Полный текст (585 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
نعم، لانقطاع وقت التكليف، بعد المعاينة وانكشاف الأمور، لا ينفع مثل هذا -نسأل الله العافية- والإيمان إذا لم يكن بالغيب ما نفع.
وقيل: تقلب على جمر جهنم، كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾ [(٦٦) سورة الأحزاب] ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ﴾ [(١١٠) سورة الأنعام] في قول من جعل المعنى تقلبها على لهب النار، وقيل: تقلب بأن تلفحها النار مرة وتنضجها مرة، وقيل: إن تقلب القلوب وجيبها، وتقلب الأبصار النظر بها إلى نواحي الأهوال.
﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا﴾ [(٣٨) سورة النور] فذكر الجزاء على الحسنات، ولم يذكر الجزاء على السيئات، وإن كان يجازى عليها لأمرين: أحدهما: أنه ترغيب فاقتصر على ذكر الرغبة، والثاني: أنه في صفة قوم لا تكون منهم الكبائر، فكانت صغائرهم مغفورة. ﴿وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: ما يضاعفه من الحسنة بعشر أمثالها، والثاني: ما يتفضل به من غير جزاء ..
يعني إلى أكثر من ذلك، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، وأهل العلم يقولون: قد خاب من فاقت آحاده عشراته، إذا كانت الحسنة بعشر أمثالها، والسيئة بواحدة فمن يهلك بعد هذا إلا من كتب الله له الشقاوة.
الثاني: ما يتفضل به من غير جزاء، ﴿وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ أي من غير أن يحاسبه على ما أعطاه، إذ لا نهاية لعطائه، وروي أنه لما نزلت هذه الآية أمر رسول الله ﷺ ببناء مسجد قباء فحضر عبد الله بن رواحة فقال: يا رسول الله، قد أفلح من بنى المساجد، قال: ((نعم يا ابن رواحة)) قال: وصلى فيها قائماً وقاعداً، قال: ((نعم يا ابن رواحة)) قال: ولم يبت لله إلا ساجداً، قال: ((نعم يا ابن رواحة كف عن السجع، فما أعطي عبد شيئاً شراً من طلاقة في لسانه)) ذكره الماوردي ..
لا سيما إذا استعمله فيما لا يرضي الله -جل وعلا-، أما إذا استعمل هذه الطلاقة فيما يرضي الله والذب عن الدين وأهله يؤجر عليها، لذا جاء في الحديث الصحيح: ((إن من البيان لسحراً)) والسحر مذموم على كل حال، لكن هذا إن كان هذا البيان في نصر الحق فهو ممدوح، وإن كان في نصر الباطل فهو مذموم.
стр. 282
طالب: خبر أن مسجد قباء أول ما بني.
الشيخ: سبب نزول الآية؟
طالب: لما نزلت هذه الآية أمر ببناء مسجد قباء.
الشيخ: لا لا، مسجد قباء أول مسجد أسس على التقوى، بناه النبي ﵊ قبل أن يدخل المدينة.
طالب: قبل مسجده؟
الشيخ: قبل مسجده ﵊.
طالب: يعني ضعيف هذا الخبر.
الشيخ: نعم بلا شك، ماذا قالوا عنه؟
طالب: ذكره الماوردي في تفسيره بدون إسناده، ولم يعزوه لأحد، وعلى العموم هو غريب حيث لم يذكره أحد من أهل التفسير، والله أعلم.
الشيخ: وإذا لم يوجد في الدواوين المعروفة المسندة الأصلية فهذا أمارة وضع.
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾ [(٣٩) سورة النور] لما ضرب مثل المؤمن ضرب مثل الكافر، قال مقاتل: نزلت في شيبة بن ربيعة بن عبد شمس، كان يترهب متلمساً للدين، فلما خرج رسول الله ﷺ كفر، قال أبو سهل: في أهل الكتاب، وقال الضحاك: في أعمال الخير للكافر كصلة الرحم، ونفع الجيران، والسراب: ما يرى نصف النهار في اشتداد الحر كالماء في المفاوز يلتصق بالأرض، والآل الذي يكون ضحىً كالماء إلا أنه يرتفع عن الأرض حتى يصير كأنه بين الأرض والسماء، وسمي السراب سراباً؛ لأنه يسرب، أي يجري كالماء، ويقال: سرب الفحل: أي مضى وسار في الأرض، ويسمى الآل أيضاً، ولا يكون إلا في البرية والحر فيغتر به العطشان، قال الشاعر:
فكنت كمهريق الذي في سقائه ... لرقراق آلٍ فوق رابية صلد
وقال آخر:
فلما كففنا الحرب كانت عهودهم ... كلمع سراب بالفلا متألقِ
وقال امرؤ القيس:
ألم أنض المطي بكل خرق ... أمق الطول لماع السراب
والقيعة: جمع القاع، مثل جيرة وجار، قاله الهروي، وقال أبو عبيدة: قيعة وقاع واحد حكاه النحاس، والقاع ما انبسط من الأرض واتسع، ولم يكن فيه نبت، وفيه يكون السراب ..
ولا يكون السراب إلا في المنبسط من الأرض، أما الأرض التي فيها ارتفاع ونزول وجبال ورمال هذه لا يكون فيها سراب، إنما السراب الذي يكون بالقيعة –الأرض المنبسطة-.
стр. 283
وأصل القاع الموضع المنخفض الذي يستقر فيه الماء، وجمعه قيعان، قال الجوهري: والقاع المستوي من الأرض، والجمع أقوع وأقواع وقيعان، صارت الواو ياء لكسر ما قبلها، والقيعة مثل القاع، وهو أيضاً من الواو، وبعضهم يقول: هو جمع.
﴿يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ﴾ أي العطشان، ﴿مَاء﴾ أي يحسب السراب ماء، ﴿حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ مما قدره، ووجد أرضاً لا ماء فيها، وهذا مثل ضربه الله تعالى للكفار يعولون على ثواب أعمالهم فإذا قدموا على الله تعالى وجدوا ثواب أعمالهم محبطةً بالكفر، أي لم يجدوا شيئاً، كما لم يجد صاحب السراب إلا أرضاً لا ماء فيها، فهو يهلك أو يموت ..
لأنه يستمر في طلب هذا السراب إلى أن يهلك.
﴿وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ﴾ أي وجد الله بالمرصاد ﴿فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ﴾ أي جزاء عمله، قال امرؤ القيس:
فولى مدبراً يهوي حثيثاً ... وأيقن أنه لاقى الحسابا
وقيل: وجد وعد الله بالجزاء على عمله، وقيل: وجد أمر الله عند حشره، والمعنى متقارب، وقرئ بقيعات قال المهدوي: ويجوز أن تكون الألف مشبعة من فتحة العين، ويجوز أن تكون مثل رجل عزهٍ وعزهاة للذي لا يقرب النساء، ويجوز أن يكون جمع قيعة، ويكون على هذا بالتاء في الوصل والوقف، وروي عن نافع وابن جعفر وشيبة: (الظمان) بغير همز، والمشهور عنهما الهمز، ظمئ يظمأ ظمأ فهو ظمآن، وإن خففت الهمزة فقلت: الظمان.
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ابتداء ﴿أَعْمَالُهُمْ﴾ ابتداء ثان، والكاف من ﴿كَسَرَابٍ﴾ الخبر والجملة خبر عن ﴿الَّذِينَ﴾ ويجوز أن تكون ﴿أَعْمَالُهُمْ﴾ بدلاً من ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: وأعمال الذين كفروا كسراب، فحذف المضاف.
قوله تعالى: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ﴾ [(٤٠) سورة النور] ضرب تعالى مثلاً آخر للكفار، أي أعمالهم كسراب بقيعة، أو كظلمات، قال الزجاج: إن شئت مثل بالسراب، وإن شئت مثل بالظلمات فـ ﴿أو﴾ للإباحة حسبما تقدم من القول في ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ﴾ [(١٩) سورة البقرة] وقال الجورجاني: الآية الأولى في ذكر أعمال الكفار، والثانية في ذكر كفرهم ..
стр. 284
فتكون (أو) هنا للتقسيم، ويجوز أن تكون أيضاً لتنويع، منهم من أعماله كسراب، ومنهم من أعماله كظلمات، فتكون للتقسيم والتنويع.
ونسقُ الكفر على أعمالهم؛ لأن الكفر أيضاً من أعمالهم، وقد قال تعالى: ﴿يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ﴾ [(٢٥٧) سورة البقرة] أي من الكفر إلى الإيمان، وقال أبو علي: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ﴾ أو كذي ظلمات، ودل على هذا المضاف، قوله تعالى: ﴿إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ﴾ فالكناية تعود إلى المضاف المحذوف، قال القشيري: فعند الزجاج التمثيل وقع لأعمال الكفار، وعند الجرجاني؛ لكفر الكافر، وعند أبي علي للكافر، وقال ابن عباس في رواية: هذا مثل قلب الكافر.
﴿فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ﴾ قيل: هو منسوب إلى اللَّجة، وهو الذي لا يدرك قعره، واللجة معظم الماء، والجمع: لجج، والتج البحر إذا تلاطمت أمواجه، ومنه ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: ((من ركب البحر إذا التج فقد برئت منه الذمة)) ..
خرجه؟ إيش يقول؟
طالب: قال: ضعيف، ذكره الذهبي في الميزان، في ترجمة محمد بن زريع، وقال: تابعي لا يعرف، أرسل حديثاً ثم ذكره، ووافقه الحافظ في اللسان، حديث أخرجه أحمد والبخاري في الأدب المفرد والتأريخ عن زهير بن عبد الله عن رجل من الصحابة، فذكره مرفوعاً، وزهير مجهول لا يعرف، وإن وثّقه ابن حبان كعادته في توثيق المجاهيل والحديث حسنه الألباني في الأدب المفرد وهو الصحيحة.
الشيخ: معناه صحيح، لأنه من الإلقاء باليد إلى التهلكة، إذا رأى علامات الهلاك ومع ذلك يصرّ إلى أن يركب، ومثل هذا من يركب الطائرة مع سوء الأحوال الجوية التي قد تعرض هذه الطائرة للسقوط، أما مع عدم ذلك فالغالب السلامة.
والتج الأمر، إذا عظم واختلط. وقوله تعالى: ﴿حَسِبَتْهُ لُجَّةً﴾ [(٤٤) سورة النمل] أي ما له عمق، ولججت السفينة أي خاضت اللجة (بضم اللام) فأما اللجة (بفتح اللام) فأصوات الناس، يقول: سمعت لجَّة الناس: أي أصواتهم وصخبهم، قال أبو النجم:
في لجة أمسك فلاناً عن فلِ.
стр. 285
والتجت الأصوات: أي اختلطت وعظمت ﴿يَغْشَاهُ مَوْجٌ﴾ أي يعلو ذلك البحر اللجي موج ﴿مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ﴾ أي من فوق الموج موج، ومن فوق هذا الموج الثاني سحاب، فيجتمع خوف الموج وخوف الريح وخوف السحاب، وقيل: المعنى يغشاه موج من بعده موج، فيكون المعنى: الموج يتبع بعضه بعضاً، حتى كأن بعضه فوق بعض، وهو أخوف ما يكون إذا توالى موجه وتقارب، ومن فوق هذا الموج سحاب، وهو أعظم للخوف من وجهين: أحدهما: أنه قد غطى النجوم التي يُهتدى بها، الثاني: الريح التي تنشأ مع السحاب والمطر الذي ينزل منه.
﴿ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ﴾ قرأ ابن محيصن والبزي عن ابن كثير ﴿سحابُ ظلمات﴾ بالإضافة والخفض وقنبل: ﴿سحاب﴾ منوناً ﴿ظلمات﴾ بالجر والتنوين، والباقون بالرفع والتنوين، قال المهدوي: من قرأ ﴿من فوقه سحابُ ظلمات﴾ بالإضافة فلأن السحاب يرتفع وقت هذه الظلمات، فأضيف إليها، كما يقال: سحاب رحمة إذا ارتفع في وقت المطر، ومن قرأ ﴿سحابٌ ظلمات﴾ جرّ ﴿ظلمات﴾ على التأكيد لـ ﴿ظلمات﴾ الأولى أو البدل منها ..
أو كظلمات مجرور بالكاف، والثاني إذا كان مؤكداً له أو بدلاً منه يجرّ.
