Полный текст (3 236 стр.). Показаны 2171–2210 · переход к 2176.
стр. 2171
ابن علي بن مشرف بن تركي الحسباني شهاب الدين بن علاء الدين، ولد في رابع المحرم سنة إحدى وخمسين وسبعمائة، وتفقه على أبيه وجماعة غيره منهم شمس الدين بن أبي الحسن الغزي وابن قاضي شهبة وأبي البقاء السبكي، وسمع الحديث من جماعة من أصحاب الفخر منهم العماد بن الشيرجي واحمد بن إسماعيل ومحمد بن حميد وابن أميلة والصلاح ابن أبي عمر، وكتب الكثير وتميز وتقدم في الفقه والحديث مع الدين والصيانة والإنجماع، وجمع نكتا إلى الألغاز للأسنوي، وجمع تاريخاً مفيداً، ودرس وأفتى وولي خطابة الجامع الأموي ونظر الجامع مرارا، وآخر ما علق من تاريخه إلى ذي القعدة سنة خمس عشرة، وقدم القاهرة مرارا آخرها في الرسلية عن الملك المؤيد قبل سلطنته سنة ثمان، وحصل نسخة من تعليق التعليق وشهد لي في عنوانها بالحفظ
стр. 2172
وكتب خطه في أصلي، وأريد على قضاء الشافعية مرارا فامتنع، وولي أخوه الأصغر نجم الدين وهو حي، وانتهت في آخر وقته رئاسة العلم بدمشق، عاش خمساً وستين سنة، وجمع أسماء شيوخه على حروف المعجم، وكان أشياخه ونظراؤه يثنون عليه، وقد شرح قطعه من المحرر لابن عبد الهادي، وله نكت على المهمات وعلى الألغاز، وكان ديناً خيراً، له حظ من عبادة، رأيت في تاريخه في ترجمة والده، وقال: رأيت أبي في النوم في أواخر شهر رجب سنة ثلاث وثمانين وسبعمائة في الأسدية فقمت خلفه فقلت: كيف أنتم؟ فتبسم وقال: طيب، فمشيت معه إلى الباب، فكان من جملة ما سألته أيهما أفضل الاشتغال بالفقه أو الحديث؟ فقال: الحديث بكثير، قال: فقلت له: ادع لي فدعا لي بثلاث: بوفاء الدين، وخاتمة الخير - ونسيت الثالثة، ثم التفت إلى كالمودع فقال: إنهم يشكرونك، فقلت: من؟ قال: الملائكة، فقلت: بالله! قال: نعم، قال: فاستيقظت مسروراً. قال القاضي تقي الدين الشهبي: ولد في المحرم سنة إحدى وخمسين، وحفظ التنبيه، وسمع الحديث فأكثر، واستجيز
стр. 2173
له من بلاد شتى، وجمع لنفسه معجماً مجرداً للتراجم، وأخذ الفقه عن أبيه وابن قاضي شهبة وأبي البقاء وعن الاذرعي والحسباني وابن قاضي الزبداني وابن خطيب يبرود وتاج الدين السبكي وشمس الدين الموصلي والعنابي، وأذن له في التدريس والإفتاء، وناب في الحكم مدة، وجمع الدارس في أخبار المدارس في اخبار المدارس - وهو كتاب نفيس يدل على اطلاع كثير، وذيل على تاريخ ابن كثير، بدأ فيه - من سنة إحدى وأربعين، وشرح المحرر لابن عبد الهادي ولم يكمل، وله نكت على الألغاز للأسنوي. أحمد بن علي بن النقيب الحنفي، تقدم في فقه الحنفية وشارك في فنون، ولد سنة ٥١ ومات سنة ٨٦١ وكان يؤم بالمسجد الأقصى.
أحمد بن ناصر بن خليفة بن فرج بن عبد الله بن يحيى بن عبد الرحمن المقدسي الناصري الباعوني - وناصرة من عمل صفد - القاضي شهاب الدين الباعوني نزيل دمشق - وباعونة قرية - بالقرب من عجلون، وكان
стр. 2174
أبوه حائكاً ثم اتجر في البز وولد له أحمد وإسماعيل، وكان إسماعيل الأكبر، فنشأ يصاحب الفقراء وسكن صفد وتصوف، وناب في الحكم بالناصرة فتخرج به أخوه أحمد، وحفظ المنهاج ولازم الاشتغال وكان قوي الذكاء، عرض محفوظاته على تاج الدين السبكي وابن خطيب يبرود وابن قاضي الزبداني وابن قاضي شهبة وغيرهم وأخذ عنهم وانتفع بهم، وأخذ النحو عن العنابي وأجاز له، وكان مولده في سنة إحدى وخمسين تقريباً، واشتغل بالفقه وسمع الحديث، وكان ذكياً فطنا فقال الشعر وكتب الخط الجيد، ثم وقعت له كائنة مع أهل صفد لكونه مدح منطاش وغض من برقوق، فخرج منها خائفاً يترقب حتى قدم القاهرة ونزل بخانقاه سعيد السعداء، وكان السالمي يعرفه من صفد فنوه به عند الظاهر حتى أحضره عنده وقربه، وعامله معاملة أهل الصلاح، وولاه خطابه جامع دمشق، وولاه القضاء بدمشق في ذي الحجة، وباشر بحرمة وافرة، وكان عريض الدعوى كثير المنامات التي يشهد سامعها بأنها باطلة، ثم عزل وحصلت له إهانة فسجن، ثم أطلق ولزم داره، ثم ولي خطابة بيت المقدس، ثم ولاه الناصر قضاء دمشق سنة اثنتي عشرة فباشره مباشرة - حسنة بعفة ونزاهة ومداراة وحرمة، وعزل بقيت معه وظائف فاستمر فيها، ونظم كتاباً في التفسير، وهو الذي أثبت المحضر المكتتب على الناصر
стр. 2175
بالعظائم الشنيعة، ثم لما توجه المستعين إلى القاهرة أقام الباعوني بدمشق إلى أن مات، وكان طوالا مهاباً فصيح العبارة جميل المحاضرة حسن المذاكرة سريع الدمعة جداً مقتدراً على ذلك حتى حكى لي من شاهده يبكي بعين واحدة، وكان عفيفاً نزهاً لا يحابى ولا يداهن ولا يعاب إلا بالإعجاب والتزيد في الكلام والمنامات، ثم كان ممن قام في خلع الناصر فولاه المستعين قضاء الديار المصرية، ثم صرف بعد استقرار الأمر من غير أن يباشره لم يرسل إلى القاهرة نائباً، ثم ولي خطابة الجامع بدمشق ثم صرف، وقد اجتمعت به ببيت المقدس، وأنشدني من نظمه، وسمعت عليه جزءاً سمعه من أحمد بن محمد الأيكي صاحب الفخر ثم اجتمعت به بالقاهرة، وهو القائل:
ولما رأت شيب رأسي بكت … وقالت عسى غير هذا عسى
فقلت البياض لباس الملوك … وإن السواد لباس الأسى
فقالت صدقت ولكنه … قليل النفاق بسوق النسا
وله قصيدة في العقيدة أولها:
أثبت صفات العلي وأنف الشبيه فقد … أخطا الذين على ما قد بدا جمدوا
стр. 2176
وضل قوم على التأويل قد عكفوا … فعطلوا وطريق الحق مقتصد
قال القاضي تقي الدين الشهبي: كان يكاتب السلطان فيما يريد فيرجع الجواب بما يختار، وانضبطت الأوقاف في أيامه، وحصل الفقهاء مالا كانوا لا يصلون قبله، وانتزع مشيخة الشيوخ من ابن أبي الطيب كاتب السر. وقال أيضاً: وقعت له أمور تغير خاطر برقوق عليه منها وكان طلب منه اقتراض مال الأيتام فامتنع، فعزل في جمادى الآخرة سنة ست وتسعين بعدما باشر سنتين وشهرا، وعقدت له بعد عزله مجالس ولفقوا عليه قضايا فلم تسمع عليه - مع كثرة من تعصب عليه - أنه ارتشى في حكم ولا أخذ من قضاة البر شيئاً، ثم إنه بعد ذلك ولي خطابة القدس مدة، ثم ولاه الناصر خطابة دمشق والمشيخة، ثم أضاف إليها القضاء في صفر سنة اثنتي عشرة، ثم صرفه شيخ بعد ثلاثة أشهر.
