← Тафсир

Тафсир · id 26047

التعليق على تفسير القرطبي - عبد الكريم الخضير

عبد الكريم الخضير

Полный текст (585 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

لا شك أن مثل هذا الخفيف الحاذ أقل تبعات ممن لديه النساء ولديه الأولاد ولديه الأموال، لا شك أن الإنسان عليه تبعات من أهله، سواء كان من زوجته أو ولده أو بناته أو غير ذلك، فهذا الخفيف حسابه أقل، لكن الذي يتزوج ويكثر من الزواج على مراد الله ومراد الرسول وعلى شرعه وسنة نبيه ﵊، يكثر من النساء، ويكثر من الأولاد، ويبذل الأسباب في وقايتهم من النار، لا شك أن هذا أجره أعظم، لكن المسألة مفترضة بين شخص يقول: أنا لا أستطيع أن أَقوّم الزوجة، ولا أأطرها على أمر الله، وإذا رزقنا أولاد لا أستطيع تربيتهم، فهو يعيش بدون زواج، وآخر يعيش بالزواج وكثرة النساء، وكثرة الأولاد ويهملهم، لا شك أن هذا أقل تبعة ومسؤولية، لكن الذي يكثر من الزواج ويكثر من الأولاد ((خير أمتي أكثرها نساء)) ((تزوجوا الودود الولود، فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة)) وجاء الأمر بالتكاثر، لكن مع الشرط وهو وقايتهم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [(٦) سورة التحريم]. بالتربية الصالحة على مراد الله، وعلى منهج الله، هذا الأكمل بلا شك. الطالب: صحة الخبر أحسن الله إليكم. الشيخ: إيش يقول؟ طالب: قال: حديث باطل أخرجه ابن الجوزي في الواهيات والخطيب من حديث حذيفة، وقال ابن الجوزي: قال الدراقطني: وتفرد به رواد وهو ضعيف، وقال أحمد: روى أحاديث مناكير، وقال أبو حاتم في العلل: هذا حديث باطل، وانظر المقاصد الحسنة، والحديث في ضعيف الجامع. الشيخ: على كل حال الحديث لا يصح، لكن يبقى أن من تزوج وأهمل وضيع، وأنجب الأولاد وضيعهم، وعرضهم للفتن، ولم يراقبهم، وجعلهم يتأذون ويؤذنون الناس، مثل هذا عدم زواجه أولى. مثل المال شخص يجمع المال من حله ومن غير حله، ويفسد فيه، وشخص فقير لا مال له عاش على الزكوات، وعلى أوساخ الناس، لا شك أن هذا أفضل، وأما القسم الثالث وهو أفضل منهما، من كسب المال في حله، وأنفقه في وجوه البر. طالب: حديث:. . . . . . . . . لا لا، هذا ضعيف.

стр. 212

وقد تقدم جواز نكاح الإماء عند عدم الطول للحرة في (النساء) والحمد لله، ولما لم يجعل الله له من العفة والنكاح درجة دل على أن ما عداهما محرم، ولا يدخل فيه ملك اليمين؛ لأنه بنص آخر مباح، وهو قوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [(٣) سورة النساء] فجاءت فيه زيادة، ويبقى على التحريم الاستمناء رداً على أحمد .. يعني كما قرره في أوائل سورة المؤمنون، وأن الجمهور على تحريمه ومنعه، ونسب للإمام أحمد أنه يجيزه -على ورعه- على كل حال هو قوله في المذهب، والمعمول به عندهم أن من استمنى بيده لغير حاجةٍ عزر، فيدل على أنه محرم. وكذلك يخرج عنه نكاح المتعة بنسخه، وقد تقدم هذا في أول المؤمنون. قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [(٣٣) سورة النور]. فيه ست عشرة مسألة: الأولى: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ﴾ ﴿الذين﴾ في موضع رفع، وعند الخليل وسيبويه في موضع نصب على إضمار فعل؛ لأن بعده أمراً، ولما جرى ذكر العبيد والإماء فيما سبق وصل به أن العبد إن طلب الكتابة فالمستحب كتابته فربما يقصد بالكتابة أن يستقل ويكتسب ويتزوج إذا أراد فيكون أعف له، قيل: نزلت في غلام لحويطب بن عبد العزى، يقال له: صُبْح، وقيل: صبيح، طلب من مولاه أن يكاتبه فأبى، فأنزل الله تعالى هذه الآية، فكاتبه حويطب على مائة دينار، ووهب له منها عشرين ديناراً، فأداها، وقتل بحنين في الحرب، ذكره القشيري، وحكاه النقاش، وقال مكي: هو صبيح القبطي، غلام حاطب بن أبي بلتعة وعلى الجملة فإن الله تعالى أمر المؤمنين كافة أن يكاتب منهم كل من له مملوك، وطلب المملوك الكتابة، وعلم سيده منه خيراً.

стр. 213

الثانية: الكتاب والمكاتبة سواء مفاعلة مما لا تكون إلا بين اثنين؛ لأنها معاقدة بين السيد وعبده، يقال: كاتب يكاتب كتاباً ومكاتبة، كما يقال: قاتل قتالاً ومقاتلة، فالكتاب في الآية مصدر كالقتال والجلاد والدفاع، وقيل: الكتاب هاهنا هو الكتاب المعروف الذي يكتب فيه الشيء، وذلك أنهم كانوا إذا كاتبوا العبد كتبوا عليه وعلى أنفسهم بذلك كتاباً، فالمعنى يطلبون العتق الذي يكتب به الكتاب فيدفع إليهم. الثالثة: معنى المكاتبة في الشرع: هو أن يكاتب الرجل عبده على مال يؤديه منجماً عليه، فإذا أداه فهو حر، ولها حالتان: الأولى: أن يطلبها العبد ويجيبه السيد، فهذا مطلق الآية وظاهرها، الثانية: أن يطلبها العبد ويأباها السيد، وفيها قولان: الأول لعكرمة وعطاء ومسروق وعمرو بن دينار والضحاك بن مزاحم، وجماعة أهل الظاهر أن ذلك واجب على السيد .. وهو ما يقتضيه الأمر ﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾ على الشرط المذكور –إن علمتم– والأصل في الأمر الوجوب. وقال علماء الأمصار: لا يجب ذلك .. لا يجب ذلك؛ لأن المكاتبة أقل من العتق، والعتق ليس بواجب إلا في الكفارات، ما دام العتق ليس بواجب فالمكاتبة مثله، وهذا قول علماء الأمصار.

стр. 214

وتعلق من أوجبها بمطلق الأمر، وافعل بمطلقه على الوجوب، حتى يأتي الدليل بغيره، وروي ذلك عن عمر بن الخطاب وابن عباس، واختاره الطبري، واحتج داود أيضاً بأن سيرين أبا محمد بن سيرين سأل أنس بن مالك الكتابة، وهو مولاه، فأبى أنس، فرفع عمر عليه الدرة، وتلا ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ فكاتبه أنس، قال داود: وما كان عمر ليرفع الدرة على أنس فيما له مباح ألا يفعله، وتمسك الجمهور بأن الإجماع منعقد على أنه لو سأله أن يبيعه من غيره لم يلزمه ذلك، ولم يجبر عليه، وإن ضوعف له في الثمن، وكذلك لو قال له: أعتقني أو دبرني أو زوجني، لم يلزمه ذلك بإجماع، فكذلك الكتابة لأنها معاوضة فلا تصح إلا عن تراض، وقولهم: مطلق الأمر يقتضي الوجوب صحيح، لكن إذا عري عن قرينةٍ تقتضي صرفه عن الوجوب، وتعليقه هنا بشرط علم الخير فيه، فعلق الوجوب على أمرٍ باطن، وهو علم السيد بالخيرية، وإذا قال العبد: كاتبني، وقال السيد: لم أعلم فيك خيراً، وهو أمر باطن، فيرجع فيه إليه، ويعول عليه، وهذا قوي في بابه. الرابعة: واختلف العلماء في قوله تعالى: ﴿خَيْرًا﴾ فقال ابن عباس وعطاء: المال ... يعني كما جاء في الوصية، إن ترك خيراً الوصية، المراد بها المال. مجاهد: المال والأداء الحسن، والنخعي: الدين والأمانة، وقال مالك: سمعت بعض أهل العلم يقولون: هو القوة على الاكتساب والأداء .. القدرة على كسب المال الذي يؤديه في مقابل مكاتبته، وإلا في الأصل هو لا مال له، ولا يملك عند الجمهور، وإن ملكه مالك بالتمليك. وعن الليث نحوه وهو قول الشافعي، وقال عَبِيدَةُ السلماني: إقامة الصلاة والخير، قال الطحاوي: وقول من قال: إنه المال لا يصح عندنا؛ لأن العبد مال لمولاه، فكيف يكون له مال؟ والمعنى عندنا: إن علمتم فيهم الدين والصدق، وعلمتم أنهم يعاملونكم على أنهم متعبدون بالوفاء لكم، بما عليهم من الكتابة والصدق في المعاملة فكاتبوهم، وقال أبو عمر: من لم يقل إن الخير هنا المال أنكر أن يقال: إن علمتم فيهم مالاً، وإنما يقال: علمت فيه الخير والصلاح والأمانة، ولا يقال: علمت فيه المال، وإنما يقال: علمت عنده المال.

стр. 215

قلت: وحديث بريرة يرد قول من قال: إن الخير المال على ما يأتي. الخامسة: اختلف العلماء في كتابة من لا حرفة له .. وقد كوتبت، ولم تكاتب إلا بعد أن تحقق الوصف فيها، وهو علم الخير، ولا مال لها؛ لأنها جاءت تطلب من عائشة ﵂ فدل على أن الخير هنا ليس هو المال، وإنما هو القدرة على تحصيل المال، والقدرة على النفع والانتفاع، انتفاع الناس بهذا الرقيق، يعني علمت في هذا الرقيق خير أنه ينتفع بنفسه، يطلب العلم ويتفرغ للعلم وينفع الأمة هذا خير، ولو لم يقدر على تحصيل المال لم يتسنَ له المال، ممكن بواسطة الزكاة لأنه من الرقاب المأمور بعتقها، فإذا علم فيه خير، أي خيرٍ كان، لو كان بتحصيل علم، بتحصيل مال، بنفع المسلمين، بقدرته على التعامل مع الناس بوضوح وصراحة، وعدم غش ولا خيانة، هذا فيه خير -إن شاء الله تعالى-. الخامسة: اختلف العلماء في كتابة من لا حرفة له، فكان ابن عمر يكره أن يكاتب عبده إذا لم تكن له حرفة، ويقول: أتأمرني أن آكل أوساخ الناس، ونحوه عن سلمان الفارسي .. أتأمرني أن آكل أوساخ الناس، من الذي يقول هذا؟ المكاتِب أو المكاتَب؟ ابن عمر السيد؛ لأن هذا الرقيق اضطر إلى أن يأخذ إلى الزكوات، وهي أوساخ الناس، ثم يدفعها إلى السيد، فيكون مآل أوساخ الناس إلى هذا السيد. وروى حكيم بن حزام قال: كتب عمر بن الخطاب إلى عمير بن سعد: أما بعد: فأنه من قبلك من المسلمين أن يكاتبوا أرقاءهم على مسألة الناس، وكره الأوزاعي وأحمد وإسحاق ورخص في ذلك مالك وأبو حنيفة والشافعي، وروي عن علي ﵁ أن ابن التياح -مؤذنه- قال له: أكاتب وليس لي مال؟ قال: نعم، ثم حض الناس على الصدقة عليّّ فأعطوني ما فضل عن مكاتبتي، فأتيت علياً، فقال: اجعلها في الرقاب، وقد روي عن مالك كراهة ذلك، وأن الأمة التي لا حرفة لها يكره مكاتبتها لما يؤدي إليه من فسادها، والحجة في السنة لا فيما خالفها.

