← Тафсир

Тафсир · id 26047

التعليق على تفسير القرطبي - عبد الكريم الخضير

عبد الكريم الخضير

Полный текст (585 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

وحكى سعيد بن مسعدة أنه يقال: درأ الكوكب بضوئه إذا امتد ضوءه وعلا، وقال الجوهري في الصحاح: ودرأ علينا فلان يدرأ دروءاً، أي طلع مفاجأة، ومنه كوكب دريء على فعيل مثل سكير وخمير؛ لشدة توقده وتلألؤه، وقد درأ الكوكب دروءاً، وقال أبو عمرو بن العلاء: سألت رجلاً من سعد بن بكر من أهل ذات عرق فقلت: هذا الكوكب الضخم ما تسمونه؟ قال: الدريء، وكان من أفصح الناس، قال النحاس: فأما قراءة حمزة فأهل اللغة جميعاً قالوا: هي لحن لا تجوز؛ لأنه ليس في كلام العرب اسم على فعيل، وقد اعترض أبو عبيد في هذا فاحتج لحمزة فقال: ليس هو فعيل، وإنما هو فعول مثل سبوح أبدل من الواو ياء كما قالوا: عتي، قال أبو جعفر النحاس: وهذا الاعتراض والاحتجاج من أعظم الغلط وأشده؛ لأن هذا لا يجوز البتة ولو جاز ما قال: لقال في سبوح: سبيح، وهذا لا يقوله أحد، وليس عتوي من هذا، والفرق بينهما واضح بين؛ لأنه ليس يخلو عتوي من إحدى جهتين: إما أن يكون جمع عاتٍ فيكون البدل فيه لازماً؛ لأن الجمع باب تغيير، والواو لا تكون طرفاً في الأسماء وقبلها ضمة، فلما كان قبل هذه ساكن، وقبل الساكن ضمة، والساكن ليس بحاجز حصين، أبدل من الضمة كسرة فقلبت الواو ياء، وإن كان عتي واحداً كان بالواو أولى، وجاز قلبها؛ لأنها طرف، والواو في فعول ليست طرفاً فلا يجوز قلبها، قال الجوهري: قال أبو عبيد: إن ضممت الدال قلت: دري يكون منسوباً إلى الدر على فعلي ولم تهمزه؛ لأنه ليس في كلام العرب فعيل، ومن همزه من القراء فإنما أراد فعولاً، مثل سبوح، فاستثقل لكثرة الضمات فرد بعضه إلى الكسر، وحكى الأخفش عن بعضهم دريء من درأته وهمزها وجعلها على فعيل مفتوحة الأول، قال: وذلك من تلألئه، قال الثعلبي: وقرأ سعيد بن المسيب وأبو رجاء دَريء بفتح الدال مهموزاً، قال أبو حاتم: هذا خطأ لأنه ليس في الكلام فعيل فإن صح عنهما فهما حجة. إن صح عنهما فهما حجة، يكون موجود في كلام العرب، ونفي أبي حاتم لأنه لم يطلع على هذا.

стр. 247

﴿يُوقَدُ﴾ قرأ شيبة ونافع وأيوب وسلام وابن عامر وأهل الشام وحفص ﴿يوقد﴾ بياء مضمومة وتخفيف القاف وضم الدال، وقرأ الحسن والسلمي وأبو جعفر وأبو عمرو بن العلاء البصري ﴿توقد﴾ مفتوحة الحروف كلها مشددة القاف، واختارها أبو حاتم وأبو عبيد، قال النحاس: وهاتان القراءتان متقاربتان؛ لأنهما جميعاً للمصباح .. وإذا أوقد المصباح توقّد، فلا اختلاف بينهما. وهو أشبه بهذا الوصف؛ لأنه الذي ينير ويضيء، وإنما الزجاجة وعاء له، و ﴿توقد﴾ فعل ماض من توقد يتوقد، ويوقد فعل مستقبل من أوقد يوقد، وقرأ نصر بن عاصم: ﴿توقد﴾ والأصل على قراءته تتوقد حذف إحدى التاءين؛ لأن الأخرى تدل عليها، وقرأ الكوفيون ﴿توقد﴾ بالتاء يعنون الزجاجة فهاتان القراءتان على تأنيث الزجاجة ﴿مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ تقدم القول فيه. ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ﴾ على تأنيث النار، وزعم أبو عبيد أنه لا يعرف إلا هذه القراءة، وحكى أبو حاتم أن السدي روى عن أبي مالك عن ابن عباس أنه قرأ ﴿ولو لم يمسسه نار﴾ بالياء، قال محمد بن يزيد: التذكير على أنه تأنيث غير حقيقي، وكذا سبيل المؤنث عنده .. إذا كان غير حقيقي، يجوز تذكيره وتأنيثه، تقول: طلعت الشمس، وطلع الشمس. طالب: الضابط في التذكير والتأنيث ما هو؟ يقول: ما له فرج حقيقي، وما لا فرج له ليس بحقيقي، مجاز يسمونه.

стр. 248

وقال ابن عمر: المشكاة جوف محمد ﷺ ، والزجاجة قلبه، والمصباح النور الذي جعله الله تعالى في قلبه، يوقد من شجرة مباركة: أي أن أصله من إبراهيم وهو شجرته، فأوقد الله تعالى في قلب محمد ﷺ النور كما جعله في قلب إبراهيم ﵇، وقال محمد بن كعب: المشكاة إبراهيم، والزجاجة إسماعيل، والمصباح محمد -صلوات الله عليهم أجمعين-، سماه الله تعالى مصباحاً كما سماه سراجاً، فقال: ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا﴾ [(٤٦) سورة الأحزاب] يوقد من شجرة مباركة وهي آدم ﵇ بورك في نسله، وكثر منه الأنبياء والأولياء، وقيل: هي إبراهيم ﵇ سماه الله تعالى مباركاً؛ لأن أكثر الأنبياء كانوا من صلبه. ﴿لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ أي لم يكن يهودياً ولا نصرانياً، وإنما كان حنيفاً مسلماً، وإنما قال ذلك؛ لأن اليهود تصلي قبل المغرب، والنصارى تصلي قبل المشرق. ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ﴾ أي يكاد محاسن محمد ﷺ تظهر للناس قبل أن أوحى الله تعالى إليه. ﴿نُّورٌ عَلَى نُورٍ﴾ نبي من نسل نبي، وقال الضحاك: شبه عبد المطلب بالمشكاة، وعبد الله بالزجاجة، والنبي ﷺ بالمصباح كان في قلبهما فورث النبوة من إبراهيم. هذا الكلام لا أصل له، سواءً هذا والذي قبله عن محمد بن كعب، يعني هذه أمور معاني شبهت معاني، والمشبه بها أجساد. ﴿مِن شَجَرَةٍ﴾ أي شجرة التقى والرضوان وعشيرة الهدى والإيمان، شجرة أصلها نبوة، وفرعها مروءة وأغصانها تنزيل، وورقها تأويل، وخدمها جبريل وميكائيل، قال القاضي أبو بكر ابن العربي: ومن غريب الأمر أن بعض الفقهاء قال: إن هذا مثل ضربه الله تعالى لإبراهيم ومحمد ولعبد المطلب وابنه عبد الله، فالمشكاة هي الكوة بلغة الحبشة، فشبَّه عبد المطلب بالمشكاة فيها القنديل وهو الزجاجة، وشبه عبد الله بالقنديل وهو الزجاجة، ومحمد كالمصباح يعني من أصلابهما، وكأنه كوكب دري وهو المشتري.

стр. 249

﴿يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ﴾ يعني إرث النبوة من إبراهيم ﵇ هو الشجرة المباركة يعني حنيفية لا شرقية ولا غربية، لا يهودية ولا نصرانية. ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾ يقول: يكاد إبراهيم يتكلم بالوحي من قبل أن يوحى إليه. ﴿نُّورٌ عَلَى نُورٍ﴾ إبراهيم ثم محمد ﷺ ، قال القاضي: وهذا كله عدول عن الظاهر، وليس يمتنع في التمثيل أن يتوسع المرء فيه. يعني يكون من باب التقريب، لا من باب التطبيق، يعني تقريب لأذهان السامعين في هذا التمثيل يمكن أن يتوسع به، أما تطبيق المثال على ما ذكر فلا. قلت: وكذلك في جميع الأقوال لعدم ارتباطه بالآية ما عدا القول الأول، وأن هذا مثل ضربه الله تعالى لنوره ولا يمكن أن يضرب لنوره المعظم مثلاً تنبيهاً لخلقه إلا ببعض خلقه؛ لأن الخلق لقصورهم لا يفهمون إلا بأنفسهم ومن أنفسهم، ولولا ذلك ما عرف الله إلا الله وحده، قاله ابن العربي، قال ابن عباس: هذا مثل نور الله، وهداه في قلب المؤمن كما يكاد الزيت الصافي يضيء قبل أن تمسه النار، فإن مسته النار زاد ضوؤه، كذلك قلب المؤمن يكاد يعمل بالهدى قبل أن يأتيه العلم فإذا جاءه العلم زاده هدىً على هدى، ونوراً على نور .. تشوفون في بعض المحلات الثريات هذه اللي ذات الأقيام المرتفعة جداً، تجدها مثلما قال الله : تكاد تضيء ولو لم يمسسها نار، يعني إن جئتها من جهة ظهر لها ألوان وأشكال وأنوار، ومن جهة أخرى كذلك، ومن جهة ثالثة كذلك، ثم إذا أشعلت فيها الأنوار زادت أنوارها، وهذا أيضاً مثال تقريبي. كقول إبراهيم من قبل أن تجيئه المعرفة: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ [(٧٦) سورة الأنعام] من قبل أن يخبره أحد أن له رباً، فلما أخبره الله أنه ربه زاد هدى، فقال له ربه: ﴿أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [(١٣١) سورة البقرة] ومن قال: إن هذا مثل للقرآن في قلب المؤمن قال: كما أن هذا المصباح يستضاء به ولا ينقص، فكذلك القرآن يهتدى به ولا ينقص، فالمصباح القرآن والزجاجة قلب المؤمن، والمشكاة لسانه وفهمه، والشجرة المباركة شجرة الوحي.

стр. 250

﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾ تكاد حجج القرآن تتضح ولو لم يقرأ ﴿نُّورٌ عَلَى نُورٍ﴾ يعني أن القرآن نور من الله تعالى لخلقه مع ما أقام لهم من الدلائل والإعلام قبل نزول القرآن فازدادوا بذلك نوراً على نور، ثم أخبر أن هذا النور المذكور عزيز، وأنه لا يناله إلا من أراد الله هداه، فقال: ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاء وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ﴾ أي يبيّن الأشباه تقريباً إلى الأفهام ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ أي بالمهدي والضال، وروي عن ابن عباس أن اليهود قالوا: يا محمد كيف يخلص نور الله تعالى من دون السماء؟ فضرب الله تعالى ذلك مثلاً لنوره. قوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ﴾ [(٣٦ - ٣٧) سورة النور] فيه تسع عشرة مسألة: الأولى: قوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ﴾ الباء في ﴿بيوت﴾ تضم وتكسر، وقد تقدم، واختلف في الفاء من قوله ﴿في﴾ فقيل: هي متعلقة بـ ﴿مصباح﴾ وقيل: بـ ﴿يُسَبِّحُ لَهُ﴾ فعلى هذا التأويل يوقف على ﴿عليم﴾ قال ابن الأنباري: سمعت أبا العباس يقول هو حال للمصباح والزجاجة والكوكب، كأنه قال: وهي في بيوت، وقال الترمذي الحكيم محمد بن علي: ﴿فِي بُيُوتٍ﴾ منفصل كأنه يقول: الله في بيوت أذن الله أن ترفع، وبذلك جاءت الأخبار أنه من جلس في المسجد فإنه يجالس ربه. ماذا قال؟ طالب: قال: مراده حديث: ((أنا جليس من ذكرني)) ونحوه. لا، هذا غير هذا، يعني لو ذكره في بيته صار جليساً له، لكن هذا في المسجد.

