه لما وضع سعد بن معاذ الأنصارى رضى الله عنه، الذى اهتز العرش لوفاته، في قبره تضايق عليه قبره؛ فسبح رسول الله ﷺ ، ثم قال: (لقد تضايق على هذا العبد الصالح حفرته، ثم فرج عنه) .
стр. 16
قيل: يا رسول الله، مم ذاك؟ فقال: (كان يقصر في بعض طهوره) وذلك أن القوم كانوا لا يستنجون بالماء، ويكتفون بالأحجار. وكان عهدهم بذلك الأمر كذلك. فلما ظهر الاستنجاء كانوا يفعلون ولا يفعلون.
فشأن البول عظيم؛ وإنما صار عندنا كذلك؛ لأن آدم ﵇ لما أكل من الشجرة، وجد العدو سبيلا إلى جوفه، فاستقر عند المعدة؛ فلذلك ما خرج من أسفل البدن صار حدثا، وكان ذلك الشيء نجسا. وما خرج من أعلى البدن مثل الدموع والنخاعة والمخاط كان طاهرا ولم يكن طهوره حدثا. فما كان في جوف ابن آدم مما يلى مستقره ينجس بنجاسته وكفره.
وإذا بال قائما لم يؤمن من النضح، وكان النبى ﷺ : (يرتاد ويتبوأ لبوله كما يتبوأ لمنزله) .
حدثنا بذلك صالح بن عبد الله، حدثنا حماد بن زيد، عن واصل مولى أبى عيينه، عن يحيى بن عبيد، عن رسول الله ﷺ بذلك.
وكان إذا وجد مكانا أو موضعا يتمكن فيه بال قائما؛ فقد روى
стр. 17
عنه ﷺ ، من وجوه كثيره: أنه قد فعل ذلك.
ثم روى عنه: أنه كره ذلك.
ففعله عندنا ذلك في تلك المواضع التى إذا بال فيها قائماً كان أنزه له، وتركه لذلك في المواضع التى إذا بال فيها قاعدا كان أنزه له. ولا نظن به ﷺ غير ذلك. وروى عنه: أنه مر بسباطة قوم فبال قائما.
فهذا ما قلناه إنه لما أمن من النضج لم يعبأ بالقيام.
وعله أخرى: أن القيام حال غير متمكن، ومادام قائما فإن العروق قائمة بقيام البدن، والقلب منتصب، ومجمع العروق عند القلب، فما دام القلب منتصباً فالعروق كذلك، فإذا قعد استرخت العروق؛ ألا ترى أنك تجد عن البول استرخاء القلب. وما دام لا يسترخى لا يقدر أن يبول. وإذا أراد أن يمسكه إنما يمسكه بالقلب؛ لأن مجمع العروق هنالك يصرر حتى يستمسك. فإذا قعد على
стр. 18
قدميه كان سبيل البول أوسع، وجريه أسهل؛ لا سترخاء القلب وتخلية التصرير. فهذا غير مدفوع.
الاستنجاء بروث أو عظم
وأما قوله: (نهى أن يستنجى بروث أو بعظم) .
فذلك من أجل أن الجن لما انصدعوا عن رسول الله ﷺ ليلة أسلموا وبايعوا، رجع منهم راجع إليه فسأله الزاد، فرمى إليهم بعظم وروث، فصار العظم لحما والروث طعاماً، وكان ذلك زادهم.
حدثنا عبد الله بن الوضاح النخعى، حدثنا حفص بن غياث، عن داود ابن أبى هند، عن الشعبى، عن علقمة عن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ : (لا تستنجوا بالعظم ولا بالروث؛ فإنهما زاد إخوانكم من الجن) .
حدثنا صالح بن محمد، حدثنا إبراهيم بن محمد الأسلمى، عن الصالح
стр. 19
مولى التوأمة، عن ابن عباس وابن مسعود رضى الله عنهما، قالا: جعل رسول الله ﷺ زاد الجن العظام والروث، ولا يمرون على شئ منه إلا وجدوه لحما وشعيرا.