قال: وكان خطيباً بليغاً، له اليد الطولى في النظم والنثر والقيام التام في الحق، وكتب بخطه كثيراً وجمع أشياء، مات في رابع المحرم.
стр. 2177
أحمد الخالدي أحد القراء بصفد، وكانت عنده عبادة وخير وله شهرة، مات بصفد في ذي القعدة.
أبو بكر بن حسين بن عمر بن عبد الرحمن بن أبي الفخر بن نجم بن طولو العثماني المراغي نزيل المدينة زين الدين بن حسين الشافعي، ولد سنة ثمان أو تسع وعشرين، واشتغل بالقاهرة فسمع الحديث من صالح بن مختار وعبد القادر بن الملوك وأحمد بن كشتغدى وأخذ عن الشيخ تقي الدين السبكي والشيخ جمال الدين الأسنوي، ثم دخل المدينة فاستوطنها، وأجاز له قديما في سنة تسع وعشرين أبو العباس الحجار وأحمد ابن مزير والبرزالي والمزي وآخرون، خرجت له عنهم أربعين حديثاً عن أربعين شيخاً، وخرج له الحافظ جمال الدين ابن موسى مشيخة عن شيوخه بالسماع والإجازة وحدث بها، وتفرد بالرواية عن أكثر شيوخه،
стр. 2178
وعمل شرحا على المنهاج واختصر تاريخ المدينة، سمعت عليه بمنى وبالمدينة وبمكة، وولي قضاء المدينة وخطابتها سنة تسع وثمانمائة، ثم عزل بزوج بنته أبي حامد بن المطري، ومات في سادس عشر ذي الحجة، وكان بعض من يتعصب عليه ينسبه إلى الخرف والتغيير، ولم يمع ذلك فقد سمعت عليه بمكة سنة خمس عشرة وهو صحيح وأخبرني من أثق به أنه استمر على ذلك، عاش دون تسعين سنة إلا يسيرا.
أبو بكر بن يوسف بن أبي الفتح العدني رضي الدين ابن المستأذن حج كثيراً وقدم القاهرة، وتعانى النظر في الأدب ومهر في القراآت، وتكلم على الناس بجامع عدن وخطب، ولم ينجب سمعت، من نظمه وسمع مني كثيراً، مات وقد جاوز السبعين -
стр. 2179
جابر بن عبد الله الحراشي - بمهملتين وبعد الألف معجمة - ولد سنة ست وخمسين ونشأ بها، وتعانى التجارة ثم خدم الشريف حسن بن عجلان وكان نظير الشاد له في أمور مكة، واشتهر بالأمانة والحرمة وبحسن المباشرة حتى قرر لبني حسن الرسوم وزادهم، وبني بجدة فرضة، ثم تغير على مخدومه حسن بن عجلان ووالى أصحاب ينبع وباشرهم وعمل لهم قلعة ولمدينتهم سورا، وكان السبب في ذلك أن حسن بن عجلان تنكر عليه في رمضان سنة تسع فقبض عليه، ثن أفرج عنه فتوجه إلى اليمن، ثم قدم مصر موليا على حسن فما أفاده ذلك، فرجع وكان قد دخل مصر أيضا فثار عليه الناصر وصادره وحمله في الحديد فتسلمه، ثم أفرج عنه وأعاده إلى ولاية جدة، فباشرها على عادته، فاتهمه حسن بموالاة بن أخيه رميثة بن محمد بن عجلان، وكان رميثة قد هجم على مكة في جمادى الآخرة سنة ست عشرة وهجم على جدة منها، فقام جابر في الصلح فلم يفده ذلك عند حسن إلا التهمة موالاة رميثة، ثم ظفر به حسن فشنقه على باب شبيكة، وكان داهية ماكراً داعية إلى مذهب
стр. 2180
الزيدية، أرسل به الناصر إلى حسن بن عجلان سنة ثلاث عشرة فقتله بعد ذلك في هذا السنة في النصف من ذي الحجة.
حسام الدين حسام بن عبد الله الصفدي وكان ممن يعتقد ببلده، وله زاوية بحارة يعقوب بصفد، مات في شهر ربيع الأول.
حسن بن علي بن محمد الأبيوردي حسام الدين، الشافعي الخطيب نزيل مكة، كان عالماً بالمعقولات: ثم دخل اليمن واجتمع بالناصر ففوض تدريس بعض المدارس بتعز فعاجلته المنية، وكان قد
стр. 2181
أخذ عن الشيخ سعد الدين التفتازاني مع الدين والخير والزهد وله من التصانيف ربيع الجنان في المعاني والبيان وله غيره ذلك.
رزق الله بن فضل الله بن يونس القبطي تاج الدين ابن أبي الكرم ويقال له عند الرزاق - أول ما باشر ديوان النائب ثم ولي نظر الجيش بدمشق - فباشرها مدة وعزل في أثناء ذلك بسبب تغير الدول وكان ريئيسا محتشماً كثير المداراة إلى الناس والعصبية لمن يقصده، مات في رجب.
