← История

История · id 26001

إنباء الغمر بأبناء العمر - ط الهندية

ابن حجر العسقلاني

Полный текст (3 236 стр.). Показаны 3151–3190 · переход к 3156.

стр. 3151

إلى ستة عشر، وكان العليق أربع ويبات بدينار فوصل إلى ويبتين، ووصل الحمل الفول الصحيح إلى عشرة، وكان البقسماط رخيصاً فوصل إلى ستين درهماً كل عشرة، وكاد الجمالة أن يهربوا، فقدر وصول الخبر بوصول المراكب إلى الساحل، فتراجع السعر إلى أن صار وسطاً بعد ما كان أولاً وآخراً. وتوجه خلق كثير من الركب إلى الساحل فأحضر الدقيق والعليق. ولزم من ذلك أن أقاموا بالينبع أربعة أيام، ولما وصلوا إلى منزلة بدر ولم يجدوا بها عليقا بيع النوى كل ويبة بثلث أفلوري والبقسماط بسبعين العشرة. وكان مع ذلك اللحم واللبن والبطيخ كثيراً. ومات شعبان بواب دار الضرب قبل رابغ بيوم، وكان وصول الركب إلى مكة سحر يوم الخميس، ولم يروا الهلال تلك الليلة لكثرة الغيم، وسألوا أهل مكة فلم يخبر أحد منهم برؤيته. وتمادوا على أن الوقفة تكون يوم السبت، وأشار عليهم القاضي الشافعي أن يخرجوا يوم الخميس ويسيروا إلى عرفة ليدركوا الوقوف ليلة السبت احتياطاً ويقفوا يوم السبت أيضا. فبينا هم على ذلك إذ دخل الركب الشامي فأخبروا برؤية الهلال ليلة الخميس وانه ثبت عند قاضيهم، فبنوا على ذلك ووقفوا يوم الجمعة ونفروا ليلة السبت على العادة، وذكر أنه وجد بمكة رخاء كثيراً؛

стр. 3152

قال: ووصلت إلى جدة عدة مراكب وأسرعوا تفريغها، فكان يدخل إلى مكة كل يوم خمسمائة جمل، وبيع الشاش الخنبيسني بافلورين ونصف إلى ثلاثة - والأرز البيرمي من افلوري إلى ثلاثة. قال: ووصل إلى مكة من اللؤلؤ والعقيق مع - السروي شيء كثير إلى الغاية. قال: وفي اليوم الثاني من ذي الحجة ازدحم الناس فمات أربعة عشر نفساً، ثم دخل الركب الغزاوي ثم الشامي ثم الحلبي ثم الكركي ثم الصفدي ثم البغدادي ثم التركماني إلى أن امتلأت بيوت مكة وشعابها وجبالها وامتدوا إلى منى؛ قال: ولما وصلوا إلى عرفات أرجف مرجف بأن السيد بركات هجم جدة ونهبها، ولم يظهر صحة ذلك، ووصل قاسم أخو بركات حاجاً فأمنه الشريف علي ولم يحدث منه سوء مع أنه أشجعهم وأفرسهم، وندب أخاه الذي يقال له سيف ليأخذ جماعة ويتوجه إلى حراسة جدة، ثم اتفق أخاه الذي يقال له سيف ليأخذ جماعة ويتوجه إلى حراسة جدة، ثم اتفق معه على إن يحفظ الحاج بمنى وعرقة، وتأخر هو عن الخروج مع الحاج ليلة التاسع، فلما كان بعد عصر عرفه ثارت غبرة عظيمة ثم ظهر خلق كثير فرسان وغيرهم، فظن الناس أنه بركات جاء في جمعه لينهبهم، فانكشف الغبار فإذا هو علي ومن معه، أدركوا الوقوف بعرفة، وصحبته أخوه إبراهيم وكان قد تغيب عنه بمكة، فلما وجده اعتذر بأنه قيل له إنه عزم على إمساكه، فتنصل من ذلك

стр. 3153

واستصحبه معه فحصلت الطمأنينة للناس، ونزلوا منى صبيحة اليوم العاشر، وتجهز المبشر في ذلك اليوم فدخل القاهرة ليلة الأحد خامس عشري ذي الحجة. وفي الثاني من ذي الحجة لبس السلطان البياض. لأن الحر كان اشتد من يومين ووافق السابع عشر من برمودة، فتقدم قبل عادة القيظ بعشرين يوماً. وفي الرابع عشر - من ذي الحجة توجه القاضيان الشافعي والحنفي والمحتسب وجماعة إلى كنيسة اليهود الكائنة بقصر الشمع بمصر، فوجدوا فيها منبراً ثلاث عشرة درجة يشبه أن يكون قريب العهد بالتجديد، فتشاوروا في أمره فهم في أثناء ذلك ظهر في الدرجة التي يقف عليها الخطيب أو يقعد كتابة يلوح أثرها، فقال لهم الشافعي: تأملوا هذه الكتابة، فتداولها جماعة منهم حتى تبين أنها محمد وهي ظاهرة وأحمد وهي خفية، فاقتضى الرأي إزالة المنبر المذكور فصورت دعوى، وحكم نور الدين بن آقبرس نائب الحكم وناظر الأوقاف بإزالته وتأخر المحتسب لذلك وافترقوا، ثم قام الشيخ امين الدين يحيى ابن الأقصرائي في كشف كنائس اليهود والنصارى فأبطلت عدة كنائس، ختم على أبوابها إلى أن يتضح أمرها، فمنها واحدة للملكيين، وجد فيها دعائم بالحجر العص

стр. 3154

النحيت مثل الأعمدة، فادعوا أنها كانت ذات أعمدة رخام فاحترقت في سنة ثلاث وسبعمائة، وأخرجوا لها محضراً ثبت على القاضي جلال الدين القزويني وأذن في مرمتها فرموها بالحجارة وهي دون الرخام. . وفي التاسع والعشرين منه استقر سودون الذي كان دويدارا عند طوغان أمير آخور الكبير - المؤيدي، واستقر في آخر دولة الاشرف أمير شوي فاستقر الآن في نظر أوقاف المساجد والجوامع والزوايا بالوجهين القبلي والبحري، فصار نظار الأوقاف الأهلية ثلاثة أنفس: نور الدين بن آقبرس وشرف الدين أبو بكر المصارع، وسودون أمير شوي. ذكر من مات في سنة خمس وأربعين وثمانمائة من الأعيان أحمد بن علي بن عبد القادر بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن تميم بن عبد الصمد الشيخ تقي الدين المقريزي، واصلهم من بعلبك ثم تحول

стр. 3155

أبوه إلى القاهرة وولي بها بعض ولايات من متعلقات القضاة وولي التوقيع في ديوان الإنشاء، وكان مولد تقي الدين في سنة ست وستين وسبعمائة، ونشأ نشأة حسنة، وحفظ كتاباً في مذهب أبي حنيفة تبعاً لجده لأمه الشيخ شمس الدين بن الصائغ الأديب المشهور، ثم لما ترعرع وجاوز العشرين ومات أبوه سنة ست وثمانين تحول شافعياً، وأحب إتباع - الحديث فواظب على ذلك حتى كان يتهم بمذهب ابن حزم ولكنه كان لا يعرف به، ونظر في عدة فنون، وأولع بالتاريخ فجمع منه شيئاً كثيراً وصنف فيه كتباً، وسمع من شيوخنا وممن قبلهم قليلاً كالطبردار وحدث ببعض مسموعاته، وكان لكثرة ولعه بالتاريخ