حدثنا صالح، حدثنا سعيد بن سالم القداح، عن إسرائيل عن أبى فزارة، عن أبى زيد مولى عمرو بن حريث، عن عبد الله بن مسعود، قال: كنت مضطجعا عند الكعبة، فمر بى رسول الله ﷺ : فحركنى برجليه، وقال: (الحقنى) فتناولت إدارة رجل إلى جنبى فأخذتها، ثم انطلقت معه، ثم برز، ثم خط على خطاً، فقال: (لا تبرح هذا الخط، فإنك إن خرجت لم ترنى ولم أرك) . ثم انطلق، فبت ليلى قائما على رجلى، فسمعت صوتا لم أسمع مثله، فهممت أن أخرج، ثم ذكرت قول رسول الله ﷺ . فجاء رسول الله ﷺ في وجه الصبح، قلت: يا رسول الله، ما نمت الليلة، ومازلت قائما، قال ﵇: (أما إنك لو جلست لم يضرك) ، ثم قال: (هل من طهور؟) ، قلت: نعم يا رسول الله، فتناولت الإدارة وأنا أراها ماءً، فإذا هي نبيذ. فقال رسول الله ﷺ : (تمرة طيبة وماء طهور) ، ثم توضأ وصلى خلفه رجلا، فلما سلم قال لهما: (ألم اقض لكما ولقومكما حوائجهم؟) قلا: بلى ولكنا أحببنا أن نشهد الصلاة معك، قلت: يا رسول الله، سمعت صوتا لم أسمع بمثله فهممت أن أخرج، ثم ذكرت قولك؛ فقال:) أما إنك لو خرجت لم ترنى ولم أرك، أما الصوت الأول فسألوا الرزق فدعوت الله أن يرزقهم فأمنوا،
стр. 20
وأما الصوت الآخر فسلمت عليهم فردوا السلام (، قلت: يا رسول الله، ما رزقهم؟ قال:) الروث والعظم (قلت: وكيف يأكلون الروث والعظم؟ قال:) أما الروث فيكون أخضر كما كان وأما العظم فينهشون منه (.
حدثنا عمر بن ابن عمرن حدثنا ربيع بن روح الحوطى، حدثنا بقية، حدثنى نمير بن يزيد القينى، حدثنا أبى، حدثنا قحافة بن ربيعة، حدثنى الزبير بن العوام رضى الله عنه، قال: صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة العشاء في مسجد المدينة، فلما انصرف قال:) أيكم يتبعنى إلى وفد الجن الليلة؟ (، فسكت القوم، فلم يتكلم أحد منهم، ثم قال لنا ذلك ثانيا، فلم يتكلم من القوم أحد، فمر بى يمشى، فأخذ بيدى، فجعلت أمشى معه، وما أحد مشى معه غيرى، حتى حبس عنا جبلا المدينة، وأفضينا إلى أرض براز، فإذا نحن برجال طوال كأنهم الرماح يستنفرون ثيابهم من بين أرجلهم، كلما رأيتهم غشيتنى رعدة حتى ما تمسكنى رجلاى من الفرق، فلما دنا منهم خط رسول الله ﷺ بإبهام رجله في الأرض دائرة، وقال لى:) اقعد في وسطها (، فلما جلست فيها ذهب عنى كل شئ كنت أجده من ريبة، وتقدم رسول الله ﷺ بينى وبينهم قريباً، ثم تلا عليهم قرآنا رقيقا حتى سطع الفجر، ثم انصرفوا فمر بى رسول الله ﷺ فقال:) الحق، فرجعنا نمشى غير بعيد، فقال لى: (التفت) ، وقد أسفرنا، فقال: (انظر هل ترى من هؤلاء القوم أحداً حيث كنا؟) ، قلت: يا رسول الله، إنى لأرى
стр. 21
حيث كنا سوادا. فخفض رسول الله ﷺ يده إلى الأرض، فأخذ عظما وروثة، فضم أحدهما إلى الآخر، ثم رمى بهما قبلهم، ثم قال ﷺ : (رشد أولئك ورشد قومهم) . قال الزبير رضى الله عنه: لا يحل لأحد سمع بهذا الحديث أن يستنجى بعظم ولا روثة بعده.
