← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 26006

الاختلاط بين الرجال والنساء

شحاتة صقر

Полный текст (664 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

الاختلاط بين الرجال والنساء أحكام وفتاوى ـ ثمار مرة وقصص مخزية كشف ١٣٦ شبهة لدعاة الاختلاط جمع وترتيب شحاتة صقر قدم له أصحاب الفضيلة الشيخ محمد بن شامي شيبة د ياسر برهامي - د محمد يسري - د هشام عقدة - د محمد يسري إبراهيم

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (٢٧)﴾. (النساء: ٢٧). قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (١٩)﴾. (النور: ١٩). ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ (فصلت: ٥٣)

стр. 3

تقديم فضيلة الشيخ محمد بن شامي شيبة القاضي بمحكمة بيش بالمملكة العربية السعودية سابقًا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه إلى يوم الدين، وبعد: فقد اطلعت على كثير مما كتبه الشيخ شحاتة صقر في كتابه (الاختلاط بين الرجال والنساء)، وجمع فيه من كتب التفسير والفقه والقصص، وقد توصل إلى ما يلي: ١) أن الاختلاط بين الرجال والنساء مُحَرَّم عند عامة أهل العلم من العلماء المحققين الناصحين. ٢) وأن الاختلاط قد تسبب في كثير من العلاقات المحرمة بين الرجال والنساء وانتهاك الأعراض. ٣) وأن الاختلاط قد تسبب في هدم بعض البيوت بالطلاق والفرقة فضاع الأولاد وتشتَّتَتْ الأسرة. ٤) وأن الاختلاط سبب لإفساد الرجال والنساء وقلة الحياء وقلة الغيرة على الأعراض. ٥) وأن دعاة الاختلاط يسعون إلى نشر الرذيلة في المجتمع وإلى إثارة الشهوات والغرائز: ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾. (النساء: ٢٧). ٦) وأن ما استدل به دعاة الاختلاط إما صريح غير صحيح، وإما صحيح غير صريح،

стр. 4

وإما منسوخ، فإنه قبل نزول الحجاب فلا دلالة في ذلك كله على ما يريدون وينشرون. والحقيقة أن ما في هذا الكتاب هو: أ) دعوة لدعاة الاختلاط أن يتقوا الله وأن يدَعُوا عنهم هذه الدعوة التي لا دليل عليها من كتاب ولا سنة؛ بل هي دعوة إلى إضاعة الأعراض وانتهاكها، فهل سينتهون عن ذلك؟ ويقال لهم: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ (المائدة: ٩١). ب) دعوة إلى كل امرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تكون محتجبة عن الرجال الأجانب (غير المحارم) وأن تبتعد عن الاختلاط مع الرجال وأن لا تعمل في عمل مختلط وأن تجعل تقوى الله نصب عينيها وأن تعلم أن دعاة الاختلاط أعداء لها فهم يسعون للزَّجِّ بها في كل خلق فاسد. ج) وهو دعوة إلى الرجال أن يحافظوا على نسائهم فلا يَدَعُون نسائهم يختلطن مع الرجال غير المحارم في عمل أو غيره، ويجب أن يكون الرجل من أهل الغيرة على عرضه وعلى نساء المسلمين؛ فإنهن أخوات لكل مسلم. د) وهو دعوة لطالب الحق أن يقرأ هذا الكتاب لتزول ما في نفسه من الشدة التي تم الرد عليها، والاطلاع على أقوال العلماء الربانيين في تحريم الاختلاط الذي هو وسيلة إلى الزنا، والذي اتفقت الشرائع كلها على تحريمه. هذا وإن الشيخ شحاتة قد أجاد وأفاد في هذا الكتاب؛ فجزاه الله خير الجزاء على ما قدم، وأسأل الله أن يوفقني وإياه لما يحب ويرضى وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. كتبه: محمد بن شامي مطاعن شيبه ٢٠/ ٥/١٤٣١هـ

стр. 5

صورة لمقدمة الشيخ محمد بن شامي مطاعن شيبة

стр. 6

تقديم فضيلة الشيخ الدكتور ياسر برهامي الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله ﵌، أما بعد: قال تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (١٤)﴾ (آل عمران: ١٤). وقال ﵌: «إِنَّ الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ وَإِنَّ اللهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا فَيَنْظُرُ كَيْفَ تَعْمَلُونَ فَاتَّقُوا الدُّنْيَا وَاتَّقُوا النِّسَاءَ فَإِنَّ أَوَّلَ فِتْنَةِ بَنِى إِسْرَائِيلَ كَانَتْ فِى النِّسَاءِ» (رواه مسلم). فالشهو الجنسية من أقوى الشهوات في الإنسان، بل عدّها بعض الملاحدة المحرك الأساسي في الإنسان، وهذا من ضلالهم وانحرافهم وتفكيرهم البهيمي الذي يريدون دَفْعَ العالم كله إليه، ولكن لا شك في قوة هذه الغريزة، ولا شك في طغيانها عند كثير من بني الإنسان حتى صارت عندهم أكبر الهم ومبلغ العلم. ولقد ظلت المجتمعات المسلمة ـ حينًا من الدهر ـ أبعد المجتمعات عن سيطرة هذه الشهوة وطغيانها، وبقيتْ أمة الإسلام أكثر الأمم محافَظةً على العفة والطهارة؛ مما نقمه الأعداء عليهم؛ قال تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا

стр. 7

أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ (٥٩)﴾ (المائدة: ٥٩)؛ فأكثر اليهود والنصارى خارجون عن شرائعهم التي يزعمون انتسابهم إليها، وهم الذين ينشرون الانحلال في العالم، ويحسدون أهل الإسلام على ما آتاهم الله من فضله من العفة والنقاء والمحافظة على الأعراض والأنساب. ودفَعهم هذا الحسد إلى محاولة إغواء الأمة الإسلامية وجرِّها نحو باطلهم وسفولهم وانحطاطهم؛ فما أن احتلت جيوشهم أكثر بلاد المسلمين حتى شرعوا في زعزعة وضع المرأة في المجتمع، ووضعوا الخطط لتغيير حدود علاقة الرجل بالمرأة كما بيَّنها شرع الله ليستبدل الناسُ الذي هو أدنى بالذي هو خير. وكانت أولى الخطوات في هذه الخطط الشيطانية والمكائد الإبليسية هي التبرج ووضع الثياب وكشف العورات ونشر الاختلاط المنكر المؤدّي إلى وقوع الفواحش مُتَّبعين خطة إبليس القديمة الجديدة التي بيَّنها الله لنا وحذرنا من شرها فقال تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٧)﴾ (الأعراف: ٢٧). ولقد كان الاختلاط المحرم ـ ولا يزال ـ من أخطر وسائل الحرب الحضارية والغزو الفكري الذي يمارسه الغرب ضد أهل الإسلام؛ فمحاربة هذا الاختلاط واجب دفاعي على أهل الإسلام للحفاظ على حصونهم الحقيقية؛ فإن القوة العسكرية سرعان ما تتبدل إذا بقي منهج المجتمع وشريعته حيًّا في قلوب أبنائه ولم يصبح أفراد الأمة أبناءَ الأعداء، منّا يتكلمون بلساننا وهم من جِلْدَتنا وقلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس. ولقد سطر أخونا شحاتة صقر ـ حفظه الله ـ هذا البحث في مضارّ الاختلاط المحرم، وحيثما ذُكِر الاختلاط في البحث فهو المعهود المعروف في مثل مجتمعنا المصري في جامعاته