стр. 3156

يحفظ كثيراً منه، وكان إماماً بارعاً مفنناً متقناً ضابطاً ديناً خيراً، محباً لأهل السنة يميل إلى الحديث والعمل به حتى نسب إلى الظاهر - حسن الصحبة، حلو المحاضرة، وحج كثيراً واور مرات، وقد رأيت بعض المكيين قرأ عليه شيئاً من تصانيفه فكتب في أوله نسبه إلى تميم ابن المعز بن المنصور بن القائم بن المهدي عبيد الله القائم بالمغرب قبل الثلاثمائة، والمعز هو الذي بنيت له القاهرة وهو أول من ملك من العبيديين - فالله أعلم، ثم إنه كشط ما كتبه ذلك المكي من أول المجلد، وكان في تصانيفه لا يتجاوز في نسبه عبد الصمد بن تميم، ووقفت على ترجمة جده عبد القادر بخط الشيخ تقي الدين بن رافع وقد نسبه أنصارياً فذكرت ذلك له، فأنكر ذلك على ابن رافع وقال: من أين له ذلك! وذكر لي ناصر الدين أخوه أنه بحث عن مستند أخيه تقي الدين في الانتساب إلى العبيديين، ذكر له أنه دخل مع والده جامع الحاكم فقال له وهو معه في وسط الجامع: يا ولدي! هذا جامع جدك؛ مات الشيخ تقي الدين في يوم الخميس سابع عشري شهر رمضان. أحمد بن يوسف الخطيب الملقب درابة - بضم المهملة وتشديد الراء بعد الألف موحدة - شهاب الدين، اشتغل قليلاً وجلس مع الشهود

стр. 3157

دهراً طويلاً، وعمل توقيع الحكم ثم توقيع الدرج ثم توقيع الدست، وكان سليم الباطن قليل الشر، وفيه غفلة؛ مات في رجب وقد قارب التسعين. داود بن محمد أمير المؤمنين المعتضد بالله أبو الفتح بن أمير المؤمنين أبي عبد الله المتوكل على الله، مات في يوم الأحد رابع شهر ربيع الأول وقد قارب التسعين بعد مرض طويل، وعهد بالخلافة لأخيه شقيقه سليمان ولقب بالمستكفي بالله -. طيبغا مملوك الصاحب بدر الدين ابن نصر الله، مات في ٢ المحرم وكان قد أمر بحماة في الدولة الاشرفية. عبد الله بن محمد بن الجلال نائب الحكم جمال الدين الزيتوني الشافعي أخذ عن شيخنا رهان الدين الأبناسي وغيره، واشتغل كثيراً وتقدم ومهر ونظم الشعر المقبول الجيد وأفاد، وناب في الحكم وتصدر وكان قليل الشر كثير السكون والكلام فاضلاً، أظنه قارب السبعين - بتقديم السين؛ مات في يوم الخميس سادس عشر رجب. عبد الله بن محمد جمال الدين البرلسي، اشتغل قليلاً وكان يتعانى بزي الصوفية ويصحب الفقراء ثم دخل مع الفقهاء، وناب في الحكم

стр. 3158

قليلاً في بعض البلاد -، ثم منع من ذلك لكائنة جرت له لأن الشافعي لما منعه ناب عند الحنفي، فعين عليه قضية تتعلق بكنيسة اليهود، فحكم فيها بحكم يلزم نقض حكم سابق على حكمه من قاضي القضاة علاء الدين بن المغلي الحنبلي، فأنكر عليه وقوبل على ذلك وصرف عن نيابة الحكم واستمر إلى أن مات في رجب، وأظنه مات في عشر التسعين - بتقديم المثناة. عبد الله بن محمد جمال الدين ابن الدماميني المخزومي - الإسكندراني قاضي الإسكندرية، وليها أكثر من ثلاثين سنة، وكان قليل البضاعة في العلم لكنه كثير البذل ضخم الرياسة، سخي النفس، أفنى مالاً كثيراً في قيام صورته في المنصب ودفع من يعارضه فيه وركبه الدين، ثم تحصل له إرث أو أمر من الأمور التي يحصل تحت يده بها مال من أي جهة كانت ساغت أم لم تسغ فيوشك أن يبذرها في ذلك، وآخر ما اتفق له أن المعروف بسرور المغرب قام في عزله إلى أن عزل بشمس الدين ابن عامر أحد نواب الحكم من القاضي شمس الدين البساطي، وامتنع

стр. 3159

القاضي بدر الدين بن - التنسي من استنابته فحسن الشيخ سرور للسلطان تولية ابن عامر فولاه، فدخل إلى الإسكندرية وباشر القضاء بها، وخرج جمال الدين قبله فقدم القاهرة وهو موعوك فتوسل بكل وسيلة إلى أن أعيد إلى منصبه، وصرف ابن عامر فاستمر خاملاً، وأداروا الحيلة في إفساد صورة الشيخ سرور إلى أن تمت، ونفي إلى المغرب بأمر السلطان، ثم شفع به فأمر بإعادته، فصادف أنه كان أنزل في مركب إفرنجي ليسافر به إلى بلاد المغرب فوصل البريدي مساء، ففهموا أنه جاء في إطلاقه فغالطوه بقراءة الكتاب إلى أن يصبح ودسوا إلى الفرنجي فأقلع بمركبه ليلاً، فلما أصبحوا وقرئ الكتاب أمر بإصعاده، فقيل سافر في المركب، ورجع البريدي واستمر سفر الشيخ سرور -، فلم ينتفع القاضي بعده بنفسه بل استمر متعللاً، واشيع موته مراراً إلى أن تحقق ذلك في هذا الشهر ذي القعدة، أظنه جاوز الستين، وعين للقضاء بعده الشيخ شهاب الدين التلمساني، فوليه وتوجه فباشره، وتحفظ بمباشرته إلى أن شاعت سيرته المستحسنة واستمر، وانطفأت تلك الجمرة كأنه لم تكن، ولم يترك جمال الدين بعده من يخلفه من أهل بيته، وانقطع خبر الشيخ سرور فقيل إن الإفرنجي اغتاله فلحق الظالم بالمظلوم فكانا كما قال الله تعالى ضعف الطالب والمطلوب.

стр. 3160

عبد الرحمن بن علي الشيخ زين الدين ابن الصائغ كاتب الخط المنسوب، تعلم الخط المنسوب من الشيخ نور الدين الوسمي، فأتقن قلم النسخ حتى فاق فيه على شيخه، وأحب طريقة ابن العفيف فسلكها، واستفاد فيها من شيخنا الزفتاوي وصارت له طريقة منتزعة من طريقة ابن العفيف وغازي، وكان الوسمي كتب على غازي وغازي كتب اولاً على ابن أبي رقيبة شيخ شيخنا الزفتاوي وهو تلميذ ابن العفيف، ثم تحول غازي عن طريقة ابن العفيف إلى طريقة ولدها بينها وبين طريقة الزكي العجمي، فاق أهل زمانه في حسن الخط ونبغ في عصره شيخنا الزفتاوي لكنه لم تحصل له نباهة لسكناه بالفسطاط، ومهر عبد الرحمن وشيخنا وكذا شيخه، وصرح كثير بتفضيله عليه، ونسخ عدة مصاحف وكتب، وقرر مكتباً في عدة مدارس، وانتفع أهل العصر به وحصل له في آخر عمره انجماع بسبب ضعف، فانقطع إلى أن مات في نصف شوال في عشر الثمانين. عبد الرحمن بن يوسف بن أحمد بن سليمان بن داود بن سليمان زين الدين أبو محمد وأبو الفرج ابن قريج - بقاف وراء وجيم مصغر - ابن الطحان

