← Тафсир

Тафсир · id 26047

التعليق على تفسير القرطبي - عبد الكريم الخضير

عبد الكريم الخضير

Полный текст (585 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

الأولى: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ﴾ (إنما) في هذه الآية للحصر، المعنى: لا يتم ولا يكمل إيمان من آمن بالله ورسوله إلا بأن يكون من الرسول سامعاً غير معنت في أن يكون الرسول يريد إكمال أمر فيريد هو إفساده بزواله في وقت الجمع ونحو ذلك، وبيَن تعالى في أول السورة أنه أنزل آيات بينات، وإنما النزول على محمد ﷺ فختم السورة بتأكيد الأمر في متابعته ﵇؛ ليعلم أن أوامره كأوامر القرآن. الثانية: واختلف في الأمر الجامع ما هو؟. الآن المحصور عليه في الحصر ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ إن كان المحصور عليه ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ فالإيمان لا يتم إلا بذلك، ولا يصح إلا بذلك، وإذا ادعى أنه مؤمن ولم يؤمن بالله ولا رسوله هذه دعوة لا تصح، فليس بمؤمن إذا لم يؤمن بالله -جل وعلا- ويؤمن برسوله، وإذا كان الحصر من أجل قوله -جل وعلا-: ﴿وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ فلا شك أن هذا لا يسلب تركه الإيمان بالكلية، وإن كان يخل بأصله. الثانية: واختلف في الأمر الجامع ما هو؟ فقيل: المراد به ما للإمام من حاجة إلى جمع الناس فيه، لإذاعة مصلحة من إقامة سنة في الدين، أو لترهيب عدو باجتماعهم وللحروب، قال الله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [(١٥٩) سورة آل عمران] فإذا كان أمر يشملهم نفعه وضره جمعهم للتشاور في ذلك، والإمام الذي يُترقب إذنه هو إمام الإمرة.

стр. 352

يعني المقصود به الإمام الأعظم، ومن ينيبه الإمام في جمع الناس لأمرٍ من الأمور، فإذا اجتمعوا لأمرٍ من الأمور لا يجوز الخروج إلا بإذنه إلا إذا كان ثمّ منكر، فإنه حينئذٍ لا يحتاج إلى إذن إلا إذا استطاع أن ينكر فيتعيّن عليه الإنكار، إذا لم يستطع ينصرف، إذا ترتب على الانصراف مفسدة أعظم فينظر في المصالح والمفاسد، إذا كان لا يستطيع الإنكار وترتب على الانصراف مفسدة أعظم لا شك أن العزيمة أن ينصرف، ولو ترتب عليه ضرر في نفسه أو بدنه أو ماله هذا هي العزيمة، وإن خشي على نفسه وجلس حتى ينتهي الموضوع خوفاً على نفسه ففيه مندوحة وهو مكره على هذا، لكن لا يستدل بفعله على جواز هذا المنكر، يعني كثير من الناس يستدلون على جواز بعض المحرمات؛ لأن والله شفنا الشيخ فلان جالس، ما تدري ما ظرف الشيخ فلان في جلوسه هذا؟ هو يخشى مفسدة أعظم، أو يخشى على نفسه، والإنكار لا يستطيعه ولا يستطيع الخروج فتقرير هذا الشخص على هذا المنكر ليس فيه دليل على جوازه، ولا يمكن أن ينسب إليه القول بجوازه؛ لأنه جلس ولم يستطيع الخروج ولم يستطع الإنكار. فالتقرير خاص بالنبي ﷺ ، حتى الصحابة تقريرهم ليس بحجة، يعني لو جلس صحابي فتقريره ليس بحجة، لنفترض مثل ما فعل مروان حينما خطب جالس، كثير من الصحابة الحاضرين ما أنكروا عليه، أنكر عليه أبو سعيد، هل يقال: أن الصحابة –جمهور الصحابة- يرون أن مثل هذا المنكر لا ينكر أو هذا الفعل يجوز؟ لأنهم ما أنكروا؟ وكثير من المسلمين ما أنكر على الوليد في إدخاله القبر – الحجرة النبوية في المسجد- مع أنه وجد الإنكار من جمع من أهل العلم في وقته، هل نقول: أن جمهور الأمة يرون مثل هذا العمل؟ لا يمكن.

