معنى الخضوع بالقول:
قال تعالى: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٣٢)﴾ (الأحزاب: ٣٢).
قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: «هذه آداب أمر الله تعالى بها نساء النبي ﵌، ونساء الأمة تبعٌ لهن في ذلك، فقال مخاطبًا لنساء النبي ﵌ بأنهن إذا اتقين الله كما أمرهن، فإنه لا يشبههن أحد من النساء، ولا يلحقهن في الفضيلة والمنزلة.
ثم قال: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ﴾ قال السُّدِّي وغيره: «يعني بذلك: ترقيق الكلام إذا خاطبن الرجال»؛ ولهذا قال: ﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ أي: دَغَل، ﴿وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ قال ابن زيد: «قولًا حسنًا جميلًا معروفًا في الخير».
ومعنى هذا: أنها تخاطب الأجانب بكلام ليس فيه ترخيم، أي: لا تخاطب المرأة الأجانب كما تخاطب زوجها (١).
قال البغوي: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ﴾ لَا تَلِنَّ بِالْقَوْلِ لِلرِّجَالِ وَلَا تُرَقِّقْنَ الْكَلَامَ؛ ﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ أَيْ: فُجُورٌ وَشَهْوَةٌ، وَقِيلَ: نِفَاقٌ، وَالْمَعْنَى: لَا تَقُلْنَ قَوْلًا يَجِدُ مُنَافِقٌ أَوْ فَاجِرٌ بِهِ سَبِيلًا إِلَى الطَّمَعِ فِيكُنَّ.
وَالْمَرْأَةُ مَنْدُوبَةٌ إِلَى الْغِلْظَةِ فِي الْمَقَالَةِ إِذَا خَاطَبَتِ الْأَجَانِبَ لِقَطْعِ الْأَطْمَاعِ (٢).
وقال القرطبي: «أَمَرَهُنَّ اللهُ أَنْ يَكُون قَوْلهنَّ جَزْلًا وَكَلَامهنَّ فَصْلًا , وَلَا يَكُون عَلَى
بعض
أحكام النَظَرُ (١)
كُلُّ الحوادثِ مبدؤُها مِن النظرِ ... ومعظمُ النارِ مِن مُستصغَرِ الشرر
كمْ نظرةٌ بلغتْ في قلبِ صاحبِها ... كمَبلَغِ السهمِ بينَ القوسِ والوتر
والعبدُ ما دامَ ذا طرْفٍ يقلّبُهُ ... في أعيُنِ الْغِيْدِ مَوْقُوفٌ عَلْى الْخَطَر
يَسُرُّ مُقْلَتَهُ ما ضَرَّ مُهْجَتَهُ ... لا مرحبًا بسرورٍ عادَ بالضررِ (٢)
اتِّفَقَ الْفُقَهَاءِ عَلَى تَحْرِيمِ النَّظَرِ إِلَى جَمِيعِ بَدَنِ الْمَرْأَةِ بِشَهْوَةٍ.
والشَّهْوَةُ لُغَةً: اشْتِيَاقُ النَّفْسِ إِلَى الشَّيْءِ، وَالْجَمْعُ: شَهَوَاتٌ. وَاشْتَهَاهُ وَتَشَهَّاهُ: أَحَبَّهُ وَرَغِبَ فِيهِ. وَفِي الاِصْطِلاَحِ: تَوَقَانُ النَّفْسِ إِلَى الْمُسْتَلَذَّاتِ.
ومن النظر بشهوة تكرار النظر وإمعانه وهذا لا يجوز؛ فالمسلم ليس له إلا النظرة الأولى ـ وهي نظرة الفجأة ـ فعَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: «سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﵌ عَنْ نَظَرِ الْفُجَاءَةِ فَأَمَرَنِى أَنْ أَصْرِفَ بَصَرِى (رواه مسلم)، وقال النبي ﵌ لعليِّ ﵁: «يَا عَلِىُّ لاَ تُتْبِعِ النَّظْرَةَ النَّظْرَةَ فَإِنَّ لَكَ الأُولَى وَلَيْسَتْ لَكَ الآخِرَةُ». (رواه الترمذي وحسنه الألباني).
стр. 39
قال الشيخ الألبانى ﵀: «لا يجوز للمرأة أن تكرر النظر إلى الرجل، كما أنه لا يجوز للرجل أن يكرر النظر إلى المرأة؛ إلا فى حالة واحدة وهي حالة الخطبة» (١).
جاء في فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء:
«س: هل يجوز للرجل أن ينظر إلى المرأة الأجنبية أكثر من نظر الفجأة؟
ج: لا يجوز له النظر إليها أكثر من نظر الفجأة، إلا إذا دعت الضرورة إلى ذلك، كما في حالة الإنقاذ من غرق، أو حريق، أو هدم أو نحو ذلك، أو في حالة كشف طبي، أو علاج مرض إذا لم يتيسر أن يقوم بذلك من النساء» (٢).
نَظَرُ الرَّجُل إِلَى الْمَرْأَةِ الأَْجْنَبِيَّةِ الشَّابَّةِ:
اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يَحْرُمُ نَظَرُ الرَّجُل إِلَى عَوْرَةِ الْمَرْأَةِ الأَجْنَبِيَّةِ الشَّابَّةِ.
وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِأَدِلَّةٍ مِنْهَا قَوْلُهُ تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ (النور: ٣٠)، وَبِقَوْلِهِ ﵌: «إِنَّ اللهَ كَتَبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظَّهُ مِنَ الزِّنَا، أَدْرَكَ ذَلِكَ لاَ مَحَالَةَ: فَزِنَا الْعَيْنِ النَّظَرُ» (رواه البخاري ومسلم).