عائشة بنت محمد بن عبد الهادي بن عبد الحميد ابن عبد الهادي ابن يوسف بن محمد بن قدامة، المقدسي الأصل أبوها الصالحية، ولدت سنة أربع وعشرين وسبعمائة، وأحضرت في الرابعة على الحجاز سنة
стр. 2182
ست وعشرين، وسمعت عليه أربعي الطائي وأربعي الحجار وغير ذلك، وأسمعت صحيح مسلم على جماعة من أصحاب ابن عبد الدائم ومعظم السيرة على عبد القادر بن الملوك، وشاركت أختها فاطمة في كثير من المسموعات والمجازات وتفردت، وممن أجاز لها إبراهيم بن صالح بن العجمي من حلب، والشيخ شرف الدين البارزي من حماة، والبرهان الجعبري من بلد الخليل، وعبد الله بن محمد بن يوسف من نابلس، وتفردت بالسماع من الحجار ومن جماعة، وسمع منها الرحالة فأكثروا، وكانت سهلة في الإسماع سهلة الجانب، ومن العجائب أن ست الوزراء كانت آخر من حدثت عن ابن الزبيدي بالسماع ثم كانت عائشة آخر من حدثت عن صاحبه الحجار بالسماع وبين وفاتهما مائة سنة، ماتت في ربيع الأول.
عبد الله بن محمد بن أحمد بن قاسم، العمراني الحرازي المكين عفيف الدين، ابن القاضي تقي الدين ابن الشيخ شهاب الدين، عني بالعلم وتنبه في الفقه، ومات بمكة وله بضع وستون سنة.
عبد القوي بن محمد بن عبد القوي، البجائي المغربي المالكي، الفقيه، نزيل مكة، تفقه وأفاد ودرس وأعاد وأفتى، وكان خيراً دينا، مات في شوال وقد جاوز الستين.
عثمان بن إبراهيم بن أحمد بن فخر الدين البرماوي، اشتغل كثيراً ومهر
стр. 2183
في القراآت وولي تدريس الظاهرية فيها بعد الشيخ فخر الدين إمام الجامع الأزهر، وكان نبيهاً في العربية، وسمع الحديث كثيراً ورافقنا في بعض ذلك، واستملى بعض مجالس عند شيخنا العراقي، وناب في الحكم، مات فجأة عند خروجه من الحمام في تاسع عشر شعبان ولم يكمل الخمسين، وكان أبوه قد عمر فاستقبله بعشر ستين.
العجل بن نعير بن حيار بن مهنا يقال اسمه يوسف بن محمد، ولد بعد الثمانين ونشأ في حجر أبيه، ثم لما بلغ العشرين فارقه ومال مع جكم، ولما وقع بين جكم وبين ابن صاحب الباز حضر نعير في نصر ابن صاحب الباز والباز وابنه مع جكم، فلما كسر جكم نعيرا وأسره أحضر ابنه العجل فقبل يده وأعرض عنه وذلك سنة ثمان، ثم هرب العجل من جكم فقرر جكم في إمرة العرب فضل بن علي بن نعير، ثم حاصر العجل حماة، فجاء نوروز من دمشق فأوقع به وكسره ونهب له شيء كثير، ثم اتصل العجل بشيخ وحضر معه حصار حماة ونوروز بها، فلما ولي شيخ نيابة حلب فر منه العجل، فخرج شيخ إلى تل السلطان لمنع العجل من قسم إقطاعات العرب وقسمها هو، ثم إن نوروز تصالح مع العجل ورد عليه إقطاعه بعد قتل الناصر، ثم لما ولي نوروز يشبك بن أزدمر حلب
стр. 2184
وطردوه عنها واختاروا دمرداش وكان بقلعة الروم بطالا حضر نوروز إلى حلب فهرب دمرداش وقرر نوروز بحلب طوخ فلما رجع نوروز طرق دمرداش - حلب بغتة فاستنجد طوح بالعجل فحضر فرحل دمرداش، ثم فهم طوخ من العجل عدم المناصحة واتفق أن العجل طلبه لضيافة عملها له فتعلل، فركب العجل إلى طوخ في نحو العشرة أنفس فلاقاه طوخ
стр. 2185
في نحو العشرين فلما التقيا وتصافحا أمسك طوخ يد العجل وأشار إلى بعض أتباعه فقتله، وذلك في تاسع عشر ربيع الأول، ويقال إنه كان حينئذ سكراناً وكان شهما فتاكاً محبا للخمر شديد السطوة والجرأة، فلما قتل من أغضبه بغير موجب قتل، وبقتله انكسرت شوكة آل مهنا.
على بن عبد الله المصري نور الدين القرافي الحنفي، ناب في الحكم ومهر في ذلك، وشارك في مذهبه، مات في رمضان.
علي بن محمد بن محمد الدمشقي. صدر الدين ابن أمين ابن الأدمي الحنفي، ولد سنة سبعين، واشتغل بالأدب ونظر في الفقه وكتب الخط الحسن، وناب في الحكم وولي كتابة السر ونظر الجيش بدمشق، واشتغل بالقضاء بدمشق ثم بالقاهرة، وجمع له القضاء والحسبة في دولة المؤيد كما تقدم وقد أصيب مرارا وامتحن، ودخل القاهرة مع المؤيد فقيراً جداً حتى أنه احتاج إلى نزر يسير اقترضه من بعض أصحابه، ولما مات خلف من المال جملة مستكثرة، وكان لا يتصون ولا يتعفف - سامحه الله مات في رمضان بعلة الصرع القولنجي وبها مات أبوه، ومن نظمه ما أنشدني لنفسه وكنت قد اقترحت عليه أن يعمل على نمط قولي
نسيمكم ينعشني والدجى … طال فمن لي بمجيء الصباح
ويا صباح الوجه فارقتكم … فشبت هما إذ فقدت الصباح
стр. 2186
فعمل ذلك في سنة سبع وتسعين، وأنشدنيه عنه جماعة ثم لقيته فأنشدنيه لنفسه:
ما متهمي بالصبر كن منجدي … ولا تطل رفضي فإن على ل
أنت خليلي فبحق الهوى … كن لشجوني راحما يا خلي ل
عمر بن الشيخ خلف الطوخي، سقط من سطح جامع الحاكم فمات وكان خيراً حسن السمت.