الاستنجاء بتراب قد استنجى به مرة سابقة
وأما قوله: (نهى أن يستنجى بتراب قد استنجى به مرة) .
لأنه لا يخلو أن يكون عليه عذرة يابسة، فلا يكون ذلك له طهورا. وإنما يتطهر بالتراب الطاهر الذى لم يستنج به. حدثنا صالح بن عبد الله، حدثنا الجراح بن مليح، عن إبراهيم بن مهاجر، عن إبراهيم النخعى، قال: لا تستنجوا بعظم، ولا رجيع، ولا بحجر قد استنجى به مرة.
стр. 22
مباشرة الرجل الرجل، والمرأة المرأة، دون ثوب بينهما
وأما قوله: (ونهى أن يباشر الرجل الرجل، والمرأة المرأة، لا ثوب بينهما) .
فهذا فعل يدعو إلى الفتنة والبلاء، فلا ينبغى للمسلم أن يتعرض لذلك، فإن النفس ذات شهوة، والشيطان مزين. ومن ها هنا استغنى الرجال بالرجال، والنساء بالنساء.
كشف ما يحدث في الجماع
وأما قوله: (ونهى أن يتحدث الرجل بما يخلو به مع أهله، وأن تتحدث المرأة بما تخلو به مع زوجها) .
فهذا فعل مستور، فيه حشمة وحياء؛ فإخفاؤه أستر، فإذا حدث به. ووصفه، فمثل ذلك كما قال رسول الله ﷺ : (كمثل شيطان لقي شيطانة، فأتاها على قارعة الطريق) ؛ لأن الحديث بذلك داع إلى الفتنة
стр. 23
والبلاء، فربما حدث بشيء يسير يسبى قلبه بذلك إلى امرأته وتسبى المرأة قلبها بذلك إلى زوجها.
قضاء الحاجة تحت شجرة مثمرة
وأما قوله: (ونهى أن يقضى الرجل حاجته تحت شجرة مثمرة) .
فمن أجل أن في ذلك فساداً؛ فربما سقط من تلك الشجرة ثمرة فوقعت في العذرة، فإذا كان عند جناه فما سقط من الجنى فهو فيه؛ ففي هذا ضرر.
قضاء الحاجة على ضفة نهر
وأما قوله: (ونهى أن يقضى الرجل حاجته على ضفة نهر) .
فهذا مثل الأول؛ ففي هذا ضرر على الناس؛ إذ لا يمكنهم الدنو من
стр. 24
الماء للوضوء والاستقاء منه؛ ففيه أذى وضرر على المسلمين.
قضاء الحاجة في الطريق العام
وأما قوله: (ونهى أن يقضى الرجل حاجته على طريق عام) .
فهذا مثل الأول. والطريق العامر: هو الذى يسلكه الناس. وإنما شرط العامر من أجل ضرر المسلمين والتأذى بذلك.
وقال: (من قضى حاجته في طريق عام، أو على ضفة نهر، أو تحت شجرة مثمرة، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين) .
فإنما استوجبوا اللعنة من الله لأذى المسلمين؛ فأنه قال: (من أذى مسلما فقد آذانى، ومن آذانى فقد أذى الله) .
стр. 25
الاستنجاء باليمين
وأما قوله: (نهى أن يستنجى الرجل بيمينه) .