والْوَجْهُ والكَفَّانِ مِنْ عَوْرَةِ المرْأةِ، فَيَحْرُمُ نَظَرُ الرَّجُل بِغَيْرِ عُذْرٍ شَرْعِيٍّ إِلَى وَجْهِ الْمَرْأَةِ الْحُرَّةِ الْأَجْنَبِيَّةِ وَكَفَّيْهَا كَسَائِرِ أَعْضَائِهَا، سَوَاءٌ أَخَافَ الْفِتْنَةَ مِنَ النَّظَرِ أَمْ لَمْ يَخَفْ ذَلِكَ، وَالدَّلِيلُ:
١ - ِقَوْلُهِ تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ (الأحزاب: ٥٣)؛ فَلَوْ كَانَ النَّظَرُ إِلَى الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ مُبَاحًا لَمَا أَمَرَهُمُ اللهُ تَعَالَى أَنْ يَسْأَلُوا نِسَاءَ النَبِيِّ ﵌
أنها قَالَتْ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﵌ يَسْتُرُنِى بِرِدَائِهِ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَى الْحَبَشَةِ وَهُمْ يَلْعَبُونَ وَأَنَا جَارِيَةٌ».
قال الشوكاني: «وَيُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّهَا كَانَتْ يَوْمَئِذٍ غَيْرَ مُكَلَّفَةٍ عَلَى مَا تَقْضِي بِهِ الْعِبَارَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي الْبَابِ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا احْتِجَابُهَا مِنْ الْأَعْمَى (١)، وَقَدْ جَزَمَ النَّوَوِيُّ بِأَنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ صَغِيرَةً دُونَ الْبُلُوغِ أَوْ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ الْحِجَابِ» (٢).
٣ - الجواب عن ِالْحَدِيثِ الذي رواه البخاري ومسلم فِي مُضِيِّ رَسُولِ اللهِ ﵌ إلَى النِّسَاءِ فِي يَوْمِ الْعِيدِ عِنْدَ الْخُطْبَةِ فَذَكَّرَهُنَّ وَمَعَهُ بِلَالٌ فَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ:
قال الشوكاني: «وَيُجَابُ أَيْضًا بِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَسْتَلْزِمُ النَّظَرَ مِنْهُنَّ إلَيْهِمَا لِإِمْكَانِ سَمَاعِ الْمَوْعِظَةِ وَدَفْعِ الصَّدَقَةِ مَعَ غَضِّ الْبَصَرِ» (٣).
نظر النساء إلى الرجال على شاشات التلفاز والحاسوب (٤):
لا فرق بين نظر المرأة إلى الرجل في الحقيقة وبين نظرها إليه على الشاشة لِمَا في النظر إلى صورهم من خشية الفتنة، قال الشيخ أبو ذر القملونى: «ينبغي على النسوة المسلمات اجتناب صور المشايخ فى دروس أقراص الحاسوب المدمجة (أي ما يُسمى
стр. 51
بالكمبيوتر)، وما يشابهها بالفيديو والقنوات الفضائية، وأن يُكتفى بسماع الصوت».
وقال أيضًا: «وقد وقع من بعض النسوة ما يندى له الحبين، فواحدة تقول: يا محْلَى الشيخ، يا عيون الشيخ، يا جمال الشيخ، وأخرى تقول: الشيخ الفلاني أجمل، وثالثة تقول: عيون الشيخ الفلانى لونها كذا، ورابعة تقول: يد الشيخ الفلانى بيضاء للغاية، بل قد صارت بعض النسوة ترى أن الأجمل من المشايخ هو الأكثر علمًا، وهذا رجل يجلس مع زوجته فظهر الشيخ على الشاشة فقالت زوجته: ها هم الرجال لا غيرهم؛ قالت هذه الجملة بالعامية، كل هذه الأخبار عن ثقة سواء كانت أقوال الرجال أو النساء».
وقال أيضًا تحت عنوان (لطيفة: همسة فى أذن الرجل): «أليس من الممكن أن تحتلم المرأة وهى نائمة، بصورة ذلك الشيخ الشاب، وزوجها نائم بجوارها؟!!!» أ. هـ.
قلتُ (أي صاحب رسالة جمع الشتات فى حكم نظر النساء للرجال والشاشات): «وقد واللهِ سمعتُ من ثقة أن زوجته ترى المشايخ فى نومها وتحادثهم وتنظر إليهم وكذا .. سبحان ربى العظيم أين الغيرة ياأرباب العقول!!».
نَظَرُ الْمَرْأَةِ إِلَى مَحَارِمِهَا مِنَ الرِّجَال:
اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنْ نَظَرَ الْمَرْأَةِ إِلَى مَحَارِمِهَا مِنَ الرِّجَال لاَ يَحِل إِذَا كَانَ بِشَهْوَةٍ أَوْ بِقَصْدِ اللَّذَّةِ، أمَّا عِنْدَ أَمْنِ الْفِتْنَةِ فَحُكْمُ الْمَرْأَةِ فِي النَّظَرِ إِلَى مَحَارِمِهَا حُكْمُهُمْ فِي النَّظَرِ إِلَيْهَا.
نَظَرُ الْمَرْأَةِ إِلَى الْمَرْأَةِ:
ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَحِل لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَنْظُرَ إِلَى الْمَرْأَةِ مَهْمَا كَانَتْ إِذَا كَانَ هَذَا النَّظَرُ
مراعاة
المنع من
الاختلاط في التشريع (١)
إذا عرضت للمرأة حاجة تسوغ خروجها فلا حرج عليها إن خرجت وفقًا لما سبق بيانه، غير أن تلك الحاجة لاتسوغ اختلاطها بالرجال إلاّ أن تكون ضرورة، وذلك لحرمة الاختلاط وإن من أقوى الأدلة على تحريم الاختلاط، رعاية الشارع للنساء، وصيانته لهن من الاختلاط في سائر أحكام التشريع.
ومن تأمل نصوص الشريعة وجد أنها راعت طبيعة المرأة فلم تُوجِبْ عليها التكاليف التي يكون فيها بروز ومخالطة للرجال، ومن ذلك إيجاب الجُمَع والجماعات على الرجال دون النساء، ومنه فرض الجهاد على الرجال دون النساء، وكذلك فرض النفقة على الرجل دون المرأة.