стр. 216

روى الأئمة عن عائشة ﵂ قالت: دخلت علي بريرة فقالت: إن أهلي كاتبوني على تسع أواق في تسع سنين كل سنة أوقية، فأعينيني ... الحديث، فهذا دليل على أن للسيد أن يكاتب عبده، وهو لا شيء معه، ألا ترى أن بريرة جاءت عائشة تخبرها بأنها كاتبت أهلها، وسألتها أن تعينها، وذلك كان في أول كتابتها قبل أن تؤدي منها شيئاً، كذلك ذكره ابن شهاب عن عروة أن عائشة أخبرته أن بريرة جاءت تستعينها في كتابتها، ولم تكن قضت من كتابتها شيئاً، أخرجه البخاري، وأبو داود، وفي هذا دليل على جواز كتابة الأمة، وهي غير ذات صنعة ولا حرفة ولا مال .. لكن لا بد من أن يكون عدم وقوعها في الفاحشة وتعريضها للفتنة يكون غلبة ظن، بحيث يغلب على الظن أنها لا تزاول الفاحشة، ولا تكون مثار فتنة بين الناس، فإذا تحقق هذا فلا مانع من كتابتها، أما إذا خشي أن تكون مثار فتنة للناس، ومحل تحرش بها لأنها لا يوجد من يحميها، أو أنها لا تستطيع الدفاع عن نفسها فلا. طالب: فترة الكتابة إن طالت الكتابة إلى سبع سنوات -مثلاً- هل تكون في خدمة سيدها؟ لا لا، خدمة نفسها، تبحث عما تسدد به، نجوم الكتابة، يترك الرقيق إذا كوتب، وإن كان رقيق ما بقي عليه درهم، هو ما زال في حكم الرق، لكن الخدمة لا، يترك الأمر له ليكتسب ويسدد. ولم يسأل النبي ﷺ هل لها كسب أو عمل واصب أو مال، ولو كان هذا واجباً لسأل عنه ليقع حكمه عليه؛ لأنه بعث مبيناً معلماً ﷺ ، وفي هذا الحديث ما يدل على أن من تأول في قوله تعالى: ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [(٣٣) سورة النور] أن المال الخير ليس بالتأويل الجيد، وأن الخير المذكور هو القوة على الاكتساب مع الأمانة، والله أعلم. السادسة: الكتابة تكون بقليل المال وكثيره، وتكون على أنجم؛ لحديث بريرة، وهذا ما لا خلاف فيه بين العلماء، والحمد لله.

стр. 217

فلو كاتبه على ألف درهم ولم يذكر أجلاً نجمت عليه بقدر سعايته وإن كره السيد، قال الشافعي: لا بد فيها من أجل، وأقلها ثلاثة أنجم، واختلفوا إذا وقعت على نجمٍ واحد، فأكثر أهل العلم يجيزونها على نجم واحد، وقال الشافعي: لا تجوز على نجم واحد، ولا تجوز حالّة البتة، وإنما ذلك عتق على صفة، كأنه قال: إذا أدَّيت كذا وكذا فأنت حر، وليس كتابة. قال ابن العربي: اختلف العلماء والسلف في الكتابة إذا كانت حالةً على قولين، واختلف قول علمائنا كاختلافهم، والصحيح في النظر أن الكتابة مؤجلة، كما ورد بها الأثر في حديث بريرة حين كاتبت أهلها على تسع أواق، في كل عام أوقية، وكما فعلت الصحابة، ولذلك سميت كتابة؛ لأنها تكتب ويشهد عليها، فقد استوسق الاسم والأثر، وعضده المعنى، فإن المال إن جعله حالاً، وكان عند العبد شيء فهو مال مقاطعة، وعقد مقاطعة لا عقد كتابة، وقال ابن خويز منداد: إذا كاتبه على مال معجل كان عتقاً على مال، ولم تكن كتابة وأجاز غيره من أصحابنا الكتابة الحالّة، وسماها قطاعة، وهو القياس؛ لأن الأجل فيها إنما هو فسحة للعبد في التكسب، ألا ترى أنه لو جاء بالمنجم عليه قبل محله لوجب على السيد أن يأخذه ويتعجل للمكاتب عتقه، وبجواز الكتابة الحالة قال الكوفيون. هذا الكلام يجري على مذهب مالك وهو القول بأن العبد يملك، وأما على قول الجمهور وأن العبد لا يملك فلا يمكن مكاتبه على مبلغٍ حال لا يترك له فرصة يتكسب فيها، وقول الجمهور على أنه لا يملك فلا بد من ترك فرصة بحيث يغلب على الظن أنه يستطيع جمع ما كتب عليه في هذه الفرصة. طالب: هل يوجد فرق بين الكتابة والعتق في الأحكام؟ العتق ينفذ من وقته، من وقته يكون حراً من التلفظ به، أما المكاتبة فلا تكمل الحرية حتى يؤدي جميع النجوم، ولو أدى عشرة نجوم وبقي واحد فإنه ما زال رقيقاً. طالب: لو مات السيد. . . . . . . . .؟

стр. 218

لو مات السيد وأرادوا أن يبطلوا العقد هل المكاتبة عقد لازم أو جائز؟ هل هي عقد لازم كالإجارة أو جائز؟ بمعنى أن لكل واحدٍ من الطرفين أن يلغيه في آخر لحظة؟ لأن السيد له أن يقول: ما دام العبد رقيقاً ولي عليه شيء ولو كان درهم كما جاء في الخبر، يقول: لي ما دام رقيق أنا أتصرف وما اكتسبه فهو في مدة ملكي له، ما بعد تحرر، فهو من نصيبي، له أن يقول هذا وإلا ليس له أن يقول؟ له أن يفسح وإلا ليس له أن يفسخ؟ كما أنه بالمقابل للعبد أن يعجز نفسه، يقول: عجزت عن تسديد نجوم الكتابة، فأعود رقيقاً، فيلغي المكاتبة، فهل تلغى من الطرفين أو من طرفٍ واحد؟ يعني ليس للسيد أن يلغيه؟ إذا كاتب واتفقوا على نجوم، والحديث يدل على أنه رقيق، ما زال رقيقاً حتى تنتهي هذه النجوم، والسيد يقول: ما دام رقيق إلى أن تنتهي، فقبل أن تنتهي هو يسعى ويكتسب وما زال في ملكي، فسعيه وأجرته وما يكتسبه لي، تبعاً له، تبعاً للرقيق نفسه، فهل هي عقد جائز أو لازم؟ طالب: مثل عقد التبرعات؟ هذا فيه معاوضة. طالب: المكاتبة ما يكون فيها شروط؟ إلا كتابة، فيها كتابة بين الطرفين. طالب: إذاً العقد لازم. طالب آخر: المسلمون على شروطهم. المسلمون على شروطهم، لكن يقول الأخ: ما فائدة الكتابة والإشهاد؟ إذا كان لكل واحدٍ أن يلغي العقد إيش الفائدة من الكتابة والإشهاد عليها؟! طالب: إذا بلغ المبلغ، إذا أدى العبد المبلغ خلاص؟ طالب: العبد له أن يفسخ إذا عجز أما السيد ليس له. يعني لازم من وجهٍ دون وجه، لكن السيد أن يقول: ما دام الحديث يقول: ((المكاتب رقٍ ما بقي عليه درهم)) فهو رقيق إلى آخر نجم، ما دام ما سلم آخر نجم فهو رقيق، وهذه النجوم التي اكتسبها وأداها إليّ من حقي، هو اكتسبها في ظل ملكي له.

стр. 219

لكن الغنم مع الغرم، والخراج بالضمان، إن كان ينفق عليه أثناء تأديته نجوم الكتابة، ويؤديه ويسكنه، ويصرف مطعمه وملبسه فهو في حكم الرقيق، وما جمعه في هذه المدة لسيده، ولسيده حينئذٍ أن يتصرف مثل هذا التصرف؛ لأنه ينفق عليه، والخراج بالضمان، أما إذا كاتبه وقال: لا تعرفني ولا أعرفك إلا في كل شهر وإلا في كل سنة، تعطيني هذا المبلغ، ولا ينفق عليه ولا يؤويه ولا يلبسه مما يلبس ولا يطعمه مما يطعم، مثل هذا ليس له عليه كلام. طالب: التعاون معه،. . . . . . . . . العبد قن ما بقي عليه درهم. باقي قن. الشيخ: إيه حكماً هذا، هو في حكم القن، لكن هل لسيده أن يستخدمه؟. الطالب: لا. وهو ما يكد عليه ولا ينفق عليه ولا يسكنه؟ هذا ينافي مقتضى عقد الكتابة، إذا قال له: أكاتبك على اثنا عشر ألف في كل شهر تعطيني ألف، لكن تجي تشتغل عندي في المحل، ما دام ما سددت، أنت قن لا زلت، هل له أن يقول ذلك؟ يقول: كيف أكتسب لك وأجيب لك نجوم، وأنا أشتغل عندك؟ لا شك أنه ليس له عليه سلطان في هذه المدة. طالب: كذلك الورثة ليس لهم أن يفسخوا العقد؟ هو ما دام العقد لازم مع أبيهم فهم في حكمه. قلت: لم يرد عن مالك نص في الكتابة الحالة، والأصحاب يقولون: إنها جائزة ويسمونها قطاعة، وأما قول الشافعي: إنها لا تجوز على أقل من ثلاثة أنجم فليس بصحيح؛ لأنه لو كان صحيحاً لجاز لغيره أن يقول: لا يجوز على أقل من خمسة نجوم .. يعني تحديد لم يرد به الشرع، فللخصم أن يدعي من التحديد غير ما حدده خصمه. لا يجوز على أقل من خمسة نجوم؛ لأنها أقل النجوم التي كانت على عهد رسول الله ﷺ في بريرة، وعلم بها النبي ﷺ وقضى فيها فكان بصواب الحجة أولى .. تقدم في قصة بريرة أنه على تسع أواقٍ في تسع نجوم، فهي تسعة نجوم لا خمسة. روى البخاري عن عائشة: أن بريرة دخلت عليها تستعينها في كتابتها، وعليها خمس أواق نجمت عليها في خمس سنين .. الحديث .. وتقدم قبل ذلك أنها تسع أواق في تسع سنين، وقد رواه الأئمة.

стр. 220

كذا قال الليث عن يونس عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة: وعليها خمس أواق نجمت عليها في خمس سنين، وقال أبو أسامة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ قالت: جاءت بريرة فقالت: إني كاتبت أهلي على تسع أواق، الحديث ... وظاهر الروايتين تعارض، غير أن حديث هشام أولى لاتصاله وانقطاع حديث يونس لقول البخاري وقال الليث: حدثني يونس، ولأن هشاماً أثبت في حديث أبيه وجده من غيره، والله أعلم. السابعة: المكاتب عبد ما بقي عليه من مال الكتابة شيء، لقوله ﵇: ((المكاتب عبد ما بقي عليه من مكاتبته درهم)) أخرجه أبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وروي عنه أيضاً أن النبي ﷺ قال: ((أيّما عبد كاتب على مائة دينار فأداها إلا عشرة دنانير فهو عبد)) وهذا قول مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم والثوري وأحمد وإسحاق وأبي ثور وداود والطبري وروي ذلك عن ابن عمر من وجوه وعن زيد بن ثابت وعائشة وأم سلمة لم يختلف عنهم في ذلك ﵃، وروي ذلك عن عمر بن الخطاب، وبه قال ابن المسيب والقاسم وسالم وعطاء، قال مالك: وكل من أدركنا ببلدنا يقول ذلك، وفيها قول آخر روي عن علي أنه إذا أدى الشطر فهو غريم، وبه قال النخعي، وروي ذلك عن عمر ﵁ والإسناد عنه بأن المكاتب عبد ما بقي عليه درهم، خير من الإسناد عنه بأن المكاتب إذا أدى الشطر فلا رِق عليه، قاله أبو عمر، وعن علي أيضاً يعتق منه بقدر ما أدى .. فيكون مبعضاً، إذا أدى الشرط يكون حينئذٍ مبعضاً على هذا القول.