فإن اليمين مختار الله من الأشياء، وبه يرجو أن يتناول صحيفته، وبه يأكل ويشرب ويأخذ ويعطى، وبه يصافح المسلمين، فلا يحق عليه أن يمتهنه للغائط؛ فأن في الشمال كفاية، وحقيق عليه أن ينزهه عن ذلك إقامة لحرمة ما فضله الله.
قطع النخلة المثمرة
وأما قوله: (نهى أن تقطع النخلة الحاملة) .
فمن أجل أن ذلك فساد؛ لأن النخلة إذا حملت فهي وإن صارت بسراً. فالذى يرطب منه ثلاث تمرات كل يوم أو كل أربع من كل شمروخ،
стр. 26
ولا يرطب الشمروخ كله في يوم واحد كالعنب، وإنما يجتنى منه في كل يوم شيئا قليلا من كل شمروخ، فإذا قطعها دفعة واحدة كان فيه فساد؛ لأن فيه رطباً، وفيه ما لم يبلغ أناه ولم يدرك.
وكانت النخلة معاشهم، وفي الطعام هناك عزة، وكأنه أحب أن يرفقوا بمعاشهم.
والنخلة عمة الآدميين. وروى عن رسول الله ﷺ أنه قال: (أكرموا عمتكم النخلة؛ فإنها من فضلة طينة آدم ﵇ .ألا ترى أنها تحتاج إلى اللقاح، فإذا قطعت وهى حامل كان فيه فساد؛ فشبه فسادها بفساد النفس، قتلت خطأ فصارت عليه غرامة دية لولى القتيل وكفارة عتق رقبة، فكأنه شبه الفساد بالفساد.
стр. 27
الحذف بالبندق
وأما قوله: (فنهى عن الحذف بالبندق) .
فإن ذلك كالمثلة؛ ألا ترى أنه يصير المرمى به موقوذا، وينكسر كله، ولا يكون كالذبيحة. وقال رسول الله ﷺ : (إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته) .والحذف بالبندق أمر وبيل بعيد من الإحسان، ويصير ميتة، وفيه فساد ومثلة.
стр. 28
اللعب بالحمام
وأما قوله: (ونهى عن اللعب بالحمام) .فإن ذلك خصلة من خصال قوم لوط، وهى فعل يصد عن ذكر الله وعن الصلاة. وإذا لعب به اصطاد حراما، وأضاع صلاته، ودعاه ذلك إلى الفتنة والإشراف على الجيران.
وروى في الخبر أن: (من لعب بالحمام افتقر) ؛ وكيف لا يفتقر وقد قسا قلبه؟! وروى عن رسول الله ﷺ أنه رأى رجلا يتبع حمامة فقال: (شيطان يتبع شيطانة) .
стр. 29
تسبيل الإزار
وأما قوله: (نهى عن تسبيل الإزار) .
فذاك من أجل الكبر والخيلاء؛ فإن من يسبل إزاره ويجره تعززاً وقلة مبالاة وتيها، وزهواً بنفسه، واحتقارا لعباد الله، وكبرا على خلق الله؛ فهذا عبد قد ضاد الله في ملكوته ونازعه في ردائه.
وروى عن رسول الله ﷺ أنه قال: (كان رجل مما كان قبلكم في الأمم الخالية يتبختر في مشيته في مجالسهم وطرقهم، فقال الله تعالى لملائكته: انظروا لعبدى كيف ينازعنى ردائى؟! يا أرض ابتلعيه، فابتلعته، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة) .
حدثنا أبى، عن صالح بن محمد، عن حفص بن سالم، عن ابن شهاب، عن الحسن، عن أبى هريرة، عن رسول الله ﷺ ، قال: وحدثنا إبراهيم بن هارون، حدثنا زكريا بن حازم الشيبانى، عن قتادة، عن أنس، عن رسول الله ﷺ أنه قال:) يقول الله: تعالى أربعة
стр. 30
لم أشرك فيهن أحد: الفخر، والعظمة، والكبر، والقدر سرى؛ فمن ينازعنى في واحد منهن كببته في جهنم (.