لكن ربما دعت الشريعة النساء إلى شهود ما يحضره الرجال، خلافًا للأصل الذي قررته وهو قرارهن في البيوت، غير أن المتأمل يلحظ في هذا أحد أمرين:
الأول: إما أن تكون المناسبة مما يفوت وقته وتذهب مصلحته بتأخيره كنحو شهود الأعياد.
الثاني: يضيف إلى ما سبق أن يكون محل المأمور به واحدًا، اقتضت الحكمة الإلهية أن لايتعدد، كالطواف والسعي والرمي وغيرها من أعمال الحج أو العمرة.
وفي كلا الأمرين مصلحة العبادة تشمل جميع المكلفين، والعنت يلحق الناس إذا وضع
стр. 56
لها الشارع نمطًا يَكْفُل عدم الاختلاط، ومع ذلك فإن نحو هذه العبادات وضع الشارع لها من الضوابط ما يكفل عدم امتزاج الرجال بالنساء.
وإذا نظرت إلى واقع النساء في العهد الأول، وجدتهن بعيدات عن خلطة الرجال، يخرجن للحاجات والضروريات، متقيدات بالشريعة غير مفتئتات، ملتزمات في عبادتهن بما يكفل لهن الصيانة من خلطة الغرباء.
قال الشيخ بكر أبو زيد ﵀ تحت عنوان «الاختلاط محرَّمٌ شرعًا»:
«إن العِفَّة حجاب يُمَزِّقه الاختلاط، ولهذا صار طريق الإسلام التفريق والمباعدة بين المرأة والرجل الأجنبي عنها، فالمجتمع الإسلامي مجتمع فردي لا زوجي، فللرجال مجتمعاتهم، وللنساء مجتمعاتهن، ولا تخرج المرأة إلى مجتمع الرجال إلا لضرورة أو حاجة بضوابط الخروج الشرعية.
كل هذا لحفظ الأعراض والأنساب، وحراسة الفضائل، والبعد عن الرِّيب والرذائل، وعدم إشغال المرأة عن وظائفها الأساس في بيتها، ولذا حُرِّم الاختلاط، سواء في التعليم، أم العمل، والمؤتمرات، والندوات، والاجتماعات العامة والخاصة، وغيرها؛ لما يترتب عليه من هتك الأعراض ومرض القلوب، وخطرات النفس، وخنوثة الرجال، واسترجال النساء، وزوال الحياء، وتقلص العفة والحشمة، وانعدام الغيرة.
ولهذا فأهل الإسلام لا عهد لهم باختلاط نسائهم بالرجال الأجانب عنهن، وإنما حصلت أول شرارة قدحت للاختلاط على أرض الإسلام من خلال: المدارس الاستعمارية الأجنبية والعالمية، التي فتحت أول ما فتحت في بلاد الإسلام في: (لبنان) كما بينته في كتاب (المدارس الاستعمارية ـ الأجنبية العالمية ـ تاريخها ومخاطرها على الأمة الإسلامية).
стр. 57
وقد علم تاريخيًا أن ذلك من أقوى الوسائل لإذلال الرعايا وإخضاعها، بتضييع مقومات كرامتها، وتجريدها من الفضائل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
كما عُلِم تاريخيًا أن التبذل والاختلاط من أعظم أسباب انهيار الحضارات، وزوال الدول، كما كان ذلك لحضارة اليونان والرومان.
ولهذا حُرِّمَتْ الأسباب المفضية إلى الاختلاط ـ هتك سنة المباعدة بين الرجال والنساء ـ ومنها:
(تحريم الدخول على الأجنبية والخلوة بها، للأحاديث المستفيضة كثرة وصحة، ومنها: خلوة السائق، والخادم، والطبيب وغيرهم بالمرأة، وقد تنتقل من خلوة إلى أخرى، فيخلو بها الخادم في البيت، والسائق في السيارة، والطبيب في العيادة، وهكذا!!.
(تحريم سفر المرأة بلا محرم، والأحاديث فيه متواترة معلومة.
(تحريم النظر العمد من أي منهما إلى الآخر، بنص القرآن والسنة.
(تحريم دخول الرجال على النساء، حتى الأحماء ـ وهم أقارب الزوج ـ فكيف بالجلسات العائلية المختلطة، مع ما هن عليه من الزينة، وإبراز المفاتن، والخضوع بالقول، والضحك .. ؟!!
(تحريم مسّ الرجل بدن الأجنبية، حتى المصافحة للسلام.
(تحريم تَشَبُّه أحدهما بالآخر.
(وشرع لها صلاتها في بيتها، فهي من شعائر البيوت الإسلامية، وصلاة المرأة في بيتها خير لها من صلاتها في مسجد قومها، وصلاتها في مسجد قومها خير من صلاتها في مسجد رسول الله ﵌، كما ثبت الحديث بذلك.
(ولهذا سقط عنها وجوب الجمعة، وأُذن لها بالخروج للمسجد وفق الأحكام التالية:
стр. 58
١ - أن تؤمن الفتنة بها وعليها.
٢ - أن لا يترتب على حضورها محذور شرعي.
٣ - أن لا تزاحم الرجال في الطريق ولا في الجامع.
٤ - أن تخرج تَفِلةً غير متطيبة.
٥ - أن تخرج متحجبة غير متبرجة بزينة.
٦ - إفراد باب خاص للنساء في المساجد، يكون دخولها وخروجها معه، كما ثبت الحديث بذلك في سنن أبي داود وغيره.
٧ - تكون صفوف النساء خلف الرجال.
٨ - خير صفوف النساء آخرها بخلاف الرجال.
٩ - إذا نابَ الإمامَ شيء في صلاته سَبَّح رجل، وصفقت امرأة.
١٠ - تخرج النساء من المسجد قبل الرجال، وعلى الرجال الانتظار حتى انصرافهن إلى دُورهن، كما في حديث أم سلمة ﵂ في صحيح البخاري وغيره.
إلى غير ذلك من الأحكام التي تباعد بين أنفاس النساء والرجال، والله أعلم» (١).
стр. 59
الفرق
بين الخلوة والاختلاط
تعريف الخلوة المحرمة (١):
هي أن ينفرد رجل بامرأة أجنبية عنه، في غيبة عن أعين الناس، وهي من أفعال الجاهلية , وكبائر الذنوب.
