Полный текст (88 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
الإمام يوسف بن عبد الهادي
وآثاره الفقهية
وبيان أثر حنابلة فلسطين في دمشق
مع تحقيق علمي لكتابه
سير الحاث إلى علم الطلاق الثلاث
إعداد ودراسة
الدكتور صفوت عادل عبد الهادي
سليل أسرة آل عبد الهادي الحنابلة
دار النوادر
الطبعة الأولى
١٤٢٨ هـ - ٢٠٠٧ م
стр. 2
كتاب سير الحاث إلى علم الطلاق الثلاث
جمع يوسف بن حسن بن أحمد بن حسن بن عبد الهادي
стр. 3
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة المصنف
الحمد لله الذي أوضح منهاج الحق للراغب، وكشف ظلمة الباطل للطالب، وحسن التجائر للجالب، وكسر الجبابرة وقهرهم، فما تقرب إليه أحد إلا ورجع بالمكاسب، ولا بعد عنه أحد إلا ورجع بالمصائب، استوى على عرشه كما قال، لا كما يقول أولو المصائب، وارتفع فوق سماواته فيا سعادة الآيب، «وينزل ربنا ﵎ كل ليلةٍ إلى سماء الدنيا فيسأل: هل من مستغفرٍ؟ هل من تائبٍ؟» فقم وسل حوائجك، فإن الباب بلا حاجب.
стр. 4
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولا ضد، ولا ند، ولا شبيه، ولا مقارب.
وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وحبيبه وخليله، صلى الله عليه وآله وصبحه وسلم تسليماً كثيراً كلما أمطرت السحائب.
وبعد: فهذا كتاب في بيان الطلاق الثلاث، وحكمه، وبيان اختلاف الناس فيه، سميته: كتاب «سير الحاث إلى علم الطلاق الثلاث» وأسأل الله الإعانة، وأن يجعله خالصاً لوجهه الكريم، وهو حسبنا ونعم الوكيل، وجعلت فيه اثني عشر فصلاً:
الفصل الأول: في أن الطلاق الثلاث يقع ثلاثاً.
الفصل الثاني: فيمن قال بهذا القول، وأفتى به.
الفصل الثالث: في ذكر ما احتجت به هذه الطائفة.
الفصل الرابع: في أنه إنما يقع بالثلاث واحدة.
الفصل الخامس: فيمن قال بهذا القول، وأفتى به.
الفصل السادس: في ذكر ما احتجت به هذه الطائفة.
الفصل السابع: في ذكر فصل النزاع بين الفريقين.
الفصل الثامن: في ذكر مذاهب الناس في ذلك.
الفصل التاسع: في ذكر الثلاث إذا أتت متفرقة.
стр. 5
الفصل العاشر: في ذكر أنها لا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره.
الفصل الحادي عشر: في ذكر المحلل وأحكامه.
الفصل الثاني عشر: في أن الثلاث: هل تحرم أم لا؟
стр. 6
الفصل الأول في أن الطلاق الثلاث يقع ثلاثاً
هذا هو الصحيح من المذهب، ولا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره؛ كما سيأتي، وهذا القول مجزوم فيه في أكثر كتب أصحاب الإمام أحمد؛ كـ «الخرقي»، و «المقنع»، و «المحرر»، و «الهداية»، وغيرهم من كتب أصحاب الإمام أحمد، ولا يعدل عنه.
قال الأثرم: (سألت أبا .. .. ..
стр. 7
عبد الله عن حديث ابن عباس «كان الطلاق على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكرٍ [وسنتين من خلافة] عمر، [طلاق الثلاث] واحدة» بأي شيء تدفعه؟ فقال: برواية الناس عن ابن عباس أنها ثلاث)، وقدمه في «الفروع»، وجزم به في «المغني»، وأكثرهم لم يحك غيره. والله أعلم بالصواب.
стр. 8
الفصل الثاني فيمن قال بهذا القول وأفتى به
قال به ابن عباس غير مرة، وابن عمر، وعبد الله بن عمرو، وعثمان، وعلي، وابن مسعود، وأنس، ذكره في «المغني»،
стр. 9
وقال: «هو قول أكثر أهل العلم»، وبه قال أحمد: والشافعي، وأبو حنيفة، ومالك، وابن أبي ليلى، والأوزاعي.
وقال به من أصحابنا الخرقي، والقاضي، وأبو بكر، وابن حامد، وابن .. .. ..