و ﴿سَحَابٌ﴾ ابتداء، و ﴿مِّن فَوْقِهِ﴾ الخبر، ومن قرأ ﴿سحاب ظلمات﴾ فظلمات خبر ابتداء محذوف، والتقدير: هي ظلمات أو هذه ظلمات، قال ابن الأنباري: ﴿مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ﴾ غير تام؛ لأن قوله: ﴿مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ﴾ صلة للموج، والوقف على قوله: ﴿مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ﴾ حسن، ثم تبتدئ ﴿ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ﴾ على معنى هي ظلمات بعضها فوق بعض.
وروي عن أهل مكة أنهم قرؤوا ﴿ظلمات﴾ على معنى أو كظلمات ظلمات بعضها فوق بعض، فعلى هذا المذهب لا يحسن الوقف على السحاب، ثم قيل: المراد بهذه الظلمات ظلمة السحاب، وظلمة الموج، وظلمة الليل، وظلمة البحر، فلا يبصر من كان في هذه الظلمات شيئاً، ولا كوكباً، وقيل: المراد بالظلمات الشدائد أي شدائد بعضها فوق بعض، وقيل: أراد بالظلمات أعمال الكافر ..
هذه الظلمات -هذه الشدائد- تحجب العقل كما أن الظلمات تحجب الرؤية، يعني على قول من يقول أن المراد بها الشدائد، ولا شك أن الكافر في شدائد، وفي ظلمات يتيه في دياجير الجهل وظلماته.
стр. 286
وبالبحر اللجي قلبه، وبالموج فوق الموج ما يغشى قلبه من الجهل والشك والحيرة، وبالسحاب الرين والختم والطبع على قلبه، روي معناه عن ابن عباس وغيره: أي لا يبصر بقلبه نور الإيمان، كما أن صاحب الظلمات في البحر إذا أخرج يده لم يكد يراها، وقال أبي بن كعب: الكافر يتقلب في خمس من الظلمات: كلامه ظلمة، وعمله ظلمة، ومدخله ظلمة، ومخرجه ظلمة، ومصيره يوم القيامة إلى الظلمات في النار، وبئس المصير.
﴿إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ﴾ يعني الناظر ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ أي من شدة الظلمات، قال الزجاج وأبو عبيدة: المعنى لم يرها ولم يكد، وهو معنى قول الحسن، ومعنى ﴿لَمْ يَكَدْ﴾ لم يطمع أن يراها، وقال الفراء: كاد صلة، أي لم يرها كما تقول: ما كدت أعرفه، وقال المبرد: يعني لم يرها إلا من بعد الجهد، كما تقول: ما كدت أراك من الظلمة، وقد رآه بعد يأس وشدة.
وقيل: معناه قرب من الرؤية ولم يرَ، كما يقال: كاد العروس يكون أميراً، وكاد النعام يطير، وكاد المنتعل يكون راكباً، قال النحاس: وأصح الأقوال في هذا أن المعنى لم يقارب رؤيتها، فإذا لم يقارب رؤيتها فلم يرها رؤية بعيدة ولا قريبة ..
كاد إذا كانت منفية لها حكم، وإذا كانت مثبتة فلها حكم، إذا كانت منفية أثبتت على بُعد، وإذا كانت مثبتة (كاد) فهي للنفي، فإذا قلت: (لم يكد زيد أن ينجح) معناه أنه نجح لكنه بعد جهدٍ جهيد، وإذا أثبت كاد، وقلت: (كاد زيد أن ينجح) فهل هو نجح وإلا ما نجح؟ ما نجح، لكنه قرب منه، وجاء إخفاء الساعة وأنه لا يعلمها إلا الله -جل وعلا-، وقال الله -جل وعلا- عنها: ﴿أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ [(١٥) سورة طه] فعلى هذا ﴿أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ هل هي مخفية أو غير مخفية؟
طالب: مخفية.
الشيخ: معروف، لكن الآن، من هذا الأسلوب هل هي مخفية أو غير مخفية؟ ﴿أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾.
يعني: أقرب من أن أخفيها، معناه أنه ما أخفاها؟
طالب: ليست مخفية.
стр. 287
الشيخ: لكنها مع الشدة، أنها إلى الخفاء أقرب، ومع ذلك ليست مخفية، ولذا يقول جمع من المفسرين: أكاد أخفيها حتى عن نفسي، وأما عن الخلق فهذا أمر مفروغ منه، أنها مخفية، ولا يعلمها أحد، ولا يعلم عن الساعة أحد إلا الله -جل وعلا-، وهذا من باب المبالغة في إخفائها.
﴿وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا﴾ يهتدي به أظلمت عليه الأمور، وقال ابن عباس: أي من لم يجعل الله له ديناً فما له من دين، ومن لم يجعل الله له نوراً يمشي به يوم القيامة لم يهتدِ إلى الجنة، كقوله تعالى: ﴿وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾ [(٢٨) سورة الحديد] وقال الزجاج: ذلك في الدنيا، والمعنى: من لم يهده الله لم يهتد، وقال مقاتل بن سليمان: نزلت في عتبة بن ربيعة كان يلتمس الدين في الجاهلية، ولبس المسوح ثم كفر في الإسلام، قال الماوردي: في شيبة بن ربيعة، وكان يترهب في الجاهلية، ويلبس الصوف، ويطلب الدين فكفر في الإسلام، قلت: وكلاهما مات كافراً، فلا يبعد أن يكونا هما المراد بالآية وغيرهما ..
نعم؛ لأن سبب النزول لا يقتضي القصر عليه، لا يقتضي قصر النازل عليه، بل حكمه في كل من حاله تشبه حاله.
وقد قيل: نزلت في عبد الله بن جحش، وكان أسلم وهاجر إلى أرض الحبشة، ثم تنصر بعد إسلامه، وذكر الثعلبي: وقال أنس قال النبي ﷺ : ((إن الله تعالى خلقني من نور، وخلق أبا بكر من نوري، وخلق عمر وعائشة من نور أبي بكر، وخلق المؤمنين من أمتي من نور عمر، وخلق المؤمنات من أمتي من نور عائشة، فمن لم يحبني ويحب أبا بكرٍ وعمرٍ وعائشة فما له من نور)) فنزلت: ﴿وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ﴾ ..
الشيخ: باطل، الخبر باطل.
اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد. ٍ
стр. 288
تفسير القرطبي (سورة النور)
تفسير الآيات من (٤١ إلى ٥٥)
الشيخ/عبد الكريم الخضير
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
قال الإمام القرطبي -رحمه الله تعالى-:
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ * وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ [(٤١ - ٤٢) سورة النور].
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ﴾ لما ذكر وضوح الآيات زاد في الحجة والبينات، وبين أن مصنوعاته تدل بتغييرها على أن لها صانعاً قادراً على الكمال، فله بعثة الرسل، وقد بعثهم وأيدهم بالمعجزات، وأخبروا بالجنة والنار والخطاب في ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ للنبي ﷺ ، ومعناه: ألم تعلم، والمراد الكل ﴿أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ﴾ من الملائكة ﴿وَالْأَرْضِ﴾ من الجن والإنس، ﴿وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ﴾ قال مجاهد وغيره: الصلاة للإنسان، والتسبيح لما سواه من الخلق، وقال سفيان: للطير صلاة ليس فيها ركوع ولا سجود، وقيل: إن ضربها بأجنحتها صلاة، وإن أصواتها تسبيح، حكاه النقاش.
وقيل: التسبيح هاهنا ما يرى في المخلوق من أثر الصنعة، ومعنى ﴿صَافَّاتٍ﴾ مصطفات الأجنحة في الهواء، وقرأ الجماعة ﴿والطيرُ﴾ بالرفع عطفاً على ﴿من﴾، وقال الزجاج: ويجوز ﴿والطير﴾ بمعنى مع الطير ..
فتكون الواو حينئذٍ للمعية، العطف والرفع على أنها عاطفة، والنصب على أنها واو المعية.
قال النحاس: وسمعته يخبر (قمت وزيداً) بمعنى مع زيد، قال: وهو أجود من الرفع ..
نعم إذا قلت: (قمتُ وزيداً) فالنصب أجود من الرفع؛ لأن الرفع في هذه الصورة ضعيف، العطف على ضمير الرفع المتصل دون فاصل ضعيف، فالمتجه في مثل هذه الصورة النصب، (والنصب مختار لدى ضعف النسق).
يعني إذا ضعف النسق فالنصب هو المختار والعكس.
قال: فإن قلت: (قمت أنا وزيد) كان الأجود الرفع، ويجوز النصب ..
стр. 289
لأن الرفع هو الأصل، النسق هو الأصل فهو الأجود إذا وجد ضمير الفصل.
﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ [(٤١) سورة النور] يجوز أن يكون المعنى: كل قد علم الله صلاته وتسبيحه: أي علم صلاة المصلي، وتسبيح المسبح، ولهذا قال: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ [(٤١) سورة النور] أي لا يخفى عليه طاعتهم ولا تسبيحهم، ومن هذه الجهة يجوز نصب ﴿كل﴾ عند البصريين والكوفيين بإضمار فعل يفسره ما بعده، وقد قيل: المعنى قد علم كل مصلٍ ومسبح صلاة نفسه وتسبيحه الذي كلفه، وقرأ بعض الناس (كلٌ قد عُلم صلاته وتسبيحه) غير مسمى الفاعل، وذكر بعض النحويين أن بعضهم قرأ (كلٌ قد علَّم صلاته وتسبيحه) فيجوز أن يكون تقديره: كل قد علمه الله صلاته وتسبيحه، ويجوز أن يكون المعنى: كل قد علَّم غيره صلاته وتسبيحه: أي صلاة نفسه، فيكون التعليم الذي هو الإفهام والمراد الخصوص؛ لأن من الناس من لم يعلِّم، ويجوز أن يكون المعنى كل قد استدل منه المستدل، فعبَّر عن الاستدلال بالتعليم، قاله المهدوي، والصلاة هنا بمعنى التسبيح، وكرر تأكيداً، كقوله: يعلم السر والنجوى، والصلاة قد تسمى تسبيحاً، قاله القشيري.
والسبحة هي السنة، وهي الصلاة، ففي ارتباط بين التسبيح وبين الصلاة الشرعية، وأولى التقديرات هو الأول، (كلٌ) تنوين عوض عن مضاف إليه، تقديره: كل أحدٍ قد علم الله -جل وعلا- صلاته وتسبيحه، وامتثاله لأمره، وعدم امتثاله.
﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ [(٤٢) سورة النور] تقدم في غير موضع.
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا﴾ [(٤٣) سورة النور] ذكر من حججه شيئاً آخر: أي ألم تر بعيني قلبك، ﴿يُزْجِي سَحَابًا﴾ أي يسوق إلى حيث يشاء، والريح تزجي السحاب، والبقرة تزجي ولدها أي: تسوقه، ومنه زجا الخراج يزجو زجاء (ممدوداً) إذا تيسرت جبايته ..
стр. 290
الرؤية هذه أولها المؤلف ﵀ على أنها قلبية، وليست بصرية؛ لأن هذا الفعل غير مرئي؛ لأن هذا الفعل حقيقته غير مرئي، فلا بد من أن تكون الرؤية قلبية، ولا مانع أن تكون علمية بمعنى: ألم تعلم، لأنه بلغك من النصوص ما يجعل علمك بهذه المسألة كالرؤية.
طالب: يقول المفسر: "وكرر تأكيداً، كقوله: يعلم السر والنجوى" قال في الحاشية: لا يوجد في القرآن آية هكذا، والذي في سورة التوبة: ﴿يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾ [(٧٨) سورة التوبة] وفي طه ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [(٧) سورة طه].
الشيخ: هذا لا شك أنه غلطة، على كل حال الأمثلة كثيرة في عطف الشيء على نفسه إذا اختلف المعنى، ما يلزم أن يكون هذه الآية على وجه الخصوص.
وقال النابغة:
إني أتيتك من أهلي ومن وطني ... أزجي حُشاشة نفس ما بها رمقُ
وقال أيضاً:
أسرت عليه من الجوزاء سارية ... تزجي الشمال عليه جامد البرد
﴿ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ﴾ أي يجمعه عند انتشائه؛ ليقوى ويتصل ويكثف، والأصل في التأليف الهمز تقول: تألف، وقرئ: يولف بالواو تخفيفاً ..
السحاب قد يكون متقطع في أماكن، ثم بعد ذلك يؤلف بينه، يجمع بينه؛ ليكون أقوى.
والسحاب واحد في اللفظ، ولكن معناه جمع، ولهذا قال: ﴿وَيُنْشِئُ السَّحَابَ﴾ [(١٢) سورة الرعد] و ﴿بين﴾ لا يقع إلا لاثنين فصاعداً فكيف جاز بينه؟ فالجواب: أن ﴿بينه﴾ هنا لجماعة السحاب، كما تقول: الشجر قد جلست بينه؛ لأنه جمع، وذكَّر الكناية على اللفظ، قال معناه الفراء.