стр. 8

ومدارسه وأعماله ووظائفه الذي يتضمن أنواع المنكرات من النظر المحرم والكلام المحرم والسماع المحرم واللمس المحرم فضلًا عما سوى ذلك من الفواحش، وضمَّنَه جملة من الأدلة وفتاوى العلماء للتحذير من هذا المرض الخبيث. وإن كان لابد لنا أن ننبه أن بعض هذه الفتاوى ـ مثل الفتاوى الآمرة بهجران المعاهد والجامعات والمدارس المختلطة وكذا الأعمال التي فيه اختلاط ـ قد سِيقت من قِبَل العلماء الأفاضل في بعض الظروف لمحاولة سد ذريعة الفساد المنتشر ومنعه، وقد تكون في بعض البلدان وبعض الظروف لم تذكر المفاسد التي قد تترتب على غياب العنصر الإسلامي الملتزم عن هذه المعاهد والمدارس والجامعات والوظائف، وهو في الحقيقة غاية أمنية الأعداء من الكفار والمنافقين الذين يسعون إلى «حوصلة» الصحوة الإسلامية ومحاولة تحجيمها ومنع تاثيرها في المجتمع؛ فلابد أن تراعَى ظروف مجتمعات أخرى وأحوال أخرى وتراعَى فيها قدر المصالح والمفاسد في تطبيق هذه الفتاوى، والأصل اتباع الدليل والاستدلال به، وكلام أهل العلم يُستدل له، ولا يُستدل به. وقد تبقى بعض الأمور التي رجَّحها أخونا الفاضل/شحاتة صقر من أمور الاجتهاد السائغ التي يسعنا فيها الخلاف، كما وسع سلفنا الصالح ـ قد نرى ما يخالفها ـ لأن لكلٍّ وجهة نظره المعتبرة، وتبقى جملة البحث تسير في نهج واحد وسياق واحد نحو العفة والطهارة والنقاء على سبيل التزكية التي أمر الله بها: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ﴾ (النور: ٣٠). أسألُ الله تعالى أن ينفع به كاتبه وقارئه وناشره وان يجعلنا جميعًا من عباده الصالحين وأن يُلحقنا بالنبيين والصديقين والشهداء والصالحين. كتبه ياسر برهامي

стр. 9

تقديم فضيلة الشيخ هشام عقدة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله ﵌، وبعد: فقد تعودنا من العلمانيين ومن يداهنونهم إثارة الحملات على ثوابت الدين وشريعة المسلمين طمعًا في تحلّل المسلمين مِن دينهم وفي القضاء على مظاهر الإسلام , ولكل حملة موسمها , ولقد شهدت الأيام السابقة حملة لمحاربة ستر المسلمة لوجهها , وحملة للدعوة إلى مشروعية اختلاط النساء بالرجال على النحو المعهود في الجامعات وأماكن العمل وغير ذلك ... ولكن الله تعالى يُقَيِّضُ للأمة مَن يَرُدُّ كيد الكائدين في نحورهم ويكشف زيف المنحرفين وكذب دعاواهم التي يستدلون عليها ـ زورًا وبهتانا ـ بأدلة الشريعة. فمنذ عدة أسابيع وقع بين يدَيَّ كُتيِّب لطيف بعنوان: (فتاوى كبار علماء الأزهر الشريف حول النقاب) ـ من إصدارات دار اليسر ـ يقرّرون فيه مشروعية النقاب بل ووجوبه , فحمدت الله على ذلك ... ثم ـ من أيام ـ قدَّم إليَّ أخي الكريم فضيلة الشيخ/شحاتة صقر كتابًا له بعنوان: (الاختلاط بين الرجال والنساء أحكام وفتاوى ـ ثمار مرة وقصص مخزية كشف ٩٠

стр. 10

شبهة لدعاة الاختلاط) طالبًا مني قراءته والتقديم له. وقد استبشرت بذلك قبل قراءته , ثم قد ازداد سروري وفرحي بعدما قرأته , حيث وجدتُّه قد عبَّر أصدق تعبير عما يدور في نفوس أهل العلم والدين وجميع الغيورين على دينهم وعلى أعراضهم , وقد روى غليل القارئ باستقصائه لشبهات أهل الباطل ودحضها بقوة؛ ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ (الأنبياء: ١٨). فللهِ دَرُّ كاتبه , وإنه لشرفٌ لي أي شرف أن أقدم له , وأدعو المسلمين جميعًا ألا يخلو بيت من بيوتهم من هذا الكتاب؛ فاستيعابه والعمل بما فيه هو العلاج بل والوقاية مما نراه في هذه الأيام من الانفلات من قيود الدين والأخلاق ومن الحوادث المخزية التي طالتْ بيوت كثير من المسلمين حتى بعض من يفترض فيهم القدوة لغيرهم من أفراد المجتمع. فأسال الله العلي القدير أن يُجْزِلَ الأجر والثواب لمؤلف هذا الكتاب , ويجعله ذُخْرًا له في حياته وبعد مماته. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أبو عاصم هشام عبد القادر عُقدة دمنهور مساء الأحد ١٩ ربيع الآخر١٤٣١ هـ ٤ إبريل٢٠١٠م

стр. 11

تقديم فضيلة الشيخ الدكتور محمد يسري إبراهيم الحمد لله رب العالمين، أحمده على عظيم إنعامه، وتمام إحسانه، وأسأله - جل وعلا - المزيد من فضله وامتنانه، وأصلي وأسلم على نبينا محمد الداعي إلى رضوانه، وعلى آله وأصحابه وأتباعه وأنصاره. ثم أما بعد: فليس بنا أن نقول في هذه العجالة: إن الاختلاط منه مباح ومنه محرم؛ ذلك أن المباح منه موضع اتفاق، والمحرم منه هو ما يتنزل عليه كلام العلماء، وإنكار الفضلاء. وليس نا أن نخاطب في هذه الأسطر من كفر بمرجعية الشريعة فاستدبرها، ومن لا يرى للشرع المطهر حاكمية فاتخذه ظهرياً، فلو أن هذا وأشباهه جيء اليه بملء الأرض حججاً لقالوا: ﴿مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ﴾ [هود: ٥٣]. وبحسبنا أن نقول: إن الاختلاط المحرم مرفوض فطرياً، فاشل تربوياً، منبوذ تاريخياً، ساقط حضارياً، ومحرم ومجرم شرعياً. أما أنه مرفوض فطرياً فلأن الله تعالى ركَّب في المرأة أخلاقاً، ومنحها خلقة، وهيأها لعمل لا يصلح للرجال، كما لا يصلح عمل الرجال لها. ولما نذرت أم مريم ما في بطنها لعمارة بيت الله اعتذرت حين وضعتها أنثى؛ لأن هذا عمل الرجال، فأبطل الله نذرها (١).

стр. 12

وبالمرأة فطرة - ما دامت نقية فإنها - تأنف هذه الخلطة المذمومة، وتأبى هذا الامتزاج الممنوع، ولأجل هذا امتنعت المرأتين - من قديم - عن السقيا حتى يصدر الرعاء، قال تعالى: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ [القصص: ٢٣]. وأما أنه فاشل تربويا فلأن دعاته في التعليم والتربية قد جنوا ثمرات نكدة تمثلت بفوضى جنسية امتدت من الجامعات، ولعل الإحصائيات المرعبة تترجم عن حال الأسرة في الغرب وما آلت اليه من تفكك، وتنعي الفضيلة التي تحولت في تلك الأمم الى شذوذ أو استثناء. وأما أنه منبوذ تاريخيا ساقط حضاريا فلأن المطالع لوضع المرأة عند البابليين أو الكلدانيين يرى أنها كانت في حجاب وابتعاد عن الاختلاط، وذلك قبل الميلاد بألفي عام، كما عرف الهنود خلال القرنين الثالث والرابع قبل الميلاد حظر الاختلاط فلا يتصل الرجال بالنساء إلا وفق ضوابط، ومن خلال قنوات محددة. وكان الفرس القدماء يفرضون الحجاب على النساء، ولا يسمح لهن بالاختلاط بالرجال. وكان من عادة نساء اليونان حجب وجوههن بطرف مآزرهن، أو بحجاب مصنوع من حرير، وكن في بعض المدن اليونانية - كأثينا - يحتجبن بغطاء يوضع على الوجه له ثقبان أمام العينين؛ لتنظر منهما المرأة. وكذا كان الحال عند الرومان، فلما عرف اليونان والرومان حياة الشهوات، وغلب عليهم الترف والفساد فشا الاختلاط فتبرجت النساء وانتشرت الفحشاء، وآل الأمر إلى سقوط حضارتهم إلى غير رجعة (١).

