Полный текст (88 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
وأما أتباع تابعي التابعين، فأفتى به داود بن علي وأكثر أصحابه، حكاه عنهم ابن المغلس، وابن حزم وغيرهما.
وأفتى به بعض أصحاب مالك، حكاه التلمساني في شرح «تفريع» ابن الجلاب قولاً لبعض المالكية.
стр. 37
وأفتى به بعض الحنفية، حكاه أبو بكر الرازي عن محمد بن مقاتل.
وأفتى به بعض أصحاب الإمام أحمد.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية [﵀]: «وكان الجد يفتي به أحياناً».
قلت: وقد كان يفتي به فيما يظهر لي ابن القيم، وكان يفتي به شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ بلا خلاف، وكان يفتي به جدنا جمال الدين الإمام، ولم يرد عنه أنه أفتى بغيره.
قلت: وقد كان يفتي به في زماننا الشيخ علي الدواليبي البغدادي،
стр. 38
وجرى له من أجله محنة ونكاية فلم يدعه، وقد سمعت بعض شيوخنا يقويه. وظاهر إجماع ابن حزم أنه إجماع، لكنه لم يصرح به.
стр. 39
الفصل السادس فيما احتجت به هذه الطائفة، وما لها وما عليها
قال في «أعلام الموقعين» و «الهدى»: (إذا جمع الطلاق الثلاث بفم واحد، جعلت واحدة، كما ثبت في «صحيح مسلم» عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس: «كان الطلاق [الثلاث] على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكرٍ وسنتين من خلافة عمر، طلاق الثلاث واحدةً، فقال عمر [بن الخطاب]: إن الناس قد استعجلوا في أمرٍ قد كانت لهم فيه أناةٌ، فلو أمضيناه عليهم! فأمضاه عليهم، وهذا الحديث لا دافع له؛ فإن مسلماً قد رواه في «صحيحه»، ومسلم ملتزم الصحة، وإن كان ابن رجب قد قال فيه شيئاً، فهو خطأ؛ لأنه ليس شاذاً، ولا منكراً، ولا غريباً، ولا فيه أحد منكر؛ لأنه لو كان فيه علة، لم يكن في «صحيح مسلم».
وفي «صحيحه» أيضاً عن طاوس: «أن أبا الصهباء قال لابن عباسٍ:
стр. 40
ألم تعلم أن الثلاث كانت تجعل واحدةً على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكرٍ وثلاثاً من إمارة عمر؟ فقال ابن عباسٍ: نعم»).
قلت: وهذا الحديث أيضاً لا دافع فيه، فإن مسلماً قد رواه في «صحيحه». والله أعلم.
وفي «صحيحه» عنه: «أن أبا الصهباء قال لابن عباسٍ: هات من هناتك، ألم يكن الطلاق على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكرٍ واحدةً؟ فقال: قد كان ذلك، فلما كان في عهد عمر تتابع الناس في الطلاق، فأجازهم. وهذا الحديث أيضاً لا دافع فيه؛ لكونه في «صحيح مسلم».
فهذه ثلاثة أحاديث في «صحيح مسلم» صحاح؛ لأن مسلماً شرطه الصحة، ومن قال غير هذا، فقد أخطأ، ونحن لنا هذه الثلاثة أحاديث من «مسلم»، فأتونا أنتم بحديث واحد منه أو من «الصحيح».
وفي سنن أبي داود عن طاوس: «أن رجلاً يقال له أبو الصهباء كان كثير السؤال لابن عباسٍ، قال: أما علمت أن الرجل كان إذا طلق امرأته ثلاثاً قبل أن يدخل بها جعلوها واحدةً على عهد النبي ﷺ وأبي بكرٍ، وصدراً من إمارة عمر؟ قال ابن عباس: بلى، كان الرجل إذا طلق امرأته ثلاثاً قبل أن يدخل بها، جعلوها واحدةً على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكرٍ، وصدراً من إمارة عمر، فلما رأى الناس قد تتابعوا فيه، قال: أجيزوهن عليهم».
стр. 41
وفي «مستدرك» الحاكم من حديث عبد الله بن المؤمل، عن ابن أبي مليكة، «أن أبا الجوزاء أتى ابن عباسٍ فقال: أتعلم أن الثلاث كن يرددن على عهد رسول الله ﷺ إلى واحدةٍ؟ [قال: نعم] قال الحاكم: هذا حديثٌ صحيح». هذا الحديث قد صححه الحاكم، وتصحيح الحاكم له يدل على أنه ليس فيه علة، لكنهم لا يتنازعون فيه كل النزاع، وهذه الطريق غير طريق طاوس عن أبي الصهباء.
وقال الإمام أحمد في «مسنده»: «حدثنا سعد بن إبراهيم حدثنا أبي
стр. 42
عن محمد بن إسحاق، قال: حدثني داود بن الحصين عن عكرمة -مولى ابن عباس- عن ابن عباسٍ قال: طلق ركانة بن عبد يزيد -أخو بني المطلب- امرأته ثلاثاً في مجلسٍ واحد، فحزن عليها حزناً شديداً، قال: فسأله رسول الله ﷺ : كيف طلقتها؟ قال: طلقتها ثلاثاً في مجلسٍ واحدٍ. قال: نعم. فقال: إن تلك واحدةٌ، فأرجعها إن شئت، قال: فراجعها، فكان ابن عباسٍ يرى الطلاق عند كل طهرٍ».
وقد صحح الإمام أحمد هذا الإسناد، وحسنه، فقال في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: «أن النبي ﷺ رد ابنته زينب على ابن أبي العاص بمهرٍ جديدٍ، ونكاحٍ جديدٍ». هذا حديث ضعيف،
стр. 43
أو قال: واهٍ، لم يسمعه الحجاج من عمرو بن شعيب، وإنما سمعه من محمد بن عبد الله العزرمي [والعزرمي] لا يساوي حديثه شيئاً.