стр. 251

وكذا ما جاء في الخبر فيما يحكى عن التوراة: أن المؤمن إذا مشى إلى المسجد قال الله -تبارك اسمه-: عبدي زارني، وعلي قراه، ولن أرضى له قرىً دون الجنة. قال ابن الأنباري: إن جعلت ﴿في﴾ متعلقة بـ ﴿يسبح﴾ أو رافعة للرجال حسن الوقف على قوله: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ وقال الرماني: هي متعلقة بـ ﴿يوقد﴾ وعليه فلا يوقف على ﴿عليم﴾ فإن قيل: فما الوجه إذا كانت البيوت متعلقة ب ﴿يوقد﴾ في توحيد المصباح والمشكاة وجمع البيوت، ولا يكون مشكاةً واحدة إلا في بيت واحد؟ قيل: هذا من الخطاب المتلون الذي يفتح بالتوحيد، ويختم بالجمع، كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء﴾ [(١) سورة الطلاق] ونحوه وقيل: رجع إلى كل واحد من البيوت، وقيل: هو كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ [(١٦) سورة نوح] وإنما هو في واحدة منها. واختلف الناس في البيوت هنا على خمسة أقوال: الأول: أنها المساجد المخصوصة لله تعالى بالعبادة، وأنها تضيء لأهل السماء، كما تضيء النجوم لأهل الأرض، قاله ابن عباس ومجاهد والحسن. وهي المأمور برفعها –يعني ببنائها-. الثاني: هي بيوت بيت المقدس عن الحسن أيضاً، الثالث: بيوت النبي ﷺ عن مجاهد أيضاً، الرابع: هي البيوت كلها قاله عكرمة، وقوله: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ [(٣٦) سورة النور] يقوي أنها المساجد .. نعم، وأما البيوت كلها فلا فضل لها ولا مزية على البراري والقفار، أنما المراد بها المساجد التي أمر الله ببنائها، وتسبيح الله -جل وعلا- بالصلوات والأذكار في الغدو والآصال.

стр. 252

وقول خامس: أنها المساجد الأربعة التي لم يبنها إلا نبي: الكعبة، وبيت أريحا، ومسجد المدينة، ومسجد قباء، قاله ابن بريدة، وقد تقدم ذلك في (براءة). قلت: الأظهر القول الأول، لما رواه أنس بن مالك عن رسول الله ﷺ قال: ((من أحب الله فليحبني، ومن أحبني فليحب أصحابي، ومن أحب أصحابي فليحب القرآن، ومن أحب القرآن فليحب المساجد، فإنها أفنية الله أبنيته، أذن الله في رفعها، وبارك فيها، ميمونة ميمون أهلها، محفوظة محفوظ أهلها، هم في صلاتهم والله في حوائجهم، هم في مساجدهم، والله من ورائهم)). ماذا قال عنه؟ طالب: قال: باطل، أخرجه ابن عدي في الكامل من حديث ابن عباس وأعله بموسى بن عبد الرحمن الثقفي وذكر له أحاديث أخر وقال: هذه بواطيل، ووافقه الذهبي في الميزان وفي بيسان قال: ابن حبان: هو دجال وضعيف ذكره في التفسير. لكن حديث أنس؟ وعزاه لأنس؟ طالب: هو هذا حديث أنس. أنت قلت: من حديث ابن عباس؟ عند ابن عدي من حديث ابن عباس؟ طالب: أخرجه ابن عدي في الكامل من حديث ابن عباس. على كل حال لو روي من طريقٍ آخر مثله ما يستفيد، ما دام باطل ما يستفيد، ما يرتقي. الثانية: قوله تعالى: ﴿أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ﴾ [(٣٦) سورة النور] ﴿أَذِنَ﴾ معناه أمر وقضى وحقيقة الإذن العلم والتمكين دون حظر، فإن اقترن بذلك أمر وإنفاذ كان أقوى و ﴿تُرْفَعَ﴾ قيل: معناه تبنى وتعلى، قاله مجاهد وعكرمة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ﴾ [(١٢٧) سورة البقرة] وقال ﷺ : ((من بنى مسجداً من ماله بنى الله له بيتاً في الجنة)) وفي هذا المعنى أحاديث كثيرة تحض على بنيان المساجد .. حتى عدّ من المتواتر، عدّوه من المتواتر. مما تواتر حديث من كذب ... ومن بنى لله بيتاً واحتسب طالب: الذي يبني مسجد ويكتب عليه اسمه؟ يقول ابن الجوزي ما له من الأجر إلا هذا الاسم، يقول: ليس له إلا هذا الاسم –يكفيه-. طالب: بعضهم يكتب اسمه يقول حتى إذا شاهده الناس يدعو لي ويستغفر لي. يدعو لمن بناه، لا يسمي نفسه، يقول: بني على نفقة من يرجو ثواب الله، ويكفي ويدعى له -إن شاء الله-.

стр. 253

طالب: إن كان من مال الورثة؟ باسم من؟ ورثة فلان؟ المقصود أن الإنسان بذاته لا يظهر عمله، إن أظهره الناس هذا شيء ما يملكه. وقال الحسن البصري وغيره: معنى ﴿تُرْفَعَ﴾ تعظم ويرفع شأنها وتطهر من الأنجاس والأقذار، ففي الحديث: ((إن المسجد لينزوي من النجاسة كما ينزوي الجلد من النار)) وروى ابن ماجة في سننه عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : ((من أخرج أذىً من المسجد بنى الله له بيتاً في الجنة)) وروى عن عائشة ﵂ قالت: أمرنا رسول الله ﷺ أن نتخذ المساجد في الدور، وأن تطهر وتطيب .. الأمر باتخاذ المساجد في الدور هذا ثابت في الصحيح وغيره، وتطهر وتطيب, والمراد بالدور القبائل، خير دور الأنصار بني عبد الأشهل، وآل فلان وآل فلان، يعني قبائلهم، وليس المراد بذلك أن تتخذ المساجد في الدور، وتعطل المساجد التي في الأسواق وفي الأحياء، اللهم إلا إن كان المراد بذلك للنساء، فالنساء لهن أن يتخذن من دورهم أماكن للصلاة، وينظفنها ويطيبنها. الحديث الذي قبله؟ طالب: (من أخرج أذىً من المسجد)؟ (إن المسجد لينزوي .. ) طالب: قال: لا أصل له في المرفوع، ذكره العجلوني في كشف الخفاء، وقال: قال القاري: لم يوجد. انتهى كلامه، وذكره السيوطي في الدور فقال: أخرجه ابن أبي شيبه بسنده عن أبي هريرة. . . . . . . . . والثاني؟ حديث ابن ماجة؟ طالب: قال: ضعيف أخرجه ابن ماجه من حديث أبي سعيد، قال البصيري في الزوائد: إسناده منقطع، ومسلم بن يسار لم يسمع من أبي سعيد، ومحمد بن صالح لين، وضعفه الألباني. وجاء في تنظيف المساجد وأنها مهور الحور العين. الثالثة: إذا قلنا: إن المراد بنيانها فهل تزين وتنقش؟ اختلف في ذلك فكرهه قوم وأباحه آخرون، فروى حماد بن سلمة عن أيوب عن أبي قلابة عن أنس وقتادة عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: ((لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد)) أخرجه أبو داود، وفي البخاري وقال أنس: يتباهون بها ثم لا يعمرونها إلا قليلاً.

стр. 254

يعمرونها بالصلاة، يعني يشيدونها ولا يعمرونها بالصلاة، يعني تحصل العمارة الحسية دون العمارة المعنوية ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ﴾ [(١٨) سورة التوبة] يعني بالصلاة، وإما عمارته الحسية فيعمرها كل أحد. وقال ابن عباس: لتزخرفنها كما زخرفت اليهود والنصارى .. وهكذا وقع، في مسجد في تركيا يقول واحد من الإخوان: دخل هذا المسجد فإذا به متحف، يقول: دخل المسجد فإذا به غاية في الزخرفة والتشييد، فإذا به يجد شيخ على كرسي على هيأة حسنة وحوله طلاب، فقال: أجلس لأستفيد، فلما جلست فإذا الشيخ لا يشرح، والطلاب لا يستمعون كلامه، إنما يصورون مشهد، ولا وجدوا مكان يصور به هذا المشهد أشد جمال من هذا المسجد، والله المستعان. يعني كون المساجد تعمر على أيدي أناس من العامة، ويحصل شيء من المخالفات هذا أمر عادي وطبيعي لكن كون المساجد يتولاها من طلاب العلم ثم بعد ذلك يزخرفونها ويعرفون ما جاء في هذا الباب هذه مشكلة، ولا يعني أن النبي ﷺ أخبر أن هذا يقع من باب التقدير الكوني أنه لا بد أن يقع، وأن المسلم عليه أن يساهم في إيقاعه؟ أبداً، المسلم يتجه إليه الأوامر الشرعية، وأما ما أخبر النبي ﵊ أنه يقع كوناً فهذا لا بد من وقوعه، لكن لا يكون على يديك. طالب: الذين يأخذون أموال الوقف ويسرفون في الزخرفة؟ لا يجوز، لا يجوز استخدام أكثر من الحاجة، لا يجوز هذا إسراف، وداخل في المنهي عنه. طالب: ما يختلف الحكم باختلاف المكان خاصة في الدول الغير إسلامية؟ مذهب الحنفية عندهم إذا زخرفت البيوت فبيوت الله أولى، لكن لا كلام لأحد، المسألة شرعية ولو كان في الخارج. طالب: طيب إذا كان هناك مصلحة أعظم وهي قضية تعظيم هذا الدين؟ تعظيم الدين بالإتباع، وقد يقر في قلوبهم من التعظيم بسبب الاتباع أعظم بكثير من المظاهر، الناس ملوا المظاهر، ترى ما تدل على شيء، إذا لم يكن هناك مخبر فالمظهر لا قيمة له.

стр. 255

وروى الترمذي الحكيم أبو عبد الله في نوادر الأصول من حديث أبي الدرداء قال: رسول الله ﷺ : ((إذا زخرفتم مساجدكم وحليتم مصاحفكم فالدبار عليكم)) احتج من أباح ذلك بأن فيه تعظيم المساجد، والله تعالى أمر بتعظيمها في قوله: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ﴾ يعني تعظم. وروي عن عثمان أنه بنى مسجد النبي ﷺ بالساج وحسنه، قال أبو حنيفة: لا بأس بنقش المساجد بماء الذهب، وروي عن عمر بن عبد العزيز أنه نقش مسجد النبي ﷺ وبالغ في عمارته وتزيينه، وذلك في زمن ولايته قبل خلافته ولم ينكر عليه أحد ذلك، وذكر أن الوليد بن عبد الملك أنفق في عمارة مسجد دمشق وفي تزيينه مثل خراج الشام ثلاث مرات، وروي أن سليمان بن داود -عليهما الصلاة السلام- بنى مسجد بيت المقدس، وبالغ في تزيينه .. يعني هكذا جرت عادة الملوك والأمراء أنهم يستملئون مثل هذه الأمور، لأن عيشهم قريب من هذا، بيوتهم مزخرفة، فيريدون ألا ينظروا إلى الأماكن التي دونها. طالب: بعض المساجد الآن لا تزخرف لكن توضع كل الزخرفة في السجاد؟ كذلك، الحكم واحد. طالب: والسجاد إشكاليته أكثر في قضية الخشوع في الصلاة. المسألة واحدة، الزخرفة سواء كانت فوق أو تحت وإلا يمين وإلا شمال داخلة، الآن لو لاحظت أن أكثر السجاد يقصد فيها الحمرة مع الصفرة، هذا اللون كثير في المساجد، تلقى اللون أحمر والخط أصفر، وعمر قال: لما قال: لا تصفروا ولا تحمروا، فالمسألة مسألة المشي على ما أراده الله -جل وعلا- وقضاؤه لا بد منه، لا بد أن يقع، كما جاء في الحديث: ((لتتبعن سنن من كان قبلكم، حتى لو دخلوا جحر ضبٍ لدخلتموه)) والله المستعان، وحصل ما أخبر عنه النبي ﵊. طالب: يحمل النهي على الكراهة يا شيخ؟ الشيخ: أي نهي؟ طالب: نهي الزخرفة؟ الشيخ: لا لا، تحريم، تحريم. طالب: وعدم الإنكار يا شيخ؟ الشيخ: عدم الإنكار تقصير.

стр. 256

الرابعة: ومما تصان عنه المساجد وتنزه عنه الروائح الكريهة، والأقوال السيئة، وغير ذلك على ما نبينه وذلك من تعظيمها، وقد صح من حديث ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال في غزوة تبوك: ((من أكل من هذه الشجرة -يعني الثوم- فلا يأتين المساجد)) وفي حديث جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ قال: ((من أكل من هذه البقلة الثوم)) وقال مرة: ((من أكل البصل والثوم والكراث فلا يقربن مسجدنا، فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم)). وقال عمر بن الخطاب ﵁ في خطبته: ثم إنكم أيها الناس تأكلون شجرتين، ولا أراهما إلا خبيثتين، هذا البصل والثوم، لقد رأيت رسول الله ﷺ إذا وجد ريحهما من رجل في المسجد أمر به فأخرج إلى البقيع، فمن أكلهما فليمتهما طبخاً. خرجه مسلم في صحيحه. قال العلماء: وإذا كانت العلة في إخراجه من المسجد أنه يتأذى به، ففي القياس أن كل من تأذى به جيرانه في المسجد بأن يكون ذرب اللسان سفيهاً عليهم، أو كان ذا رائحة قبيحة لا تريمه لسوء صناعته أو عاهة مؤذية كالجذام وشبهه، وكل ما يتأذى به الناس كان لهم إخراجه ما كانت العلة موجودة فيه حتى تزول، وكذلك يجتنب مجتمع الناس حيث كان لصلاة أو غيرها كمجالس العلم، والولائم وما أشبهها ..

