Полный текст (233 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
الدنيا فهو أملك بذلك البدن واللحم. فإن كان فرحه بالله فالله أولى، وإن كان فرحه بأمر الله أولى به وهو طاعته وعبودته، وأن كان فرحه بدنياه فدنياه أملك به وأولى، فإذا كانت الدنيا ضاع المسكين، وتحولت أفراحه أحزانا ودهشا وحيرة وأسفاً وندماً. وإن كان فرحه بمعبوده من الرجس والأوثان، فهو أولى به؛ فالنار معه، والشيطان قرينه،. وكذلك ما حرم الله من هذه الأشربة سببها الأفراح التى تهتاج به فيه، حتى تفسد عليه عقله. ومن أجل ذلك لا يكاد يجد منهمكا في هذا الشراب لا يصبر عنه؛ لما وجد من لذة الفرح في عاجل الدنيا.
стр. 72
الكذب
وأما قوله: (ونهى عن الكذب) .
فإن القول بالكذب هو افتراء على الله؛ ولذلك قيل: الكذب مجانب الإيمان؛ لأنه إذا قال (كان كذا) ولم يكن ذلك الشيء؛ فقد زعم أن الله تعالى قد كون ذلك الشيء؛ لأنه لا كائن إلا بمكون، فإذا قال (كان) ولم يكونه الله صار كذبا على الله. وإذا قال لشيء وقد كان (إنه لم يكن) فقد نفى ما كونه الله، فقال الله تعالى: (إِنّما يَفتَرى الكَذِبَ الذّينَ لاَ يُؤمِنونَ بِآَياتِ الله) .
ولو أبيح الكذب لم تستقر القلوب على شيء عند وجود الأخبار، فكان القائل يقول والقلب لا يطمئن لقوله؛ لأنه لا يدرى أصدق أم كذب. فلما حرم الكذب بان الصدق، واستقرت القلوب على أخبار القائلين. ومن ظهر كذبه افتضح، وانتهك ستره، وهان، وذل، فوقع الحذر من الكذب، فاطمأنت القلوب لأخبار المخبرين.
стр. 73
الغيبة والاستماع إليها
وأما قوله: (ونهى عن الغيبة، وعن الاستماع إلى الغيبة) .
فالغيبة تناول لعرض المؤمن، وله ذمة وحرمة عظيمة بما فيه من التوحيد؛ فصار حرام الدم، حرام المال، حرام العرض؛ لأن المال قوام الدين والعرض.
والموحد في ستر التوحيد، كل شيء من شأنه دينا وخلقه؛ فإذا ذكرته بشيء من السوء، فإنما يخرج شيئا مستورا بستر الله تعالى، فقد هتك الله تعالى.
والمستمع له شريك؛ فلولا المستمع لم يصر قوله غيبة؛ لأنه نطق بها عنده، وبين يديه يهتك ستره، وإنما يصير هتكا بالقول لأنه أظهر عنده. فاعتبر بملك من ملوك الدنيا أسدل سترا على بابه، فعمد رجل إلى ذلك الستر فهتكه، ماذا يحل للجرأة التى اجترأ؟ والمستمع غير السامع؛ لأنه قد يسمع وهو لا يرضى به، فإذا استمع فقد شركه؛ لأنه أعمل سمعه في ذلك ورضى به.
стр. 74
النميمة والاستماع إليها
وأما قوله: (ونهى عن النميمة والاستماع إليها) .
فالنميمة أن ينم على أخيه المسلم إلى مسلم آخر ما يوحشه به عنده. فهذا أفسد ما أصلح الله، وعمد إلى الوصلة التى وصلهم الله بها فحل عقدها، حتى تولدت عداوة وبغضة بينهم. فهذا فعل يؤدى إلى فساد عظيم، ويفضى إلى الشرور كلها. ولذلك قال ﵇: (لا يدخل الجنة قتات) . لأنه جندى الشيطان وجاسوسه يحرش ويغرى حتى يفرق ما جمعه.
стр. 75
النظرة الثانية
وأما قوله: (ونهى عن النظرة الثانية) .
فمن أجل أن العين مفتوحة على خلقتها، وبصره واقع على الأشياء بلا قصد من القلب، فذاك باستعمال العين، فتلك النظرة هى لك؛ لأن تلك عن غير إرادة لحلال أو حرام، وإنما هى لمحات الخلقة لإحساس القلب بالأشياء. فإذا وصلت اللمحة إلى القلب والنفس هجست الهواجس من النفس إلى القلب بإرادة، فخرجت الإرادة إلى البصر، فرمى ببصره إلى ذلك الشيء مدركا له، فإن كان ذلك الشيء محرما عليه وجب عليه أن يكف بصره عن الرمى حين هجس الهاجس من نفسه وتحركت الإرادة، فإن لم يكف عن النظرة الثانية فهى عليه، وهو آثم بذلك، والنظرة الأولى موضوعة عنه؛ لأنها عن غير إرادة لشيء معلوم.
اليمين الكاذبة
وأما قوله: (ونهى عن اليمين الكاذبة) . قال: (ومن حلف بيمين صبر كاذبة ليقتطع بها مال امرئ مسلم لقى الله وهو عليه غضبان) .
стр. 76
وقد وصفنا بدءاً أن الكذب هو زعم أنه لم يكن وقد كونه الله تعالى، فهو قائل على الله تعالى زورا. وإذا حلف على ذلك فهو يريد أن يؤكد ذلك النفى باسمه، فهذه جرأة على الجرأة. والصبر هو أن يثبت على هذه الجرأة، ولا يهاب، ولا ينفر قلبه من أن يؤكد شيئاً لم يكونه الله، وهو يريد أن يثبته باسمه الأعظم، يريد به اقتطاع شيء من حطام الدنيا مما قسم لأخيه وجعل له رزقا. فلذلك عظم الخطب فيه، وحل الغضب به. وروى عن الله تعالى أنه قال: (يا موسى لا تحلف بى كاذباً؛ فمن حلف على كاذباً ألقيت عليه ثقال الفيلوت. قال:) يارب: وما الفيلوت؟ قال: السكر من غير شراب (. فمن سكر عن الله فماذا يبقى معه؟ وكيف يكون حال مقدمه على الله وهو سكران عن الله فقد أسكره غضبه عليه؟
السحر
وأما قوله:) ونهى عن السحر (.