وعامة الأحاديث التى جاءت عن جر الإزار، إنما تدل على أن النهى مع الشرط، قال:) من جر الإزار خيلاء (؛ فدل هذا على أن النهى عن جر الإزار إذا كان خيلاء.
حدثنا قتيبة عن سعيد، حدثنا مالك بن أنس، عن نافع وزيد بن أسلم وعبد الله بن زبير، كلهم يخبر عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ قال:) لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جر ثوبه خيلاء (.
وحدثنا قتيبة، عن مالك، عن أبى الزناد، عن الأعرج، عن أبى هريرة، عن رسول الله ﷺ قال:) لا ينظر الله إلى من جر إزاره بطراً (.
فهذا الإسبال والجر للثوب إنما كره للمختال الفخور.
وروى عن ابن عباس رضى الله عنه أنه قال: كل ما شئت، والبس
стр. 31
ما شئت، ما أخطأتك خصلتان: سرف ومخيلة.
وقد كان في بدء الإسلام المختال يلبس الخز، ويجر الإزار ويسبله؛ فنهوا عن ذلك.
وقد كان فيهم من يلبس الخز ويسبل الإزار فلا يعاب عليه، منهم أبوبكر رضى الله عنه؛ حيث قال: يا رسول الله، إنى رجل قليل اللحم فإذا أبرزت سقط إزارى على قدمى وقد قلت ما قلت؟ قال: (لست منهم يا أبا بكر) . حدثنا بذلك أبى، حدثنا أحمد بن يونس، عن زهير، عن موسى بن عقبة، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ : (من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة) ؛ فقال أبوبكر رضى الله عنه: بأبى أنت يا رسول الله، إن أحد شقى إزارى يسترخى إلا أن أتعاهد ذلك منه؟ فقال رسول الله ﷺ : (لست ممن يصنعه خيلاء) .
حدثنا سفيان بن وكيع، حدثنا أبى، عن إسرائيل، عن حكيم بن جبير، عن خيثمة، قال: أدركت ثلاثة عشر من أصحاب رسول الله ﷺ يلبسون الخز.
حدثنا سفيان، عن أبيه، حدثنا محمد بن قيس، عن أبى عون، قال: كان بن الحسن والحسين رضى الله عنهما يلبسان الخز.
حدثنا إبراهيم بن يوسف، حدثنا يزيد بن زريع، عن عمرو بن أبى وهب، قال: سمعت بكر به عبد الله المزنى في المسجد البصرة يقول:
стр. 32
كان أصحاب رسول الله ﷺ الذين لا يلبسون لا يطعنون على الذين يلبسون.
حدثنا سفيان، حدثنا أبى، حدثنا عتبة بن عبد الرحمن، عن على بن زيد بن جدعان، عن سعيد بن المسيب.. في لبس الخز، قال: إذا صلح قلبك فالبس ما بدا لك.. فذكرت ذلك للحسن ﵀: إن من صلاح القلب ترك الخز.
حدثنا سفيان، حدثنا أبى، عن منصور، عن أبى وائل، قال: كان عبد الله يسبل إزاره، فقيل له؛ فقال: إنى رجل حمش الساقين. قال سفيان: يعنى رقيق الساقين.
فقد وضح لنا أن سبب النهى إنما هو الخيلاء، فإذا علم من قلبه أنه مختال فليجتنب وكان في بدء الأمر رفع الإزار إلى أنصاف الساق تجنبا للخيلاء والمراءاة، وكذلك تشمير القميص، فلم يزل الناس في تبديل من سوء ضمائرهم، حتى صار ذلك تصنعا ومراءاة؛ فكان من شمر الإزار والقميص ممقوتا لسوء مراده.