стр. 353

فالإقرار كونه تشريع خاص بالنبي ﵊، ونسمع كثيراً مما يستدل على جواز بعض الأمور بأننا رأينا الشيخ الفلاني جالس، طيب وما يدريك عن الشيخ الفلاني؟ يمكن يخشى على نفسه، لا يستطيع الإنكار، يوازن بين المصالح والمفاسد يرى أن المصلحة في البقاء، فمثل هذا لا يستدل به على الجواز، فإذا جمعهم الإمام على أمرٍ فيه مصلحة فإنه حينئذٍ لا يجوز لأحدٍ أن ينصرف حتى يستأذن، وهل يدخل في ذلك كل جمع؟ بمعنى أنه في الصلاة مثلاً، أو في خطبة الجمعة، احتاج إلى الخروج، هل يستأذن الإمام؟ أو في الدرس هل يستأذن الشيخ؟ لا شك أن المستأذن هنا هو الإمام الأعظم أو من ينيبه، وهناك أمور لا تحتاج إلى إذن، وإن كان بعضهم يرى أنها تحتاج إذن، فمن انتقض وضوءه والإمام يخطب، هل يقول للإمام: أتأذن لي أن أتوضأ؟ هذا ما يحتاج إلى إذن، وإن قال بعض أهل العلم أنه لا بد منه. وفي كل هذا مبالغة على الحفاظ، من أجل الحفاظ على الجماعة، والدين دين اجتماع وألفة ومودة، ولذا لا يجوز إقامة جماعة ثانية في مسجد في آنٍ واحد، ولو كبر المسجد، مع علم الجماعة الثانية بالأولى؛ لأن هذا يؤدي إلى شقاق ونزاع ويشحن النفوس، وأيضاً لو أدى صلاة جار المسجد في مسجدٍ آخر لو أدى ذلك إلى وجود شيء في نفس الإمام أو جماعة المسجد القريب عليه أن يلازم هذا المسجد كفاً للغيبة عن نفسه وحفاظاً على الألفة والمودة، وإذا كان هناك مبرر له وشرحه للجماعة ورضوا به وكذلك الإمام، لا شك أن مثل هذا لا مانع منه، لو قال: أنا أحتاج إلى المشي، أنا نصحني الطبيب أن أمشي، ولا في فرصة أن أمشي إلا إذا أذن أصلي بالمسجد الفلاني، فحينئذٍ لا مانع على أن يبين ويسلب ما في قلوبهم من أثر لهذه الفرقة، وإلا فالأصل أن الفرقة مذمومة. والإمام الذي يُترقب إذنه هو إمام الإمرة فلا يذهب أحد لعذرٍ إلا بإذنه، فإذا ذهب بإذنه ارتفع عنه الظن السيء، وقال مكحول والزهري: الجمعة من الأمر الجامع، وإمام الصلاة ينبغي أن يستأذن إذا قدمه إمام الإمرة إذا كان يرى المستأذن.

стр. 354

قال ابن سيرين: كانوا يستأذنون الإمام على المنبر فلما كثر ذلك قال زياد: من جعل يده على فيه فليخرج دون إذن، وقد كان هذا بالمدينة حتى أن سهل بن أبي صالح رعف يوم الجمعة فاستأذن الإمام، وظاهر الآية يقتضي أن يستأذن أمير الإمرة الذي هو في مقعد النبوة، فإنه ربما كان له رأي في حبس ذلك الرجل؛ لأمر من أمور الدين، فأما إمام الصلاة فقط فليس ذلك إليه؛ لأنه وكيل على جزء من أجزاء الدين للذي هو في مقعد النبوة. إذا احتاج الإمام إلى جمع الناس في غير وقت الدوام مثلاً، قال: على الجهة الفلانية أن تحضر بعد صلاة العصر أو بعد صلاة المغرب أو بعد صلاة العشاء للتشاور في بعض الأمور التي تهم العمل، بعض أهل العلم يرى أنه تلزم الإجابة، ولو كانت خارج الوقت المؤجر عليه، ومنهم من يرى أنه إذا كانت المسألة مقايضة ووظيفة ويصرف لها مقابل أنه لا يلزم إلا في وقت العمل، وهذا يحتاج إليه في كثير من الدوائر الحكومية، يعني هناك جلسات في الجهات الرسمية، فهل إذا دعي إلى الجلسة في غير وقت الدوام يلزمه الحضور؟ وإذا لم يرضَ إلا بمقابل، هل يصرف له هذا المقابل أو لا يحتاجه وهو من صميم العمل، لا سيما إذا كان فائدته تعود على العمل؟ مثلاً: جلسات –مجالس الكليات والجامعات وغيرها من الدوائر الرسمية التي تحتاج إلى جلسات وفيها لجان تجتمع هذه اللجان أو مجالس في غير وقت الدوام- أما بالنسبة لوقت الدوام لا يجوز أن يتخلف أحد، لا يجوز أن يتخلف إذا كان من مصلحة العمل؛ لأنه استؤجر، في هذه المدة هو أجير لا يجوز له أن يتخلف، وإذا كان في غير وقت الدوام فالمسألة تحتاج إلى نظر. طالب: لو علم بوجود منكرات وقت الدوام؟ إذا علم بوجود منكرات لا يجوز الإقدام، الآن يقولون في إجابة وليمة العرس والدعوة إليها واجبة عند أهل العلم ومع ذلك إذا كان ثمّ منكر لا يجوز الحضور، إلا إذا كان يحضر بنية الإنكار ويستطيع الإنكار، يستطيع التغيير؛ فإنه حينئذٍ يجيب. طالب: إذا خشي من وجود منكر، توقع منكر؟