стр. 10
عقيل، وأبو الخطاب، والشيرازي، والشيخ موفق الدين، والشيخ مجد الدين -وليس مطلقاً كما سيأتي-، والشريف، حتى أكثر أصحاب الإمام أحمد على هذا القول. وفي «إجماع» ابن المنذر ما يدل على أنه إجماع، ليس بصريح فيه. وهذا القول اختاره ابن رجب، وقد صنف رداً على من قال بخلافه. والله أعلم بالصواب.
стр. 11
الفصل الثالث في ذكر ما احتجت به هذه الطائفة، ومالها، وما عليها
قال في «أعلام الموقعين» -بعد ذكره دليل الطائفة الأولى- ثم قال: (لكن رأى أمير المؤمنين عمر أن الناس استهانوا بأمر الطلاق، وكثر منهم إيقاعه جملة واحدة، فرأى من المصلحة عقوبتهم بإمضائه عليهم؛ ليعلموا أن أحدهم إذا أوقعه جملة، بانت المرأة، وحرمت عليه حتى تنكح زوجاً غيره نكاح رغبة، يراد للدوام، لا نكاح تحليل؛ فإنه كان من أشد الناس فيه، فإذا علموا ذلك، كفوا عن الطلاق [المحرم].
فرأى عمر أن هذا مصلحة لهم في زمانه، ورأى أن ما كان عليه في عهد النبي ﷺ وعهد الصديق وصدر من خلافته كان لا يليق بهم؛ لأنهم لم
стр. 12
يتتابعوا فيه، وكانوا يتقون الله في الطلاق، وقد جعل الله لكل من اتقاه مخرجاً، فلما تركوا تقوى الله، وتلاعبوا بكتاب الله، وطلقوا على غير ما شرعه الله، ألزمهم بما التزموه؛ عقوبة لهم؛ فإن الله إنما شرع الطلاق مرة بعد مرة، ولم يشرعه كله مرة واحدة، فمن جمع الثلاث في مرة واحدة، فقد تعدى حدود الله، وظلم نفسه، ولعب بكتاب الله، فهو حقيق أن يعاقب، ويلزم بما التزمه، ولا يقر على رخصة الله وسعته، وقد صعبها على نفسه، ولم يتق الله ويطلق كما أمره الله وشرعه له، بل استعجل فيما جعل الله له الأناة فيه، رحمةً منه وإحساناً، وليس على نفسه، واختار الأغلظ والأشد.
وهذه قاعدة، وهي: «من تعجل شيئاً قبل أوانه، عوقب بحرمانه» وهذه من حسن سياسة عمر وتأديبه لرعيته، وقد وافقه الصحابة على ما ألزم به، وصرحوا لمن استفتاهم بذلك.
قال عبد الله بن مسعود: «من أتى الأمر على وجهه، فقد بين
стр. 13
[الله له]، ومن لبس على نفسه جعلنا عليه لبسه، والله لا تلبسون على أنفسكم فنحمله عنكم. هو كما تقولون».
وقال النبي ﷺ لمن فعل ذلك:
«أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم؟» حتى قام رجل وقال: يا رسول الله! ألا أقتله؟.
ولما توقف عبد الله بن الزبير في الإيقاع، وقال للسائل: «إن هذا لأمرٌ ما لنا فيه قولٌ، فاذهب إلى عبد الله بن عباسٍ وأبي هريرة، فلما جاء إليهما، قال ابن عباسٍ لأبي هريرة: أفته؛ فقد جاءتك معضلةٌ»، ثم أفتياه بالوقوع.
стр. 14
فالصحابة ﵃، وفي مقدمتهم عمر بن الخطاب، لما رأوا الناس قد استهانوا بأمر الطلاق، وأرسلوا ما بيدهم منه، ولبسوا على أنفسهم، فلم يتقوا الله في التطليق الذي شرعه لهم، فأخذوا بالتشديد على أنفسهم، ولم يقفوا على ما حد لهم، ألزموهم بما التزموه، وأمضوا عليهم ما اختاروه لأنفسهم من التشديد الذي وسع الله عليهم ما شرعه لهم بخلافه، ولا ريب أن من فعل هذا حقيق بالعقوبة، بأن ينفذ عليه ما أنفذه على نفسه، ولم يقبل رخصة الله وتيسيره ومهلته.
ولهذا قال ابن عباس لمن طلق مئة: «عصيت ربك، وبانت منك امرأتك، إنك لم تتق الله فيجعل لك مخرجاً. ﴿ومن يتق الله يجعل له مخرجاً﴾».