стр. 3161

الحنبلي الصالحي المسند، مولده في سنة ١٦٤، واعتنى به أبوه فاسمعه على صلاح الدين ابن أبي عمر المسند، وعلي عمر بن أميلة جامع الترمذي والسنن لأبي داود ومشيخة الفخر ابن البخاري وعمل اليوم والليلى لابن السني كما ذكر وعلى زينب بنت قاسم ما في المشيخة من جزء الأنصاري وصحيح مسلم كما ذكر على البدر محمد بن علي بن عيسى بن قواليح سنة ٧٧٧: أنا علي بن يعيش وغيره، وقرأ بنفسه على ابن المحب حرسي: أنا المطعم ويحيى بن سعد والحجار سماعاً والتقى سليمان بن حمزة إجازة: أنا ابن اللبي، وجميع فوائد الكنجروديات تخريج السكري: أنا ابن الزراد، وكتاب اليقين لابن أبي الدنيا: أنا أبو بكر بن عبد الدائم أنا محمد بن إبراهيم بن سليمان الإربلي سماعاً ونصر بن عبد الرزاق الجيلي وخليل بن أحمد الجوسقي أجازة قالوا: أنا شهدة، وكتاب الأربعين الصوفية لأبي نعيم: أنا إسحاق الآمدي، وسمع من لفظه كثيراً، وسمع على أبي الهول علي بن عمر الجزري كتاب الذكر لابن أبي الدنيا: أنا التقي سليمان

стр. 3162

ابن حمزة نبأنا الشهاب عمر السهروردي أنا هبة الله الشبلي، وقرأ على أحمد بن العماد وأبي بكر بن العز شيخنا بالإجازة، ومحمد بن الرشيد وعبد الرحمن ابن السبط كتاب التوكل لابن أبي الدنيا قالا: أنا العماد أبو عبد الله محمد بن يعقوب الجرائدي ويحيى بن سعد قالا أنا عبد الرحمن ابن مكي، وعلي ابن أبي بكر بن يوسف بن عبد القادر الخليلي جزءاً في فضل ركعتي الفجر وغير ذلك من أمالي القاضي أبي عبد الله المحاملي: أنا محمد بن غازي الحجازي أنا يحيى بن محمد القرشي أنا عبد الصمد بن محمد الأنصاري أنا عبد الكريم بن الخضر السلمي أنا الخطيب بسنده؛ مات بقلعة الجبل في يوم الاثنين بعد العصر السابع والعشرين من صفر بعد أن تمرض أياماً يسيرة، وأسمع في قدمته سنن أبي داود وقطعة كبيرة من المسند. عبد الرحيم بن محمد بن أبي بكر الرومي الحنفي نائب الحكم زين الدين، اشتغل قليلاً، وتنزل في المدارس، وناب في الحكم مدة؛ ومات في رجب وقارب السبعين أوأكملها. علي بن محمد نور الدين الويشي - وهو بكسر الواو وسكون المثناة من نحت بعدها معجمة، وكان قد طلب العلم فاشتغل كثيراً ونسخ بخطه

стр. 3163

الحسن شيئاً كثيراً، ثم تعاني الشهادة في القيمة فدخل في مداخل عجيبة واشتهر بالشهادات الباطلة - والله سبحانه عفو غفور! مات في ذي القعدة. محمد بن عبد الرحمن بن أبي أمامة أبو أمامة بن أبي هريرة الدكالي الأصل المعروف بابن النقاش، مات في يوم الثلاثاء سادس عشري شعبان وقد قارب السبعين، اشتغل قليلاً وهو شاب، ثم صار يخالط الأمراء في تلك الفتن التي كانت بعد وفاة برقوق فجرت له خطوب، وقد خطب نيابة عن أبيه بالجامع الطولوني، وحج مراراً وجاور، وتمشيخ بعد وفاة والده ولم ينجب وأصابه الفالج في أوائل هذا العام إلى أن مات به، ودفن إلى جانب والده. محمد بن علي شمس الدين أبو شامة الشامي، كان يزعم أنه أنصاري وولي نيابة الحكم بدمشق ثم ناب في الحكم بالقاهرة، وكان كثير السكون مع إقدام وجرأة - وقد تقدم منا في الحوادث، وكان خمل في آخر دولة الأشرف وتغيب مدة، ثم ظهر في دولة الظاهر وولي وكالة بيت المال بدمشق، ومات بها. محمد بن عمر شمس الدين الدنجاوي، مات في أول شوال بالقاهرة وكان تعانى الأدب فمهر، واشتغل في الفقه والعربية، وقرره شرف الدين

стр. 3164

يحيى بن العطار في خزانة الكتب بالمؤيدية، وكان خفيف ذات اليد، وجاد شعره، ومات في هذا الشهر بعد توعك يسير، وذكر لأصحابه أنه رأى في المنام أنه يؤم بناس كثيرة وأنه قرأ سورة نوح ووصل إلى قوله تعالى إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر فاستيقظ وجلا فقص المنام على بعض أصحابه وقال: هذا دليل أنني أموت في هذا الضعف، فكان كما قال، وما أظنه بلغ الأربعين. محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن عبد الرزاق بن عيسى بن عبد المنع ابن عمران بن حجاج الأنصاري السفطي الشيخ ضياء الدين بن شيخنا ناصر الدين شيخ الآثار النبوية بالقرب - على شاطئ النيل؛ مات في شوال، وكان خيراً فاضلاً مشهوراً بالخير والديانة، وولي المشيخة بعد أبيه فأقام فيها بضعاً وثلاثين سنة. محمد بن محمود بن محمد البالسي ثم القاهرة شمس الدين، مات في ليلة الأربعاء الثاني والعشرين من صفر وقد بلغ التسعين وزاد عليها لأن مولده كان سنة ٧٥٤، كان صاهر شيخنا ابن الملقن قديماً على ابنته، وحصل وظائف من مباشرات وأطلاب وشهادات، وكان أحد الرؤساء بالقاهرة، وناب في الحكم في عدة بلاد، وكان حسن الخط قليل العلم، وسمع الكثير من شيخنا وغيره، واستجاز له شيخنا في شوال سنة سبعين وسبعمائة جماعة من مسندي الشام، منهم عمر بن أميلة

стр. 3165

وأحمد بن إسماعيل بن السيف وصلاح الدين بن أبي عمر وأحمد بن محمد المهندس وحسن بن أحمد بن هلال وزينب بنت القاسم، وهؤلاء من أصحاب الفخر وآخرون، وحدث في أواخر عمره لما ظهرت هذه الإجازة وعن غيرهم، وتمرض في آخر عمره مدة، ومات صحيح البصر والسمع والأسنان. محمد البصروي ناصر الدين، مات بغزة، وولي كتابة السر في إمرة نوروز بالشام، وتولى قضاء القدس في دولة الأشرف سنة ٣٥، وعزل منها في دولة الظاهر، وكان قليل البضاعة من اعلم، وفيه حشمة ورياسة. محمد البرلس موقع الدست ناصر الدين، مات في جمادى الآخرة، كان يوقع عن الخليفة وعن ناظر الخاص، وكان استقراره في التوقيع سنة. . فأقام في ذلك. . أربعين سنة. سنة ست وأربعين وثمانمائة شهر الله المحرم - أوله السبت، في يوم الاحد - الثاني منه - أمره السلطان والي الشرطة بإصلاح الطرقات، فأساء التصرف في ذلك فإنه ألزم كل من له حانوت أو بيت أن ينظف ما أمامه، واوجع كثيراً منهم بالضرب المؤلم، فبادر إلى ذلك - كل من حضر الوعيد فشرع في قطع