وجواب آخر: وهو أن يكون السحاب واحداً، فجاز أن يقال: بينه؛ لأنه مشتمل على قطع كثيرة، كما قال: (بين الدخول فحومل) فأوقع ﴿بين﴾ على الدخول ..
التجويز الأخير يرجع مفاده إلى الأول، ما دام متفرق فيمكن أن تدخل بين أجزائه ﴿بين﴾، ما تستطيع أن تقول: (زيد جلست بينه) لكن تقول: (جلست بين يديه) لأنه أكثر من جزء، أما بينه باعتباره شيء واحد لا يُجلس بينه، أما بين يديه فهذا ممكن؛ لأنهما اثنتان، والسحاب لو كان قطعة واحدة ما تستطيع أن تجلس بينه، لكن قطع متعددة تجلس بينها.
стр. 291
فأوقع ﴿بين﴾ على الدخول وهو واحد لاشتماله على مواضع، وكما تقول: ما زلت أدور بين الكوفة؛ لأن الكوفة أماكن كثيرة، قاله الزجاج وغيره ..
يعني بين أحيائها، وأحياؤها متعددة.
وزعم الأصمعي أن هذا لا يجوز، وكان يروي: بين الدخول وحومل.
﴿ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا﴾ أي مجتمعاً، يركب بعضه بعضاً، كقوله تعالى: ﴿وَإِن يَرَوْا كِسْفًا مِّنَ السَّمَاء سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَّرْكُومٌ﴾ [(٤٤) سورة الطور] والركم: جمع الشيء، يقال منه: ركم الشيء يركمه ركماً إذا جمعه، وألقى بعضه على بعض، وارتكم الشيء وتراكم إذا اجتمع، والركمة: الطين المجموع، والركام: الرمل المتراكم، وكذلك السحاب وما أشبهه، ومرتكم الطريق (بفتح الكاف): جادته.
﴿فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾ [(٤٣) سورة النور] في ﴿الودق﴾ قولان: أحدهما: أنه البرق، قاله أبو الأشهب العقيلي، ومنه قول الشاعر:
أثرنا عجاجةً وخرجن منها ... خروج الودق من خلل السحاب
الثاني: أنه المطر، قاله الجمهور، ومنه قول الشاعر:
فلا مزنة ودقت ودقها ... ولا أرض أبقل إبقالها
وقال امرؤ القيس:
فدمعهما ودق وسحٌ وديمةٌ ... وسكب وتوكاف وتنهملان
يقال: ودقت السحابة فهي وادقة، وودق المطر يدق ودقاً: أي قطر، وودقت إليه: دنوت منه، وفي المثل: ودق العير إلى الماء: أي دنا منه، يضرب لمن خضع للشيء لحرصه عليه، والموضع مودق، وودقت به ودقاً استأنست به، ويقال لذات الحافر إذا أرادت الفحل: ودقت تدق ودقاً، وأودقت واستودقت، وأتان ودوق، وفرس ودوق، ووديق أيضاً، وبها وداق ..
الأتان عند العامة إذا أرادت الفحل هنا يقال: ودقت الأتان يعني كالفرس، يعني: أرادت الفحل الضراب، فعند العامة إيش يسمونه؟ ها يا أبو عبد الله؟! الأتان إذا أرادت الفحل؟ لا تدري أيضاً، ما يقبل منك هذا، هو ما في غيرك؟!.
طالب: صارف.
الشيخ: لا الصارف العنز أو الشاة، هذا في الغنم يقال: صارف، وفي البقر: معطي، وفي الإبل يقولون ماذا؟
طالب: معشر
الشيخ: لا ما هي معشر، مجسر، مجسر، وفي الأتان؟
هنا جعلها من ذوات الحافر فهي كذلك فحكمها حكم الفرس، لكن الاستعمال غير هذا، يعني وإن كان الاستعمال أحياناً يكون خطأ، هم يقولون: طالب.
стр. 292
والوديقة: شدة الحر، وخلال: جمع خلل مثل الجبل والجبال وهي فرجه، ومخارج القطر منه وقد تقدم في (البقرة) أن كعباً قال: إن السحاب غربال المطر، لولا السحاب حين ينزل الماء من السماء لأفسد ما يقع عليه من الأرض ..
لقوته، فإذا وجد شيء يرده يقلل من قوته، هذا على كلامه، وهذا شأن الذي ينزل من مكان بعيد مرتفع جداً لا شك أن وقعه على الأرض أشد مما لو نزل من مسافةٍ أقل.
وقرأ ابن عباس والضحاك وأبو العالية من خلله على التوحيد، وتقول: كنتُ في خلال القوم: أي وسطهم.
﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاء مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ﴾ [(٤٣) سورة النور] قيل: خلق الله في السماء جبالاً من برد فهو ينزل منها برداً، وفيه إضمار: أي ينزل من جبال البرد برداً، فالمفعول محذوف، ونحو هذا قول الفراء؛ لأن التقدير عنده: من جبال برد، فالجبال عنده هي البرد، و ﴿برد﴾ في موضع خفض، ويجب أن تكون على قوله المعنى: من جبال برد فيها بتنوين ﴿جبال﴾.
وقيل: إن الله تعالى خلق في السماء جبالاً فيها برد فيكون التقدير: وينزل من السماء من جبال فيها برد.
و ﴿من﴾ صلة، وقيل: المعنى وينزل من السماء قدر جبال، أو مثل جبال من برد إلى الأرض فـ ﴿من﴾ الأولى للغاية؛ لأن ابتداء الإنزال من السماء، والثانية للتبعيض؛ لأن البرد بعض الجبال، والثالثة: لتبيين الجنس؛ لأن جنس تلك الجبال من البرد، وقال الأخفش: إن ﴿من﴾ في الجبال و ﴿برد﴾ زائدة في الموضعين، والجبال والبرد في موضع نصب: أي ينزل من السماء برداً يكون كالجبال، والله أعلم.
﴿فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاء وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَاء﴾ فتكون إصابته نقمة، وصرفه نعمة ..
أما نزول الثلوج في هذه السنة بعضه أعظم من الجبال، كما يشاهد أعظم من الجبال، ومن الغرائب أنه في خبر من الأخبار، قالوا: إن شخصاً من الأردن استطاع أن يستخرج من جوف الأرض غاز يدفئ به الكرة الأرضية، والخبر الذي يليه: وقد بلغت الثلوج في كذا، بلدٍ مجاور أربعة أمتار، هذا استطاع أن يخرج غاز يدفئ الكرة الأرضية، والثلج بقربه، يعني أحياناً تكون الدعوة مقرونة بما يكذبها، يستخرج غاز من الأرض يدفئ به الكرة الأرضية، يعني لو يدفئ بيته كفى، والله المستعان.
стр. 293
ويجد من يصدق مثل هذا، تجد الآن الشمس يقولون: أكبر من الأرض بستة وأربعين مليار مرة، ويتناقلها الإخوان وطلاب العلم في دروسهم ومحاضراتهم مثل المصدقين، طيب لو زاد مليار زائد أو ناقص من الذي يصدق ومن الذي يكذب؟ هذه عظمة الرب -جل وعلا- ثبتت في ما جاء عنده فيما لا يعلم إلا من قبله، أما ما يقال لنا من قبل أي شخص مسلم أو كافر ملحد أو زنديق نأخذه بالتسليم هذا ليس بصحيح، وتفسير الجواهر مشحون من هذه الأرقام، وهذه الأصفار، كلها مأخوذة من كلام الأعداء، ليقرروا في يوم من الأيام أن الأرض أكبر من كذا أو أصغر من كذا، ثم يخلونا تبعاً لهم، يتحدثون في مسلماتنا ثم نصدقهم بعد ذلك؛ لأننا صدقناهم في غيرها، ثم كذبوا أنفسهم فتبعناهم، فما صار لنا رأي ولا استقلال ولا نظر، وإنما إمعات، إذا قالوا قلنا، وإذا نفوا نفينا.
﴿فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاء وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَاء﴾ فيكون إصابته نقمة، وصرفه نعمة، وقد مضى في (البقرة) و (الرعد) أن من قال حين يسمع الرعد: سبحان من يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته ثلاثاً، عوفي مما يكون في ذلك الرعد ﴿يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ﴾ أي ضوء ذلك البرق الذي في السحاب ..
أحال على المرفوع والظاهر أنه ضعيف! إنما هو عن الزبير. لأنه تقدم! تقدم في الرعد.
مضى في البقرة.
طالب: مكتوب حديث ملفق من حديثين.
الشيخ: إيه، أما قول: سبحان من يسبح الرعد بحمده من قول الزبير ما هو مرفوع، وعوفي؟ بس كذا؟
طالب: قال: فقد أخرج الطبري من حديث أبي هريرة أنه ﷺ كان إذا سمع صوت الرعد قال: ((سبحان الذي يسبح الرعد بحمده)) وقيل: فيه راوٍ لم يسم.
الشيخ: معروف، مرفوع ضعيف، والثاني؟
الشيخ: مو قال: ملفق من حديثين؟
طالب: الحديث الثاني من حديث سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس يقول هذا مجهول.
﴿يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ﴾ أي ضوء ذلك البرق الذي في السحاب ﴿يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ﴾ من شدة بريقه وضوئه، قال الشماخ:
وما كادت إذا رفعت سناها ... ليبصر ضوءها إلا البصير
وقال امرؤ القيس:
يضيء سناه أو مصابيح راهب ... أهان السليط في الذبال المفتل
стр. 294
فالسنا (مقصور) ضوء البرق، والسنا أيضاً نبت يتداوى به، والسناء من الرفعة ممدود، وكذلك قرأ طلحة بن مصرف (سناء) بالمد على المبالغة في شدة الضوء والصفاء، فأطلق عليه اسم الشرف، قال المبرد: (السنا) مقصور هو اللمع، فإذا كان في الشرف والحسب فهو ممدود، وأصلهما واحد وهو الإلماع، وقرأ طلحة بن مصرف (سناء برقه) وقال أحمد بن يحيى: وهو جمع برقة، قال النحاس: البرقة المقدار من البرق، والبرقة: المرة الواحدة، وقرأ الجحدري وابن القعقاع: ﴿يُذهِب بالأبصار﴾ بضم الياء وكسر الهاء، من الإذهاب وتكون الباء في ﴿بالأبصار﴾ صلة زائدة ..
لأن الفعل يتعدى بدونها إذا دخلت عليه الهمزة، يُذهب أصلها: أذهب يُذهب؛ فإذا دخلت الهمزة على الفعل اللازم تعدى بنفسه، أما: ذهب الثلاثي هذا لازم.
والباقون ﴿يذهب بالأبصار﴾ بفتح الياء والخاء، والباء للإلصاق، والبرق دليل على تكاثف السحاب، وبشير بقوة المطر، ومحذر من نزول الصواعق, ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ [(٤٤) سورة النور] قيل: تقليبهما أن يأتي بأحدهما بعد الآخر، وقيل: تقليبهما نقصهما وزيادتهما، وقيل: هو تغيير النهار بظلمة السحاب مرة وبضوء الشمس أخرى، وكذا الليل مرةً بظلمة السحاب ومرةً بضوء القمر، قاله النقاش، وقيل: تقليبهما باختلاف ما يقدر فيهما من خير وشر، ونفعٍ وضر، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ أي في الذي ذكرناه من تقلب الليل والنهار، وأحوال المطر، والصيف والشتاء ..
стр. 295
هذه الأقوال في تقليب الليل والنهار، الأول: يقول: قيل تقليبها أن يأتي بأحدهما بعد الآخر؛ لأن الذي يقلَّب هل هو شيء واحد أو أكثر من شيء؟ إذا كان شيء واحد معناه أن الله -جل وعلا- يقلب الوقت، فيجعله أحياناً نهاراً، ويجعله أحياناً ليلاً استقام القول الأول، وأما إذا نظرنا إلى كل واحد بمفرده فكيف يكون تقليبه؟ تقليب الليل بمفرده، وتقليب النهار بمفرده؟ إذا قلنا تقليب الوقت انتهى الإشكال، يأتي بالليل بعد النهار، والنهار بعد الليل هذا تقليب، أما إذا قلنا أنه يقلب النهار على حده، ويقلب الليل على حده، فالتقليب إنما يكون بسبب أحياناً الطول والقصر أو بالحر والبرد، بالظلمة شدتها وخفتها، المقصود أنه يتنزل كلامه الأول على أن المراد به تقليب الشيء الواحد وهو الوقت، وتقليبه يكون: ليل ثم بعده نهار، ثم بعده ليل ثم نهار وهكذا، وهذا تقليب؛ لأن التقليب التغيير، وإذا نظرنا إلى كل واحدٍ على حده فلا بد أن ننظر إلى أوصاف الليل على حده وأوصاف النهار على حده.
