Полный текст (233 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
نكاح الشغار
وأما قوله: (نهى عن نكاح الشغار) .
وهو أن يقول: زوجنى ابنتك هذه على أن أزوجك ابنتى هذه.
فهذا لا يجوز لأن البضع لا يملك إلا المال، وقد جعل بضع كل واحدة منهما مهراً للأخرى. وقد جعل الله تعالى لرسوله ﷺ خاصة أن يملك بلا مهر؛ فقال: (وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبى إن أراد النبى أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين) . فالمؤمنون لا يملكون الأبضاع إلا بالمال، وإذا زوجه ابنته على أن يزوجه ابنته فقد صير بضعها مهرا للأخرى.
стр. 37
التزوج من ولائد أهل الكتاب
وأما قوله: (ونهى أن يتزوج ولائد أهل الكتاب) .
فإن الله تعالى شرط عند إطلاقه لعباده تزويج الإماء المؤمنات؛ فقال: (ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ماملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات) .
توارث أهل ملتين
وأما قوله: (نهى أن يتوارث أهل ملتين) .
فالأديان - أديان الضلالة - كلها ملة واحدة؛ لأن الأديان كلها كفر واحد، فلا يتوارث أهل ملتين.
стр. 38
وقد جاء عن أسامة بن زيد، عن رسول الله ﷺ .. أنه قال: (لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم) .
حدثنا سعيد بن عبد الرحمن المخزومى وعبد الجبار بن العلاء، قالا: حدثنا سفيان، قال: سمعناه من الزهرى يقول: سمعت على بن الحسين، عن عمرو بن عثمان، عن رسول الله ﷺ .
وهذا من أجل أن الميراث إنما يرثه باتصال الرحم، والكافر لا وصلة له؛ لأنه منقطع عن الله، ومن انقطع عن الله لم يتصل رحمه بشيء؛ لأن الرحم بدت وشق لها اسما من اسمه. فهذا المسلم إنما يستحق مال الميت باتصاله بميته، وإنما اتصل بميته لاتصاله برحمه، وإنما اتصل برحمه لا تصاله بالرحمن الذى بدت منه. فإذا انقطع عن الله فمتى يتصل؟! وروى عن رسول الله ﷺ أنه قال: (خلق الله تعالى الرحم فقامت فأخذت بحقوى الرحمن، فقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة، فقال: مه، أنا الرحمن، وأنت الرحم، خلقتك بيدى، وشققت لك اسما من اسمى، وقربت مكانك منى؛ ألا ترضين أن أصل من وصلك، وأن أقطع من قطعك؟) . حدثنا ببعض ذلك قتيبة بن سعيد، حدثنا حاتم
стр. 39
ابن إسماعيل المدنى، عن معاوية بن أبى المزرد مولى بنى هاشم، حدثنى عمى أبو الحباب سعيد بن يسار، عن أبى هريرة، عن رسول الله ﷺ . وحدثنا ببعضه الفضل بن محمد، حدثنا عمران بن بكار الحمصى، حدثنا على بن عياش، حدثنا محمد بن زياد، عن ميمون بن مهران، عن ابن عباس، عن رسول الله ﷺ ، قال: قال الله تعالى للرحم (خلقتك بيدى، وشققت لك اسما من اسمى، وقربت مكانك منى؛ وعزتى وجلالى لأصلن من وصلك، ولأقطعن من قطعك؛ ثم لا أرضى حتى ترضين) .
قال أبو عبد الله ﵀: فهذه نفوس متباية، فإنما تتصل بالأرحام المتصلة لا بالأرحام المنقطعة: (وَمَن يُشرِك بِاللهِ فَكَأَنّما خَرَ مِن السَماءِ فَتَخطَفُهُ الطَيرُ أَو تَهوى بِهِ الرِيحُ في مَكانٍ سَحِيق) . فكيف يقرنه بالميت المسلم حتى يستحق بقرباه شيء وقد قال الله تعالى: (فَبُعداً لِقَومٍ لاََ يُؤمِنون) . وقد قيل: إن أهل الملل قد تباينوا بمللهم، فلا يرث اليهودى النصرانى، ولا النصرانى المجوسى. فصير أهل كل دين ملة، واحتج بقوله: (لا يتوارث أهل ملتين) . فإذا تشتت مللهم لم يتوارثوا.
ولم يأخذ بهذا القول علماؤنا من أهل الكوفة، ورأوا أن الكفر كله ملة
стр. 40
واحدة.. يحقق قولهم هذه الآية (إِنَّ الَّذَينَ آَمَنوا وَالَّذَينَ هَادُوا وَالصَابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالمَجُوس وَالَّذَينَ أَشرَكوا إِنَّ الله يَفصِلُ بَينَهُم يَومَ القِيامَة) . ثم قال: (هذان خصمان اختصموا في ربهم، فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار) .وذكر الذين آمنوا، فصير الكفر والإسلام ملة، حتى صيرهم خصمين في ربهم.
الرقية
وأما قوله: (ونهى عن الرقية) .
فهذا عندنا الحيات والجنون. وتلك أخذوها من الهند؛ فخاف أن يمازحه الشرك.
وروى عن رسول الله ﷺ أنه قال: (أقرب الرقى إلى الشك رقية الحية والمجانين) .
فأما الرقى التى يرقيها الراقى بالقرآن والعزائم يستشفى، فلا بأس به؛ لأن هذا تبرك وتفاؤل.
وقد روى عن رسول الله ﷺ في شأن عمرو بن جرير، حدثنا قتيبة
стр. 41
ابن سعيد، حدثنا ابن لهية، عن أبى الزبير، عن جابر: أن عمرو بن جرير رضى الله عنه دعى لامرأة بالمدينة لدغتها حية ليرقيها، فأبى، فأخبر به رسول الله ﷺ ، فدعاه، فقال عمرو: إنك لتزجر عن الرقى؛ فقال: (اقرأها) ، فقرأها عليه، فقال: (لا بأس به، إنما هى مواثيق فارق بها) .
وحدثنا ابن أخى يحيى بن عيسى الرملى، أخبرنى عمى، عن الأعمش، عن أبى سفيان، عن جابر، قال: كان لى خال يرقى من العقرب، فنهى رسول الله ﷺ عن الرقية، فأتاه خالى، فقال: يا رسول الله، إنك نهيت عن الرقى، ونحن نرقى من العقرب! فقال ﵇: (اعرضوها على) ، فقال: (إنما هذه مواثيق لا بأس بها، من استطاع أن ينفع أخاه فليفعل) .
وحدثنا إبراهيم بن يوسف الصيرفى، حدثنا أبوبكر بن عياش، عن مغيرة، عن إبراهيم، عن الأسود، قال: قلت لعائشة رضى الله عنها: إنا نزلنا وادياً، فقتل صاحب لنا حية، فصرع لحينه، فرقيته بكلمات بالحميرية فقالت: أى شيء هي؟ قلت: (شجه. قرنيه. ملحة. بحرا. فقطا) قال: فقالت: ما بها بأس.
وروى عن أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه أنه قال: مررت بحى، فإذا سيد القوم بينهم، فرقيته بفاتحة الكتاب فبرأ، فأعطونى مائة شاة؛ فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ ، فقال: (من أين علمت أنها رقية؟) ، قلت:
стр. 42
ألقى في نفسى؛ فقال: (لقد كان يؤخذ برقية باطل، لقد رقيت برقية حق؛ خذها واضربوا لى معكم بسهم) .