стр. 257

العلة مركبة، من كونه في المسجد وكونه يؤذي؛ لأن الأحاديث جاءت بهذا، من كونه في المسجد، ومن كونه يؤذي؛ لأنه لو قلنا: أنه يحرم في غير المسجد، لماذا يخرجه النبي ﵊ من المسجد؟ ((فلا يقربن مسجدنا)) فالاختصاص بالمسجد ظاهر، فإذا صلى في بيته أو في برية أو في غيرها له أن يأكل من هذه الشجرة، لكن لا يصلي في المسجد، وإذا صلى في مسجدٍ ليس فيه من يتأذى به لا مانع من ذلك؛ لأنه لا يتأذى به أحد، فالعلة مركبة من الأمرين، من كونه مسجد، وكونه يتأذى به، والعلة المركبة لا يترتب عليها الحكم إلا إذا اجتمعت مركباتها، وعلى هذا لو أن إنساناً في المسجد بمفرده واحتاج إلى إرسال الريح، وليس عنده من يتأذى به، أهل العلم يقولون: ولا بأس بإرساله للحاجة، لكن لا بد أن لا يوجد من يتأذى به، نعم المسجد ينبغي أن يصان ويعظم، لكن إذا احتاج لذلك، شخص معتكف ونائم مثلاً أو جالس، نقول: لا بد أن تخرج من المسجد، أو يديم الجلوس في المسجد؟ العلماء يقولون: لا بأس به للحاجة، إذا لم يوجد من يتأذى به، فالعلة حينئذٍ مركبة. طالب: البصل بالطبخ تزول الرائحة منه؟ الشيخ: ينتهي ينتهي، يمات طبخاً، ما في شيء، ومع ذلك حتى لو أكل لا يقال: إن هذه الشجرة حرام؛ لأن النبي ﷺ لما قيل له -في صحيح مسلم–: أحرام هي؟ قال: ((لا أحرم ما أحل الله)) لكن من أكل لحاجة فلا يصلي في المسجد مع الناس، يصلي في بيته أو ينظر في مكان ليس فيه أحد. طالب: أحياناً رائحة الدخان أشد من رائحة البصل؟ الشيخ: مثله، الحكم واحد. طالب: هل يجوز قطع الصلاة؟ الشيخ: قطع من؟ طالب: الذي بجانبه؟ الشيخ: إذا كان لا يطيق بحيث لا يستطيع أن يصلي بجانبه أو لا يدرك من صلاته شيء يقطع الصلاة. طالب: إن كان يغثى يا شيخ؟ الشيخ: غثيان وشبهه؟ إذا خشي ذلك وغلب على ظنه يقطع الصلاة. طالب: في هذه الحال يجوز له أن يضع لثام؟ الشيخ: اللثام مكروه عند أهل العلم، وعندهم الكراهة تزول بأدنى حاجة. طالب: لو كان جماعة في مسجد وأكلوا كلهم بصل فهل لهم أن يصلوا في المسجد؟ الشيخ: لأنهم لا يتأذون؟ طالب: نعم. الشيخ: ارتفع جزء العلة، لكن لا شك أن هذا يبقى فيه امتهان المسجد.

стр. 258

طالب: الحديث يقول: فإن الملائكة تتأذى ... ؟ الشيخ: الملائكة في كل مكان ((إن الملائكة تتأذى مما يتأذى به بنو آدم)) فإذا وجد من يتأذى من بني آدم تأذت الملائكة، وإلا فلا. وكذلك يجتنب مجتمع الناس حيث كان لصلاة أو غيرها كمجالس العلم، والولائم وما أشبهها من أكل الثوم وما في معناه مما له رائحة كريهة تؤذي الناس، ولذلك جمع بين البصل والثوم والكراث، وأخبر أن ذلك مما يتأذى به، قال أبو عمر بن عبد البر: وقد شاهدت شيخنا أبا عمر أحمد بن عبد الملك بن هشام ﵀ أفتى في رجل شكاه جيرانه، واتفقوا عليه أنه يؤذيهم في المسجد بلسانه ويده، فشور فيه فأفتى بإخراجه من المسجد وإبعاده عنه .. وليس هذا ترخيص له في ترك المسجد وترك الجماعة، إنما هو تعزير، بعض الناس قد يفرح بمثل هذا، أكل شيء أجعلهم يطردوني من المسجد، وفرصة أني ما أقصد المسجد فيؤذي الناس لكي يقال له: لا تقرب المسجد، أو يأكل من ذوات الروائح ليقال له: لا تقرب المسجد، هذه كانت تعد لما كانت الفطر سليمة هذا تعزير، لو أن إنساناً في وليمة فأقيم وطرد من المجلس، ماذا يكون وضعه؟ يتأذى بذلك أذىً كبيراً، ولا يمكن أن يحتمل، يمكن أن يترك البلد، يهاجر من هذا البلد، فكيف بمسجد –بيت الله– في ضيافة الله -جل وعلا-؟ لكن لهوان العبادات على الناس وأماكن العبادات صاروا يفرحون بمثل هذا. واطلعت في كتابات بعض القضاة ممن تقدم أن في معاملة لنقل شخص من مسجد إلى مسجد، يعني طرد من هذا المسجد إلى مسجدٍ آخر، وأخذ عليه التعهد أنه لا يصلي في هذا المسجد؛ لأن فيه من يتأذى به، أن ينقل إمام أو ينقل مؤذن مقبولة؛ لأنهم يتبعون مصالحهم، لكن ينقل مأموم؟! هذه لا تكاد توجد.

стр. 259

فأفتى بإخراجه من المسجد وإبعاده عنه، وألا يشاهد معهم الصلاة إذ لا سبيل مع جنونه واستطالته إلى السلامة منه، فذاكرته يوماً أمره، وطالبته بالدليل فيما أفتى به من ذلك، وراجعته فيه القول، فاستدل بحديث الثوم، وقال: هو عندي أكثر أذىً من أكل الثوم وصاحبه يمنع من شهود الجماعة في المسجد، قلت: وفي الآثار المرسلة: ((أن الرجل ليكذب الكذبة فيتباعد الملك من نتن ريحه)) فعلى هذا يخرج من عرف منه الكذب والتقول بالباطل، فإن ذلك يؤذي .. مخرجة الآثار؟ طالب: (يأتي يوم القيامة)؟ أو (أن الرجل ليكذب الكذبة)؟ الشيخ: ((إن الرجل ليكذب الكذبة)). طالب: قال: أخرجه الطبراني في الصغير، والديلمي من حديث ابن عمر، وفيه عبد الرحيم بن هارون متروك كما في الميزان، والحديث أخرجه الترمذي، وقال فيه: هذا حديث حسن جيد غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه تفرد به عبد الرحيم بن هارون وفي الضعيفة، قال: عنه منكر، قال في ضعيف الترغيب: ضعيف جداً، وعبد الرحيم كذبه الدارقطني، وقال الحافظ في التقريب: ضعيف، وكذبه الدارقطني. الشيخ: واضح واضح ضعفه. الخامسة: أكثر العلماء على أن المساجد كلها سواء؛ لحديث ابن عمر، وقال بعضهم: إنما خرج النهي على مسجد رسول الله ﷺ من أجل جبريل ﵇ ونزوله فيه، ولقوله في حديث جابر: ((فلا يقربن مسجدنا)) والأول أصح؛ لأنه ذكر الصفة في الحكم وهي المسجدية، وذكر الصفة في الحكم تعليل، وقد روى الثعلبي بإسناده عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((يأتي الله يوم القيامة بمساجد الدنيا كأنها نجائب بيض، قوائمها من العنبر، وأعناقها من الزعفران ورؤوسها من المسك، وأزمِّتها من الزبرجد الأخضر، وقوامها المؤذنون فيها يقودونها، وأئمتها يسوقونها، وعمارها متعلقون بها، فتجوز عرصات القيامة كالبرق الخاطف، فيقول أهل الموقف: هؤلاء ملائكة مقربون وأنبياء مرسلون، فينادى: ما هؤلاء بملائكة ولا أنبياء، ولكنهم أهل المساجد والمحافظون على الصلوات من أمة محمد ﷺ )) طالب: قال عزاه المصنف للثعلبي ولم أقف عليه، وأمارة الوضع لائحة عليه، والثعلبي يرى الموضوعات.

стр. 260

الشيخ: واضح واضح. وفي التنزيل: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ﴾ [(١٨) سورة التوبة] وهذا عام في كل مسجد، وقال النبي ﷺ : ((إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له بالإيمان إن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [(١٨) سورة التوبة] وقد تقدم. الحديث مضعف؛ لأن المنافقين يعتادون المسجد في عهد النبي ﵊. السادسة: وتصان المساجد أيضاً عن البيع والشراء وجميع الاشتغال؛ لقوله ﷺ للرجل الذي دعا إلى الجمل الأحمر: ((لا وجدت، إنما بنيت المساجد لما بنيت له)) أخرجه مسلم من حديث سليمان بن بريدة عن أبيه أن النبي ﷺ لما صلى، قام رجل فقال: من دعا إلى الجمل الأحمر؟ فقال النبي ﷺ : ((لا وجدت، إنما بنيت المساجد لما بنيت له)) وهذا يدل على أن الأصل ألا يعمل في المسجد غير الصلوات والأذكار وقراءة القرآن .. هذا بالنسبة لمن يطلب ضالته، أما من ينشد ضالة غيره إذا وجدها، الحكم يختلف وإلا واحد؟ من يطلب لنفسه هذا واضح، الذي ينشد ضالته يقال له: لا وجدت، لكن الذي وجد ضالة في المسجد ثم قال: من أضل كذا؟. طالب: يدخل في الحكم. الشيخ: ما يظهر، يظهر أن هناك فرق كبير؛ لأنه الذي يطلب لنفسه ليس كالذي يطلب لغيره، هذا محسن، ما يظهر أن الحكم واحد. طالب: الآن من يسأل عن ضالته وهي له يقرَّع، طيب من يسأل أموال الناس؟ الشيخ: الذي يسأل أموال الناس وهو مو مستحق لها مثل، لكن من يتعرض بغير سؤال، بأن جلس مجلس السائل ولم يسأل، ولم يؤذي الناس، ولم يقطع عليهم أذكارهم هذا لا بأس -إن شاء الله-. طالب: الآن الذين يقومون بعد الصلاة ويتكلمون! الشيخ: يشوشون على الناس ويقطعون عليهم أذكارهم، يسكتون، هؤلاء بأسلوب مناسب من غير نهرٍ لهم يُفهمون أن هذا ليس موضع لذلك. طالب: ما هي علة النهي؟ الشيخ: في إيش؟ طالب: أن المساجد بنيت للعبادة! الشيخ: هي بنيت للعبادة، لكن من العبادة الإحسان إلى الآخرين. طالب: يعني مثل هؤلاء يوقفون ما يجعلون يتمون كلامهم؟

стр. 261

الشيخ: والله لو أشير إليهم أن ينصرفوا إلى مكانٍ مناسب لهم، ولا يقطعون على الناس أذكارهم من غير نهر، يعني لا نخرج من مخالفة ونقع في مخالفة. طالب: بعضهم يقول: (وأما السائل فلا تنهر) إطلاقاً يعني، ما دام أنه يسأل لن أقول له؟ الشيخ: هو إذا وجد من يتكلم غيرك فالسلامة لا يعدلها شيء لئلا تقع في النهي. وكذا جاء مفسراً من حديث أنس قال: بينما نحن في المسجد مع رسول الله ﷺ إذ جاء أعرابي فقام يبول في المسجد، فقال أصحاب رسول الله ﷺ : مهٍ مه، فقال النبي ﷺ : ((لا تزرموه دعوه)) فتركوه حتى بال، ثم إن رسول الله ﷺ دعاه فقال له: ((إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر، إنما هي لذكر الله والصلاة وقراءة القرآن)) أو كما قال رسول الله ﷺ قال: فأمر رجلاً من القوم فجاء بدلوٍ من ماء فشنَّه عليه، خرجه مسلم، ومما يدل على هذا من الكتاب قوله الحق: ﴿وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [(٣٦) سورة النور] وقوله ﷺ لمعاوية بن الحكم السلمي: ((إن هذه المساجد لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن)). طالب: حديث معاوية إن هذه الصلاة، وهنا يقول: إن هذه المساجد. الشيخ: لا، غلط غلط، هذا غلط من المؤلف نفسه، المؤلف نفسه؛ لأن الكلام في المساجد فأدرج هذا الحديث وهماً، والحديث في الصلاة. أو كما قال رسول الله ﷺ الحديث بطوله خرجه مسلم في صحيحه وحسبك!. وسمع عمر بن الخطاب ﵁ صوت رجل في المسجد فقال: ما هذا الصوت؟! أتدري أين أنت؟ وكان خلف بن أيوب جالساً في مسجده فأتاه غلامه يسأله عن شيء فقام وخرج من المسجد وأجابه فقيل له في ذلك فقال: ما تكلمت في المسجد بكلام الدنيا منذ كذا وكذا فكرهت أن أتكلم اليوم. يكفي. اللهم صلّ على محمد وعلى آله وأصحابه.