وأتاه رجل، فقال: إن عمي طلق ثلاثاً. فقال:
«إن عمك عصى الله، فأندمه الله، وأطاع الشيطان، فلم يجعل له مخرجاً. فقال: أفلا تحلها له؟ فقال: من يخادع الله يخدعه الله».
وقال سعيد بن جبير: «جاء رجلٌ إلى ابن عباس فقال: إني طلقت
стр. 15
امرأتي ألفاً، فقال: أما ثلاث، فتحرم عليك امرأتك، وبقيتهن وزرٌ، اتخذت آيات الله هزواً».
وقال مجاهد: «كنت عند ابن عباس، فجاءه رجلٌ فقال: إنه طلق امرأته ثلاثاً، فسكت حتى ظننت أنه رادها إليه، ثم قال: ينطلق أحدكم فيركب الحموقة ثم يقول: يا ابن عباس! وإن الله قال: ﴿ومن يتق الله يجعل له مخرجاً﴾؛ فإنك لم تتق الله، فلم أجد لك مخرجاً، عصيت ربك، فبانت منك امرأته».
وليتدبر العالم الذي قصده معرفة الحق واتباعه من الشرع والقدر في
стр. 16
قبول الصحابة هذه الرخصة والتيسير على عهد رسول الله ﷺ ، وتقواهم ربهم ﵎ في التطليق، فجرت عليهم رخصته وتيسيره شرعاً وقدراً، فلما ركب الناس الأحموقة، وتركوا تقوى الله، ولبسوا على أنفسهم، وطلقوا على غير ما شرعه الله لهم، أجرى الله الحكيم على لسان الخليفة الراشد، والصحابة معه، شرعاً، وقد ألزمهم بذلك، وإنفاذه عليهم، وإبقاءه الإصر الذي جعلوه في أعناقهم، وهذه أسرار من أسرار الشرع والقدر لا تناسب عقول أبناء الزمان، فجاء أئمة الإسلام على آثار الصحابة، سالكين مسلكهم، قاصدين رضاء الله ورسوله، وإنفاذ دينه، فمنهم من ترك القول بحديث ابن عباس، لظنه أنه منسوخ، وهذه طريقة الشافعي).
وقال الشيخ موفق الدين في «المغني» مثل هذا، واستدل بما روي عن عبادة بن الصامت، قال: («طلق بعض آبائي امرأته ألفاً، فانطلق إلى رسول الله ﷺ ، فقالوا: يا رسول الله! إن أبانا طلق أمنا ألفاً، فهل له مخرجٌ؟ فقال: إن أباكم لم يتق الله فيجعل له من أمره مخرجاً، بانت منه
стр. 17
بثلاثٍ على غير السنة، وتسعٌ مئة وسبعةٌ وتسعون إثمٌ في عنقه»؛ ولأن النكاح ملك يصح إزالته متفرقاً، فيصح مجتمعاً كسائر الأملاك. فأما حديث ابن عباس، فقد صحت الرواية عنه بخلافه، وأفتى أيضاً بخلافه، قال الأثرم: «سألت أبا عبد الله عن حديث ابن عباس: بأي شيء تدفعه؟ قال: أدفعه برواية الناس عن ابن عباس من وجوه أنها ثلاث».
وقيل: «معنى حديث ابن عباس أن الناس كانوا يطلقون واحدة على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر، فلا يجوز أن يخالف عمر ما كان في عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر، ولا يسوغ لابن عباس أن يروي هذا عن رسول الله ﷺ ويفتي بخلافه).
قال ابن رجب في كتاب «مشكل الأحاديث الواردة في أن الطلاق الثلاث واحدة»:
(الحديث الأول: حديث طاوس عن ابن عباس قال: «كان الطلاق
стр. 18
على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر: طلاق الثلاث واحدةٌ، فقال عمر بن الخطاب: إن الناس قد استعجلوا في أمرٍ كانت لهم فيه أناةٌ، فلو أمضيناه عليهم؟ فأمضاه عليهم»، وأخرجه أيضاً من طريق إبراهيم بن ميسرة عن طاوس، بنحوه).