والمرأة الأجنبية: هي غير المَحرمَ , والمَحْرمَ: كل من حَرُم تزوجها على التأبيد , وتحريمها إما بالنسب , أو بالرضاع , أو بالمصاهرة , فالمحرمات بالنسب: الأمهات , ثم البنات , ثم الأخوات , ثم العمات , والخالات , ثم بنات الأخ , وبنات الأخت , ويحرم من الرضاع كل ما يحرم من النسب.
أما المحرمات بسبب المصاهرة: فزوجة الأب , وزوجة الابن , وأمّ الزوجة (وهذه تحرُم بمجرد العقد على ابنتها) , وبنت الزوجة (وهذه لا تحرم إلا بالدخول بالأم).
وعلى هذا من الأجنبيات على الرجل ابنة كل من: عمه , وعمته , وخاله , وخالته.
وزوجة كل من: عمه , وخاله , وابن أخيه , وابن أخته , وكذا أخت زوجته وابنة الصديق والجار , وهكذا.
الدليل على تحريم الخلوة:
١ - قول النبي ﵌: «لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ» (رواه البخاري ومسلم).
٢ - قول النبي ﵌: «لاَ يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ فَإِنَّ ثَالِثَهُمَا الشَّيْطَانُ» (رواه الإمام أحمد
стр. 60
وصححه الألباني والأرنؤوط).
وهذا يعم جميع الرجال , ولو كانوا صالحين أو مسنين, وجميع النساء , ولو كنَّ صالحات أو عجائز.
تعريف الاختلاط:
الاختلاط في اللغة هو الممازجة، واختلط الرجال والنساء أي: تداخل بعضهم في بعض. يُقال خَلَطْتُ الشيْء بالشيْءِ فاخْتَلَط (١).
جاء في معجم (لسان العرب) في مادة (خلط): «خلط الشيء بالشيء يخلطه خلطًا، وخلطه فاختلط: مزجه واختلطا، وخالط الشيء مخالطة وخلاطًا: مازجَهُ» (٢).
وتعريفه بالشرع: هو امتزاج الرجل بالمرأة التي ليست بمحرم ـ أي التي يباح له زواجها ـ اجتماعًا يؤدي إلى ريبة (٣).
قال الشيخ عبد الله بن جار الله ﵀: «الاختلاط هو: الاجتماع بين الرجل والمرأة التي ليست بمَحْرم، أو اجتماع الرجال بالنساء غير المحارم، في مكان واحد يمكنهم فيه الاتصال فيما بينهم، بالنظر أو الإشارة أو الكلام، فخلوة الرجل بالمرأة الأجنبية على أي حال من الأحوال تعتبر اختلاطًا» (٤).
стр. 61
وقال الشيخ محمد بن إسماعيل المقدم في تعريف الاختلاط: «هو اجتماع الرجل بالمرأة التي ليست بمَحْرَم له اجتماعًا يؤدي إلى ريبة.
أو هو اجتماع الرجال بالنساء غير المحارم في مكان واحد , يمكنهم فيه الاتصال فيما بينهم بالنظر , أو الإشارة , أو الكلام , أو البدن من غير حائل أو مانع يدفع الريبة والفساد» (١).
فدخول الأجنبي على النساء اختلاط بهن، ودخول الأجنبية على الرجال اختلاط بهم، ودخول بعضهم على بعضهم اختلاط، وأما دخول أحدهما على الآخر في رقعة ليس فيها سواهما ممن يعقل، أو كان فيها ولكن قام فاصل معتبر حال بينه وبينهم ـ فتلك خلوة، وهي صورة خاصة من الاختلاط.
و يمكن تقسيم الاختلاط إلى قسمين:
القسم الأول: اختلاط محرم:
ويمكن تعريفه بأنه: «اللقاء المباشر المقصود بين الجنسين غير المحارم مع إمكان التحرز منه».
شرح مفردات التعريف:
(المباشر) خرج بذلك ما يكون من وراء حجاب كما هو الحال في الدائرة التلفزيونية المعمول به في جامعات وكليات البنات في السعودية.
(المقصود) كالعمل أو التعليم المنظم أو الاجتماعات الخاصة والعامة (الدينية وغير الدينية) وحضور الملعب والمسرح ونحو ذلك.
стр. 62
ويخرج بذلك اللقاء العابر , وهو لقاء محدود لا تزول به الكلفة وتلتزم فيه المرأة بالضوابط الشرعية في التعامل مع الرجال الأجانب، مثل قضاء حاجة سريعة كسؤال عن متاع أو استفتاء وسؤال عن حاجة وبيع وشراء ونحوه.
(الجنسين غير المحارم) يستثنى من ذلك الدخول على المخطوبة ورؤيتها , فقد رخص الإسلام في ذلك ونفى الحرج فيه.
(مع إمكان التحرز منه) يعني استفراغ الجهد في المباعدة بين الرجال والنساء قدر الإمكان، ويخرج بذلك ما يصعب التحرز منه مثل: الحج والعمرة وحالات الاضطرار كإسعاف لغريق ونحوه أو مداواة لمريض عند فقدان المماثل في الجنس أو الإدلاء بالشهادة أمام القضاء (١).
فالاختلاط المحرم هو كل ما كان في مكان خاص, أو موطن يدعو إلى الفساد والريبة أو اشتمل على محظور شرعي، وحقيقته أن يخالط الرجل المرأة ويجلس إليها كما يجلس إلى امرأته أو إحدى محارمه بحيث يرتفع الحاجز بينهما , ويتمكن من التأثير عليها لو أراد.
ويزداد الضرر من الاختلاط كلما طالت مدته وكثر تكراره، أو عند حدوثه مع الشَوَابّ، أو عند فقد المَحْرَم. ويزداد الأمر سوءًا إذا كان ملازمًا لها كالاختلاط في التعليم , أو مجال العمل، وكل من ابتلى بذلك علم أنه لابد أن يطلع على خصوصيات المرأة , ولا بد أن يخلو بها، والمرأة من أضعف خلق الله سريعة التأثر، والرجل مهما كان عاقلًا ورعًا لا يقوى على مقاومة المرأة وإغرائها، قال تعالى: قال تعالى: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (٢٧) يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ
стр. 63
يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (٢٨)﴾ (النساء:٢٧ - ٢٨) قال المفسرون: «لا يصبر عن النساء والشهوات». (١).