قال: فقد كشف سبب النهى، وأطلق الذى لا يشوبه شيء من مهجور الكلام.
قال: وحدثنا عقبة بن قبيصة، حدثنا أبى، عن منصور، عن المنهال، حدثنا سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: كان رسول الله ﷺ يعوذ الحسن والحسين يقول: (أعيذكما بكلمات الله التامات من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامة) ، ثم يقول: (هكذا كان أبى يعوذ إسماعيل وإسحاق) .
стр. 43
تعليق التمائم
وأما قوله: (ونهى عن تعليق التمائم) .
وهو أن يعلق خرزة كى لا تصيبه الآفة، وخرزة كى يذهب الجنى. وأن العبد إذا اتكل على شيء وكله الله إليه وخذله وأعطاه مناه حيث قصد له استدراجا.
فقد كره العلماء كل شيء يعقد، مثل الوتر والأعواد التى تقطع فيمسكه الإنسان للفروج، والحديد الفولاذ الذى يجعله في العضد كيلا تصيبه آفة الجن. فهذا وأشباهه غواية الشيطان؛ ومن أجل هذا كره العلماء كثيرا من التعويذات والعزائم. وإنما كرهوا من جهتين: إحداهما: هذه، والثانى: أن فيه اسم الله تعالى ويخالط به الخلاء.
وروى عن رسول الله ﷺ أنه قال: (من تعلق شيئا وكل إليه) .
وروى عن ابن مسعود رضى الله عنه: أنه رأى في عنق ولده شيئا من ذلك، فقال: أن آل محمد ابن أم عبد لأغنياء عن الشرك.
وذكر عن بعض أصحاب رسول الله ﷺ : أنه رأى على رجل
стр. 44
حديدة، فقال: (ما هذه؟) ، قال: من الواهنة. قال: (فأنها لا تزيدك إلا وهناً) . وقد ذكر الله في تنزيله فقال: (وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن) .. قال الله تعالى: (فزادهم رهقا) ..
وذلك أن أهل الجاهلية كانوا إذا نزلوا وادياً قال أحدهم: أعوذ بسيد هذا الوادى أن يضرنى أحد من الجن في هذا الوادى! فلم يزدادوا بها إلا رهقا.
فهذا كله من التمائم، كأنه اشتق هذا الاسم من أن هذه الأشياء تكلفها العباد لتتم به الأمر من دوام العافية ودفع البلاء، ولا تتم إلا بها، فسموها تميمة؛ ألا ترى أن عائشة رضى الله عنها قالت: ليس من التمائم ما علق بعد نزول البلاء. حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا ابن لهية، عن بكير بن عبد الله ابن الأج، عن القاسم بن محمد، عن عائشة رضى الله عنها قالت: ليس من التمائم ما علق بعد نزول البلاء. كأنها ذهبت إلى أن هذا بعد نزول البلاء استشفاء وتبرك وتفاؤل. فإذا عقد الحمى بالوتر، فإنما يعقد بما يقرأ من القرآن؛ وإنما يستشفى بأسماء الله وبالقرآن، والعقد منه تفاؤل، والفأل من حسن الظن بالله عزوجل.
стр. 45
حدثنا أبو عمار الحسن بن حريث الخزاعى، حدثنا أوس بن عبد الله بن بريدة، عن أبيه، عن جده، قال: كان رسول الله ﷺ يتفاءل ولا يتطير.
وإن العبد إذا أحسن الظن بالله في الأمور، وأمله، ورجاءه، وفي له الكريم بذلك. فعقد الحمى، وما أشبه ذلك، هو من طريق التفاؤل، فإذا فعله على هذا السبيل وفى له بحسن ظنه.
إتيان العراف وتصديقه
وأما قوله: (ونهى أن يؤتى العراف يسأله ويصدقه؛ وقال: من صدقه فقد برئ مما أنزل الله على محمد ﷺ ..
فذلك لأن العراف يعرفه من علم الغيب - ما لم يعرف - رجما، وإنما قاله من تلقاء نفسه، والعراف والكاهن يتلقون الأخبار عن الشياطين؛ وذلك أن الشياطين تسترق السمع من السماء مما تتحدث به الملائكة من قضاء يقضيه ربنا ﵎، فإذا استرق الشيطان من ذلك شيئا ألقاه إلى الكاهن فيتخذ ذلك أصلا وبينى عليه الأكاذيب؛ فيروج عنه ذلك بذلك الواحد الذى يصدق فيه ويظهر صدقه.
стр. 46
والعرافة، والكهانة، والعيافة؛ كلها قريب بعضها من بعض. والعيافة: زجر الطير، وهو الذى يخبر عن أصواتهم بالأمور، وإنما من الله تعالى بذلك على رجل من ولد آدم فيما نعلمه وهو سليمان صلوات الله عليه فقال: (يَا أَيُها النَّاسُ عُلِمنا مَنطِقَ الطَير) . وأما هؤلاء الذين يدعون هذا فادعاؤهم باطل.
الرنة
وأما قوله: (ونهى عن الرنة) .
فإن أول من رن إبليس. ويقال: إنه رن ثلاث رنات: عند خروجه من ملكوت السماء وحلول اللعنة به، ورنة عند بعث محمد ﷺ ، ورنة ثالثة حين نزلت فاتحة الكتاب.
والرنين صرخة أصلها من السخطة؛ فلذلك عظم شأنها، فمن فعلها عند المصائب كأنه إذا فعلها أبدى ما يدل على أنه سخط على الله، والسخط على الله من النفاق.
стр. 47
النياحة
وأما قوله: (ونهى عن النياحة) .
فإن النوح من فعل النادمين على الذنوب، وهو (ستيون) بالأعجمية. وأما أهل المصائب فهذا منهم محال؛ لأنه من السخطة. وأهل الذنوب ينوحون ندما على ما فرط منهم من الجفاء وأسفا على ما فاتهم من المركز الذى أحلوا به؛ فإن لكل مؤمن مركزا بين يدى الله، وهو حزب الله؛ فإذا أذنب، فقد زال عن المركز، وخرج من الستر، فتفرد عن المأمن. فهو ينوح على ذلك. فهذا نوح التوبة فإن النوح ظاهر فعله، والحنين باطن فعله، حن إلى المركز فناح عليه؛ لأنه وإن تاب؛ فإنه لا يقدر على رد تلك الساعات التى مضت في وقت المعصية، وقد زال عن المركز؛ ألا ترى إلى قوله عزوجل: (فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه) .
فمراكز الموحدين بين يدى الله نصب عينه، وعين الله عليهم؛ فإذا زال عن المقام، وتداركه الله تعالى بأن تاب عليه، ناح على تلك الساعات التى مضت ومركزه خال عن العبودية غائب عن حزب الله.
стр. 48
وكذلك شأن الملائكة.. ألا ترى إلى قول الله تعالى: (وَما مِنَّا إِلا لَهُ مَقامٌ مَعلُوم) . فهذا المقام ليس مقاما لأجسامهم، إنما هى مقام أعمالهم.