فالسحر هو أمر قد خالطه الشرك، وذلك أن إبليس سأل ربه سلطانا فأعطى، فأخذ على ذلك عهدا من ربه ليكون بذلك مسلطا على أشياء، فاتخذ
стр. 77
مجلساً عند هاروت وماروت، وهيأ جنوده هناك ليعلم السحر؛ فكل من أتاه من الآدميين، فإنما يقصد في الظاهر هاروت وماروت، فإذا أتاه وأشرك أعطاه من ذلك العهد وقيض له عونا شياطينه لا يفارقه، يكون معه حيثما ذهب ينفث ويعقد باسم المسحور، فجعل السحر بذلك المقصود له في ذلك؛ وذلك قوله عزوجل: (وَمِن شَرِ النَفَاثاتِ في العُقَد) .
وإنما ينفث الساحر شيطانه الذى هو فيه، والشيطان خلق من نار، فإذا أشرك وخرج منه التوحيد لزم الشيطان قلبه، فإذا نفث في العقد هيج جميع ما في جسد هذا المسحور، وأخذ أعضاءه بتلك العقد.
وهذا ممن اشترى الحياة الدنيا بالآخرة. وإنما هى داران: دنيا، وآخرة.. مجتاز متزود منها بلغة إلى دار الله في داره؛ فقد نزع أمله، وشخص قلبه إليها، فمنع مناه من هذه إلا ما هيأه الله من رزق، وهو مقتض عليه الشكر، وأعطى في الآخرة مناه وشهواته.
كذلك هذا الساحر لما أشرك، أعطى من الدنيا ما اشتهت نفسه من طريق السحر، على قدر ما أعطى إبليس من السلطان في إدراك الأشياء وتعجلها وتكونها له على مناه؛ استدراجا ومكرا لينتقم منه ومن أتباعه من الشياطين والآدميين يوم القيامة.
وهذا بلوى من الله لعباده؛ فوصف الله تعالى ذلك في تنزيله فقال: (وَما كَفَرَ سُليمانَ وَلَكِن الشَيَاطينَ كَفَرُوا) . وذلك أنه لما مات
стр. 78
سليمان ﵇، كفرت طائفة من بنى إسرائيل، فقالوا: ما أطاق سليمان هذا الملك إلا بالسحر الذى وجدنا تحت كرسيه، وقد كان الشيطان كتب أبواباً من السحر في الوقت الذى حل به ما حل، قال الله تعالى: (وَأَلقَينا عَلَى كُرسِيهِ جَسَداً ثُمّ أَنابَ) ، وهو ذلك الشيطان؛ فبرأه الله تعالى من ذلك القول الذى قالت اليهود في زمن رسول الله ﷺ ، فقال: (وَاتَبَعُوا ما تَتلُوا الشَيَاطِينُ عَلَى مُلكِ سُلِيمان) ، أى اتبعت اليهود ما كتبه الشياطين في ذلك الوقت من السحر فأكفروه، قال: (وَمَا كَفَرَ سُلِيمانُ وَلَكِنَّ الشَياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِمونَ النَّاسَ السِحرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى المَلَكَينِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمارُوت) . والشياطين يعلمون الناس السحر، والملكان هاروت وماروت يعلمان الأخذة، وهو ما يفرقان بين المرء وزوجه. ثم قال: (وَما يُعلِمانِ مِن أَحَدِ حَتى يَقُولاَ إِنّما نَحنُ فِتنَةٌ فَلاَ تَكفُر فَيَتَعَلَمُونَ مِنهُما ما يُفَرِقُونَ بِهِ بَينَ المَرءِ وَزَوجِهِ) .ثم قال: (وَلَقَد عَلِموا لَمَن اِشتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الأخِرَةِ مِن خَلاق) .لأنه اشترى الشرك؛ فلم يبق له في الآخرة نصيب.
فأعطى هذا شهوته ومناه من الدنيا، التى آثرها، واختارها، وتعجلها. وأعطى الموحد الصابر على توحيده شهوته ومناه من الآخرة التى آثرها.. قال الله عزوجل: (إِنّى جَزَيتُهُمُ اليَومَ بِمَا صَبَرُوا أَنّهُم هُمُ
стр. 79
الفَائِزونَ (؛ صبروا على التوحيد ففازوا بالجنة. وخسئ الآخرون حين قال لهم) اخسَئُوا فِيهَا وَلاَ تُكَلِمونَ (. ثم ذكر الموحدين فقال:) إِنّهُ كَانَ فَريقٌ مِن عِبادى يَقُولُونَ رََبنَا آَمَنّا (، وذكر الآية.
وقد شرحنا صفة السحر وما يعلم الملكان في كتاب " الأولياء " وبدء السحر من أين جاء؟ وكيف كان سببه؟ وروى عن مجاهد أو غيره: أنه كان بين هاروت وماروت وبين الآدميين شيطان يعلم في سنة مسألة تعزيزا له وتعظيما ليكون طريا على قلوب الغواة المفترين.
الطيرة
وأما قوله:) ونهى عن الطيرة (.
فالطيرة هى الفرار من أقدار الله وأقضيته، وهى لاحقة به حيثما فر. فالفار ممقوت.. ألا ترى إلى قوله تعالى:) ألم تر إلى الذين خرجوا من
стр. 80
ديارهم وهم ألوف حذر الموت. فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم (.
قال: مقتهم بفرارهم، فقال لهم الله: موتوا، فماتوا بكلمة عن آخرهم، ثم تفضل عليهم بأن أحياهم لآجالهم الباقية.
والطيرة: أن يسمع صوت طائر في أول النهارن أوف ي ابتداء عمل، أو استقبلك رجل ناقص الخلق أو أعمى أو مشوه، فتتشاءم وتترك ذلك الوجه. فهذا قد ساء ظنه بربه من غير أصل معقول، ثم يفر من قدرة؛ فنهى رسول الله ﷺ عن ذلك.
فهذا المتطير قد ساء ظنه بربه، ففر من ذلك الأمر وتركه، فالضرر حال به؛ لأنه فار من ربه مسىء الظن به؛ فأدركه بذلك الذي ظن وعاجله كي يعلم أن ربه غير معجز، قال الله تعالى فيما يحكي:) قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرنا بِكُم لَئِن لَم تَنتَهُوا لَنَرجُمَنَّكُم وَلَيَمَسَّنَّكُم مِنَّا عَذَابٌ أَليمٌ (. قالت الرسل بل:) طَائِرُكُم مَعَكُم (، أي أن الذي طار من عند الله من أقداره وأقضيته هو معكم لازم لكم. قال الله تعالى:) وَكُلّ إِنسانٍ أَلزَمناهُ طَائِرَهُ في عُنُقهِ (وقال في قصة صالح:) قَالوا: اَطَيَرنا بِكَ وَبِمَن مَعَكَ، قال: طاَئِرَكُم عِندَ اللهِ، بَل أَنتُم قَومٌ تُفتَنُونَ) .