و مما يُعْرَفُ به الاختلاط المحرم:
- أنه يؤدي إلى زوال الكلفة بين الرجال والنساء، «فيتكلمون بغير الحاجة مع الخضوع بالقول غالبًا، وإطلاق النظر، والاستمتاع بالكلام وغير ذلك مما نَصَّ عليه النبي ص بقوله: «كُتِبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ نَصِيبُهُ مِنَ الزِّنَى مُدْرِكٌ ذَلِكَ لاَ مَحَالَةَ؛ فَالْعَيْنَانِ زِنَاهُمَا النَّظَرُ، وَالأُذُنَانِ زِنَاهُمَا الاِسْتِمَاعُ، وَاللِّسَانُ زِنَاهُ الْكَلاَمُ، وَالْيَدُ زِنَاهَا الْبَطْشُ، وَالرِّجْلُ زِنَاهَا الْخُطَا، وَالْقَلْبُ يَهْوَى وَيَتَمَنَّى، وَيُصَدِّقُ ذَلِكَ الْفَرْجُ وَيُكَذِّبُهُ» (٢).
- أنه يكثر من خلاله العلاقات المحرمة.
- أنه يؤدي إلى الخلوة بالمرأة الأجنبية.
- أنه يؤدي إلى تلاصق وتزاحم بالأجساد (٣).
من صور الاختلاط المحرم:
قال الشيخ محمد بن إسماعيل المقدم: «ومن صور الاختلاط المحرم:
١) اختلاط الأولاد الذكور والإناث ـ ولو كانوا إخوة ـ بعد التمييز في المضاجع؛ وقد أمر النبي ص بالتفريق بينهم في المضاجع. قَالَ رَسُولُ اللهِ ص «مُرُوا أَوْلاَدَكُمْ
стр. 64
بِالصَّلاَةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرِ سِنِينَ وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِى الْمَضَاجِعِ» (١).
٢) اتخاذ الخدم الرجال واختلاطهم بالنساء، وحصول الخلوة بهن.
٣) اتخاذ الخادمات اللاتي يبقين بدون محارم، وقد تحصل بهن الخلوة.
٤) السماح للخطيبين بالمصاحبة والمخالطة التي تجر إلى الخلوة، ثم إلى ما لا تحمد عقباه، فيقع العبث بأعراض الناس بحجة التعارف ومدارسة بعضهم بعضًا.
٥) استقبال المرأة أقارب زوجها الأجانب، أو أصدقاءه في حال غيابه.
٦) الاختلاط في دور التعليم كالمدارس والجامعات والمعاهد، والدروس الخصوصية.
٧) الاختلاط في الوظائف، والأندية، والمواصلات، والأسواق، والمستشفيات، والزيارات بين الجيران، والأعراس، والحفلات.
٨) الخلوة في أي مكان ولو بصفة مؤقتة كالمصاعد، والمكاتب، والعيادات، وغيرها» (٢) اهـ.
٩) ومن الصور المحرّمة أيضًا اجتماع رجل بامرأة، ولو كان ذلك في مكانٍ عامٍ إذا ترتّبت عليه ريبةٌ أو سوء ظنّ فيهما، ما لم يُزِل اللبس الذي قد يقَع في نفس من رآه ظنًّا أو يقينًا، لما رواه البخاري ومسلم أَنَّ صَفِيَّةَ زَوْجَ النَّبِىِّ ص جَاءَتْ رَسُولَ اللهِ ص تَزُورُهُ فِى اعْتِكَافِهِ فِى الْمَسْجِدِ، فِى الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، فَتَحَدَّثَتْ عِنْدَهُ
стр. 65
سَاعَةً، ثُمَّ قَامَتْ تَنْقَلِبُ، فَقَامَ النَّبِىُّ ص مَعَهَا يَقْلِبُهَا، حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ بَابَ الْمَسْجِدِ عِنْدَ بَابِ أُمِّ سَلَمَةَ مَرَّ رَجُلاَنِ مِنَ الأَنْصَارِ، فَسَلَّمَا عَلَى رَسُولِ اللهِ ص فَقَالَ لَهُمَا النَّبِىُّ ص: «عَلَى رِسْلِكُمَا إِنَّمَا هِىَ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَىٍّ». فَقَالاَ: «سُبْحَانَ اللهِ يَا رَسُولَ اللهِ». وَكَبُرَ عَلَيْهِمَا. فَقَالَ النَّبِىُّ ص: «إِنَّ الشَّيْطَانَ يَبْلُغُ مِنَ الإِنْسَانِ مَبْلَغَ الدَّمِ، وَإِنِّى خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ فِى قُلُوبِكُمَا شَيْئًا».
وهناك صور أظهر في تحريم الاختلاط من غيرها:
كإِذَا كَانَ فِيهِ:
- الْخَلْوَةُ بِالأَجْنَبِيَّةِ، وَالنَّظَرُ بِشَهْوَةٍ إِلَيْهَا.
- تَبَذُّل الْمَرْأَةِ وَعَدَمُ احْتِشَامِهَا.
- عَبَثٌ وَلَهْوٌ وَمُلاَمَسَةٌ لَلأَبْدَانِ كَالاِخْتِلاَطِ فِي الأَفْرَاحِ وَالْمَوَالِدِ وَالأَعْيَادِ.
فَالاِخْتِلاَطُ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ مِثْل هَذِهِ الأُمُورِ وَاضِحُ التَّحْرِيمِ؛ لِمُخَالَفَتِهِ لِقَوَاعِدِ الشَّرِيعَةِ (١).
تفصيلٌ لما تم إجماله من صور الاختلاط المحرم (٢):
١ - اختلاط البنات مع ابن العم وابن العمة.