وكذلك مراكز الموحدين إنما هى مراكز أعمالهم بين يدى الله تعالى. ثم لقلوبهم مقاوم. وقد تتفاوت المراكز بألف ألف درجة، وأكثر من ذلك مما لا يحصيه العدو تفاوتا. وإنما قيل للملائكة مقاوم، وللموحدين مراكز؛ لأن الموحدين هم أهل حرب يجاهدون الشيطان في ذات الله ويجاهدون نفوسهم، فلهم في جهادهم ألوية وروايات قد ركزوها بين يدى الله في محل عظيم في الملكوت، إليها ترفع أعمال العباد، ثم يبعث بها إلى الخزائن، ومنها ما لا يبعث، ولكن يختالها وجه رب العالمين فيضعه عنده لنظرته إليها إلى يوم البعث لحبه إياهم. ومقاوم أعمالهم معلومة من وراء ذلك، كل على درجته.
فهذا النائح إنما ينوح على فوت ما لا يقدر على رده، فإذا استعمل أهل المصائب ذلك الفعل فهو محال وسمج، كأنهم يريدون رد الموت وحياة هذا الذى دعاه الله لوقته فأجابه.
وأما البكاء فزينة وحلية، فإذا كان البكاء لله تعالى، تهبطها رحمة ورأفة، قد عملت فيه، به الخوف بحرارة الرأفة وسالت
стр. 49
إلى الرأس، فأسبل دمعة من غير تكلف يرحم بها من نزل به الموت الفظيع شأنه، وخاب مقدمه على الله؛ فهو ينظر بعين بصيرة إلى عظيم شأن الموت الذى حل به، وإلى هول المقدم، وإلى فراق المحبوب؛ فتعمل فيه الرآفة فتدمع لذلك عينه، ويحزن به قلبه، فهذا محمود وبذلك يزين أهل المصائب أن يعظموا ما عظم الله، وأن يحزنوا لما أحزنهم، وأن يتوجعوا لفراقه.
وقد رويت الأخبار في شأن أحوال السلف الماضين في شأن المصيبة، فاختلفت أحوالهم على تباين الطبيعة والنفوس العزيزة، فمنهم من بكا ورق، ومنهم من تجلد فلبس وتهيأ وتزين وتبسم، ومنهم من استكان، ومنهم من أظهر السرور واتخذ الطعام وجمع الإخوان.
فأعلاهم في هذا الباب من أقر الأمور مقرها، ووضعها بالمحل الذى وضعها الله؛ فهذا فعل الأنبياء والأولياء، ولفضل النفس والمعرفة قروا على ذلك.
والآخرون خافوا من لخيانة النفوس ففزعوا إلى التسليم وتدافع الإخوان في إظهار الرضا بحكم الله، والتشاغل عن المصيبة كى يستكملوا ثواب الصابرين. فهؤلاء ضعفاء من الضعف عملوا وردوا الدمعة، وتناسوا، وخالطوا الناس، وتشاغلوا، ولهوا عن المصيبة؛ خوفا من التقصير في شأن الصبر.. حتى وجد الشيطان سبيلا في هذا أيضا، فدعاهم في زماننا هذا إلى خدعة عظيمة ليجتمعوا على السرور، واتخاذ طعام كطعام الولائم، وانبساط وتفارح؛ يريدون بذلك إقامة الصبر في الظاهر، فإذا ظاهرهم خلاف فعل الرسل والأنبياء.
стр. 50
وسمج هذا في رأى العين أن يكون لملك الموت ولرسل رب العالمين أثر في بيت، وسلطان يزعزع الأرواح من النفوس، وتصير النفوس جيفة ملقاة تنتقل إلى بيت البلى؛ ثم يكون هنالك شبه العزف، والقصف، واللغط، والضوضاء، والفرح، وقلة المبالاة، يزعمون أن هذا يوم شكر؛ إذ أنه خرج من الدنيا، فتخلص من آفاتها، وختم له بالإسلام.
فهذا كله تحسن بالقول، وتفارح بالجهد، والنفس ممتلئة من الوجد. وإقامة الصبر في ظاهر الأمر يسير في جنب باطنه؛ فهو يظهر السرور وفي النفس من وجع الفراق جزع وتلهف. فهذا خراب الباطن. وإنما الصبر الوافر أن تكون بقلبك راضيا عن الله، ونفسك طيبة مع الله فيما حكم، قد حبب إليك حبه حكمه، وطابت نفسك بالمصيبة.
فهذا الصبر الوافر؛ لأن لحبه حلاوة ولفراق هذا النفس التى حل بها الموت مرارة. فالمرارة في النفس، والحلاوة في القلب. فكلما ثارت حرقة من موضع الرأفة عملت في شأن الدمعة حتى يجرى الماء. فكلما ثارت مرارة من النفس من أجل الفراق تلقته حلاوة محبة الله في الصبر فأبطلته؛ لأنهما اجتمعا في الصدر، فتلاشت المرارة، وثبتت الحلاوة؛ لغلبه المحبة وسلطانهما. فإذا لم يكن هذا فما يغنى هذا السرور الظاهر.
واتخاذ العرس أخاف أن يصير هذا تصنعا ورياء؛ لأنه يكفيه حفظ الجوارح أن يعصى الله بجارحة من أجل تلك المصيبة؛ فهذا صبر الظاهر.
وإن فر من التقصير والاستكانة، فتبسم، ولبس من صالح ثيابه، كما فعل مطرف في وفاة أبيه؛ فهذا أيضا حسن، وهو دون الأول.
стр. 51
فأما رجل حلت به مصيبة فاجعة محرقة، شأنها عظيم في الملكوت، فيذهب فيتخذ عرساً، ويجتمع في بيته لغط وضوضاء، فهذا سمج، وقد جاوز القصد، وتكلف جهلا. فأن أراد به الله فهو جهل عندنا، وإن أراد به التصنع فممقوت.
وفعل الأقوياء أن يضع كل شيء موضعه: السرور في موضعه، الحزن في موضعه. ويتقرب إلى الله بذلك الحزن، كما يتقرب بالسرور؛ لأن ذلك كله لله وبالله. ولو أن رجلا شكر في موضع الصبر لكان لشكره موضع هناك، ولو قال عند الذنب: (الحمد لله) لكان لقوله هناك موضع. ولكن الحمد في موضع النعمة، والاستغفار في موضع الذنب، والشكر في موضع النعمة، والصبر في موضع الشدة، فإذا حولته وجدت لكل منه متسعا في الأخر؛ ولكن هذا نفص في التدبير، ونكس للأمور. وروى أن عمر بن الخطاب مر بعثمان رضى الله عنهما وهو قاعد، فبدأه عثمان بالسلام، فقال عمر رضى الله عنه: يا أبا محمد، ولم تنكس السنة؟! ففي هذا القدر عتب عليه عمر رضى الله عنه؛ السلام من المار على الجالس؛ لأنه هو الوالج عليه. والسلام أمان من العباد، فإنما ينبغى الأمان من الوارد. فإذا أزلته عن موضعه انتقض. فوجدنا فعل الرسول ﷺ ، وهو سيد ولد آدم ﵇، عند المصائب، إظهار تعظيم أمر وإجلاله، ويبكى ويحزن. ولما توفى الله ابنه
стр. 52
إبراهيم بكى، ثم قال: (إنما هذه رحمة، ومن لا يرحم لا يرحم، القلب يحزن، والعين تدمع، ولا نقول ما يسخط الرب يا إبراهيم. لولا أنه سبيل مأتى، ووعد حق، لحزنا عليك أشد من هذا. ولو عاش إبراهيم بعدى لكان صديقا نبياً) . ثم قال لأصحابه: (إنما نهيتكم عن صوتين أحمقين فاجرين: صوت رنة عند مصيبة، وصوت مزمار عند نعمة) . فهذه الرنة صرخة من موضع السخط خرجت، وهذا المزمار ملاهى الشيطان، صوته جاء بها فمازج هذا المزمار، وجاء بها فصوت في الأوثان، حتى سبى قلوب عبدة الأوثان. ولهذا غور بعيد، وقد وصفناه في كتاب " الأولياء ".