стр. 221

وعنه أيضاً: أن العتاقة تجري فيه بأول نجم يؤديه، وقال ابن مسعود: إذا أدى ثلث الكتابة فهو عتيق غريم، وهذا قول شريح، وعن ابن مسعود: لو كانت الكتابة مائتي دينار وقيمة العبد مائة دينار فأدَّى العبد المائة التي هي قيمته عتق، وهو قول النخعي أيضاً، وقول سابع: إذا أدى الثلاثة الأرباع وبقي الربع فهو غريم، ولا يعود عبداً، قاله عطاء بن أبي رباح، رواه ابن جريج عنه، وحكي عن بعض السلف أنه بنفس عقد الكتابة حر، وهو غريم بالكتابة، ولا يرجع إلى الرق أبداً، وهذا القول يرده حديث بريرة لصحته عن النبي ﷺ ، وفيه دليل واضح على أن المكاتب عبد، ولولا ذلك ما بيعت بريرة، ولو كان فيها شيء من العتق ما أجاز بيع ذلك، إذ من سنته المجمع عليها ألا يباع الحر، وكذلك كتابة سلمان وجويرية، فإن النبي ﷺ حكم لجميعهم بالرق حتى أدوا الكتابة، وهي حجة للجمهور في أن المكاتب عبد ما بقي عليه شيء، وقد ناظر عليَّ بن أبي طالب زيد بن ثابت في المكاتب، فقال لعلي: أكنتَ راجمه لو زنى، أو مجيزاً شهادته لو شهد؟ فقال علي: لا، فقال زيد: هو عبد ما بقي عليه شيء، وقد روى النسائي عن علي وابن عباس ﵃ عن رسول الله ﷺ أنه قال: المكاتب يعتق منه بقدر ما أدى، ويقام عليه الحد بقدر ما أدى، ويرث بقدر ما عتق منه، وإسناده صحيح .. مخرج؟ طالب: قال: أخرجه النسائي في. . . . . . . . . من حديث علي وابن عباس ورجاله رجال مسلم، سوى محمد بن عيسى النقاش شيخ النسائي فإنه مقبول، بل إسناده لين، وصدر الحديث يتقوى بشواهده، وأما عجزه فغريب وهو ضعيف، والحديث في الإرواء ولكن ما نظرت فيه.

стр. 222

وهو حجة لما روي عن علي، ويعتضد بما رواه أبو داود عن نبهان مكاتب أم سلمة قال: سمعت أم سلمة تقول: قال لنا رسول الله ﷺ : ((إذا كان لإحداكن مكاتب وكان عنده ما يؤدي فلتحتجب منه)) وأخرجه الترمذي، وقال حديث حسن صحيح، إلا أنه يحتمل أن يكون خطاباً مع زوجاته أخذاً بالاحتياط والورع في حقهن، كما قال لسودة: ((احتجبي منه)) مع أنه قد حكم بأخوتها له، وبقوله لعائشة وحفصة: ((أفعمياوان أنتما ألستما تبصرانه؟ )) يعني: ابن أم مكتوم، مع أنه قال لفاطمة بنت قيس: ((اعتدي عند ابن أم مكتوم)) وقد تقدم هذا المعنى. تقدم هذا المعنى قريباً، قبل درس أو درسين أن المرأة مأمورة أن تحتجب عن الأعمى، وأضفنا فيما تقدم أن الحديث فيه ضعف، وأما أمره بالاعتداد عند أم مكتوم فلأنه رجل أعمى، فإذا احتاجت المرأة أن تسكن مثل ما ذكرنا سابقاً عند أسرة بدون خلوة ورب هذه الأسرة أعمى فهو أفضل من ما لو كان مبصراً، لأنه لا يراها، وإذا أرادت النظر إلى الرجل يستوي في ذلك الأعمى والمبصر، هذا من قبلها، لا يجوز للمرأة أن تنظر نظر شهوة إلى الرجال، لا المبصرين ولا العميان، وأما بالنسبة للرجل الأعمى، فلا شك أن الحاسة مفقودة عنده فهو خير من المبصرين في هذه المسألة بالنسبة للنساء. الثامنة: أجمع العلماء على أن المكاتب إذا حَلّ عليه نجم من نجومه، أو نجمان أو نجومه كلها فوقف السيد عن مطالبته وتركه بحاله أن الكتابة لا تنفسخ ما داما على ذلك ثابتين. التاسعة: قال مالك: ليس للعبد أن يعجز نفسه إذا كان له مال ظاهر، وإن لم يظهر له مال فذلك إليه، وقال الأوزاعي: لا يمكن من تعجيز نفسه إذا كان قوياًَ على الأداء .. بل يلزم بما اشترط، إذا كان قادراً. وقال الشافعي: له أن يعجِّز نفسه، علم له مال أو قوة على الكتابة أو لم يعلم، فإذا قال: قد عجزت وأبطلت الكتابة فذلك إليه، وقال مالك: إذا عجز المكاتب فكل ما قبضه منه سيده قبل العجز حَلَّ له كان من كسبه أو من صدقة عليه، وأما ما أعين به على فكاك رقبته فلم يفِ ذلك بكتابته كان لكل من أعانه الرجوع بما أعطى أو تحلل منه المكاتب ..

стр. 223

لأن هذا كالمشروط، إذا أعطي المال ليدفعه إلى سيده الذي كاتبه بهذا القيد، يعطيه التاجر المال ويقول: اقض به دين الكتابة، فانحلت الكتابة وارتفع الوصف، لا يحل له أن يأخذ لا هو ولا السيد من هذا المال شيء، ومثل هذا لو أعطي شخص لعمل برٍ من الأعمال، إما لبناءة مسجد، أو لتفطير صائم، أو لشراء شيء للفقراء أو ما أشبه ذلك، فإنه لا يصرف إلا في هذه المصارف، فلو بقي منه شيء؟ أعطي عشرة آلاف لتفطير الصوام خلاص شهر رمضان فكفاهم خمسة آلاف، يقول: هذه الخمسة نحتاجها في ترميم المسجد، أو شراء بعض الآلات التي يحتاجها المصلون؟ نقول: لا، الذي أعطاك المال، أعطاك على أساس أنه لتفطير الصائم، فكأنه اشترط عليك، فإما أن تعيده إليه، أو تستأذنه في أن يصرف في غير هذا المصرف، ومثل هذا لو أعطي العبد لسداد نجوم الكتابة، ثم بعد ذلك عجز عنها، أنه لا يحل له ولا يحل لسيده. طالب: يعاد المال؟ الشيخ: يعاد المال، إلا إذا طابت به نفس صاحبه، ولم يكن زكاة. طالب: لو كان المصرف الثاني أكثر نفعاً؟ الشيخ: ولو كان، ما دام خصصه المعطي لا يتجاوز به ما خصص؛ لأن له نظر في ماله غير نظر غيره. طالب: وإن كان من مسجد إلى مسجد؟ المقصود أنه إذا لم يحتج إليه في المصرف نفسه ووجد مصرف مثل مصرفه، يعني أعطي تفطير صائم لهذا المسجد، اكتفى هذا المسجد فيفطر به صائم في مسجدٍ آخر، المصرف واحد، فأعطي لهذا المسجد لشراء أدوات، فتبرع شخص آخر وبادر وأمن هذه الأدوات، يصرف في نفس المصرف، وإن لم يوجد يعاد إلى صاحبه. طالب: الأوقاف؟ الشيخ: الأوقاف التي ينص على مصرفها، مثله. طالب: لو تعطلت منافعها؟ الشيخ: أما إذا تعطلت منافع الوقف بالكلية، فهذا ينقل. طالب: هل ينقله الناظر، أولا بد أن يرجع إلى ولي الأمر؟ الشيخ: لا بد من الرجوع، لا يتصرف أحد من نفسه، لأن تقدير هذه المسألة، تقدير تعطل المنافع وغيرها إنما هو له، النظر له أو لمن ينيبه. طالب: إذا كانت الأموال من عدة أشخاص، مثلاً تفطير صائم في هذا المسجد، فجمعوا جماعة المسجد فبقي المال؟ الشيخ: يصرف تفطير صائم في مسجدٍ آخر؛ لأنه من نفس المصرف اللي هو التفطير. طالب: يؤخر إلى سنة قادمة؟

стр. 224

الشيخ: على كل حال إذا لم يجد من يحتاجه في هذا الوقت وأخره لمصلحة المستفيد منه، وهو الصائم لا مانع -إن شاء الله تعالى-. ولو أعانوه صدقة لا على فكاك رقبته، فذلك إن عجز حل لسيده ولو تم به فكاكه وبقيت منه فضلة فإن كان بمعنى الفكاك ردها إليهم بالحصص، أو يحللونه منها، هذا كله مذهب مالك فيما ذكر ابن القاسم، وقال أكثر أهل العلم: إن ما قبضه السيد منه من كتابته وما فضل بيده بعد عجزه من صدقة أو غيرها فهو لسيده يطيب له أخذ ذلك كلِّه، هذا قول الشافعي وأبي حنيفة وأصحابهما وأحمد بن حنبل ورواية عن شريح. وقال الثوري: يجعل السيد ما أعطاه في الرقاب، وهو قول مسروق والنخعي، ورواية عن شريح، وقالت طائفة: ما قبض منه السيد فهو له، وما فضل بيده بعد العجز فهو له دون سيده، وهذا قول بعض من ذهب إلى أن العبد يملك، وقال إسحاق: ما أعطي بحال الكتابة ردّ على أربابه .. لأنه أعطي لهذا الأمر، وعلق بهذا الوصف، ما دام الوصف موجوداً ساغ أو مضت العطية، وإذا ارتفع الوصف تعاد هذه العطية. العاشرة: حديث بريرة على اختلاف طرقه وألفاظه يتضمن أن بريرة وقع فيها بيع بعد كتابة تقدمت، واختلف الناس في بيع المكاتب بسبب ذلك، وقد ترجم البخاري (باب بيع المكاتب إذا رضي) وإلى جواز بيعه للعتق إذا رضي المكاتب بالبيع ولو لم يكن عاجزاً ذهب ابن المنذر والداودي، وهو الذي ارتضاه أبو عمر بن عبد البر، وبه قال ابن شهاب وأبو الزناد وربيعة غير أنهم قالوا: لأن رضاه بالبيع عجز منه، وقال مالك وأبو حنيفة وأصحابهما: لا يجوز بيع المكاتب ما دام مكاتباً حتى يعجز، ولا يجوز بيع كتابته بحال، وهو قول الشافعي بمصر .. على كل حال في مثل هذه الصورة يلاحظ مصلحة الرقيق، فإن كان بيعه بعد مكاتبته لمن أراد أن يستعمله ويعيده رقيقاً، هذا ليس من مصلحته، أما بيعه لمن يعتقه فهذا من مصلحته، وهو ما تدل عليه قصة بريرة. وكان بالعراق يقول: بيعه جائز، وأما بيع كتابته فغير جائزة، وأجاز مالك بيع الكتابة، فإن أداها عتق، وإلا كان رقيقاً لمشتري الكتابة .. كأنه بيع مشروط، أبيعك هذا الغلام إن عجز عن تسديد نجوم الكتابة، فيكون كأنه بيع بشرط. ومنع من ذلك أبو حنيفة؛ لأنه بيع غرر ..