стр. 3166

ما أمام داره أو حانوته، وغاب كثير منهم فصارت الطرقات جميعاً موعرة وقاسى الناس من ذلك شدة شديدة خصوصاً من يمشي بالليل وهو ضعيف البصر، ثم أبطل ذلك في اليوم الثاني، واستمر بعض الطرق بغير إصلاح. وفي أول يوم منه ختم على كنيسة النصارى الملكيين، لأنه وجد داخلها أعمدة كدان من الحجارة المنحوتة وأكناف جدد فزعموا أن معهم مستنداً بذلك، فلما أبطأوا بإحضاره ختموا عليها ومنعوا من دخولها، وكشف في حارة زويلة عن دار كانت لبعض أكابر اليهود وكانوا يجتمعون عنده للاشتغال بأمور دينهم فمات فجعلها محبسة لذلك فصارت في حكم الكنيسة، فرفع عنهم أنهم أحدثوا كنيسة، فأكد عليهم عدم الاجتماع فيها وأن تسكن بالأجرة أو لمن يستحق سكناها، وفوض الأمر فيها لبعض نواب الحنفي فحكم بانتزاعها من أيدي اليهود، واشهد على الكثير منهم بعد أن ثبت عنده أنها إن أحدثت كنيسة أن لا حق لهم في رقبتها، فحكم بها لبيت المال، فنودي عليها في يوم الأربعاء ثاني عشره. وفي الخامس منه عزر القاضي الحنفي ثلاثة من يهود كنيسة مصر الذي ظهر فيها اللوح المكتتب فيه محمد وأحمد لان جماعة ثبت عنده أنهم كانوا يصعدون على المنبر، فمات واحد منهم وأسلم آخر وعاش آخر

стр. 3167

موعوكاً ثم مات، ثم تتبعوا سائر الكنائس وحكم بأنها من الحجارة الجديدة لكونها محدثة وليس لهم الإعادة إلا بالمثل أو دونه، وفعل ذلك بجميع ما بالبلدين - وحصل على جميع الطوائف من أهل الذمة من الإهانة والتعزير ما لا يزيد عليه، وأظهر الملكية محضراً يتضمن الإذن لهم عمارتها بعد الحريق الكائن في سنة ثلاثين وسبعمائة من القاضي جلال الدين القزويني قاضي الديار المصرية في الدولة الناصرية، وتاريخ المحضر سنة ٣٤، فوقع في ذلك نزاع كثير، وانفصل الحال على أن كل ما حكم فيه نائب الشافعي يكمله على مقتضى مذهبه، وما عدا ذلك يتولى الحكم فيه القاضي المالكي بنفسه. وفي الخامس من المحرم ادعى عند القاضي صدر الدين ابن روق على طائفة من اليهود القرائن بأن بحارة زويلة دارا تعرف بدار ابن شمخ كانت مرصدة لتعليم أطفال اليهود وسكنى لهم فأحدثوها كنيسة، لها حدود أربعة: القبلي إلى خربة فاصلة بينها وبين دار تعرف بأولاد الجالي، والبحري إلى دار بحري في ملك بو سعيد النصراني، والشرقي إلى سكن إبراهيم العلاف، والغربي بعضه إلى دار شموال النافذ وفيه الباب؛ فأشهد عليه انه ثبت

стр. 3168

عنده بشهادة من أعلم له مضمون المحضر المذكور، وحكم بموجب ما قامت به البينة في تاريخه وكان نص شهادة من أعلم له، شهد بمضمونه عبد الرزاق بن محمد بن شعيب الشهير بالجنيدي، كتب بخطه وأعلم له: شهد عندي بذلك، ومثله عبد الله بن يوسف بن ناصر الشريف النقلي وكتب عنه وأعلم له: شهد بذلك، ومثله جلال الدين محمد بن علي بن عبد الوهاب ابن القماط، ومثله داود بن عبد الكريم وزادوا أن الدار المذكورة تسمى دار ابن شمخ وليست بكنيسة قديماً، وشهد علي بن محمد التوصوفي أن الدار المذكورة - تعرف بدار ابن شمخ وانها كانت معدة لتعليم الأطفال وأعلم له: شهد بذلك ومحمد بن أبي بكر بن محمد - بن قضاة وأنها ليست بكنيسة قديماً وإنها كانت معدة لتعليم أطفال اليهود وكتب عنه وأعلم له: شهد عندي بذلك، وشهد بمثل ذلك نحو عدد المذكورين، ثم اتصل ذلك بأفضل الدين محمود بن سراج الدين القرمي ونفذ حكم صدر الدين في السادس من المحرم، ثم ادعى عند نور الدين ابن البرقي على جماعة من اليهود أن الدار المذكورة أعلاه كانت مرصدة لتعليم أطفال اليهود القرايين ومسكنا لهم ثم اتخذوها كنيسة عن قريب وأنها مستحقة لبيت المال المعمور بمقتضى أن ابن شمخ هلك ولم يعقب ولم يترك ولداً ولا أسفل من ذلك ولا عاصباً ولا من يحجب بيت المال

стр. 3169

عن استحقاقها سفلاً وعلواً، أن رئيس اليهود القرايين ومشايخهم يتداولون وضع أيديهم على الدار المذكورة خلفاً عن سلف بغير طريق شرعي، وطالبهم برفع أيديهم وتسليمها لمن يستحقها، فسئلوا فأجابوا بأن هذه الدار بأيديهم وأنهم وجدوها على هذا الوجه وتلقوها عن آبائهم وأجدادهم، وبين المدعي المذكور ما ادعاه فذكر المدعي أن الذي تضمنه المحضر المذكور ثبت أولاً على صدر الدين وحكم بموجبه ونفذه أفضل الدين، أعذر فيه لجمع كثير من اليهود القرايين، فكلف المدعي المذكور أن يثبت ذلك، فاتصل بنور الدين البرقي ما اتصل بأفضل الدين من الثبوت والتنفيد. والإعذار والإقرار، وثبت عنده بطريق شرعي أن ابن شمخ هلك ولم يترك ولداً ولا اسفل من ذلك ولا عاصباً ولا من يحجب بيت المال عن استحقاق هذه الدار سفلاً وعلوا وثبت عنده جميع ذلك ثبوتاً شرعياً، فلما تكامل ذلك سأل المدعي المذكور الحاكم المذكور الإشهاد على نفسه بثبوت ذلك والحكم باستحقاق بيت المال لهذه الدار سفلاً وعلواً وجميع ما اشتملت عليه من المنافع والمرافق والحقوق، وعلى المعذر إليهم برفع أيديهم عن الدار المذكورة سفلاً وعلوا وتسليمها لبيت المال، فاستخار الله تعالى ونظر في ذلك - وتروى فيه والتمس من المدعي عليهم حجة يدفعون بها ما ثبت بأعاليه أو كتاباً قديماً يشهد لهم بملك أو وقف، فاعترفوا بأن لا حجة لهم تدفع ذلك ولم يكن عندهم كتاب بذلك، فأعاد المدعي

стр. 3170

المذكور السؤال المذكور، فراجع الحاكم المذكور فيه مستنيبه ومن حضر من أهل العلم، وأجاب السائل إلى سؤاله وأشهد على نفسه بثبوت ذلك عنده الثبوت الشرعي، وحكم بما سأله الحكم به فيه - حكماً صحيحاً شرعياً مستوفيا شرائطه الشرعية، وأشهد عليه بذلك في يوم الجمعة السابع من المحرم سنة تاريخه. وفي يوم الخميس السابع والعشرين من شوال استقر القاضي بدر الدين محمود بن أحمد العينتابي في الحسبة عوضاً عن الشيخ نور الدين الخراساني، وعزل افضل الدين الذي كان الخراساني استنابه في غيبته، وكان قبل ذلك خصيصاً عند القاضي بدر الدين العيني وولاه الخطابة بمدرسته واستنابه، فنقم عليه الانضمام للشيخ نور الدين. وفي هذا اليوم بعد استقرار القاضي ناصر الدين ابن المخلطة في