وقالت عائشة رضى الله عنها في شأن وفاة سعد بن معاذ: كان رسول ﷺ إذا اشتد به الحزن أخذ بلحيته.
ووجدنا ذكر يعقوب ﷺ في التنزيل أنه حزن على يوسف ﵇، فلم يذمه الله تعالى على ذلك مع ما أدى الحزن من نفسه؛ وذلك أنه قال عندما استحكمت أمور البلاء عليه، وحبس الولد الآخر بسبب ما ادعى عليه من السرقة: (وَتَولَى عَنهُم وَقالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُف) .
ويا كلمة دعاء ونداء الأسف للهبان الحريق؛ وذلك أن الحزن أصله من الرأفة، والرأفة لها حريق، ومعدنها في الطحال.. كذلك روى عن على بن أبى طالب رضى الله عنه، حدثنا بذلك العباس بن عبد العظيم العنبرى، حدثنا
стр. 53
موسى بن مسعود، عن محمد بن مسلم، عن عمرو بن دينار، عن الزهرى، عن عياض بن خليفة، عن على رضى الله عنه، قال: (الرحمة في الكبد، والرأفة في الطحال) .
حدثنا أبى، حدثنا إسماعيل بن صبيح اليشكرى، حدثنا صلاح بن وقاد الأنصارى، عن سعد بن طريف، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن داود ﵇ قال لابنه: يا بنى، أين موضع الرأفة منك؟ وأين موضع الرحمة؟ قال: موضع الرأفة الطحال، وأما موضع الرحمة فالكبد.
فهذه الرأفة إذا هاجت فلها لهبان، وإذا طار اللهب إلى الصدر اخترق ظاهر القلب ووجهه، فصار كاللسان المخترق بالشيء الحار، فصارت على القلوب كحزونة الأرض، واشتقاق الحزن من ذلك؛ فكان يعقوب ﵇ حين قال: (يا أسفى) دعا الأصل الذى من معدن الرأفة، فقال: (يا أسفى) .. إنما هو ذلك اللهبان الذى كان يلتهب من الرأفة لفراق يوسف ﵇ لطول الغيبة، ولم يكن قد وجد خبر موته فيحتسبه عند الله، فيطمئن إلى وصوله إلى الله.
وأنبياء الله أكثر الخلق رأفة، وأوفرهم حظا منها، وأرحم البرية؛ فكانت الرأفة تلتهب فيه، فلما بلغ التلهب والتلظى مبالغة دعاة كالمستروح إليه وقال: (يَا أَسفَى عَلَى يُوسُف) . والأسف مما يدل على الشدة من الحزن والغضب جميعا؛ لأن الغضب له حريق.. ألا ترى إلى قوله تعالى: (فَلَمّا
стр. 54
آَسَفُونَا اِنتَقَمنا مِنهُم (، يخبر أنه: لما اشتد غضبى عليهم تلهب فطار اللهب فحلت النقمة بفرعون وقومه.
فإنما نادى يوسف ﵇ ذلك الأسف عند اشتداد حريق الرأفة.. ألا ترى أنه لما نادى الأسف نداء الندبة بهذه الياء - حكى الله عند ندائه:) وَابيَضَت عَيناهُ مِنَ الحُزنِ فَهُو كَظيم (. وذلك أنه لما هاج اللهب منه لم يقل منه:) يا يوسفاه (؛ لأنه وجد يوسف ﵇ مرتهنا بحكم الله بشيء قد سلف من يعقوب ﵇ مستورا عن الخلق، ثم صار ظاهرا.. حدثنا عبد الله بن أبى زياد، حدثنا عبد الله بن أبى سميط ابن عجلان، قال: سمعت أبى يقول: بلغنا أن يعقوب ﵇ قال له ربه: أتشكونى؟! فوعزتى لا أكشف ما بك حتى تدعونى. فقال عند ذلك:) إِنّما أَشكُو بَثَى وَحُزنِى إِلَى الله (، فقال له جبريل ﵇: الله أعلم بما تشكو يا يعقوب. وإنما قال ذلك من قبل لما قيل له: ما الذى أذهب بصرك؟ قال: حزنى على يوسف، فقيل: فما الذى قوس ظهرك؟ قال: حزنى على أخيه. فأوحى الله تعالى إليه: أتشكونى؟! فوعزتى لا أكشف ما بك حتى تدعونى. فقال عند ذلك:) إِنّما أَشكو بَثَى وَحُزنِى إِلى الله) ؛ فأوحى الله إليه: وعزتى لو كانا ميتين لأحييتهما لك حتى تنظر إليهما، وإنما وجدت عليكم أنكم ذبحتم شاة، فقام عليكم مسكين، فلم تطعموه منها شيئاً، فأن أحب خلقى الأنبياء، ثم المساكين، فاصنع طعاما
стр. 55
وادع عملة المساكين. فصنع طعاما، ثم قال: من كان صائما فليفطر الليلة عند آل يعقوب. وقوله: (عملة المساكين) أى صوامهم وعبادهم. وكانت مساكين بنى إسرائيل بهذه الصفة لمسكنة العباد، وسائرهم فقراء.
فهذا فعل كان قد بدر من يعقوب ﵇، وهو لا يستغربه؛ فجعله الله لبلائه، وجعل البلاء سببا لاستخراج صبره، وامتحان قلبه.
وإن ربنا كريم إذا أراد أن يبتلى عبده لاستخراج ما في ضميره وإبرازه لأهل سمائه وأرضه استحيا أن يبتليه من غير علة أو سبب؛ فيكون ذلك كالارتجاع في العطية.. ألا ترى إلى قوله: (وَما بِكُم مِن نِعمَةٍ فَمِنَ الله) ، ثم قال: (ذَلِكَ بِأَنّ الله لَم يَكُ مُغِيراً نِعمَةً أَنعَمَها عَلَى قَومٍ حَتى يُغيرُوا ما بِأَنفُسِهِم) . وإذا أراد الله أن يبتلى عبدا ليبرز صبره الجميل الذى تولى وصفه بنفسه منه من الله تعالى أعطاه من العافية والرجاء والنعمة، فجعل على مقدمة البلاء سببا كالعلة، مثل ما فعل يعقوب ﵇، وكذلك روى في قصة أيوب ﵇؛ ليظهر صبره وشرفه على الخلق، وتكون الخلق به مقتدين، قال: وبلغنا أنه كان على مقدمة البلاء أنه كان عند فرعون يوم دخل عليه موسى ﵇، وكان أيوب ﵇ عن نصرته، وكانت منه كلمة أو كلمتان كالمدارى، فكان هذا موجده في الستر على أيوب، فجعله سببا لبلائه؛ فابتلاه وجعل البلاء سببا لإبراز صبره، والثناء عليه، والاحتجاج بفعله على الخلق.