стр. 355

إذا غلب على ظنه وجود منكر، نفترض مثلاً أنه لا يرى التصوير، ويقول: أنه بيجي المسؤول الفلاني احتمال قوي أن يكون التصوير موجود، ما يحضر في هذه الحالة، وإذا كان وجوده يمنع التصوير مثلاً، وقيل: إن الشيخ الفلاني بيحضر وهو ما يرى التصوير فلا تصوروا هذا لا شك أنه مصلحة ظاهرة، أو مثلاً سيدعى إلى مجلس ثم يدعى معه نساء مثلاً، كما يحصل في مثل هذه الأيام فلا يحضر، لا يحضر أبداً، إذا وجد منكر، إن حضر للإنكار واستطاع ذلك فبها ونعمت، وإلا فلا يحضر. وروي أن هذه الآية نزلت في حفر الخندق حين جاءت قريش وقائدها أبو سيفان وغطفان وقائدها عيينة بن حصن، فضرب النبي ﷺ الخندق على المدينة، وذلك في شوال سنة خمس من الهجرة، فكان المنافقون يتسللون لواذاً من العمل ويعتذرون بأعذار كاذبة، ونحوه روى أشهب وابن عبد الحكم عن مالك، وكذلك قال محمد بن إسحاق، وقال مقاتل: نزلت في عمر ﵁ استأذن النبي ﷺ في غزوة تبوك في الرجعة فأذن له، وقال: ((انطلق فوالله ما أنت بمنافق)) يريد بذلك أن يسمع المنافقين، وقال ابن عباس ﵄: إنما استأذن عمر ﵁ في العمرة، فقال ﵇ لما أذن له: ((يا أبا حفص لا تنسنا في صالح دعائك)). ومثل هذا طلب الدعاء من الرجل الصالح لا بأس به، ولا إشكال فيه، ولا يدخل في النهي عن السؤال، النبي ﵊ قال لعمر هذا الكلام، وقال لعمر: ((إذا أتى وفد اليمن فاسأل عن فلان)) أويس بن عامر- هذا في صحيح مسلم وسأل عنه، فطلب منه الدعاء، هذا لا إشكال فيه -إن شاء الله تعالى-. هذه الآية فيها: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ في الآية الأخرى: ﴿إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ في معارضة وإلا ما في معارضة؟ طالب: لا. لماذا؟ طالب: المقصود في الآية الأولى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ هم أصحاب النبي ﵊.