стр. 262

تف سير القرطبي (سورة النور) تفسير الآيات: من ﴿٣٦﴾ إلى ﴿٣٩﴾ ... الشيخ / عبد الكريم الخضير الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه. قال الإمام القرطبي -رحمه الله تعالى-: السابعة: روى الترمذي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن رسول الله ﷺ : أنه نهى عن تناشد الأشعار في المسجد، وعن البيع والشراء فيه، وأن يتحلق الناس يوم الجمعة قبل الصلاة. قال: وفي الباب عن بريدة وجابر وأنس حديث عبد الله بن عمرو حديث حسن، قال محمد بن إسماعيل: رأيت محمد وإسحاق وذكر غيرهما يحتجون بحديث عمرو بن شعيب .. الشيخ: الصواب أحمد، الذي في الترمذي أحمد وإسحاق. رأيت محمداً، صوابه أحمد، ما علق عليه في الحاشية عندك؟ الطالب: الذي في الترمذي أحمد؟ الشيخ: نعم. رأيت أحمد وإسحاق وذكر غيرهما يحتجون بحديث عمرو بن شعيب، وقد كره قوم من أهل العلم البيع والشراء في المسجد، وبه يقول أحمد وإسحاق، وروي أن عيسى ابن مريم ﵉ أتى على قوم يتبايعون في المسجد فجعل رداءه مخراقاً ثم جعل يسعى عليهم ضرباً، ويقول: يا أبناء الأفاعي اتخذتم مساجد الله أسواقاً! هذا سوق الآخرة .. هذا الحديث يصل إلى درجة الحسن كما قال الترمذي، من حديث عمرو بن شعيب، والخلاف فيه معروف، الخلاف في عمرو بن شعيب معروف، لكن القول الوسط فيه أن حديثه لا ينزل عن درجة الحسن، وتناشد الأشعار، وقد أنشد بين يديه ﵊ الشعر في المسجد من قبل حسان وابن رواحة وغيرهما، والنشيد غير التناشد، كون شخص واحد ينشد بين يدي الخليفة، أو ما أشبهه، بكلامٍ ينصر فيه الإسلام، ويعز فيه الإسلام، ويذم فيه الشرك والمشركين، وقل مثل هذا في العلوم الشرعية، ولو جاءت على طريقة وعلى هيئة الشعر والمنظومات العلمية لا بأس بذلك، لكن التناشد والمراد يعني كل واحد ينشد ويرد عليه الآخر مما يحصل معه التفاخر والتباهي هذا هو محل المنع.

стр. 263

وأما البيع والشراء فمعروف النهي عنه، والنهي هنا للتحريم، والعقد غير صحيح عند الحنابلة، وصححه الجمهور، لكن يبقى أن الحديث يدل على النهي عن البيع والشراء، وأن يتحلق الناس يوم الجمعة قبل الصلاة، ولو كان للعلم؛ لأنهم حينئذٍ يضيقون على المصلين، الشراح يذكرون هذه العلة، وأيضاً من جاء إلى الجمعة وهو بصدد التأهب لها، وسماع الخطبة والصلاة قبل ذلك حتى يقوم الإمام كما هو فعل السلف، وأما إلقاء الدروس وحلق العلم فلا ينبغي أن تكون يوم الجمعة قبل الصلاة، وأما بعد الصلاة أو بعد العصر فلا بأس به -إن شاء الله تعالى- وهو معلوم عند أهل العلم يصنعونه، كان شيخ الإسلام له درس في التفسير بعد صلاة الجمعة في الجامع، وغيره كثير. طالب: السفر قبل الجمعة إذا غلب على ظنه أن يدرك الجمعة؟ الشيخ: السفر قبل الزوال ما في إشكال، لكن بعد الزوال يحرم عند أهل العلم، قبل الزوال إذا غلب على ظنه أنه يدرك جماعة يصلون جمعة في أي بلد من البلدان له ذلك. قلت: وقد كره بعض أصحابنا تعليم الصبيان في المساجد .. لأنه مظنة للعبث بالمسجد، والعبث بالجملة مكروه، ومظنة أيضاً إلى تلويثه، فالصبيان لا يتحفظون عما يتحفظ منه الكبار، لكن هذه طريقة أيضاً مأثورة عند أهل العلم، علموا وتعلموا في المسجد، وأما ما جاء عن تجنيب الصبيان المساجد والمجانين، خبر ضعيف ((جنبوا صبيانكم ومجانينكم المسجد)) معروف ضعفه عند أهل العلم، وقد كانوا يحضرون الحسن والحسين يدخلون المسجد، ويحتفي بهم النبي ﵊، وقد صلى ﵊ وهو حامل أمامة، كان ينوي أن يطيل الصلاة ﵊ ثم يوجز فيها لما يسمع من بكاء الصبيان، كل هذا يدل على جواز إدخالهم المساجد، لكن لا يتركون يعبثون ويلوثون المسجد. عندما يأتي الصبي غير المميز أكثر ما يعبث بالمصاحف، ويتركه أبوه على هذا العبث، لا يجوز بحال؛ لأن المصاحف محترمة، تشتمل على كلام الله -جل وعلا-، فينتبه لهذا. قلت: وقد كره بعض أصحابنا تعليم الصبيان في المساجد، ورأى أنه من باب البيع، وهذا إذا كان بأجرة فلو كان بغير أجرة لمنع أيضاً من وجه آخر ..

стр. 264

على كل حال إن كان يرى أنه من باب البيع لأنه بأجرة فيدخل فيه أيضاً تعليم الكبار، إذا كان بأجرة يدخل فيه تعليم الكبار. وهو أن الصبيان لا يتحرزون عن الأقذار والوسخ، فيؤدي ذلك إلى عدم تنظيف المساجد، وقد أمر ﷺ بتنظيفها وتطييبها فقال: ((جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم، وسل سيوفكم، وإقامة حدودكم، ورفع أصواتكم وخصوماتكم، وأجمروها في الجمع، واجعلوا على أبوابها المطاهر)) في إسناده العلاء بن كثير الدمشقي مولى بني أمية، وهو ضعيف عندهم .. الخبر ضعيف جداً. ذكره أبو أحمد بن عدي الجرجاني الحافظ، وذكر أبو أحمد أيضاً من حديث علي بن أبي طالب ﵁ قال: صليت العصر مع عثمان أمير المؤمنين، فرأى خياطاً في ناحية المسجد، فأمر بإخراجه، فقيل له: يا أمير المؤمنين إنه يكنس المسجد، ويغلق الأبواب، ويرش أحياناً، فقال عثمان: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((جنبوا صناعكم من مساجدكم)) هذا حديث غير محفوظ، في إسناده محمد بن مجيب الثقفي، وهو ذاهب الحديث. قلت: ما ورد في هذا المعنى وإن كان طريقه ليِّناً فهو صحيح معنى، يدل على صحته ما ذكرناه قبل. قال الترمذي: وقد روي عن بعض أهل العلم من التابعين رخصة في البيع والشراء في المسجد، وقد روي عن النبي ﷺ في غير حديث رخصة في إنشاد الشعر في المسجد. قلت: أما تناشد الأشعار فاختلف في ذلك فمن مانع مطلقاً، ومن مجيز مطلقاً، والأولى التفصيل، وهو أن ينظر إلى الشعر فإن كان مما يقتضي الثناء على الله أو على رسوله ﷺ أو الذب عنهما كما كان شعر حسان، أو يتضمن الحض على الخير والوعظ والزهد في الدنيا، والتقلل منها فهو حسن في المساجد وغيرها، كقول القائل: طوفي يا نفس كي أقصد فرداً صمدا ... وذريني لست أبغي غير ربي أحدا فهو أنسي وجليسي ودعي الناس ... فما إن تجدي من دونه ملتحدا

стр. 265

وما لم يكن كذلك لم يجز؛ لأن الشعر في الغالب لا يخلو عن الفواحش والكذب والتزين بالباطل، ولو سلم من ذلك فأقل ما فيه اللغو والهذر، والمساجد منزهة عن ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ﴾ [(٣٦) سورة النور] وقد يجوز إنشاده في المسجد، كقول القائل: كفحل العدا بالفرد يضربه الندى ... تعلى الندى في متنه وتحدرا وقول الآخر: إذا سقط السماء بأرض قوم ... رعيناه وإن كانوا غضابا فهذا النوع وإن لم يكن فيه حمد ولا ثناء يجوز؛ لأنه خال عن الفواحش والكذب .. لكنه فخر، لا سيما البيت الأخير (إذا سقط السماء) هذا فخر ممنوع، على كل حال الشعر أنشد بين يدي النبي ﵊ في المسجد، أنشده حسان وعبد الله بن رواحة، فما كان بنصر الإسلام والذب عن الدين، وذم الكفار والكفر وما أشبه ذلك، وفي حكمه العلوم التي تنظم هذا كله لا بأس به، بل مطلوب. وسيأتي ذكر الأشعار الجائزة وغيرها بما فيه كفاية في الشعراء -إن شاء الله تعالى-، وقد روى الدارقطني من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵁ قالت: ذكر الشعر عند رسول الله ﷺ فقال: ((هو كلام حسنه حسن، وقبيحه قبيح)) .. هذا ما يثبت، ماذا يقول؟ طالب: أخرجه الدارقطني من حديث عائشة، وفيه عبد العظيم بن حبيب متروك، ومن حديث عبد الله بن عمرو أخرجه البخاري. . . . . . . . . والدارقطني، وفيه عبد الرحمن بن زياد بن أنعم واهٍ، ومن حديث أبي هريرة أخرجه الدارقطني في إسناده ابن عياش وهو غير قوي، لكن حديث محسن بهذه الشواهد. والله أعلم. والألباني قال -في الأدب المفرد-: صحيح لغيره، وهو في الصحيحة. الشيخ: لفظه فيه إشكال، هو بكلام أهل العلم أشبه، معناه صحيح، المعنى ما فيه إشكال، لكن رفعه محل نظر. وفي الباب عن عبد الله بن عمرو بن العاص وأبي هريرة وابن عباس عن النبي ﷺ ذكره في السنن. قلت: وأصحاب الشافعي يأثرون هذا الكلام عن الشافعي، وأنه لم يتكلم به غيره، وكأنهم لن يقفوا على الأحاديث في ذلك، والله أعلم.

стр. 266

الثامنة: وأما رفع الصوت فإن كان مما يقتضي مصلحةً للرافع صوته دعي عليه بنقيض قصده؛ لحديث بريدة المتقدم، وحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((من سمع رجلاً ينشد ضالة في المسجد فليقل: لا ردها الله عليك، فإن المساجد لم تبن لهذا)) وإلى هذا ذهب مالك وجماعة حتى كرهوا رفع الصوت في المسجد في العلم وغيره، وأجاز أبو حنيفة وأصحابه ومحمد بن مسلمة من أصحابنا رفع الصوت في الخصومة والعلم، قالوا: لأنهم لا بد لهم من ذلك، وهذا مخالف لظاهر الحديث، وقولهم: لا بد لهم من ذلك ممنوع، بل لهم بد من ذلك لوجهين: أحدهما بملازمة الوقار والحرمة وبإحضار ذلك بالبال والتحرز من نقيضه، والثاني: أنه إذا لم يتمكن من ذلك فليتخذ لذلك موضعاً يخصه، كما فعل عمر حيث بنى رحبةً تسمى البطيحاء، وقال: من أراد أن يلغط أو ينشد شعراً -يعني في مسجد رسول الله ﷺ فليخرج إلى هذه الرحبة، وهذا يدل على أن عمر كان يكره إنشاد الشعر في المسجد، ولذلك بنى البطيحاء خارجه .. مسألة الجواز -جواز الشيء- جواز حصوله في المسجد لا يعني أنه ينبغي أن يقع، احترام المساجد حتى عن بعض المباحات، الأمور المباحة لا مانع من أن تنزه المساجد عنها، يعني إذا قلنا: أن رفع الصوت جائز في المسجد، وأنه حصل التقاضي بين يدي النبي ﵊ وحصلت الخصومة، وتلاحى رجلان من أجلهما رفع العلم بليلة القدر كل هذا حصل، لكن هذا يدل على الإباحة بمعنى أنه لو فعله أحد لم يعزر، لكن ينبغي أن تصان المساجد عن مثل هذا اللغو، والله المستعان. طالب: إنشاد الضالة بعضهم يكتب لها إعلان في المسجد؟ الشيخ: لا، يكتب الإعلان برع، الإعلان له حكم الكلام، لكن الكلام فيما لو أنشدها غير صاحبها، الواجد، وجدها وقال: وجدت كذا، هذا لا يطلب شيئاً لنفسه، لو قال: أنه وجد هذه الضالة في المسجد، أما كون صاحبها هو الذي ينشدها هذا يقال: لا ردها الله عليك، وإذا كان غيرهم ممن وجدها ويبحث عن صاحبها هذا لا يبحث عن ضالة، وإنما يصنع معروفاً.