стр. 56
وكذلك في شأن إبراهيم ﵇؛ حيث كسر الأصنام، ثم قيل له: أأنت فعلت هذا بآلهنتا يا إبراهيم؟ قال: بل فعله كبيرهم هذا. فابتلى بالحريق، ثم جعلها عليه بردا وسلاما، وأبرز صبره وبذل نفسه لله في العالمين. وقال في شأن خروجه إلى الصيد: إنى سقيم. فابتلى بذبح ابنه، ثم خلصه وفداه بذبح عظيم، وقال في شأن سارة حيث مر بها على الملك فقال: هى أختى. فابتلى بفراق إسماعيل وهاجر.
وكذلك في شأن موسى ﵇، ومثل هذا كثير. فوجد يعقوب يوسف ﵉ مر تهنا بما سلف متعلقا بحكم الله بحق الله، فلم يستجر أن يناديه نداء النادبين، وهاج منه الشوق إليه والحنين من النفس لحبه إياه، ومعاذ الله أن يتوهم على يعقوب ﵇ أن حبه كان مذموما شهوانيا، وإنما أحبه من بين ولده لحب الله فيه.. أفليس قد ظهرت الحبية فبرز على جميع إخوته: علماً، وحلماً، وكرماً، وصحفاً، وبراً، وتقوى، وعبودية، وبذلاً، وسخاء، وجمالا في معالى الأخلاق.
وكذلك وجدنا فاطمة رضى الله عنها، فحب رسول الله ﷺ لها لحبية الله فيها من بين ولده.
وكذلك نجد أولاد الأنبياء لهم تفاوت ولهم أثرة، فإذا تلك الأثرة ليست من الآباء من قبل نفوسهم الميالة بالهوى والشهوة، وإنما ذلك بقلوب طاهرة، وأفئدة زكية، وصدور عالمة بتلك الأشياء؛ فتميل قلوبهم إلى بعض أولادهم دون بعض من أجل حظ لهذا الولد عند الله ما ليس لغيره..
стр. 57
ألا ترى أن رسول الله ﷺ حينما ذكر أولاد خديجة رضى الله عنها، فقالت: يا رسول الله، أين أطفالى منك؟ قال:: (في الجنة) . فهل ذكر غير هذا شيئاً؟ وقال ﵇ عند ذكر إبراهيم ﵇: (لو عاش إبراهيم بعدى لكان صديقاً نبياً) ، يعلمك بأنه محظوظ عند الله تعالى حظ الصديقين، وحظ النبيين، ولم يرزقه من الأجل في الدنيا ما يظهر عليه الصديقية والنبوة قلباً وجوارح. وحظه هناك في الآخرة قائم حظ صديق نبى، ولو عاش لظهر عليه هذا.
فلما استحكم البلاء على يعقوب ﵇، وطال الأمر، وعملت الرأفة، وغلبت مرافق الشوق، وتلهبت الرأفة؛ فلم يستجز أن يناديه وهو متعلق بحق الله الذى قد وجب على يعقوب بسبب ذلك المسكين. وهو ينتظر ماذا يبرز له من الغيب في هذا الحكم، ويحسن ظنه بالله ولا ييأس من روح الله؛ لأنه متوقع من كرم الله؛ فنادى الأسف الذي عليه أسف. فلما ناداه صار ذلك اللهب إلى الرأس كالمحبب له، فذهب ببصره، قال الله تعالى: (وَابيَضَت عَينَاهُ مِنَ الحُزنِ فَهُوَ كَظَيم) . فإنما كظم عن نداء يوسف، وكن عنه، فنادى أسفه؛ فحمد الله له وذكر كظمه أنه واقف عند حكمى، معظم لأمرى، ومن تعظيمه ووقوفه عند حكمى لم يذكر اسم من اشتاق إليه وحنت نفسه، فنادى الأسف. فلولا أن ذلك الأسف زينة لبلائه، وحلية لمصابه، ما كان ليناديه، ولا ليذكر في التنزيل شأنه.
стр. 58
فهؤلاء الأنبياء والرسل ﵈ يضعون كل شيء موضعه كما وصف الله تعالى، فيقدرون عليه بما قواهم الله تعالى من النبوة.
كذلك روى لنا سليمان ﵇: أنه حزن على ابنه حزنا شديدا حتى عزى بأن يمثل ملك فجاءه متخاصما مع آخر، فقال: إن هذا مشى في زرعى واتخذ طريقا. فقال له سليمان ﵇: ما حملك على ذلك؟ فقال: لأنه زرع في طريق الناس وممرهم. ففطن سليمان ﵇ بأنه أريد بذلك فتعزى.
وكذلك روى عن موسى ﵇؛ حيث بكى على هارون ﵉، فقال الله تعالى: يا موسى ما هذا؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ ما كان ينبغى لك أن تحن على فقد شيء معى، ولا أن تستأنس بغيرى، ولا أن يكون بكاؤك على هارون إلا لى.
وفي هذا كلام كثير تركناه لئلا يطول..
فالأقوياء هذا فعلهم، يعظمون أمر الله، فإذا أبكاهم بكوا، وإذا أحزنهم حزنوا، وإذا خوفهم خافوا، وإذا أضحكهم ضحكوا، وإذا بشرهم فرحوا، وإذا بسطهم انبسطوا.
والضعفاء من خوف خيانة النفوس، إذا أبكاهم دافعوا البكاء، وإذا أحزنهم فزعوا وردوا ذلك إلى أمور السرور، وإذا خوفهم تحيروا، وإذا أضحكهم اتهموا وحسبوها استدراجا ومكرا، وإذا بشرهم نسبوا ذلك إلى الوسوسة، وإذا بسطهم انقبضوا وحسبوه خذلانا. فهذا كله لانسداد الطريق فيما بينهم وبين الله، والحجب التى تحجب النفس مدلاة على عينى
стр. 59
الفؤاد والصدور منهم لفوزان دخان الشهوات، وأخلاق النفس مغيمة كغيوم الآفاق إذا أحاطت بالأرض فحجبت إشراق الشمس.
لواحق النياحة
وأما قوله: (ونهى عن النياحة، والاستماع إلى النياحة؛ ونهى عن الجمع عند صاحب الميت، وعن إطعام الناس آل الميت، وعن الإجابة إلى طعام الميت؛ ونهى أن يقعد الرجل في بيته للمصيبة ثم يؤتى فيعزى) .
فهذا كله معدود في صفحة النوح؛ لأن صاحب المصيبة أصابه حكم الله في ذلك الشيء، وخلص إلى النفس ما كرهت، واقتضاها إيمانه التسليم لله، والتعرى من المنازعة مع الله في ذلك الشيء الذى استأثر به؛ فسلموا بقلوبهم، واسترجعوا بألسنتهم؛ اعترافاً بأن الملك لله، والمرجع إليه؛ فيرد إلينا ما أخذ منا وأضعافه.