стр. 3171

تدريس المالكية بالمدرسة الأشرفية نازعه ولد الشيخ عبادة بمساعدة جماعة من الأكابر، وتمسكوا بقول الواقف بان من كان له ولد وهو أهل التدريس بها فلا يقدم عليه غيره، فاستقر الولدان جميعاً لأنه لم يوجد في شرط الواقف ما يمنع التشريك، وقبل ذلك نوزع القاضي شمس الدين ابن عامر المالكي في تدريس الشيخونية يعد أن استقر فيها وعمل إجلاساً، فنوزع بان شرط الواقف أنه لا يقدم على من كان متأهلاً للتدريس من طلبة المكان، فإن لم يكن فيهم أهل قرر من غيرهم، يقدم الأفضل فالأفضل والأمثل فالأمثل، وكان أحد النظار قرر ابن عامر والآخر قرر الشيخ يحيى العجيسي، فاتفقوا على أن الشيخ يحيى أفضل من ابن عامر، فصرف ابن عامر وقرر الشيخ يحيى، وأشار بعض الحاضرين بأن يعوض ابن عامر وظيفة خفيفة من وظائف الشيخ يحيى، فتبرع قاضي المالكية بوظيفته بالجمالية له ووقع التراضي، ثم غضب القاضي من ابن عامر من كلام واجهه به فتعصب له ناظر الجمالية فامتنع من إمضاء النزول، ولم يظفر ابن المخلطة ولا ابن عامر بشيء. وفي يوم الاثنين الخامس عشر من ذي القعدة صرف كاتبه عن القضاء بسبب امرأتين من أهل الشام تنازعتا في نظر خمس سنين وشهراً وعشرة أيام وقف والدهما، فشرك الحمصي وهو يومئذ قاضي الشافعية بدمشق بينهما ثم بعده الونائي بقليل، فحكم للكبرى وألغى الحكم للصغرى،

стр. 3172

فعقد لهما مجلس بحضرة السلطان وتعصب الأكابر للصغرى، فوجد حكم الونائي لا يلاقي حكم الحمصي فأمر كاتبه أن يستوعب الصورة ويستمر بهما على الاشتراك، فلما تأملت وجدت حكم الونائي لا ينقض، فاعتل عليه وكيل الصغرى بأنه اسنده إلى ما ثبت عنده من تبذيرها وسفهها ولم يفسر التبذير والسفه فلا يقدح فيها، لاحتمال أن يكون من شهد بذلك يعتقد ما ليس بسفه سفهاً وما ليس بتبذير تبذيراً، وأخرج فتاوى جماعة من الشافعية بذلك، فتوقفت عن مراده لما تأملت في آخر حكم الونائي بعد اعتبار ما يجب اعتباره شرعاً فقلت: لو جاء فقال: فسر عندي بقادح وقد دخل في هذا الكلام كان مقبولاً منه، فاستشاط الوكيل وتوسلت موكلته إلى جمع كثير من الأكابر، فأبلغوا السلطان أن هذا الكلام تعصب للونائي، فصرح بعزل الاثنين، فلما بلغ كاتبه ذلك أقام بمنزله لا يجتمع بأحد، فلما كان ضحى يوم الخميس حضر إليه الحمصي رسولاً من السلطان على لسان الشيخ شمس الدين الرومي أحد جلساء السلطان فأمره بالاجتماع بالسلطان، فاجتمع به - فقص عليه القصة مفصلة، فعذره واعتذر إليه وقرره في الوظيفة، وكان قد صمم على عدم القبول من أول يوم، فاجتمع به القاضي الماضي المالكي وبلغه عن الجماعة ما يقتضي التخويف والتهديد

стр. 3173

إذا استمر على الإعراض بما يخشى منه على المال والد والعرض، فقبل على ذلك - والله المستعان؛ ثم ألحوا عليه في التشريك بين المرأتين في النظر، فتأمل - فوجد حكم الونائي منذ سنين وجاز أن يصير السفيه فيها رشيداً، فالتمس منهم بينة تشهد باستواء المرأتين في صفة الرشد الآن ليقع التشريك بينهما مع بقاء حجة الغائبة، فاقيمت عند بعض النواب، وقضى بذلك في ثاني ذي الحجة منها - والله المستعان. وفي الثامن والعشرين من ذي القعدة قدم القاضي بهاء الدين ابن حجي من الشام، وهرع الناس للسلام عليه، ثم استقر في نظر الجيش صبيحة ذلك اليوم وهو يوم الاثنين تاسع عشري شهر ذي الحجة، وظهر بعد ذلك انه كان آخر يوم من الشهر، لأنه اشتهر أن جمع من الناس رأوا هلال ذي القعدة ليلة الأحد. واستهل ذو الحجة يوم الثلاثاء بالرؤية. ففي الحادي عشر منه لبس السلطان البياض. وفي الخامس عشر منه وصل علي بن حسن بن عجلان أمير مكة من الطور وكان السلطان أرسل بالقبض عليه، فقبض في ذي القعدة وجهز في البحر إلى الطور ومعه أخوه إبراهيم، فوصلا مقيدين فسجنا ببرج القلعة، وكان أخوهما أبو القاسم قد استقر في الإمرة وتوجه صحبة الحاج، وكان شرط عليه أن يبطل النزلة وهي أن عادة أكابرهم أن يستجير بهم الغريب ويسمونه نزيلاً، فغلب ذلك عليهم حتى صار من

стр. 3174

عليه حق يستنزل ببعضهم فيمنع من يطالبه حتى بالحق، وكثر البلاء بذلك وافرطوا فيه فرفع ذلك للسلطان، فشرط على هذا الأمير إن يبطل ذلك جملة ويعاقب من فعله، وكتب عليه بذلك التزام وحكم عليه به. ذكر من مات في سنة ست وأربعين وثمانمائة من الأعيان أحمد بن محمد شهاب الدين بن محمد - الشيخ شمس الدين بن فهيد المصري المشهور بابن المغيربي - بالتصغير، ولد من أمة سوداء بعد الستين، ونشأ في حجر أبيه، وزوجه بنت الأمير أبي بكر بن بهادر، وكان بزي الترك، ولم يشتغل بعلم ولا تميز في شيء إلا أنه كان كثير المعاشرة للجند، وينفق عليهم بمعرفة لسانهم والانتساب إلى الفقراء، وولي في سلطنة الملك الظاهر جقمق مشيخة الدسوقية، وكثرت فيه الشكوى، وكان ممن يأكل الدنيا بالدين، ولا يتوقى من يمين يحلفها فيما لا قيمة له مع إظهار تحري الصدق والديانة البالغة، وكان يتوسع في المآكل والملابس من غير مادة، فلا يزال عليه الدين ويشكو الضيق؛ مات بعلة الدرب في ليلة الثامن من شهر ذي الحجة بعد ضعف ستة أشهر.