فهذا الحديث لأئمة الإسلام فيه طريقان:
أحدهما: وهو مسلك الإمام أحمد ومن وافقه، ويرجع إلى الكلام في إسناد الحديث بشذوذه، وانفراد طاوس به، وأنه لم يتابع عليه، وانفراد الراوي بالحديث، وإن كان ثقة، هو علة في الحديث يوجب التوقف فيه، وأن يكون شاذاً ومنكراً إذا لم يرو معناه من وجه يصح. وهذه طريقة أئمة الحديث المتقدمين؛ كالإمام أحمد، ويحيى القطان، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، وغيرهم، وهذا الحديث لا يرويه عن ابن عباس غير طاوس.
стр. 19
قال الإمام أحمد في رواية ابن منصور: «كل أصحاب ابن عباس -يعني: روى عنه- خلاف ما روى طاوس».
وقال الروشنائي: «هو حديث شاذ، قال: وقد عنيت بهذا الحديث في قديم الدهر، فلم أجد له أصلاً».
قال المصنف: «ومتى أجمع الأمة على اطراح العمل بحديث، وجب اطراحه، وترك العمل به».
وقال ابن مهدي: «لا يكون إماماً في العلم من عمل بالشاذ».
стр. 20
وقال النخعي: «كانوا يكرهون الغريب من الحديث».
وقال يزيد بن أبي حبيب: «إذا سمعت الحديث، فانشده كما تنشد الضالة، فإن عرف، وإلا فدعه».
وعن مالك قال: «شر العلم الغريب، وخير العلم الظاهر الذي قد رواه الناس».
وفي هذا الباب شيء كثير، لعدم جواز العمل بالغريب وغير المشهور.
قال ابن رجب: «وقد صح عن ابن عباس -وهو راوي الحديث- أنه أفتى بخلاف هذا الحديث، ولزوم الثلاث مجموعة. وقد علل بهذا أحمد والشافعي كما ذكره في «المغني»، وهذه أيضاً علة في الحديث بانفرادها، فكيف وقد ضم إليها علة الشذوذ والإنكار وإجماع الأمة؟!».
وقال القاضي إسماعيل في كتاب «أحكام القرآن»: «طاوس مع فضله وصلاحه يروي أشياء منكرة، منها هذا الحديث».
стр. 21
وعن أيوب: «أنه كان يعجب من كثرة خطأ طاوس».
وقال ابن عبد البر: «شذ طاوس في هذا الحديث».
قال ابن رجب: «وكان علماء أهل مكة ينكرون على طاوس ما ينفرد به من شواذ الأقاويل».
المسلك الثاني: وهو مسلك ابن راهويه ومن تابعه، وهو الكلام في معنى الحديث، وهو أن يحمل على غير المدخول بها، نقله ابن منصور عن إسحاق، وأشار إليه إسحاق في كتاب «الجامع»، وبوب عليه أبو بكر الأثرم في «سننه»، وأبو بكر الخلال يدل عليه.
وفي «سنن أبي داود» من رواية حماد بن زيد عن أيوب، عن غير
стр. 22
واحد، عن طاوس: أن رجلاً يقال له أبو الصهباء كان كثير السؤال لابن عباس، قال: «كان الرجل إذا طلق امرأته ثلاثاً قبل أن يدخل بها، جعلوها واحدةً على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكرٍ، وصدراً من إمارة عمر، فلما رأى الناس قد تتابعوا فيها، قال: أجيزوهن عليهم، وأيوب إمام كبير.
فإن قيل: لكن الرواية مطلقة، قلنا: الجمع بين الدليلين، ونقول: هذا قبل الدخول.
قال ابن رجب: (الحديث الثاني: «روى عبد الرزاق عن ابن جريجٍ: أخبرني بعض بني أبي رافعٍ مولى النبي ﷺ عن عكرمة مولى ابن عباس، عن ابن عباسٍ قال: طلق عبد يزيد أبو ركانة وإخوته أم ركانة، ونكح امرأةً من مزينة، فجاءت النبي ﷺ ، فقالت: ما يغني عني إلا كما تغني هذه الشعرة -لشعرةٍ أخذتها من رأسها- ففرق بيني وبينه.
فأخذت النبي ﷺ حميةٌ، فدعا بركانة وإخوته، ثم قال لجلسائه: أترون
стр. 23
فلاناً يشبه منه كذا وكذا؟ قالوا: نعم، قال النبي ﷺ لعبد يزيد: طلقها ففعل، فقال: راجع امرأتك أم ركانة وإخوته، فقال: إني طلقتها ثلاثاً يا رسول الله، قال: قد علمت، راجعها، وتلا: ﴿يأيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن﴾. أخرجه أبو داود).
قال: (والكلام على هذا الحديث من وجوه:
أحدها: أن إسناده مجهول.