стр. 225

لأنه ما يدرى ما مآل هذا العبد، هل يثبت عقده أو لا يثبت؟. واختلف قول الشافعي في ذلك بالمنع والإجازة، وقالت طائفة: يجوز بيع المكاتب على أن يمضي في كتابته، فإن أدَّى عتق، وكان ولاؤه للذي ابتاعه، ولو عجز فهو عبد له، وبه قال النخعي وعطاء والليث وأحمد وأبو ثور، وقال الأوزاعي: لا يباع المكاتب إلا للعتق، ويكره أن يباع قبل عجزه، وهو قول أحمد وإسحاق قال أبو عمر: في حديث بريرة إجازة بيع المكاتب إذا رضي بالبيع، ولم يكن عاجزاً عن أداء نجم قد حل عليه بخلاف قول من زعم أن بيع المكاتب غير جائز إلا بالعجز؛ لأن بريرة لم تذكر أنها عجزت عن أداء نجم ولا أخبرت بأن النجم قد حل عليها، ولا قال لها النبي ﷺ : أعاجزة أنت؟ أم هل حل عليك نجم؟ ولو لم يجز بيع المكاتب والمكاتبة إلا بالعجز عن أداء ما قد حل؛ لكان النبي ﷺ قد سألها أعاجزة هي أم لا؟ وما كان ليأذن في شرائها إلا بعد علمه ﷺ أنها عاجزة، ولو عن أداء نجم واحد قد حل عليها، وفي حديث الزهري أنها لم تكن قضت من كتابتها شيئاً ولا أعلم في هذا الباب حجة أصح من حديث بريرة هذا، ولم يرو عن النبي ﷺ شيء يعارضه، ولا في شيء من الأخبار دليل على عجزها. استدل من منع من بيع المكاتب بأمور: منها أن قالوا: إن الكتابة المذكورة لم تكن انعقدت، وأن قولها كاتبت أهلي معناه أنها راوضتهم عليها .. يعني مجرد وعد بينهما، ولم يتم العقد، هذا جواب من يرى منع بيع المكاتب، والصواب جواز بيعه لمن أراد أن يعتقه، إذا كان به حظ للمكاتب؛ لأن الشرع يتشوف إلى العتق بخلاف العكس، أما من أراد أن يعيده إلى الرق فلا يباع عليه.

стр. 226

وقدروا مبلغها وأجلها ولم يعقدوها، وظاهر الأحاديث خلاف هذا، إذا تؤمل مساقها، وقيل: إن بريرة عجزت عن الأداء فاتفقت هي وأهلها على فسخ الكتابة، وحينئذ صحّ البيع إلا أن هذا إنما يتمشى على قول من يقول: إن تعجيز المكاتب غير مفتقر إلى حكم حاكم إذا اتفق العبد والسيد عليه؛ لأن الحق لا يعدوهما، وهو المذهب المعروف، وقال سحنون: لا بد من السلطان، وهذا إنما خاف أن يتواطأ على ترك حق الله تعالى، ويدل على صحة أنها عجزت ما روي أن بريرة جاءت عائشة تستعينها في كتابتها، ولم تكن قضت من كتابتها شيئاً، فقالت لها عائشة: ارجعي إلى أهلك، فإن أحبوا أن أقضي عنك كتابتك فعلت، فظاهر هذا أن جميع كتابتها أو بعضها استحق عليها؛ لأنه لا يقضى من الحقوق إلا ما وجبت المطالبة به، والله أعلم. هذه التأويلات أشبه ما لهم فيها من الدخل ما بيناه، وقال ابن المنذر: ولا أعلم حجة لمن قال ليس له بيع المكاتب إلا أن يقول: لعل بريرة عجزت، قال الشافعي: وأظهر معانيه أن لمالك المكاتب بيعه .. لأن عائشة اشترت بريرة، فالدليل يدل على جواز بيع المكاتب، لكن هذا ليس على إطلاقه يباع من أي أحد، كما أنه لا يجوز بيعه لمن يظلمه أو يخشى منه أن يستعمله استعمالاً غير شرعي لا يجوز بيعه عليه، فكذلك في مثل هذه الصورة لا يباع على من أراد إعادته إلى الرق، إنما يباع على من أراد عتقه؛ لأن الشرع يتشوف إلى العتق. الحادية عشرة: المكاتب إذا أدى كتابته عتق، ولا يحتاج إلى ابتداء عتق من السيد .. يعني يعتق بمجرد سداد نجوم الكتابة، ولا يحتاج أن يتلفظ بأنه عتق، فلا يقول السيد: أعتقتك وأنت حر بعد ذلك. وكذلك ولده الذين ولدوا في كتابته من أمته يعتقون بعتقه ويرقون برقه؛ لأن ولد الإنسان من أمته بمثابته اعتباراًَ بالحر، وكذلك ولد المكاتبة فإن كان لهما ولد قبل الكتابة لم يدخل في الكتابة إلا بشرط. الثانية عشرة: ﴿وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [(٣٣) سورة النور].

стр. 227

لكن لو كان وقت الكتابة حمل، ثم ولد بعد الكتابة، حُمل به قبل الكتابة ثم ولد بعدها، هل تشمله الكتابة أو لا بد من التنصيص عليه؟ لأنه يقول هنا: "كذلك ولده الذين ولدوا في كتابته من أمته، يعتقون بعتقه ويرقون برقه؛ لأن ولد الإنسان من أمته بمثابته اعتباراً بالحر، وكذلك ولد المكاتبة، فإن كان لهما ولد قبل الكتابة لم يدخل في الكتابة إلا بشرط" يعني فرق بينما كان قبل الكتابة وبينما كان بعده، ما كان بعده يدخل، وما كان قبله لا يدخل، لكن إذا كان قبله حملاً، هو حمل قبل، وولد بعد الكتابة، فهل العبرة بالحمل به أو العبرة بولادته؟ طالب: إذا عرف. . . . . . . . .؟ يعني تبعاً لما تترتب عليه أحكامه هو، وأحكام الحمل إنما تترتب على نفخ الروح، فلا يصلى عليه ولا يغسل ولا يكفن إلا إذا نفخت فيه الروح، وأما أحكام الأم فهي تتربت على تخليقه، إذا ظهر فيه خلق الإنسان، والمراد ما يتعلق به هو من نفخ الروح. الثانية عشرة: قوله تعالى: ﴿وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [(٣٣) سورة النور] هذا أمر للسادة بإعانتهم في مال الكتابة، إما بأن يعطوهم شيئاً مما في أيديهم -أعني أيدي السادة- أو يحطوا عنهم شيئاً من مال الكتابة قال مالك: يوضع عن المكاتب من آخر كتابته، وقد وضع ابن عمر خمسة آلاف من خمسة وثلاثين ألفاً، واستحسن علي ﵁ أن يكون ذلك ربعَ الكتابة. قال الزهراوي: روي ذلك عن النبي ﷺ ، واستحسن ابن مسعود والحسن بن أبي الحسن ثلثها، وقال قتادة: عشرها، قال ابن جبير: يسقط عنه شيئاً ولم يحده، وهو قول الشافعي، واستحسنه الثوري، قال الشافعي: والشيء أقل شيء يقع عليه اسم شيء .. يعني مثل متعة المرأة المطلقة، مأمور بها لكن لا تحد بشيء، يرجع فيها إلى يسار الزوج وعسره، ومثل هذا فيه المكاتبة يرجع فيه إلى يسر السيد وعسره.

стр. 228

ويجبر عليه السيد، ويحكم به الحاكم على الورثة إن مات السيد، ورأى مالك -رحمه الله تعالى- هذا الأمر على الندب، ولم ير لقدر الوضيعة حداً، واحتج الشافعي بمطلق الأمر في قوله: ﴿وَآتُوهُم﴾ ورأى أن عطف الواجب على الندب معلوم في القرآن ولسان العرب، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى﴾ [(٩٠) سورة النحل] وما كان مثله. قال ابن العربي وذكره قبله إسماعيل بن إسحاق القاضي، جعل الشافعي الإيتاء واجباً والكتابة غير واجبة، فجعل الأصل غير واجب والفرع واجباً، وهذا لا نظير له، فصارت دعوى محضة، فإن قيل: يكون ذلك كالنكاح لا يجب فإذا انعقد وجبت أحكامه منها المتعة، قلنا: عندنا لا تجب المتعة، فلا معنى لأصحاب الشافعي، وقد كاتب عثمان بن عفان عبده وحلف ألا يحطه في حديث طويل. التنظير المطابق لمثل هذا في النذر، أصل النذر ليس بواجب بل مكروه، ولا يأتي بخير، لكن إذا ثبت لزم ووجب. قلت: وقد قال الحسن والنخعي وبريدة: إنما الخطاب بقوله: ﴿وَآتُوهُم﴾ للناس أجمعين في أن يتصدقوا على المكاتبين، وأن يعينوهم في فكاك رقابهم، وقال زيد بن أسلم: إنما الخطاب للولاة بأن يعطوا المكاتبين من مال الصدقة حظهم، وهو الذي تضمنه قوله تعالى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ [(٦٠) سورة التوبة] وعلى هذين القولين فليس لسيد المكاتب أن يضع شيئاً عن مكاتبه، ودليل هذا أنه لو أراد حط شيء من نجوم الكتابة لقال: وضعوا عنهم كذا. لقال: ... إيش. الطالب: لقال وضعوا عنهم. خبر ولا أمر. الطالب: أمر. كاتبهم وضعوا الثالثة عشرة: إذا قلنا: إن المراد بالخطاب السادة، فرأى عمر بن الخطاب أن يكون ذلك من أول نجومه مبادرةً إلى الخير خوفاً ألا يدرك آخرها، ورأى مالكُ -رحمه الله تعالى- وغيره أن يكون الوضع من آخر نجم، وعلة ذلك أنه إذا وضع من أول نجم ربما عجز العبد، فرجع هو وماله إلى السيد، فعادت إليه وضيعته، وهي شبه الصدقة، وهذا قول عبد الله بن عمر وعلي، وقال مجاهد: يترك له من كل نجم ..

стр. 229

إذا كاتبه على اثنا عشر نجم مثلاً، كل نجم ألف، ووضع عنه من كل نجمٍ مائة، صار المجموع ألف ومائتين، أو وضع عنه النجم الأول أو النجم الأخير، إن خفف عنه من كل نجمٍ مائة لا شك أن هذا قد يكون أيسر، وإن خفف عنه الأخير لا سيما وأنه في أول الأمر سوف يسعى ويجتهد ويجد في الأشهر الأولى ويحصل النجم كاملاً، وقد يزيد عليه، لكنه في الآخر قد يتراخى فيحتاج إلى مساعدة ومعاونة، يكون في الأخير. قال ابن العربي: والأقوى عندي أن يكون في آخرها؛ لأن الإسقاط أبداً إنما يكون في أخريات الديون. وفيه حفز للمدين أن يسدد؛ لأنه إذا وعد بأن يسقط عنه النجم الأخير حرص على السداد، لكن إذا أسقط عنه النجم الأول تراخى. الرابعة عشرة: المكاتب إذا بيع للعتق رضاً منه بعد الكتابة وقبض بائعه ثمنه لم يجب عليه أن يعطيه من ثمنه شيئاً، سواءً باعه لعتق أو لغير عتق، وليس ذلك كالسيد يؤدي إليه مكاتب كتابته فيؤتيه منها أو يضعُ عنه من آخرها نجماً أو ما شاء، على ما أمر الله به في كتابه؛ لأن النبي ﷺ لم يأمر موالي بريرة بإعطائها مما قبضوا شيئاً وإن كانوا قد باعوها للعتق. الخامسة عشرة: اختلفوا في صفة عقد الكتابة، فقال ابن خويز منداد: صفتها أن يقول السيد لعبده: كاتبتك على كذا وكذا من المال في كذا وكذا نجماً إذا أديته فأنت حر، أو يقول له: أدّ إليّ ألفاً في عشرة أنجمٍ وأنت حر، فيقول العبد: قد قبلت، ونحو ذلك من الألفاظ، فمتى أدّاها عتق .. لأنها متضمنة للإيجاب والقبول. وكذلك لو قال العبد: كاتبني، فقال السيد: قد فعلت، أو: قد كاتبتك، قال ابن العربي: وهذا لا يلزم؛ لأن لفظ القرآن لا يقتضيه، والحال يشهد له، فإن ذكره فحسن، وإن تركه فهو معلوم لا يحتاج إليه، ومسائل هذا الباب وفروعه كثيرة، وقد ذكرنا من أصوله جملةً فيها لمن اقتصر عليها كفاية، والله الموفق للهداية.