стр. 13

وأما أن الاختلاط مجرم ومحرم شرعيا، فلنصوص كثيرة من القرآن العظيم، والسنة الصحيحة، والإجماع المنعقد المقبول، فضلا عن دلالة المعقول. وتفصيل هذه الأدلة والرد على شبهات المخالفين، وتمحلات المتأولين ومماحكات المترخصين محلها هذا الكتاب، الذي أحسن الظن بكاتبه، الذي لم أر جثمانه، وإنما نظرت فيما خط بنانه، فألفيته قد جمع من الأدلة فأوعى، ورد على المخالف فما أبقى. وقد نقل صاحب الكتاب فتاوى كثيرة، وعرض لمسائل عديدة، وكم تمنيت أن أجد وقتا لأقرأ فاستفيد جديدا، أو أهدي إليه مفيدا، إلا أن شيئا من ذلك لم يكن، فاكتفيت بنظرة عجلى، مرجئا ما عساه قد يبدو لي إلى قراءة أخرى، والله تعالى المسئول أن ينفع بالكتاب وكاتبه، وألا يحرم من قرأه أو نشره أجرا وخيرا، إنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين. والحمد لله رب العالمين وكتبه محمد يسري إبراهيم القاهرة ليلة العاشر من شعبان عام ألف وأربعمائة وواحد وثلاثين من الهجرة

стр. 14

أقوال ليست عابرة !! * «أَلَا تَسْتَحْيُونَ أَوْ تَغَارُونَ؟ فَإِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّ نِسَاءَكُمْ يَخْرُجْنَ فِي الْأَسْوَاقِ يُزَاحِمْنَ الْعُلُوجَ». علي بن أبي طالب ﵁ (١). * «وقد كان من سنة النبي ﵌ وسنة خلفائه التمييز بين الرجال والنساء ... ؛ لأن اختلاط أحد الصنفين بالآخر سبب الفتنة؛ فالرجال إذا اختلطوا بالنساء كان بمنزلة اختلاط النار والحطب» (٢). ... شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ * «لَا رَيْبَ أَنَّ تَمْكِينَ النِّسَاءِ مِنْ اخْتِلَاطِهِنَّ بِالرِّجَالِ: أَصْلُ كُلِّ بَلِيَّةٍ وَشَرٍّ، وَهُوَ مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ نُزُولِ الْعُقُوبَاتِ الْعَامَّةِ، كَمَا أَنَّهُ مِنْ أَسْبَابِ فَسَادِ أُمُورِ الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ. وَاخْتِلَاطُ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ سَبَبٌ لِكَثْرَةِ الْفَوَاحِشِ وَالزِّنَا وَهُوَ مِنْ أَسْبَابِ الْمَوْتِ الْعَامِّ , وَالطَّوَاعِينِ الْمُتَّصِلَةِ. فَمِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ الْمَوْتِ الْعَامّ: كَثْرَةُ الزِّنَا , بِسَبَبِ تَمْكِينِ النِّسَاءِ مِنْ اخْتِلَاطِهِنَّ بِالرِّجَالِ، وَالْمَشْيِ بَيْنَهُمْ مُتَبَرِّجَاتٍ مُتَجَمِّلَاتٍ , وَلَوْ عَلِمَ أَوْلِيَاءُ الْأَمْرِ مَا فِي ذَلِكَ مِنْ فَسَادِ الدُّنْيَا وَالرَّعِيَّةِ ـ قَبْلَ الدِّينِ ـ لَكَانُوا أَشَدَّ شَيْءٍ مَنْعًا لِذَلِكَ» (٣). الإمام ابن القيم ﵀

стр. 15

إنَّ الرجالَ الناظرينَ إلى النِّسَا ... مِثْلُ السباعِ تطوفُ باللحمان إنْ لم تَصُنْ تلكَ اللحومَ أسُودُها ... أُكِلَتْ بِلا عِوَضٍ ولا أثمانِ (١) الإمام أبو محمد الأندلسي القحطاني (٢) * « ... وتحريم الدين لاختلاط الجنسين على النحو الذي يقع في الجامعة معروف لدى عامة المسلمين، كما عرفه الخاصة من علمائهم، وأدلة المنع واردة في الكتاب والسنّة وسيرة السلف الذين عرفوا لُبَابَ الدين، وكانوا على بصيرة من حكمته السامية ... والأحاديث الصحيحة الواردة في النهي عن اختلاط المرأة بغير محرم لها تدل بكثرتها على أن مقتَ الشريعة الغرَّاء لهذا الاختلاط شديد» (٣). الشيخ محمد الخضر حسين شيخ الأزهر الأسبق ﵀. * «وقد ذكر العلامة ابن القيم فى كتابه (الطرق الحكمية فى السياسة الشرعية) فصلًا بَيَّنَ فيه أنه يجب على ولىِّ الأمر أن يمنع اختلاط الرجال بالنساء فى الأسواق ومجامع الرجال، وذكر فيه أن تمكين النساء من اختلاطهن بالرجال أصل كل بلية وشر، ومن أعظم أسباب نزول العقوبة العامة، كما أنه من أسباب فساد الأمور العامة والخاصة وسبب لكثرة الفواحش والزنا» (٤). ... الشيخ عبد المجيد سليم، شيخ الأزهر الأسبق ﵀

стр. 16

* «وفي قوله تعالى: ﴿لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ﴾ إشارة إلى أن المرأة إذا اضْطُرَّتْ للخروج للعمل، وتوفرَتْ لها هذه الضرورة عليها أنْ تأخذَ الضرورة بقدرها، فلا تختلط بالرجال، وأنْ تعزل نفسها عن مزاحمتهم والاحتكاك بهم، وليس معنى أن الضرورة أخرجتْ المرأة لتقوم بعمل الرجال أنها أصبحتْ مثلهم، فتبيح لنفسها الاختلاط بهم» (١). الشيخ محمد متولي الشعراوي ﵀ * «وقد أخذ العلماء من هذه الآية الكريمة التى تسمى بآية الحجاب (٢)، جملة من الأحكام والآداب منها ... حرمة الاختلاط بين الرجال والنساء سواء أكان ذلك فى الطعام أم فى غيره ... كذلك أخذ العلماء من هذه الآية أنه لا يجوز للرجل الأجنبى أن يصافح امرأة أجنبية عنه، ولا يجوز له أن يمس شيءٌ مِن بدنه شيئًا مِن بدنها» (٣). الدكتور محمد سيد طنطاوي، شيخ الأزهر الأسبق ﵀ * «الأدلة الصحيحة الصريحة الدالة على تحريم الخلوة بالأجنبية وتحريم النظر إليها وتحريم الوسائل الموصلة إلى الوقوع فيما حرم الله أدلة كثيرة، قاضية بتحريم الاختلاط لأنه يؤدي إلى ما لا تحمد عقباه. فكيف يحصل غض البصر وحفظ الفرج، وعدم إبداء الزينة

стр. 17

عند نزول المرأة ميدان الرجال واختلاطها معهم في الأعمال والاختلاط كفيل بالوقوع في هذه المحاذير. وكيف يحصل للمرأة المسلمة أن تغض بصرها وهي تسير مع الرجل الأجنبي جنبًا إلى جنب بحجة أنها تشاركه في الأعمال أو تساويه في جميع ما يقوم به» (١). الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ * «اختلاط الإناث بالذكور لا يجوِّزُه دين الإسلام ـ دين الغيرة والشهامة والمروءة والإنصاف ـ عملًا بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ (الأحزاب: ٥٣)، وقوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ (الأحزاب: ٣٣). (٢). الشيخ نجم الدين الواعظ ـ مفتي الديار العراقية سابقًا ﵀. * «يُسْتَحْسَنُ شرعًا إعلان الزواج، ليخرج بذلك عن نكاح السر المنهي عنه، وإظهارًا للفرح بما أحل الله من الطيبات، وإن ذلك عمل حقيق بأن يشتهر، ليعلمه الخاص والعام، والقريب والبعيد، وليكون دعاية تشجع الذين يؤثرون العزوبة على الزواج، فتروج سوق الزواج. والإعلان يكون بما جرت به العادة، ودرج عليه عرف كل جماعة، بشرط ألا يصحبه محظور نهى الشارع عنه كشرب الخمر، أو اختلاط الرجال بالنساء، ونحو ذلك» (٣). ... الشيخ سيد سابق ﵀ * «حُرِّم الاختلاط، سواء في التعليم، أم العمل، والمؤتمرات، والندوات، والاجتماعات العامة والخاصة، وغيرها؛ لما يترتب عليه من هتك الأعراض ومرض القلوب،