стр. 267

التاسعة: وأما النوم في المسجد لمن احتاج إلى ذلك من رجل أو امرأة من الغرباء، ومن لا بيت له فجائز؛ لأن في البخاري، وقال أبو قلابة عن أنس: قدم رهط من عكل على النبي ﷺ فكانوا في الصفة، وقال عبد الرحمن بن أبي بكر: كان أصحاب الصفة فقراء، وفي الصحيحين عن ابن عمر: أنه كان ينام وهو شاب أعزب لا أهل له في مسجد النبي ﷺ . وبحث النبي ﵊ عن علي -رضي الله تعالى عنه- فوجده في المسجد، ومقتضى شرعية الاعتكاف جواز النوم في المسجد، بل إذا صاحب الاعتكاف يكون هو المطلوب؛ لأنه لا يجوز للمعتكف أن يخرج من المسجد بغير حاجة أصلية لا تقضى في المسجد، فالنوم في المسجد لا بأس به -إن شاء الله-. لفظ البخاري وترجم (باب نوم المرأة في المسجد) وأدخل حديث عائشة في قصة السوداء التي اتهمها أهلها بالوشاح، قالت عائشة: وكان لها خباء في المسجد أو حفش، الحديث ... ، ويقال: كان مبيت عطاء بن أبي رباح في المسجد أربعين سنة. العاشرة: روى مسلم عن أبي حميد أو عن أبي أسيد قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا دخل أحدكم المسجد فليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج فليقل: اللهم إني أسألك من فضلك)). خرجه أبو داود كذلك إلا أنه زاد بعد قوله: ((إذا دخل أحدكم المسجد: فليسلم، وليصل على النبي ﷺ ثم ليقل: اللهم افتح لي .. )) الحديث، وروى ابن ماجه عن فاطمة بنت رسول الله ﷺ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا دخل المسجد قال: ((باسم الله، والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك)) وإذا خرج قال: ((باسم الله، والصلاة على رسول الله، اللهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك وفضلك)) وروي عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: ((إذا دخل أحدكم المسجد فليصل على النبي ﷺ وليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج فليسلم على النبي ﷺ وليقل: اللهم اعصمني من الشيطان الرجيم)). ابن ماجة هذا؟

стр. 268

طالب: أخرجه ابن ماجة وصححه ابن حبان والحاكم ووافقه الذهبي كلهم من حديث أبي هريرة، وقال البصيري في الزوائد إسناده صحيح ورجاله ثقات، وهو كما قال: إلا أنه معلول وأخرجه البزار وابن أبي شيبة عن أبي هريرة عن كعب بن عجرة موقوف، ورواه النسائي في اليوم والليلة عن أبي هريرة عن كعب الأحبار قال فذكره، وتكلم الحافظ ابن كثير في الأذكار على هذا الحديث، وختم كلامه بقوله: هو في الجملة حسن في ظاهره نقله عنه ابن عجلان وهو صحيحه. الشيخ: لا التعليل عليل، يعني كونه يعل بالموقوف ما يعل بالموقوف، حتى الموقوف ما يمكن أن يقال بالرأي هذا. طالب: التسمية عند الخروج من المسجد؟ الشيخ: هذا ذكره هنا، وستأتي أيضاً لا نقول: بسم الله. طالب: التسمية؟ الشيخ: جاءت بها الأحاديث التي جاءت بالدعاء، فأمرها واحد -إن شاء الله تعالى-. طالب:. . . . . . . . . بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله. الشيخ: على كل حال، والدخول كذلك؟ مثلما يدخل بيته، لا بد، ما فيها إشكال. طالب:. . . . . . . . . الشيخ: ما يمنع مثل دخول البيت ومثل دخول غيره، التسمية ملازمة. وخرج أبو داود عن حيوة بن شريح قال: لقيت عقبة بن مسلم فقلت له: بلغني أنك حدثت عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي ﷺ أنه كان إذا دخل المسجد قال: ((أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم، وسلطانه القديم، من الشيطان الرجيم)) قال: نعم قال: فإذا قال ذلك قال الشيطان: ((حفظ مني سائر اليوم)). الحادية عشرة: روى مسلم عن أبي قتادة أن رسول الله ﷺ قال: ((إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس)). وعنه قال: دخلت المسجد ورسول الله ﷺ جالس بين ظهراني الناس، قال فجلست، فقال رسول الله ﷺ : ((ما منعك أن تركع ركعتبن قبل أن تجلس؟ )) فقلت: يا رسول الله رأيتك جالساً والناس جلوس، قال: ((فإذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يركع ركعتين)) قال العلماء: فجعل ﷺ للمسجد مزيةً يتميز بها عن سائر البيوت، وهو ألا يجلس حتى يركع، وعامة العلماء على أن الأمر بالركوع على الندب والترغيب ..

стр. 269

يعني لا على سبيل الوجوب، هذا قول جماهير أهل العلم خلافاً للظاهرية؛ لأن الأمر ظاهره الوجوب، لكن الصوارف كثيرة، فالمعتمد أنه سنة، ولا يجزئ أقل من ركعتين، لو أوتر بواحدة ما يكفي، فلا بد من ركعتين، كما أنه لا يجزي تسبيح ولا تحميد ولا تهليل، كما قال النووي وغيره، ما يكفي عن الركعتين. وقد ذهب داود وأصحابه إلى أن ذلك على الوجوب، وهذا باطل، ولو كان الأمر على ما قالوه؛ لحرم دخول المسجد على المحدث الحدث الأصغر حتى يتوضأ، ولا قائل به فيما أعلم، والله أعلم. فإن قيل: فقد روى إبراهيم بن يزيد عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة ابن عبد الرحمن عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يركع ركعتين، وإذا دخل أحدكم بيته فلا يجلس حتى يركع ركعتين، فإن الله جاعل من ركعتيه في بيته خيراً)) وهذا يقتضى التسوية بين المسجد والبيت، قيل له: هذه الزيادة في الركوع عند دخول البيت لا أصل لها، قال ذلك البخاري، وإنما يصح في هذا حديث أبي قتادة الذي تقدم لمسلم، وإبراهيم هذا لا أعلم روى عنه إلا سعد بن عبد الحميد، ولا أعلم له إلا هذا الحديث الواحد، قاله أبو محمد عبد الحق .. الأمر بالركعتين لدخول المسجد هذا ما فيه إشكال، صحيح ثابت، وأما الأمر بهما لدخول البيت فلا. طالب: أقوى الصوارف؟ الشيخ: أقواها، من دخل على النبي ﵊ وهو جالس ما أمره بالصلاة، سلم وجلس عنده ﵊، وأيضاً: حديث الأعرابي قال: هل عليّ غيرها؟ قال: ((لا إلا أن تطوع)) وغير ذلك كثير، كثيرة الصوارف، ذكروا جملةً منها. طالب: عبد الحق من هو؟ الشيخ: عبد الحق الأشبيلي في أحكامه. طالب: سماع الخطبة واجب والركعتين سنة، فكيف يترك واجب لأجل سنة؟. الشيخ: أي نعم، يترك الواجب ويأتي بسنة؛ لأن هذا الواجب ما يبدأ إلا عند السماع، بدليل أنك لو تأخرت في بيتك حتى انتهت الخطبة ما أثمت. طالب: وإذا دخلت المسجد؟ الشيخ: دخلت المسجد، لكنك الآن ما شرعت بعد في الاستماع، أنت تصلي ركعتين للأمر بهما.

стр. 270

الثانية عشرة: روى سعيد بن زبان، حدثني أبي عن أبيه عن جده عن أبي هند ﵁ قال: حمل تميم -يعني الداري- من الشام إلى المدينة قناديل وزيتاً ومقطا، فلما انتهى إلى المدينة وافق ذلك ليلة الجمعة فأمر غلاماً يقال له: أبو البزاد، فقام فنشط المُقط، وعلق القناديل، وصب فيها الماء والزيت، وجعل فيها الفتيل فلما غربت الشمس أمر أبا البزاد فأسرجها، وخرج رسول الله ﷺ فإذا هو بها تزهر فقال: ((من فعل هذا؟ )) قالوا: تميم الداري يا رسول الله، فقال: ((نورت الإسلام، نور الله عليك في الدنيا والآخرة، أما إنه لو كانت لي ابنة لزوجتكها)) قال نوفل بن الحارث: لي ابنة يا رسول الله تسمى المغيرة بنت نوفل فافعل بها ما أردت فأنكحه إياها. زبَّان (بفتح الزاي والباء وتشديدها بنقطة واحدة من تحتها) ينفرد بالتسمي به سعيد وحده، فهو أبو عثمان سعيد بن زبَّان بن قائد بن زبان بن أبي هند .. قائد وإلا فائد؟ طالب: عندنا قايد. الشيخ: فائد هو، الصواب فائد، وجاءت تسميته بالأمرين لكن ابن حجر يرجح أنه فائد بالفاء. وأبو هند هذا مولى ابن بياضة حجام النبي ﷺ والمُقُط: جمع المقاط، وهو الحبل فكأنه مقلوب القماط، والله أعلم. ما زال الاستعمال قائم للحبل يسمونه مقاط، امقطوه، يعني اربطوه بالحبل، امقطوه، إذا قيل: امقطوه يعني اربطوه بالحبل، مستعمل، لكن القماط، لف القماط! طالب:. . . . . . . . . القماط؟ يعني لفافة، كل ما يلف يسمى قماط. وروى ابن ماجه عن أبي سعيد الخدري قال: أول من أسرج في المساجد تميم الداري .. إيش قال عن حديث تميم قبله؟ طالب: إسناده ضعيف جداً لزبّان. . . . . . . . . ضعيف الحديث،. . . . . . . . . قول ابن سعيد متروك. . . . . . . . . مجاهيل. الشيخ: ضعفه، زبّان مشهور بالضعف. وروي عن أنس أن النبي ﷺ قال: ((من أسرج في مسجد سراجاً لم تزل الملائكة وحملة العرش يصلون عليه، ويستغفرون له ما دام ذلك الضوء فيه، وإن كنس غبار المسجد نقد الحور العين)). يعني مهر، إيش قال عن الحديث؟

стр. 271

طالب: باطل لا أصل له، ذكره الذهبي في ميزانه بترجمة الحاكم بن. . . . . . . . . بقوله: قال الأزدي: كذاب، وقال البخاري: عنده عجائب، ثم ذكره له حديثاً موضوعاً لكن فيه إسحاق بن بشر .... ثم ذكره من حديث أنس. . . . . . . . . قال الألباني: ضعيف موضوع، وقال الألباني فائدة: تنبيه: لم يقف شيخ الإسلام ابن تيمية على هذا الإسناد، وقد ذكر الحديث في الفتاوى وقال: لا أعرف له إسناد، وقد عرفنا إسناده وبيّنا حاله ومنه علمنا أنه بلا إسناد. الشيخ: نعم، وجوده مثل عدمه، قد يكون نفي شيخ الإسلام صحيح، يعني لا يعرف له إسناداً يثبت به، أما الإسناد الذي لا يثبت به، قد يكون موجوداً كهذا. طالب: هل ثبت في مهر الحور العين شيء؟ الشيخ: لا، من هذا الحديث. طالب: هل ورد شيء عن مهر الحور لمن غض البصر؟ الشيخ: لا، هو ما ثبت إلا هنا، ما عرف إلا هنا، تنظيف المسجد مهر الحور العين. طالب: ولا حتى رواية ضعيفة؟ الشيخ: فيما ذا؟ طالب: في غض البصر أنه مهر الحور؟ الشيخ: لا لا، مسألة أن كونه يورث حلاوة يورثه حلاوة، أما كونه المهر لا. قال العلماء: ويستحب أن ينور البيت الذي يقرأ فيه القرآن بتعليق القناديل ونصب الشموع فيه، ويزاد في شهر رمضان في أنوار المساجد .. للحاجة إليها، للحاجة إلى هذه الأنوار حاجة قائمة لتسهل القراءة على الناس.