الثاني: أن الرجل الذي لم يسم في رواية عبد الرزاق، وهو محمد بن عبيد الله بن أبي رافع، وهو رجل ضعيف الحديث بالاتفاق، وأحاديثه منكرة، وقيل: إنه متروك، فسقط هذا الحديث حينئذٍ.
الثالث: أنه محمد بن ثور الصاغاني: ثقة كبير عابد، ولم يذكر محمد بن ثور في روايته أنه طلقها ثلاثاً، وإنما قال: «إني طلقتها»، وعبد الرزاق حدث في آخر عمره [أحاديث] منكرة جداً في فضائل أهل البيت وذم غيرهم، وكان له ميل إلى التشيع، وهذا الحكم مما يوافق هوى الشيعة.
الرابع: أن حديث عبد الرزاق لو صح متنه، فليس فيه أنه طلقها ثلاثاً
стр. 24
بكلمة واحدة، فيحمل أنه طلق ثلاثاً في مرات متعددة، ولكن هذه الواقعة قبل حصر عدد الطلاق في الثلاث.
الخامس: أن أبا داود عارض حديث عبد الرزاق بما روى ولد ركانة عنه: «أنه طلق امرأته البتة» قال: «وهو أصح من حديث والد أبي رافع»).
ثم قال ابن رجب في هذا الكتاب: «فصل: اعلم أنه لم يثبت عن أحد من الصحابة، ولا من التابعين، ولا من أئمة السلف المعتد بقولهم في الفتاوى في الحلال والحرام شيءٌ صريح في أن الطلاق الثلاث بعد الدخول يحسب واحدة، ما إذا سيق بلفظ واحد.
وعن الأعمش قال: «كان بالكوفة شيخٌ يقول: سمعت علي بن أبي طالبٍ يقول: إذا طلق الرجل امرأته ثلاثاً في مجلسٍ واحدٍ فترد إلى واحدةٍ، والناس عنقٌ واحدٌ إلى ذلك، يأتونه ويستمعون منه، فأتيته، فقلت له: سمعت علي بن أبي طالبٍ يقول؟ قال: سمعته يقول: إذا طلق الرجل
стр. 25
امرأته ثلاثاً في مجلسٍ واحدٍ، فإنها ترد إلى واحدةٍ، فقلت: أين سمعت هذا من علي؟ فقال: أخرج إليك كتابي، فأخرج كتابه فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما سمعت علي ابن أبي طالب يقول: إذا طلق الرجل امرأته ثلاثاً في مجلسٍ واحدٍ، فقد بانت منه، ولا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره، قلت: ويحك! هذا غير الذي تقول، قال: الصحيح هو هذا، ولكن هؤلاء أرادوني على ذلك».
وعن إبراهيم بن عبد الأعلى عن سويد بن غفلة قال:
«كانت عائشة بنت الفضل عند الحسن بن علي، فلما بويع بالخلافة هنأته، فقال: لا تظهرن الشماتة بقتل أمير المؤمنين، أنت طالقٌ ثلاثاً، ومتعها بعشرة آلافٍ، ثم قال: لولا أني سمعت رسول الله ﷺ جدي -أو سمعت أبي يحدث عن جدي ﷺ أنه قال: إذا طلق الرجل امرأته ثلاثاً عند الأقراء، أو طلقها ثلاثاً مبهمةً، لم تحل له حتى تنكح زوجاً غيره، لراجعتها».
стр. 26
قال ابن رجب: «وإسناده صحيح».
ثم قال ابن رجب بعد هذا: (فصل: وقد استدل على وقوع الثلاث المجمعة بأدلة متعددة من الكتاب والسنة، أما الكتاب، فمواضع:
أحدها: قوله: ﴿يأيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن﴾.
إلى قوله: ﴿ومن يتق الله يجعل له مخرجاً﴾ فاستنبط ابن عباس من قوله: ﴿ومن يتق الله يجعل له مخرجاً﴾ أن من طلق على ما أمره الله لاستقبال العدة طلاقاً رجعياً وتركها حتى تنقضي عدتها، أو استرجعها، فقد جعل الله له مخرجاً، أما مراجعتها في العدة، أو نكاحها بعدها من غير زوج ولا إصابة، ومن طلق على غير ما أمر به الله، فطلق ثلاثاً، فلم يجعل الله فرجاً ولا مخرجاً، وهذا ثابت عن ابن عباس.