وروى عن أيوب السختيانى ﵀: أنه طول قميصه له الخياط في ذلك؛ فقال: السنة اليوم في هذا الزى، أو كلاهما هذا معناه.. كأنه ذهب إلى أنه إنما نهى عن طوله للخيلاء فشمروا. فاليوم صار التشمير مراءاة وتصنعا وتزيينا للخلق يختالون في الدنيا بالدين!!
стр. 33
وروى أن عمر بن عبد العزيز ﵀ كان قميصه وجبته تضرب شراك نعليه.
الاجتماع على الشراب
وأما قوله: (ونهى عن الجمع على الشراب) .
فلعله من أجل أن ذلك تشبه بأهل الفسق حين يجتمعون على الفسق يديرون الأقداح.
حدثنا أبى، حدثنا ثابت بن محمد الزاهد، حدثنا ابن شهاب، عن الأجلح، قال: قال على بن أبى طالب رضى الله عنه: شراب المؤمنين أن يشربوا على أثر طعامهم ما طاب لهم، وشراب المنافقين أن يضعوا الأقداح يديرونها بينهم يتشبهون بأهل الشرك.
стр. 34
نكاح المرأة على عمتها أو على خالتها
وأما قوله: (نهى أن تنكح المرأة على عمتها أو على خالتها) .
فهذا إذا فعله فقد جمع بين امرأة ومحرمها، وقد حرم الله تعالى في تنزيله الجمع بين المرأة وابنتها، والجمع بين الأختين؛ فإذا نكحها على عمتها فقد جمع القطيعة؛ لأنه ليس واحد منهما بمحرم للأخرى.
стр. 35
نكاح ابنتي العم
وأما قوله: (نهى عن نكاح ابنتى العم) .
من أجل القطيعة، فقد كشف عن وجه العلة؛ لأن الغيرة كائنة، فإذا جمع بين ابنتى العم كأن كان له عمان ولكل واحد منهما ابنة فليس واحد منهما محرم للأخرى. فهذا مطلق..ولكن إذا فعل جاءت الغيرة وجاءت قطيعة الرحم.
وهذا ليس نهى تحريم، إنما هو نظر للدين، ونصيحة لله في دينه؛ لأن النكاح للفعلة، فلا ينبغى أن يستعف من ناحية، ويخرب دينه من ناحية أخرى.
стр. 36
نكاح الشغار
وأما قوله: (نهى عن نكاح الشغار) .
وهو أن يقول: زوجنى ابنتك هذه على أن أزوجك ابنتى هذه.
فهذا لا يجوز لأن البضع لا يملك إلا المال، وقد جعل بضع كل واحدة منهما مهراً للأخرى. وقد جعل الله تعالى لرسوله ﷺ خاصة أن يملك بلا مهر؛ فقال: (وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبى إن أراد النبى أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين) . فالمؤمنون لا يملكون الأبضاع إلا بالمال، وإذا زوجه ابنته على أن يزوجه ابنته فقد صير بضعها مهرا للأخرى.
стр. 37
التزوج من ولائد أهل الكتاب
وأما قوله: (ونهى أن يتزوج ولائد أهل الكتاب) .
فإن الله تعالى شرط عند إطلاقه لعباده تزويج الإماء المؤمنات؛ فقال: (ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ماملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات) .
توارث أهل ملتين
وأما قوله: (نهى أن يتوارث أهل ملتين) .
فالأديان - أديان الضلالة - كلها ملة واحدة؛ لأن الأديان كلها كفر واحد، فلا يتوارث أهل ملتين.
стр. 38
وقد جاء عن أسامة بن زيد، عن رسول الله ﷺ .. أنه قال: (لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم) .
حدثنا سعيد بن عبد الرحمن المخزومى وعبد الجبار بن العلاء، قالا: حدثنا سفيان، قال: سمعناه من الزهرى يقول: سمعت على بن الحسين، عن عمرو بن عثمان، عن رسول الله ﷺ .