стр. 81
الكهانة
وأما قوله: (ونهى عن إتيان الكُهان) .
فالكهنة تلاميذ الشياطين يترقون إلى الجو الأعلى، يسترقون السمع من الملكوت، إذا حدثت الملائكة بشيء قد أذن الله فيه، وهو كائن في الأرض عن قريب، فيفشون الخبر في السماء إلى وقت الظهور على الأرض.
فهؤلاء الكهان قد ألفوا الشياطين ووزروهم على دعوى علم الغيب، وقد خزن الله تعالى غيبه من العباد، فقال تعاى: (وَلِلَهِ غَيبُ السَمَواتِ وَالأَرضِ) ولا يعلم الغيب إلا الله، وإذا أظهره في السموات على أفواه الملائكة، بارزته الشياطين فاسترقت، ومرت به إلى الأرض، فأدته إلى تلامذتها من الآدميين ليخبر به ناسا، يريد بذلك إبطال ما تفرد الله به من علم الغيب وخزنه عن الخلق إثباتا للوحي وتأكيدا لشأنه.
فالكاهن يرجم بالغيب عن في شيطان، فهو رسوله، ويزيد فيه من الكذب غير قليل، يروج ذلك كله بالكلمة الواحدة المسترقة التي تظهر في وقتها في الأرض. ومن أجل ذلك جعل الكواكب حرسا للسماء، وجعلها رجوما للشياطين، فقال: (إِنّا زَيَنَّا السَماءَ الدُنيا بِزِينَةٍ الكَواكِب) ، إلى قوله: (ثاقِب) ؛ فالخطفة هي الإستراق، والشهاب رجم الكواكب
стр. 82
بنوره حتى يحرقه إن أصابه. وقوله: (وأَنَّا لَمَسنا السَماءَ فَوَجَدناها مُلِئَت حَرَساً شَديداً وَشُهَباً) قال ابن عباس: تحرس بلا حول ولا قوة إلا بالله.. حدثنا صالح بن محمد، حدثنا سليمان بن عمرو، عن عبد الملك بن عمير، عن ابن عباس ﵁.
حضور اللعب أو الباطل
وأما قوله: (نهَى عن حُضور اللعب وحضور الباطل) .
فإن الله تعالى لم يخلقه عبثاس، ولا تركه سدى، وإنما خلقه ليعبده. فإذا كان معطلا، فلا له ولا عليه، وهو غدا متحسر نادم متلهف على ما فاته.
فإذا عمل لله في أمر دنياه وآخرته، فهو له ولا عليه، وثوابه قائم دائم.
وإذا حضره غيره شركه في ذلك اللعب والباطل، لأنه إنما يلعب من أجل أن يريه بذلك شيئا ولولا الخلقف ما رأى أحد.
إجابة الفاسقين ومجالستهم ومحادثتهم
وأما قوله: (ونَهَى عن إجابة طعامِ الفاسقين، ومجالستهم ومحادثتهم) .
стр. 83
فالفاسق من ترك إسم الله عامدا لتركه. والفسق: الخروج، يقال في اللغة: فسقت النواة من قشرتها. وكذلك قال في شأن إبليس: (كَانَ مِنِ الجِنِّ فَفَسَقَ عَن أَمرِ رَبِّه) .
فالخروج على وجهين: فمنهم من فسق عن أمر به مردا أو تكبرا أو جحودا، ومنهم من فسقعن أمره فتنى وتمردا على ربه. فهذا فاسق وليس بكافر؛ فالأول مجترىء على الله، وهذا مجترىء بقوة التوحيد. فالرجاء العظيم الذي في حشو توحيده، والمحبة، والأثرة التي احتسشت النفس بها من ربه، فتجرأت.
والمجيب لدعوة الفاسق عون له على ما هو فيه من الشر والفتنة والمعصية؛ وفي مجالستهم توقير لهم، وفي محادثتهم أنس بهم؛ فهذا كله عون، وقال الله تعالى: (وَلا تَعاوَنوا عَلَى الإِثمِ وَالعُدوانِ) .
مخالطة الدَّعيّ
وأما قوله: (ونهى عن مجالسة الدعىِّ، ومؤاكلته، ومشاربته، ومحادثته، وهو الذي يدعى إلى غير أبيه، والمنتمى إلى غير مواليه، ملعون على لسان نبيه ﵇ .
стр. 84
وذلك أنه كفور، والكفور ممقوت؛ فهذا الدعي سلاسلة أبيه وفلذة كبده، وعطف قلبه؛ ولده، ورباه، وتبناه، وحاطه حياطة الآباء، فذهب وتبرأ من أبيه، وادعى أنه لغيره، فهذا قد كفر النعمة وانتسب إلى الفجور؛ فهذا مستوجب اللعنة.
وكذلك عبد أعتق، وولى نعمته أعتقه، فذهب ووالى غيره؛ فهو كفور لنعمة الله.
وأما الدعى، وهو ولد الزنا، فذاك جسد ركب في بطنه أمه على حرام، فاختلط الماءان، وامتشجا على معصية الله. فهو وإن لم يكن له ذنب فيما عمل أبواه، فأصل الخلقة مبنية على أمر عظيم لم يجز فيه طهارة ولا عفة.
ولذلك قيل لود الزنا شر الثلاثة، ولا يؤمن في الصلاة ولد زنية.
ومن العلماء من قال: لا يجوز في عتق الرقبة ولد الزنا. فإنما شددوا في هذا لأنهم نظروا إلى أصل البنية، وهو بمنزلة بذر نبت في أرض غصب، فالبذر وإن كان لصاحبه ملكا، فإنما كان الزرع في أرض لا ملك له فيها، فصار ذلك الزرع حراما.. فكذلك هذا الولد بذر - قد بذره في محترث لا ملك له فيها، فما زرع من ذلك البذر فخلقه الله تعالى كان ذلك الخلق حراما، والحرام مرفوض.
стр. 85
الغناء
وأما قوله: (نهى عن الغناء، وعن الإستماع إلى الغناء) .
فالغناء مهيج للنفوس الأمارة بالسوء، الداعية إلى ركون الدنيا وشهواتها، الملهية عن ذكر الله، وعن ذكر ما أعد. فهذه الفنوس أسود رابضة في عرينها، فإذا هيجت الأسود، فعارضها في ذلك الوقت معارض، كان حتفه فيه. ولذلك روى عن فضيل بن عياض ﵀ أنه قال: الغنا رقية الزنا.