والحديث الصحيح الذي روى: «أن النبي ﷺ أقرهما على النكاح الأول»، وإسناده عنده هو إسناد حديث ركانة بن عبد يزيد هذا، وقد
стр. 44
قال الترمذي فيه: ليس بإسناده بأس، فهذا إسناد صحيح عند أحمد، وليس به بأس عند الترمذي، فهو حجة، ما لم يعارضه ما هو أقوى منه، فكيف إذا عضده ما هو نظيره وأقوى منه؟
قال أبو داود: «حدثنا أحمد بن صالح قال: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا ابن جريج قال: أخبرني بعض بني أبي رافعٍ مولى النبي ﷺ -عن عكرمة- مولى ابن عباس - قال: طلق عبد يزيد أبو ركانة وإخوته أم ركانة، ونكح امرأةً من مزينة، فجاءت النبي ﷺ فقالت: ما يغني عني إلا كما تغني هذه الشعرة -لشعرة أخذتها من رأسها- ففرق بيني وبينه. فأخذت النبي ﷺ حميةٌ، فدعا بركانة وإخوته، ثم قال لجلسائه: أترون فلاناً يشبه منه كذا وكذا من عبد يزيد، وفلاناً منه كذا وكذا؟ قالوا: نعم، فقال النبي ﷺ لعبد يزيد: طلقها، ففعل، قال: راجع امرأتك أم ركانة وإخوته، فقال: إني طلقتها ثلاثاً يا رسول الله، قال: قد علمت، راجعها، وتلا: ﴿يأيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن﴾.
وقال أبو داود: «حديث نافع بن جبير، وعبد الله بن علي بن يزيد بن ركانة، عن أبيه عن جده، أن ركانة طلق امرأته، فردها إليه النبي ﷺ ،
стр. 45
أصح، لأنهم ولد الرجل وأهله، وأعلم به، وأن ركانة إنما طلق امرأته البتة، فجعلها النبي ﷺ واحدة». وأما قول ابن رجب: إسناد حديث ركانة مجهول، فهذا ليس بمجهول، ومن أين جهله؟ فوا عجباً لإمام يقول هذا، لا يبين الجهل، وقد قال النبي ﷺ : «لو يعطى الناس بدعواهم لادعى أناسٌ دماء قومٍ وأموالهم». وأما قوله: إنه لم يطلقها ثلاثاً، فهذا خطأ بإجماع المسلمين؛ فإن أهل بيته رووا عنه الحديث، وذكروا فيه الثلاث، فعجب لك تقول: مجهول، ثم تثبته وتقول: ليس الثلاث فيه؟!
وأما قولك: إنه ولو صح فليس فيه أنه طلقها ثلاثاً بكلمة واحدة، فيحتمل أن تكون ثلاثاً متفرقة، ويكون قبل حصر الثلاث، فهذا ليس مسلماً؛ فإن النبي ﷺ لم يثبت عنه أن الطلاق الثلاث بكلمة واحدة ثلاثٌ، وفي زمنه كان واحدة، ومن أين لك أنه كان قبل حصر الثلاث؟
وأما قولك: البتة، فليس البتة واحدة، بل قال غير واحد من العلماء: كانت البتة عندهم ثلاثاً، وأنت قد صححت هذا الحديث).
قال في «أعلام الموقعين» بعد ذكر هذا الحديث وتصحيحه: (قال
стр. 46
شيخنا [﵀]: وأبو داود [لما] لم يرو في «سننه» الحديث الذي في «مسند» أحمد -يعني الذي ذكره [آنفاً]- فقال: حديث «البتة» أصح من حديث ابن جريج أن ركانة طلق امرأته ثلاثاً؛ لأنهم أهل بيته، ولكن الأئمة الأكابر العارفين بعلل الحديث والفقه؛ كالإمام أحمد، وأبي عبيد، والبخاري ضعفوا حديث «البتة»، وبينوا أن رواته قوم مجاهيل لم تعرف عدالتهم وضبطهم، وأحمد ثبت حديث الثلاث، وبين أنه الصواب، وقال: حديث ركانة لا يثبت أنه طلق امرأته البتة، وفي رواية عنه: حديث ركانة في البتة ليس بشيء؛ لأن ابن إسحاق يرويه عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس: أن ركانة طلق امرأته ثلاثاً، وأهل المدينة يسمون الثلاث: البتة)، قلت: فانظر إلى ابن رجب كيف ضعف الحديث الذي قوته الأئمة، وقوى الحديث الذي ضعفوه، وهذا يكفيه.
قال الأثرم: «قلت لأحمد: حديث ركانة في البتة؟ فضعفه».
(والمقصود: أن عمر بن الخطاب لم يخف عليه أن هذا هو السنة،
стр. 47
وأنه توسعة من الله لعباده؛ إذ جعل الطلاق مرة بعد مرة، وما كان مرة بعد مرة، لم يملك المطلق إيقاع مراته كلها جملة واحدة، كاللعان، فإنه لو قال: أشهد بالله أربع شهادات إني لمن الصادقين، كان مرة واحدة. ولو حلف في القسامة [وقال: أقسم] بالله خمسين أن هذا قاتله، كان ذلك يميناً واحدة، ولو قال المقر بالزنا: أنا أقر أربع مرات [أني] زنيت، كان مرة واحدة، فمن اعتبر الأربع، لا يجعل ذلك إلا مرة واحدة. وقال النبي ﷺ : «من قال في يومه: سبحان الله وبحمده، مئة مرةٍ، حطت عنه خطاياه، ولو كانت مثل زبد البحر»، فلو قال: سبحان الله وبحمده مئة مرة، لم يحصل له هذا الثواب حتى يقولها مرة بعد مرة، وكذلك قوله: «من سبح الله [في] دبر كل صلاةٍ ثلاثاً وثلاثين، وكبره ثلاثاً وثلاثين -الحديث، لا يكون عاملاً به حتى يقول ذلك مرة بعد مرة، لا يجمع الكل بلفظ واحد، وكذلك قوله: «من قال في يومه: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيءٍ قديرٌ مئة مرةٍ، كانت له حرزاً من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي»، لا يحصل هذا إلا بقولها مرة بعد مرة، وهكذا قوله: ﴿يأيها الذين آمنوا ليستئذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث
стр. 48
مراتٍ﴾، وهكذا قوله في الحديث: «الاستئذان ثلاثٌ، فإن أذن لك، وإلا فارجع»، لو قال الرجل ثلاث [مرات] هكذا، كانت مرة واحدة، حتى يستأذن مرة بعد مرة، وهكذا كما أنه في الأقوال والألفاظ، فكذلك هو في الأفعال سواء؛ كقوله تعالى: ﴿سنعذبهم مرتين﴾.
إنما هو مرة بعد مرة، وكذلك قول ابن عباس: «رأى محمدٌ ربه بفؤاده مرتين»، وكذلك قول النبي ﷺ : «لا يلدغ المؤمن من جُحرٍ [واحدٍ] مرتين»، فهذا المعقول من اللغة والعرف والأحاديث المذكورة.