стр. 3175

حسن بن نصر الله بن حسن بن محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الكريم البصروي الأصل ثم الفوي، كاتب سر مصر وناظر جيشها وخاصها ووزيرها وأستادارها ومشيرها، ولد في ليلة الثلاثاء ثالث ربيع الأول سنة سبعمائة وست وستين بفوة ونشأ بها، ثم تحول إلى الإسكندرية فباشر بها عدة جهات، ثم عاد إلى فوة فولي نظرها، ثم عاد إلى الإسكندرية فولي نظرها، ثم تحول إلى القاهرة فترقى بعناية يشبك الكبير في دولة الناصر، فولي الخاص ثم الوزارة ثم نظر الجيش إلى أن جاءت الدولة المؤيدية، فخرجت عنه الجيش وتولى الخاص ثم الوزارة، وصودر مراراً من غير إهانة، ثم ولي الخاص بعد انقضاء الدولة المؤيدية في زمن الظاهر ططر، واستمر في دولة الصالح محمد بن ططر ثم في دولة الأشرف إلى أن استقر أستادارا، وصرف عن الخاص بالقاضي كريم الدين بن عبد الكريم ابن كاتب جكم في أوائل جمادى الأولى سنة ٨٢٨، وعزل عن الاستادارية، وصودر هو وولده صلاح، وأخذ الأشرف منهما ستين ألف دينار، واستمر بطالاً في منزله، ثم ولي الأستادارية بعد سنين مرة ثانية فلم تطل مدته فيها وعزل، ثم ولي الأستادارية بعد سنين مرة ثانية فلم تطل مدته فيها وعزل، وولي آقبغا الجمالي الأستادارية عوضاً عنه، ولزم داره سنين إلى أن ولي كتابة السربعد موت ولده صلاح الدين فباشرها يسيراً، وعزله جقمق بصهره الكمال البارزي، ولزم البدر بيته إلى أن مات، وكان شيخاً طوالاً ضخماً جهوري الصوت حسن الشكالة مدور اللحية كريماً واسع النفس على الطعام فاضلاً، وطالت ايامه في السعادة هو وولده فصارا رؤساء مصر، وكان لا يسلم كل قليل من مصادره مع إنعامه وفضله

стр. 3176

على أعيان الدولة، وكان عنده بادرة خلق سيء مع حدة مزاج وصياح في كلامه، مات في هذه السنة بعد أن أقام ضعيفاً نحو السنتين بمرض يقال له الحمق والنسيان اختلط منه ذهنه، وحجب في منزله إلى أن مات في ليلة الأربعاء سابع ربيع الآخر -. أيتمش الخضري كان من مماليك الظاهر برقوق - وتقرر خاصكيا، وولي إمرة غزة ثم ولي الأستادارية الكبرى في دولة الأشرف، وتنقلت به الأحوال وأصيب في جسده ببياض فكان يستره بحمرة، وكان قارئاً للقرآن، محباً في حملته، كثير البر لهم، مع شر فيه وبذاءة لسان وارتكاب أمور فيما يتعلق بالمال، سقط عليه جدار فغطاه، فأخرج منه مغشياً عليه، فعاش بعده قليلاً ومات في آخر ليلة السبت العشرين من شهر رجب. تغر بردى البكلمشي الملقب بالمؤذي، مات يوم الثلاثاء خامس عشر - في جمادى الآخرة وهو يومئذ الدويدار الكبير، وكان شهماً شجاعاً، عارفاً بالامور، فصيحاً بالعربية، كثير الجمع للدنيا، وعمر في ولايته الدويدارية مدرسة بالصليبة، عمل فيها خطبة، ووقف عليها أوقافاً

стр. 3177

غالبها مغتصبة، وسر أكثر الناس بموته لثقل وطاته عليهم، وأظنه قارب السبعين. عبادة بن علي الزرزاي المالكي الشيخ العالم العلامة المفنن زين الدين، سمع الكثير من شيوخنا ورافقنا في السماع مدة ومهر في الفقه وغيره، وصار رئيس المالكية بأخرة، وعين للقضاء بعد موت القاضي شمس الدين البساطي فامتنع، فألح عليه فأصر ثم تغيب إلى أن ولي غيره، وولاه الملك الأشرف التدريس بمدرسته التي بجوار الوراقين أول ما فتحت - تدريس المالكية بها إلى أن مات، وولي قبل موته بقليل تدريس الشيخونية بعد ابن تقي، وكان قبل موته بمدة قد انقطع إلى الله تعالى، وأعرض عن الاجتماع بالناس وأقبل على شأنه، وامتنع من الإفتاء إلا باللفظ أحياناً، مات في رمضان وجاوز السبعين. عبد الله السنباطي الواعظ جمال الدين، مات في رمضان بعد مرض طويل وقد جاوز السبعين، وكان يتكلم على الناس بالجامع الأزهر

стр. 3178

من نحو سبعين سنة، ولازم مجلس - الشيخ سراج الدين البلقيني، يقرأ عليه من كلامه وكلام غيره، واشتهر ذكره وحظي حظوة عظيمة، وكان مع ذلك يشتغل بالعلم ويستحضر في الفقه، وقد ناب في الحكم عن القاضي جلال الدين وغيره. عبد الرحمن بن محمد الزركشي الشيخ أبو ذر الحنبلي، سمع من أبي عبد الله البياني صحيح مسلم وحدث به عنه مراراً، وتفرد عنه بالرواية بالديار المصرية بل كان في هذا الوقت مسند مصر، مات في ليلة الأربعاء ثامن عشر صفر فنزل الناس بموته درجة، ومولده في. . وخمسين وسبعمائة، وكان يدري الفقه على مذهبه، فقرر في تدريس المدرسة الاشرفية الجديدة، وباشر في تدريس الشيخونية بعد موت القاضي محب الدين الحنبلي البغدادي، وكان صحيح البدن ضعيف البصر وقد ناهز التسعين. عبد العزيز بن علي بن عبد المحمود البكري المقدسي البغدادي الحنبلي

стр. 3179

القاضي عز الدين، ولي قضاء القدس وحصل بينه وبين الخطيب بالقدس وهو حينئذ القاضي برهان الدين الباعوني فقام على الباعوني فقدر أن الباعوني ولي قضاء الشام، فتوجه عز الدين إلى بغداد فأقام بها وولي القضاء بها ثم عاد إلى القدس، فلما دخل الهروي القدس وقع بينهما فتحول عز الدين إلى القاهرة بأهله، فاتفق دخول الهروي القاهرة وولي قضاء الشافعية بها، فقام عليه عز الدين إلى أن عزل، ثم ولي تدريس الحنابلة بالمؤيدية أول ما فتحت، ثم ولي قضاء الشام فأقام مدة ثم عاد، ثم ولي القضاء بالديار المصرية مرة ثانية، ثم أعيد إلى قضاء دمشق، وكان عجباً في بني آدم كثير الدهاء والمكر والحيل ونقل عنه أشياء مضحكة؛ مات بدمشق في شوال مفصولاً عن الحكم، وكان اختصر المغني وضم

стр. 3180

إليه مسائل من المنتقى لابن تيمية من مختصرات الحنابلة. علي بن إسماعيل بن محمد بن بردس بن نصر بن بردس بن رسلان البعلي علاء الدين، مولده سنة ٧٦٢ ببعلبك ونشا بها وقرأ القرآن، ورحل به والده إلى دمشق واسمعه جامع الترمذي وسنن أبي داود ومشيخة الفخر على أبي حفص عمر بن أميلة، وأسمعه على الصلاح ابن أبي عمر الشمائل للترمذي ومسند ابن عباس من مسند الإمام أحمد ومسند أهل البيت فيما أظن، وسمع مسند الإمام الشافعي على يوسف بن عبد الله ابن حاتم بن الحبال سنة ٧٧٢ أنا أبو الحسن اليونيني والتاج عبد الخالق ابن علوان، قال اليونيني: أنا ابن الزبيدي وأخوه أبو علي الحسن وعبد السلام ابن عبد الرحمن بن سكينة ومحمد بن سعد بن الخازن وأبو هريرة محمد ابن الوسطاني وآخرون إجازة؛ ح وقال ابن علوان: أنا الموفق بن قدامة إجازة نا أبو زرعة أنا أبو الحسن الكرخي بسنده، وله مسموعات آخر ببعلبك على شيوخها وفيهم كثرة، وهو شيخ صالح خير مؤذن بجامع بعلبك، مات بعد أن رجع إلى بلاده في أول سنة ست وأربعين، وكان قدم القاهرة كما تقدم وأقام بها مدة وأسمع الكثير، ثم رجع