стр. 18

وخطرات النفس، وخنوثة الرجال، واسترجال النساء، وزوال الحياء، وتقلص العفة والحشمة، وانعدام الغيرة» (١). ... الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد ﵀ * «يرى الإسلام في الاختلاط بين المرأة والرجل خطرًا محققًا فهو يباعد بينهما إلا بالزواج، ولهذا فإن المجتمع الإسلامي مجتمع انفرادي لا مجتمع مشترك. يزيد الاختلاط قوة الميل، وقديمًا قيل: إن الطعام يقوِّى شهوة النهم ... والمرأة التي تخالط الرجال تتفنن في إبداء ضروب زينتها، ولا يُرْضيها إلا أن تثير في نفوسهم الإعجاب بها» (٢). ... الأستاذ حسن البنا ﵀ * «لا يجيز الإسلام أن تختلط المرأة بالرجال في الحفلات العامَّة أو المنتديات ولو كانت محتشمة ... ولهذا كله يتشدد الإسلام في منع اختلاط النساء بالرجال؛ وقد قامت حضارته الزاهرة التي فاقت كل الحضارات في إنسانيتها ونبلها على الفصل بين الجنسين ولم يؤَثِّرْ هذا الفصل على تقدّم الأمة المسلمة وقيامها بدورها الحضاري الخالد في التاريخ» الدكتور مصطفى السباعي ﵀ (٣). * «أقبح من ذلك ما يفعله بعض المنتسبين إلى الإسلام من خلط النساء بالرجال الأجانب في المدارس، وصنوف الأعمال بحيث يجعل لكل رجل وامرأة أجنبية منه مجلس واحد لتتم العلاقة بينهما من قريب وتحصل الفتنة والفاحشة بينهما بأدنى وسيلة، وهذا مما دَبَّ إليهم من قبائح الإفرنج ورذائلهم، فالله المستعان» (٤). ... الشيخ حمود بن عبد الله التويجري ﵀

стр. 19

* «تقرر الآية الحجاب بين نساء النبي ﵌ والرجال: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾، وتقرر أن هذا الحجاب أطهر لقلوب الجميع: ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾؛ فلا يقل أحد غير ما قال الله، لا يقل أحد إن الاختلاط، وإزالة الحجب، والترخص في الحديث واللقاء والجلوس والمشاركة بين الجنسين أطهر للقلوب، وأعف للضمائر، وأعون على تصريف الغريزة المكبوتة، وعلى إشعار الجنسين بالأدب وترقيق المشاعر والسلوك ... إلى آخر ما يقوله نفر من خلق الله الضعاف والمهازيل الجهال المحجوبين، لا يقل أحد شيئًا من هذا ... يقول الله هذا عن نساء النبي الطاهرات، أمهات المؤمنين، وعن رجال الصدر الأول من صحابة رسول الله ﵌ ممن لا تتطاول إليهن وإليهم الأعناق» (١). ... الأستاذ سيد قطب ﵀ * « ... فهذه النصوص القرآنية، والأحاديث النبوية تحرم اختلاط الرجال بالنساء بشكل قاطع جازم لا يحتمل الشك ولا الجدل!! فالذين يبيحون الاختلاط ويبررونه بتعويدات اجتماعية ومعالجات نفسية، وحجج شرعية، فإنهم في الواقع يفترون على الشرع، ويتجاهلون الفطرة الغريزية، ويتجاهلون الواقع المرير الذي آلت إليه المجتمعات الإنسانية قاطبة» (٢). ... الدكتور عبد الله ناصح علوان (٣) ﵀ * «إن جعبة الباحثين والدارسين لظاهرة الاختلاط حافلة بالمآسي المخزية، والفضائح المشينة، التي تمثل صفعة قوية في وجه كل من يجادل في الحق بعدما تبين، وإن الإحصائيات الواقعية في كل البلاد التي فيها الاختلاط ناطقةٌ ـ بل صارخةٌ ـ بخطر

стр. 20

الاختلاط على الدنيا والدين، لخصها العلامة أحمد وفيق باشا العثماني، الذي كان سريع الخاطر، حاضر الجواب عندما سأله بعض عُشَرائه من رجال السياسة في أوربا، في مجلس بإحدى تلك العواصم قائلًا: «لماذا تبقى نساء الشرق محتجبات في بيوتهن مدى حياتهن، من غير أن يخالِطْنَ الرجال، ويغْشَيْنَ مجامِعَهُم؟»، فأجابه في الحال قائلًا: «لأنهن لا يرغَبْنَ أنْ يَلِدْنَ من غيرِ أزواجهن».وكان هذا الجواب كصَبِّ ماء بارد على رأس هذا السائل، فسكت على مضض كأنه ألقم الحجر» (١). الشيخ محمد بن إسماعيل المقدم (٢) دَعِي عنكِ قومًا زاحمَتْهُم نساؤُهم ... فكانوا كما حفَّ الشرابَ ذبابُ تساوَوا فهذا بينهم مثلُ هذهِ ... وسِيَّانُ معنىً يافعٌ وكَعَابُ وما عجبي أنَّ النساءَ ترجَّلَتْ ... لكنَّ تأنيثَ الرجالِ عُجَابُ (٣) مصطفى صادق الرافعي * «إن رفع الحجاب والاختلاط كلاهما أمنية تتمناها أوربا من قديم الزمان لغاية في النفس يدركها كل من وقف على مقاصد أوربة بالعالم الإسلامي». محمد طلعت حرب (٤).

стр. 21

* «النساء في كل الظروف لا يخرجن مطلقًا سافرات الوجوه، بل يغطين وجوههن بالبرقع ... ولا يدخل الرجال مطلقًا ـ فيما عدا بعض الأهل الأقربين ـ إلى مسكن السيدات ... ولم يستطع الرحالة السابقون على الغزو أن يتعرفوا على أحوال سيدات الطبقة المسيطرة، وذهبت أدراجَ الرياحِ كلُّ توسلاتهم اللحوح؛ فلم يكن عظماء مصر ليسمحوا لأحد بأن يتطلع إلى جمال زوجاتهم» (١). ج دي شابرول أحد علماء الحملة الصليبية الفرنسية على مصر واصفًا حال نسائها في نهاية القرن الثامن عشر. * «إن ديننا ... أوصى بأن يكون للرجال مجتمعهم الذي لا تدخله امرأة واحدة، وأن يجتمع النساء دون أن يُقبَل بينهن رجلٌ واحد، لقد أراد بذلك حماية الرجل والمرأة مما ينطوي عليه صدرهما من ضعف، والقضاء الجذري على مصدر الشر» (٢). قاسم أمين داعية تحرير المرأة ـ قبل الانزلاق * يقول البروفيسور الألماني (يودفو ليفيلتز) كبير علماء الجنس في جامعة برلين في إحدى دراساته الجنسية بأنه درس علوم الجنس وأدوار الجنس وأدوية الجنس فلم يجد علاجًا أنجح ولا أنجع من قول الكتاب الذي نُزِّل على محمد: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾، ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ (النور: ٣٠ - ٣١) (٣).

стр. 22

مقدمة «الحمد لله العليم بخلقه، القائل في محكم كتابه: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾ (الملك:١٤)، الرحيم بهم، ومن رحمته أنزل شريعته ناصحة لهم، ومُصلحة لمفاسدهم، ومُقوّمة لاعوجاجهم، ومن ذلك ما شرع من التدابير الوقائية، والإجراءات العلاجية التي تقطع دابر الفتنة بين الرجال والنساء، وتُعين على اجتناب المُوبقات رحمةً بهم، وصيانة لأعراضهم، وحماية لهم من خزي الدنيا وعذاب الآخرة. وبيَّن لهم أن غايةَ الشيطان في هذا الباب أن يُوقع النوعين في حضيض الفحشاء!! لكنه يسلك في تزيينها، والإغراء بها مسلك التدرج , عن طريق خطوات يقود بعضها إلى بعض، وتُسلم الواحدة منها إلى الأخرى، وهي المعنيَّة بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ (النور: ٢١). والصلاة والسلام على الصادق الأمين , المبعوث رحمةً للعالمين ـ القائل: «مَا تَرَكْتُ بَعْدِى فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ» (١).والقائل: «إِنَّ الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ وَإِنَّ اللهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا فَيَنْظُرُ كَيْفَ تَعْمَلُونَ فَاتَّقُوا الدُّنْيَا وَاتَّقُوا النِّسَاءَ فَإِنَّ أَوَّلَ فِتْنَةِ بَنِى إِسْرَائِيلَ كَانَتْ فِى النِّسَاءِ» (٢) ـ الذي حذرنا من خطوات الشيطان إلى إشاعة الفساد , خصوصًا ما أضلَّ به كثيرًا من العباد من تزيين التبرج، وإشاعة الفاحشة، وإطلاق البصر إلى ما حرَّم الله، ومصافحة النساء الأجنبيات، وسفر المرأة بدون مَحرَم، وخروجها متطيبة متعطرة , وخضوعها بالقول للرجال، وخلوتها بهم واختلاطها معهم» (٣).