стр. 356

في الآية التي معنا هذه ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾؟ المسألة لا تخلو من حالين: الأولى: أن يكون هناك عذر يمنع من البقاء، أو لا يكون هناك عذر، فإن كان هناك عذر فالاستئذان لا بد منه مع العذر، فنتصور اثنين كليهما معذورين في مثل هذا –كلاهما لديه عذر- واحد استأذن وواحد مشى بدون استئذان، الآية في حق من استأذن ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ لوجود عذر يمنعهم من مواصلة البقاء، هناك ليس فيه عذر وإنما فيه فرار عمّا أوجب الله عليهم، هناك ليس فيه عذر فيستأذن ويعتذر بعذر غير صحيح، فالذي يستأذن للتخلص مما أوجب الله عليه من جهادٍ ونحوه فمثل هذا تنطبق عليه الآية الأولى. قلت: والصحيح الأول؛ لتناوله جميع الأقوال، واختار ابن العربي ما ذكره في نزول الآية عن مالك وابن إسحاق، وأن ذلك مخصوص في الحرب، قال: والذي يبين ذلك أمران: أحدهما: قوله في الآية الأخرى ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذًا﴾ [(٦٣) سورة النور] وذلك أن المنافقين كانوا يتلوذون ويخرجون عن الجماعة، ويتركون رسول الله ﷺ فأمر الله جميعهم بألا يخرج أحد منهم؛ حتى يأذن له رسول الله ﷺ وبذلك يتبين إيمانه. الطلاب في المدارس النظامية –في الكليات مثلاً– يحرص الطالب أنه يجلس إلى أن يؤخذ الحضور، ثم بعد ذلك يستغفل الشيخ ويتغافل ويخرج، أو يستأذن ولا عذر له، كل هذا لا يجوز؛ لأنه يأخذ في مقابل هذا أجرة محسوسة وأجرة معنوية؛ لأنه منتظم، وتعاقد مع الكلية على هذا الأمر، أنه منتظم والمنتظم عليه أن يحضر فلا يجوز له أن يخرج حتى يستأذن إذا كان له عذر، إذا كان له عذر يستأذن وإلا يبقى.

стр. 357

قد يقول قائل: إن بعض الأساتذة وبعض المدرسين الفائدة منهم ليست كبيرة فأنا أخرج لأستفيد فائدة أكبر، أنت تعاقدت على أن تبقى في هذا المكان وفي شرح هذا الدرس المقرر عليك، وإلا لو افترضنا أنه يوجد في هذا المكان –في هذه الكلية– شخص هو أعلم الناس مثلاً، وأنت بين يدي شخص الفائدة منه قليلة وتقول: أنا أستأذن وأذهب إلى فلان –الذي هو العالم الحقيقي- وشيخ هذا الشيخ مثلاً، لا يجوز مثل هذا، العالم الفلاني له وقت آخر تذهب إليه، أما أنت في هذا الوقت وفي هذا الظرف عليك أن تلزم مكانك، وتلتزم بما تعاقدت عليه. الثاني: قوله: ﴿لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ وأي إذن .. الأعذار، حينما يطلب عذر عن التخلف، كثير من الناس يتساهل فيها فيدلي بعذرٍ ليس بصحيح، وقد يكون لديه عذر ويبدي غيره؛ لأن الجهة لا تقبل إلا تقرير طبي، وهو مسافر –سفر حاجة- هو معذور في الحقيقة لكن الجهة لا تقبل هذا العذر، وإنما لا بد أن يكون بتقرير طبي ثم يزور تقرير طبي، هذا أيضاً لا يجوز، لا يجوز بحال، وبعضهم يتعاظم أن يفوته الامتحان ولا يعاد الامتحان والضرر كبير عليه، ثم يقول: هذه مفسدة يسيرة، نقول: لا يا أخي العلم المبني على هذه الأمور وعلى هذه المخالفات لا خير فيه. وأي إذن في الحدث والإمام يخطب وليس للإمام خيار في منعه ولا إبقائه، وقد قال: ﴿فَأْذَن لِّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ﴾ فبين بذلك أنه مخصوص في الحرب، قلت: القول بالعموم أولى وأرفع وأحسن وأعلى ﴿فَأْذَن لِّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ﴾ فكان النبي ﷺ بالخيار إن شاء أن يأذن وإن شاء منع، وقال قتادة: قوله: ﴿فَأْذَن لِّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ﴾ منسوخة بقوله: ﴿عَفَا اللهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾ [(٤٣) سورة التوبة]. يعني هذا في حال تعيّن الجهاد لا يجوز لمن تعين عليه أن يتخلف، كما أنه لا ينبغي للإمام أن يأذن له، وجاء عتاب النبي ﵊ في ذلك ﴿عَفَا اللهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾.