стр. 60
وأهل الكفر في عمى من ذلك، فكانت نفوسهم تنازع وتتبع الغائب، فإذا لم تجد صاح ورن النوح التعديد بعد أحوال الغائب وما كان ألفا به، ويتوجع، ويتفجع؛ فليس عنده نور المعرفة فيطفى به ثائرته. فذلك الصراخ من سخطه على ربه في حكمه، وضيق صدره بما حل به من حكمه، يضيق عن التسليم لأنه ضاق عن النور من أن يلج فيه؛ فيصرخ، ويرن، وينتف الشعر، ويشق جيبا، ويخمش وجها، ويعدو أحوال الميت؛ توجعا وأسفا على ذلك.
كل ذلك تلظيا على حكم ربه، وسخطا على مقدوره، واشتداد على تدبيره. وإنما أوتى ذلك لأنه متكبر جبار، ومن الجبر والكبر الذى فيه تكبر على الله أن يقول لا إله إلا الله: (إِذَا قيلَ لَهُم لاَ إِلاَّ الله يَستَكبِرُونَ وَيَقُولُونَ أَئِناّ لَتارِكُوا آَلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجنون) . لما حجبهم عن رحمته جهلوا الرحمن، ولما قال لهم: وحدوا، استكبروا واشمأزت قلوبهم: (وَإِذا ذُكِرَ الَّذَينَ مِن دُونِهِ إِذا هُم يَستَبشِرونَ) . فعند المصائب والمكاره ضيقت قلوبهم تلك الجبرية التى فيهم؛ فمن ضيق الصدر صرخوا، ونتفوا، وخمشوا، وخدشوا، وشقوا الجيوب. ومنهم من يحرق نفسه، ومنهم من يجدع أنفا وأذنا.
стр. 61
فالنياحة هي تعديد الأحوال كالمراثى لتتوقد نار المصيبة، وحرقات الرأفة، وتقوى الفجيعة. فذلك من السخط والتلهف على الفائت المفقود. وكانوا يحتشدون لذلك، ويتخذون عليه الطعام، وتتبع نساؤهم الميت إلى المدفن بهذه الصفات، ويقعدون محتشدين متعاونين على إقامة هذا الرسم أياما وشهوراً جزعين ساخطين، ويزورون القبور فيظهرون من الجزع أكثر مما في باطنهم بنفورهم عن كل نعمة وموضع سرور، كهيئة المقهور المتكلم المتشكى ممن قهرة وظلمه.
فهذه كلها أحوال المشركين في مصائبهم..
فلما ابتعث الله رسوله الله ﷺ بدين الإسلام، أمرهم بالصبر والنزول على حكمه، وأكرم الأمة ببعثه، وبشرهم، وبين لهم الثواب في الأجل - وزجر رسول الله ﷺ عن النياحة، وعن كل ما أشبه النياحة، وكل سبب من أسبابها؛ حتى نهى عن البكاء؛ فقال في شأن ميت مات بحضرته: (إذا وجب فلا تبكين باكية) . أراد بذلك حسم هذا الباب على المسلمين لحداثة عهدهم بأمر الجاهلية، حتى بلغ من حسمه أن نهاهم عن زيارة القبور.
فكذلك كل أمر حرمه الله، وكان لذلك الأمر أسباب، حرم تلك الأسباب الداعية إلى ذلك الأمر، منها تحريم الخمر؛ فلما حرمت الخمر زجر
стр. 62
عن كل شراب في دباء، أو حنتم، أو مزفت، أو مقير، أو نقير؛ مخافة أن يشتد الشراب وهم لا يعملون. وإن كان في زق فاشتد انشق الزق. فلما هدأت النفس، ومرنت عن الانتهاء عما نهو عنه، أطلق لهم فقال: (كنت نهيتكم عن النبيذ فاشربوا، ولا تشربوا مسكراً، وكنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، فإن فيها معتبراً) ، ثم قال: (ولا تقولوا هجراً) . فبين ﵇ علة النهى أنهم كانوا إذا زاروا القبور قالوا هجرا، فصاروا إلى النياحة، فلما تمسكوا وعقلوا الإسلام أطلق لهم الزيارة.
стр. 63
وحسم عليهم أبواب النياحة حتى إذا اهتدوا وفقهوا أطلق لهم من ذلك ما لم يكن به بأس.
فلما جاءه نعي جعفر رضى الله عنه، قال: (اصنعوا لآل جعفر طعاماً؛ فقد أتاهم أمر شغلهم) . حدثنا المخزومى عبد الجبار، حدثنا سفيان، عن أبى إسرائيل، عن طلحة بن مصرف، سأل يحيى بن عبد الله: أتجتمع عندكم النساء عند خروج الميت؟ قال: نعم، قال: فتلك النياحة فلا تفعلوا.
حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا الفضل بن فضالة، عن ربيعة بن سيف المعافرى، عن أبى عبد الرحمن الحبلى، عن عبد الله بن عمرو، قال: قبرنا مع رسول الله ﷺ ميتا، فلما انصرف رسول الله ﷺ انصرفنا، فلما حاذى بابه وقف وتوسط الطريق، فإذا امرأة مقبله لا نظنه عرفها، فلما دنت فإذا هي فاطمة ﵂ فقال لها رسول الله ﷺ : (ما أخرجك يا فاطمة من بيتك؟) ، فقالت: أتيت أهل هذا الميت فرحمت إليهم ميتهم - أو عزيتهم - (لا يحفظ ربيعه أى ذلك قالت) ، قال أبو عبد الرحمن: فقال
стр. 64
رسول الله ﷺ : (فلعلك بلغت منهم الكدى؟) ، قالت: معاذ الله وقد سمعتك تذكر فيها ما تذكر، قال: (لو بلغت معهم الكدى ما رأيت الجنة حتى يراها جدك أبو أبيك) . قال قتيبة: الكدى المقابر.
حدثنا المخزومى، حدثنا سفيان، عن إسماعيل بن أبى خالد، عن حسن ابن المعتمر: أن رسول الله ﷺ رأى امرأة معها مخمرة، وهو يريد أن يصلى على جنازة، فصاح صيحة، فقام لا يكبر، فما زال يصيح بها حتى دخلت المدينة، فلما توارت بالبيوت، تقدم النبي ﵇ وكبر عليها. فهذا كله في بدء الأمر.. حدثنا سفيان بن وكيع، حدثنا جرير، عن عطاء بن السائب، عن عكرمة، عن ابن عباس رضى الله عنه، قال: احتضرت بنت رسول الله ﷺ ، فضمها إليه، وجعلها بين يديه، فوضعها وقد قضت، فبكت أم أيمن، فقيل لها: وما لي لا أبكي والنبي ﵇ يبكي؛ فقال النبى ﵇: (إنى لا أبكى، إنما هى رحمة) .
إن المؤمن بخير على كل حال، تنزع نفسه من بين جنبيه وهو يحمد الله.
فإنما نهى عن البكاء في بدء الأمر لحسم الباب، وطمس أفعال الجاهلية
стр. 65
وسنتها، ثم أطلق في إرسال الدموع، ثم قال: (ما كان من القلب أو العين فمن الله، وما كان من اليد أو اللسان فمن الشيطان) .
حدثنا سفيان بن وكيع، حدثنا أبى، عن ابن ليلى، عن عطاء عن جابر، عن رسول الله ﷺ لما بكى عند موت إبراهيم ﵇ قال رجل: يا رسول الله، أليس قد نهيتنا عن البكاء؟! قال: (إنما نهيتكم عن صوتين أحمقين فاجرين: صوت رنة عند مصيبة، وصوت مزمار عند نعمة) .