فتح الله بن معتصم بن نفيس الداودي التبريزي، فتح الدين الحنفي، ولد سنة تسع وخمسين، وقدم مع أبيه إلى القاهرة فمات أبوه وهو صغير فكفله عمه بديع بن نفيس، فتميز في الطب وبرع، وقرأ المختار في الفقه، وتردد إلى مجالس العلم وتعلم الخط وباشر العلاج، وصحب بيبغا السابقي في أيام الأشرف واختص به، فرافقه من ممالكيه الأمير شيخ الصفوي، وكان بارع الجمال فانتزعه برقوق لما قبض على السابقي وصار من أخص
стр. 2187
المماليك عنده، فزوج فتح الله أمه وفوض أموره وأسكنه معه، فاشتهر حينئذ وشاع ذكره، واستقر في رئاسة الطب بعد موت عمه بديع، ثم عالج برقوق فأعجبه، وكان يدري كثيراً من الألسنة ومن الأخبار فراج عند الظاهر واختص به وصار له مجلس لا يحضر معه فيه غيره، وباشر رئاسة الطب بعفة ونزاهة، فلما مات الكلتساني قرره الظاهر في كتابه السر بعد أن سعى فيها بدر الدين ابن الدماميني بمال كثير فلم يقبل عليه الظاهر أحد أوصيائه واستمر في كتابه السر بعده، ولم ينكب إلا في كائنة ابن غراب ثم عاد، وكانت خصاله كلها حميدة إلا البخل والحرص والشح المفرط حتى بالعارية، وبسبب ذلك نكب فان يشبك لما هرب من الوقعة التي كانت بينه وبين الناصر ترك أهله وعياله بمنزل بالقرب منه فلم يقرئهم السلام ولا تفقدهم بما قيمته الدرهم الفرد فحقد عليه ذلك، وكان ذلك أعظم الأسباب في تمكين ابن غراب من الحط عليه، فلما كانت النكبة المشهورة لجمال الدين كان هو القائم بأعبائها، وعظم أمره عند الناصر من يومئذ وصار كل مباشر جل أو حقر لا يتصرف إلا بأمره، فلما انهزم الناصر وغلب شيخ استمر به وقام بالأمر على عادته إلى أن نكبه في شوال سنة خمس عشرة وثمانمائة واستمر إلى أن مات، قرأت بخط الشيخ تقي الدين المقريزي: كان لفتح الله فضائل جمة غطاها شحه حتى اختلق عليه أعداؤه معايب برأه منها فإني صحبته مدة طويلة تزيد على العشرين
стр. 2188
ورافقته سفراً وحضرا فما علمت عليه إلا خيراً بل كان من خير أهل زمانه عقلاً وديانة وحسن عبادة وتأله ونسك ومحبة للسنة وأهلها وانقياداً إلى الحق مع حسن سفارة بين الناس وبين السلطان والصبر على الأذى وكثرة الاحتمال والتؤدة وجودة المحافظة وكان يعاب بالشح بماله فإنه كان يخذل صديقه أحوج ما يكون وقد جوزي بذلك، فإنه لما نكب هذه المرة تخلى عنه كل أحد حتى عن الزيارة فلم يجد معينا ولا مغيثاً فلا قوة إلا بالله.
فضل بن عيسى بن رملة بن جماز أمير آل علي، كان ممن نصر برقوق لما خرج من الكرك فصار وجيهاً عنده ولم يزل إلى أن قتله نوروز في ذي القعدة، وولي الإمرة خمساً وثلاثين سنة.
محمد بن إبراهيم بن عبد الحميد بن علي الموغاني نزيل مكة، اشتغل بالأدب ونظم الشعر وكان به صمم فكان لذكائه يدرك ما يكتب له في الهواء وما يكتب في كفه بالإصبع ليلاً، مات بمكة وقد قارب الستين، وقد حاكاه في ذلك صاحبنا عبد الرحمن بن علي الحلبي الأصل سبط الشيخ أبي أمامة ابن النقاش.
محمد بن أحمد بن خليل، المصري شمس الدين الغراقي - بالمعجمة
стр. 2189
وتشديد الراء بعد الألف قاف - اشتغل كثيراً وتمهر في الفرائض وشغل الناس فيها بالجامع الأزهر وكثرت طلبته، وأم بالجامع المذكور نيابة مع الدين والخير وحسن السمت والتواضع والصبر على الطلبة، وكان يقسم التنبيه والمنهاج فيقرن بينهما جميعاً في مدة لطيفة، وقد سمع من عز الدين ابن جماعة بمكة وحدث وجاور كثيراً، وكان يعتمر في كل يوم أربع عمر، ويختم كل يوم ختمة، مات في خامس شعبان.
محمد بن عبد الله الججيني الحنفي الملقب القطعة، كان من أكبر الحنفية معرفة باستحضار الفروع مع جمود ذهنه، وكان خطه رديئاً إلى الغاية، وكان رث الهيئة خاملاً، مات في رمضان.
محمد بن عمر العوادي - بفتح المهملة والواو الخفيفة - جمال الدين التعزي، اشتغل ببلده وشغل الناس كثيراً، واشتهر وأفتى ودرس ونفع
стр. 2190
الناس وكثرت تلامذته ثم ولي القضاء ببلده، فباشر بشهامة وترك مراعاة أهل الدولة، فتعصبوا عليه حتى عزل، وقد أراق في مباشراته الخمور وأزال المنكرات وألزم ود بتغيير عماتمهم، ثم بعد عزله أقبل على الاشتغال والنفع للناس إلى أن مات.
محمد بن محمد بن سلام، الإسكندراني ثم المصري، نزيل جزيرة الفيل، ناصر الدين، أحد التجار الكبار بالقاهرة، صاهر البرهان المحلي على ابنته فعظم أمره، ثم لما مات خلف أموالاً عظيمة فتصرف في أكثرها محب الدين المشير وغيره وتمزقت أمواله، وكان عمر دارا جليلة بجزيرة الفيل، فاستأجرها ناصر الدين البارزي وشيدها وأتقنها وأضاف إليها مباني عظيمة إلى أن صارت دار مملكة أقام بها لملك المؤيد مدة، ثم بعد ذلك عادت الدار إلى أصحابها وفرق بين المساكين، ومات في أول هذه السنة.
محمد بن محمد بن عثمان، الدمشقي، القاضي شمس الدين الإخناي السعدي، كان يذكر أنه من ذرية شاور وزير الفاطميين، ولد سنة سبع وخمسين، وأشتغل قليلاً وناب في الحكم عن البرهان ابن جماعة بدمشق في بعض البلاد ثم ناب بدمشق، ثم ولي قضاء حلب في سنة سبع وسبعين عوضاً عن ناصر الدين خطيب يبرين نحو سنتين ثم دمشق في الأيام
стр. 2191
الظاهرية والناصرية، ثم ولي قضاء الديار المصرية مراراً ثم أخرجه جمال الدين الأستادار إلى دمشق فولي قضاءها مراراً أيضاً، ثم امتحن مراراً، وكان شكلاً ضخماً حسن الملتقى كثير البشر والإحسان إلى الطلبة عارفاً بجمع المال كثير البذل على الوظائف والمداراة للأكابر، وكان قليل الفقه فربما افتضح في بعض المجالس ولكنه يستر ذلك بالبذل والإحسان، اجتمعت به عند السالمي وعند الكركي ولم يتفق أنني اجتمعت به في منزله لا بدمشق ولا بالقاهرة، وكنت بدمشق سنة اثنتين وثمانمائة وهو قاضيها فلم أجتمع به، وما كنت حينئذ أدمن الاجتماع بأحد من الرؤساء ولكني اجتمعت به في مجلس الحديث في بيت قطلوبغا الكركي ومرة أخرى في بيت يلبغا السالمي، وكان يقول: أنا قاضي كريم والبلقيني قاض عالم - عفا الله عنه مات في رجب ولم يكمل السبعين.
محمد بن محمد بن محمد بن مسلم بن علي بن أبي الجود ناصر الدين
стр. 2192
ابن الغرابيلي الكركي، ولد بها سنة ٥٣، وكان أبوه من أعيانها فنشأ في نعمة، واشتغل بالعلم والآداب، وصاهر العماد الكركي على ابنته، وسكن القاهرة سنين، ثم ولي نيابة قلعة الكرك، ولما عزل سكن القدس إلى أن مات في شعبان، وكان فاضلاً يرجع إلى دين، وأنجب ولده الحافظ تاج الدين الغرابيلي الذي مات سنة خمس وثلاثين.