وهذه النصوص المذكورة من قوله: ﴿الطلاق مرتان﴾، كلها من باب واحد، ومشكاة واحدة، والأحاديث المذكورة تفسر المراد من قوله: ﴿الطلاق مرتان﴾، كما أن حديث اللعان يفسر قوله: ﴿فشهادة أحدهم أربع شهاداتٍ بالله﴾.
فهذا كتاب الله، وهذه سنة رسول الله، وهذه لغة العرب، وهذا عرف التخاطب، وهذا خليفة رسول الله ﷺ ، والصحابة كلهم معه من عصره، وثلاث سنين من عصر عمر على هذا المذهب، فلو عدهم العاد
стр. 49
بأسمائهم واحداً واحداً، [لوجد] أنهم كانوا يرون الثلاث واحدة، إما بفتوى، وإما بإقرار عليها، ولو فرض فيهم من لم يكن يرى ذلك، فإنه لم يكن منكراً للفتوى به، بل كانوا ما بين مفتٍ، ومقر بفتيا، وساكت غير منكر، وهذا حال كل صحابي من عهد الصديق إلى ثلاث سنين من خلافة عمر، وهم يزيدون على الألف قطعاً).
قلت: فألوف كثيرة، فكل صحابي من لدن خلافة الصديق إلى ثلاث سنين من خلافة عمر كان على أن الثلاث واحدة، فتوى أو إقرار أو سكوت، ولهذا قال بعض أهل العلم: هذا إجماع قديم، ولم تجتمع الأمة على خلافه، بل لم يزل فيهم من يفتي به قرناً بعد قرن، وإلى يومنا هذا، ولله الحمد، انتهى.
فصل
وأما قول ابن رجب: لم يقل بهذا القول أحد من الصحابة والتابعين، ولا من السلف، فليس بمسلم، بل صح عن النبي ﷺ ، والصحابة بأجمعهم، وقد ثبت عن جماعة كما في الفصل الذي قبله، وأفتى به من التابعين خلق كثير.
وأما استدلاله بالآية: ﴿يأيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن﴾، فاستدلاله بها فليس بمسلم؛ لأن في حديث ركانة لما قال له «راجعها تلا هذه الآية، فهذه الآية دليل لنا لا لكم، لأن النبي ﷺ لما قضى له بهذا، استدل بالآية، فلو يكون فيها دليل عليه، لم يستدل بها،
стр. 50
واستدلاله في الآية بقول ابن عباس، فإن ابن عباس قد صح عنه أنه كان يفتي بهذا القول كما تقدم، فليس لكم في الآية دليل.
وأما استدلاله بقوله: ﴿ولا تتخذوا آيات الله هزواً﴾، واستدلاله بالحديث، فالآية والحديث ليس فيهما دليل له؛ لأنه لم يثبت طلاق الثلاث بالكلية، وإنما كان يطلق ويقول لاعباً، فنزلت هذه الآية: أن الطلاق لا لعب فيه، فليس في هذا دليل.
وأما استدلاله بالآية الأخرى: ﴿الطلاق مرتان فإمساكٌ بمعروفٍ أو تسريحٌ بإحسان﴾، فليس فيها دليل أيضاً؛ لأن الطلاق هنا لم يذكر أنه بلفظ واحد، بل الآية فيها إذا أتى بالطلاق مرة بعد أخرى، وليس في الآيات دليل له، بل كلها دليل عليه، والله أعلم بالصواب.
فصل
قال الشيخ جمال الدين الإمام -رضي الله تعالى عنه- في أول أحد كتبه في هذا: «وقد جعلت لله علي إن وجدت ما يقويه أصل أو دليل يردني أن أتصدق بألف أو نحوه».
ثم قال: «الطلاق الثلاث واحدة، كما صحت به السنة، واجتمعت عليه الصحابة في زمن رسول الله ﷺ ، وخلافة أبي بكر، وبعض خلافة عمر، قال الله تعالى: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروءٍ﴾، إلى قوله سبحانه: ﴿وبعولتهن أحق بردهن في ذلك﴾، إلى قوله: ﴿فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره﴾، فقد حكم الله -تعالى- في هذه الآيات الكريمات في هذه المسألة ثلاثة أحكام، فمن فهمها، وتصورها على حقيقة ما هي عليه -وقد أراد الله هدايته إلى قبول الحق إذا ظهر إلى القول به- صح كلامه.
стр. 51
واعلم أن كتاب الله نص صريح أن الطلاق الثلاث واحدةٌ شرعاً، لا يحتمل خلافاً صحيحاً، وهذا هو النص شرعاً، فإن كل كلام له معنى لا يحتمل غيره، فهو نص فيه، فإن كان لا يحتمل غيره لغة، فهو نص لغة، وإن كان لا يحتمل غيره شرعاً، فهو نص شرعاً، وكتاب الله في هذه الآيات لا يحتمل شرعاً غير أن الطلاق الثلاث واحدة.
ومن تصور هذه الأحكام وفهمها، عرف موارد الشرع ومصادره، وكل واحد من هذه الدلائل السبعة على انفراده حجة، وهي: الكتاب، والسنة، وإجماع الصحابة، ومقتضى القياس، والاعتبار الصحيح، وقواعد المذاهب، ولغة العرب، وقد دلت عليه السبعة، وقد قال الله -تعالى- أيضاً: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرجٍ﴾، وقد قال الله : ﴿فإن تنازعتم في شيءٍ فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر﴾، معناه: وإلا فلستم بمؤمنين حقاً، والألف واللام في قوله: ﴿الطلاق مرتان﴾ للعهد، والمعهود هنا هو الطلاق المفهوم من قوله: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروءٍ﴾، وهو الرجعي بقوله تعالى: ﴿وبعولتهن أحق بردهن في ذلك﴾، فصار المعنى: الطلاق الذي الزوج أحق فيه بالرد مرتان فقط، فقد تقيد الرد الذي كان مطلقاً، في كل مرة من الطلاق بمرتين منه فقط، فلم يعرف، ولا فرق في الآية بين قوله في كل مرة: طلقتك واحدة، أو ثلاثاً، أو ثلاثين ألف.