стр. 272

الثالثة عشرة: قوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ﴾ [(٣٦ - ٣٧) سورة النور] اختلف العلماء في وصف الله تعالى المسبحين، فقيل: هم المراقبون أمر الله الطالبون رضاءه الذين لا يشغلهم عن الصلاة وذكر الله شيء من أمور الدنيا، وقال كثير من الصحابة: نزلت هذه الآية في أهل الأسواق الذين إذا سمعوا النداء بالصلاة تركوا كل شغل، وبادروا ورأى سالم بن عبد الله أهل الأسواق، وهم مقبلون إلى الصلاة، فقال: هؤلاء الذين أراد الله بقوله: ﴿لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ﴾ وروي ذلك عن ابن مسعود، وقرأ عبد الله بن عامر وعاصم في رواية أبي بكر عنه والحسن ﴿يسبَّح له فيها﴾ بفتح الباء على ما لم يسم فاعله، وكان نافع وابن عمر وأبو عمرو وحمزة يقرؤون ﴿يسبِّح﴾ بكسر الباء، وكذلك روى أبو عمرو عن عاصم فمن قرأ ﴿يسبح﴾ بفتح الباء كان على معنيين: أحدهما: أن يرتفع ﴿رجال﴾ بفعل مضمر دل عليه الظاهر، بمعنى يسبحه رجال .. كأن فيه تقدير سؤال، يسبّح له فيها بالغدو والآصال، كأنه قيل: من يسبحه؟ الجواب معاد في السؤال، يعني إعادة السؤال في الجواب معروفة، كأنه قال: يسبحه رجال، جواباً عن هذا السؤال. فيوقف على هذا على ﴿الْآصَالِ﴾ وقد ذكر سيبويه مثل هذا وأنشد: ليبك يزيد ضارع لخصومة ... ومختبط مما تطيح الطوائح كأنه قال: من يبكيه؟ قال: يبكيه ضارع. المعنى: يبكيه ضارع، وعلى هذا تقول: ضُرب زيد عمرو، على معنى ضربه عمرو، والوجه الآخر: أن يرتفع ﴿رِجَالٌ﴾ بالابتداء والخبر، ﴿فِي بُيُوتٍ﴾ أي في بيوت أذن الله أن ترفع رجال، و ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا﴾ حال من الضمير في ﴿تُرْفَعَ﴾ كأنه قال: أن ترفع مسبحاً له فيها، ولا يوقف على ﴿الْآصَالِ﴾ على هذا التقدير ومن قرأ ﴿يسبح﴾ بكسر الباء لم يقف على ﴿الْآصَالِ﴾ لأن ﴿يسبح﴾ فعل للرجال، والفعل مضطر إلى فاعله، ولا إضمار فيه، وقد تقدم القول في ﴿الْغُدُوِّ وَالآصَالِ﴾ في آخر الأعراف، والحمد لله وحده .. يعني: الغداة أول النهار والأصيل آخره، يسبحونه في أوائل النهار وفي آخره، ومن آناء الليل أيضاً.

стр. 273

الرابعة عشرة: قوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا﴾ قيل: معناه يصلي، وقال ابن عباس: كل تسبيح في القرآن صلاة، ويدل عليه قوله: ﴿بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ﴾ أي بالغداة والعشي، وقال أكثر المفسرين: أراد الصلاة المفروضة، فالغدو صلاة الصبح، والآصال صلاة الظهر والعصر، والعشاءين؛ لأن اسم الآصال يجمعها. الخامسة عشرة: روى أبو داود عن أبي أمامة أن رسول الله ﷺ قال: ((من خرج من بيته متطهراً إلى صلاة مكتوبة فأجره كأجر الحاج المحرم، ومن خرج إلى تسبيح الضحى لا ينصبه إلا إياه فأجره كأجر المعتمر، وصلاة على إثر صلاة لا لغو بينهما كتاب في عليين)). وخرج عن بريدة عن النبي ﷺ قال: ((بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة)). الحديث الأول حديث أبي أمامة؟ طالب: قال: ضعيف، أخرجه أبو داود من حديث أبي أمامة وإسناده ضعيف، لضعف القاسم بن عبد الرحمن جرحه أحمد وغيره، وهو صاحب مناكير كثيرة، والحديث حسنه الألباني. طالب: والثاني يا شيخ؟ الشيخ: بشر المشائين، لا بأس به. الشيخ: ماذا يقول؟ طالب: قال: صحيح أخرجه أبو داود والترمذي من حديث بريدة وابن ماجه والحاكم من حديث أنس، وابن ماجه وابن خزيمة من حديث سهل بن سعد وابن حبان من حديث أبي الدرداء وأسانيدها حسان، والحديث صحيح بشواهده -إن شاء الله-. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: ((من غدا إلى المسجد أو راح أعد الله له نزلاً في الجنة كلما غدا أو راح)) في غير الصحيح من الزيادة: كما أن أحدكم لو زار من يحب زيارته لاجتهد في كرامته. ذكره الثعلبي. وخرج مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من تطهر في بيته ثم مشى إلى بيت من بيوت الله ليقضي فريضةً من فرائض الله كانت خطوتاه أحدهما تحط خطيئة، والأخرى ترفع درجة)). إحداهما؛ لأنه يعود إلى مؤنث، ما دام يعود إلى مؤنث (إحداهما).

стр. 274

وعنه قال رسول الله ﷺ : ((صلاة الرجل في جماعة تزيد على صلاته في بيته وصلاته في سوقه بضعاً وعشرين درجة، وذلك أن أحدهم إذا توضأ فأحسن الوضوء، ثم أتى المسجد، لا ينهزه إلا الصلاة، لا يريد إلا الصلاة فلم يخط خطوة إلا رفع له بها درجة، وحط عنه بها خطيئة، حتى يدخل المسجد فإذا دخل المسجد كان في الصلاة ما كانت الصلاة تحبسه، والملائكة يصلون على أحدكم ما دام في مجلسه الذي صلى فيه، يقولون: اللهم ارحمه، اللهم اغفر له، اللهم تب عليه، ما لم يؤذ فيه، ما لم يحدث فيه)). في رواية: ما يحدث؟ قال: ((يفسو أو يضرط)) وقال حكيم بن زريق: قيل لسعيد بن المسيب: أحضور الجنازة أحب إليك أم الجلوس في المسجد؟ فقال: من صلى على جنازة فله قيراط، ومن شهد دفنها فله قيراطان، والجلوس في المسجد أحب إليّ؛ لأن الملائكة تقول: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، اللهم تب عليه. وروي عن الحكم بن عمير صاحب رسول الله ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ : ((كونوا في الدنيا أضيافاً، واتخذوا المساجد بيوتاً، وعودوا قلوبكم الرقة، وأكثروا التفكر والبكاء ولا تختلف بكم الأهواء تبنون ما لا تسكنون، وتجمعون ما لا تأكلون، وتؤملون ما لا تدركون)). وقال أبو الدرداء لابنه: ليكن المسجد بيتك فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إن المساجد بيوت المتقين، ومن كانت المساجد بيته ضمن الله تعالى له الروح والراحة، والجواز على الصراط)). ماذا قالوا عن الأحاديث؟ طالب: قال: أخرجه ابن الجوزي في العلل، والخضعي من حديث أبي الدرداء، وأعله ابن الجوزي بأن فيه عمرو بن جرير متروك، ذكره القضاعي والطبراني في الكبير من طريق آخر وخصهما البزار، وقال: الهيتمي في المجمع رجاله رجال الصحيح، وله شواهد، انظر الصحيح، والألباني حسن ((المسجد بيت كل تقي)) وضعف شطره الباقي. الشيخ: المساجد بيوت المتقين؟ طالب: نعم

стр. 275

وكتب أبو صادق الأزدي إلى شعيب بن الحبحاب: أن عليك بالمساجد فالزمها فإنه بلغني أنها كانت مجالس الأنبياء، وقال أبو إدريس الخولاني: المساجد مجالس الكرام من الناس، وقال مالك بن دينار: بلغني أن الله ﵎ يقول: "إني أهمّ بعذاب عبادي فأنظر إلى عمار المساجد، وجلساء القرآن، وولدان الإسلام فيسكن غضبي". وروي عنه ﵇ أنه قال: ((سيكون في آخر الزمان رجال يأتون المساجد، فيقعدون فيها حلقاً حلقاً ذكرهم الدنيا وحبها، فلا تجالسوهم فليس لله بهم حاجة)) وقال ابن المسيب: من جلس في مسجد فإنما يجالس ربه، فما حقه أن يقول إلا خيراً. وقد مضى من تعظيم المساجد وحرمتها ما فيه كفاية، وقد جمع بعض العلماء في ذلك خمس عشرة خصلة فقال: من حرمة المسجد أن يسلم وقت الدخول إن كان القوم جلوساً، وإن لم يكن في المسجد أحد قال: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين .. يعني كما يدخل بيته، أو بيت ليس فيها أحد يسلم على نفسه. وأن يركع ركعتين قبل أن يجلس، وألا يشتري فيه ولا يبيع، ولا يسل فيه سهماً ولا سيفاً، ولا يطلب فيه ضالة، ولا يرفع فيه صوتاً بغير ذكر الله تعالى، ولا يتكلم فيه بأحاديث الدنيا، ولا يتخطى رقاب الناس، ولا ينازع في المكان، ولا يضيق على أحد في الصف، ولا يمر بين يدي مصلٍ، ولا يبصق ولا يتنخم ولا يتمخط فيه، ولا يفرقع أصابعه، ولا يعبث بشيء من جسده، وأن ينزَّه عن النجاسات والصبيان والمجانين، وإقامة الحدود، وأن يكثر ذكر الله تعالى، ولا يغفل عنه، فإذا فعل هذه الخصال فقد أدى حق المسجد، وكان المسجد حرزاً له، وحصناً من الشيطان الرجيم. وفي الخبر: أن مسجداً ارتفع بأهله إلى السماء يشكوهم إلى الله لما يتحدثون فيه من أحاديث الدنيا، وروى الدارقطني عن عامر الشعبي قال: قال رسول الله ﷺ : ((من اقتراب الساعة أن يُرى الهلال قبلاً فيقال: لليلتين، وأن تتخذ المساجد طرقاً، وأن يظهر موت الفجأة))، هذا يرويه عبد الكبير بن المعافى عن شريك عن العباس بن ذريح عن الشعبي عن أنس وغيره يرويه عن الشعبي مرسلاً، والله أعلم. وقال أبو حاتم: عبد الكبير بن معافى ثقة كان يعد من الأبدال.

стр. 276

وفي البخاري عن أبي موسى عن النبي ﷺ قال: ((من مر في شيء من مساجدنا أو أسواقنا بنبل فليأخذ على نصالها، لا يعقر بكفه مسلماً)). وخرج مسلم عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : ((البزاق في المسجد خطيئة، وكفارتها دفنها)) وعن أبي ذر عن النبي ﷺ قال: ((عرضت علي أعمال أمتي حسنها وسيئها فوجدت في محاسن أعمالها الأذى يماط عن الطريق، ووجدت في مساوئ أعمالها النخاعة تكون في المسجد لا تدفن)). وجاء أن النخاعة والبصاق في المسجد خطيئة، وحك النبي ﵊ بصاقاً وجده في القبلة– قبلة المسجد –حكه بنفسه ﵊ ويبقى أن هذا إذا كان في المسجد يعني في أرضه أو في جداره كان خطيئة، ولا شك أن مثل هذا لا يجوز؛ لأنه تلويث للمسجد، لكن إن كان في منديل أو في شيءٍ خارج عن المسجد، يعني ممكن مع الحاجة إليه فلا مانع، مثل هذا كما قالوا في إرسال الريح عند الحاجة إليها بحيث لا يتأذى بها أحد أجازوه للحاجة، ويبقى أن الأصل احترام المساجد وتنظيفها وتطييبها، وإذا منع من أكل ما له رائحة قبيحة فلأن يمنع مثل هذا من باب أولى. لكن المسجد الذي رفع بأهله أو ارتفع بأهله يشكوهم، ماذا قال عنه؟ طالب: لم أجده مسنداً، والأشبه كونه من الإسرائيليات. الشيخ: يعني: مو بعيد. وحديث المرسل حق الشعبي؟ طالب: عزاه المصنف للدارقطني مرسلاً وموصولاً، والموصول إسناده حسن. . . . . . . . .، وذكره الألباني شاهداً لحديث صححه في الصحيحة من طرقه، وهو من اقتراب الساعة أن يُرى الهلال قبلاً فيقال: لليلتين،. . . . . . . . . وعزاه الطبراني في الصغير والضياء في المختارة وزيادة: ((اتخذوا المساجد طرقاً)) حسنها بشاهد عن ابن مسعود، وظهور الموت فجأة، حسنه بشاهد آخر. . . . . . . . . طالب:. . . . . . . . . الشيخ: إذا مات؟ ماذا فيه؟ طالب. . . . . . . . .