موسى بن أحمد بن موسى الرمثاوي ثم الدمشقي الشافعي، شهاب الدين، ولد سنة ستين تقريباً، واشتغل وأخذ عن الشيخ شرف الدين الغزي ولازمه وأذن له في الإفتاء، وأخذ الفرائض عن محب الدين المالكي وفضل فيها، وأخذ بمكة عن ابن ظهيرة، وأخذ طرفاً من الطب عن الرئيس جمال الدين. وكتب بخط ومهر، وتعانى الزراعة، ثم تزوج بنت شيخه
стр. 2193
الشرف فماتت معه، فورث منها مالاً ثم بذل مالا، حتى ناب في الحكم واستمر، ثم ولي قضاء الكرك سنة أربع وعشرين، قال ابن قاضي شبهة في تاريخه: كان سيئ السيرة وفتح أبواباً من الأحكام الباطلة فاستمرت بعده، وكان عنده دهاء، ومات بدمشق في ربيع الأول، وقيل إنه سم وصاهر الإخناي وقد امتحن مرة.
سنة سبع عشرة وثمانمائة
استهلت وقد صمم السلطان المؤيد على سف الشام لقتال نوروز فخرج في رابع محرم من القلعة إلى الريدانية في قليل من العسكر، واستناب الطنبغا العثماني في باب السلسلة، وقرر للحكم الحاجب، وفي القلعة صماي وبردبك، وقرر صدر الدين ابن العجمي في نظر الجيش بدمشق، وصرف عن التربة الظاهرية، وأعيد إليها حاجي فقيه، وأعيدت المواريث لديوان الوزارة، وفي هذا اليوم هبت ريح شديدة تلاها رعد وبرق ومطر غزير وبرد ملأ وجه الأرض كل واحد قدر. . . وأكبر من ذلك فخربت عدة دور، وجمع منه الكثير حتى بيع في الأسواق بستة كل رطل، وأحضروا للسلطان منه وهو معسكر بالريدانية في طبق، فأعجبه ذلك واستبشر به وتفاءل بأنه يدك بلاد الثلج، وكان ذلك في بشنس من الأشهر القبطية وقد وقع قريب من ذلك سنة تسع وتسعين في سلطنة الظاهر برقوق، واستمر متوجهاً في تاسع المحرم ومعه الخليفة الجديد والقضاة وأرباب الدولة
стр. 2194
ثم رحل فنزل على قبة يلبغا في ثامن صفر، وكان سبب تباطئه في السير الاحتراز على نفسه من أعدائه وممن معه، وفي غضون ذلك كان يحضر جماعة بعد جماعة من الظاهرية والناصرية يفرون من نوروز، وأكثرهم ممن كان يؤثر الإقامة بالديار المصرية، ومن أسباب ذلك أنه كان وقع الغلاء في الشام ثم التقت طلائع الفريقين فترجحت طليعة نوروز وكان شيخ بشقحب فركب م فدهمهم فانهزم أصحاب نوروز واستعد نوروز للحصار وحصن القلعة، فبعث المؤيد مجد الدين قاضي الحنابلة في طلب الصلح فامتنع فوقعت الحرب، ووصل كزل نائب طرابلس فحمل بمن معه فانهزم نوروز كعادته وامتنع بالقلعة، وملك المؤيد البلد ونزل بالميدان وحاصر القلعة إلى أن ضاق نوروز بالأمر ومال إلى طلب الصلح فأرسل قمش فقرر له الصلح، ونزل هو يشبك ابن أزدمر وسودون كسا وبرسبغا وإينال وغيرهم، فقبض عليهم جميعا وقتلوا في ليلتهم، وبعث برأس نوروز إلى القاهرة، فوصلوا بها على باب القلعة،
стр. 2195
صحبه شرباش فاشوق وكان يومئذ أمير عشرة، وكان أول ما تقدم نوروز تقدمة في صفر سنة سبع وسبعين في اليوم الذي تآمر فيه شيخ طبلخاناة، ثم توجه المؤيد إلى جهة حلب في ثامن جمادى الأولى، ثم توجه منها في أول جمادى الآخرة إلى الابلسيتن، ودخل إلى ملطية وقرر قواعد البلاد، ووافاه نواب القلاع فقرر من أراد وصرف من رأى صرفه، وقتل طوغان نائب قلعة الروم وقرر فيها جانبك الحمزاوي ورجع إلى القاهرة، واستناب في ملطية كزل وفي حلب إينال الصصلاي وفي حماة تنبك البجاسي وفي طرابلس سودون بن عبد الرحمن، وفي الكرك يشبك المشد - وقد صارت خرابا من الفتن، ثم قدم دمشق فوصل في ثالث رجب فاستناب فيها قانباي المؤيد - وسار القدس فوصلها في أول شعبان، ومضى إلى غزة فاستناب فيها طرباي، وسار منها فدخل سرياقوس في رابع عشري شعبان وأقام بها إلى آخر الشهر، وعمل أوقاتا بالقراء والمغنيين والسماعات، وفرق على أهل
стр. 2196
الخانقاه مالاً، وركب يوم الأربعاء سلخ شعبان فبات بالريدانية، وأصبح يوم الخميس فعسكر وطلع إلى القلعة، فانتقض عليه ألم رجله من ضربان المفاصل وانقطع به مدة.
وفي ثامن رمضان نفي شرباش كباشة وأرغون إلى القدس، واستقر الطنبغا العثماني أتابك العساكر بالقاهرة بعد موت يلبغا الناصري وكان قد مات في حال رجوعهم من الشام.
وفي ثاني عشرة قبض على قجق وننبغا المظفري وتمنتمرءارق وسجنوا بالإسكندرية، وعزل الأموي عن قضاء المالكية وأعيد جمال الدين الأقفاصي، وقرر صماي في نيابة الإسكندرية، وأحضر ابن محب الدين وكان قد ظلم فيها وعسف في غيبة المؤيد، فوصل في آخر الشهر وقدم تقدمة قومت بخمسة عشر ألف دينار فخلع عليه وأعيد إلى الإستادارية، وكان ابن أبي الفرج قد هرب من حماة إلى بغداد لأمر بلغه من السلطان خاف منه على نفسه، فسد تقي الدين ابن أبي شاكر متعلقات الأستادارية في هذه المدة إلى هذا الغاية، وفيه ضيق على الخليفة المستعين وكان قد أفردت له في القلعة دار فأقام فيها هو وأهله وخدمه، ثم نقل إلى البرج الذي كان الظاهر برقوق سجن فيها والده الخليفة المتوكل، فأقام فيه
стр. 2197
في ضيق شديد إلى أن أخرجه في ذي الحجة من السنة المقبلة إلى الإسكندرية.