حدثنا الجارود، حدثنا الفضل بن موسى، عن داود بن عبد الرحمن المكي، عن خالد بن عبد الرحمن، قال: كنا في عسكر سليمان بن عبد الملك فسمع غناء من الليل، فأرسل إليهم بكرة فجىء بهم، فقال: إن الفرس ليصهل فتسودق له الرمكة، وغن الفحل ليهدر فتضبع له الناقة، وإن التيس ليثب فتستحرم له العنز، وإن الرجل ليتغنى فتشتاق إليه المرأة..اخصوهم. قال عمر بن عبد العزيز: هذا مثلة لا تحل.. فخلى سبيلهم.
قال أبو عبد الله ﵀: فالغناء هو صوت فيه كلام ذو معان، فالصوت مهيج للقلوب خاصة، وما في الصوت من الكلام خاصة مهيج
стр. 86
للنفوس، وما في الكلام من المعاني مهيج للهوى.
وإن كانت هذه المعاني مما تدل على الله، تنعم القلب، وأقبل إلى الله، وانقادت النفس تابعة له، ومال الهوى إليها ومعها.
وإن كانت هذه المعاني مما تدل على هنات النفس، وشأن الدنيا وبالها وأحوالها، تنعمت النفس ولذت، وانقاد القلب أسيرا في يدها، ووجد الهوى والعدو سبيلا إلى صرعته. ولذلك قال رسول الله ﷺ : (تغنوا بالقرآن) وقال: (ليس منا من لم يتغن بالقرآن) . وقد ذهب بعض العلماء في تأويل هذا الحديث إلى " الغنى " فقال: يستغنى به عما سواه..
وليس هذا معناه، ولكن تأويله من حسن الهبوب به والترديد والترجيع.. ألا ترى انه قال في الحديث: (ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي حسن الترنم بالقرآن) قال أبو عبد الله ﵀: فالترنم هو التلون بالألوان، ومنه
стр. 87
قيل للعندليب إذا صوت إنه ليترنم. وإنما قيل غناء لأنه إذا صوت به فإذا ارخى في حلقه صوته عن به، أي دخل خيشومه، فغض من صوته ثم أرسله فجهر به حتى يكون ذا ألوان؛ فهو مأخوذ من الغنة لأنه اغتن بالحروف والصوت ثم أبرزه ليتلون. وكذلك خلق ابن آدم، إنما يعظم الأمر عنده بالتلون ليتجدد، لأن كل لون يرد فهو جديد طرى. وإذا كان لون واحد عتق عند النفس وخلق فيبرمه. فتلون الأشياء من أجل النفس؛ لأنها ملولة سريعة الملل؛ لأنها ضعيفة خفيفة شهوانية طياشة، لا تكاد تصاير الأشياء سعة وغناء، كفعل القلب؛ فإن القلب ذو وقار وسكينة وغناء وطمأنينة، وإنما تلونت الأشياء من أجل أن يتهنى بها.
حدثنا سليمان بن أبي هلال الذهبي، حدثنا عبد الجبار بن الورد المكي أخو وهيب، عن ابن أبي مليكة، عن عبد الله بن السائب، عن أبي لبابة، قال: قال رسول الله ﷺ : (ليس منّا من لم يتغن بالقرآن) . يا أبا محمد، أريت من كان منا ليس بحسن الصوت؟ قال: يحسنه ما استطاع. فالغناء، والشعر، والحداء، والرجز، جرت الأخبار باجتناب ذلك والزجر عنه، فنظرنا كيف هذه الأخبارن فوجدنا هذه الأشياء إنما هي أصوات فيها كلام ومعان؛ فما كان من ذلك لله بالقرآ، وبالكلام المرضي، فهو محمود.
وماكان للنفس والدنيا فهو مذموم. فقد أمر رسول الله ﷺ بالشعر حيث هجا حسان بن ثابت المشركين، وكذلك كعب بن مالك، وابن رواحة، وقال: (لكأنما تنضحونهم بالنبل) .
стр. 88
حدثنا علي بن حجر، حدثنا ابن أبي الزناد، عن أبيه، عن عروة، عن عائشة ﵂، قالت: كان رسول الله ﷺ يضع منبرا لحسان بن ثابت في المسجد ينشد عليه الشعر ويقول: (إن الله يؤيد حسان بروح القدس ما نافح عن الله وعن رسوله) . وحدثنا علي حدثنا عبد الرحمن ابن أبي الزناد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشةن عن رسول الله ﷺ بمثله.
ثم روى عنه في حديث آخر: (لأن يمتلىء جوف أحدكم قيحا خير له من أن يمتلىء شعرا) فهذا شعر وتشبيب ومهاجاة المسلمين. وقد بين الله تعالى في كتابه حالهم واستثنى منهم المحمود، فقال: (وَالشُعَرَاءُ يَتِّبِعُهُمُ الغاوون. أَلَم تَرَ أَنَّهُم في كُلِ وادٍ يَهيمُون. وَأَنَّهُم يَقُولونَ مَالا يَفعَلون) ، ثم استثنى منهم فبرأهم من الذم فقال: (إِلاَّ الَّذِينَ آمَنَوا وَعَمِلوا الصالِحات وَذَكَرُوا اللهَ كَثَيراً وَانتَصَروا مِن بَعدِ ما ظُلِمُوا) . فاستثنى منهم من تكلم بالشعر، وذكر الله كثيرا، وأراد بذلك الإنتصار لله، ولرسوله، ولدين الله، وللمؤمنين. فذلك عمل صالح، وعدة من عدد الحرب، وقوام الدين.
стр. 89
حدثنا علي بن حجر، حدثنا إسماعيل بن عياش، حدثنا عبد الرحمن ابن زياد بن أنعم، عن عبد الرحمن بن نافع، عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله ﷺ : (الشعر بمنزلة الكلام: حسنه كحسن الكلام، وقبيحه كقبيح الكلام) .
قال أبو عبد الله ﵀: فمن ابتغى به وجه اله، والدار الآخرة، صار في الميزان مع الحسنات. وما ابتغى به فرح الدنيا، وسرورها، وبهجتها، صار هباء منثورا.
وكذلك الحداء والرجز ما ابتغى به وجه الله، والدار الآخرة، والمعونة على الدين، فهو في ميزان العمل. وما ابتغى به أفراح الناس، فهذا مذموم. ز ألا ترى أن رسول الله ﷺ قال في حجة الوداع: (يا ابن الأكوع، هات لنا من هناتك) ، - يعني الرجز - يريد التخفيف على المشاة حوله..