فمن تصور معاني هذه الأحكام من الألفاظ، وأراد الله هدايته، علم أن لله نصاً صريحاً شرعاً في أن الطلاق الثلاث واحدة؛ لأن هذه الآيات لا تحتمل شرعاً غير ذلك عند من يفهم النص الشرعي، وينصف فيه، ويريد الله هدايته إلى قبول الحق، وينزع من قلبه الهوى والحمية في الانتصار للمذاهب، أو على ابن تيمية. وكتاب الله في هذه الآيات شرعاً
стр. 52
لا يحتمل غير أن الطلاق الثلاث واحدة عند من يفهم، وينصف، ويعرف قوته من الصحة من جهة سنده، وموافقة الأصول لمعناه، ويخاف الله فيما يقضي به في دينه أو في عباده، ويعرف أن الله قد استرعى العلماء على دينه، كما أنه استرعى الحكام على عباده. «وكل راعٍ مسؤولٌ عن رعيته»، ويتهيأ للاحتجاج بين يدي الله -تعالى- إذا سأله عما قضى به في دينه أو في عباده، وهو حاف عريان مكشوف الرأس بادي السوءة أقلف، يده مغلولة إلى عنقه. وليس في شريعة الإسلام ما يدل على أن الله شرع طلاق الثلاث جملة، لا لفظاً ولا معنىً ولا حكماً، ومن زعم هذا، ولم يقم عليه دليلاً صحيحاً، فقد قال على الله بغير علم. وقد دلت الآية التي في «الأعراف» على أن القول على الله بغير علم أشد من الشرك، وهي قوله تعالى: ﴿قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن﴾ إلى قوله: ﴿وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون﴾، وذلك عند من يفهم وينصف، ويفهم معنى هذه الآية الكريمة، وما فيها من عطف البعض على الكل، وأنه قد تكرر فيها تحريم القول على الله بغير علم، بالعطف خمس مرات، والشرك أربع مرات، والبغي بغير حق ثلاث مرات، والإثم مرتين، والفاحشة مرة».
ثم قال: «فصل: الكلام هنا على معنى الآيات الكريمات في حكم الطلاق الثلاث جملة، سواء كانت ثلاث مرات، أو مئة مرة، أو ثلاثين ألفاً». ثم قال: «وذلك أن ضمير الآية في قوله تعالى: ﴿فإن طلقها فلا تحل
стр. 53
له﴾، أ، إن طلقها مرة ثالثة، فلا تحل له بعدها، المفهوم من قوله: ﴿الطلاق مرتان﴾، لا يجوز فيه شرعاً غير ذلك، وهذا الحكم مختص به شرعاً؛ أي: بتحريم المطلقة عليه حتى تنكح زوجاً غيره، ويلزم أن يكون التحريم فيما بعد المرتين الأوليين، فإن كل واحدة من الأوليين له فيها الخيار بين الإمساك والتسريح بنص الآية، فيكون التقدير: فإن طلقها مرة ثالثة، فلا تحل له، هذا لا يحتمل خلافاً».
قلت: فهذه الآية صريحها على هذا أن الثلاث متفرقات، والله أعلم.
ثم قال: «ويدل على التقدير لزوم أنه لا يجوز في الآية أن يقال: فإن طلقها، فلا تحل له. لا يجوز أن يكون مستقلاً بنفسه، منفصلاً عما قبله؛ لما في ذلك من لزوم نسخ مشروعية الرجعة في الطلاق من دين الإسلام، ولا قائل به، وذلك لما فيه من عود ضمير المطلق فيه إلى غير موجود في الكلام قبله، معينٍ له، مختص بحكمة، فيكون عاماً في كل مطلق ومطلقة، ولا قائل به، وذلك أن قوله: ﴿فإن طلقها فلا تحل له﴾، جملة مقيدة، والجملة نكرة، وهي في سياق شرط ونفي، فتعم كل مطلق ومطلقة، فيكون ذلك ناسخاً لمشروعية الرد في الطلاق في دين الإسلام، ولا قائل به، فتعين أن يكون قوله: ﴿فإن طلقها فلا تحل له﴾ إتماماً لما قبله؛ أي: متصلاً به، ويكون الضمير فيه عائداً على موجود في الكلام قبله، معين له، مختص بحكم تحريمه في طلاقه إن طلق، وليس فيما قبله ما يصلح عود هذا الضمير إليه، واختصاصه بهذا الحكم من التحريم شرعاً إلا المطلق المفهوم من قوله: ﴿الطلاق مرتان﴾؛ لأنه لو عاد إلى من يطلق في صورة المفاداة المذكورة قبله، كان التحريم مختصاً بطلاق المفاداة، ولا قائل به، ولو عاد إلى من يطلق في صورة الإيلاء المذكورة
стр. 54
قبل هذه الآيات، كان التحريم مختصاً بطلاق المؤلي، ولا قائل به، فتعين أن يكون الضمير عائداً إلى المطلق المفهوم من قوله: ﴿الطلاق مرتان﴾، وهو في نظم الكلام متعين له شرعاً، لا يجوز عوده إلى غيره شرعاً، وأن يكون تقدير الكلام: فإن طلقها مرة ثالثة، فلا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره.
وقد تبين أن معنى هذا الكلام وتقديره: أن الطلاق الرجعي مرتان، فإن طلقها بعدهما مرة ثالثة، فلا تحل له به بعدها حتى تنكح زوجاً غيره، فلم يشرع الله التحريم إلا بعد المرة الثالثة من الطلاق، والمرة الثالثة لا تكون إلا بعد مرتين شرعاً ولغة، وعرفاً، وإجماعاً، إلا ما وقع في هذه المسألة بقضاء الله وقدره».
ثم قال: «فصل: ومما يبين ويوضح بطلان تركيبهم شرعاً ولغة في الطلاق الثلاث وفي غيره أن لفظ التعدد فيه منصوب نصب المصدر، فإن تقدير الكلام: طلقتك طلاقاً، ومعنى المصدر في الكلام، طلقتك تطليقات ثلاثاً، ومعنى المصدر في الكلام إنما هو حكاية حال الفعل في صدوره عن الفاعل، والفعل له حالتان في صدوره عن الفاعل: حالة يكون فيها خبراً عما صدر وقوعه من الفاعل في الماضي، وحالة يكون فيها أداة لما يستعمل فيه من إنشاء العقود والفسوخ استعارة أو اشتراكاً، فإذا أريد به الحكاية والخبر عن الماضي، فإن أريد به إخبار عن حقيقة الفعل ونفي المجاز عنه، أتبع بالمصدر مطلقاً، وأما إذا استعمل الماضي في إنشاء عقد أو فسخ عقد، سواء قيل: إنه على وجه الاستعارة أو الاشتراك، فإن أريد العقد أو الفسخ، أتبع المصدر مطلقاً؛ مثل: طلقتها تطليقاً، وأما إن أريد تعدد العقد أو الفسخ بلفظ واحد في مرة واحدة بمنزلة تعدده بالتكرار مرة
стр. 55
بعد مرة، وأتبع بالعدد وحده، أو مضافاً إلى المصدر «المجموع» مثل: طلقتك ثلاثاً، وقصد به التعدد، أو قال في اللعان: أشهد بالله خمساً أو خمس شهادات، أو قال في القسامة: أقسم بالله خمسين يميناً، أو قال بعد الصلاة: سبحان الله مرة، ثم قال: ثلاثاً وثلاثين، وكذا: الحمد لله، وكذا الله أكبر، وكذا لو قال في اليوم مرة واحدة: سبحان الله وبحمده، وأتبعها: مئة مرة، لم يكن بتكراره في الأيام والأوقات والعدد، فأما غير الطلاق، فلا خلاف فيه، وأما الطلاق، فوقع الغلط فيه من بعد الصحابة».