وفي خامس عشر رمضان استقر سودون القاضي حاجباً كبيراً عوضاً عن قجق واستقر قجقار القردمي أمير مجلس وجانبك الصوفي أمير سلاح عوضاً عن شاهين الأفرم بعد موته، واستقر تاني بك ميق رأس نوبة عوضاً عن جانبك الصوفي، واستقر كزل العجمي أمير جندار عوضاً عن شرباش كباشة، واستقر اقبائي الخازندار في الديودارية الكبرى عوضاً عن جاني بك الدويدار، وكان قد مات في هذا السفرة من سهم أصابه في حصار دمشق فضعف منه إلى أن مات بحمص.
وكان سعر الغلال في هذا الشهر من هذه السنة في غاية الرخص حتى كان ثمن كل ثلاثة أردب من القمح ديناراً واحداً هذا في البلد، وأما في الريف فكان يصح بالدينار الواحد أربعة أرادب وخمسة أرادب، وكثر حمل النارنج حتى بيع كل مائة وعشر حبات بدرهم واحد بندقي ثمنه من الفلوس اثنا عشر درهما.
وفي شوال سجن بالإسكندرية سودون الأسندمري وقصروه وكمشبغا الفيسي وشاهين الزردكاش، وأحضر كمشبغا العيساوي من دمياط، وفيه أمر المؤيد بضرب الدراهم المؤيدية فشرع فيها وكان
стр. 2198
ما سنذكره في السنة المقبلة.
وفيه جلس المؤيد في الحكم بين الناس بالإصطبل، واستقر ذلك يوم السبت والثلاثاء أول النهار وفي يوم الجمعة بعد الصلاة، وكان يسمع الحكومة ويردها غالباً إلى القضاة إذا كانت شرعية.
وفي ليلة الخميس رابع عشر شوال خسف القمر وظل منخسفاً قدر أربع ساعات.
وفيه راجت الدراهم البندقية وحسن موقعها من الناس، وحض المؤيد الإستادار وغيره من المباشرين على مصادرة أهل الظلم من البرد دارية والرسل والمتصرفين، وكانوا قد كثروا جداً في أيام جمال الدين يوسف وتزايدت أموالهم بحيث أن واجداً منهم يقال له سعد أنشأ ببركة الرطلي داراً صرف عليها نحو خمسين ألف دينار، فمال عليهم ابن محب الدين وصادر أكثرهم، واشتد المؤيد في جلوسه للحكم على طائفة القبط وأسمعهم ما يكرهون. وضرب جماعة منهم بالمقارع وحط من قدرهم، وأوقع التوكيل بود والنصارى حتى ألزموا بحمل عشرين ألف دينار مصالحة عما مضى لهم من الجزية، واستقر زين الدين قاسم البشتكي في تحصيل ذلك منهم وفي نظر الجوالي.
وفي سلخ شوال أضيفت حسبة القاهرة ومصر إلى التاج الوالي
стр. 2199
وقبض على منكلي بغا الحاجب المحتسب فوكل به أياما ثم أطلقه.
وفي أول يوم من ذي القعدة توجه السلطان إلى وسيم بالجيزة ثم توجه إلى تروجة. وقرر كمشبغا الميساوي في كشف الوجه البحري وفي شوال سعى كاتب السرابن البارزوي في احضار القاضي علاء الدين المغلى قاضي حماه فاذن له فاحضر في ذي القعدة فوجد السلطان في سفره تروجة. فأقام عند كاتب السر إلى أن قدم السلطان ثم كان ما سنذكره في السنة المقبلة.
وفي هذا السنة كثر الوباء بكورة البهنسا فمات خلق كثير.
وفي خامس ذي الحجة كان أمير الحاج وهو جقمق الدويدار قد منع عبيد أهل مكة من حمل السلاح في الحرم، فاتفق أن واحداً منهم دخل ومعه سيفه ولم يسمع النداء، فأحضر إلى جقمق فضربه وقيده، فبلغ ذلك رفقته فأرادوا إثارة الفتنة، فبادر جقمق فأغلق أبواب المسجد وأدخل خيله فيه ومشاعله، فهجم عبيد مكة بالسلاح ركوباً على الخيل إلى المسجد، فمشى أهل الخير وأشاروا عليه بإطلاق ذلك العبد تسكينا للفتنة، فأطلقه فسكنت، وقام الشريف حسن بإطفاء الفتنة ومنع القواد من القتال بعد أن وقع بينهم الشر، وحصل لبعض الحاج عند الدفع من عرفة نهب وجراج، وقتل في المعركة جماعة، ولم يحج أكثر أهل مكة خوفا على أنفسهم.
стр. 2200
وفيها مات يغمور بن بهادر الدكري من أمراء التركمان هو وولده بالطاعون في أول ذي القعدة.
وفيها تواقع قرا يوسف وشاه رخ ابن تمر لنك، ثم اصطلحا وتصاهرا.
وفي أواخر السنة عيد شاه رخ عيد النحر بمدينة قزوين، وأرسل إلى قرا يوسف يلتمس منه أموراً ذكرها، فكان ما سنذكره في العام الآتي.
وفيها مات غير من تقدم من الأمراء سليمان بن هبة بن جماز ابن منصور الحسيني مسجوناً في آخر ذي الحجة وقد ولي إمرة المدينة مرة، وفي أولها مات طوغان.
وفي هذه السنة جددت مئذنة جامع الأزهر وكانت أصلحت في سنة ثمانمائة فكملت في هذه السنة فأمر المؤيد بتجديدها، فهدمت وأعيدت بحجر منحوت، وجددت تحتها بوابة جديدة وكتب عليها اسم السلطان، وكان تكميل ذلك في السنة المقبلة.
وفيها أخذ الفرنج سبتة، وكان السبب في ذلك أن أحمد بن أبي سالم المريني نزل عنها لابن الأحمر صاحب غرناطة، فانتقل ما كان فيها من العدد والأسلحة والذخائر إلى غرناطة، ثم اتفقت الفتنة المقدم ذكرها في سنة أربع عشرة بين السعيد وقريبه أبي سعيد إلى أن قتل السعيد،
стр. 2201
وأعقب ذلك الغلاء والوباء بمدينة فاس والغرب كله، فولى السعيد على فاس رجلا سامهم سوء العذاب، ثم أرسل أبو سعيد إليها رجلاً من أقاربه يقال له صالح، بن صالح فتناهى في الظلم وفشا فيهم الموت، وبلغ ذلك الفرنج فعمروا عليهم عدة مراكب فحصر صالح أهل الجبال وأنزلهم على البلد، فرجع الفرنج إلى جزيرة بين سبته وجبل الفتح يسمى طرف القنديل فأقام بها، فطال الأمر على أهل الجبال وظنوا أن الفرنج رجعوا إلى بلادهم وقلت على أهل الجبال الأزواد فتفرقوا، فبلغ ذلك الفرنج فنازلوا أهل سبتة فقاتلوه فغالبهم بالكثرة، وملكوا منهم المينا، فخرج المسلمون بأهلهم وأموالهم وما قدروا عليه، فدخل الفرنج البلد في سابع شعبان من هذا السنة، ونقلوا ما كان بها حتى الكتب العلمية، وكان بها منها شيء كثير إلى الغاية، ونقلوا ما وجدوا بها من الرخام والآلات والأمتعة حتى الأنوال، وتركوها قاعا خرابا، ومع ذلك فهي بأيدهم فلا قوة إلا بالله.