٢ - اختلاط البنات مع ابن الخال وابن الخالة.
٣ - اختلاط الزوجة مع أخي الزوج.
٤ - اختلاط أخوات الزوجة مع زوجها.
стр. 66
٥ - اختلاط أخي المرأة من الرضاع مع أخوات أخته من الرضاع.
٦ - خلوة خطيب الفتاة بالفتاة، وخروجه معها وحديثه، وذلك قبل العقد، وإنما جاز له النظر إليها بحضور وليها إذا اتفقا على الزواج فقط (١).
٧ - صعود العريس مع العروس على المِنَصَّة (٢) في ليلة الزفاف، أمام النساء.
٨ - صعود أقارب العريس والعروس على المِنَصَّة أمام النساء.
٩ - مباشرة الرجال بالخدمة في الحفلات في بعض الفنادق؛ كما يحدث ذلك في بعض حفلات الزفاف وذلك في قسم النساء.
١٠ - اختلاط النساء بالرجال الأجانب عمومًا بحجة أن القلوب بيضاء أو «إنما الأعمال بالنيات».
١١ - خلوة القواعد من النساء بالرجال الأجانب، وإنما أجاز الشرع لهن كشف الوجه فقط، وإن استعففن فهو خير لهن.
١٢ - اختلاط المرأة بالرجل الأجنبي بحجة أنه من القبيلة أو العشيرة.
١٣ - التساهل في الاختلاط للفتيات في سن البلوغ بالشباب والرجال الأجانب بحجة أنهن صغيرات.
١٤ - اختلاط الأولاد الذكور والإناث ـ ولو كانوا إخوة ـ بعد سن التمييز في المضاجع.
١٥ - خلوة السائق بالمرأة في السيارة.
١٦ - حج بعض النساء وسفرهن من غير محرم.
стр. 67
١٧ - اختلاط الطالبات والطلاب في صفوف الدراسة في الجامعات أو المدارس.
١٨ - قيام النساء بتدريس الرجال في الجامعات أو الكليات والمدارس، وكذلك قيام الرجال بتدريس النساء مباشرة.
١٩ - خلوة المدرسين الخصوصيين بالطالبات بحجة التدريس.
٢٠ - الدعوة إلى تدريس المرأة للأولاد في الصفوف الدراسية الأولى هي دعوة خبيثة للتدرج في الاختلاط.
٢١ - الدعوة إلى ابتعاث النساء إلى الخارج بحجة التحضير للدراسات العليا، أو الاستفادة من البعثات العلمية، وما يؤدي إليه ذلك من تطبعها بالأفكار الغربية الهدامة، واختلاطها بالرجال الأجانب في المجتمعات الغربية المتحللة.
٢١ - اختلاط الطلاب والطالبات في الصفوف الدراسية العليا بحجة الدراسة الميدانية.
٢٢ - خلوة الرجال المشرفين على الرسائل الجامعية بالطالبات بحجة الإشراف على الرسالة.
٢٣ - اختلاط الطلاب المبتعثين بالعائلات الغربية والسكن معهم في منزل واحد.
٢٤ - حضور الأمسيات الشعرية واللقاءات العلمية، والمحاضرات المختلفة، والتي تلقيها بعض النساء أو الرجال ويحضرها النساء والرجال جنبًا إلى جنب.
٢٥ - اختلاط الممرضات والطبيبات بالرجال الأجانب (١)، حتى ولو كانوا من الممرضين أو الأطباء.
٢٦ - خلوة الطبيب بالممرضة أو الطبيبة.
стр. 68
٢٧ - خلوة الطبيب بالمريضة من غير مَحْرَمٍ لها.
٢٨ - كشف المرأة عند الطبيب لغير حاجة أو ضرورة أو مع وجود الطبيبة.
٢٩ - اختلاط النساء بالرجال في حفلات التوديع والاستقبال وبعض المناسبات.
٣٠ - اختلاط النساء بالرجال في المختبرات الطبية والصيدليات بدعوى ضرورة ذلك في العمل.
٣١ - اختلاط النساء مع الرجال في الألعاب والملاهي.
٣٢ - اختلاط النساء مع الرجال في المطاعم والكافتريات بحجة قسم العائلات.
٣٣ - تصوير النساء من قبل المصورين.
٣٤ - اتخاذ الخدم أو السائقين، واختلاطهن بالنساء وحصول الخلوة بهن.
٣٥ - اختلاط النساء بالرجال في المناسبات والاحتفالات البدعية، مثل: المولد النبوي وليلة الإسراء والمعراج، وغيرهما كما يحصل باسم الدين، والإسلام بريء من هذه البدع.
٣٦ - سفر المرأة بالسيارة، أو الطائرة، أو الحافلات، أو غير ذلك من غير مَحْرَمٍ لها.
стр. 69
القسم الثاني: اختلاط جائز:
وهو كل ما كان في الأماكن العامة وتدعو الحاجة إليه ويشق التحرز عنه , ولا محظور فيه كاختلاط النساء بالرجال في الأسواق والطرقات لقضاء حاجة كسؤال عن متاع أو استفتاء وسؤال عن حاجة وبيع وشراء ونحوه، إذ يسعى الجميع في حاجته ذهابًا وجيئةً، ويبيعون ويشترون، فلا بأس في هذا ما لم يتلبّس من وَقع فيه بمحرّم خارجٍ عنه، فما هو إلا لقاء عابر , واللقاء العابر لقاء محدود لا تزول به الكلفة، وتلتزم فيه المرأة بالضوابط الشرعية في التعامل مع الرجال الأجانب.
فالاختلاط العابر، في موضع لايخشى منه الفتنة ـ في الغالب ـ ليس من الصور المحرّمة، بل هو مما تعمّ به البلوى، ويضطر إليه الناس لمعاشهم في كلّ زمانٍ ومكان.
و من الصوَر التي لا حَرجَ فيها:
١) الأصل جواز اختلاط النساء بمحارمهن، وكذلك الأطفال الذين لم يظهروا على عورات النساء (١)، ومن كان نحوهم، ما دام جانب الفتنة مأمونًا.