ثم قال: «فصل: وليس في شريعة الإسلام أن الله -سبحانه- شرع للرجل في طلاق امرأته ثلاث طلقات، ولا أنه حرمها عليه بثلاث طلقات، حتى يقع الشك في جواز جمعها بمثل هذا التركيب مرة واحدة، أو أنه لا يجوز، والطلاق أبغض الحلال إلى الله، والله أعلم».
ثم قال: «فصل: والقول في هذه المسألة بوقوع الطلاق جملة قد شذ، وهو غريب منفرد عن أمثال هذه المسألة، ليس له دليل في الشرع، ولا نظير في اللغة، ولا في قواعد المذاهب، بل كل مسألة تماثل هذه المسألة فقواعد المذاهب فيها بخلافه».
ثم قال: «وإنما غلط الناس في معاني دلائل هذه المسألة، وفي معنى سنة عمر في العقوبة بإمضاء طلاق الثلاث جملة، لما أكثر الناس منه على ما فيه من التلاعب بحكم الله، كما غضب منه عمر، وغضب منه رسول الله ﷺ أيضاً.
وقد ذكر الشيخ شمس الدين بن القيم في «ذم مصائد الشيطان» لما تكلم على هذه المسألة: «أن عمر ﵁ ندم على ما فعله فيها من إمضاء الثلاث».
стр. 56
فإن صح ذلك فهو -والله أعلم- خوفاً من مثل ما وقع فيها بسبب ذلك، من قيام سوق التحليل بتيوس اللعنة، فإنه إنما سن العقوبة بإمضاء الثلاث لما تمكن الشيطان من التلاعب بالناس في ذلك كثيراً، بخلاف ما كان قبل ذلك في زمن النبوة، وفي خلافة النبوة، فإنه كان قليلاً في ذلك الوقت».
ثم قال: «فصل: وقد قدر الله بحكمته البالغة التي لا تدركها عقول عباده غلط أكثر الناس بعد الصحابة ﵃ في معنى ما سنه عمر من إمضاء الثلاث، واتخذوه شرعاً محتوماً من الشارع، وقضوا به على الناس، وفي هذا حرج عظيم على الناس، ولا ريب عند من يفهم وينصف ويريد الله هدايته إلى قبول الحق إذا تبين أن دلائل الشرع تدل على أنه واحدة شرعاً بالكتاب والسنة، فجعل الله غلط الغالطين في سنة عمر سبباً لما قدره من تضييع حكم هذه المسألة، كما قد يضيع حكم غيرها».
ثم قال في آخر هذا الكتاب: «فصل: فقد اجتمع عندي من الدلائل الصحيحة على صحة القول بأن الطلاق الثلاث واحدة سبعة أبواب من دلائل صحيحة، لا يعرف اجتماع مثلها على قول في مسألة خلافية، بل ولا في مسألة إجماعية فيما عرفت، ولا أعرف للقول بمضي طلاق الثلاث في مثل هذا الوقت -وقد قامت سوق التحليل- له مجالاً في دين الإسلام، ولا فيه شبهة صحيحة ولا قوية، ولا هذا يشكل على من يفهم
стр. 57
وينصف ويريد الله هدايته إلى قبول الحق إذا تبين بعد نظره في هذه الدلائل، فإن كل باب منها على انفراده يكفي حجة بين يدي الله وعند من يفهم وينصف على القضاء في دينه بأن الطلاق الثلاث واحدة، مع معرفة حديث (بريدة):
أحدهما: كتاب الله على وجه التنصيص، كما تقدم.
الثاني: السنة، وهي الأحاديث الثلاثة الصحيحة التي رواها طاوس عن ابن عباس وأبي الصهباء: «أن الطلاق الثلاث كانت واحدةً في زمن النبوة، وفي خلافة النبوة، وفي بعض زمن عمر»، ولم يصح في الباب شيء غيرها، وليس للطعن فيها مجال.
الثالث: الإجماع في زمن النبوة، وخلافة النبوة وبعض زمن عمر، ولا تشريع بعد رسول الله ﷺ ، وليس في الإجماعات أصح من هذا الإجماع.
الرابع: القياس الصحيح على مواقع الإجماع في كل ما يماثل حكم هذه المسألة.
الخامس: الاعتبار الصحيح بأحكام الله في عباده، الموافقة لقوله تعالى: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرجٍ﴾.
стр. 58
السادس: قواعد المذاهب بالحكم في كل ما يماثل هذه المسألة بما يماثل هذا القول: بأن الطلاق الثلاث واحدة.
السابع: قواعد اللغة كما تقدم».
قال: (وقد بسط الكلام في كتاب «التحفة والفائدة») ثم قال: «وقد جعلت على نفسي في كل مسألة من هذه المسائل التي أراني الله فيها أن قول ابن تيمية هو شريعة الإسلام، من يريني شريعة إسلامية يصح الاعتماد عليها في مخالفتي، أو أجد أحداً فاهماً لبيباً يفهم ما يقول، وما يقال: وكيفية الاستدلال، بحيث يعرف من نفسه فيما يعرفه أنه يعرفه، فلا يتمارى فيه، وفيما لا يعرفه أنه لا يعرفه، فلا يماري فيه، ولا أجد إلا من لا يدري، ولا يدري أنه لا يدري، فلا حول ولا قوة إلا بالله». ولم يذكر شيئاً هنا.