стр. 2202
ذكر من مات سنة سبع عشرة وثمانمائة من الأعيان
أحمد بن أبي أحمد، المقرئ الحلبي، اعتنى بالقرآن فكان يقرئ بمسجد يجاور الشاذبختيه بحلب مدة، ثم تحول من حلب إلى القدس قبل الوقعة العظمى، ثم انتقل إلى دمشق فأقام بها، ثم إلى طرابلس فتأهل بها واستمر إلى أن مات في شوال سنة ٨١٧ أثنى عليه القاضي علاء الدين في تاريخه على خيره ودينه.
أحمد بن عبد الله المالقي. الناسخ، كان شافعي المذهب إلا أنه يحب ابن تيمية ومقالاته، وكان حسن الخط كتب ثلاثمائة مصحف وعدة نسخ من صحيح البخاري وأشياء غير ذلك، مات في شوال مطعوناً، وأرخه القاضي تقي الدين ابن قاضي شهبة في جمادى الأولى سنة خمس عشرة - فليحرر هذا.
أبو بكر بن علي بن سالم بن أحمد الكناني، تقي الدين العامري، ابن
стр. 2203
قاضي الزبداني، ولد في ذي الحجة سنة خمسين، واشتغل بدمشق فبرع في الحساب، وشارك في الفقه قرأ في الأصول، وولي قضاء بعلبك وبيروت، وقدم القاهرة بعد الفتنة الكبرى، وكان أسر مع التمرية ثم تخلص وأخبر عن بعض من أسره أنه قال له: علامة وقوع الفتنة كثرة نباح الكلاب وصياح الديكة في أول الليل، قال: وكان ذلك قد كثر في دمشق قبل مجيء تمر لنك، وكان يقرأ في المحراب جيداً، وولي قضاء كفرطاب، وتقدم في معرفة الفرائض والحساب، وكان ديناً خيراً يتعانى المتجر، مات بدمشق في ذي الحجة.
حسن بن موسى بن مكي القدسي الشافعي بدر الدين قاضي القدس، سمع من الميدومي جزء ابن عرفة، جزء البطاقة، وغير ذلك وحدث عنه وولي قضاء القدس مراراً وكان مزجي البضاعة في العلم، مات عن ستين سنة.
سعد بن علي بن إسماعيل الهمداني الحنفي ثم العيني، سعد الدين، نزيل حلب، كان فاضلاً عاقلاً ديناً، له مروءة ومكارم أخلاق، وله وقع في النفوس الخيرة ونفعه للطلبة وإحسانه م بعلمه وجاهه، مات في أول
стр. 2204
شعبان وخلف ولده سعد الدين سعد الله، ولم تطل مدته بل مات سنة ٢١ ولم يكهل.
شاهين الأفرم، مات في الرملة عند توجههم إلى قتال نوروز، وكان مشهوراً بقلة الدين بل كان بعض الناس يتهمه في إسلامه، وذكر لي الشيخ برهان الدين ابن زقاعة شيئاً من ذلك، وقال العينتابي: كان مدمنا على الخمر واللواط، ولم يشتهر عنه خير ولا معروف مع كثرة أمواله.
عبد الله بن صالح بن أحمد بن عبد الكريم بن أبي المعالي الشيباني المكي، سمع من عثمان بن الصفي الطبري والفخر النوري والسراج الدمنهوري وغيرهم وتفرد بالرواية عنهم بمكة، وكان خطيباً بجدة، مات في ربيع الآخر وقد قارب الثمانين، وقد تقدم ذكر أخيه جار الله بن صالح.
عبد الله بن علي بن محمد بن علي بن عبد الله بن أبي الفتح الكناني العسقلاني الحنبلي، جمال الدين سبط القلانسي، ولد سنة خمسين، وأحضر عند الميدومي، وأسمع القلانسي والعرضي وابن الملوك، وحدث بالكثير في آخر أمره واحب الرواية فأكثروا عنه، وكان أبوه قاضي القضاة وكان هو بزي الجند مع الدين والعبادة وعلى ذهنه مسائل نفيسة، مات في نصف السنة بالقاهرة.
стр. 2205
عبد الرحمن بن حيدر بن أبي بكر بن علي الشيرازي الدهقلي التاجر، سمع من أحمد بن محمد الجوخي وغيره بدمشق، وكان أبوه من طلبة الحديث فأسمعه الكثير ثم ضاعت أسمعته، لقيته بزبيد فحدثني عن ست العرب بنت محمد بن الفخر، ثم لقيته بعدن فحدثني عن ابن الجوخي وأجاز لي، ومات في جزيرة من جزائر الهند وقد قارب السبعين.
عبد الرحمن بن علي بن يوسف الحسن بن محمود الزرندي الحنفي المدني، ابن القاضي نور الدين، ولد قبل سنة خمسين، واشتغل. . . . . .، وسمع من العلائي، وولي قضاء المدينة بعد أخيه أبي الفتح سنة أربع وثمانين إلى أن مات إلا أنه عزل مرة سنة أربع وثمانمائة ثم أعيد، وولي حسبة المدينة أيضاً، وحدثنا بمسلسل التمر بالمدينة ولم أضبط ذلك عنه، وتفرد بالإجازة من الزبير بن علي الأسواني راوي الشفاء، مات في ربيع الأول.
стр. 2206
عبد الرحمن بن عمر بن أحمد بن عبد الله بن المهاجر زين الدين، ولد سنة، وولي مشيخة خانقاه الصالح بحلب ثم ولي كتابة السر بها ثم ولي نظر الجيش، وكان حسن السيرة؛ مات في شعبان بعد أن أرتفع الطاعون.
عبد الرحمن بن محمد الحضرمي، الزبيدي، وجيه الدين، سمع من خاله عيسى بن أحمد بن أبي الخير الشماخي وعلي بن شداد، وأجاز له خالاه عبد الرحمن وإبراهيم ابنا أحمد بن أبي الخير، وكان يحفظ كثيراً من أحاديث الأحكام ويذاكر بأشياء حسنة وأشعار؛ مات في أول المحرم وله ثلاث وثمانون سنة.