٢) اجتماع الرجال والنساء في المسجد الواحد لأداء فريضة أو عبادة، كما هو الحال منذ صدْرِ الإسلام وحتى يومنا هذا، في المساجد الثلاثة التي تُشدّ إليها الرحال وغيرِها، وقد كانت النساء يشهدن الصلاة مع النبيّ ص في المسجد، ولم يَنْهَ عن ذلك، كما لم يأمر بضرب حاجزٍ بين صفوف الرجال وصفوف النساء.
стр. 70
٣) الدخول على المخطوبة ورؤيتها مع وجود المحرم , فقد رخص الإسلام في ذلك.
٤) ما يكون من وراء حجاب كما هو الحال في الدائرة التلفزيونية المعمول به في جامعات وكليات البنات في السعودية.
٥) إذا بعدت أنظار الرجال عن النساء والعكس وصعب التحرز مما فوق ذلك.
٦) يجوز اختلاط النساء بالرجال غير المحارم لحاجة مع وجود محرم، وفق ضوابط تُؤمن معها الفتنة، تختلف باختلاف الحال والمقام.
ولعل من أدلة جوازه لحاجة مع وجود محرم حديث ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ النَّبِىُّ ﵌: «لاَ تُسَافِرِ الْمَرْأَةُ إِلاَّ مَعَ ذِى مَحْرَمٍ، وَلاَ يَدْخُلُ عَلَيْهَا رَجُلٌ إِلاَّ وَمَعَهَا مَحْرَمٌ».
فَقَالَ رَجُلٌ: «يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّى أُرِيدُ أَنْ أَخْرُجَ فِى جَيْشِ كَذَا وَكَذَا، وَامْرَأَتِى تُرِيدُ الْحَجَّ؟».فَقَالَ «اخْرُجْ مَعَهَا» (رواه البخاري ومسلم).
ويشترط لجواز الاختلاط على هذا النحو شروط:
- أن لا تكون هناك خلوة بين الرجل والمرأة.
- استفراغ الجهد في المباعدة بين الرجال والنساء قدر الإمكان، إلا إذا دعت الحاجة إلى ذلك.
- أن يكون حضور المرأة لحاجة يشق عليها تركها وتكون الحاجة طارئة ينتهي الحضور بزوالها (١).
- أن يخلو من النظر إلى مالا يجوز النظر إليه.
- أن يكون الكلام على قدر الحاجة، وأن لا تتكسر المرأة في الكلام وتخضع فيه.
- أن يخلو من إزالة الحواجز بين الجنسين حتى يتجاوز الأمر حدود الأدب
стр. 71
ويدخل في اللهو والعبث كالاختلاط الذي يحدث في الأعراس.
- أن يخلو من مس أحد الجنسين الآخر.
- أن يخلو من تلاصق الأجسام عند الاجتماع.
- أن لا تظهر المرأة على حالة تثير الرجال من تعطر واستعمال لأدوات الزينة.
- أن يخلو من تبرج المرأة وكشف ما لا يجوز لها كشفه فتكون المرأة مستترة بالحجاب الشرعي الساتر لجميع جسدها، ومنه الوجه والكفان (١).
قال الشيخ بكر أبو زيد ﵀: «ونقول لكل مؤمن ومؤمنة: فيما هو معلوم من الشرع المطهر، وعليه المحققون، أنه ليس لدعاة السفور دليل صحيح صريح، ولا عمل مستمر من عصر النبي ﵌ إلى أن حدث في المسلمين حادث السفور في بدايات القرن الرابع عشر، وأن جميع ما يستدل به دعاة السفور عن الوجه والكفين لا يخلو من حال من ثلاث حالات:
١ - دليل صحيح صريح، لكنه منسوخ بآيات فرض الحجاب كما يعلمه مَن حقق تواريخ الأحداث، أي قبل عام خمس من الهجرة، أو في حق القواعد من النساء، أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء.
٢ - دليل صحيح لكنه غير صريح، لا تثبت دلالته أمام الأدلة القطعية الدلالة من الكتاب والسنة على حجب الوجه والكفين كسائر البدن والزينة، ومعلوم أن رد المتشابه إلى المحكم هو طريق الراسخين في العلم.
стр. 72
٣ - دليل صريح لكنه غير صحيح، لا يُحتج به، ولا يجوز أن تعارض به النصوص الصحيحة الصريحة، والهدي المستمر من حجب النساء لأبدانهن وزينتهن، ومنها الوجه والكفان.
هذا مع أنه لم يقل أحد في الإسلام بجواز كشف الوجه واليدين عند وجود الفتنة ورقة الدين، وفساد الزمان، بل هم مجمعون على سترهما، كما نقله غير واحد من العلماء.
وهذه الظواهر الإفسادية قائمة في زماننا، فهي موجبة لسترهما، لو لم يكن أدلة أخرى.
وإن من الخيانة في النقل نسبةَ هذا القول إلى قائل به مطلقًا غير مقيد، لتقوية الدعوة إلى سفور النساء عن وجوههن في هذا العصر، مع ما هو مشاهد من رقة الدين والفساد الذي غَشِيَ بلاد المسلمين.
والواجب أصلًا هو ستر المرأة بدنها وما عليه من زينة مكتسبة، لا يجوز لها تعمد إخراج شيء من ذلك لأجنبي عنها، استجابةً لأمر الله سبحانه وأمر رسوله ﵌، وهدي الصحابة مع نسائهم، وعمل المسلمين عليه في قرون الإسلام المتطاولة. والحمد لله رب العالمين» (١).
ومن أوضح الأدلة التي ذكرها الشيخ بكر أبو زيد ﵀ على وجوب ستر المرأة المسلمة لوجهها وكفيها عند الرجال الأجانب:
الرخصة للقواعد من النساء بوضع الحجاب، وأن يستعففن خير لهن؛ قال تعالى: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٦٠)﴾ (النور: ٦٠).