стр. 3181

فمات وبقي من الثلاثة واحد وهو ناظر الصاحبية. محمد بك بن دلغادر الأمير ناصر الدين صاحب الأبلستين وحمو الملك الظاهر جقمق، مات في أوائل جمادى الآخرة بالأبلستين، وقيل إنه قتل على فراشه، وكان كثير الشرور والعصيان على الملوك -. محمد بن عمر بن علي الطنبدي القاضي جمال الدين المعروف بابن عرب، مات في ليلة الخميس الثامن من شهر رمضان وهو في عشر المائة، ولد بعد الخمسين بيسير، واشتغل وقرأ القرآن وحفظ التنبيه، ثم وقع على القضاة وهو في العشرين، رأيت خطه في الشهادة على أبي البقاء السبكي سنة ٧٣ فأداها بعد سبعين سنة وزيادة، ثم ولي حسبة القاهرة ووكالة بيت المال غير مرة، وأذن له في الحكم نيابة عن القاضي الشافعي، ثم اقتصر على النيابة بعد الثمانمائة واستمر، وجرت له خطوب، وانقطع باخرة في منزله مع صحة عقله وقوة جسده، وكانت أكثر إقامته ببستان له بجزيرة الفيل، ثم توالت عليه الأمراض وتنصل - إلى أن كان في هذه السنة فإنه سقط من مكان فانكسرت ساقه، فحمل في محفة من جزيرة الفيل إلى القاهرة، فأقام نحو أربعة أشهر ومات، وهو أقدم من بقي من طلبة العلم ونواب القضاة الشافعية. محمد بن محمد بن محمد بدر الدين ين زين بن شمس الدين الدميري

стр. 3182

المالكي، كان جده ناظر المارستان وولي الحسبة وكذا والده واستمر هو في مشارفته، وكان مشكور السيرة كثير الحياء والتودد للناس، مات في رمضان وكثر الثناء عليه ولم يبلغ الخمسين. محمد بن محمد بن بدير زوج أخت الذي قبله بدر الدين العباسي المعروف بالعجمي، وكان رفيق الذي قبله بالمارستان مشكور السيرة أيضاً محبباً إلى الناس، وكثر التأسف عليهما، مات في شوال. سنة سبع وأربعين وثمانمائة شهر الله - المحرم، أوله الأربعاء بالرؤية في اليوم التاسع منه استقر سراج الدين عمر بن موسى الحمصي في قضاء الشافعية بطرابلس، وأضيف إليه نظر الجيش بعد أن أقام بالقاهرة ثمانية اشهر وأزيد يسعى في قضاء الشافعية بدمشق، فحضر الونائي قاضيها في الثالث والعشرين من ذي الحجة، فحصل للحمصي ياس من قضاء دمشق فسعى في طرابلس إلى أن خلع عليه.

стр. 3183

وفي يوم الأحد تاسع عشر شهر ربيع الأول عمل المولد السلطاني، وكان مختصراً في كل أحواله بحيث أن عدد القراء انحط من ثلاثين إلى عشرة وكذلك الوعاظ، وفرغ بين العشائين، وتوجه الناس إلى منازلهم سالمين من عبث المماليك. وفي يوم الاثنين سابع عشر شهر - ربيع الأول توجه العسكر المجهز لقتال الفرنج برودس، ومقدمهم تمرباي راس نوبة الكبير وإينال العلائي الدوادار الكبير، ومعهم ألف وخمسمائة مقاتل، ومعهم جمع كثير من المطوعة، فتوجهوا إلى دمياط ليجتمع بها المراكب التي جهزت من الشامات وغيرها. وفي هذا العشر من هذا الشهر توقف النيل بعد إن كانت الزيادة في العشر الأول ظاهرة، ونودي في يوم منه بثلاثين إصبعاً - والله المستعان فيما كان - فكانت مدة التوقف. . وفي ليلة الخميس. . وفي من شهر ربيع الآخر توجهت مراكب - العساكر إلى دمياط

стр. 3184

للغزو، وكان ركوبهم في البحر في. . وساروا، وقذفهم الريح إلى أن اجتمعوا في طرابلس. . وتوجهوا منها في. .، فلما كان في السابع من جمادى الآخرة فتحوا بلداً في جزيرة في وسط البحر تسمى القشتيل - بفتح القاف وسكون المعجمة وكسر المثناة من فوق وسكون المثناة من تحت بعدها لام. وقد شرح لي صاحبنا العلامة إبراهيم بن عمر بن الحسن البقاعي الوقعة وأثبتها في هذا التعليق بخطه منذ توجهوا من دمياط إلى أن توجهوا

стр. 3185

إلى جهة الديار المصرية ليكون قصتها متوالية، وهذا اوان سفر الجيش المنصور من داخل فم البحر الملح كان يوم الأحد رابع عشر شهر ربيع الآخر قاصداً اللمسون من جزيرة قبرس - جعلها الله دار إسلام إلى يوم الدين! آمين. وكان في المراكب واحد بطيء السير، فكان الناس يتقدمونه لحكم الهواء ثم يرجعون بسببه، فتاهوا عن طريقهم فأشرفوا على جبال صيدا وكان قد قل ماء بعضهم، فأرسوا على ساحل بيروت ليلة الاثنين ثاني عشري الشهر، وتاه تمرباي في خمسة عشر مركباً فأرسوا على طرابلس في تلك الليلة، ووجدنا العسكر الشامي قد توجه من بيروت إلى قبرس في خمسة عشر مركباً يوم الخميس ثامن عشر الشهر، ثم رحلنا عن بيروت يوم الأربعاء رابع عشري الشهر والريح قليل جداً، فأرسينا على الملاحة من أرض قبرس يوم الأحد ثاني عشريه، ووافى بها فيه من كان ذهب إلى طرابلس فكان ذلك من غرائب الاتفاق، ثم رحلنا يوم الثلاثاء مستهل جمادى الأولى، واستبطأنا الشاميون وكانوا على اللمسون فلاقونا بين الملاحة واللمسون فأرسينا هنالك، وقد تم عدد المراكب ثمانين ما بين أغربة وحمالات ومربعات وزوارق وسلالير سوى ما يبتعها من القوارب، ثم سرنا ليلة الأربعاء ثانيه فأرسينا على اللمسون في

стр. 3186

آخر نهارها، فوجدنا أميرها قد رحل بأهلها وأمتعتهم، فحكم اصحاب الأغراض الدنيوية، وهم غالب الناس عليهم بنقض العهد، وأفتاهم بذلك من تسمي باسم الطلب ممن لم يرسخ قدمه في العلوم الدينية، ولم تطل ممارسته للسنة النبوية، ولا اتسعت معارفه في الأحوال الحربية والسياسات الشرعية، وتشبثوا بما لا تمسك فيه، فاشتد الأذى وعظم الخطب، فسعوا في تلك الأراضي بالفساد ونهبوا ما وجدوه في بعض البلاد، وحرقوا وقتلوا، فنهيت من قدرت عليه وبالغت في الزجر، وبحثت مع بعض من أضلهم حتى قطعت حججهم، وذكرت أنا تحققنا لهم عهداً فلا نزيله إلا بتحقق نقضه وان عذرهم في الهرب الخوف من المفسدين، وما في قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا - الآية من الإشارة إلى التأني، وعلى ذلك فإنهم لعمري لم يرجعوا بقلوبهم، ثم ذكرت قصة يهود بني النضير في ذهاب النبي ﷺ إليهم - يستعينهم في دية العامريين اللذين قتلهما عمرو بن أمية الضمري ﵁ خطا، وجلوسه ﷺ إلى بعض جدرهم، وعزمهم على أن يطرحوا عليه صخرة ليقتلوه وإخبار الله تعالى له بذلك، وأنه مع تحققه لنقضهم لم يبادر إليهم بالقتال بل خيرهم بينه وبين المسير من بلاده إلى آخر القصة؛ فبينما نحن على ذلك إذ جاءت رسل صاحب قبرس في آخر يوم الخميس تخبر بان ضيافته تلاقي العسكر في الباف بإشباع الموحدة -،