طالب: في قوله: (ألم تر) من قال في قول النبي ﷺ : ((من رأى منكم منكراً)): لا بد من الرؤية، ما يرد عليه بمثل هذه الآية يا شيخ؟
الشيخ: الرؤية عند أهل العلم تكون بصرية، وتكون علمية، وتكون قلبية، والرؤية إذا بلغك الخبر ممن تثق به فكأنك شاهدته، إذا بلغك الخبر بواسطة من تثق به فكأنه مشاهد، كما في قول الله -جل وعلا-: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ [(١) سورة الفيل] ما رأى الرسول ﵊؛ لأنه ولد في تلك السنة، ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ﴾ [(٦) سورة الفجر]؟ هو رأى؟ لكن بلغه الخبر بطريقٍ قطعي فكأنه مشاهد، فالخبر المصحح أو المقطوع به بمنزلة المشاهد.
﴿لَعِبْرَةً﴾ أي اعتباراً، ﴿لِّأُوْلِي الْأَبْصَارِ﴾ أي لأهل البصائر من خلقي.
стр. 296
قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِن مَّاء﴾ [(٤٥) سورة النور] قرأ يحيى بن وثاب والأعمش وحمزة والكسائي: والله خالق (كل) بالإضافة، والباقون ﴿خلق﴾ على الفعل، قيل: إن المعنيين في القراءتين صحيحان، أخبر الله بخبرين، ولا ينبغي أن يقال في هذا: إحدى القراءتين أصح من الأخرى، وقد قيل: إن ﴿خلق﴾ لشيء مخصوص، وإنما يقال: خالق على العموم، كما قال الله : ﴿الْخَالِقُ الْبَارِئُ﴾ [(٢٤) سورة الحشر] وفي الخصوص ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [(١) سورة الأنعام] وكذا ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [(١٨٩) سورة الأعراف] ..
الفرق بين خلق وخالق أن الفعل يدل على التجدد، بينما الاسم يدل على الثبوت والدوام، فلكل واحدٍ منهما معنى.
فكذا يجب أن يكون ﴿اللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ﴾ [(٤٥) سورة النور] والدابة كل ما دب على وجه الأرض من الحيوان، يقال: دب يدب فهو دآب، والهاء للمبالغة، وقد تقدم في (البقرة). ﴿مِن مَّاء﴾ لم يدخل في هذا الجن والملائكة؛ لأنا لم نشاهدهم ولم يثبت أنهم خلقوا من ماء، بل في الصحيح: أن الملائكة خلقوا من نور، والجن خلقوا من نار، وقد تقدم ..
فعلى هذا يخرجون من هذا العموم، وإن دبوا على الأرض أحياناً فهم يخرجون من هذا العموم؛ لأنهم لم يخلقوا من ماء.
وقال المفسرون: ﴿مِن مَّاء﴾ أي من نطفة، قال النقاش: أراد أمنية الذكور، وقال جمهور النظرة ..
يعني النظار، النظرة النظار، الطبري كثيراً ما يقول، بل لا يقول إلا القرأة، ويريد بهم القراء، والصحيح بذلك عندنا كذا لإجماع القرأة على كذا، ويريد بهم القراء، وهنا: النظرة يراد بهم النظار.
أراد أن خلقةَ كل حيوان فيها ماء، كما خلق آدم من الماء والطين، وعلى هذا يتخرج قول النبي ﷺ للشيخ الذي سأله في غزاة بدر: ممن أنتما؟ فقال رسول الله ﷺ : ((نحن من ماء)) الحديث، وقال قوم: لا يستثنى الجن والملائكة، بل كل حيوان خلق من الماء، وخلق النار من الماء، وخلق الريح من الماء، إذ أول ما خلق الله تعالى من العالم الماء، ثم خلق منه كل شيء.
стр. 297
قلت: ويدل على صحة هذا قوله تعالى: ﴿فَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ﴾ [(٤٥) سورة النور] المشي على البطن للحيات والحوت، ونحوه من الدود وغيره، وعلى الرجلين للإنسان والطير إذا مشى، والأربع لسائر الحيوان، وفي مصحف أبي: ومنهم من يمشي على أكثر، فعم بهذه الزيادة جميع الحيوان كالسرطان والخشاش ..
لكن هل يوجد له أربع ويمشي على اثنتين، له أربع ومشيه على اثنتين؟
طالب: الكنغر.
الشيخ: الكنغر، لكن أنا ما وجدته في حياة الحيوان، ما وجدت اسمه هذا في حياة الحيوان، ما وجدته بهذا الاسم، هو له اسم ثان؟ هو معروف الحيوان هذا له يدان قصيرتان ويمشي على رجلين.
طالب:. . . . . . . . .
الشيخ: ما اسمه؟
طالب. . . . . . . . .
الشيخ: قفزه على الأربع، لكن هذا على رجلين فقط، من العجائب، لكن أحد يعرف اسمه؟ لأني ما وجدته في حياة الحيوان بهذا الاسم؟
طالب: ما أعرف، ذكره هو؟
الشيخ: لا ما ذكره، هو ذكر عن. . . . . . . . . أن طوله ستة أشبار، يعني إلى كم؟ إلى ١٥٠سم، يعني متر ونصف، الله المستعان، في بعض الحيوانات لا شك أنها تخفى علينا، والأسماء تختلف من بلدٍ إلى آخر.
طالب:. . . . . . . . .
الشيخ: لا عاد جعله مقياس الشبه، متردد بين الوزغ والضب.
طالب:. . . . . . . . .
الشيخ: يعني شبهه، بين الوزغ والضب، من أجازه قال: هو مثل الضب، ومن منعه قال: مثل الوزغ.
ولكنه قرآن لم يثبته إجماع، لكن قال النقاش: إنما اكتفى في القول بذكر ما يمشي على أربع عن ذكر ما يمشي على أكثر؛ لأن جميع الحيوان إنما اعتماده على أربع، وهي قوام مشيه، وكثرة الأرجل في بعضه زيادة في خلقته لا يحتاج ذلك الحيوان في مشيه إلى جميعها ..
لأنه يستقيم على أربع سواء كان في وقوفه أو في مشيه، لكن إذا كان طويلاً وهذه الأربع قصيرة لا شك أنه يحتاج إلى شيءٍ يدعم هذه الأربع، تشوفون السيارات يعني غالبها على أربع كفرات، لكن بعضها لطولها تحتاج إلى داعم، يعني الزواحف هذه أم سبع وسبعين، وأم أربع وأربعين لها أرجل كثيرة، لكن لو كانت أربع فقط؟ تحتاج إلى ما يدعمها فيكون هذا هو الغالب، وهذا شيء نادر.
стр. 298
قال ابن عطية: والظاهر أن تلك الأرجل الكثيرة ليست باطلاً بل هي محتاج إليها في تنقل الحيوان، وهي كلها تتحرك في تصرفه، وقال بعضهم: ليس في الكتاب ما يمنع من المشي على أكثر من أربع إذ لم يقل ليس منها ما يمشي على أكثر من أربع.
وقيل فيه إضمار: ومنهم من يمشي على أكثر من أربع، كما وقع في مصحف أبي، والله أعلم. و ﴿دآبة﴾: تشمل من يعقل وما لا يعقل، فغلب من يعقل، لما اجتمع مع من لا يعقل؛ لأنه المخاطب والمتعبد، ولذلك قال: ﴿فمنهم﴾ وقال: ﴿مَّن يَمْشِي﴾ فأشار بالاختلاف إلى ثبوت الصانع أي: لولا أن للجميع صانعاً مختاراً لما اختلفوا، بل كانوا من جنسٍ واحد، وهو كقوله: ﴿يُسْقَى بِمَاء وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ﴾ [(٤) سورة الرعد] يخلق ما يشاء إن الله على كل شيء مما يريد خلقه قدير ..
التقييد هذا لا قيمة له.
طالب: مما يريد خلقه؟
الشيخ: مما يريد خلقه، والقدرة مطلقة، لكن إذا كان المراد مجرد التصريح بما هو توضيح من غير إرادة للمفهوم فلا بأس، يعني جاء في حديث: آخر من يخرج من النار كما في صحيح مسلم، ((فإني على ما أشاء قدير)) في صحيح مسلم، فإني على ما أشاء قدير، فهذه اللفظة فلا مفهوم لها؛ لأننا إذا قلنا أنه لا يقدر على الشيء الذي لا يريده أو لا يشاؤه هذا مفهومها، أن الذي لا يشاؤه ولا يريده لا يقدر عليه، هذا المعنى باطل، والقيد لا مفهوم له.
طالب: الآية: ﴿وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاء قَدِيرٌ﴾ [(٢٩) سورة الشورى].
الشيخ: (إذا) ممكن تأويلها بمتى، متى شاء.
﴿لَقَدْ أَنزَلْنَا آيَاتٍ مُّبَيِّنَاتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [(٤٦) سورة النور] تقدم بيانه في غير موضع، قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ﴾ [(٤٧) سورة النور] يعني المنافقين يقولون بألسنتهم: آمنا بالله وبالرسول من غير يقين ولا إخلاص، ﴿وَأَطَعْنَا﴾ [(٤٧) سورة النور] أي ويقولون وكذبوا، ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [(٤٧) سورة النور].
стр. 299
ولو قيل: إن الذي يقولون آمنا بالله وبالرسول الجميع –المؤمنون والمنافقون– ثم يثبت الله الذين آمنوا وأولئك يتولى فريق منهم.
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم مُّعْرِضُونَ * وَإِن يَكُن لَّهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ * أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾. [(٤٨ - ٤٩) سورة النور]. فيه أربع مسائل:
الأولى: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ قال الطبري وغيره: إن رجلاً من المنافقين اسمه بشر كانت بينه وبين رجل من اليهود خصومة في أرض فدعاه اليهودي إلى التحاكم عند رسول الله ﷺ ، وكان المنافق مبطلاً، فأبى من ذلك وقال: إن محمداً يحيف علينا، فلنحكم كعب بن الأشرف، فنزلت الآية فيه ..
لعلمه أنه يأخذ الرشوة، فإذا أعطاه الرشوة حكم له، والنبي ﵊ يحكم بالحق، وهو مبطل.
وقيل: نزلت في المغيرة بن وائل من بني أمية، كان بينه وبين علي بن أبي طالب ﵁ خصومة في ماء وأرض، فامتنع المغيرة أن يحاكم علياً إلى رسول الله ﷺ وقال: إنه يبغضني، فنزلت الآية، ذكره الماوردي، وقال: ﴿لِيَحْكُمَ﴾ ولم يقل ليحكما؛ لأن المعني به الرسول ﷺ ، وإنما بدأ بذكر الله إعظاماً لله واستفتاح كلام ..
وحكمه ﵊ هو حكم الله، ((إنما أقضي بينكم بكتاب الله)) فصحّ الإفراد، ﴿وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ﴾ [(٦٢) سورة التوبة] يصح الإفراد؛ لأن حكم الله حكم الرسول الله ﵊.
стр. 300
الثانية: قوله تعالى: ﴿وَإِن يَكُن لَّهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ [(٤٩) سورة النور] أي طائعين منقادين لعلمهم أنه ﵇ يحكم بالحق، يقال: أذعن فلان لحكم فلان يذعن إذعاناً، وقال النقاش: ﴿مُذْعِنِينَ﴾ خاضعين مجاهد: مسرعين، وقال الأخفش وابن الأعرابي: مقرين، ﴿أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ [(٥٠) سورة النور] شك وريب، ﴿أَمِ ارْتَابُوا﴾ أم حدث لهم شك في نبوته وعدله.
﴿أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ﴾ [(٥٠) سورة النور] أي يجور في الحكم والظلم، وأتى بلفظ الاستفهام؛ لأنه أشد في التوبيخ، وأبلغ في الذم، كقول جرير في المدح:
ألستم خير من ركب المطايا ... وأندى العالمين بطون راح
﴿بَلْ أُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [(٥٠) سورة النور] أي المعاندون الكافرون؛ لإعراضهم عن حكم الله تعالى.
الثالثة: القضاء يكون للمسلمين إذا كان الحكم بين المعاهد والمسلم، ولا حق لأهل الذمة فيه وإذا كان بين ذميين فذلك إليهما، فإن جاءا قاضي الإسلام فإن شاء حكم، وإن شاء أعرض كما تقدم في المائدة.