محمد بن عبد الله بن ظهيرة بن أحمد بن عبد الله بن عطية بن ظهيرة ابن مرزوق بن محمد بن سليمان المخزومي المكي الشافعي، جمال الدين، أبو حامد، ولد سنة خمسين تقريباً ثم تحرر لي أنه ولد في شوال سنة إحدى وخمسين وعني بالحديث فرحل فيه إلى دمشق وحلب وحماة ومصر والقدس وغيرها، وحصل الأجزاء والنسخ، وكتب الكثير بخطه الدقيق الحسن، وبرع في الفقه والحديث، وشغل الناس وأفادهم
стр. 2207
نحو من أربعين سنة بمكة، ومن شيوخه في الحديث بدمشق أبن أميلة وابن الهبل وابن أبي عمر صلاح الدين من أصحاب الفخر وجماعة من أصحاب التقى سليمان ومن بعدهم، ومن شيوخه في الفقه بمكة عمه أبو الفضل النويري، وبدمشق البهاء السبكي وقرأ عليه الحديث بمصر، والأذرعي بحلب، والبلقيني بمصر، ولازم شيخنا العراقي في الحديث وقد خرج له صاحبنا غرس الدين خليل معجماً عن شيوخه بالسماع والإجازة في مجلد وقد شرح هو قطعة من الحاوي، وله عدة ضوابط نظما ونثرا، وله أسئلة تدل على باع واسع في العلم، استدعى الجواب عنها من شيخنا البلقيني فأجابه عنها، وهي معروفة تلقب الأسئلة الملكية، ومن ضوابطه في المواطن التي يزوج فيها الحاكم، انشدها عنه رفيقه الحافظ برهان الدين بحلب وذكر إن شيخنا البلقيني لما سمعها أعجبه وبالغ في شكره لقوله فيها إسلام أم الفرع وهي لكافر:
عدم الولي وفقده ونكاحه … وكذاك غيبة المسافر قاصر
وكذاك إغماء وحبس مانع … أمة لمحجور توارى القادر
إحرامه وتعزز مع عضله … إسلام أم الفرع وهي لكافر
وحدث بكثير من مروياته بالمسجد الحرام وقد سمعت منه وحدثني من لفظه، وهو أول شيخ سمعت الحديث بقراءته بمصر ي سنة ست وثمانين وقد ولي قضاء مكة سنة ثمانمائة - وعزل وأعيد
стр. 2208
مراراً، ومات وهو قاض في شهر رمضان وكان كثير العبادة والأوراد مع السمت الحسن والسكون والسلامة - رحمه الله تعالى.
محمد بن عزيز الواعظ، الحنفي، كان فاضلاً ذكياً، ولي مشيخة اليونسية ودرس بغير مكان، وكان حسن الخط والعشرة كريم النفس، كتب بخطه كثيراً؛ ومات في جمادى الآخرة.
محمد بن محمد بن محمد، المخزومي الإسكندراني، فتح الدين، سمع من ابن نباتة سيرة ابن هشام وحدث بها عنه بمكة، وكان يتعانى التجارة فنهب مرة وأملق وأقام بزبيد ينسخ للملك الأشرف، ثم حسنت حاله وتبضع فربح، ثم والى الأسفار إلى أن أثرى وجاور بمكة، ثم ورد في البحر قاصداً القاهرة؛ فمات بالطور في أوائل شعبان.
محمد بن يعقوب بن محمد بن إبراهيم بن عمر، الشيرازي الشيخ العلامة مجد الدين، أبو الطاهر الفيروزابادي، كان يرفع نسبه إلى الشيخ أبي إسحاق الشيرازي صاحب التنبيه، ويذكر أن بعد عمر أبا بكر بن أحمد بن أحمد ابن فضل الله بن الشيخ أبي إسحاق، ولم أزل أسمع مشايخنا يطعنون في
стр. 2209
ذلك مستندين إلى أن أبا إسحاق لم يعقب، ثم ارتقى الشيخ مجد الدين درجة فادعى بعد أن ولي قضاء اليمن بمدة طويلة أنه من ذرية أبي بكر الصديق وزاد إلى أن رأيت بخطه لبعض نوابه في بعض كتبه محمد الصديقي، ولم يكن مدفوعاً عن معرفة إلا أن النفس تأبى قبول ذلك، ولد الشيخ مجد الدين سنة تسع وعشرين وسبعمائة بكازرون وتفقه ببلاده، وسمع بها من محمد بن يوسف الزرندي المدني صحيح البخاري وعلى بعض أصحاب الرشيد بن أبي القاسم، ونظر في اللغة فكانت جل قصده في التحصيل فمهر فيها إلى أن بهر وفاق أقرانه، ودخل الديار الشامية بعد الخمسين فسمع بها وظهرت فضائله وكثر الآخذين عنه، ثم دخل القاهرة، ثم جال في البلاد الشمالية والمشرقية ودخل الهند، وعاد منها على طريق اليمن قاصداً مكة ودخل زبيد، فتلقاه الملك الأشرف إسماعيل بالقبول، وكان ذلك بعد وفاة جمال الدين الريمي قاضي الأقضية باليمن كله فقرره الأشرف مكانه وبالغ في إكرامه مرارا فاستقدت قدمة بزبير واستمر في ذلك إلى أن مات وقدم في هذه المرة مكة وأقام بها وبالطائف، ثم رجع وصنف القاموس المحيط في اللغة لا مزيد عليه في حسن الاختصار وميز فيه زياداته على الصحاح بحيث لو أفردت لكانت قدر الصحاح وأكثر في عدد الكلمات وقرئ عليه؛ وكان أولاً ابتدأ بكتاب كبير في اللغة سماه اللامع والمعلم العجاب الجامع بين المحكم والعباب، وكان يقول لو كمل لكان مائة مجلد، وذكر عنه الشيخ برهان الدين الحلبي أنه تتبع أوهام المجمل لابن فارس في ألف موضع وكان مع ذلك يعظم ابن فارس
стр. 2210
ويثني عليه، وقد اكثر المجاورة بالحرمين، وحصل دنيا طائلة وكتبا نفيسة لكنه كان كثير التبذير، وكان لا يسافر إلا وصحبته عدة أحمال من الكتب، ويخرج أكثرها في كل منزلة ينظر فيها ويعيدها إذا رحل، وكان إذا أملق باعها، وكان الأشرف كثير الإكرام له حتى أنه صنف له كتابا وأهداه له على أطباق فملأها له دراهم، وصنف للناصر كتابا سماه تسهيل الوصول إلى الأحاديث الزائدة على جامع الأصول، والإصعاد على رتبة الاجتهاد في أربعة أسفار، وشرع في شرح مطول على البخاري ملأه بغرائب المنقولات، وذكر لي أنه بلغ عشرين سفراً إلا أنه لما اشتهرت باليمن مقالة ابن العربي ودعا إليها الشيخ إسماعيل الجبرتي وغلب على علماء تلك البلاد، صار الشيخ مجد الدين يدخل في شرح البخاري من كلام ابن العربي في الفتوحات ما كان سببا لشين الكتاب المذكور، ولم أكن أتهم الشيخ بالمقالة المذكورة إلا أنه كان يحب المداراة، وكان لناشري فاضل الفقهاء بزبيد يبالغ في الإنكار على إسماعيل - وشرح ذلك يطول، ولما اجتمعت بالشيخ مجد الدين أظهر لي إنكار مقالة ابن العربي وغض منها، ورأيته يصدق بوجود رتن الهندي وينكر على الذهبي قوله في الميزان أنه لاوجود له، قال الشيخ مجد الدين: إنه دخل قريته ورأى
следующие страницы →