стр. 23

«إن نساء المسلمين في الصدر الأول، كُنّ دررًا مصونة، ولآلئ مكنونة، غير ولّاجات خرّاجات، وإن خرجن للحاجات، فهن العفيفات المتحفظات، وعلى مِنْوال أولئك السابقين الأولين، كانت عصور التابعين والأئمة المرضيين. وقد ظلت نساء المسلمين مصونة في مدن حصينة ضد غزو التغريب، عبر عقود بل قرون ازدهرت فيها حضارة الإسلام، بينما كان يقبع غيرهم في ما يُعرف اليوم برجعية العصور الوسطى، أو عصور الظلام. ثم مع انحسار العفاف رويدًا رويدًا، بدأت تنحسر دولة الإسلام شيئًا فشيئًا، ومع ذلك ظلت بعض المدن تعرف بالصيانة والعفاف، ثم استشرت الفتن، وجاءت الأهواء فساقت الناس نحو جحر الغرب المظلم، فبعد أن كان الاختلاط علقمًا يشرق به الخاصة والعامة، بدأت عملية تسويغه، عن طريق المدارس الاستعمارية العالمية بدعوى أن علاج (الرجل المريض) (١) يكمن فيها، وذلك مطلع القرن الرابع عشر الهجري، فما بلغ أبناء تلك المدارس الخمسين، وما انتصف القرن، إلاّ وقد مات (الرجل)، بعد أن هيأت تلك المناطق المشبوهة مناخًا جيدًا لتفريخ أجيالٍ من المستغربين، الذين رأوا أن استعادة الأمة مجدها، وعودها إلى سابق عهدها، وخروجها من واقعها المظلم، لن يكون إلاّ بإحراق كل فضيلة، في سبيل (التنوير). هذا ومع خفوت وهج مصابيح الدجى، عميت أنباء الشريعة على كثير من الناس، واستُبهمت واضحاتها، فاختلط حكم الاختلاط، والتبست أحكام اللباس، و (استعجم) العرب ما جاء في التشريع وبخاصة ما يخص المرأة.

стр. 24

فكانت الفرصة مواتيةً لخروج دعايا ودَعِيّات التحرير، اللآتي لم يرفعن بهدى الله رأسًا، ولم يرَيْنَ في وأد العفة بأسًا؛ فنادوا بتغريب الفتاة، وعمدوا إلى إلغاء كل تشريع إسلامي يخص المرأة، بتدرج محسوب، وخطوات بطيئة، يستدرجون بها الغافلين والغافلات، فقال قائلهم أول الأمر: مادام الرجل التركي لايقدر أن يمشي علنًا مع المرأة التركية، وهي سافرة الوجه فلست أَعُدُّ في تركيا دستورًا ولاحرية. ثم بعد هنيهة قال الآخر: ما دامت الفتاة التركية لا تقدر أن تتزوج بمن شاءت، ولو كان من غير المسلمين، بل ما دامت لا تعقد (مقاولة) مع رجل تعيش وإياه كما تريد، مسلمًا أو غير مسلم، فإنه لا تُعَدّ تركيا قد بلغَتْ رُقِيًّا. فالمسألة ليست منحصرة في السفور، ولاهي بمجرد حرية المرأة المسلمة في الذهاب والمجيء كيفما تشاء، بل هناك سلسلة طويلة حلقاتها متصلة بعضها ببعض. «لَقَدْ كُنَّا وَكَانَتْ العِفَّة فِي سِقَاء مِنْ الحِجَاب موكوء فَمَا زِلْتُمْ بِهِ تَثْقُبُونَ فِي جَوَانِبه كُلّ يَوْم ثَقْبًا وَالْعِفَّة تَسَلُّل مِنْهُ قَطْرَة قَطْرَة حَتَّى تَقَبَّض وتكَرَّشَ (١) ثُمَّ لَمْ يُكَلِّفكُمْ ذَلِكَ مِنْهُ حَتَّى جِئْتُمْ اليَوْم تُرِيدُونَ أَنْ تَحِلُّوا وكاءه حَتَّى لَا تَبْقِي فِيهِ قَطْرَة وَاحِدَة» (٢). إن من أمعن النظر في حال المسلمين اليوم، وحالهم قبل عقود رأى كيف يسير ركب التغريب، وعلم أين يحُطُّ من يَمَّمَ سَمْتَهُم، واقتفى أَثَرَهُم. وكما ترى فإن الطريق بعيد، له مراحل شتى، ربما حل أول تلك المراحل طيبون، استبعدوا أن يحط بهم من يعزم قطعه، ولكن سرعان ما جاورهم آخرون، فتتابع الناس

стр. 25

في طريق الفتنة؛ ولهذا كان التحذير من تلك السبيل أحد المهمات، ولاسيما بعد أن بدأ الاختلاط يشيع في المجتمعات المحافظة، فضلًا عن غيرها» (١). وحول الاختلاط بين الرجال والنساء غير المحارم يدور هذا الكتاب بيانًا لأحكامه وكشفًا لشبهات دعاته، وذلك من كلام أهل العلم، وتجليةً لآثاره المدمرة وثماره المرة عبر قصص واقعية، تذكرةً لمن كان له قلب , أو ألقى السمعَ وهو شهيد , وتبصرة لمن خاف عذاب الآخرة، ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ (١٠٣)﴾ (هود: ١٠٣). وكان الدافع إلى كتابته تهاون بعض المنتسبين إلى الصحوة في هذا الأمر، غرَّهم في ذلك ضغط الواقع الذي يعيشون فيه، وبعض الشبهات التي كان يرددها قاسم أمين وغيره من دعاة تحرير المرأة من حجابها وعِفتها. ونسوا أنهم كانوا إلى عهد قريب في مقدمة صفوف المحاربين لهذا الاختلاط، والمنافحين عن العفة التي شهد واقع المسلمين وغيرهم بأن الاختلاط أساس تحطيمها. ولتعلم خطر التدرج في الانزلاق والاستجابة لضغط الواقع، قارن بين دفاع قاسم أمين عن الحجاب وعدم الاختلاط، وبين دوره في محاربة حجاب المرأة المسلمة ودعوته للاختلاط، فقد قام الفرنسي (الدوق داركور) ـ وهو ممن زار مصر عدة مرات ـ بإصدار كتاب في عام ١٨٩٣م سماه (سر تأخر المصريين) حمل فيه على أهل مصر، مركزًا حملته على نساء مصر، ساخرًا من حجابهن وقرارهن في البيوت، مهاجمًا المثقفين المصريين لسكوتهم وعدم تمردهم على هذه الأوضاع. فلما قرأ قاسم أمين كتاب (داركور) تألم أشد الألم، وقام بالرد على كتاب (داركور)

стр. 26

للدفاع عن المصريين؛ لا سيما النساء. وذلك في كتابه (المصريون). وكان من أبرز ما جاء في رده هذا: ١ - دفاعه عن الحجاب وعدم الاختلاط: يقول قاسم: «إن ديننا ... أوصى بأن يكون للرجال مجتمعهم الذي لا تدخله امرأة واحدة، وأن يجتمع النساء دون أن يُقبَل بينهن رجلٌ واحد، لقد أراد بذلك حماية الرجل والمرأة مما ينطوي عليه صدرهما من ضعف، والقضاء الجذري على مصدر الشر». ويقول: «إننا نحس جميعًا أن لنا نظامًا يرسِّخ من الاتحاد بين الزوجين، فلا نعرف نساءً غير نسائنا، كما لا تعرف زوجاتنا رجالًا غيرنا، وهذا ما يجعلنا أزواجًا متفاهمين ... ». ٢ - هجومه على أوربا ونسائها: يقول: «إن عادات بعض الطبقات الأوربية ساهمت ـ كما لو كان ذلك عن قصد ـ في زيادة الفرص التي تُيَسّر السقوط ... ». ويقول: «تكشف الإحصاءات الفرنسية عن أن نسبة واحد وأربعين في المائة من نساء الهوى المعروفات رسميًا قاصرات، وأن أكثر من ربع المواليد المعروفين أبناء غير شرعيين، وأن المجتمع يفقد كل عام مائة وخمسين ألف طفل يُقتلون ساعة ولادتهم أو خلال الحمل ... ». ويقول: «إن ما هو القاعدة في أوربا ـ بخاصة فيما يتعلق بخيانة الأزواج ـ ليس في مصر إلا الاستثناء» (١). قارن بين قاسم أمين المعتز بدينه هنا، وبين قاسم أمين المنهزم نفسيًا أمام الغرب فكان ما كان من جنايته على المرأة المسلمة؛ وما هذا إلا ثمرة طبيعية للتدرج في الانزلاق.