الرابعة: هذه الآية دليل على وجوب إجابة الداعي إلى الحاكم؛ لأن الله سبحانه ذمَّ من دعي إلى رسوله ليحكم بينه وبين خصمه بأقبح الذم، فقال: ﴿أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ .. الآية.
قال ابن خويزمنداد: واجب على كل من دعي إلى مجلس الحاكم أن يجيب، ما لم يعلم أن الحاكم فاسق، أو عداوة بين المدعي والمدعى عليه، وأسند الزهراوي عن الحسن بن أبي الحسن أن رسول الله ﷺ قال: ((من دعاه خصمه إلى حاكم من حكام المسلمين فلم يجب فهو ظالم ولا حق له)) ذكره الماوردي أيضاً، قال ابن العربي: هذا حديث باطل، فأما قوله: ((فهو ظالم)) فكلام صحيح ..
يعني صحيح المعنى، وإن لم يصح نسبة، معناه صحيح ظالم.
طالب: رفع دعوى إلى حقوق الإنسان؟
الشيخ: إذا كان القاضي فيها غير مسلم، المرفوع إليه غير مسلم فهو من التحاكم إلى الطاغوت، وإن كان القاضي فيها مسلم، ويطلب الحق منه، وهو أهل للقضاء والفصل بين الناس لا مانع إذا كان يحكم بشرع الله.
طالب: لها الأنظمة يا شيخ؟
стр. 301
الشيخ: على كل حال، الله المستعان، الخلل موجود، الله يرضى عنا.
طالب: المعاهد هو الذمي؟
الشيخ: الذمي هو الذي يدفع الجزية، والمعاهد هو الذي يدخل بالعهد والإيمان والميثاق يبرمه مع ولي الأمر، هذا معاهد، وأما الذمي هو الذي يدفع الجزية من يهوديٍ أو نصراني.
وأما قوله ((فلا حق له)) فلا يصح.
لأن مثل هذا لا يبطل الحق، مثل هذا لا يبطل الحق.
ويحتمل أن يريد أنه على غير الحق.
وعلى كل حال الحديث ليس بصحيح، فلا يتكلف اعتباره.
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [(٥١) سورة النور] أي إلى كتاب الله وحكم رسوله ﴿أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ قال ابن عباس: أخبر بطاعة المهاجرين والأنصار، وإن كان ذلك فيما يكرهون: أي هذا قولهم، وهؤلاء لو كانوا مؤمنين لكانوا يقولون سمعنا وأطعنا، فالقول نصب على خبر كان، واسمها في قوله: ﴿أَن يَقُولُوا﴾ نحو ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ [(١٤٧) سورة آل عمران].
وقيل: إنما قول المؤمنين، وكان صلة في الكلام كقوله تعالى: ﴿كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ [(٢٩) سورة مريم].
يعني كان هذه إنما قول المؤمنين هذا الأصل و (كان) صلة، وأنه لا يلزم قولهم في الماضي دون الحاضر والمستقبل، وإنما قولهم في كل وقت وفي كل زمان وفي كل مكان، والشاهد يدل عليه في أوقاتٍ متأخرة يوجد من يقول هذا، وهذا كثير قبل انفتاح الدنيا، حتى وجد منذ عهدٍ قريب من يطلبه خصمه إلى القضاء، فيقولون له: أنت تعرف القضية اعرضها على القاضي، والذي يقوله هو الحق، وينتهي الإشكال ما يحتاج نحضر كلنا، وبالفعل يذهب الخصم إلى القاضي، ويعرض عليه القضية، فيقول القاضي: الحق لصاحبك، ويذهب يخبره بما حصل، وأما الآن يجلبون المسائل بكل ما أوتوا من قوة وحيل ومحامين وفجور في الخصومة، وكذب وحيل، كل هذا من أجل حطام الدنيا الذي تكالبوا عليه فأنساهم ذكر الله، وصار بعضهم يتردد، طبعاً أنا لا أريد المحكمة أنا أريد الحقوق، المسألة حقوقية ما نحتاج إلى محكمة، يترددون في هذا فصار في كثير منهم من أوصاف المنافقين ما صار.
стр. 302
وقرأ ابن القعقاع ﴿ليُحكم بينهم﴾ غير مسمى الفاعل، وقرأ علي بن أبي طالب ﴿إنما كان قولُ﴾ بالرفع.
يعني ما كان الناس إلى عهد قريب يستسيغون كلمة: قانون، فضلاً عن أن تكون موجودة في بلادهم في غير المحاكمات، يعني مستشار قانوني في مؤسسة كذا، في مصلحة كذا، كان هذا الأمر عظيم جداً، يعني ما يطاق سماعه، فكيف يتحاكم المسلم إلى القانون، إلى ما وضعه البشر ويتركون حكم الله؟!.
طالب: تعلمه يا شيخ في المدارس؟
الشيخ: تعلمه من أجل إبطاله لا بأس، أما تعلمه من أجل لحكم به هذا محادة لله ورسوله.
قوله تعالى: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [(٥٢) سورة النور] فيما أمر به وحكم.
﴿وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ﴾ قرأ حفص ﴿ويتقه﴾ بإسكان القاف على نية الجزم، قال الشاعر:
ومن يتق فإن الله معه ... ورزق الله مؤتاب وغادي
وكسرها الباقون؛ لأن جزمه بحذف آخره، وأسكن الهاء أبو عمرو وأبو بكر، واختلس الكسرة يعقوب وقالون عن نافع والبستي عن أبي عمرو وحفص، وأشبع كسرة الهاء الباقون.
﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ ذكر أسلم أن عمر ﵁ بينما هو قائم في مسجد النبي ﷺ وإذا رجل من دهاقين الروم قائم على رأسه، وهو يقول: أنا أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله، فقال له عمر: ما شأنك؟ قال: أسلمت لله، قال: هل لهذا سبب؟ قال: نعم! إني قرأت التوراة والزبور والإنجيل، وكثيراً من كتب الأنبياء فسمعت أسيراً يقرأ آية من القرآن جُمع فيها كل ما في الكتب المتقدمة، فعلمت أنه من عند الله فأسلمت، قال: ما هذه الآية؟ قال: قوله تعالى: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ﴾ في الفرائض ﴿وَرَسُولَهُ﴾ في السنن ﴿وَيَخْشَ اللَّهَ﴾ فيما مضى من عمره ﴿وَيَتَّقْهِ﴾ فيما بقي من عمره ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ والفائز من نجا من النار وأدخل الجنة، فقال عمر: قال النبي ﷺ : ((أوتيتُ جوامع الكلم)).
معزو؟
طالب: قال: هو أسلم العدوي مولى عمر، وهو ثقة، لكن الإسناد إليه لم أقف عليه، والظاهر أنه مصنوع فهو خبر غريب عجيب والمرفوع منه تقدم مراراً، وهو صحيح. . . . . . . . .
الشيخ: غيره؟ نفس الكلام!؟
стр. 303
هذه القضايا وهذه الحوادث تحدث على مر العصور، كونه يأتي شخص يسلم بسبب أو بدون سبب، قد يذكر من الأسباب ما جعله يسلم، كاليهودي الذي نسخ التوراة والإنجيل والقرآن وحرف فيها، فقبلت منه التوراة والإنجيل وعمل بها ورد عليه القرآن، دل على أن الكتاب محفوظ، كما قال الله -جل وعلا-: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [(٩) سورة الحجر] فأسلم بسبب ذلك.
ومنهم من يسلم بسبب التشريع الإسلامي وما فيه من حكمة ظاهرة أمريكي أسلم -وهو غسال- فسئل عن السبب فقال: السبب في ذلك أن الثياب تختلف، ثياب المسلمين طاهرة ونظيفة وثياب غيرهم من النصارى واليهود والمشركين لا تطاق رائحتها؛ لأنهم لا يستنجون، وهندي أسلم فقيل له، قال: إن المسلمين إذا مات فيهم الميت حفروا له ودفنوه، نظفوه وستروه ودفنوه –وهو هندي– قال: إذا مات فينا الميت نحرقه، ولو كان من أعز الناس علينا، حصل له قصة، جاء بأمه على عادتهم ليحرقها فجمع لها حطباً عظيماً فأوقده عليها، فأكلت الكفن فقط، وبقيت الأم عارية بين الناس، ثم بعد ذلك لأنها توصي بهذا مذهبهم ودينهم، فجمع لها حطب مرة ثانية فأحرقها، ثم جاء ليعلن إسلامه، وعرف أن دينهم باطل.
والقصص في هذا كثيرة جداً ما يمكن أن يحاط بها وهي متجددة، تكاد تكون يومية، ولله الحمد، وهذا من عظمة هذا الدين وبقائه ناصعاً نقياً إلى قيام الساعة.
قوله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ [(٥٣) سورة النور] عاد إلى ذكر المنافقين فإنه لما بين كراهتهم لحكم النبي ﷺ أتوه فقالوا: والله لو أمرتنا أن نخرج من ديارنا ونساءنا وأموالنا لخرجنا، ولو أمرتنا بالجهاد لجاهدنا، فنزلت هذه الآية: أي وأقسموا بالله أنهم يخرجون معك في المستأنف ويطيعون ..
يعني فيما سيأتي.
﴿جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ أي طاقة ما قدروا أن يحلفوا، وقال مقاتل: من حلف بالله فقد أجهد في اليمين وقد مضى في الأنعام بيان هذا و ﴿جهد﴾ منصوب على مذهب المصدر تقديره: إقساماً بليغاً ﴿قُل لَّا تُقْسِمُوا﴾ وتم الكلام.
стр. 304
﴿طَاعَةٌ مَّعْرُوفَةٌ﴾ أولى بكم من أيمانكم، أو ليكن منكم طاعة معروفة، وقول معروف بإخلاص القلب ولا حاجة إلى اليمين ..
يعني لا تقسموا، قل لا تقسموا، إنما الكلام إذا لم يصدقه العمل فلا قيمة له، يعني هل وجد منكم طاعة معروفة؟ هم يقسمون،. . . . . . . . . دل عملكم على صدق قولكم، لا تقسموا الإنسان ليس بحاجة لا سيما الذي يصدق قوله عمله، أما الذي يدعي الدعاوى هو الذي يحتاج إلى الأيمان ليصدق، أما إذا كانت أعماله موافقةً لأقواله، ما يحتاج إلى أن يقسم، الناس كلهم يصدقونه.
وقال مجاهد: المعنى قد عرفت طاعتكم وهي الكذب والتكذيب: أي المعروف منكم الكذب دون الإخلاص، ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [(٥٣) سورة النور] من طاعتكم بالقول ومخالفتكم بالفعل.
قوله تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [(٥٤) سورة النور] بإخلاص الطاعة وترك النفاق، ﴿فَإِن تَوَلَّوا﴾ أي فإن تتولوا فحذف إحدى التاءين، ودل على هذا أن بعده ﴿وَعَلَيْكُم﴾ ولم يقل وعليهم، ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ﴾ أي من تبليغ الرسالة، ﴿وَعَلَيْكُم مَّا حُمِّلْتُمْ﴾ أي من الطاعة له، عن ابن عباس وغيره ﴿وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ ..
ولو قال: (وعليهم) لقلنا: (فإن تولوا) ماضي، وليس بمضارع ولا نحتاج إلى تقدير تاء، لكن لما قال: (وعليكم) ما قال (وعليهم) عرفنا أنه مضارع وليس بماض.
﴿وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ جعل الاهتداء مقروناً بطاعته، ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ أي التبليغ المبين ..
وهذه الجملة الشرطية شاهدها الواقع، أن كل مطيع يهديه الله -جل وعلا- إلى الحق والصواب، كل مطيع يعان على الهداية في أقواله وفي أفعاله ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [(٦٩) سورة العنكبوت].
стр. 305
﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [(٥٥) سورة النور].
نزلت في أبي بكر وعمر ﵄ قاله مالك، وقيل: إن سبب هذه الآية أن بعض أصحاب النبي ﷺ شكا جهد مكافحة العدو، وما كانوا عليه من الخوف على أنفسهم، وأنهم لا يضعون أسلحتهم، فنزلت الآية، وقال أبو العالية: مكث رسول الله ﷺ بمكة عشر سنين بعدما أوحي إليه خائفاً هو وأصحابه، يدعون إلى الله سراً وجهراً، ثم أمِرَ بالهجرة إلى المدينة، وكانوا فيها خائفين يصبحون ويمسون في السلاح، فقال رجل: يا رسول الله: أما يأتي علينا يوم نأمن فيه ونضع السلاح؟ فقال ﵇: ((لا تلبثون إلا يسيراً حتى يجلس الرجل منكم في الملأ العظيم محتبياً ليس عليه حديدة)) ونزلت هذه الآية ..