стр. 230

السادسة عشرة: في ميراث المكاتب، واختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال: فمذهب مالك أن المكاتب إذا هلك وترك مالاً أكثر مما بقي عليه من كتابته وله ولد ولدوا في كتابته أو كاتب عليهم ورثوا ما بقي من المال بعد قضاء كتابته؛ لأن حكمهم كحكمه، وعليهم السعي فيما بقي من كتابته لو لم يخلف مالاً، ولا يعتقون إلا بعتقه، ولو أدّى عنهم ما رجع بذلك عليهم؛ لأنهم يعتقون عليه فهم أولى بميراثه لأنهم مساوون له في جميع حاله .. الكتابة دين من الديون مقدمة على الإرث كما هو معلوم. والقول الثاني: أنه يؤدى عنه من ماله جميع كتابته، وجعل كأنه قد مات حراً، ويرثه جميع ولده، وسواء في ذلك من كان حراً قبل موته من ولده، ومن كاتب عليهم أو ولدوا في كتابته؛ لأنهم قد استووا في الحرية كلهم حين تأدّت عنهم كتابتهم، روي هذا القول عن علي وابن مسعود، ومن التابعين عن عطاء والحسن وطاوس وإبراهيم، وبه قال فقهاء الكوفة سفيان الثوري وأبو حنيفة وأصحابه والحسن بن صالح بن حي، وإليه ذهب إسحاق. والقول الثالث: أن المكاتب إذا مات قبل أن يؤدي جميع كتابته فقد مات عبداً، وكل ما يخلفه من المال فهو لسيده، ولا يرثه أحد من أولاده، لا الأحرار ولا الذين معه في كتابته؛ لأنه لما مات قبل أن يؤدي جميع كتابته فقد مات عبداً، وماله لسيده فلا يصح عتقه بعد موته؛ لأنه محال أن يعتق عبد بعد موته وعلى ولده الذين كاتب عليهم أو ولدوا في كتابته أن يسعوا في باقي الكتابة، ويسقط عنهم منها قدر حصته، فإن أدّوا عتقوا؛ لأنهم كانوا فيها تبعاً لأبيهم، وإن لم يؤدوا ذلك رقوا، هذا قول الشافعي، وبه قال أحمد بن حنبل، وهو قول عمر بن الخطاب وزيد بن ثابت وعمر بن عبد العزيز والزهري وقتادة ..

стр. 231

إذا مات المكاتب وبقي عليه نصف نجوم الكتابة وله أولاد إما أن أعتقوا عتق لا كتابة وتحرروا، وبقي والدهم مكاتباً فمات بعد سداد نصف النجوم فهل عليهم أن يؤدوا ليكون حراً؟ تتم حريته؟ أو ليس عليهم ذلك ليموت رقيقاً ويكون من مال سيده؛ لأنه ما زال رقيقاً ما دام من نجوم الكتابة شيء باقي؟ يلزمهم وإلا ما يلزمهم؟ يعني: هل هو كالدين العادي؟ يعني لو أن المكاتب مات، هل نقول: أن حكمه حكم المدين؟ بمعنى أنه مرتهن بدينه، ويكفر عنه كل شيء إلا هذا الدين دين الكتابة، أو نقول: هذا عقد إرفاق، ولا يدخل في المعاوضات، ولا يكون حكمه حكم الديون التي قد يكون أخذها تكثراً؟ لا شك أن هذا في شراء الإنسان نفسه يختلف عن سائر الديون. قوله تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاء إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ [(٣٣) سورة النور] روي عن جابر بن عبد الله وابن عباس ﵃ أن هذه الآية نزلت في عبد الله بن أبي، وكانت له جاريتان إحداهما تسمى معاذة، والأخرى مسيكة، وكان يكرههما على الزنا ويضربهما عليه ابتغاء الأجر، وكسب الولد، فشكتا ذلك إلى النبي ﷺ فنزلت الآية فيه، وفيمن فعل فعله من المنافقين، ومعاذة هذه أم خولة التي جادلت النبي ﷺ في زوجها. وفي صحيح مسلم عن جابر أن جارية لعبد الله بن أبي يقال لها: مسيكة، وأخرى يقال لها: أميمة، فكان يكرههما على الزنا، فشكتا ذلك إلى النبي ﷺ فأنزل الله : ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاء﴾ إلى قوله: ﴿غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. قوله تعالى: ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ راجع إلى الفتيات، وذلك أن الفتاة إذا أرادت التحصن فحينئذٍ يمكن ويتصور أن يكون السيد مكرِهاً، ويمكن أن يُنهى عن الإكراه، وإذا كانت الفتاة لا تريد التحصن فلا يُتصور أن يقال للسيد لا تكرهها؛ لأن الإكراه لا يتصور فيها، وهي مريدة للزنا ..

стр. 232

إن أردن تحصنا عن الزنا بهذا الشخص بعينه، أو أردن تحصناً عن الزنا مطلقاً؟ لأنها قد تريد التحصن عن الزنا بهذا الرجل الذي أكرهت عليه، فيتصور الإكراه لها وهي لا تريد التحصن لأنها تريد الزنا من غيره، فهذا وصف حينئذٍ كاشف لا مفهوم له، وحينئذٍ لا تكره على الزنا مطلقاً، إن أرادت التحصن أو لا تريد التحصن. فهذا أمر في سادة وفتيات حالهم هذه، وإلى هذا المعنى أشار ابن العربي فقال: إنما ذكر الله تعالى إرادة التحصن عن المرأة؛ لأن ذلك هو الذي يصور الإكراه، فأما إذا كانت هي راغبةٌ في الزنا لم يتصور إكراه، فحصلوه، وذهب هذا النظر عن كثير من المفسرين فقال بعضهم قولَه: ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ راجع إلى الأيامى، قال الزجاج والحسين بن الفضل: في الكلام تقديم وتأخير: أي وأنكحوا الأيامى والصالحين من عبادكم، إن أردن تحصناً، وقال بعضهم: هذا الشرط في قوله: ﴿إِنْ أَرَدْنَ﴾ ملغى ونحو ذلك مما يضعف، والله الموفق. قوله تعالى: ﴿لِّتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [(٣٣) سورة النور] أي الشيء الذي تكسبه الأمة بفرجها، والولد ليسترقَّ فيباع، وقيل: كان الزاني يفتدي ولده من المزني بها بمائة من الإبل يدفعها إلى سيدها. قوله تعالى: ﴿وَمَن يُكْرِههُّنَّ﴾ أي يقهرهن، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ﴾ لهن ﴿رَّحِيمٌ﴾ بهن، وقرأ ابن مسعود وجابر بن عبد الله وابن جبير: لهنَّ غفور، بزيادة لهن .. في كلام أبي حيان في البحر المحيط ما يفهم منه أن المغفرة هذه، فإن الله من بعد إكراههن غفور لهم، للمكرهين، رحيم بهم، لكن هذا مشروط بالتوبة، أما إذا أكرهوا فعليهم العذاب لا الرحمة ولا المغفرة، عليهم هذا الوعد. وقد مضى الكلام في الإكراه في النحل، والحمد لله، ثم عدد تعالى على المؤمنين نعمه فيما أنزل عليهم من الآيات المنيرات، وفيها ضرب لهم من أمثال الماضين من الأمم، ليقع التحفظ مما وقع أولئك فيه. اللهم صلي على محمد وعلى آل محمد. طالب: العبد إذا أراد أن يسدد ما بقي عليه من النجوم دفعة واحدة له ذلك؟. الشيخ: له ذلك، إيه لأن التنجيم من مصلحته، فإذا تنازل فالأمر لا يعدوه.

стр. 233

تفسير القرطبي سورة النور تفسير الآيتين: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ﴾ و ﴿فِي بُيُوتٍ﴾ الشيخ/ عبد الكريم الخضير الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه. قال الإمام القرطبي -رحمه الله تعالى-: قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاء وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [(٣٥) سورة النور] قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية .. ، النور في كلام العرب: الأضواء المدركة بالبصر، واستعمل مجازاً فيما صح من المعاني ولاح، فيقال منه: كلام له نور، ومنه الكتاب المنير، ومنه قول الشاعر: نسب كأن عليه من شمس الضحى ... نوراً ومن فلق الصباح عموداً والناس يقولون: فلان نور البلد، وشمس العصر وقمره، وقال: فإنك شمسٌ والملوك كواكبٌ. وقال آخر: هلا خصصت من البلاد بمقصد ... قمر القبائل خالد بن يزيد وقال آخر: إذا سار عبد الله من مرو ليلة ... فقد سار منها نورها وجمالها

стр. 234

فيجوز أن يقال لله تعالى: نور من جهة المدح؛ لأنه أوجد الأشياء، ونور جميع الأشياء منه ابتداؤها، وعنه صدورها، وهو سبحانه ليس من الأضواء المدركة جل وتعالى عما يقول الظالمون علواً كبيراً، وقد قال هشام الجوالقي وطائفة من المجسمة: هو نور لا كالأنوار، وجسم لا كالأجسام، وهذا كله محال على الله تعالى عقلاً ونقلاً، على ما يعرف في موضعه من علم الكلام، ثم إن قولهم متناقض، فإن قولهم جسم أو نور حكم عليه بحقيقة ذلك، وقولهم لا كالأنوار ولا كالأجسام، نفي لما أثبتوه من الجسمية والنور، وذلك متناقض، وتحقيقه في علم الكلام، والذي أوقعهم في ذلك ظواهر اتبعوها، منها هذه الآية، وقوله ﵇ إذا قام من الليل يتهجد: ((اللهم لك الحمد أنت نور السموات والأرض)) وقال ﵇ وقد سئل: هل رأيت ربك؟ فقال: ((رأيت نوراً)) إلى غير ذلك من الأحاديث. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد:

стр. 235

فقد ابتدأ المؤلف تفسير هذه الآية بالنور المثبت للبشر، وتصور أنه لا نور إلا هذا النور، فلما هجم على قلبه وعلى رأيه هذا الأمر، والله -جل وعلا- ليس كمثله شيء، ومنزه عن مشابهة المخلوقين، كما هو دأبهم وشأنهم في جميع الصفات، يهجم على قلوبهم ما يخص البشر منها، ثم يستصحبون تنزيه الله -جل وعلا- عن مشابهة المخلوقين، ليس كمثله شيء، ثم ينفون ما أثبته الله لنفسه، وأثبته له رسوله ﵊ ظناً منهم أنه مثل ما يليق بالبشر، ومثلما ما يعرفون، فشبهوا أولاً ثم عطلوا –هذه عادتهم– والله -جل وعلا- أثبت لنفسه أنه نور، وأثبت أنه له نفس ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [(١١٦) سورة المائدة] لكن هل هذه النفس هل هي مثل نفوس المخلوقين؟ أثبت له بصر، أثبت له سمع، هل يلزم من هذا الإثبات أن يكون سمعه وبصره مثل سمع المخلوقين وبصرهم؟ وكذلك النور، لا يلزم منه أن يكون مثل نور المخلوقين، وقوله هنا: أن هذا تناقض، هذا ليس بتناقض، هم يقولون أنهم يثبتون أنه نور لا كالأنوار، فإذا أثبتوا أنه نور لا بد أن يكون كالأنوار –على رأيه– فإذا أثبتوا أنه نور ثم نفوا أنه نور هذا تناقض، أثبتوا أن له جسم ثم نفوا أن له جسم، أثبتوا أن له جسم، له نور، كما جاء في هذه الآية وغيرها، ثم قالوا: لا كالأنوار فنفوا، لأنه لا يعرف من النور إلا الأنوار المشاهدة، ومن هنا دخل على هؤلاء المبتدعة الدخل، لا يتصورون مما جاء في النصوص مما يتعلق بالرب -جل وعلا- إلا ما يتصورون عن المخلوق، لا يتصورون إلا هذا.