стр. 277

الشيخ: والله إذا كان له حق، أو يخشى أن لا يحضره أحد لا مانع، ما يظهر عندي أي مانع من الإعلان عنه بالمسجد، من أجل كثرة الجمع؛ لأن النبي ﷺ نعى النجاشي من أجل أن يصلي عليه الناس، وأما الإعلان الذي يحصل على طريق أهل الجاهلية بالسكك وأبواب البيوت، وما أشبه ذلك من أجل أن يكثر الجمع ليفتخر به أهله، فهذا ممنوع، إذا كان القصد منه نفع الميت لا بأس به -إن شاء الله-. طالب: وضع سلات المهملات في المسجد؟ الشيخ: والله إذا كانت في الخلف ما يظهر مانع، لكن إن كانت في القبلة في جهة المصليين، لا. طالب: إذا وضع فيها نجاسة؟ الشيخ: لا، يجب إخراجها من المسجد، لا يجوز بقاؤها. طالب:. . . . . . . . . الشيخ: لا، خارج، يخرج عن المسجد. وخرج أبو داود عن الفرج بن فضالة عن أبي سعد الحميري قال: رأيت واثلة بن الأسقع في مسجد دمشق بصق على الحصير ثم مسحه برجله، فقيل له: لم فعلت هذا؟ قال: لأني رأيت رسول الله ﷺ يفعله، فرج بن فضالة ضعيف، وأيضاً فلم يكن في مسجد رسول الله ﷺ حصر، والصحيح أن رسول الله ﷺ إنما بصق على الأرض، ودلكه بنعله اليسرى، ولعل واثلة إنما أراد هذا فحمل الحصير عليه .. يعني: قاسوا على التراب، قاسوا على ما كان مغطىً به مسجد النبي ﵊، لكن لو طلب ماءً فجيء له بماء فوجد الماء بارد شديد البرودة فبصقه في الأرض؟ هذا ليس بصاق ولا نخاع، ماء بصقه في أرض المسجد ما الحكم؟ لأنه لو شربه تضرر به، كراهة متجهة أو لا؟ هو ماء، يعني غاية ما فيه أنه اختلط بالريق، ولم يصاحبه شيء من البصاق؟ في ما يمنع يا إخوان؟ جيء له بماء يشرب فوجده بارد يضره لو شربه؟. طالب: الماء ليس بنجس. الشيخ: والبصاق ليس بنجس، البصاق أيضاً والنخاعة ليست بنجسة. طالب: إذاً نفسه. الشيخ: لكن رؤيتها مقززة وشنيعة، البصاق وغيره والنخاع، لكن الماء إذا اختلط بالريق طاهر ما فيه إشكال، لا سيما وإنه إنما مجه للحاجة لئلا يتضرر به، وقد رأينا من يفعل هذا من الشيوخ الكبار. طالب: ما يقال: أن المساجد تصان عن مثل هذا؟ الشيخ: أنا رأيت الشيخ ابن باز فعله –﵀.

стр. 278

السادسة عشرة: لما قال تعالى: ﴿رِجَالٌ﴾ وخصهم بالذكر، دلَّ على أن النساء لا حظ لهن في المساجد، إذ لا جمعة عليهن ولا جماعة، وأن صلاتهن في بيوتهن أفضل. روى أبو داود عن عبد الله ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في حجرتها، وصلاتها في مخدعها أفضل من صلاتها في بيتها)). يعني كلما زاد الاختفاء بالنسبة للمرأة، وكذلك الرجل في النافلة كان الأجر أعظم. السابعة عشرة: قوله تعالى: ﴿لَّا تُلْهِيهِمْ﴾ أي لا تشغلهم ﴿تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ﴾ خص التجارة بالذكر؛ لأنها أعظم ما يشتغل بها الإنسان عن الصلاة، فإن قيل: فلم كرر ذكر البيع والتجارة تشمله؟ .. لأنه فرد من أفرادها، والتجارة شاملة للبيع وغيره، لكن تخصيصه للاهتمام به، والعناية بشأنه، لأنه هو الذي يكثر بين الناس من أنواع التجارات. قيل له: أراد بالتجارة الشراء لقوله: ﴿وَلَا بَيْعٌ﴾ نظيره قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ [(١١) سورة الجمعة] قاله الواقدي، وقال الكلبي: التجار هم الجلاب المسافرون، والباعة هم المقيمون ﴿عَن ذِكْرِ اللَّهِ﴾ اختلف في تأويله .. لا يمنع أن يكون عطف البيع على التجارة من باب عطف الخاص على العام للاهتمام بشأن الخاص، والعناية به، وإلا فالبيع داخل في التجارة، وأما قوله: ﴿لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ﴾ رأينا وسمعنا من ألهتهم التجارة عن أنفسهم فضلاً عن غيرهم. فقال عطاء: يعني حضور الصلاة، وقاله ابن عباس، وقال: المكتوبة، وقيل: عن الآذان، ذكره يحيى بن سلام، وقيل: عن ذكره بأسمائه الحسنى، أي يوحدونه ويمجدونه، والآية نزلت في أهل الأسواق، قاله ابن عمر، قال سالم: جاز عبد الله بن عمر بالسوق .. يعني مرّ به.

стр. 279

وقد أغلقوا حوانيتهم، وقاموا ليصلوا في جماعة، فقال: فيهم نزلت ﴿رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ﴾ الآية ... ، وقال أبو هريرة عن النبي ﷺ : ((هم الذين يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله)) وقيل: إن رجلين كانا في عهد النبي ﷺ أحدهما بياعاً فإذا سمع النداء بالصلاة فإن كان الميزان بيده طرحه ولا يضعه وضعاً، وإن كان بالأرض لم يرفعه، وكان الآخر قيناً يعمل السيوف للتجارة، فكان إذا كانت مطرقته على السندان أبقاها موضوعة، وإن كان قد رفعها ألقاها من وراء ظهره إذا سمع الأذان .. نعم، إذا رفع المسحاة إن كان فلاح مثلاً –مزارع– أو عامل رفع المسحاة ليضرب بها الأرض لتلين للزرع فإذا سمع النداء ألقاها من وراء ظهره، ولا يعيدها إلى مكانها، وهذا من تمام الامتثال، الله المستعان. فأنزل الله تعالى هذا ثناء عليهما، وعلى كل من اقتدى بهما. الثامنة عشرة: قوله تعالى: ﴿وَإِقَامِ الصَّلَاةِ﴾ هذا يدل على أن المراد .. قد يقول طالب العلم: أنا لا تلهيني التجارة ولا البيع عن الصلاة، ولا عن ذكر الله ولا شيء، لكن يلهيني طلب العلم، أنا جالس في المكتبة أحفظ وأراجع الكتب وأسمع النداء ولا أجيب، وإنما أخرج قبيل الإقامة، لأني مشغول بالعلم لا مشغول بالتجارة ولا بيع، أشتغل بالعلم، والعلم عند أهل العلم مقرر أنه أفضل من نوافل العبادة، وعلى كل حال كل وقت له عمله الشرعي، فإذا أذن فالصلاة، والله المستعان. قوله تعالى: ﴿وَإِقَامِ الصَّلَاةِ﴾ هذا يدل على أن المراد بقوله: ﴿عَن ذِكْرِ اللَّهِ﴾ غير الصلاة؛ لأنه يكون تكراراً يقال: أقام الصلاة إقامة، والأصل إقواماً، فقلبت حركة الواو على القاف فانقلبت الواو ألفاً وبعدها ألف ساكنة فحذفت إحداهما، وأثبتت الهاء؛ لئلا تحذفها فتجحَف .. فتجحِف، يعني إذا حذفتها أجحفت. فلما أضيفت قام المضاف مقام الهاء، فجاز حذفها، وإن لم تضف لم يجز حذفها، ألا ترى أنك تقول: وعد عدة، ووزن وزنة، فلا يجوز حذف الهاء؛ لأنك قد حذفت واواً؛ لأن الأصل وعد وعدة، ووزن وزنة، فإذا أضفت حذفت الهاء، وأنشد الفراء: إن الخليط أجدوا البين فانجردوا ... وأخلفوك عد الأمر الذي وعدوا

стр. 280

يريد عدة، فحذف الهاء لما أضاف. وروي من حديث أنس قال: قال رسول الله ﷺ : ((يأتي الله يوم القيامة بمساجد الدنيا كأنها نجب بيض، قوائمها من العنبر، وأعناقها من الزعفران، ورؤوسها من المسك، وأزمتها من الزبرجد الأخضر، وقوامها والمؤذنون فيها يقودونها، وأئمتها يسوقونها، وعمارها متعلقون بها، فتجوز عرصات القيامة كالبرق الخاطف، فيقول أهل الموقف: هؤلاء ملائكة مقربون، أو أنبياء مرسلون، فينادى: ما هؤلاء بملائكة ولا أنبياء، ولكنهم أهل المساجد، والمحافظون على الصلوات من أمة محمد ﷺ )). ضعيف؟ طالب: قال: تقدم، وقال عزاه المصنف للدارمي ولم أقف عليه وأمارة الوضع لائحة عليه. . . . . . . . . الشيخ: تقدم ذكره في الدرس الماضي. وعن علي ﵁ أنه قال: يأتي على الناس زمان لا يبقى من الإسلام إلا اسمه، ولا من القرآن إلا رسمه، يعمرون مساجدهم، وهي من ذكر الله خراب، شر أهل ذلك الزمان علماؤهم، منهم تخرج الفتنة وإليهم تعود -يعني أنهم يعلمون ولا يعملون بواجبات ما علموا-. التاسعة عشرة: قوله تعالى: ﴿وَإِيتَاء الزَّكَاةِ﴾ قيل: الزكاة المفروضة، قاله الحسن، وقال ابن عباس: الزكاة هنا طاعة الله تعالى والإخلاص، إذ ليس لكل مؤمن مال ﴿يَخَافُونَ يَوْمًا﴾ يعني يوم القيامة. ﴿تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ يعني: من هوله وحذر الهلاك، والتقلب التحول، والمراد قلوب الكفار وأبصارهم، فتقلب القلوب انتزاعها من أماكنها إلى الحناجر، فلا هي ترجع إلى أمكانها، ولا هي تخرج، وأما تقلب الأبصار فالزرق بعد الكحل، والعمى بعد البصر، وقيل: تتقلب القلوب بين الطمع في النجاة والخوف من الهلاك، والأبصار تنظر من أي ناحية يعطون كتبهم، وإلى أي ناحية يؤخذ بهم. وقيل: إن قلوب الشاكين تتحول عما كانت عليه من الشك، وكذلك أبصارهم لرؤيتهم اليقين، وذلك مثل قوله تعالى: ﴿فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [(٢٢) سورة ق] فما كان يراه في الدنيا غياً يراه رشداً، إلا أن ذلك لا ينفعهم في الآخرة ..