ليس عليه حديدة – يعني من آلات السلاح-، الحديث مخرج؟
طالب: قال: مرسل ذكره الواحدي عن الربيع عن أبي العالية من دون إسناد، وهو مرسل. . . . . . . . .
الشيخ: المقصود أنه وقع ما جاء في الخبر، وأمن الناس على أديانهم وعلى أموالهم وعلى أعراضهم، وعلى مرّ العصور ينتابهم الأمن -وهو الغالب- ثم ينتابهم الخوف لمخالفتهم أوامر الله وشرعه، ينتابهم شيء من الخوف، ويبتلون به حتى يرجعوا إلى دينهم، والله المستعان.
ونزلت هذه الآية، وأظهر الله نبيه على جزيرة العرب، فوضعوا السلاح وأمنوا، قال النحاس: فكان في هذه الآية دلالة على نبوة رسول الله ﷺ ؛ لأن الله -جل وعز- أنجز ذلك الوعد، قال الضحاك في كتاب النقاش: هذه الآية تتضمن خلافة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي؛ لأنهم أهل الإيمان وعملوا الصالحات، وقد قال رسول الله ﷺ : ((الخلافة بعدي ثلاثون)) وإلى هذا القول ذهب ابن العربي في أحكامه واختاره ..
стр. 306
وخلافة الأربعة مدتها ثلاثون سنة.
وقال: قال علماؤنا: هذه الآية دليل على خلافة الخلفاء الأربعة ﵃، وأن الله استخلفهم، ورضي أمانتهم، وكانوا على الدين الذي ارتضى لهم؛ لأنهم لم يتقدمهم أحد في الفضيلة إلى يومنا هذا، فاستقر الأمر لهم، وقاموا بسياسة المسلمين، وذبوا عن حوزة الدين فنفذ الوعد فيهم، وإذا لم يكن هذا الوعد لهم نجز، وفيهم نفذ، وعليهم ورد، ففيمن يكون إذاً؟ وليس بعدهم مثلهم إلى يومنا هذا، ولا يكون فيما بعده ﵃، وحكى هذا القول القشيري عن ابن عباس، واحتجوا بما رواه سفينة مولى رسول الله ﷺ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((الخلافة بعدي ثلاثون سنة، ثم تكون ملكاً)) قال سفينة: أمسك عليك خلافة أبي بكر سنتين، وخلافة عمر عشراً، وخلافة عثمان ثنتي عشرة سنة، وخلافة علي ستاً، وقال قوم: هذا وعد لجميع الأمة في ملك الأرض كلها تحت كلمة الإسلام، كما قال ﵊: ((زويت لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها)).
واختار هذا القول ابن عطية في تفسيره حيث قال: والصحيح في الآية أنها في استخلاف الجمهور، واستخلافهم هو أن يملكهم البلاد، ويجعلهم أهلها، كالذي جرى في الشام والعراق وخراسان والمغرب، قال ابن العربي: قلنا لهم هذا وعد عام في النبوة والخلافة، وإقامة الدعوة، وعموم الشريعة، فنفذ الوعد في كل أحد بقدره وعلى حاله، حتى في المفتين والقضاة والأئمة، وليس للخلافة محل تنفذ فيه الموعدة الكريمة إلا من تقدم من الخلفاء، ثم ذكر اعتراضاً وانفصالاً معناه: فإن قيل هذا الأمر لا يصح إلا في أبي بكر وحده، فأما عمر وعثمان فقتلا غيلة، وعلي قد نوزع في الخلافة، قلنا: ليس في ضمن الأمن السلامة من الموت بأي وجه كان، وأما علي فلم يكن نزاله في الحرب مذهباً للأمن، وليس من شرط الأمن رفع الحرب، إنما شرطه ملك الإنسان لنفسه باختياره، لا كما كان أصحاب النبي ﷺ بمكة ..
стр. 307
يعني بمعنى أن تكون الدولة للمسلمين، وإن وجد فيها بعض ما ينكد ويخالف هذا الأمن من وجه لأسبابه التي رتّب عليها؛ لأن النصر مشروط ﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ﴾ [(٧) سورة محمد] والأمن مشروط ﴿يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [(٥٥) سورة النور] فإذا وجد الشرك في بلد اختل هذا الأمن بقدر وجوده، وإذا ضعف التوحيد في بلد ضعف الأمن بقدر ضعفه، فلا بد من تحقق الشرط ليترتب عليه المشروط.
ومعروف أنه في زمن علي -رضي الله تعالى عنه- وجد شيء من الغلو به، ووجد من طوائف الغلاة الذي غلوا به وألهوه من دون الله، فلا بد أن يختل الأمن بسبب هذا، لا بد من أن يختل الأمن بسبب مثل هذا ﴿يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ فمتى حقق التوحيد وانتفى الشرك حصل الأمن، وإذا اختل شيء من هذا اختل الأمن بقدره ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ﴾ [(٨٢) سورة الأنعام] والمراد بذلك الشرك. نسأل الله العافية.
طالب: خلافة الحسن؟
الشيخ: ستة أشهر؟ تكمل الثلاثين.
طالب: الأمن هنا المراد به الأمن على النفس أم العرض أم الدين أم ماذا؟
الشيخ: الأمن من جميع وجوهه، ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ﴾ لم يخلطوا إيمانهم بظلم، أولئك لهم الأمن يعني التام، من كل وجه.
ثم قال في آخر كلامه: وحقيقة الحال أنهم كانوا مقهورين فصاروا قاهرين، وكانوا مطلوبين فصاروا طالبين، فهذا نهاية الأمن والعز.
стр. 308
قلت: هذه الحال لم تختص بالخلفاء الأربعة ﵃ حتى يخصوا بها من عموم الآية، بل شاركهم في ذلك جميع المهاجرين، بل وغيرهم، ألا ترى إلى إغزاء قريش المسلمين في أحد وغيرها وخاصة الخندق حتى أخبر الله تعالى عن جميعهم فقال: ﴿إِذْ جَاؤُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ [(١٠ - ١١) سورة الأحزاب] ثم إن الله رد الكافرين لم ينالوا خيراً، وأمن المؤمنين، وأورثهم أرضهم وديارهم وأموالهم، وهو المراد بقوله: ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ﴾ [(٥٥) سورة النور] وقوله: ﴿كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [(٥٥) سورة النور] يعني بني إسرائيل إذ أهلك الله الجبابرة بمصر، وأورثهم أرضهم وديارهم، فقال: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا﴾ [(١٣٧) سورة الأعراف] وهكذا كان الصحابة مستضعفين خائفين، ثم إن الله تعالى أمَّنهم ومكنهم وملكهم، فصحَّ أن الآية عامة لأمة محمد ﷺ غير مخصوصة، إذ التخصيص لا يكون إلا بخبر ممن يجب له التسليم، ومن الأصل المعلوم التمسك بالعموم ..
يعني حتى يرد المخصص، تمسك بالعموم حتى يرد المخصص.
وجاء في معنى تبديل خوفهم بالأمن أن رسول الله ﷺ لما قال أصحابه: أما يأتي علينا يوم نأمن فيه، ونضع السلاح؟ فقال ﵇: ((لا تلبثون إلا قليلاً حتى يجلس الرجل منكم في الملأ العظيم محتبياً ليس عليه حديدة)).
تقدم قريباً.
وقال ﷺ : ((والله ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون)) خرجه مسلم في صحيحه، فكان كما أخبر ﷺ فالآية معجزة النبوة؛ لأنها إخبار عما سيكون فكان.
قوله تعالى: ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ﴾ فيه قولان: أحدهما: يعني أرض مكة ..
يعني المعهودة، الأرض المعهودة.
стр. 309
لأن المهاجرين سألوا الله تعالى ذلك، فوعدوا كما وعدت بنو إسرائيل، قال معناه النقاش الثاني: بلاد العرب والعجم، قال ابن العربي: وهو الصحيح؛ لأن أرض مكة محرمة على المهاجرين، قال النبي ﷺ : ((لكن البائس سعد بن خولة، يرثي له رسول الله ﷺ أن مات بمكة)) وقال في الصحيح أيضاً: ((يمكث المهاجر بمكة بعد قضاء نسكه ثلاثاً)).
واللام في ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم﴾ جواب قسم مضمر؛ لأن الوعد قول مجازها: قال الله للذين آمنوا وعملوا الصالحات والله ليستخلفنهم في الأرض، فيجعلهم ملوكها وسكانها.
﴿كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ يعني بني إسرائيل، أهلك الجبابرة بمصر والشام، وأورثهم أرضهم وديارهم، وقراءة العامة ﴿كَمَا اسْتَخْلَفَ﴾ بفتح التاء واللام لقوله: ﴿وعد﴾ وقوله: ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم﴾ وقرأ عيسى بن عمر وأبو بكر والمفضل عن عاصم ﴿استُخلفَ﴾ بضم التاء وكسر اللام على الفعل المجهول، و ﴿لَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ﴾ وهو الإسلام، كما قال تعالى: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا﴾ [(٣) سورة المائدة] وقد تقدم.
وروى سليم بن عامر عن المقداد بن الأسود قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((ما على ظهر الأرض بيت حجر ولا مدر إلا أدخله الله كلمة الإسلام بعز عزيزٍ، أو ذل ذليل، أما بعزهم فيجعلهم من أهلها، وأما بذلهم فيدينون بها)) ذكره الماوردي حجةً لمن قال: إن المراد بالأرض بلاد العرب والعجم، وهو القول الثاني على ما تقدم آنفاً ..
مخرج؟
طالب: قال: صحيح أخرجه أحمد وابن حبان والحاكم من حديث المقداد، وصححه الحاكم على شرطهما، ووافقه الذهبي، والصواب أنه على شرط مسلم، وفي الباب من حديث تميم الداري ﵁ لأحمد والحاكم وصححه على شرطهما ووافقه الذهبي، وهو كما قال، وصححه الألباني وصححه محققي الرسالة.
الشيخ: من هم؟
طالب: محققي الرسالة.
طالب:. . . . . . . . .
стр. 310
الشيخ: ما في شك الأمن وإن أمِن أمْن البهائم وسلمت نفسه وروحه وماله وعرضه، لكن أين الأمن التام المطلق الذي يتدين الإنسان كما يشاء، ويقول ما يشاء، إذا كان مرضياً لله -جل وعلا-، فعلى كل حال كل شيءٍ بقدره.
﴿وَلَيُبَدِّلَنَّهُم﴾ [(٥٥) سورة النور] قرأ ابن محيصن وابن كثير ويعقوب وأبو بكر بالتخفيف من أبدل، وهي قراءة الحسن، واختيار أبي حاتم الباقون بالتشديد من بدَّل، وهي اختيار أبي عبيد؛ لأنها أكثر ما في القرآن، قال الله تعالى: ﴿لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللهِ﴾ [(٦٤) سورة يونس] وقال: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ﴾ [(١٠١) سورة النحل] ونحوه وهما لغتان، قال النحاس: وحكى محمد بن الجهم عن الفراء قال: قرأ عاصم والأعمش ﴿وليبدلنهم﴾ مشددة، وهذا غلط عن عاصم، وقد ذكر بعده غلطاً أشد منه، وهو أنه حكى عن سائر الناس التخفيف، قال النحاس: وزعم أحمد بن يحيى أن بين التثقيل والتخفيف فرقاً، وأنه يقال: بدلته: أي غيرته، وأبدلته: أزلته وجعلت غيره، قال النحاس: وهذا القول صحيح كما تقول: أبدل لي هذا الدرهم أي أزله، وأعطني غيره، وتقول: قد بدلت بعدنا: أي غيرت، غير أنه قد يستعمل أحدهما موضع الآخر، والذي ذكره أكثر، وقد مضى هذا في (النساء) والحمد لله.
وقد وذكرنا في سورة إبراهيم الدليل من السنة على أن بدَّل معناه إزالة العين، فتأمله هناك وقرئ ﴿عَسَى رَبُّنَا أَن يُبْدِلَنَا﴾ [(٣٢) سورة القلم] مخففاً ومثقلاً، ﴿يَعْبُدُونَنِي﴾ هي في موضع الحال، أي في حال عبادتهم الله بالإخلاص، ويجوز أن يكون استئنافاً، على طريق الثناء عليهم.