стр. 236

فإذا أثبتوا له سمع، قالوا ما نعرف سمع إلا سمع المخلوق الذي يطرقه الكلام بواسطة الأذن، ثم بعد ذلك تنقله الأذن إلى كذا، ما نتصور إلى هذا، وكذلك السمع والبصر، ما نتصور إلا هذا والله -جل وعلا- منزه عن مشابهة المخلوقين، وما علموا أن للخالق ما يخصه من هذه الأمور، من هذه المثبتات، في كتاب الله -جل وعلا- وعلى لسانه نبيه ﵊ وللمخلوق ما يخصه، إذا كان المخلوق يتفاوت، تتفاوت هذه الصفات فيه وهو مخلوق يشبه غيره، زيد وعمرو، زيد له وجه وعمرو له وجه، هل نقول: أن وجه زيد مثل وجه عمرو؟ وهذا مخلوق وهذا مخلوق، كل له ما يخصه، هل سمع زيد مثل سمع عمرو؟ لا، هذا له ما يخصه، وهذا له ما يخصه، فضلاً عن أن ننتقل إلى المخلوقات الأخرى، فالإنسان له وجه والحمار له وجه، والكلب له وجه، والقرد له وجه، والنملة لها وجه، وهي مخلوقات، تشترك، قاسمها المشترك أنها كلها مخلوقة ومرئية ومتصورة، ومع ذلك هذا التفاوت الكبير بين هذه المخلوقات، فكيف بالتفاوت بين الخالق والمخلوق؟. طالب: هم أثبتوا أن الله تعالى نور لا كالأنوار، ما يكون بناءً على فهم لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [(١١) سورة الشورى]؟. هذا الإثبات صحيح، نور لا كالأنوار صحيح، سمع لا كالأسماع، بصر لا كالأبصار، يعني لله -جل وعلا- ما يليق به. طالب: يعني ليس هناك محذور في هذا؟ ما في إشكال، مسألة الجسم هذا الذي فيه كلام. طالب: لأنه قال يا شيخ: "وهذا كله محال على الله تعالى عقلاً ونقلاً".

стр. 237

هذا عندهم، عندهم لما تصوروا فيما ورد عن الله في كتابه ولسان النبي ﵊ تصوروا أنه لا بد أن يكون مثلما يعرف عن المخلوق، فهذا محال، إذا قلنا أنه نور مثل نور المخلوق، مثل نور الشمس، ومثل نور القمر، ومثل نور الكهرباء، هذا محال؛ لأن الله -جل وعلا- ليس كمثله شيء، فهم ما تصوروا في النور غير هذا، وقل مثل هذا في السمع، قالوا: سمعه مثل سمع البشر، إذا أثبتنا له سمع صار مثل سمع المخلوق، فلا بد أن ننفيه، والله -جل وعلا- ليس كمثله شيء، فالدخل عليهم دخل عليهم من هذه الناحية، فهم شبهوا أولاً، تصوروا المشابهة، ثم انتقلوا منها إلى التعطيل الذي هو على حد زعمهم التنزيه. طالب: الآن المؤلف ينتقد كلام هشام الجوالقي الذي يقول: هو نور لا كالأنوار وجسم لا كالأجسام، يقول: وهذا كله محال على الله أليست هذه. . . . . . . . .؟ لا؛ لأنه يرى أن هذا تناقض، ما دام أثبت أنه نور، لا بد أن يكون كالأنوار –عندهم-، أثبت أنه كالأنوار. طالب: هذا كلام من؟ وأين؟ طالب: "هذا كله مخالف ... " تابع لكلام من؟ هذا كلام القرطبي، هشام الجوالقي ومجموعة مجسمة معروف أنهم مشبهة، لكن كلامه هنا حق، نور ليس كالأنوار، سمع لا كالأسماع، بصر لا كالأبصار، لا يشبه المخلوقين. طالب: لا كالأنوار -يا شيخ- لا يوجد فيه نفي هنا. هو نور، أثبت كما أثبت الله لنفسه، لا كالأنوار نفى المشابهة، ما في إشكال ((نور أنى أراه)) والله -جل وعلا- كما جاء في الحديث الصحيح ((حجابه النور)) وفي رواية: ((النار)). طالب: هل يفهم من كلام القرطبي النفي؟ نعم ينفي قطعاً، هذه جادة عندهم، هو أشعري. طالب: يفهم من قوله لله تعالى نور من جهة المدح أنه. . . . . . . . . نور معنوي فقط، لأنه منور الكون.

стр. 238

واختلف العلماء في تأويل هذه الآية فقيل: المعنى أي به وبقدرته أنارت أضواؤها، واستقامت أمورها وقامت مصنوعاتها، فالكلام على التقريب للذهن، كما يقال: الملك نور أهل البلد، أي به قِوام أمرها، وصلاح جملتها، لجريان أموره على سنن السداد، فهو في الملك مجاز، وهو في صفة الله حقيقة محضة، إذ هو الذي أبدع الموجودات، وخلق العقل نوراً هادياً؛ لأن ظهور الموجود به حصل كما حصل بالضوء ظهور المبصرات تبارك الله تعالى لا رب غيره، قال معناه مجاهد والزهري وغيرهما، قال ابن عرفة: أي منور السموات والأرض، كذا قال الضحاك والقرظي، كما يقولون: فلان غياثنا، أي مغيثنا، وفلان زادي، أي مزودي، قال جرير: وأنت لنا نور وغيث وعصمةٌ ... ونبت لمن يرجو نداك وريقُ أي ذو ورق، وقال مجاهد: مدبر الأمور في السموات والأرض، أبي بن كعب والحسن وأبو العالية: مزين السموات بالشمس والقمر والنجوم، ومزين الأرض بالأنبياء والعلماء والمؤمنين، وقال ابن عباس وأنس: المعنى الله هادي أهل السموات والأرض، والأول أعم للمعاني، وأصح مع التأويل. قوله تعالى: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ [(٣٥) سورة النور] أي صفة دلائله التي يقذفها في قلب المؤمن، والدلائل تسمى نوراً، وقد سمى الله تعالى كتابه نوراً، فقال: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا﴾ [(١٧٤) سورة النساء] وسمى نبيه نوراً، فقال: ﴿قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ﴾ [(١٥) سورة المائدة] وهذا لأن الكتاب يهدي ويبين، وكذلك الرسول، ووجه الإضافة إلى الله تعالى أنه مثبت الدلالة ومبينها وواضعها، وتحتمل الآية معنى آخر ليس فيه مقابلة جزء من المثال بجزء من الممثل به، بل وقع التشبيه فيه جملةً بجملة، وذلك أن يريد مثل نور الله الذي هو هداه وإتقانه صنعة كل مخلوق، وبراهينه الساطعة على الجملة، كهذه الجملة من النور الذي تتخذونه أنتم على هذه الصفة التي هي أبلغ صفات النور الذي بين أيدي الناس، فمثل نور الله في الوضوح كهذا الذي هو منتهاكم أيها البشر.

стр. 239

والمشكاة: الكوة في الحائط غير النافذة، قاله ابن جبير وجمهور المفسرين، وهي أجمع للضوء، والمصباح فيها أكثر إنارة منه في غيرها، وأصلها الوعاء يجعل فيه الشيء، والمشكاة وعاء من أدم، كالدلو يبرد فيه الماء، وهو على وزن مفعلة كالمقراة والمصفاة، قال الشاعر: كأن عينيه مشكاتان من حجرٍ ... قيضا اقتياضاً بأطراف المناقير وقيل: المشكاة عمود القنديل الذي فيه الفتيلة، وقال مجاهد: هي القنديل. وقال: ﴿فِي زُجَاجَةٍ﴾ [(٣٥) سورة النور] لأنه جسم شفاف، والمصباح فيه أنور منه في غير الزجاج والمصباح: الفتيل بناره. ﴿كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ [(٣٥) سورة النور] أي في الإنارة والضوء، وذلك يحتمل معنيين: إما أن يريد أنها بالمصباح كذلك، وإما أن يريد أنها في نفسها لصفائها وجودة جوهرها كذلك، وهذا التأويل أبلغ في التعاون على النور، قال الضحاك: الكوكب الدري هو الزهرة. قوله تعالى: ﴿يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ﴾ أي من زيت شجرة فحذف المضاف، والمباركة المنماة، والزيتون من أعظم الثمار نماء، والرمان كذلك، والعيان يقتضي ذلك، وقول أبي طالب يرثي مسافر بن أبي عمرو بن أمية بن عبد شمس: ليت شعري مسافر بن أبي عمرو ... وليت يقولها المحزون بورك الميت الغريب كما بورك ... نبع الرمان والزيتون طالب: هذه اللفظة -يا شيخ- (والمعسان) قال في الحاشية: هكذا وردتها هذه الكلمة في بعض نسخ الأصل وفي بعضها والمعنيان يقتضي، ولعلها: والمعنى يقتضي. والعيان يقتضي ذلك، يعني المشاهدة، الواقع يشهد بذلك. وقيل: من بركتهما أن أغصانهما تورق من أسفلها إلى أعلاها، وقال ابن عباس: في الزيتونة منافع يسرج بالزيت، وهو إدام ودهان ودباغ، ووقود يوقد بحطبه وتفله، وليس فيه شيء إلا وفيه منفعة، حتى الرماد يغسل به الأبريسم، وهي أول شجرة نبتت في الدنيا، وأول شجرة نبتت بعد الطوفان، وتنبت في منازل الأنبياء، والأرض المقدسة، ودعا لها سبعون نبياً بالبركة، منهم إبراهيم ومنهم محمد -صلى الله عليهما وسلم- فإن النبي ﷺ قال: ((اللهم بارك في الزيت والزيتون)) قاله مرتين. مخرج؟

стр. 240

طالب: قال لم أجده بهذا اللفظ وتقدم في الزيتون والزيت أحاديث كثيرة في. . . . . . . . . سورة النور. قوله: في تفسير قول الله -جل وعلا-: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ مثل نوره: النور نور الرب -جل وعلا-، ولكن هل المقصود به في مثل هذه الإضافة المنفصل عنه أو المتصل به؟ لأن ابن القيم أيضاً يفسر مثل هذا التفسير، مثل تفسير القرطبي، يقول: مثل نوره في قلب عبده المؤمن، يعني نور الله الذي يقذفه في قلب عبده المؤمن ويكون هذا بالدلائل من الكتاب والسنة، وبالإتباع والإخلاص يكون النور في قلب العبد، وهذا يرجحه التشبيه بالمشكاة، فالمشكاة وعاء فيها هذا النور، والقلب وعاء فيه هذا النور الذي يقذفه الله -جل وعلا-، فالتأويل على هذا مستقيم، وخص الزيتون لا شك أنه مبارك، يوقد من شجرةٍ مباركة. وقد رأى كما ذكر الحافظ ابن كثير ﵀ في تاريخه رجل مريض رأى رجلاً في المنام يقول له: شفاؤك في لا ولا، فذهب إلى عابر فقال: الزيتون ﴿لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ شفاؤك في لا ولا، فوصف له الزيتون؛ لأن الله -جل وعلا- يقول: ﴿لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ يعني هل هذا التأويل الذي ذكره المؤلف وابن القيم كذلك يكون معارض لما تقدم مما يليق بالله -جل وعلا-؟ يعني الذي يضاف إلى الله -جل وعلا- نوره مثلاً، بيته، دابة الله، الدابة، البيت، فإذا كان معنىً من المعاني له حكم، وإن كان جسماً من الأجسام له حكم، والنور يحتمل أن يكون معنى وأن يكون جسماً، فمثل نوره مثل مثل بيته، النور المنفصل مثل بيت المخلوق المبدَع المنشئ، هذا النور الذي يقذفه الله -جل وعلا- في قلب عبده المؤمن لأنه اقترن بالتشبيه الذي فيه: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ والله -جل وعلا- قال عن نفسه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [(١١) سورة الشورى] وما يقال في ذاته يقال في صفاته، ليس كمثله شيء في ذاته ولا في صفاته، وما دام ثبت هذا التمثيل لا بد أن يكون غير المتصف به -جل وعلا-؛ لأن الله -جل وعلا- ليس كمثله شيء.