стр. 27

فتأمل قوله في كتابه (المرأة الجديدة): «لو لم يكن في الحجاب عيب إلا أنه مناف للحرية الإنسانية لكفى وحده في مقته، وفي أنه ينفر منه كل طبع غرز فيه الميل إلى احترام الحقوق والشعور بلذة الحرية، ولكن الضرر الأعظم للحجاب ـ فوق ما سبق ـ هو أنه يحول بين المرأة واستكمال تربيتها». ويقول في موضع آخر من كتابه: «أما! الحجاب فضرره أنه يحرم المرأة من حريتها الفطرية»، ويقول: «بلغ من أمر احترام الرجل الغربي لحرية المرأة أن بنات في سن العشرين يتركن عائلاتهن ويسافرن من أمريكا إلى أبعد مكان في الأرض وحدهن أو مع خادمة، ويقضين الشهور والأعوام متغيبات في السياحة متنقلات من بلد إلى آخر، ولم يخطر على بال أحد من أقاربهن أن وحدتهن تعرضهن إلى خطر ما». بل يقول: «بل الكل متفقون على أن حجاب النساء هو سبب انحطاط الشرق، وأن عدم الحجاب هو السر في تقدم الغرب ... توجد وسيلة تخرجكم من الحالة السيئة التي تشتكون منها، وتصعد بكم إلى أعلى مراتب المدن كما تشتهون وفوق ما تشتهون ألا وهي تحرير نسائكم من قيود الجهل والحجاب». ويقول في مسألة تربية المرأة: «لا تجد من الصواب أن تنقص تربية المرأة عن تربية الرجل أما من جهة التربية الجسمية فلأن المرأة محتاجة إلى الصحة كالرجل، فيجب أن تتعود على الرياضة كما تفعل النساء الغربيات اللائي يشاركن أقاربهن الرجال في أغلب الرياضات البدنية، ويلزم أن تعتاد على ذلك من أول نشأتها وتستمر عليه من غير انقطاع، وإلا ضعفت صحتها وصارت عرضة للأمراض». ونجده يواصل حربه على دين الله فيقول عن أساليب تربية المرأة التي يلزم اتخاذها للمرأة: «ولابد هنا من استلفات النظر إلى وجوب الاعتناء بتربية الذوق عند المرأة وتنمية

стр. 28

الميل في نفسها إلى الفنون الجميلة، وإني على يقين من أغلب القراء لا يستحسنون أن تتعلم بناتهم الموسيقى والرسم؛ لأن منهم من يَعُدّها من الملاهي التي تنافي الحشمة والوقار، أو أنها لا فائدة منها، وقد ترتب على هذا الوهم الفاسد انحطاط درجة هذه الفنون في بلادنا إلى حد يأسف عليه كل من عرف مالها من الفائدة في ترقية أحوال الأمم». هذه بعض أقوال كبيرهم الذي علمهم السحر، وهي كما ترى أقوال متناقضة متهافتة لدى كل ذي بصيرة ولا أدل على ذلك من أنه منع زوجته من ممارسة كل ما سبق (١). إن الخير كل الخير في الأخذ بهذا الدين العظيم والعمل به في كل جوانب الحياة، صغيرها وكبيرها كما يريد الله ، والشر كل الشر، والخطر كل الخطر، والضياع والخسران هو في البعد عنه وتركه، أو العمل ببعضه وترك بعضه، لأن هذه صفات مذمومة، وأهلها ممقوتون عند الله؛ لأنه لا ينبغي للمسلم أن يطيع الله فقط في الصلاة والزكاة والحج والعمرة والصيام، بينما يعصيه في الأمور الأخرى التي تتعلق بالحياة كالأمر بالحجاب وعدم الاختلاط والتي أمر بها رب العالمين خضوعًا للعادات والتقاليد. ويقال للمهزومين نفسيًا والمفتونين بما عليه الغرب: لَا يَخْدَعَنَّكَ عَنْ دِينِ الهُدَى نَفَرٌ ... لَمْ يُرزَقُوا في الْتِمَاسِ الْحَقِّ تَأْيِيدَا عُمْيُ الْقُلُوبِ عَمُوا عَنْ كُلِّ ... فَائِدَةٍ لِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ تَقْلِيدَا (٢) وفي الختام أودُّ أن أنبه أن نقل أقوال بعض العلماء في مسألة الاختلاط لا يعني الإقرار بما يتبناه هذا العالم أو ذاك من آراء تخالف الكتاب والسنة.

стр. 29

وأودُّ أن أنبه أن القارئ الكريم قد يلاحظ اختلافًا بين بعض الفتاوى التي أنقلها عن أهل العلم، وهذا يرجع إلى الإجمال أو التفصيل في الفتوى، أو إلى اختلاف اجتهادات المفتين في تصورهم للواقع المسئول عنه، وبالتالي تقديرهم للمصالح والمفاسد. وأسأل الله العظيم ـ ربَّ العرش العظيم ـ أن يهدينا سبلنا، وأن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته، وأن ينفع المسلمين بهذه الورقات، وأن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل. وصلى الله وسلم وبارك على عبده ونبيه ـ سيدنا محمد ـ وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين. شحاتة محمد صقر saqrmhm@gawab.com

стр. 30

قرار المرأة في بيتها هو الأصل (١) إن قرار المرأة في بيتها هو الأصل، فهو عزيمة شرعية في حقهن، وخروجهن من البيوت رخصة لا تكون إلا لضرورة أو حاجة (٢)، بضوابط الخروج

стр. 31

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 32

الشرعية (١)؛ قال تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ (الأحزاب: ٣٣). فقوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ ليس مقصورًا على نساء النبي ﵌ وهو قول جمهور المفسرين منهم: ١ - القرطبي ﵀، قال: «مَعْنَى هَذِهِ الْآيَة الْأَمْر بِلُزُومِ الْبَيْت , وَإِنْ كَانَ الْخِطَاب لِنِسَاءِ النَّبِيّ ﵌ فَقَدْ دَخَلَ غَيْرهنَّ فِيهِ بِالْمَعْنَى. هَذَا لَوْ لَمْ يَرِد دَلِيل يَخُصّ جَمِيع النِّسَاء , كَيْف وَالشَّرِيعَة طَافِحَة بِلُزُومِ النِّسَاء بُيُوتهنَّ , وَالِانْكِفَاف عَنْ الْخُرُوج مِنْهَا إِلَّا لِضَرُورَةٍ» (٢). ٢ - ابن كثير ﵀، قال في تفسيره لهذه الآية: «هذه آداب أمر الله ـ تعالى ـ بها نساء النبي ﵌، ونساء الأمة تبع لهن في ذلك» (٣). ٣ - العلامة الآلوسي البغدادي ﵀، قال: «والمراد على جميع القراءات أمرهن ﵅ بملازمة البيوت، وهو أمر مطلوب من معاشر النساء» (٤). ٤ - الشيخ حسنين محمد مخلوف مفتي الديار المصرية السابق، وعضو جماعة كبار العلماء بالأزهر الشريف ﵀، قال في تفسيره لقوله : ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾: «الزمنها! فلا تخرجن لغير حاجة مشروعة، ومثلهن في ذلك سائر نساء المؤمنين» (٥).