الموضع الثاني: قوله في سياق آيات: ﴿ولا تتخذوا آيات الله هزواً﴾، قال الحسن: «كان الرجل في عهد النبي ﷺ يطلق ويقول: كنت لاعباً، ويعتق ويقول: كنت لاعباً، ويزوج ابنه ويقول: كنت لاعباً، فقال رسول الله ﷺ : ثلاثٌ من قالهن لاعباً جائزاتٌ عليهم: العتاق، والطلاق، والنكاح، فأنزل الله تعالى: ﴿ولا تتخذوا آيات الله هزواً﴾.
стр. 27
الموضع الثالث: قال: وهو ما يظهر لي بحمد الله من الآية على أن المطلق مرتين مأمورٌ بالإمساك بالمعروف، أو تسريح بإحسان، فدلت الآية على أن المطلق مرتين مأمورٌ بالإمساك بالمعروف، وهو الرجعة باتفاق المفسرين، أو التسريح بإحسان.
وقد اختلف العلماء في المراد بالإحسان، فقالت طائفة: هو الطلقة الثالثة، وهو قول مجاهد وقتادة وغيرهما، واختاره أبو بكر عبد العزيز بن جعفر من أصحابنا.
والقول الثاني في الآية: أن المراد بالتسريح بالإحسان: تخلية سبيلها حتى تنقضي عدتها، فيخلي بينها وبين الأزواج).
وقد جعل ابن رجب في آخر كتابه هذا في إحداث عمر للطلاق، وأنه مقبول قوله، فقال: (فصل: أخرج البخاري من طريق أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «لقد كان فيما قبلكم من الأمم
стр. 28
ناسٌ محدثون، فإن يك في أمتي أحدٌ، فإنه عمر».
وفي رواية ذكرها تعليقاً: أن النبي ﷺ قال: «لقد كان فيمن [كان] قبلكم من بني إسرائيل رجالٌ يتكلمون من غير أن يكونوا أنبياء، فإن يكن منهم أحدٌ، فعمر»، قال ابن عباس ﵄: من نبي ولا محدث».
وأخرج مسلم من حديث أبي سلمة، عن عائشة، عن النبي ﷺ قال: «قد كان يكون في الأمم [قبلكم] محدثون، فإن يكن في أمتي أحدٌ، فعمر بن الخطاب، وعنده: قال ابن وهبٍ: «تفسير محدثون: ملهمون».
وقال الترمذي عن سفيان بن عيينة قال: «يعني مفهمون».
стр. 29
وعن أبي سعيد عن النبي ﷺ ، زاد فيه: «قالوا: يا رسول الله! كيف محدثٌ؟ قال: الملائكة على لسانه»). والله أعلم.
فصل
قال ابن رجب في آخر كتابه: «اعلم أن ما قضى به عمر على قسمين:
أحدهما: ما لم يعلم للنبي ﷺ فيه قضاء بالكلية، وهذا على نوعين:
أحدهما: ما جمع فيه عمر الصحابة وشاورهم فيه، فأجمعوا معه عليه.
فهذا لا يشك أنه الحق، كهذه المسألة، والعمريتين، وكقضائه فيمن جامع في إحرامه أنه يمضي في نسكه، وعليه القضاء والهدي، ومسائل كثيرة.
والثاني: ما لم يجمع الصحابة، بل مختلفين فيه في زمنه، وهذا يسوغ فيه الاختلاف، كمسائل الجد مع الإخوة.
القسم الثاني: ما روي عن النبي ﷺ فيه قضاء، بخلاف قضاء عمر، وهو على أربعة أنواع:
أحدها: ما رجع فيه عمر إلى قضاء النبي ﷺ ، فهذا لا عبرة فيه بقول عمر الأول.
стр. 30
الثاني: ما روي عن النبي ﷺ فيه حكمان، أحدهما موافق لقضاء عمر، فإن الناسخ من النصين ما عمل به عمر.
الثالث: ما صح عن النبي ﷺ إنه رخص في أنواع من جنس العبادات، فيختار عمر للناس ما هو الأفضل والأصلح، ويلزمهم به، فهذا يمنع من العمل بغير ما اختاره.
الرابع: ما كان قضاء النبي ﷺ لعلة، فزالت العلة، فزال الحكم بزوالها، أو وجد مانع يمنع ذلك الحكم».
قال: «فهذه المسألة إما أن تكون من الثاني، وإما أن تكون من الرابع».