стр. 241

قوله تعالى: ﴿لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ اختلف العلماء في قوله تعالى: ﴿لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ فقال ابن عباس وعكرمة وقتادة وغيرهم: الشرقية التي تصيبها الشمس إذا شرقت، ولا تصيبها إذا غربت؛ لأن لها ستراً والغربية عكسها، أي أنها شجرة في صحراء ومنكشف من الأرض، لا يواريها عن الشمس شيء، وهو أجود لزيتها .. يعني تصيبها الشمس من الشرق والغرب، ومن جميع الجهات، أما إذا كانت بحذاء الجدار الغربي فإنها شرقية تصيبها الشمس من جهة الشرق فقط، وإذا كانت بحذاء الجدار الشرقي صارت غربية، تصيبها الشمس إذا غربت، وهكذا، وأما هذه التي أشير إليها فإنها تصيبها الشمس في طلوعها ومغربها. طالب: يا شيخ الجدار الشرقي؟ إي جدار شرقي؟ الآن لو جبنا زيتون وفرضنا أن هذا مكشوف، تضربه الشمس، وزرعناها هنا، تضربها الشمس إذا طلعت؟ طالب: لا. إذاً هي غربية وليست شرقية؛ لأنها تضربها الشمس إذا غربت، وقل مثل هذا لو زرعناها هناك عندك الجدار الثاني، أي جدارٍ كان. فليست خالصةً للشرق فتسمى شرقية، ولا للغرب فتسمى غربية، بل هي شرقية غربية، وقال الطبري عن ابن عباس: إنها شجرة في دوحة قد أحاطت بها فهي غير منكشفة من جهة الشرق ولا من جهة الغرب، قال ابن عطية: وهذا قول لا يصح عن ابن عباس؛ لأن الثمرة التي بهذه الصفة يفسد جناها، وذلك مشاهد في الوجود، وقال الحسن: ليست هذه الشجرة من شجر الدنيا، إنما هو مثل ضربه الله تعالى لنوره، ولو كانت في الدنيا لكانت إما شرقية وأما غربية، قال الثعلبي: وقد أفصح القرآن بأنها من شجر الدنيا؛ لأنها بدل من الشجرة، فقال: ﴿زَيْتُونِةٍ﴾ وقال ابن زيد: إنها من شجر الشام، فإن شجر الشام لا شرقي ولا غربي، وشجر الشام هو أفضل الشجر، وهي الأرض المباركة، وشرقية نعت لـ ﴿زَيْتُونِةٍ﴾ و ﴿لا﴾ ليست تحول بين النعت والمنعوت، و ﴿وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ عطف عليه ..

стр. 242

يعني: إذا قلنا: أنها من شجر الشام، فالشام في وسط الأرض ليس في شرقها ولا في غربها، ليست من شجر المغرب، وليست من شجر المشرق كالهند والصين وباكستان، وما أشبه ذلك، فهي في وسط الأرض، وهي الأرض المباركة على هذا التقدير، وأما على القول الأول أنها في أي بلدٍ كان مباركة، على القول الثاني لا بركة إلا في زيتون الشام؛ لأنها في الوسط لا شرقية ولا غربية، وعلى القول الأول أنها الغربية التي تصيبها الشمس إذا غربت، والشرقية تصيبها الشمس إذا شرقت، والشجرة المباركة ليست كذلك، فتكون في أي أرضٍ زرعت مباركة. قد يقول قائل: لماذا لا نقول في قوله -جل وعلا-: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ﴾؟ وهذا التشبيه إنما هو لمجرد التقريب ولبيان الحقيقة، يعني مثلما جاء في الحديث: كان الله سمعياً بصيراً، وضع إصبعه على عينه، والأخرى على سمعه، وهذا لا يقتضي التشبيه، وإنما ليدل أن الكلام على حقيقته كما أن بصر المخلوق وسمع المخلوق حقيقة، ولا يقتضي هذا المشابهة، وإنما الاشتراك في أصل الحقيقة. قوله تعالى: ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾ مبالغةً في حسنه وصفائه وجودته. ﴿نُّورٌ عَلَى نُورٍ﴾ أي اجتمع في المشكاة ضوء المصباح إلى ضوء الزجاجة وإلى ضوء الزيت فصار لذلك نور على نور، واعتقلت هذه الأنوار في المشكاة فصارت كأنور ما يكون، فكذلك براهين الله تعالى واضحة وهي برهان بعد برهان، وتنبيه بعد تنبيه، كإرساله الرسل وإنزاله الكتب ومواعظ تتكرر فيها لمن له عقل معتبر، ثم ذكر تعالى هداه لنوره من شاء، وأسعد من عباده، وذكر تفضله للعباد في ضرب الأمثال لتقع لهم العبرة والنظر المؤدي إلى الإيمان.

стр. 243

وقرأ عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة وأبو عبد الرحمن السلمي ﴿الله نَوَّر﴾ بفتح النور والواو المشددة واختلف المتأولون في عود الضمير في ﴿نُورِهِ﴾ على من يعود؟ فقال كعب الأحبار وابن جبير: هو عائد على محمد ﷺ أي مثل نور محمد ﷺ ، قال ابن الأنباري: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ وقف حسن ثم تبتدئ ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ على معنى نور محمد ﷺ ، وقال أبي بن كعب وابن جبير أيضاً والضحاك: هو عائد على المؤمنين، وفي قراءة أبي: مثل نور المؤمنين، وروي أن في قراءته: مثل نور المؤمن، وروي أن فيها: مثل نور من آمن به، وقال الحسن: هو عائد على القرآن والإيمان، قال مكي: وعلى هذه الأقوال يوقف على قوله: ﴿وَالْأَرْضِ﴾ قال ابن عطية: وهذه الأقوال فيها عود الضمير على من لم يجر له ذكر، وفيها مقابلة جزء من المثال .. ولا مانع أن يعود الضمير على ما لم يجر له ذكر إذا لم يحصل لبس، إذا كان معلوماً لدى المخاطب. وفيها مقابلة جزء من المثال بجزء من الممثل، فعلى من قال: الممثل به محمد ﷺ وهو قول كعب الحِبر، فرسول الله ﷺ .. نعم، أهل اللغة يكسرون الحاء، قول أكثر اللغويين يقولون: حِبر، واحد الأحبار، والمحدثون يفتحونها فيقولونها: حَبر، واحد الأحبار حَبر. هو المشكاة أو صدره، والمصباح هو النبوة وما يتصل بها من عمله وهداه، والزجاجة قلبه، والشجرة المباركة هي الوحي، والملائكة رسل الله إليه، وسببه المتصل به، والزيت هو الحجج والبراهين والآيات التي تضمنها الوحي.

стр. 244

ومن قال: الممثل به المؤمن، وهو قول أبي، فالمشكاة صدره، والمصباح الإيمان والعلم، والزجاجة قلبه، وزيتها هو الحجج والحكمة التي تضمنها، قال أبي: فهو على أحسن الحال يمشي في الناس كالرجل الحي يمشي في قبور الأموات، ومن قال: إن الممثل به هو القرآن والإيمان فتقدير الكلام: مثل نوره الذي هو الإيمان في صدر المؤمن في قلبه كمشكاة، أي كهذه الجملة، وهذا القول ليس في مقابلة التشبيه كالأولين؛ لأن المشكاة ليست تقابل الإيمان، وقالت طائفة: الضمير في ﴿نُورِهِ﴾ عائد على الله تعالى، وهذا قول ابن عباس فيما ذكر الثعلبي والماوردي والمهدوي، وقد تقدم معناه، ولا يوقف على هذا القول على ﴿الْأَرْضِ﴾ قال المهدوي: الهاء لله والتقدير: الله هادي أهل السموات والأرض مثل هداه في قلوب المؤمنين كمشكاة، وروي ذلك عن ابن عباس، وكذلك قال زيد بن أسلم والحسن: إن الهاء لله ، وكان أبي وابن مسعود يقرءآنها مثل نوره في قلب المؤمن كمشكاة، قال محمد بن علي الترمذي: الحكيم، صاحب نوادر الأصول. فأما غيرهما فلم يقرءآها في التنزيل هكذا، وقد وافقهما في التأويل أن ذلك نوره في قلب المؤمن وتصديقه في آية أخرى، يقول: ﴿أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ﴾ [(٢٢) سورة الزمر] واعتل الأولون بأن قالوا: لا يجوز أن يكون الهاء لله ؛ لأن الله لا حد لنوره، وأمال الكسائي فيما روى عنه أبو عمرو الدوري الألف من ﴿مِشْكَاةٍ﴾ وكسر الكاف التي قبلها.

стр. 245

وقرأ نصر وعاصم ﴿زَجاجة﴾ بفتح الزاي و ﴿الزَجاجة﴾ كذلك، وهي لغة، وقرأ ابن عامر وحفص عن عاصم ﴿دري﴾ بضم الدال وشد الياء، ولهذه القراءة وجهان: إما أن ينسب الكوكب إلى الدر لبياضه وصفاته، وإما أن يكون أصله دريء مهموز، فعيل من الدرء، وهو الدفع، وخففت الهمزة، ويقال للنجوم العظام التي لا تعرف أسماؤها: الدراري، بغير همز، فلعلهم خففوا الهمزة، والأصل من الدرء الذي هو الدفع، وقرأ حمزة وأبو بكر عن عاصم دريء بالهمز والمد، وهو فعيل من الدرء بمعنى أنها يدفع بعضها بعضاً، وقرأ الكسائي وأبو عمرو دريء بكسر الدال والهمز من الدرء والدفع مثل السكير والفسيق .. يكون للمبالغة، التضعيف هذا للمبالغة. قال سيبويه: أي يدفع بعض ضوئه بعضاً من لمعانه، قال النحاس: وضعف أبو عبيد قراءة أبي عمرو والكسائي تضعيفاً شديداً؛ لأنه تأولها من درأت أي دفعت، أي كوكب يجري من الأفق إلى الأفق وإذا كان التأويل على ما تأوله لم يكن في الكلام فائدة، ولا كان لهذا الكوكب مزية على أكثر الكواكب، ألا ترى أنه لا يقال: جاءني إنسان من بني آدم، ولا ينبغي أن يتأول لمثل أبي عمرو والكسائي مع علمهما وجلالتهما هذا التأويل البعيد، ولكن التأويل لهما على ما روي عن محمد بن يزيد أن معناهما في ذلك: كوكب مندفع بالنور، كما يقال: اندرأ الحريق: أي اندفع، وهذا تأويل صحيح لهذه القراءة، وحكى سعيد بن مسعدة أنه يقال: الأول محمد بن يزيد المعروف بالمبرد، والثاني سعيد بن مسعدة المجاشعي، الأخفش الأوسط.