стр. 281

نعم، لانقطاع وقت التكليف، بعد المعاينة وانكشاف الأمور، لا ينفع مثل هذا -نسأل الله العافية- والإيمان إذا لم يكن بالغيب ما نفع. وقيل: تقلب على جمر جهنم، كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾ [(٦٦) سورة الأحزاب] ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ﴾ [(١١٠) سورة الأنعام] في قول من جعل المعنى تقلبها على لهب النار، وقيل: تقلب بأن تلفحها النار مرة وتنضجها مرة، وقيل: إن تقلب القلوب وجيبها، وتقلب الأبصار النظر بها إلى نواحي الأهوال. ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا﴾ [(٣٨) سورة النور] فذكر الجزاء على الحسنات، ولم يذكر الجزاء على السيئات، وإن كان يجازى عليها لأمرين: أحدهما: أنه ترغيب فاقتصر على ذكر الرغبة، والثاني: أنه في صفة قوم لا تكون منهم الكبائر، فكانت صغائرهم مغفورة. ﴿وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: ما يضاعفه من الحسنة بعشر أمثالها، والثاني: ما يتفضل به من غير جزاء .. يعني إلى أكثر من ذلك، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، وأهل العلم يقولون: قد خاب من فاقت آحاده عشراته، إذا كانت الحسنة بعشر أمثالها، والسيئة بواحدة فمن يهلك بعد هذا إلا من كتب الله له الشقاوة. الثاني: ما يتفضل به من غير جزاء، ﴿وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ أي من غير أن يحاسبه على ما أعطاه، إذ لا نهاية لعطائه، وروي أنه لما نزلت هذه الآية أمر رسول الله ﷺ ببناء مسجد قباء فحضر عبد الله بن رواحة فقال: يا رسول الله، قد أفلح من بنى المساجد، قال: ((نعم يا ابن رواحة)) قال: وصلى فيها قائماً وقاعداً، قال: ((نعم يا ابن رواحة)) قال: ولم يبت لله إلا ساجداً، قال: ((نعم يا ابن رواحة كف عن السجع، فما أعطي عبد شيئاً شراً من طلاقة في لسانه)) ذكره الماوردي .. لا سيما إذا استعمله فيما لا يرضي الله -جل وعلا-، أما إذا استعمل هذه الطلاقة فيما يرضي الله والذب عن الدين وأهله يؤجر عليها، لذا جاء في الحديث الصحيح: ((إن من البيان لسحراً)) والسحر مذموم على كل حال، لكن هذا إن كان هذا البيان في نصر الحق فهو ممدوح، وإن كان في نصر الباطل فهو مذموم.

стр. 282

طالب: خبر أن مسجد قباء أول ما بني. الشيخ: سبب نزول الآية؟ طالب: لما نزلت هذه الآية أمر ببناء مسجد قباء. الشيخ: لا لا، مسجد قباء أول مسجد أسس على التقوى، بناه النبي ﵊ قبل أن يدخل المدينة. طالب: قبل مسجده؟ الشيخ: قبل مسجده ﵊. طالب: يعني ضعيف هذا الخبر. الشيخ: نعم بلا شك، ماذا قالوا عنه؟ طالب: ذكره الماوردي في تفسيره بدون إسناده، ولم يعزوه لأحد، وعلى العموم هو غريب حيث لم يذكره أحد من أهل التفسير، والله أعلم. الشيخ: وإذا لم يوجد في الدواوين المعروفة المسندة الأصلية فهذا أمارة وضع. قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾ [(٣٩) سورة النور] لما ضرب مثل المؤمن ضرب مثل الكافر، قال مقاتل: نزلت في شيبة بن ربيعة بن عبد شمس، كان يترهب متلمساً للدين، فلما خرج رسول الله ﷺ كفر، قال أبو سهل: في أهل الكتاب، وقال الضحاك: في أعمال الخير للكافر كصلة الرحم، ونفع الجيران، والسراب: ما يرى نصف النهار في اشتداد الحر كالماء في المفاوز يلتصق بالأرض، والآل الذي يكون ضحىً كالماء إلا أنه يرتفع عن الأرض حتى يصير كأنه بين الأرض والسماء، وسمي السراب سراباً؛ لأنه يسرب، أي يجري كالماء، ويقال: سرب الفحل: أي مضى وسار في الأرض، ويسمى الآل أيضاً، ولا يكون إلا في البرية والحر فيغتر به العطشان، قال الشاعر: فكنت كمهريق الذي في سقائه ... لرقراق آلٍ فوق رابية صلد وقال آخر: فلما كففنا الحرب كانت عهودهم ... كلمع سراب بالفلا متألقِ وقال امرؤ القيس: ألم أنض المطي بكل خرق ... أمق الطول لماع السراب والقيعة: جمع القاع، مثل جيرة وجار، قاله الهروي، وقال أبو عبيدة: قيعة وقاع واحد حكاه النحاس، والقاع ما انبسط من الأرض واتسع، ولم يكن فيه نبت، وفيه يكون السراب .. ولا يكون السراب إلا في المنبسط من الأرض، أما الأرض التي فيها ارتفاع ونزول وجبال ورمال هذه لا يكون فيها سراب، إنما السراب الذي يكون بالقيعة –الأرض المنبسطة-.

стр. 283

وأصل القاع الموضع المنخفض الذي يستقر فيه الماء، وجمعه قيعان، قال الجوهري: والقاع المستوي من الأرض، والجمع أقوع وأقواع وقيعان، صارت الواو ياء لكسر ما قبلها، والقيعة مثل القاع، وهو أيضاً من الواو، وبعضهم يقول: هو جمع. ﴿يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ﴾ أي العطشان، ﴿مَاء﴾ أي يحسب السراب ماء، ﴿حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ مما قدره، ووجد أرضاً لا ماء فيها، وهذا مثل ضربه الله تعالى للكفار يعولون على ثواب أعمالهم فإذا قدموا على الله تعالى وجدوا ثواب أعمالهم محبطةً بالكفر، أي لم يجدوا شيئاً، كما لم يجد صاحب السراب إلا أرضاً لا ماء فيها، فهو يهلك أو يموت .. لأنه يستمر في طلب هذا السراب إلى أن يهلك. ﴿وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ﴾ أي وجد الله بالمرصاد ﴿فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ﴾ أي جزاء عمله، قال امرؤ القيس: فولى مدبراً يهوي حثيثاً ... وأيقن أنه لاقى الحسابا وقيل: وجد وعد الله بالجزاء على عمله، وقيل: وجد أمر الله عند حشره، والمعنى متقارب، وقرئ بقيعات قال المهدوي: ويجوز أن تكون الألف مشبعة من فتحة العين، ويجوز أن تكون مثل رجل عزهٍ وعزهاة للذي لا يقرب النساء، ويجوز أن يكون جمع قيعة، ويكون على هذا بالتاء في الوصل والوقف، وروي عن نافع وابن جعفر وشيبة: (الظمان) بغير همز، والمشهور عنهما الهمز، ظمئ يظمأ ظمأ فهو ظمآن، وإن خففت الهمزة فقلت: الظمان. وقوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ابتداء ﴿أَعْمَالُهُمْ﴾ ابتداء ثان، والكاف من ﴿كَسَرَابٍ﴾ الخبر والجملة خبر عن ﴿الَّذِينَ﴾ ويجوز أن تكون ﴿أَعْمَالُهُمْ﴾ بدلاً من ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: وأعمال الذين كفروا كسراب، فحذف المضاف. قوله تعالى: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ﴾ [(٤٠) سورة النور] ضرب تعالى مثلاً آخر للكفار، أي أعمالهم كسراب بقيعة، أو كظلمات، قال الزجاج: إن شئت مثل بالسراب، وإن شئت مثل بالظلمات فـ ﴿أو﴾ للإباحة حسبما تقدم من القول في ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ﴾ [(١٩) سورة البقرة] وقال الجورجاني: الآية الأولى في ذكر أعمال الكفار، والثانية في ذكر كفرهم ..

стр. 284

فتكون (أو) هنا للتقسيم، ويجوز أن تكون أيضاً لتنويع، منهم من أعماله كسراب، ومنهم من أعماله كظلمات، فتكون للتقسيم والتنويع. ونسقُ الكفر على أعمالهم؛ لأن الكفر أيضاً من أعمالهم، وقد قال تعالى: ﴿يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ﴾ [(٢٥٧) سورة البقرة] أي من الكفر إلى الإيمان، وقال أبو علي: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ﴾ أو كذي ظلمات، ودل على هذا المضاف، قوله تعالى: ﴿إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ﴾ فالكناية تعود إلى المضاف المحذوف، قال القشيري: فعند الزجاج التمثيل وقع لأعمال الكفار، وعند الجرجاني؛ لكفر الكافر، وعند أبي علي للكافر، وقال ابن عباس في رواية: هذا مثل قلب الكافر. ﴿فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ﴾ قيل: هو منسوب إلى اللَّجة، وهو الذي لا يدرك قعره، واللجة معظم الماء، والجمع: لجج، والتج البحر إذا تلاطمت أمواجه، ومنه ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: ((من ركب البحر إذا التج فقد برئت منه الذمة)) .. خرجه؟ إيش يقول؟ طالب: قال: ضعيف، ذكره الذهبي في الميزان، في ترجمة محمد بن زريع، وقال: تابعي لا يعرف، أرسل حديثاً ثم ذكره، ووافقه الحافظ في اللسان، حديث أخرجه أحمد والبخاري في الأدب المفرد والتأريخ عن زهير بن عبد الله عن رجل من الصحابة، فذكره مرفوعاً، وزهير مجهول لا يعرف، وإن وثّقه ابن حبان كعادته في توثيق المجاهيل والحديث حسنه الألباني في الأدب المفرد وهو الصحيحة. الشيخ: معناه صحيح، لأنه من الإلقاء باليد إلى التهلكة، إذا رأى علامات الهلاك ومع ذلك يصرّ إلى أن يركب، ومثل هذا من يركب الطائرة مع سوء الأحوال الجوية التي قد تعرض هذه الطائرة للسقوط، أما مع عدم ذلك فالغالب السلامة. والتج الأمر، إذا عظم واختلط. وقوله تعالى: ﴿حَسِبَتْهُ لُجَّةً﴾ [(٤٤) سورة النمل] أي ما له عمق، ولججت السفينة أي خاضت اللجة (بضم اللام) فأما اللجة (بفتح اللام) فأصوات الناس، يقول: سمعت لجَّة الناس: أي أصواتهم وصخبهم، قال أبو النجم: في لجة أمسك فلاناً عن فلِ.

стр. 285

والتجت الأصوات: أي اختلطت وعظمت ﴿يَغْشَاهُ مَوْجٌ﴾ أي يعلو ذلك البحر اللجي موج ﴿مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ﴾ أي من فوق الموج موج، ومن فوق هذا الموج الثاني سحاب، فيجتمع خوف الموج وخوف الريح وخوف السحاب، وقيل: المعنى يغشاه موج من بعده موج، فيكون المعنى: الموج يتبع بعضه بعضاً، حتى كأن بعضه فوق بعض، وهو أخوف ما يكون إذا توالى موجه وتقارب، ومن فوق هذا الموج سحاب، وهو أعظم للخوف من وجهين: أحدهما: أنه قد غطى النجوم التي يُهتدى بها، الثاني: الريح التي تنشأ مع السحاب والمطر الذي ينزل منه. ﴿ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ﴾ قرأ ابن محيصن والبزي عن ابن كثير ﴿سحابُ ظلمات﴾ بالإضافة والخفض وقنبل: ﴿سحاب﴾ منوناً ﴿ظلمات﴾ بالجر والتنوين، والباقون بالرفع والتنوين، قال المهدوي: من قرأ ﴿من فوقه سحابُ ظلمات﴾ بالإضافة فلأن السحاب يرتفع وقت هذه الظلمات، فأضيف إليها، كما يقال: سحاب رحمة إذا ارتفع في وقت المطر، ومن قرأ ﴿سحابٌ ظلمات﴾ جرّ ﴿ظلمات﴾ على التأكيد لـ ﴿ظلمات﴾ الأولى أو البدل منها .. أو كظلمات مجرور بالكاف، والثاني إذا كان مؤكداً له أو بدلاً منه يجرّ. و ﴿سَحَابٌ﴾ ابتداء، و ﴿مِّن فَوْقِهِ﴾ الخبر، ومن قرأ ﴿سحاب ظلمات﴾ فظلمات خبر ابتداء محذوف، والتقدير: هي ظلمات أو هذه ظلمات، قال ابن الأنباري: ﴿مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ﴾ غير تام؛ لأن قوله: ﴿مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ﴾ صلة للموج، والوقف على قوله: ﴿مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ﴾ حسن، ثم تبتدئ ﴿ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ﴾ على معنى هي ظلمات بعضها فوق بعض. وروي عن أهل مكة أنهم قرؤوا ﴿ظلمات﴾ على معنى أو كظلمات ظلمات بعضها فوق بعض، فعلى هذا المذهب لا يحسن الوقف على السحاب، ثم قيل: المراد بهذه الظلمات ظلمة السحاب، وظلمة الموج، وظلمة الليل، وظلمة البحر، فلا يبصر من كان في هذه الظلمات شيئاً، ولا كوكباً، وقيل: المراد بالظلمات الشدائد أي شدائد بعضها فوق بعض، وقيل: أراد بالظلمات أعمال الكافر .. هذه الظلمات -هذه الشدائد- تحجب العقل كما أن الظلمات تحجب الرؤية، يعني على قول من يقول أن المراد بها الشدائد، ولا شك أن الكافر في شدائد، وفي ظلمات يتيه في دياجير الجهل وظلماته.
следующие страницы →