وقال: «لا يعلم من الأمة أحد خالف في هذه المسألة مخالفة ظاهرة، ولا حكماً ولا قضاء، ولا علماً ولا إفتاء، ولم يقع ذلك إلا من نفر يسير جداً، وقد أنكره عليهم من عاصرهم غاية الإنكار، وكان أكثرهم يستخفي بذلك، ولا يظهره، فكيف يكون إجماع الأمة على إخفاء دين الله الذي شرعه على لسان رسوله، واتباعهم اجتهاد من خالفه برأيه في ذلك؟ هذا لا يحل اعتقاده البتة، وهذه الأمة كما أنها معصومة من الاجتماع على ضلالة، فهي معصومة من أن يظهر أهل الباطل منهم على أهل الحق، ولو كان ما قاله عمر في هذا حقاً، للزم في هذه المسألة ظهور أهل الباطل على أهل الحق في كل زمان ومكان، وهذا باطل قطعاً.
فصل
ولا زال علماء مذهبنا يفتون بهذا إلى زماننا، إلا جماعة منهم»، فذكرهم، وقد رأيت شيخنا الشيخ تقي الدين بن قندس يجنح إليه، ويقول به، وكذلك عامة شيوخنا، إلا ما يأتي. والله أعلم بالصواب.
стр. 31
الفصل الرابع في أنه إنما يقع بالثلاث باللفظ الواحد واحدة
وهذه رواية عن أحمد، وروايتها باطلة، لكنها قول في المذهب، حكاه الشيخ شمس الدين بن القيم في كتاب «أعلام الموقعين»، وذكره في «الفروع»، وقال: «إنه اختيار شيخه».
وهو اختاره بلا خلاف، وهو الذي إليه جنح الشيخ شمس الدين بن القيم في كتاب «الهدى»، و «أعلام الموقعين»، و «إغاثة اللهفان»، وقواه جدنا جمال الدين الإمام، وقد صنف فيه مصنفات، وهو اختيار
стр. 32
شيخه الشيخ تقي الدين بن تيمية، وحكاه أيضاً عن جده الشيخ مجد الدين وغيره.
قال ابن القيم في «أعلام الموقعين»: (قال الأثرم: سألت أبا عبد الله عن حديث ابن عباس: «كان الطلاق على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكرٍ وعمر واحداً» بأي شيءٍ تدفعه؟ فقال: برواية الناس عن ابن عباسٍ من وجوه خلافه»، ثم ذكر عن عدة عن ابن عباس: «أنها ثلاث»؛ فقد صرح بأنه إنما ترك القول به لمخالفة راويه له. وأصله مذهبه وقاعدته التي بنى عليها أن الحديث إذا صح، لم يرده لمخالفة راويه له، بل الأخذ عنده بما رواه، كما فعل في رواية ابن عباس وفتواه في بيع الأمة، فأخذ بروايته أنه لا يكون طلاقاً، وترك رأيه.
وعلى أصله يخرج له قول: إن الثلاث واحدة، فإنه إذا صرح بأنه إنما ترك الحديث لمخالفة الراوي، وصرح في عدة مواضع أن مخالفة الراوي
стр. 33
لا توجب ترك الحديث، خرج له في المسألة قولان، وأصحابه يخرجون على مذهبه أقوالاً دون ذلك.
والمقصود: أن هذا القول قد دل عليه الكتاب والسنة والقياس والإجماع القديم، ولم يأت بعده إجماع يبطله). والله أعلم.
стр. 34
الفصل الخامس فيمن قال بهذا القول وأفتى به
روي عن النبي ﷺ ، وعن أبي بكر وجميع الصحابة إلى سنتين من خلافة عمر.
قال في «أعلام الموقعين»: «وكل صحابي من لدن خلافة الصديق إلى ثلاث سنين من خلافة عمر كان على أن الثلاث واحدة، فتوى أو إقرار أو سكوت، ولهذا ادعى بعض أهل العلم أن هذا إجماع قديم، ولم تجمع الأمة -ولله الحمد- على خلافه، بل لم يزل فيهم من يفتي به قرناً بعد قرن». قال فيه: «وإلى يومنا هذا، فأفتى به حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس، كما رواه حماد بن زيد عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس: إذا قال: «أنت طالقٌ ثلاثاً بفمٍ واحدٍ، فهي واحدةٌ». [وأفتى أيضاً بالثلاث، أفتى بهذا وهذا] وأفتى به [بأنها واحدة] الزبير بن العوام،
стр. 35
وعبد الرحمن بن عوف، حكاه عنهما ابن وضاح. وعن علي، وابن مسعود [روايتان، كما عن ابن عباس].