وهذا من أجل أن الميراث إنما يرثه باتصال الرحم، والكافر لا وصلة له؛ لأنه منقطع عن الله، ومن انقطع عن الله لم يتصل رحمه بشيء؛ لأن الرحم بدت وشق لها اسما من اسمه. فهذا المسلم إنما يستحق مال الميت باتصاله بميته، وإنما اتصل بميته لاتصاله برحمه، وإنما اتصل برحمه لا تصاله بالرحمن الذى بدت منه. فإذا انقطع عن الله فمتى يتصل؟! وروى عن رسول الله ﷺ أنه قال: (خلق الله تعالى الرحم فقامت فأخذت بحقوى الرحمن، فقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة، فقال: مه، أنا الرحمن، وأنت الرحم، خلقتك بيدى، وشققت لك اسما من اسمى، وقربت مكانك منى؛ ألا ترضين أن أصل من وصلك، وأن أقطع من قطعك؟) . حدثنا ببعض ذلك قتيبة بن سعيد، حدثنا حاتم
стр. 39
ابن إسماعيل المدنى، عن معاوية بن أبى المزرد مولى بنى هاشم، حدثنى عمى أبو الحباب سعيد بن يسار، عن أبى هريرة، عن رسول الله ﷺ . وحدثنا ببعضه الفضل بن محمد، حدثنا عمران بن بكار الحمصى، حدثنا على بن عياش، حدثنا محمد بن زياد، عن ميمون بن مهران، عن ابن عباس، عن رسول الله ﷺ ، قال: قال الله تعالى للرحم (خلقتك بيدى، وشققت لك اسما من اسمى، وقربت مكانك منى؛ وعزتى وجلالى لأصلن من وصلك، ولأقطعن من قطعك؛ ثم لا أرضى حتى ترضين) .
قال أبو عبد الله ﵀: فهذه نفوس متباية، فإنما تتصل بالأرحام المتصلة لا بالأرحام المنقطعة: (وَمَن يُشرِك بِاللهِ فَكَأَنّما خَرَ مِن السَماءِ فَتَخطَفُهُ الطَيرُ أَو تَهوى بِهِ الرِيحُ في مَكانٍ سَحِيق) . فكيف يقرنه بالميت المسلم حتى يستحق بقرباه شيء وقد قال الله تعالى: (فَبُعداً لِقَومٍ لاََ يُؤمِنون) . وقد قيل: إن أهل الملل قد تباينوا بمللهم، فلا يرث اليهودى النصرانى، ولا النصرانى المجوسى. فصير أهل كل دين ملة، واحتج بقوله: (لا يتوارث أهل ملتين) . فإذا تشتت مللهم لم يتوارثوا.
ولم يأخذ بهذا القول علماؤنا من أهل الكوفة، ورأوا أن الكفر كله ملة
стр. 40
واحدة.. يحقق قولهم هذه الآية (إِنَّ الَّذَينَ آَمَنوا وَالَّذَينَ هَادُوا وَالصَابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالمَجُوس وَالَّذَينَ أَشرَكوا إِنَّ الله يَفصِلُ بَينَهُم يَومَ القِيامَة) . ثم قال: (هذان خصمان اختصموا في ربهم، فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار) .وذكر الذين آمنوا، فصير الكفر والإسلام ملة، حتى صيرهم خصمين في ربهم.
الرقية
وأما قوله: (ونهى عن الرقية) .
فهذا عندنا الحيات والجنون. وتلك أخذوها من الهند؛ فخاف أن يمازحه الشرك.
وروى عن رسول الله ﷺ أنه قال: (أقرب الرقى إلى الشك رقية الحية والمجانين) .
فأما الرقى التى يرقيها الراقى بالقرآن والعزائم يستشفى، فلا بأس به؛ لأن هذا تبرك وتفاؤل.
وقد روى عن رسول الله ﷺ في شأن عمرو بن جرير، حدثنا قتيبة
следующие страницы →