وقال ابن رواحة يوم دخل مكة بين يدي ناقة رسول الله ﷺ :
خَلَوا بَنى الكُفارِ عَن سَبيلِهِ ... خَلَوا فَكُلُ الحَقِ في رَسولِهِ
يارَب إِنّى مُؤمِنٌ بِقَبيلِهِ ... أَعرِفُ الحَقَّ فى قُبولِهِ
ضَرباً يُزيلُ الهامَ عَ، مَقيلِهِ ... وَيَذهَلُ الخَليلُ عَن خَليلِهِ
стр. 90
فقال عمر ﵁: يا ابن رواحة، في حرم الله وبين يدي رسول الله ﷺ ؟ فقال رسول الله ﷺ : " مه يا عمر " لأنه رأى كلامه عدة وقوة للمؤمنين، ونكاية للعدو.
فإذا تغنى بالقرآن، فهو ترجيع؛ لأن في القرآن بشرى ولطائف، فإذا تغنى به، طرب القلب، فمر بالنفس، فمال بها إلى ناحيته. والنفس تسرع في الإجابة في الطرب والبهجة ما لا تسرع في الوعيد. وإنما بشروا ليطربوا لا ليذلوا وينكسروا، فكفى بالوعيد كاسرا للنفس وقامعا لها. وفي الوعد طعم وذوق، وفي الطرب تورد وزهرة وتنزع. وسمع رسول الله ﷺ قراءة أبي موسى ﵁، فقال: (لقد أوتىَ هذا مِزماراً من مزامير آل داود) ، فقال أبو موسى: يا رسول الله، لو علمتُ أنك تسمع لحبرته لك تحبيرا.
وكان داود ﵇ إذا قرأ الزبور لون في صوته سبعين لونا، فيقرؤه بألحان يطرب بها المحموم، ويقف الطير عن طيرانه، ولم تبق دابة في بر ولا بحر إلا استمعت لقراءته.
стр. 91
تعليم الأطفال الغناء وثمن المغنية وأجرتها
وأما قوله: (ونَهى عَن تعليم الصبيان الغناء، وعن تعليم الفتيات، وعن ثمن المغنية، وعن أجر المغنية) .
فهذا من أجل ما قلنا بدءا إن هذا لهو ولعب.. ألا ترى إلى قوله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشتَري لَهوَ الحَديثِ لِيُضِلَّ عَ، سَبِيلِ اللَهِ) .
فإذا كان الغناء لهوا يضل عن سبيل الله، فتعليم الصبيان فساد لهم، وكذلك المغنية. وإنما تُعلم ليرتفع ثمنها عند أهل الريب والفساد؛ لأنهم يبغون بها نصيب النفس.
حدثنا على بن حجر السعدي، حدثنا المشمعل بن ملحان من ولد عدى بن حاتم الطائى، عن مطرح بن يزيد، عن عبيد الله بن زهر، عن زهر، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة، قال: قال رسول الله ﷺ : (لاَ يَحِلُّ تَعليمُ المُغَنِياتِ، وَلاَ بيعِهِنَّ، وأَمانِهِنَّ حَرَامٌ. وَفِي مِثلِهِ نزلت:) وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشتَري لَهوَ الحَديثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَهِ) . حدثنا صالح بن عبد الله، حدثنا فرج بن فضالة، عن ابن يزيد،
стр. 92
عن القاسم، عن أبي أمامة، عن رسول الله ﷺ نحو هذا.
حدثنا عمر بن أبي عمر، حدثنا قيس بن جعفر الدارمي، حدثني عبيد الله بن رؤيةب بن العجاج، عن أبيه، عن جده، قال: قال لي أبو هريرة ﵁: يا عجاج شبب بالعراض والدمث، وإياك وأعراض المسلمين (.
بيع العلم وثمنه
وأما قوله:) وَنهَى عن بَيع العلم وثمنه (.
فالعلم هو دين الله ابتعث به أنبياءه؛ فلا يباع بعرض الدنيا. وقد أخذ الله على أهل الكتاب ميثاقهم أن يبينوه ولا يكتمونه، فباعوه؛ فذمهم الله
стр. 93
قال: (فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِم وَاشتَرَوا بِهِ ثَمَناً قَلَيلاً) يعني الدنيا (فَبِسَ ما يَشتَرُونَ) .
وقال في التوراة: (علّم مجانا كما عُلمت مجانا) .
وقال لنبيه ﵇: (قُل ما أسأَلُكُم عَلَيهِ مِن أَجرِ، وَمَا أَنا مِنَ المُتَكَلِفينَ) .
ولم يطلق لأحد أن يبلغ عن الله ما ائتمنه عليه من علمه ووحيه يعرض الدنيا. وكذلك العلماء نعدهم خلفاء الرسل، وهم مبلغون عن الله، فليس لأحد منهم أن يأخذ عليه نوالا من حطام الدنيا. فقد كان العلماء يتوقون في حالة البيع والشراء أن يحابوا أو يزادوا لمكانهم من العلم؛ حتى روى لنا عن الحسن البصري ﵀ أنه قيل له: هذا لك بكذا. فقال: إنما جئت أشتري بدرهمي لا بديني. فهذا إذا قبل المحاباة طمعا فيه من أجل دينه، فأما إذا عرف له حقه من غير طمع، فلا بأس به. ولم يزل أهل الدين يعرف لهم، ويؤثرون على غيرهم من الناس. وكان ﵇ يؤثر، ويفضل، ويعرف له على نبوته ومكانه من الله تعالى.
стр. 94
الشعر المهجور
وأما قوله: (ونهى عن الشعر، وعن مجالسة الشاعر) .
فقد وصفنا شأنه بدءا أن هذا هو الشعر المهجور. فإن كان وقع النهي عن ثمنه على الصحيفة فالمعنى على ما وصفنا من أنه كلام مهجور. وأما إذا كان كلاما محمودا، فالبيع وثمنه غير داخل في ذلك النهى.. ألا ترى أنه ما نهى عبد الله بن رواحةن وكعب بن مالك، وحسان بن ثابت، وهم شعراء رسول الله ﷺ يذبون عنه ويهجون الكفار ويعيرونهم وينكون فيهم، كما وصفهم رسول الله ﷺ ، وقال: (لَكَأَنَّما تَنضَحُونَهُم بِالنَبل) .