стр. 33

٥ - ابن العربي المالكي ﵀، قال: «قوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾، يعني اسكُنَّ فيها ولا تتحرَّكن, ولا تبرحن منها» (١). ٦ - الجصاص ﵀، قال في الآية الآنفة: «وفيه الدلالة على أن النساء مأمورات بلزوم البيوت، منهيات عن الخروج» (٢). وقد نص غير واحد من أهل العلم على أن المرأة تلزم بيتها لاتخرج منه إلاّ لضرورة، قال ابن الحاج: «خروج المرأة لايكون إلاّ لضرورة شرعية» (٣). وقال الشيخ بكر أبوزيد: «ومَنْ نظر في آيات القرآن الكريم، وجد أن البيوت مضافة إلى النساء في ثلاث آيات من كتاب الله تعالى، مع أن البيوت للأزواج أو لأوليائهن، وإنما حصلت هذه الإضافة ـ والله أعلم ـ مراعاة لاستمرار لزوم النساء للبيوت، فهي إضافة إسكان ولزوم للمسكن والتصاق به، لا إضافة تمليك، قال الله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾، وقال سبحانه: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ (الأحزاب: ٣٤)، وقال عز شأنه: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ (الطلاق: ١) (٤). ومع ذلك قد تقتضي الحاجة خروج النساء، وعندها فلا حرج في خروجهن إذا أُمِنَتْ الفتنة، وكان خروجها منضبطًا بضوابط الشريعة، فلا تخرج متطيبة ولا متزينة، أو متبرجة ولا سافرة، ولاتزاحم الرجال في وسط الطرقات، بل تلتزم حافتها، وإذا

стр. 34

احتاجت إلى الكلام مع الأجانب فلا تخضع بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض، فمتى انقضت الحاجة أو ارتفعت الضرورة عاد كل إلى أصله. أما إذا لم تكن هناك حاجة فقد قال الله : ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾، ومع هذا الأمر بالقرار وحذرًا من مغبة الاختلاط منع من الدخول على النساء، وكل ذلك لعظم فتنة النساء؛ قال تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (١٤)﴾ (آل عمران:١٤)، فجعلهن من عين الشهوات، وبدأ بهن قبل بقية الأنواع، إشارة إلى أنهن الأصل في ذلك» (١). ومما سبق نخلص إلى أن الأصل أمْر النساء بلزوم البيوت، ونهيهن عن الخروج منها، أما عند الحاجة فيجوز لها أن تخرج ومن ذلك خروجها للعبادة، كالصلاة في المسجد رغم أن صلاتها في بيتها خير لها من صلاتها في المسجد، وكصلاة العيدين، ويجوز للمرأة أن تخرج للحج على أن تكون مع محرم، ويجوز لها الخروج لزيارة الآباء , والأمهات , وذوي المحارم , وشهود موت من ذكر , وحضور عرسه وقضاء حاجة لا غَناء للمرأة عنها ولا تجد من يقوم بها. والدليل على ذلك قول النبي ﵌: «قَدْ أَذِنَ اللهُ لَكُنَّ أَنْ تَخْرُجْنَ لِحَوَائِجِكُنَّ» (رواه البخاري ومسلم). فللمرأة أن تخرج من بيتها، ويكون هذا الخروج ممثلًا لحركة طارئة من حيث الأصل، ومنضبطًا بالشرع من حيث الممارسة، وبما لا يخل بقاعدة «القرار»، ومن ذلك: ١ - أن يكون خروج المرأة غير بغير فتنة , أما التي يخشى الافتتان بها فلا تخرج إلا إذا

стр. 35

أزالت أسباب الفتنة بها كالتبرج مثلًا؛ قالتعالى: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ (الأحزاب: ٣٣). ٢ - أن تكون الطريق مأمونة من تَوَقُّعِ المفسدة وإلا حَرُمَ خروجُها. ٣ - أن يكون خروجها في زمن أمن الرجال ولا يفضي إلى خلوتها أو اختلاطها بهم الاختلاط المحرم؛ لأن تمكين النساء من اختلاطهن بالرجال أصل كل بلية وشر. ٤ - الالتزام بالحجاب فيكون خروجها في تستر تام، لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥٩)﴾ (الأحزاب: ٥٩). ٥ - أن يكون الخروج بإذن الزوج , فلا يجوز لها الخروج إلا بإذنه. ٦ ـ أن لا يؤدي خروجها إلى خلل في أداء واجباتها الأصلية في مقرها وهو المنزل. ٧ ـ الالتزام بغض البصر؛ قال تعالى: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ (النور: ٣١). ٨ ـ عدم التعطر أو إصابة البخور؛ لقوله ﵌: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ اسْتَعْطَرَتْ، فَمَرَّتْ بِقَوْمٍ لِيَجِدُوا رِيحَهَا فَهِيَ زَانِيَةٌ» (رواه الإمام أحمد والنسائي، وحسنه الألباني). ٩ - عدم الخضوع بالقول إذا كان هناك حاجة إلى مخاطبة الرجال.

стр. 36

معنى الخضوع بالقول: قال تعالى: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٣٢)﴾ (الأحزاب: ٣٢). قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: «هذه آداب أمر الله تعالى بها نساء النبي ﵌، ونساء الأمة تبعٌ لهن في ذلك، فقال مخاطبًا لنساء النبي ﵌ بأنهن إذا اتقين الله كما أمرهن، فإنه لا يشبههن أحد من النساء، ولا يلحقهن في الفضيلة والمنزلة. ثم قال: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ﴾ قال السُّدِّي وغيره: «يعني بذلك: ترقيق الكلام إذا خاطبن الرجال»؛ ولهذا قال: ﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ أي: دَغَل، ﴿وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ قال ابن زيد: «قولًا حسنًا جميلًا معروفًا في الخير». ومعنى هذا: أنها تخاطب الأجانب بكلام ليس فيه ترخيم، أي: لا تخاطب المرأة الأجانب كما تخاطب زوجها (١). قال البغوي: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ﴾ لَا تَلِنَّ بِالْقَوْلِ لِلرِّجَالِ وَلَا تُرَقِّقْنَ الْكَلَامَ؛ ﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ أَيْ: فُجُورٌ وَشَهْوَةٌ، وَقِيلَ: نِفَاقٌ، وَالْمَعْنَى: لَا تَقُلْنَ قَوْلًا يَجِدُ مُنَافِقٌ أَوْ فَاجِرٌ بِهِ سَبِيلًا إِلَى الطَّمَعِ فِيكُنَّ. وَالْمَرْأَةُ مَنْدُوبَةٌ إِلَى الْغِلْظَةِ فِي الْمَقَالَةِ إِذَا خَاطَبَتِ الْأَجَانِبَ لِقَطْعِ الْأَطْمَاعِ (٢). وقال القرطبي: «أَمَرَهُنَّ اللهُ أَنْ يَكُون قَوْلهنَّ جَزْلًا وَكَلَامهنَّ فَصْلًا , وَلَا يَكُون عَلَى

стр. 37

وَجْه يُظْهِر فِي الْقَلْب عَلَاقَة بِمَا يَظْهَر عَلَيْهِ مِنْ اللِّين , كَمَا كَانَتْ الْحَال عَلَيْهِ فِي نِسَاء الْعَرَب مِنْ مُكَالَمَة الرِّجَال بِتَرْخِيمِ الصَّوْت وَلِينه , مِثْل كَلَام الْمُرِيبَات وَالْمُومِسَات. فَنَهَاهُنَّ عَنْ مِثْل هَذَا. ﴿مَرَضٌ﴾ أَيْ شَكّ وَنِفَاق , عَنْ قَتَادَة وَالسُّدِّيّ. وَقِيلَ: تَشَوُّف الْفُجُور , وَهُوَ الْفِسْق وَالْغَزَل , قَالَهُ عِكْرِمَة. وَهَذَا أَصْوَبُ , وَلَيْسَ لِلنِّفَاقِ مَدْخَل فِي هَذِهِ الْآيَة. وَالْمَرْأَة تُنْدَب إِذَا خَاطَبَتْ الْأَجَانِب وَكَذَا الْمُحَرَّمَات عَلَيْهَا بِالْمُصَاهَرَةِ إِلَى الْغِلْظَة فِي الْقَوْل , مِنْ غَيْر رَفْع صَوْت , فَإِنَّ الْمَرْأَة مَأْمُورَة بِخَفْضِ الْكَلَام. وَعَلَى الْجُمْلَة فَالْقَوْل الْمَعْرُوف: هُوَ الصَّوَاب الَّذِي لَا تُنْكِرهُ الشَّرِيعَة وَلَا النُّفُوس» (١). وخضوع المرأة بالقول يفتح باب زنا الأذن، فعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِىِّ ﵌ قَالَ «كُتِبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ نَصِيبُهُ مِنَ الزِّنَى مُدْرِكٌ ذَلِكَ لاَ مَحَالَةَ فَالْعَيْنَانِ زِنَاهُمَا النَّظَرُ وَالأُذُنَانِ زِنَاهُمَا الاِسْتِمَاعُ وَاللِّسَانُ زِنَاهُ الْكَلاَمُ وَالْيَدُ زِنَاهَا الْبَطْشُ وَالرِّجْلُ زِنَاهَا الْخُطَا وَالْقَلْبُ يَهْوَى وَيَتَمَنَّى وَيُصَدِّقُ ذَلِكَ الْفَرْجُ وَيُكَذِّبُهُ». (رواه مسلم). وقد يفتح باب العشق وإن لم يرها الرجل كما أنشد أعمى: يا قومِ أذني لبعضِ الحيِّ عاشقةٌ ... والأذْنُ تعشقُ قبلَ العينِ أحيانَا