حدثنا المخزومى، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن شقيق قال: لما مات خالد بن الوليد رضى الله عنه اجتمع نساء بنى المغيرة في بيته يبكين عليه، فقيل لعمر رضى الله عنه: وما على نساء بنى المغيرة لو أهرقن على أبى سليمان سجلا أو سجلين ما لم يكن نقع أو لقلقه. والنقع: شق الجيب، واللقلقة: الصوت.
وعمر رضى الله عنه يروى عن رسول الله ﷺ : (أن الميت ليعذب ببكاء أهله) ؛ ليعلم أن البكاء المنهى عنه هو الصوت، والتعديد نوحا، وأما الدموع فهو بكاء رحمة.
стр. 66
فقد دل ذلك على أن هذه الأشياء من الحزن والدمع خارج من هذه الأشياء؛ فإن الرسول ﵇ شدد في ذلك بدءاً حتى عقل الناس وفقهوا في الدين، فوسع الأمر عليهم في إسبال الدموع، وفي الاجتماع، واتخاذ الطعام؛ شفقة على أهل الميت.
فكل ما كان لله فهو حسن؛ فإذا أصاب المسلم مصيبة قعد للتعزية هو وأهل بيته، معظمين الموت، ولهذا الميت الذي خلا منه مصلاه، وآثار إسلامه وبركة عبودته. وتحازنوا على ما دخل من النقص في عدد المسلمين؛ فإن فقد رجل من المسلمين أعظم من فقد الدنيا بما فيها من الزينة والنعم. فقعد ليعزى، أو لئلا يشتد على إخوانه عن المسلمين طلبه وتتبع الأبواب في لقائه، فقعد على هذه النية؛ فهو مأجور. فإذا رق وبكى فهو مأجور؛ لأنه إن لم يرسل دمعته رجع ذلك الحزن على نفسه وذلك مما يضر به فإذا فعل ذلك على هذا القصد فهو مأجور. وهو فعل المسلمين: رحموا، ورقعوا، وحزنوا، وبكوا، وطعموا، واجتمعوا، وزاروا القبور، وسلموا على الموتى، ودعوا، وعظموا أمر الميت وأمر الله، وسلموا إليه أمرهم قلباً، واطمأنوا إلى فعله، طيبة بذلك نفوسهم. وأكرمت هذه الأمة بفضل الإسترجاع، فأنه لم يعط أمة هذا. فهذا سبيل المهتدين الصابرين.
وأما من بكى رياء، وجمع الناس للمراءاة، والتزين، والفخر، والخيلاء، واتخذ على ذلك طعاما، وباهى، وقعد للتعزية للتكبر والعلو؛ فهذا أمر الجاهلية.
قال: وسمعت أبا يعلى يقول: سمعت الحسن بن الربيع يقول: أخذ ابن المبارك من أيوب السختيانى أمرين من أمر الناس: مات يعلى بن عطاء ولم يترك
стр. 67
ذكرا، فقعد أيوب السختيانى على بابه؛ وكان أيوب إذا قدم من سفر أطعم.. فمات سهل بن على ولم يترك ذكرا، فقعد ابن المبارك على بابه؛ وكان إذا قدم من سفر أطعم.
المعازف واللهو
وأما قوله: (ونهى عن المزمار عند النعمة، ونهى عن الدف والكوبة، ونهى عن الرقص ونهى عن كل ذى وتر، ونهى عن اللعب كله) .
فهذا كله من الباطل، وليس في هذا شيء من الحق. وقد أمر الله تعالى رسوله الله ﷺ بمحقه؛ فليس شيء من هذا حق. حدثنا صالح بن عبد الله، حدثنا فرج بن فضالة، عن على بن يزيد، عن القاسم، عن أبى أمامة، قال:
стр. 68
رسول الله ﷺ : (إن الله تعالى بعثنى رحمة للعالمين، وأمرنى بمحق المعازف، والمزامير، والصليب، وأمر الجاهلية. وحلف ربى بعزته: لا يشرب عبد من عبيدى جرعة من خمر متعمداً إلا سقيته من صديد أهل النار يوم القيامة، مغفوراً له معذبا، ولا يتركها من مخافتى إلا سقيته من حياض يوم القيامة، ولا يسقيها صبياً صغيراً أو ضعيفاً مسلما إلا سقيته من صديد أهل النار يوم القيامة مغفوراً له أو معذباً) .
قال أبو عبد الله ﵀: فالفرح مقسوم على أولاد آدم كلهم، مركب في أجسادهم؛ فذهبت طائفة منهم فاستعملته في عبادة الأوثان، وطائفة استعملوه في دنياهم، وطائفة استعملوه في ذات الله.
فمن فرح بالأوثان فأجزانه دائمة في النار، ومن فرح بدنياه فخسرانه بين يدى الله غدا مع الخسران، ومن فرح بالإسلام والطاعة شكر على ذلك وأثيب عليه، ومن فرح بالله قرب وحيى وأكرم وشرف وبويء له منازل في عليين، قال الله تعالى: (وَفَرِحُوا بِالحَيَاةِ الدُنيَا، وَمَا الحَياةُ الدُنيا في الآَخِرَةِ إِلاّ مَتاع) ، ثم قال: (قُل بِفَضلِ الله وَبِرَحمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلَيَفرَحُوا هُوَ خَيرٌ مِمَّا يَجمَعُونَ) . ثم روى أنه قال للصديقين: أيها الصديقون، تنعموا بذكرى، وبى فافرحوا.
стр. 69
فالمشتغلون بنفوسهم فرحوا بما فضلهم الله به من الإسلام ومن عليهم؛ والمشتغلون بالله انكشف لهم الغطاء، وفرحوا بالله، وتاهت قلوبهم في جلال الله؛ ففرحوا بأديانهم، قال الله تعالى: (كُلُ حِزِبٍ بِمَا لَدَيهِم فَرِحُون) . فخابوا حين استعملوا هذا الفرح الذى أعطوا في دين تلقوه من الشيطان.
فلما جاء الله بالإسلام، وبعث محمداً رسوله الله ﷺ ، وهو سبب الفرح والرحمة، أمره بمحق كل فرح فرح به أهل الباطل؛ فأمره بكسر الأوثان والصلبان، وأمره بحق العازف والمزامير، وكل ذي وتر؛ لأن ذلك فرح فيه حظ الشيطان؛ وجعل الفرح بيده، فهو يمزجها في هذه الأصوات؛ حتى يضربوا بذلك حظ الشيطان؛ حتى لا يكون فرح إلا بالله وبالعبودية له. فمنهم من فرح بالعبودة، ولم يكن له طريق إليه فيفرح به، ومنهم من فرح بالله.
فهذا سبب تحريم العازف، واللعب بكل ما يلهى عن الله. ويوضع كل هذا في الميزان في كفة الباطل.