وإنما معناه في النهي عندنا عن مجالسة الشعراء عمن كان بهذه الصفة التي ذكر الله تعالى: (وَالشُعَراءُ يَتَّبِعهُمُ الغَاوون أَلَم تَر أَنَّهُم في كُلِ وَادٍ يَهيمونَ وَأَنَّهُم يَقولونَ مَالاَ يَفعَلُونَ) فبين أنهم في أودية الضلالة يهيمون طعنا وتعييرا ومثالب للأموات ورميا بالفرى لفروج المحصينات. فمن جالسه فهو تابعه، وهو فار. ثم استنثى المحمود منهم، فقال: (إلا الَّذين آَمَنَوا وَعَمِلوا الصالِحات وَذَكَرُوا الله كَثيراً وَانتَصَرُوا مِن بَعدِ ما ظُلِمُوا) . وما كان من الشعر بعد ذلك حكمة وموعظة، فهو خارج عن هذا المنهى، وقد روي
стр. 95
عن رسول الله ﷺ أنه قال: (إنَّ من الشعر لحكمة) فقد نجد كثيرا من الحكم قد نقلتها الأئمة بالقوافي في الأحاديث (.
لبس الذهب للرجال
وأما قوله:) ونهى عن لبس الذهب للرجال (.
فالذهب أغلى شيء في الدنيا. والجبابرة الفراعنة إنما قصدت من الدنيا لاستعمال أغلى شيء منها.. ألا ترى إلى قول فرعون:) فَلَولاَ أُلقِىَ عَلَيهِ أَسوِرَةٌ مِن ذَهَب) ، يعرف قدر موسى من طريق الذهب؛ فحلية الذهب هو زى الجبابرة.
قال: وروى في الخبر: أن الله تعالى قال: قل لبني إسرائيل: لا تلبسوا لباس أعدائي، ولا تركبوا مراكب أعدائي؛ فتكونوا أعدائي كما هم أعدائي.
فهؤلاء الجبابرة عمدوا إلى أعالي النعم، وغلى أعزه عند الخلق؛ فتناولوه من الدنيا، يريدون بذلك الخيلاء والفخر على عباد الله تكبرا وتعظما وتيها،
стр. 96
وهو الذهب والحرير وركوب النمور؛ لأن النمر عزيز أخذه لا يكاد يتمكن منه.
فأما الذهب والحرير، فأخذهما رسول الله ﷺ بيده، ورقى المنبر، فقال: (هذان محرمان على ذكور أمتي، حل لإناثهم) . فسبب ذلك التحريم وعلته أن الذهب والحرير للرجال خيلاء وتجبر وتعظم؛ فحرم ذلك عليهم من أجل هذا الضرر العظيم، وأحل للإناث لأنها زينة لهن وعون على العفة للأزواج. فهن إن افتخرن وتعظمن واختلن، فهن إناث ليس منهن فراعنة ولا جبابرة.
стр. 97
لبس القسى
وأما قوله: " ونهى عن لبس القسى ".
فهو قريب مما وصفنا، القسى ثياب حمر كالأرجوانن قال: وروى عن رسول الله ﷺ أنه قال: طالحمرة زينة الشيطان " قال: وروى في الخبر في قوله : (فَخَرَجَ عَلَى قَومِ فِى زِينَتهِ) قال: في ثياب حمر - يعني به قارون -.
حدثنا أبو هشام الرفاعي، حدثنا أبو ثميلة يحيى بن واضح، حدثنا عبيد الله بن سليمان، عن الضحاك، قال: سمعت نزالا عن عبد الله أنه كره القسى، ويرويه عبد الله عن رسول الله ﷺ .
стр. 98
لبس الحرير
وأما قوله: (ونهى عن لبس الحرير والقز، وعن لبس الديباج، وعن لبس الخز، وعن الركوب على جلود النمور) .
فجنس منه الصوف، وجنس منه الحرير، وجنس منه الجلود المدبوغة، وجنس منه السداب. فإنما صارت كلها مضمومة في نهى واحد من أجل أنها زي الفراعنة والجبابرة. ولو كانت من أجل أجناسها لرد كل شيء إلى جنسه، ثم أطلق لهم الخز من أجل أنه شيء دونها، وقد يكون منه الخسيس الذي يوازى القطن والكتان وأصله صوف، فهو وإن كان لينا فإنه
стр. 99
كساء، وليس في الأكسية خيرية، فهل سمعت الله ذكر في الجنة خزا كما ذكر الحرير والسندس والإستبراق. فهذا كله إبريسم. فأما الخز فهو شعر ليست من لباس الجبابرة والفراعنة، بل يأنفون من ذلك، وإنما هو للقواد والدهاقين والبطاريق.. ألاترى أنه أبيح للرجال التحلي بالفضة مثل الخواتيم ونحوه، ثم نهى عن الشرب في آنية الفضة وسوى بالذهب؛ لأن هذا تشبه بأهل الكفر.
فإنما زجر عن هذه الأشياء كي لا يتشبهوا بأهل الكفر بالله، وليضاهوا أولياء الله فيما وعدهم في الآجل، فمن فعل ذلك قيل له يوم القيامة حين يعرض على ربه: (أَذهَبتُم طَيبَاتِكُم في حَياتِكُمُ الدُّنيَا واستَمتَعتُم بِها فَاليَومَ تُجزَونَ عَذَاب الهُونِ) .
стр. 100
تفليج الأسنان والتنمص والخصاء
وأما قوله: (وَنَهَى عن تفليج الأسنان، وعن التنمص، وعن الخِصاء) .
فهذا كله مثلة، والمثلة أن تفعل فعلا تتشبه بالخالق وتتمثل؛ لأن من شأنه أن يفعل ما لم يكن فيخلق.
فتفليج الأسنان أن يعالجه بالحديد، حتى يميز بين الأسنان، فيجعل بينهن خللا. فقد بدلت خلق الله، وتمثلت بهف ي أن تغير خلقه، وترتاد أن تكون على ما تريد.
والتنمص، وهو نتف الشعر من الجبين، ففيه مؤونة عظيمة في نتفه، ولو كان حلقا لكان ايسر، ولكنه نتف، وألم وجيع، وتعذيب للنفس.
وكذلك الخصاء، ذكره الله تعالى، فانت تريد أن تجعله في خلق الإناث، وهو قوله: (لاَ تَبديلَ لِخَلقِ الله) قال: هوالإخصاء.
стр. 101
الوشم
وأما قوله: (ونهى عن الوشم ".
فهو وخز بالإبر حتى يصير كتابة على اليد أو صورة شيء ممن يهوى، ثم ينضحه بالنبل، ويذر عليه ليبقى أثره هناك كالخلقة.