فصل
قال الشيخ جمال الدين في كتاب «التحفة والفائدة»: «أما بعد، فإن الله -تعالى- قد أطلعني بفضله ورحمته على شيء من غوامض علمه المخزون في غوامض شريعته التي أرسل إلينا بها عبده ورسوله محمداً ﷺ ، وهي كتابه وسنة رسوله، وذلك في أصول الدين وفروعه، وذلك مع بعد ذهني، وقلة علمي وقدري، وقد أطلع الله من شاء من عباده على ما يشاء من علمه، ويسر من شاء منهم للقيام فيه بالقسط، وانظر إلى تواضعه، ولطافته؛ فإنه كان في الزهد والورع والعبادة والتأله، والصدقة والخير، على ما لا
стр. 59
يعلمه إلا الله تعالى. وأما ابن رجب، فإنه كان زاهداً ورعاً أيضاً، لكن بلغني أنه ما عمل كتابه إلا حمية، وذلك أنه كان متباغضاً هو وأولاد مفلح والحنابلة المقادسة، فعمل هذا الكتاب لأجلهم، وبلغني أنه كان شخص يقال له «الحريري»، وكان حنبلياً، وكان يفتي بهذا، فأذاه ابن رجب وضربه».
كما جرت للدوالبي على زماننا كما تقدم، والذي يظهر أن أولاد مفلح والحنابلة المراودة، والذين كانوا على زمانه كانوا يفتون بهذا، وهذا الذي فعله لا يجوز له، فإن أحداً لا يجوز له أن يلعب في دين الله لأجل معاداة الغير. والله أعلم.
ثم قال الجد في هذا الكتاب: «فصل: وقد أجهدت نفسي في هذه المسألة، وأطلت النظر فيها من نحو العشرين سنة، ولا سيما في هذا الوقت بسبب ما وقع من الرجل الظالم في حق الرجل الصالح فيها»، قلت: وأظن الرجل الظالم ابن رجب، والرجل الصالح الحريري.
ثم قال: «ووددت أن أجد في شريعة الإسلام نصاً يصح الاعتماد عليه والاحتجاج به بين يدي الله في موقف القيامة، على صحة المنقول في المذاهب، من القول بوقوع الطلاق الثلاث جملة».
ثم قال في آخر هذا الكتاب: «فصل: وقد ألجأني الغضب لله ، ولرسوله في هذه المسألة، ولنفسي أيضاً، واللجاج من حدة النفس إلى أن جعلت على نفسي جعالة شرعية ألف درهم لمن يعرف
стр. 60
شريعة من شرائع الإسلام يصح الاحتجاج بها بين يدي الله على صحة القول بوقوع الطلاق الثلاث جملة شرعاً، أو على جواز العقوبة بإمضائه في هذا الوقت، مثل جوازها لعمر، أو على جواز التمسك في ذلك بالمنقول في المذاهب بعد بيان مخالفة دلائل الشرع له، فيتحقق بها، ويعلمني أنها بالتحرير والتحقيق، ولم أجعل ذلك لوهم تلبد، ولا لمشاغب مصادر، يماري ويكابر بدعوى التقليد بالتلفيق، من غير تحرير ولا تحقيق، ولذلك جعلت على نفسي في مسألة الحلف بالطلاق بأداة الشرط والجزاء وغيرها مما وهم فيه الغالطون على شيخ الإسلام ابن تيمية مثل مسألة الوقف المترتب على الذرية إذا مات منهم أحد قبل قبول الوقف إليه، وخلف ولداً، ومسألة الزيارة، ومسألة الحوادث، فكل منها قد جعلت على نفسي فيه مثلما جعلت على نفسي في هذه المسألة على هذا الوجه، وهذا القدر المجعول هو قدري بالنسبة إلى حالي، لا قدر هذه الدلائل، ولا قدر من يعرفها ويعلمها؛ فإن الدنيا لا تقوم عندي لذلك؛ لما أجده في قلبي من الهم والحزن من تعطل هذه المسائل عن العمل فيها بمقتضى دلائل الشرع ظاهراً، ولا أجد للحق ناصراً، حتى إن خوفي من إظهار الحق في ذلك أشد من خوفي من أرباب المنكر المجمع على تحريمه، وليس فيه إلا ما قدره الله، وحكمته اقتضت بتسلط الشيطان على هذا النوع الآدمي من خلقه، حتى صاروا حطباً إلى النار، إلا واحداً من كل ألف إلى الجنة، فلا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه، والله الموفق».
стр. 61
ال فصل السابع في فصل النزاع بين الفريقين
فصل النزاع أن يقال: إن كانت مدخولاً بها، وقع ثلاثاً، وإن لم يكن مدخولاً بها، وقع واحدة، كما قد ذكره ابن رجب وأقره. وقد ثبت عن أكثر أهل العلم، فقد وردت أحاديث بالوقوع، وأحاديث بعدمه، فنجمع بين الأحاديث ونقول: يقع بالمدخول بها ثلاثاً، وبغير المدخول بها واحدة؟ فكيف وقد وردت أحاديث أنه يقع بالمدخول بها ثلاثاً، وبغير المدخول بها واحدة؟ فلو لم ترد أحاديث، وجمعنا بين الأدلة، لجاز، فكيف وقد ورد في هذا أحاديث غير واحد؟ والله أعلم.
فصل
وفصل النزاع أيضاً أن يقال: يقع بالبكر واحدة، وبغير البكر ثلاثاً، جمعاً بين الأدلة، وهذا قد ورد عن طائفة من العلماء.
قال في «المغني»: و «كان عطاء، وطاوس، وسعيد بن جبير، وأبو
стр. 62
الشعثاء، وعمرو بن دينار، يقولون: من طلق البكر ثلاثاً، فهي واحدة». وهذا قد ورد عن هؤلاء، فنجمع بين الأدلة، والله أعلم بالصواب.
فصل
وفصل النزاع أيضاً أن يقال: إن كان متقي الله في الطلاق، ولا يطلق كثيراً، وقع واحدة، وإن كان ممن لا يتقي الله -تعالى- في الطلاق، ويطلق كثيراً، وقع ثلاثاً، ردعاً له، كما هو ظاهر الحديث، فإنهم قالوا: إنما كان الطلاق واحدة، على عهد النبي ﷺ ، وأبي بكر؛ لأنم كانوا يتقون الله في الطلاق، وإنما أحدثه عمر لتهاونهم فيه وكثرته منهم. فهذا فصل النزاع فيها، وهو ظاهر، ونص الشارع، وأكثر الأحاديث تدل عليه، والله أعلم بالصواب.