стр. 358

﴿وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ﴾ أي لخروجهم عن الجماعة إن علمت لهم عذراً ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾، قوله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاء الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاء بَعْضِكُم بَعْضًا﴾ يريد: يصيح من بعيد: يا أبا القاسم، بل عظموه كما قال في الحجرات: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ [(٣) سورة الحجرات] .. الآية، وقال سعيد بن جبير ومجاهد: المعنى قولوا: يا رسول الله في رفق ولين، ولا تقولوا: يا محمد بتجهّم، وقال قتادة: أمرهم أن يشرفوه ويفخموه، وقال ابن عباس: لا تتعرضوا لدعاء الرسول عليكم بإسخاطه فإن دعوته موجبة. ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذًا﴾ التسلل والانسلال: الخروج، واللواذ من الملاوذة وهي أن تستتر بشيء مخافة من يراك، فكان المنافقون يتسللون عن صلاة الجمعة، ﴿لِوَاذًا﴾ مصدر في موضع الحال أي: متلاوذين، أي يلوذ بعضهم ببعض ينضم إليه استتاراً من رسول الله ﷺ ؛ لأنه لم يكن على المنافقين أثقل من يوم الجمعة وحضور الخطبة، حكاه النقاش، وقد مضى القول فيه، وقيل: كانوا يتسللون في الجهاد رجوعاً عنه، يلوذ بعضهم ببعض، وقال الحسن: ﴿لِوَاذًا﴾ فراراً من الجهاد، ومنه قول حسان: وقريش تجول منا لواذاً ... لم تحافظ وخف منها الحلوم وصحّت واوها لتحركها في لاوذ يقال: لاوذ يلاوذ ملاوذة ولواذاً، ولاذ يلوذ لوذاً ولياذاً انقلبت الواو ياءً؛ لانكسار ما قبلها اتباعاً للاذ في الاعتلال، فإذا كان مصدر: فاعَلَ لم يعل؛ لأن فاعَلَ لا يجوز أن يعل. يعني لاوذ لا يجوز أن يعل، ولاذ يعل. قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ بهذه الآية احتج الفقهاء على أن الأمر على الوجوب.

стр. 359

لأنه رتب عليه عقوبة ﴿أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ما دام رتب عليه عقوبة فالمراد به الوجوب، ولو لم يرتب عليه عقوبة لكان للاستحباب، فالأمر هنا مطلق، مجرد عن قرائن وعن صوارف، إذاً هو للوجوب، كما في هذه الآية، وكما في الحديث: ((لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم)) دل على أن الأمر إذا أطلق ينصرف إلى الوجوب، أو دلالته على الوجوب، إلا إذا وجد صارف، ولو لم يكن كذلك لما رتّب عليه عقوبة، وأمر الاستحباب بالنسبة للسواك ثابت فلم يبق من الأمر المنفي إلا أمر الوجوب. ووجهها أن الله ﵎ قد حذر من مخالفة أمره، وتوعد بالعقاب عليها بقوله: ﴿أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ فتحرم مخالفته، فيجب امتثال أمره، والفتنة هنا القتل، قاله ابن عباس، وقال عطاء: الزلازل والأهوال، وقال جعفر بن محمد: سلطان جائر يسلط عليهم، وقيل: الطبع على القلوب بشؤم مخالفة الرسول. ولا يمنع أن تجتمع هذه الأمور، بل غير هذه الأمور مما هو أشد منها. والضمير في ﴿أَمْرِهِ﴾ قيل: هو عائد إلى أمر الله تعالى، قاله يحيى بن سلام، وقيل: إلى أمر رسوله ﵇ قاله قتادة، ومعنى ﴿يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ أي يعرضون عن أمره، وقال أبو عبيدة والأخفش: (عن) في هذا الموضع زائدة، وقال الخليل وسيبويه: يعني في الأصل: فليحذر الذين يخالفون أمره، يرونها زائدة، لكن الصواب أنها ليست بزائدة، كما قال الخليل وسيبويه. وقال الخليل وسيبويه: ليست بزائدة، والمعنى يخالفون بعد أمره، كما قال: لم تنتطق عن تفضل، ومنه قوله: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [(٥٠) سورة الكهف] أي بعد أمر ربه، و (أن) في موضع نصب بـ (يحذر) ولا يجوز عند أكثر النحويين حذر زيداً، وهو في (أن) جائز؛ لأن حروف الخفض تحذف معها. قوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [(٦٤) سورة النور].