стр. 38

بعض أحكام النَظَرُ (١) كُلُّ الحوادثِ مبدؤُها مِن النظرِ ... ومعظمُ النارِ مِن مُستصغَرِ الشرر كمْ نظرةٌ بلغتْ في قلبِ صاحبِها ... كمَبلَغِ السهمِ بينَ القوسِ والوتر والعبدُ ما دامَ ذا طرْفٍ يقلّبُهُ ... في أعيُنِ الْغِيْدِ مَوْقُوفٌ عَلْى الْخَطَر يَسُرُّ مُقْلَتَهُ ما ضَرَّ مُهْجَتَهُ ... لا مرحبًا بسرورٍ عادَ بالضررِ (٢) اتِّفَقَ الْفُقَهَاءِ عَلَى تَحْرِيمِ النَّظَرِ إِلَى جَمِيعِ بَدَنِ الْمَرْأَةِ بِشَهْوَةٍ. والشَّهْوَةُ لُغَةً: اشْتِيَاقُ النَّفْسِ إِلَى الشَّيْءِ، وَالْجَمْعُ: شَهَوَاتٌ. وَاشْتَهَاهُ وَتَشَهَّاهُ: أَحَبَّهُ وَرَغِبَ فِيهِ. وَفِي الاِصْطِلاَحِ: تَوَقَانُ النَّفْسِ إِلَى الْمُسْتَلَذَّاتِ. ومن النظر بشهوة تكرار النظر وإمعانه وهذا لا يجوز؛ فالمسلم ليس له إلا النظرة الأولى ـ وهي نظرة الفجأة ـ فعَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: «سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﵌ عَنْ نَظَرِ الْفُجَاءَةِ فَأَمَرَنِى أَنْ أَصْرِفَ بَصَرِى (رواه مسلم)، وقال النبي ﵌ لعليِّ ﵁: «يَا عَلِىُّ لاَ تُتْبِعِ النَّظْرَةَ النَّظْرَةَ فَإِنَّ لَكَ الأُولَى وَلَيْسَتْ لَكَ الآخِرَةُ». (رواه الترمذي وحسنه الألباني).

стр. 39

قال الشيخ الألبانى ﵀: «لا يجوز للمرأة أن تكرر النظر إلى الرجل، كما أنه لا يجوز للرجل أن يكرر النظر إلى المرأة؛ إلا فى حالة واحدة وهي حالة الخطبة» (١). جاء في فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء: «س: هل يجوز للرجل أن ينظر إلى المرأة الأجنبية أكثر من نظر الفجأة؟ ج: لا يجوز له النظر إليها أكثر من نظر الفجأة، إلا إذا دعت الضرورة إلى ذلك، كما في حالة الإنقاذ من غرق، أو حريق، أو هدم أو نحو ذلك، أو في حالة كشف طبي، أو علاج مرض إذا لم يتيسر أن يقوم بذلك من النساء» (٢). نَظَرُ الرَّجُل إِلَى الْمَرْأَةِ الأَْجْنَبِيَّةِ الشَّابَّةِ: اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يَحْرُمُ نَظَرُ الرَّجُل إِلَى عَوْرَةِ الْمَرْأَةِ الأَجْنَبِيَّةِ الشَّابَّةِ. وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِأَدِلَّةٍ مِنْهَا قَوْلُهُ تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ (النور: ٣٠)، وَبِقَوْلِهِ ﵌: «إِنَّ اللهَ كَتَبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظَّهُ مِنَ الزِّنَا، أَدْرَكَ ذَلِكَ لاَ مَحَالَةَ: فَزِنَا الْعَيْنِ النَّظَرُ» (رواه البخاري ومسلم). والْوَجْهُ والكَفَّانِ مِنْ عَوْرَةِ المرْأةِ، فَيَحْرُمُ نَظَرُ الرَّجُل بِغَيْرِ عُذْرٍ شَرْعِيٍّ إِلَى وَجْهِ الْمَرْأَةِ الْحُرَّةِ الْأَجْنَبِيَّةِ وَكَفَّيْهَا كَسَائِرِ أَعْضَائِهَا، سَوَاءٌ أَخَافَ الْفِتْنَةَ مِنَ النَّظَرِ أَمْ لَمْ يَخَفْ ذَلِكَ، وَالدَّلِيلُ: ١ - ِقَوْلُهِ تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ (الأحزاب: ٥٣)؛ فَلَوْ كَانَ النَّظَرُ إِلَى الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ مُبَاحًا لَمَا أَمَرَهُمُ اللهُ تَعَالَى أَنْ يَسْأَلُوا نِسَاءَ النَبِيِّ ﵌

стр. 40

مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ، وَلأَبَاحَ لَهُمْ أَنْ يَسْأَلُوهُنَّ مُوَاجَهَةً، قَال الْقُرْطُبِيُّ: «فِي هَذِهِ الآْيَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ اللهَ تَعَالَى أَذِنَ فِي مَسْأَلَتِهِنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ فِي حَاجَةٍ تَعْرِضُ، أَوْ مَسْأَلَةٍ يُسْتَفْتِينَ بِهَا، وَيَدْخُل فِي ذَلِكَ جَمِيعُ النِّسَاءِ بِالْمَعْنَى، وَبِمَا تَضَمَّنَتْهُ أُصُول الشَّرِيعَةِ مِنْ أَنَّ الْمَرْأَةَ كُلَّهَا عَوْرَةٌ، بَدَنَهَا وَصَوْتَهَا (١)، فَلاَ يَجُوزُ كَشْفُ ذَلِكَ إِلاَّ لِحَاجَةٍ كَالشَّهَادَةِ عَلَيْهَا أَوْ دَاءٍ يَكُونُ بِبَدَنِهَا، أَوْ سُؤَالِهَا عَمَّا يَعْرِضُ وَتَعَيَّنَ عِنْدَهَا» (٢). ٢ - ِقَوْلُهِ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥٩)﴾ (الأحزاب: ٥٩). وَقَدْ بَيَّنَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ وَجْهَ الاِسْتِدْلاَل بِهَذِهِ الآْيَةِ وَالْآيَةِ السَّابِقَةِ، فَقَال: «قَبْل أَنْ تَنْزِل آيَةُ الْحِجَابِ كَانَ النِّسَاءُ يَخْرُجْنَ بِلاَ جِلْبَابٍ يَرَى الرَّجُل وَجْهَهَا وَيَدَيْهَا، وَكَانَ إِذْ ذَلِكَ يَجُوزُ لَهَا أَنْ تُظْهِرَ الْوَجْهَ وَالْكَفَّيْنِ، وَكَانَ حِينَئِذٍ يَجُوزُ النَّظَرُ إِلَيْهَا، لأَنَّهَا يَجُوزُ لَهَا إِظْهَارُهُ، ثُمَّ لَمَّا أَنْزَل اللهُ آيَةَ الْحِجَابِ بِقَوْلِهِ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ حُجِبَ النِّسَاءُ عَنِ الرِّجَال» (٣). ٣ - الأَخْبَارُ الَّتِي جَاءَتْ تَنْهَى عَنِ النَّظَرِ الْمُتَعَمَّدِ، وَالزِّيَادَةِ عَلَى النَّظْرَةِ الْأُولَى وَهِيَ نَظَرُ الْفُجَاءَةِ، وَقَدْ جَاءَتْ عَامَّةً تَشْمَل جَمِيعَ بَدَنِ الْمَرْأَةِ، وَكُل مَا وَرَدَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأْخْبَارِ مِنْ جَوَازِ النَّظَرِ إِلَى شَيْءٍ مِنْ أَعْضَاءِ الْمَرْأَةِ فَإِنَّمَا أُرِيدَ بِهِ حَالَةُ الضَّرُورَةِ أَوِ الْحَاجَةِ (٤).
следующие страницы →