والمعازف كل ما تجد نفسك لصوته إذا حرك عزوفا، فالعزوف سلطان الشهوة، وإنما صار كذلك لأن الشهوة التى فيك إنما هى من المحفوفة بباب النار بالشهوات، فتلك خلقها الله ذات زينة وضياء وبهجة فتنة للعباد، وقسم للعدو منها حظا، وجعل للآدميين حظا. فحظوظ الآدميين، في أجوافهم، وحظ العدو عنده؛ فإذا مازج بحظه حظوظ الآدميين، اهتاجت شهوات
стр. 70
الآدميين، وتلظت فتنتهم. وقد روى حديث يحيى بن زكريا ﵇ حين سأل إبليس: ما هذه الأكواز الصغار التى علقتها على وسطك؟ قال: فيها شهوات بنى آدم، فأنا أذيقهم إياها واحدا واحدا، حتى آخذهم بواحدة منها.
وأما الصوت الذى يخرج من الأوثان، فذلك أصله من اللطف، أعلى له إبليس حظا من اللطف يومئذ فأعطى على الاستدراج، فهو بذلك يصوت في أجواف الأصنام، فسبى بها قلوبا خلت من التوحيد. وإذا خرجت الأصوات من كل ذى وتر مازج ما أعطى من اللطف بهذا الصوت حتى تفتن القلوب بذلك، وسبا نفوسهم الشهوانية.
وأهل التوحيد حشى توحيدهم بالفرح بالله، فلا يقدر العدو أن يسبى قلوبهم ونفوسهم بما عنده من الفرح.. ألا ترى إلى قوله تعالى: (وَلَكِنَ الله حَبَبَ إِليهِمُ الإِيمانَ وَزَيَنَهُ فِي قُلُوبِكُم، وَكَرِهَ إِلَيكُم الكُفرَ وَالفُسُوقَ وَالعِصيان) . فإذا كانت المحبة والزينة في قلب، فذاك قلب محشو من الفرح بمولاه، وهو لا يعلم لغلبة الشهوات، وغلبة أفراح الدنيا، قد انكمش بما فيه من الفرح.. ألا ترى أنه إذا وعظ وذكر بالله كيف تدمع عيناه، وكيف يقع في العويل.
قال: وسمعت الجارود بن معاذ يقول لوكيع ﵀: أنت تصوم الدهر وتتعب، فمم سمنك هذا؟! من سرورى بالإسلام. فليست هذه البدانة من تربية أغذية الدنيا؛ فإذا فرح الإنسان بدن ولحم فكل فرح من فرح
стр. 71
الدنيا فهو أملك بذلك البدن واللحم. فإن كان فرحه بالله فالله أولى، وإن كان فرحه بأمر الله أولى به وهو طاعته وعبودته، وأن كان فرحه بدنياه فدنياه أملك به وأولى، فإذا كانت الدنيا ضاع المسكين، وتحولت أفراحه أحزانا ودهشا وحيرة وأسفاً وندماً. وإن كان فرحه بمعبوده من الرجس والأوثان، فهو أولى به؛ فالنار معه، والشيطان قرينه،. وكذلك ما حرم الله من هذه الأشربة سببها الأفراح التى تهتاج به فيه، حتى تفسد عليه عقله. ومن أجل ذلك لا يكاد يجد منهمكا في هذا الشراب لا يصبر عنه؛ لما وجد من لذة الفرح في عاجل الدنيا.
стр. 72
الكذب
وأما قوله: (ونهى عن الكذب) .
فإن القول بالكذب هو افتراء على الله؛ ولذلك قيل: الكذب مجانب الإيمان؛ لأنه إذا قال (كان كذا) ولم يكن ذلك الشيء؛ فقد زعم أن الله تعالى قد كون ذلك الشيء؛ لأنه لا كائن إلا بمكون، فإذا قال (كان) ولم يكونه الله صار كذبا على الله. وإذا قال لشيء وقد كان (إنه لم يكن) فقد نفى ما كونه الله، فقال الله تعالى: (إِنّما يَفتَرى الكَذِبَ الذّينَ لاَ يُؤمِنونَ بِآَياتِ الله) .
ولو أبيح الكذب لم تستقر القلوب على شيء عند وجود الأخبار، فكان القائل يقول والقلب لا يطمئن لقوله؛ لأنه لا يدرى أصدق أم كذب. فلما حرم الكذب بان الصدق، واستقرت القلوب على أخبار القائلين. ومن ظهر كذبه افتضح، وانتهك ستره، وهان، وذل، فوقع الحذر من الكذب، فاطمأنت القلوب لأخبار المخبرين.
стр. 73
الغيبة والاستماع إليها
وأما قوله: (ونهى عن الغيبة، وعن الاستماع إلى الغيبة) .
فالغيبة تناول لعرض المؤمن، وله ذمة وحرمة عظيمة بما فيه من التوحيد؛ فصار حرام الدم، حرام المال، حرام العرض؛ لأن المال قوام الدين والعرض.
والموحد في ستر التوحيد، كل شيء من شأنه دينا وخلقه؛ فإذا ذكرته بشيء من السوء، فإنما يخرج شيئا مستورا بستر الله تعالى، فقد هتك الله تعالى.
والمستمع له شريك؛ فلولا المستمع لم يصر قوله غيبة؛ لأنه نطق بها عنده، وبين يديه يهتك ستره، وإنما يصير هتكا بالقول لأنه أظهر عنده. فاعتبر بملك من ملوك الدنيا أسدل سترا على بابه، فعمد رجل إلى ذلك الستر فهتكه، ماذا يحل للجرأة التى اجترأ؟ والمستمع غير السامع؛ لأنه قد يسمع وهو لا يرضى به، فإذا استمع فقد شركه؛ لأنه أعمل سمعه في ذلك ورضى به.
стр. 74
النميمة والاستماع إليها
وأما قوله: (ونهى عن النميمة والاستماع إليها) .
فالنميمة أن ينم على أخيه المسلم إلى مسلم آخر ما يوحشه به عنده. فهذا أفسد ما أصلح الله، وعمد إلى الوصلة التى وصلهم الله بها فحل عقدها، حتى تولدت عداوة وبغضة بينهم. فهذا فعل يؤدى إلى فساد عظيم، ويفضى إلى الشرور كلها. ولذلك قال ﵇: (لا يدخل الجنة قتات) . لأنه جندى الشيطان وجاسوسه يحرش ويغرى حتى يفرق ما جمعه.
стр. 75
النظرة الثانية
وأما قوله: (ونهى عن النظرة الثانية) .
فمن أجل أن العين مفتوحة على خلقتها، وبصره واقع على الأشياء بلا قصد من القلب، فذاك باستعمال العين، فتلك النظرة هى لك؛ لأن تلك عن غير إرادة لحلال أو حرام، وإنما هى لمحات الخلقة لإحساس القلب بالأشياء. فإذا وصلت اللمحة إلى القلب والنفس هجست الهواجس من النفس إلى القلب بإرادة، فخرجت الإرادة إلى البصر، فرمى ببصره إلى ذلك الشيء مدركا له، فإن كان ذلك الشيء محرما عليه وجب عليه أن يكف بصره عن الرمى حين هجس الهاجس من نفسه وتحركت الإرادة، فإن لم يكف عن النظرة الثانية فهى عليه، وهو آثم بذلك، والنظرة الأولى موضوعة عنه؛ لأنها عن غير إرادة لشيء معلوم.
اليمين الكاذبة
وأما قوله: (ونهى عن اليمين الكاذبة) . قال: (ومن حلف بيمين صبر كاذبة ليقتطع بها مال امرئ مسلم لقى الله وهو عليه غضبان) .
следующие страницы →