стр. 73
قال ﵀: «رخَّص الله سبحانه للقواعد من النساء، أي: العجائز، اللائي تقدم بهن السنّ، فقعدن عن الحيض والحمل ويئِسْنَ من الولد أن يضعن ثيابهن الظاهرة من الجلباب والخمار، التي ذكرها الله سبحانه في آيات ضرب الحجاب على نساء المؤمنين، فيكشفن عن الوجه والكفين، ورفع تعالى الإثم والجناح عنهن في ذلك بشرطين:
الشرط الأول: أن يَكُنَّ من اللاتي لم يبق فيهن زينة ولا هن محل للشهوة، وهن اللائي لا يرجون نكاحًا، فلا يَطْمَعْنَ فيه، ولا يُطْمَع فيهن أن يُنكحن؛ لأنهن عجائز لا يَشتَهين ولا يُشتَهَيْن، أما من بقيت فيها بقية من جمال ومحل للشهوة، فلا يجوز لها ذلك.
الشرط الثاني: أن يكن غير متبرجات بزينة، وهذا يتكون من أمرين:
أحدهما: أن يَكُنَّ غير قاصدات بوضع الثياب التبرج، ولكن التخفيف إذا احتجن إليه.
وثانيهما: أن يكن غير متبرجات بزينة من حلي وكحل وأصباغ وتجمل بثياب ظاهرة، إلى غير ذلك من الزينة التي يفتن بها.
فلتحذر المؤمنة التعسف في استعمال هذه الرخصة، بأن تدعي بأنها من القواعد، وليست كذلك، أو تبرز متزينة بأيٍّ من أنواع الزينة.
ثم قال ربنا جل وعلا: ﴿وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ﴾، وهذا تحريض للقواعد على الاستعفاف وأنه خير لهن وأفضل، وإن لم يحصل تبرج منهن بزينة.
فدلَّت هذه الآية على فرض الحجاب على نساء المؤمنين لوجوههن وسائر أبدانهن وزينتهن؛ لأن هذه الرخصة للقواعد، اللاتي رُفع الإثم والجناح عنهن، إذ التهمة في حقهن مرتفعة، وقد بلغن هذا المبلغ من السن والإياس، والرخصة لا تكون إلا من عزيمة، والعزيمة فرض الحجاب في الآيات السابقة.
стр. 74
وبدلالة أن استعفاف القواعد خير لهن من الترخص بوضع الثياب عن الوجه والكفين، فوجب ذلك في حق من لم تبلغ سن القواعد من نساء المؤمنين، وهو أولى في حقهن، وأبعد لهن عن أسباب الفتنة والوقوع في الفاحشة، وإن فعلن فالإثم والحرج والجناح.
ولذا فإن هذه الآية من أقوى الأدلة على فرض الحجاب للوجه والكفين وسائر البدن، والزينة بالجلباب والخمار (١).
ومن أقوى الأدلة كذلك قوله : ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ (الأحزاب: ٥٩)، والقائلون بكشف وجه المرأة متفقون بأن الواجب على نساء النبي ﵌ أن يستُرْن وجوههن للأدلة الكثيرة على هذا، ولكنهم يرونه خاصًا بهن!، فكيف يكون ذلك والخطاب في هذه الآية للجميع؟!، ولماذا أدخلهن الله في هذه الآية وهي حسب زعمهم لا تدل على وجوب ستر الوجه؟؟!! أليس هذا من التناقض الذي ينزه عنه كتاب الله؟!
قال الشيخ بكر أبو زيد ﵀: «في الآية قرينة نصية دالة على هذا المعنى للجلباب، وعلى هذا العمل الذي بادر إليه نساء الأنصار والمهاجرين ـ رضي الله عن الجميع ـ بستر وجوههن بإدناء الجلابيب عليها، وهي أن في قوله تعالى: ﴿قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾ وجوب حجب أزواجه ﵌ وستر وجوههن، لا نزاع فيه بين أحد من المسلمين، وفي هذه الآية ذكر أزواجه ﵌ مع بناته ونساء المؤمنين، وهو ظاهر الدلالة على وجوب ستر الوجوه بإدناء الجلابيب على جميع المؤمنات» (٢).
стр. 75
هل يقاس اختلاط التعليم والعمل على الاختلاط العابر (١):
يقيس دعاة الاختلاط اختلاط التعليم والعمل على الاختلاط العابر في المطاف والطريق، وإباحة النظر اليسير إلى المخطوبة والجلوس معها زمنًا يسيرًا بلا خلوة.
ومن المعلوم أن الشارع أباح النظر اليسير إلى المخطوبة والجلوس معها زمنًا يسيرًا بلا خلوة، وبناء على قياس دعاة الاختلاط فإنه ما دام الجلوس معها زمنًا يسيرًا جائزًا، فلا مانع من أن يجلس معها أيامًا وليالي، وينامان في غرفة واحدة بلا خلوة قياسًا على ما سبق؛ لأنه لا فرق ـ عند دعاة الاختلاط ـ بين الزمن اليسير والكثير في الأحكام.
فمن قاس اختلاط المكث على الاختلاط العارض؛ فهو كمن قاس النوم مع المخطوبة بلا خلوة على الجلوس اليسير مع المخطوبة بلا خلوة!
وفي كل أبواب فقه الشريعة تجد الشارع إذا رخص في الزمن اليسير لم يسامح في الزمن الكثير، ولم يَجُز قياسُه عليه، فمثلًا، الله تعالى أجاز للجنب اللبث زمنًا يسيرًا في المسجد كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ (النساء:٤٣)، فأجازه على وجه عبور السبيل لأنه زمن يسير، فبناءً على قياس دعاة الاختلاط فإنه ما دام لُبْث الجنب زمنًا يسيرًا في المسجد يجوز، فكذلك يجوز أن يعتكف هذا الجنب ليلةً في المسجد ـ أيضًا ـ قياسًا على ما أجازته الآية من اللبث زمنًا يسيرًا، فهل هذا قياس مقبول؟!
إن من قاس اختلاط المكث على الاختلاط العارض؛ فهو كمن قاس اعتكاف الجنب على لُبْث الجنب في المسجد، فكلاهما مهدِرٌ اعتبار تفريق الشارع بين الزمن اليسير والكثير في الأحكام.