وأما التابعون، فأفتى به عكرمة، رواه إسماعيل بن إبراهيم، عن أيوب عنه، وأفتى به طاوس.
وأما تابعو التابعين، فأفتى به محمد بن إسحاق، حكاه الإمام أحمد وغيره عنه، وأفتى به خلاس بن عمرو، والحارث العكلي.
стр. 36
وأما أتباع تابعي التابعين، فأفتى به داود بن علي وأكثر أصحابه، حكاه عنهم ابن المغلس، وابن حزم وغيرهما.
وأفتى به بعض أصحاب مالك، حكاه التلمساني في شرح «تفريع» ابن الجلاب قولاً لبعض المالكية.
стр. 37
وأفتى به بعض الحنفية، حكاه أبو بكر الرازي عن محمد بن مقاتل.
وأفتى به بعض أصحاب الإمام أحمد.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية [﵀]: «وكان الجد يفتي به أحياناً».
قلت: وقد كان يفتي به فيما يظهر لي ابن القيم، وكان يفتي به شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ بلا خلاف، وكان يفتي به جدنا جمال الدين الإمام، ولم يرد عنه أنه أفتى بغيره.
قلت: وقد كان يفتي به في زماننا الشيخ علي الدواليبي البغدادي،
стр. 38
وجرى له من أجله محنة ونكاية فلم يدعه، وقد سمعت بعض شيوخنا يقويه. وظاهر إجماع ابن حزم أنه إجماع، لكنه لم يصرح به.
стр. 39
الفصل السادس فيما احتجت به هذه الطائفة، وما لها وما عليها
قال في «أعلام الموقعين» و «الهدى»: (إذا جمع الطلاق الثلاث بفم واحد، جعلت واحدة، كما ثبت في «صحيح مسلم» عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس: «كان الطلاق [الثلاث] على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكرٍ وسنتين من خلافة عمر، طلاق الثلاث واحدةً، فقال عمر [بن الخطاب]: إن الناس قد استعجلوا في أمرٍ قد كانت لهم فيه أناةٌ، فلو أمضيناه عليهم! فأمضاه عليهم، وهذا الحديث لا دافع له؛ فإن مسلماً قد رواه في «صحيحه»، ومسلم ملتزم الصحة، وإن كان ابن رجب قد قال فيه شيئاً، فهو خطأ؛ لأنه ليس شاذاً، ولا منكراً، ولا غريباً، ولا فيه أحد منكر؛ لأنه لو كان فيه علة، لم يكن في «صحيح مسلم».
وفي «صحيحه» أيضاً عن طاوس: «أن أبا الصهباء قال لابن عباسٍ:
стр. 40
ألم تعلم أن الثلاث كانت تجعل واحدةً على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكرٍ وثلاثاً من إمارة عمر؟ فقال ابن عباسٍ: نعم»).
قلت: وهذا الحديث أيضاً لا دافع فيه، فإن مسلماً قد رواه في «صحيحه». والله أعلم.
وفي «صحيحه» عنه: «أن أبا الصهباء قال لابن عباسٍ: هات من هناتك، ألم يكن الطلاق على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكرٍ واحدةً؟ فقال: قد كان ذلك، فلما كان في عهد عمر تتابع الناس في الطلاق، فأجازهم. وهذا الحديث أيضاً لا دافع فيه؛ لكونه في «صحيح مسلم».
فهذه ثلاثة أحاديث في «صحيح مسلم» صحاح؛ لأن مسلماً شرطه الصحة، ومن قال غير هذا، فقد أخطأ، ونحن لنا هذه الثلاثة أحاديث من «مسلم»، فأتونا أنتم بحديث واحد منه أو من «الصحيح».
وفي سنن أبي داود عن طاوس: «أن رجلاً يقال له أبو الصهباء كان كثير السؤال لابن عباسٍ، قال: أما علمت أن الرجل كان إذا طلق امرأته ثلاثاً قبل أن يدخل بها جعلوها واحدةً على عهد النبي ﷺ وأبي بكرٍ، وصدراً من إمارة عمر؟ قال ابن عباس: بلى، كان الرجل إذا طلق امرأته ثلاثاً قبل أن يدخل بها، جعلوها واحدةً على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكرٍ، وصدراً من إمارة عمر، فلما رأى الناس قد تتابعوا فيه، قال: أجيزوهن عليهم».
следующие страницы →