فصل
وفصل النزاع أيضاً أن يقال: إن كان الزوجان زاهدين في بعضهما، وقع ثلاثاً، وإن كانا راغبين في بعضهما؛ لوجود الولد أو نحوه، وقع واحدة، كما هو صريح حديث «ركانة»، وهو قوي أيضاً، ويجمع بين الأدلة فيه أيضاً. والله أعلم بالصواب.
стр. 63
فصل
قال الإمام جمال الدين عن ابن القيم: «إن عمر ندم على ما فعل، وصح».
والله أعلم بصحة هذا، والله أعلم بالصواب.
стр. 64
الفصل الثامن في مذاهب الناس في ذلك
المذهب الأول: أن الثلاث تقع باللفظ الواحد ثلاثاً، وهو مذهب من تقدم ممن ذكر أنه أفتى به.
المذهب الثاني: أنه لا يقع إلا واحدة، وهذا مذهب من تقدم أنه أفتى به أيضاً.
المذهب الثالث: يقع بالمدخول بها ثلاثاً، وبغير المدخول بها واحدة، وهذا قواه ابن رجب في كتابه، ونصره.
المذهب الرابع: يقع بالبكر واحدة، وبغيرها ثلاثاً، وهو مذهب عطاء، وطاوس، وسعيد بن جبير، وأبي الشعثاء، وعمرو بن دينار.
المذهب الخامس: أن يقال: يقع بالمتقي الله واحدة، وبالمطلق كثيراً ثلاثاً، كما هو ظاهر الواقعة.
المذهب السادس: إن كانا راغبين في بعضهما من وجود ولد ونحوه، وقع واحدة، كما هو صريح حديث «ركانة».
المذهب السابع: الوقف في هذه المسألة، وهو قول عبد الله بن الزبير، فإنه لما جاءته، توقف فيها، وقال: «إن هذا لأمر مالنا فيه قولٌ، فاذهب إلى عبد الله بن عباسٍ، وأبي هريرة».
стр. 65
المذهب الثامن: إن نوى الثلاث، وأنها تحرم عليه حتى تنكح زوجاً غيره، وقع، وإلا فلا. ومثل هذه المسألة في المذاهب، ما إذا قال: أنت علي حرام، فإن فيها خمسة عشر مذهباً حكاها في «أعلام الموقعين».
أحدها: أنه لغو باطل لا شيء عليه فيه، وهو أحد الروايتين عن ابن عباس، وبه قال مسروق، وأبو سلمة، وعطاء، والشعبي، وداود، وجميع أهل الظاهر، وأكثر أصحاب الحديث، وهو أحد أقوال المالكية، اختاره أصبغ. والله أعلم.
المذهب الثاني: أنها ثلاث تطليقات، وهو قول علي، وزيد [بن ثابت]،
стр. 66
وابن عمر، والحسن البصري، ومحمد بن عبد الرحمن [بن أبي ليلى].
المذهب الثالث: أنها بهذا القول حرام عليه، صح عن أبي هريرة، والحسن، وخلاس، وجابر بن زيد، وقتادة، وعلي، فيكون عنه روايتان.
المذهب الرابع: الوقف فيها، صح عن علي، وهو قول الشعبي.
المذهب الخامس: أنه إن نوى به الطلاق، كان طلاقاً، وإلا، فهو يمين، وهو قول طاوس، والزهري، والشافعي، ورواية عن الحسن.
المذهب السادس: أنه إن نوى الثلاث، فثلاث، وإن نوى واحدة، فواحدة بائنة، وإن نوى يميناً، فهو يمين، وإن لم ينو شيئاً، فلا شيء، قاله سفيان، وحكاه النخعي عن أصحابه.
المذهب السابع: مثل هذا، إلا أنه إن لم ينو شيئاً، فهو يمين يكفرها، وهو قول الأوزاعي.
стр. 67
المذهب الثامن: مثل هذا أيضاً، إلا أنه إن لم ينو شيئاً، فواحدة بائنة.
المذهب التاسع: أن فيها كفارة ظهار، صح عن ابن عباس، وأبي قلابة، وسعيد بن جبير، ووهب بن المنبه، وعثمان التيمي، وهو إحدى الروايات عن أحمد.
المذهب العاشر: أنها تطليقة واحدة، وهو إحدى الروايتين عن عمر، وقول حماد بن أبي سليمان.
المذهب الحادي عشر: أنه ينوي ما أراده من ذلك في إرادة أصل الطلاق وعدده، وإن نوى تحريماً بغير طلاق، فيمين مكفرة، وهو قول الشافعي.
المذهب الثاني عشر: أن ينوى أيضاً في أصل الطلاق وعدده، إلا أنه إن
стр. 68
نوى واحدة، كانت بائنة، وإن لم ينو طلاقاً، فهو مؤلٍ، وإن نوى الكذب، فليس بشيء، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه.
المذهب الثالث عشر: أنه يمين يكفره ما يكفر اليمين على كل حال، صح عن أبي بكر، وعمر، وابن عباس، وعائشة، وزيد، وابن مسعود، وعبد الله بن عمر، وعكرمة، وعطاء، ومكحول، وقتادة، والحسن، والشعبي، وسعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، وجابر بن زيد، وسعيد بن جبير، ونافع، والأوزاعي، وأبي ثور، والله أعلم.
المذهب الرابع عشر: أنها يمين مكفرة، فيها عتق رقبة، صح عن ابن عباس، وأبي بكر، وعمر، وابن مسعود، وجماعة من التابعين.
стр. 69
المذهب الخامس عشر: أنه طلاق، ثم إن كانت غير مدخول بها، فهو ما نواه من الواحدة وما فوقها، وإن كانت مدخولاً بها، فثلاث، وإن نوى أقل منها، وهو إحدى الروايتين عن مالك.
وذكر بعد هذا تحديد كل مذهب من الأربعة، والله أعلم بالصواب، ولو كان هذا الكتاب بصدده، ذكرناه، لكنه ليس بصدده، وذكرنا هذا لأجل الفائدة.
стр. 70
الفصل التاسع في ذكر الثلاث إذا أتت متفرقة
هذه المسألة لا خلاف فيها أنه يقع ثلاثاً، لا لجمال الدين، ولا للشيخ تقي الدين، ولا لابن القيم، ولا لأحد من الأئمة، ولا لأحد من المسلمين، بل الإجماع منعقد على أنه يقع، وتحرم عليه إلا أن تنكح زوجاً غيره، بالكتاب من قوله: ﴿فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره﴾، على ما ذكرناه، والسنة أشياء كثيرة، والإجماع منعقد عليه، والله أعلم بالصواب.