﴿لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ فيه أربعة أقوال: أحدها: لا يعبدون إلهاً غيري، حكاه النقاش.
الثاني: لا يراءون بعبادتي أحداً، الثالث: لا يخافون غيري، قاله ابن عباس. الرابع: لا يحبون غيري قاله مجاهد ..
معناه أنهم لا يعبدون أحداً غير الله -جل وعلا- لا عبادةً تامة، ولا يصرفون له شيئاً من حقوق الرب -جل وعلا-.
стр. 311
﴿وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ﴾ أي بهذه النعم، والمراد كفران النعمة؛ لأنه قال تعالى: ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ الكافر بالله فاسق بعد هذا الإنعام وقبله، قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [(٥٦) سورة النور] تقدم فأعاد الأمر بالعبادة تأكيداً.
قوله تعالى: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [(٥٧) سورة النور] هذا تسلية للنبي -صلى الله عيه وسلم- ووعد بالنصرة، وقراءة العامة ﴿تَحْسَبَنَّ﴾ بالتاء خطاباً، وقرأ ابن عامر وحمزة وأبو حيوة ﴿يحسبن﴾ بالياء بمعنى: لا يحسبن الذين كفروا أنفسهم معجزين الله في الأرض؛ لأن الحسبان يتعدى إلى مفعولين، وهذا قول الزجاج، وقال الفراء وأبو علي: يجوز أن يكون الفعل للنبي ﷺ : أي لا يحسبن محمد الذين كفروا معجزين في الأرض ..
حتى على القراءة الأولى، لا تحسبن يا محمد الذين كفروا.
فـ ﴿الذين﴾ مفعول أول و ﴿مُعْجِزِينَ﴾ مفعول ثان، وعلى القول الأول ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فاعل.
﴿أنفسهم﴾ مفعول أول وهو محذوف مراد، و ﴿مُعْجِزِينَ﴾ مفعول ثان، قال النحاس: وما علمت أحدا من أهل العربية بصرياً ولا كوفياً إلا وهو يُخطئ قراءة حمزة، فمنهم من يقول: هي لحن؛ لأنه لم يأت إلا بمفعول واحد ليحسبن، وممن قال هذا أبو حاتم، وقال الفراء: هو ضعيف، وأجازه على ضعفه على أنه يحذف المفعول الأول، وقد بيناه، قال النحاس: وسمعت علي بن سليمان يقول في هذه القراءة: يكون ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ في موضع نصب قال: ويكون المعنى: ولا يحسبن الكافر الذين كفروا معجزين في الأرض.
قلت: وهذا موافق لما قاله الفراء وأبو علي، إلا أن الفاعل هناك النبي ﷺ وفي هذا القول ﴿الكافر﴾ و ﴿معجزين﴾ معناه: فائتين، وقد تقدم ﴿وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [(٥٧) سورة النور] أي المرجع ..
لا شك أن الخطاب في قوله: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ﴾ للنبي ﵊ وفي حكمه كل من يتأتى، ومن يمكن أن يوجه إليه هذا الخطاب، وكل أحدٍ لا يحسبن أن الكافرين معجزين – نسأل الله العافية-.
اللهم صل وسلم على سيدنا محمد.
стр. 312
تفسير سورة النور
(من آية ٥٨ – ٦١)
(أحكام الاستئذان -والقواعد من النساء -والأكل من بيوت الأقارب)
الشيخ/ عبد الكريم الخضير
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه:
قال الإمام القرطبي -رحمه الله تعالى-:
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِن قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِّنَ الظَّهِيرَةِ وَمِن بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاء ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُم بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [(٥٨) سورة النور].
فيه ثمان مسائل:
الأولى: قال العلماء: هذه الآية خاصة، والتي قبلها عامة؛ لأنه قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ [(٢٧) سورة النور].
هذه الآية عامة في جميع من يتجه إليه الخطاب، يمكن أن يوجه إليه من الذكور والإناث، والأحرار والأرقاء، وهذه الآية التي معنا خاصة باستئذان ملك اليمين، والخطاب موجه للرجال والنساء خلافاً لمن قال أنه للرجال؛ لأن (الذين) موصول للذكور لكن الخطاب للرجال يدخل فيه خطاب النساء، خلافاً لمن يقول أن الخطاب خاص بالنساء؛ لأن (الذين) لم يوضع للنساء إنما يدخل فيه النساء تبعاً للرجال وإلا فالأصل أنه للرجال، فمن أهل العلم من يقول: أن المخاطب بهذه الآية النساء دون الرجال، فلا بد من استئذان ملك اليمين على سيدته، والآية الأصل فيها أنها للرجال، وعرف من جميع نصوص الشرع -إلا ما دل الدليل على تخصيصه- أنه إذا وجه الخطاب للرجال دخل فيه النساء.
ثم خص هنا فقال: ﴿لِيَسْتَأْذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾.
стр. 313
اللام هنا لام الأمر، فالاستئذان هنا لا بد منه؛ لأنه مأمورون به، ففي هذه الأوقات الثلاثة لا بد من الاستئذان، وهذا حينما كان الناس جارين على سنن السنة الإلهية في كون الليل سكن والنهار معاش، بمعنى أنه في العصر مثلاً لا يحتاج إلى استئذان؛ لأنه وقت المعاش، والناس مستيقظون ومنتبهون أو الضحى مثلاً، يدخل الساعة تسع وعشر ما في حاجة للاستئذان؛ لأن الناس مستيقظون، وكان هذا قبل أن توجد الأبواب والأغلاق التي يلزم من خلالها قرع هذه الأبواب وطرقها من أجل أن يعلم من في البيت من الداخل، أما بعد وجود هذه الأبواب فلا بد من الاستئذان على كل حال، لكن لما لم تكن الأبواب موجودة والأغلاق إنما هي مجرد ستور يمكن أن يدخل من غير استئذان ففي غير الأوقات الثلاثة لا داعي للاستئذان حينما كان الناس جارين على السنة الإلهية في كون النهار معاش والليل سكن، ووقت القيلولة معروفة –أوقات النوم معروفة- لكن الآن اضطربت أحوال الناس ولو قيل: أنه يستأذن في الضحى وأن الاستئذان في هذا الوقت أهم من الاستئذان في الليل؛ لأن الناس في الليل مستيقظون، أما في النهار فلا شك أن الساعة التاسعة والعاشرة والحادية عشرة أحياناً في بعض البيوت مثل نصف الليل فيما تقدم؛ لأن الناس قلبوا هذه الفطرة وهذه السنة الإلهية.
فخص في هذه الآية بعض المستأذنين، وكذلك أيضاً يتأول القول في الأولى في جميع الأوقات عموماً، وخص في هذه الآية بعض الأوقات فلا يدخل فيها عبد ولا أمة، وغداً كان أو ذا منظر إلا بعد الاستئذان.
يعني وغداً لا يفهم شيئاً، لا يفهم ولم يطلع على العورات، ولا ذا منظر يعني صاحب نظر في النساء بحيث يفهم، أو مطلع على العورات سواء كانت بالنسبة للرجال أو النساء.
قال مقاتل: نزلت في أسماء بنت مرثد دخل عليها غلام لها كبير فاشتكت إلى رسول الله ﷺ فنزلت عليه الآية، وقيل: سبب نزولها دخول مدلج على عمر، وسيأتي.
الثانية: اختلف العلماء في المراد بقوله تعالى: ﴿لِيَسْتَأْذِنكُمُ﴾ على ستة أقوال:
الأول: أنها منسوخة، قاله ابن المسيب وابن جبير.
الثاني: أنها ندب غير واجبة، قاله أبو قلابة، قال: إنما أمروا بهذا نظراً لهم.
стр. 314
نظراً لهم ورعايةً لمصالحهم، وما كان من هذا الباب فإنه لا يصل إلى حد الوجوب عند بعضهم، لكن المقرر عند أهل العلم أن الأمر الأصل فيه الوجوب، واللام لام الأمر، فلا محيد عن القول بوجوبه.
الثالث: عنى بها النساء، قاله أبو عبد الرحمن السلمي.
نعم، وهذا مردود حقيقة، يعني به النساء؛ لأن (الذين) إنما وضعت في الأصل للذكور لا للنساء.
وقال ابن عمر: هي في الرجال دون النساء، وهو القول الرابع.
الخامس: كان ذلك واجباً إذ كانوا لا غلق لهم ولا أبواب، ولو عاد الحال لعاد الوجوب، حكاه المهدوي عن ابن عباس.
يعني هل هو حكم معلق بعلةٍ يدور معها وجوداً وعدماً؟ أو هو حكم سابق رُفع بحكمٍ متأخر، بمعنى أنه لا يعود ولو عادت العلة؟ يعني فرق بين قولنا: أنه منسوخ وبين قولنا: أنه كان واجباً إذ كانوا لا غلق لهم ولا أبواب ولو عاد الحال لعاد الوجوب، على القول الأول أنه لا يعود هذا الحكم إطلاقاً، خلاص رفع الحكم، رفع حكم المنسوخ بالناسخ، وعلى القول الخامس: يدور مع علته، إذا ألغيت الأبواب واكتفى الناس بالستور عاد الحكم وإلا لا داعي له مع وجود هذه الأبواب.
السادس: أنها محكمة واجبة ثابتة على الرجال والنساء، وهو قول أكثر أهل العلم، منهم القاسم وجابر بن زيد والشعبي، وأضعفها قول السلمي؛ لأن ﴿الَّذِينَ﴾ لا يكون للنساء في كلام العرب ..
قول أبي عبد الرحمن السلمي أنها خاصة بالنساء، وهو القول الثالث الذي تقدم.
لأن ﴿الَّذِينَ﴾ لا يكون للنساء في كلام العرب ..
يعني على سبيل الاستقلال، أما دخولهن تبعاً للرجال في (الذين) فهذا مطّرد.
إنما يكون للنساء (اللاتي واللواتي)، وقول ابن عمر يستحسنه أهل النظر؛ لأن ﴿الَّذِينَ﴾ للرجال في كلام العرب، وإن كان يجوز أن يدخل معهم النساء فإنما يقع ذلك بدليل، والكلام على ظاهره غير أن في إسناده ليث بن أبي سليم.
وضعفه معروف مقرر عند أهل العلم، وهو من الطبقة الدنيا بالنسبة لمسلم الذين قد يحتاج إليهم عند فقد أحاديث الطبقات العليا ينتقي من أحاديثهم.
وأما قول ابن عباس فروى أبو داود عن عبيد الله بن أبي يزيد سمع ابن عباس يقول: آية لم يؤمر بها أكثر الناس، آية الاستئذان وإني لآمر جاريتي هذه تستأذن عليّ.
стр. 315
يعني لم يؤمر بها من ليس عنده ملك يمين، لا يتجه أمره بها ﴿لِيَسْتَأْذِنكُمُ﴾ لأن الإذن أو الاستئذان مربوط بملك اليمين، (ملكت أيمانكم) فالذي ليس عنده ملك يمين لا خادم ولا خادمة، يعني لا عبد ولا أمة ما يحتاجون يستأذنون، ما يتجه إليهم الخطاب في هذا.
قال أبو داود: وكذلك رواه عطاء عن ابن عباس يأمر به، وروى عكرمة أن نفراً من أهل العراق قالوا: يا ابن عباس كيف ترى ..
هنا آية لم يؤمر بها أكثر الناس، والرواية الثانية: يأمر به أكثر الناس.
وروى عكرمة أن نفراً من أهل العراق قالوا: يا ابن عباس كيف ترى في هذه الآية التي أمرنا فيها بما أمرنا ولا يعمل بها أحد قوله الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِن قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِّنَ الظَّهِيرَةِ وَمِن بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاء ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُم﴾ [(٥٨) سورة النور] قال أبو داود: قرأ القعنبي إلى: ﴿عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ قال ابن عباس: إن الله حليم رحيم بالمؤمنين يحب الستر، وكان الناس ليس لبيوتهم ستور ولا حجال، فربما دخل الخادم أو الولد أو يتيمة الرجل والرجل على أهله، أمرهم الله بالاستئذان في تلك العورات فجاءهم الله بالستور والخير فلم أر أحداً يعمل بذلك بعد.
وهذا ماشي على القول الخامس، وأن الاستئذان كان واجباً، إذ كانوا لا غلاق لهم ولا أبواب، ما في إلا ستور، لكن لما وجدت الأبواب والأغلاق، الأبواب توصد وترتج فحينئذٍ لا بد من طرق هذه الأبواب.