فهذا كله من فعل أهل الجاهلية أشرا وبطرا؛ اتباعا للهوى وللشيطان، وقد وعد الله في تنزيله فقال:) إِلاَّ مَن اتَّبَعَكَ مِن الغَاوينَ وَإِنَّ جَهَنمَ لَمَوعِدُهُم أجمعين (بسلطان عليهم جار في الغواة وهم تبعه، واستثنى الله عباده منهم فقال:) إنَّ عبادى لَيسَ لَكَ عَلَيهِم سُلطان) . فلا تجد مؤمنا يتبع الشيطان، إنماهو تابع لهواه.
فهذه الأشياء التي زجر عنها رسول الله ﷺ ، هي من تمرد أهل الكفر وبطرهم.
وأما ما كان من مثل حلق الرأس في النسك، أو للأذى، أو للحر في الصيف يريد أن يخفف عن نفسه مؤونة الشعر، ومثل الختان، والحجامة؛
стр. 102
فهذا من أجل منفعة الدين أوالدنيا؛ فهو غير داخل في ذلك.
قال: وسئلت عائشة ﵂: عن حف المرأة لزوجها جبينها؟ ونتف الشعر حتى تحفيها، فقالت: لا بأس به، إنما هي شيء تزين المرأة به نفسها لزوجها.
قال: وسئلت من التداوي من الكلفب الوجه؟ فقالت: كانت إحدانا تطلى وجهها بالورس ونحوه للكلف.
خروج المرأة من بيت زوجها بدون إذنه
وأما قوله: (ونَهى أن تخرج المرأة من بيت زوجها إلا بإذنه. فإن خرجت بغير إذنه لعنتها ملائكة السماء وملائكة الرحمة وملائكة العذاب حتى ترجع) .
فإن المرأة خلقت مسكنا للرجال، وكذا أخبر في تنزيله: (وَجَعَلَ مِنها زَوجَهَا لِيسكُنَ إليها) . وقالك (خَلَقَ لَكُم مِن أَنفُسِكٌم أَزواجا لِتَسكُنُوا إليها) .
стр. 103
فأصل تزويجها للعفة والسكون؛ فإن النفس تضطرب للشهوة الهائجة فتهبط في الهلكة والدنس؛ فجعلت هذه ليسكن عن الإضطراب ويعف عن الدنس. فإذا عقد النكاح، وضمن المهر؛ فالمرأة في وثاقه، ومهرها لازم عليه، ونفقتها جارية على الزوج، ومن حق الزوج عليها أن تكون مستعدة لحاجته إليها. وهي لا تدري متى يكون وقت الحاجة، ومتى تهيج الشهوة فعرضت له الحاجة إليها، فإذا فقدها عند الحاجة خيف عليه أن يجد الشيطان سبيلا إلى إهلاكه، فيقع في الزنا. فهذه عاصية قد استوجبت اللعنة في الملكوت. وربما خرجت فعرضت نفسها للرجال، وفي الزوج غيرة، فهو يقاسي تلك الغيرة والمرأة في الخيانة له أن ترى شخصها غيره، فيلتذ بمحاسنها فوق الثياب، وهي في وثاقه وملكه، ونفقتها جارية عليه، وقد بذل مهرها وألزم نفسه ذلك.
فإذا خرجت بإذن الزوج، فقد سقطت هذه المؤن عنها، وليس عليها من قبل الزوج تبعة في وقت الفقد عند الحاجة.
وروى عن رسول الله ﷺ : أنه خرج يوما فرجع من الطريق كالمستعجل، فرؤى ذلك في وجهه، في البيت نساء فخرجن، فأتى أهله، ثم خرج ورأسه يقطر، فقال: (إنه ألقى في نفسي شهوة النساء، فقمت لذلك، ورجعت إليكم، كان ذلك فافعلوا هكذا من أماثل أعمالكم) . وقال في حديث آخر: (إذا رأى أحدكم امرأة، فوقعت في قلبه، فليعمد إلى امرأته، فليواقعها، فإن ذلك يرد ما في قلبه) .
стр. 104
ولذلك كان يغزو وبرفقته إحدى نسائه مخافة الحاجة.
تطيب المرأة للمسجد
وأما قوله: (نهى ان تتطيب المرأة للمسجد) .
فإن فعلت لم تقبل صلاتها حتى تغتسل اغتسال الجنابة. فهذا الطيب داع إلى الفتنة، وكان النساء يخرجن إلى المسجد في ذلك الزمان لصلاة المكتوبة، فنهين عن الطيب؛ لئلا يوجد ريحها فتكون فتنى، وأمرت بالإغتسال عن فعلت ذلك كالإغتسال من الجنابة بالأشنان والسدر كي يذهب عبق العطر.
стр. 105
تزين المرأة لغير زوجها
وأما قوله: (ونهى أن تتزين المرأة لغير زوجها) .
فإنف علت كان على الله ان يحرقها بالنار؛ فالتزين لغير الزوج تبرج وتطلع وتشرف للرجال، وقال الله تعالى: (وَلاَ تَبَرَجنَ تَبَرُّجَ الجاهِلية) . وقال: (وَلا يَضرِبنَ بِأَرجُلِهِنَّ ما يُخفينَ مِنَ زِنَتِهِنَّ) ، وهو صوت الخلخال، فإذا فعلت ذلك وتزينت لغير زوجها فهذا فساد عظيم في قلبها، وخيانة للزوج.
وإن لم تكن ذات زوج فالفتنة فيها باعثة إلى ما هو أعظم من ذلك، كما قال ذلك الرجل: " طلقها " قال: لا اصبر عنها إن فعلت ذلك فتراني احبهان قال: فأمسكها إن شئت فاستمتع بها " حدثنا بذلك عبد الجبار بن العلاء، حدثنا سفيان، عن هارون بن زياد، عن عبد الله بن عبيد بن عمير، عن رسول الله ﷺ بذلك. حدثنا عبد الكريم، عن علي بن عبد الله، حدثنا جعفر بن حبان، عن معاوية بن قرة، عن رسول الله ﷺ بذلك.
стр. 106
كلام المرأة
وأما قوله: (وَنَهى أن تتكلم المرأة مع غير زوجها أو ذي رحم غير محرم إلا خمس كلمات فيما لا بد منه) .
فهذا سببه ما تقدم، لأن الكلام نغمة، وفي النغمة فتنة وشهوة، فإذا كلمت غير زوجها فقد أذاقته بعض شهوتها، فقد خانت زوجها.. الا ترى أنه استنثى المحرم لأنها لا تحل له، وقرب رحمها منه يحول دون أن يجد طعما للذاتها. ثم أطلق لها في كلمات محظورات ذات عدد لا بد لها منها للضرورة.