стр. 246

وحكى سعيد بن مسعدة أنه يقال: درأ الكوكب بضوئه إذا امتد ضوءه وعلا، وقال الجوهري في الصحاح: ودرأ علينا فلان يدرأ دروءاً، أي طلع مفاجأة، ومنه كوكب دريء على فعيل مثل سكير وخمير؛ لشدة توقده وتلألؤه، وقد درأ الكوكب دروءاً، وقال أبو عمرو بن العلاء: سألت رجلاً من سعد بن بكر من أهل ذات عرق فقلت: هذا الكوكب الضخم ما تسمونه؟ قال: الدريء، وكان من أفصح الناس، قال النحاس: فأما قراءة حمزة فأهل اللغة جميعاً قالوا: هي لحن لا تجوز؛ لأنه ليس في كلام العرب اسم على فعيل، وقد اعترض أبو عبيد في هذا فاحتج لحمزة فقال: ليس هو فعيل، وإنما هو فعول مثل سبوح أبدل من الواو ياء كما قالوا: عتي، قال أبو جعفر النحاس: وهذا الاعتراض والاحتجاج من أعظم الغلط وأشده؛ لأن هذا لا يجوز البتة ولو جاز ما قال: لقال في سبوح: سبيح، وهذا لا يقوله أحد، وليس عتوي من هذا، والفرق بينهما واضح بين؛ لأنه ليس يخلو عتوي من إحدى جهتين: إما أن يكون جمع عاتٍ فيكون البدل فيه لازماً؛ لأن الجمع باب تغيير، والواو لا تكون طرفاً في الأسماء وقبلها ضمة، فلما كان قبل هذه ساكن، وقبل الساكن ضمة، والساكن ليس بحاجز حصين، أبدل من الضمة كسرة فقلبت الواو ياء، وإن كان عتي واحداً كان بالواو أولى، وجاز قلبها؛ لأنها طرف، والواو في فعول ليست طرفاً فلا يجوز قلبها، قال الجوهري: قال أبو عبيد: إن ضممت الدال قلت: دري يكون منسوباً إلى الدر على فعلي ولم تهمزه؛ لأنه ليس في كلام العرب فعيل، ومن همزه من القراء فإنما أراد فعولاً، مثل سبوح، فاستثقل لكثرة الضمات فرد بعضه إلى الكسر، وحكى الأخفش عن بعضهم دريء من درأته وهمزها وجعلها على فعيل مفتوحة الأول، قال: وذلك من تلألئه، قال الثعلبي: وقرأ سعيد بن المسيب وأبو رجاء دَريء بفتح الدال مهموزاً، قال أبو حاتم: هذا خطأ لأنه ليس في الكلام فعيل فإن صح عنهما فهما حجة. إن صح عنهما فهما حجة، يكون موجود في كلام العرب، ونفي أبي حاتم لأنه لم يطلع على هذا.

стр. 247

﴿يُوقَدُ﴾ قرأ شيبة ونافع وأيوب وسلام وابن عامر وأهل الشام وحفص ﴿يوقد﴾ بياء مضمومة وتخفيف القاف وضم الدال، وقرأ الحسن والسلمي وأبو جعفر وأبو عمرو بن العلاء البصري ﴿توقد﴾ مفتوحة الحروف كلها مشددة القاف، واختارها أبو حاتم وأبو عبيد، قال النحاس: وهاتان القراءتان متقاربتان؛ لأنهما جميعاً للمصباح .. وإذا أوقد المصباح توقّد، فلا اختلاف بينهما. وهو أشبه بهذا الوصف؛ لأنه الذي ينير ويضيء، وإنما الزجاجة وعاء له، و ﴿توقد﴾ فعل ماض من توقد يتوقد، ويوقد فعل مستقبل من أوقد يوقد، وقرأ نصر بن عاصم: ﴿توقد﴾ والأصل على قراءته تتوقد حذف إحدى التاءين؛ لأن الأخرى تدل عليها، وقرأ الكوفيون ﴿توقد﴾ بالتاء يعنون الزجاجة فهاتان القراءتان على تأنيث الزجاجة ﴿مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ تقدم القول فيه. ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ﴾ على تأنيث النار، وزعم أبو عبيد أنه لا يعرف إلا هذه القراءة، وحكى أبو حاتم أن السدي روى عن أبي مالك عن ابن عباس أنه قرأ ﴿ولو لم يمسسه نار﴾ بالياء، قال محمد بن يزيد: التذكير على أنه تأنيث غير حقيقي، وكذا سبيل المؤنث عنده .. إذا كان غير حقيقي، يجوز تذكيره وتأنيثه، تقول: طلعت الشمس، وطلع الشمس. طالب: الضابط في التذكير والتأنيث ما هو؟ يقول: ما له فرج حقيقي، وما لا فرج له ليس بحقيقي، مجاز يسمونه.

стр. 248

وقال ابن عمر: المشكاة جوف محمد ﷺ ، والزجاجة قلبه، والمصباح النور الذي جعله الله تعالى في قلبه، يوقد من شجرة مباركة: أي أن أصله من إبراهيم وهو شجرته، فأوقد الله تعالى في قلب محمد ﷺ النور كما جعله في قلب إبراهيم ﵇، وقال محمد بن كعب: المشكاة إبراهيم، والزجاجة إسماعيل، والمصباح محمد -صلوات الله عليهم أجمعين-، سماه الله تعالى مصباحاً كما سماه سراجاً، فقال: ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا﴾ [(٤٦) سورة الأحزاب] يوقد من شجرة مباركة وهي آدم ﵇ بورك في نسله، وكثر منه الأنبياء والأولياء، وقيل: هي إبراهيم ﵇ سماه الله تعالى مباركاً؛ لأن أكثر الأنبياء كانوا من صلبه. ﴿لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ أي لم يكن يهودياً ولا نصرانياً، وإنما كان حنيفاً مسلماً، وإنما قال ذلك؛ لأن اليهود تصلي قبل المغرب، والنصارى تصلي قبل المشرق. ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ﴾ أي يكاد محاسن محمد ﷺ تظهر للناس قبل أن أوحى الله تعالى إليه. ﴿نُّورٌ عَلَى نُورٍ﴾ نبي من نسل نبي، وقال الضحاك: شبه عبد المطلب بالمشكاة، وعبد الله بالزجاجة، والنبي ﷺ بالمصباح كان في قلبهما فورث النبوة من إبراهيم. هذا الكلام لا أصل له، سواءً هذا والذي قبله عن محمد بن كعب، يعني هذه أمور معاني شبهت معاني، والمشبه بها أجساد. ﴿مِن شَجَرَةٍ﴾ أي شجرة التقى والرضوان وعشيرة الهدى والإيمان، شجرة أصلها نبوة، وفرعها مروءة وأغصانها تنزيل، وورقها تأويل، وخدمها جبريل وميكائيل، قال القاضي أبو بكر ابن العربي: ومن غريب الأمر أن بعض الفقهاء قال: إن هذا مثل ضربه الله تعالى لإبراهيم ومحمد ولعبد المطلب وابنه عبد الله، فالمشكاة هي الكوة بلغة الحبشة، فشبَّه عبد المطلب بالمشكاة فيها القنديل وهو الزجاجة، وشبه عبد الله بالقنديل وهو الزجاجة، ومحمد كالمصباح يعني من أصلابهما، وكأنه كوكب دري وهو المشتري.

стр. 249

﴿يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ﴾ يعني إرث النبوة من إبراهيم ﵇ هو الشجرة المباركة يعني حنيفية لا شرقية ولا غربية، لا يهودية ولا نصرانية. ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾ يقول: يكاد إبراهيم يتكلم بالوحي من قبل أن يوحى إليه. ﴿نُّورٌ عَلَى نُورٍ﴾ إبراهيم ثم محمد ﷺ ، قال القاضي: وهذا كله عدول عن الظاهر، وليس يمتنع في التمثيل أن يتوسع المرء فيه. يعني يكون من باب التقريب، لا من باب التطبيق، يعني تقريب لأذهان السامعين في هذا التمثيل يمكن أن يتوسع به، أما تطبيق المثال على ما ذكر فلا. قلت: وكذلك في جميع الأقوال لعدم ارتباطه بالآية ما عدا القول الأول، وأن هذا مثل ضربه الله تعالى لنوره ولا يمكن أن يضرب لنوره المعظم مثلاً تنبيهاً لخلقه إلا ببعض خلقه؛ لأن الخلق لقصورهم لا يفهمون إلا بأنفسهم ومن أنفسهم، ولولا ذلك ما عرف الله إلا الله وحده، قاله ابن العربي، قال ابن عباس: هذا مثل نور الله، وهداه في قلب المؤمن كما يكاد الزيت الصافي يضيء قبل أن تمسه النار، فإن مسته النار زاد ضوؤه، كذلك قلب المؤمن يكاد يعمل بالهدى قبل أن يأتيه العلم فإذا جاءه العلم زاده هدىً على هدى، ونوراً على نور .. تشوفون في بعض المحلات الثريات هذه اللي ذات الأقيام المرتفعة جداً، تجدها مثلما قال الله : تكاد تضيء ولو لم يمسسها نار، يعني إن جئتها من جهة ظهر لها ألوان وأشكال وأنوار، ومن جهة أخرى كذلك، ومن جهة ثالثة كذلك، ثم إذا أشعلت فيها الأنوار زادت أنوارها، وهذا أيضاً مثال تقريبي. كقول إبراهيم من قبل أن تجيئه المعرفة: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ [(٧٦) سورة الأنعام] من قبل أن يخبره أحد أن له رباً، فلما أخبره الله أنه ربه زاد هدى، فقال له ربه: ﴿أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [(١٣١) سورة البقرة] ومن قال: إن هذا مثل للقرآن في قلب المؤمن قال: كما أن هذا المصباح يستضاء به ولا ينقص، فكذلك القرآن يهتدى به ولا ينقص، فالمصباح القرآن والزجاجة قلب المؤمن، والمشكاة لسانه وفهمه، والشجرة المباركة شجرة الوحي.

стр. 250

﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾ تكاد حجج القرآن تتضح ولو لم يقرأ ﴿نُّورٌ عَلَى نُورٍ﴾ يعني أن القرآن نور من الله تعالى لخلقه مع ما أقام لهم من الدلائل والإعلام قبل نزول القرآن فازدادوا بذلك نوراً على نور، ثم أخبر أن هذا النور المذكور عزيز، وأنه لا يناله إلا من أراد الله هداه، فقال: ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاء وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ﴾ أي يبيّن الأشباه تقريباً إلى الأفهام ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ أي بالمهدي والضال، وروي عن ابن عباس أن اليهود قالوا: يا محمد كيف يخلص نور الله تعالى من دون السماء؟ فضرب الله تعالى ذلك مثلاً لنوره. قوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ﴾ [(٣٦ - ٣٧) سورة النور] فيه تسع عشرة مسألة: الأولى: قوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ﴾ الباء في ﴿بيوت﴾ تضم وتكسر، وقد تقدم، واختلف في الفاء من قوله ﴿في﴾ فقيل: هي متعلقة بـ ﴿مصباح﴾ وقيل: بـ ﴿يُسَبِّحُ لَهُ﴾ فعلى هذا التأويل يوقف على ﴿عليم﴾ قال ابن الأنباري: سمعت أبا العباس يقول هو حال للمصباح والزجاجة والكوكب، كأنه قال: وهي في بيوت، وقال الترمذي الحكيم محمد بن علي: ﴿فِي بُيُوتٍ﴾ منفصل كأنه يقول: الله في بيوت أذن الله أن ترفع، وبذلك جاءت الأخبار أنه من جلس في المسجد فإنه يجالس ربه. ماذا قال؟ طالب: قال: مراده حديث: ((أنا جليس من ذكرني)) ونحوه. لا، هذا غير هذا، يعني لو ذكره في بيته صار جليساً له، لكن هذا في المسجد.
следующие страницы →