стр. 3187

وأنهم باقون على عهدهم سامعون مطيعون مسرورون بمسيرنا إلى رودس لكثرة أذاهم له، واعتذروا عن هرب القرى المجاورة بنحو اعتذاري عنهم. وفي ذلك اليوم رأى بعض المسلمين مركبين أشرفوا علينا من بعد بحيث رأوا مراكبنا ثم ذهبوا فقصدوا المسير إليهم، فلم يكن في الأغربة من يصلح لذلك من النوتية ولا من الجند ليفرقهم في تلك الأراضي، ثم رحلنا من اللمسون ليلة السبت خامس الشهر فأرسينا على اللمسون عصر يومها، ثم سرنا يوم الاثنين بالمقاذيف وتفرقت المراكب لعدم الريح وعدم المقاذيف في بعضها فأرسينا على الرأس الأبيض في ذلك اليوم، ثم سرنا منه ليلة الثلاثاء خامس عشر الشهر مع معاكسة الهواء وجر أصحاب المقاذيف العريين عنها فارسينا قريباً من ذلك المنزل، ثم سرنا صبيحة يوم الأربعاء سادس عشره فأرسينا على قرية قريبة من الباف، فجاءت رسل صاحب قبرس فأخبروا عن مقدار الضيافة وشكوا ما فعل في بلادهم وتوجعوا، وظهر منهم الخداع إما لما فعل ببلادهم أو لغير ذلك، فاستقل أميرنا هديتهم وغضب لعدم مجيء ملكهم وإحضارهم لما بقي عندهم من المال، واعتذروا عما فعل في بلادهم بأنه فعل بعض الأتباع بغير علمه على أنهم معذورون لعدم المبادرة باللقاء وإحضار الضيافة والإخبار بالطاعة، فرحل ليلة الخميس سابع عشره معرجاً عن الباف

стр. 3188

لئلا يأخذ هديتهم، فتعديناها وأرسينا على رأس الصندفاني، ثم رحلنا صبح يوم الجمعة ثامن عشر الشهر مع عدم الريح، فاستمرينا ندور في البحر ونحن بحيث نرى الجبال إلى أن قصدنا البر فأرسينا به ليلة الأحد في هذه المنزلة فاستقينا، ثم رحلنا يوم الأحد العشرين منه فنزلنا على مدينة العلايا من بر التركية ليلة الخميس رابع عشري الشهر، وحصلت هناك زلزلة عظيمة قبل غروب شمس يوم الجمعة خامس عشره - بنحو عشر درج رجفت منها الأرض ثلاث رجفات، ثم سرنا عنها يوم الاثنين ثامن عشري اشهر، فأرسينا على مدينة أنطاليا ليلة الأربعاء مستهل جمادى الآخرة، ثم سرنا عنها ضحى ذلك اليوم فأرسينا على آغو ليلة الخميس ثانيه - لاجتماع الناس، وكان قد حصل لهم ريح عاصف فرقهم وضعضع بعضهم، فاجتمعوا إلا اثنين: أحدهما لم يقعوا له على خبر والثاني أخبروا انه في أنطاكيا يصلح خللاً حصل في غرابه، فأمر يشبك الفقيه بالرجوع لمساعدته، فرجع ليلة الأحد خامس الشهر، وسار الأمير بالجيش نحو رودس، فرجعنا إلى أنطاكيا في ذلك اليوم، فلما أصلح المركب سرنا ليلة الثلاثاء سابع الشهر فلحقنا بعض العسكر عند رأس الشالدون فأرسينا

стр. 3189

جميعاً على منزلة فنيكة، ثم سرنا منها تلك الليلة فلحقنا جميع العسكر في بكرتها عند مجاز القيقبون ومعهم بتخاص وكان مر على المراكب ليلاً فلم يرها وظنهم تقدموا، فلما قرب من القيقبون وجدوا أربعة من مراكب الفرنج فطلبوه فرجع ونذر بهم التركمان، فاجتمعوا في البر فتركوه ورجعوا، فعلم أن الجيش وراءه فاستمر راجعاً حتى نام في فنيكة، وبلغ الأمير خبره فأرسل في أمره نجدة فوجدوه في فنيكة - وفي هذا اليوم أرسلنا بالقيقيون، ووجدوا هنالك امرأة جالسة على الجبل، فأحضروها إلى أمير فقالت: إنها كان تسحر جيش المسلمين ثم هداها الله تعالى إلى الإسلام فأسلمت، فأبطل الله تعالى باطل سحرهم، وأوقعهم في حبائل كفرهم وأشراك كيدهم ومكرهم - ثم سرنا في أواخر ليلة الجمعة عاشر الشهر فأرسينا ضحى يومها بمنزلة إينوا، ثم سرنا منها في أوائل ليلة السبت حادي عشره فأرسينا في أواخرها على قشتيل الروج، وهو حصن منيع على جبل رفيع في طرف جزيرة تقرب مساحتها من مساحة القاهرة من الحسينية إلى القرافة ومن تربة برقوق إلى بولاق فشارفه بعض شبان المسلمين فصعد إليهم بعض الأكابر فتلطف بهم حتى ردهم، فظن الفرنج انهم خافوا فرموا عليهم بمكحلة وهزأوا بهم، فأثر الكلام في الناس فكلم بعضهم الأمير في قتالهم فمنع منه وأقلع للسفر، ثم أكثروا

стр. 3190

عليه في ذلك فرده الله تعالى لأمر قدره وقضاه، وارتضاه في سالف الازل فأمضاه، فوثب الناس إليهم وثوب الآساد، وسمحوا بأرواحهم سماح الاجواد، ووقع قائم الزحف، وقام قاعد الحتف، وتقدمت الأبطال، وتميزت فحول الرجال، وعملت المعاول في السور، وبان هنالك الرجل الصبور، وتراشق الناس بالنبال، وتراموا بالجنادل الخفاف والثقال، فطارت رسل السهام، بمر شراب الحمام، ودارت على البرايا، كؤوس المنايا، وألقوا بالدرق والحنويات، والدروع الداوديات - ولله در المقاليع! فلقد كانت كأنها المناجيق - ولله أصحابها! فلقد كان الأقوياء يسترون بعض أجسامهم بدروع الحديد وكانوا هم يعدون جميع أبدانهم حديداً، ويرمون رمياً شديداً، ثم أحجموا عن مجاورة السور إلى جدار الحصن وهبت ريح الصبا من حين قتالهم إلى ظهر يوم الاثنين ثاني عشر الشهر، فكان ذلك من آيات القول المحمدي نصرت بالصبا وفي ذلك اليوم حطم الناس واشتد البؤس، وقامت الحرب على ساق، وكلت من النظر الاحداق، اشتكت إلى أبدانها الأعناق، واستداروا بالحصن من غالب الجوانب، وكثر في رمينا الصائب؛ فحمي الوطيس، وخذل إبليس أخطأت كثيراً سهامهم ومكاحلهم، وأصيبت دروعهم ومقاتلهم، وحينئذ استدارت الريح دبوراً فكانت من علامات إهلاكهم، وأهلكت
следующие страницы →