قال أبوعبد الله ﵀: وكان عندنا رجل أعمى، افتتن بجارة له، حتى ابتلى بلاء عظيما وخرب منزله، فسألت عن سبب ذلك، فقيل: كان بينهما كوة، فكانت تجىء تلك المرأة فتحدث إمرأة الأعمى ويستمع الأعمى إلى حديثها، فافتتن بها لحلاوة نغمتها وعذوبة ألفاظها.. فيما ذكر لي.
والنغمة شأنها عظيم، ومن ها هنا قال: (من نابه شيء في صلاته، فلتسبح الرجال، ولتصفق النساء) ؛ لحال النغمة، فإن فيه افتتانا للمصلين إذا سمعوا نغمة المرأة بالتسبيح. والمراة جند من جنود إبليس عظيم؛
стр. 107
ولذلك قال إبليس حيث خلقت المرأة: فأنت نصف جندي، وأنت موضع سري، وأنت سهمي المسموم الذي أرمي بلك فلا أخطىء. وإنما صارت مسمومة لأنها خلقت من الضلع الذي يجاور موضع الشهوة، من آدم ﵇. فهي من قرنها إلى قدمها شهوة حتى شعرها وظفرها؛ فلذلك أمرت أن تستر كل شيء منها إلا ما ظهر مما لا يمتنع وهو: الوجه والكفان؛ فبالوجه تنظر، وبالرجل تمشي، وباليد تتناول.
ألا ترى كيف حجب الله نساء النبي من المؤمين وقال (وَإِذَا سَأَلتُمُوهُنَّ مَتاعاً فَاسأَلوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجاب) ثم قال: (ذَلِكُم اأطهَرُ لَقُلُوبِكُم وَقُلُوبِهِنَّ) . فرحم الله العباد، فمنعهم النظر إليهن كيلا يقعوا في خيانة الرسول ﷺ ، ولا يقعن في خيانة الرسول ﵇. فما ظنك بمن خان محمد ﷺ في أهله ماذا يحل به من الله؟ حدثنا عمر بن أبي عمر، حدثنا سعيد بن أبي مريم المصري، حدثنا نافع بن يزيد، حدثنا خالد بن يزيد، عن عثمان بن سعيد، قال: لقى يحيى ابن زكريا عيسى ﵉، فقال يحيى لعيسى ﵉: يا روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم، حدثني.. قال عيسى ﵇: بل أنت فحدثني؛ أنت خير مني؛ أنت روح الله وكلمته تقعد مع الروح؛ فحدثني ما يبعد من غضب الله. قال له عيسى ﵇: لا تغضب. قال: يا روح الله، ما يبدي الغضب ويثبته؟ قال: التعزز، والحمية، والفخر، والعظمة. قال: يا روح الله، هؤلاء شداد كلهن؛ فكيف لي بهن؟ قال:
стр. 108
سكن الروح، واكظم الغيظ. ثم قال له: وإياك واللهو؛ فيسخط الله عليك، وإياك والزنا؛ فإنه من غضب الرب. قال: يا روح الله، ما يبدي الزنا وثبته ويقيده؟ قال: النظر، والشهوة، واتباعها.. لاتكونن حديد النظر إلى ما ليس لك؛ فإنه لن يزنى فرجك ما حفظت عينيك، ولن تستطيع ذلك إلا بالله.
امتناع المرأة عن زوجها
وأما قوله: (ونهى أن تمنع المرأة نفسها عن زوجها ولو كانت على قتب، إذا كانت طاهرة) .
فهذا قد تقدم وصفه؛ لأن الزوج قد ضمن المهر، والنفقة، وعقدالعقد؛ لتكون مستعدة له في وقت الحاجة؛ ليعف عما حرم الله تعالى.
فأوقات الحاجة هي لاحقة بالمفروضات الواجبات.. ألا ترى أنه أطلق الله تعالى له أربعا؛ لأنها صارت مشغولة عنه بالحيض.
стр. 109
وقوله: (ولو كانت على قتب) فهو قتب البعير. وذلك أنهم في الجاهلية كانوا أهل بادية، وقلت القوابل عندهم، فكن يقعدن على قتب الأرض عند الطلق حتى تلد. فلم يعذرها في ذلك الوقت الذي تطلق للولادة أن تمنع نفسها حتى تبذل، وهي في ذلك الوقت عند الولادة في وقت الحيض، فإن رأت الدم فهي طاهرة؛ لأن ذلك ليس بدم حيض، وإذا كان الولادة في وقت الحيض فهي معذورة، من أجل الحيض؛ ولذلك شرط في الحديث فقال: (إذا كانت طاهرة) لأنها ربما ولدت في أيام حيضها.
بيع الثمر قبل أن يبدو صلاحه
وأما قوله: (ونهى عن بيع النخل حتى تزهو وتجيء بحمار أو بصفار، وعن بيع العنب حتى يسود، وعن الحب حتى يشتد وعن الثمرة حتى تطعم في أكمامها) .
стр. 110
فهذا كله مثال واحدالعباد أكل الأموال بالباطل. فربما باع النخل، وقد بدا ثمرته؛ لأن الله تعالى قد حظر على ا، ولم تصربحال ينتفع بها؛ لأنها كحب الرمان المتراكم؛ فذاك ما لا نفع فيه فإذا أصابته آفة، وهو بتلك الحال، فقد صار الآخذ لثمنه آكلا بالباطل.
فإذا احمار واصفار، فقد صار بحال ينتفع به، فقد أعطى ثمنا في شيء ينتفع به إن كان الله تعالى يرزقه السلامة حتى يدرك، وإلا فقد أخذ شيئا ينتفع به.
وكذلك العنب إذا كان عوزقا لا ثمن له، وكذلك الحب الذي لم ينعقد ولم يبلغ الفرك، وعن الثمرة حتى تطعم في أكامها.
فك ثمرة صار لها ثمن في ذلك، ومن قبل ذلك فيه ما لم ينعقد ليس له ثمن، فإذا أصابته آفة في ذلك الوقت لم يكن ما أخذ من ثمنه إلا بالباطل؛ لأنه لم يعط عنه عوضا.
وكذا بكيله من الثمر والمحاقلة أن تقول: أبيعك هذا الزرع بحقله ثم يحصد بعد بكذا درهم. فهذا غرر فقد أخذ ماله على شيء لا يدري يكون أم لا.
следующие страницы →