стр. 71
الفصل العاشر في أنه إذا ثبت الثلاث، لا تحل حتى تنكح زوجاً غيره
هذا أيضاً من المسائل التي لا خلاف فيها، على أنه إذا طلقها ثلاثاً واحدة بعد واحدة، أو حيث قلنا بوقوع الطلاق الثلاث، فإنها لا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره، وهذا صحيح من الكتاب؛ لقوله: ﴿حتى تنكح زوجاً غيره﴾، والسنة، والإجماع، وهذه المسألة لا خلاف فيها بين المسلمين، ومن قال بخلاف هذا، فقد خرج -والعياذ بالله- عن ملة الإسلام، ولزم استتابته، فإن تاب، وإلا قتل؛ لأنه أحل ما حرم الله ورسوله، فإن فعل هذا بالمحلل الذي متى أحلها طلقها، لم يجز هذا بإجماع المسلمين كما سيأتي ذكره؛ لأن هذا النكاح لا يصح، ووجوده وعدمه على حد سواء.
стр. 72
الفصل الحادي عشر ذكر المحلل وأحكامه والله الموفق
قد صح عن عمر -رضي الله تعالى عنه-: «أنه توعد فاعله بالرجم». وانظر إلى هذه المفسدة، وهي كشف الفروج، وقبح ما يرتكبه المحللون مما هو رمد، بل عمى في عين الدين. وشجى في حلوق المؤمنين، من قبائح تشمت أعداء الدين به، فإنها قد غيرت من الدين رسمه، وسمي هذا الفاعل بالتيس المستعار، والتيس الملعون، لما حل إزارها، وكشف النقاب، وخلا في ذلك المرتع، والزوج أو الولي يناديه: لم نقدم لك هذا الطعام لتشبع منه، فقد علمت أنت والزوجة ونحن والشهود والحاضرون والملائكة الكاتبون ورب العالمين أنك لست معدوداً من الأزواج، ولا للمرأة [أو أوليائها بك رضا ولا فرح ولا ابتهاج]، وإنما أنت بمنزلة التيس المستعار للضراب، الذي لولا هذه البلوى، لما رضينا وقوفك على الباب، فالناس يظهرون النكاح فرحاً وسروراً، ونحن نتواصى بكتمان هذا
стр. 73
النكاح، ونجعله أمراً مستوراً بلا إعلان، بل التواصي بهس ومس والإخفاء والكتمان. فالمرأة تنكح لدينها وحسبها ومالها وجمالها، والتيس لا يسأل عن شيء من ذلك؛ فإنه دخل على زوالها وعدم الإمساك. فسل التيس المستعار: هل له في ذلك نصيب، أو هو من حكمة هذا العقد؟ وسله: هل يعد هذا نكاحاً في الشرع، أو العقل أو الفطرة؟ وكيف يلعن رسول الله ﷺ رجلاً من أمته نكح نكاحاً شرعياً صحيحاً، ولم يرتكب في عقده محرماً ولا قبيحاً؟ وكيف يشبهه بالتيس المستعار، وهو من جملة المحسنين الأبرار؟ وكيف تعير به المرأة طول عمرها بين أهلها والجيران، وتظل ناكسة رأسها إذا ذكر ذلك بين النسوان؟ وسل هذا التيس: هل حدث نفسه بنفقة أو كسوة أو وزن صداق؟ وهل طمعت المصابة منه بشيء من ذلك؟ أو طلب منها ولداً نجيباً، أو أمل أن تتخذه عشيراً وحبيباً؟ وسل المرأة: هل تسأل عن حسبه أو ماله، أو حسن عشرته وسعة نفقته؟ وسل التيس: هل يسأل قط عما يسأل عنه من قصد حقيقة النكاح، والنقد الذي يتوصل به الخاطب إلى الملاح؟ وسله: هل هو أب يأخذ، أو أب يعطي؟ وسله عن وليمة عرسه: هل أولم ببعير أو بشاة، أو دعا أحداً من أصحابه فقضى حقه وأتاه؟ وسله: هل يهنأ ويسأل كما يسأل المزوجون، وهل قيل له: «بارك الله لكما وعليكما، وجمع بينكما في خيرٍ وعافية»، أم «لعن الله المحلل والمحلل له» لعنة تامة وافية؟
стр. 74
فصل
ثم سل أدنى من له اطلاعٌ على أحوال الناس: كم من حرة مصونة أنشب فيها المحلل مخالب إرادته، فصارت له بعد الطلاق من الأخدان، وكان بعلها منفرداً بوطئها، فإذا هو والمحلل فيها ببركة التحليل شريكان! فلعمر الله كم أخرج التحليل بن مخدرة من سترها إلى البغاء، وألقاها بين براثن العشراء والحرفاء، ولولا التحليل لكان منال الثريا دون منالها، والتدرع بالأكفان دون التدرع بجمالها، وعناق القنا دون عناقها، والأخذ بذراع الأسد دون الأخذ بساقها! وسل [أهل] الخبرة: كم عقد المحلل على أم وابنتها، وكم جمع ماءه في أرحام ما زاد على أربع، وفي رحم الأختين! وكل ذلك محرم باطل في المذهبين. وهذه مفاسد التحليل، لا ينبغي أن تفرد بالذكر، وهي كموجة واحدة من الأمواج، ومن يستطع عد أمواج البحر؟ وكم من امرأة كانت قاصرة الطرف على بعلها، فلما ذاقت عسيلة المحلل خرجت على وجهها، فلم يجتمع شمل الإحصان والعفة بعد ذلك بشملها! و [ما] كان هذا سبيله، فيكف يحتمل أكمل الشرائع
стр. 75
[وأحكمها] تحليله؟ فصلاة الله وسلامه على من صرح بلعنته، وسماه: التيس المستعار، كما شهد به علي، وعبد الله بن مسعود، وأبو هريرة، وجابر بن عبد الله، وعقبة بن عامر، وعبد الله بن عباس، وأخبر عبد الله بن عمر: «أنهم كانوا يعدونه على عهد رسول الله ﷺ سفاحاً». وفي «مسند» الإمام أحمد، و «سنن» النسائي، و «جامع» الترمذي: عن ابن مسعود قال: «لعن رسول الله ﷺ المحلل والمحلل له»، قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وعنه أيضاً قال: «لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم
следующие страницы →