قلت: هذا متن حسن، وهو يرد قول سعيد وابن جبير، فإنه ليس فيه دليل على نسخ الآية.
وعرفنا القول بين القولين، الأول والخامس.
وعلى أنها كانت على حالٍ ثم زالت، فإن كان مثل ذلك الحال فحكمها قائم كما كان، بل حكمها لليوم ثابت في كثير من مساكن المسلمين في البوادي والصحارى ونحوها.
стр. 316
لأنهم لا غلاق لهم ولا أبواب، يعني بيوت من الشعر أو من المدر يتجاوزون ويتسمحون فيها كبيوت بعض القرى والأرياف والبوادي في الصحاري فلا يوجد لهم أبواب محكمة تمنع من الدخول.
وروى وكيع عن سفيان عن موسى بن أبي عائشة عن الشعبي ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [(٥٨) سورة النور] قال: ليست بمنسوخة، قلت: إن الناس لا يعملون بها، قال: الله المستعان.
نعم لو أجمع الناس واتفق أهل العلم على عدم العمل بها لقلنا: أنها منسوخة، ودل الإجماع على وجود نسخ ولو لم نطلع عليه.
الثالثة: قال بعض أهل العلم: إن الاستئذان ثلاثاً مأخوذ من قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ﴾ [(٥٨) سورة النور] قال: يريد ثلاث دفعات.
في ثلاثة أوقات، ثلاث مرات يعني في ثلاثة أوقات، أما الاستئذان ثلاثاً فمأخوذ من السنة الصحيحة، كان إذا استأذن استأذن ثلاثاً، فإذا استأذن أحدكم فليقل: السلام عليكم أأدخل؟ ثلاثاً، المقصود أن الاستئذان ثلاثاً مأخوذ من السنة، وهنا الاستئذان في ثلاثة أوقات.
طالب: ما تكون السنة تفسير للآية؟
السنة الاستئذان ثلاث غير الوارد في الآية، الآية ثلاثة أوقات، منصوص عليها في الآية وكل وقت من هذه الثلاث يحتاج إلى استئذان ثلاث مرات، هذا الذي تفسيره السنة، أما مجمل الأوقات الثلاثة فلا دلالة للحديث عليها.
قال: فورد القرآن في المماليك والصبيان، وسنة رسول الله ﷺ في الجميع، قال ابن عبد البر: ما قاله من هذا وإن كان له وجه فإنه غير معروف عن العلماء في تفسير الآية التي نزع بها، والذي عليه جمهورهم في قوله: ﴿ثلاث مَرَّاتٍ﴾ أي في ثلاث أوقات، ويدل على صحة هذا القول ذكره فيها: ﴿مِن قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِّنَ الظَّهِيرَةِ وَمِن بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاء﴾ [(٥٨) سورة النور].
стр. 317
الرابعة: أدب الله عباده في هذه الآية بأن يكون العبيد إذ لا بال لهم، والأطفال الذين لم يبلغوا الحلم إلا أنهم عقلوا معاني الكشفة ونحوها.
يعني ظهروا واطلعوا على عورات النساء ويمكن أن يصفوها لغيرهم فمثل هؤلاء يمنعون ويحجبون لا بد من الاستئذان.
يستأذنون على أهليهم في هذه الأوقات الثلاثة.
لأنها وقت النوم والراحة، والعادة جرت بأن هذه الأوقات هي أوقات النوم، والناس يتخففون من الملابس فيها وينامون بالشيء الخفيف، فقد يطلع على شيءٍ من عوراتهم.
وهي الأوقات التي تقتضي عادة الناس الانكشاف فيها وملازمة التعري، فما قبل الفجر وقت انتهاء النوم ووقت الخروج من ثياب النوم ولبس ثياب النهار، ووقت القائلة وقت التجرد أيضاً وهي الظهيرة؛ لأن النهار يظهر فيها إذا علا شعاعه واشتد حره، وبعد صلاة العشاء وقت التعري للنوم، فالتكشف غالب في هذه الأوقات.
يُروى أن رسول الله ﷺ بعث غلاماً من الأنصار يقال له: مدلج إلى عمر بن الخطاب ظهيرة ليدعوه فوجده نائماً قد أغلق عليه الباب فدق عليه الغلام الباب فناداه، ودخل فاستيقظ عمر وجلس، فانكشف منه شيء، فقال عمر: وددت أن الله نهى أبناءنا ونساءنا وخدمنا عن الدخول علينا في هذه الساعات إلا بإذن، ثم انطلق إلى رسول الله ﷺ فوجد هذه الآية قد أنزلت فخر ساجداً شكراً لله، وهي مكية.
مخرج؟
طالب: قال: ذكره الواحدي عن ابن عباس بدون إسناد فلا حجة فيه.
فقط؟ إذاً قال هنا: يُروى أن رسول الله، مع أنه لا يفرق بين الصيغ، المؤلف ﵀ لا يفرق، قد يأتي بحديثٍ في الصحيحين ويقول فيه: يروى، لا يراعي الاصطلاح في مثل هذا.
طالب: المعلق قال: السورة مدنية بإجماع كما نقل القرطبي في أولها فلا أدري ما وجه قوله: وهي مكية؟
طالب آخر: الغلام أنصاري فكيف يقول: السورة مكية؟
مدلج؟
طالب: هذا يدل أنها مدنية.
هي السورة مدنية، لكن الخبر فيه ما فيه، الخبر لا يعتمد عليه، وموافقات عمر معروفة، موافقات عمر أكثر من عشرين.
стр. 318
الخامسة: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنكُمْ﴾ أي الذين لم يحتلموا من أحراركم قاله مجاهد، وذكر إسماعيل بن إسحاق كان يقول: ليستأذنكم ..
إسماعيل بن إسحاق القاضي.
وذكر إسماعيلَ بن إسحاق كان يقول: ليستأذنكم الذين لم يبلغوا الحلم مما ملكت أيمانكم على التقديم والتأخير، وأن الآية في الإماء، وقرأ الجمهور بضم اللام وسكنها الحسن بن أبي الحسن لثقل الضمة، وكان أبو عمرو يستحسنها و ﴿ثَلَاثَ مَرَّاتٍ﴾ نصب على الظرف؛ لأنهم لم يؤمروا بالاستئذان ثلاثاً، إنما أمروا بالاستئذان في ثلاثة مواطن، والظرفية في ﴿ثَلَاثَ﴾ بينة.
﴿مِن قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِّنَ الظَّهِيرَةِ وَمِن بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاء﴾ وقد مضى معناه، ولا يجب أن يستأذن ثلاث مرات في كل وقت، ﴿ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ﴾ قرأ جمهور السبعة ﴿ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ﴾ برفع ﴿ثَلَاثُ﴾ وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم ﴿ثَلَاثَ﴾ بالنصب على البدل من الظرف في قوله: ﴿ثَلَاثَ مَرَّاتٍ﴾ قال أبو حاتم: النصب ضعيف مردود، وقال الفراء: الرفع أحب إلي، قال: وإنما اخترت الرفع لأن المعنى: هذه الخصال ثلاث عورات، والرفع عند الكسائي بالابتداء والخبر عنده ما بعده، ولم يقل بالعائد، وقال نصاً بالابتداء، قال: والعورات الساعات التي تكون فيها العورة إلا أنه قرأ بالنصب، والنصب فيه قولان: أحدهما: أنه مردود على قوله: ﴿ثَلَاثَ مَرَّاتٍ﴾ ولهذا استبعده الفراء، وقال الزجاج: المعنى ليستأذنكم أوقات ثلاث عورات، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه.
و ﴿عَوْرَاتٍ﴾ جمع عورة، وبابه في الصحيح أن يجيء على فعلات (بفتح العين) كجفنة وجفنات ونحو ذلك، وسكَّنوا العين في المعتل كبيضةٍ وبيضات؛ لأن فتحه داعٍ إلى اعتلاله فلم يفتح لذلك، فأما قول الشاعر:
أبو بيضات رائح متأوب ... رفيق بمسح المنكبين سبوحُ
فشاذ.
стр. 319
لأن فتحه داعٍ إلى اعتلاله، ما معنى هذا؟. . . . . . . . . هنا يقول: وبابه في الصحيح أن يجيء على فعلات، هنا قال: ﴿عَوْرَاتٍ﴾ ما قال: عوَرات، أن يجيء على فعلات كجفنةٍ وجفنات، وسكّنوا العين في المعتل كبيضةٍ وبيضات مثل: عورة وعوْرات؛ لأن فتحه داعٍ إلى اعتلاله فلم يفتح لذلك؛ لأنه تنطبق عليه القاعدة، تحركت الواو وانفتح ما قبلها فقلبت ألفاً، تصير (عارات) ما تصير (عورات)؛ لأنه لو فتحت الواو في الصحيح تفتح، لكن في المعتل ما تفتح؛ لأنه يلزم قلبها ألف، لو قلنا تحركت الواو، القاعدة أنها إذا تحركت الواو وانفتح ما قبلها تقلب ألفاً، وهم أحياناً ولو لم تنفتح الواو يتوهمون انفتاحها إذا أرادوا قلبها، فمثلاً: إقامة وإجازة، القاف الأصل: إقوامة، وإجوازة، يقول: تحركت الواو وتوهّم انفتاح ما قبلها فقلبت ألفاً، وهنا سكّنوها لئلا تنقلب، لماذا؟ لأنهم يمشون على السماع، ما سمع (عارات) من أجل أن يقال: تحركت الواو فتحمل ما قبلها فقلبت ألفاً.
السادسة: قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ﴾ أي في الدخول من غير أن يستأذنوا.
خطوة وخطُوات، تقلب هنا ألف وإلا ما تقلب؟ لأن بعضهم أجمعوا على (خطَوات)؟ الواو متحركة، وخطَوات على هذا الجمع على القائل تقلب الواو ألف، لكن الذي تلاه في الأمثال، ألف مع ألف لا يمكن النطق بها فلا تقلب، وأيضاً الجمع الصحيح (خطُوات).
стр. 320
السادسة: قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ﴾ أي في الدخول من غير أن يستأذنوا، وإن كنتم متبذلين، ﴿طَوَّافُونَ﴾ بمعنى: هم طوافون، قال الفراء: كقولك في الكلام إنما هم خدمكم وطوافون عليكم وأجاز الفراء نصب طوافين؛ لأنه نكرة والمضمر في ﴿عَلَيْكُمْ﴾ معرفة، ولا يجوز البصريون أن يكون حالاً من المضمرين اللذين في ﴿عَلَيْكُمْ﴾ وفي ﴿بَعْضُكُمْ﴾ لاختلاف العاملين، ولا يجوز مررت بزيد ونزلت على عمرو العاقلين على النعت لهما فمعنى ﴿طَوَّافُونَ عَلَيْكُم﴾ أي: يطوفون عليكم وتطوفون عليهم، ومنه الحديث في الهرة: ((إنما هي من الطوافين عليكم أو الطوافات)) فمنع في الثلاث العورات من دخولهم علينا؛ لأن حقيقة العورة كل شيء لا مانع دونه، ومنه قوله: ﴿إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾ [(١٣) سورة الأحزاب] أي سهلة للمدخل، فبيَّن العلة الموجبة للإذن وهي الخلوة في حال العورة، فتعين امتثاله، وتعذر نسخه.
لأن العلة قائمة، ما دامت العلة قائمةً فلا نسخ، إذا كانت العلة قائمة فلا نسخ.
ثم رفع الجناح بقوله: ..
يعني بعض الناس الآن يشاهد من بعض الناس أنهم إذا بنوا البيوت وجعلوا الأبواب من زجاج، بحيث يُرى من ورائها، فهل نقول أن هذا في حكم الستور لا في حكم الأبواب؟ أو نقول: هذه أبواب تغلق لا يمكن الولوج من ورائها، وكونهم يضعونها بهذه الطريقة لا شك أنه تفريط كغيره من أنواع التساهل، يعني يفترض أن هذا الشخص وضع باباً ثم استأذن الداخل ثم بعد ذلك النساء ما احتجبن عن الداخل، هذا تفريط من صاحب البيت وقل مثل هذا في الباب الذي يكشف ما وراءه، هذا تفريط ولا يؤخذ حكم الستور الذي لا تمنع من أراد الدخول؛ لأن هذه تمنع من أراد الدخول.
ثم رفع الجناح بقوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُم بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ أي يطوف بعضكم على بعض. ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ﴾ الكاف في موضع نصب: أي يبين الله لكم آياته الدالة على متعبداته بياناً مثل ما يبيّن لكم هذه الأشياء، ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ تقدم.
следующие страницы →