стр. 360

قوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ خلقاً وملكاً، ﴿قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ﴾ فهو يجازيكم به، و ﴿يَعْلَمُ﴾ هنا بمعنى علم. لأن دخول قد على المضارع الغالب فيه التقليل، قد يعلم، وهنا المراد بها التحقيق، فكأن المضارع هنا بمنزلة الماضي، إذا قيل: قد جاء زيد، يعني محقق، وإذا قيل: قد يجيء زيد، فهذا للتقليل، يعني ليغلب على الظن أنه ما يجيء، فهنا قالوا: إن يعلم بمنزلة التحقيق في الماضي. ﴿وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ﴾ بعد ما كان في خطاب رجع في خبر، وهذا يقال له: خطاب التلوين، ﴿فَيُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا﴾ أي يخبرهم بأعمالهم ويجازيهم بها، ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ من أعمالهم وأحوالهم، ختمت السورة بما تضمنت من التفسير، والحمد لله على التيسير. سورة الفرقان مكية كلها في قول الجمهور، وقال ابن عباس وقتادة: إلا ثلاث آيات منها نزلت بالمدينة، وهي: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [(٦٨) سورة الفرقان] إلى قوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [(٧٠) سورة الفرقان] وقال الضحاك: هي مدنية، وفيها آيات مكية، قوله: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ .. الآيات، ومقصود هذه السورة. . يعني عكس قول ابن عباس، قول ابن عباس أنها مكية إلا ثلاث آيات، قال الضحاك: هي مدنية إلا ثلاث آيات. ذكر موضع عظم القرآن، وذكر مطاعن الكفار في النبوة، والرد على مقالاتهم وجهالاتهم، فمن جملتها قولهم: إن القرآن افتراه محمد، وإنه ليس من عند الله، قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ﴾ [(١) سورة الفرقان] (تَبَارَكَ) اختلف في معناه، فقال الفراء: هو في العربية و (تقدس) واحد، وهما للعظمة، وقال الزجاج: تبارك تفاعل من البركة، قال: ومعنى البركة: الكثرة من كل ذي خير، وقيل: ﴿تَبَارَكَ﴾ تعالى، وقيل: تعالى عطاؤه: أي زاد وكثر، وقيل: المعنى: دام وثبت إنعامه، قال النحاس: وهذا أولاها في اللغة والاشتقاق من برك الشيء إذا ثبت، ومنه برك الجمل والطير على الماء: أي دام وثبت.

стр. 361

فأما القول الأول فمخلط؛ لأن التقديس إنما هو من الطهارة وليس من ذا في شيء، قال الثعلبي: ويقال تبارك الله، ولا يقال متبارك ولا مبارك؛ لأنه يُنتهى في أسمائه وصفاته إلى حيث ورد التوقيف، وقال الطرماح: تباركت لا معط لشيءٍ منعته ... وليس لما أعطيت يا رب مانعُ وقال آخر: تباركت ما تقدر يقع ولك الشكر. قلت: قد ذكر بعض العلماء في أسمائه الحسنة (المبارك) وذكرناه أيضاً في كتابنا، فإن كان وقع اتفاق على أنه لا يقال فيسلم للإجماع، وإن كان وقع فيه اختلاف فكثير من الأسماء اختلف في عده كالدهر وغيره، وقد نبهنا على ذلك هنالك، والحمد لله. أخذوا هذا الاسم من الفعل (تبارك) الذي مقتضاه الإخبار، علماً بأن دائرة الأسماء أضيق من دائرة الأوصاف فضلاً عن الإخبار، فالاسم يؤخذ منه صفة ولا عكس، والإخبار أوسع لا يؤخذ منه صفة ولا اسم، هذا الإخبار، فكونهم يأخذون المبارِك أو المبارَك من قوله -جل وعلا-: ﴿تَبَارَكَ﴾ هذا ليس جارياً على القواعد المعروفة عند أهل السنة، فيبقى الاسم توقيفي فإن جاء به نص ملزم قيل به وإلا فلا، و ﴿تَبَارَكَ﴾ بهذه الصيغة تفاعل لا يطلق إلا على الله -جل وعلا-، لا يجوز إطلاقه على أحد، وإن كان يقال: فلان مبارك، وفلان رجل فيه بركة هذا لا إشكال فيه، لكن الإشكال في هذه الصيغة ﴿تَبَارَكَ﴾ لا تطلع إلى على الله -جل وعلا-؛ لأنه بلغ الغاية في هذا الشأن. طالب: يقال: هذا الحلال عندي تبارك، وهذه الغنم تباركت يريد كثرتها؟ يعني إذا ظهرت فيه البركة بالكثرة أو النفع لا مانع -إن شاء الله-. طالب: أو هذا المال تبارك؟ لا، تبارك لا. طالب: المال؟ ولو كان، يعني حصل فيه بركة، أما تبارك لا. طالب: الزيارة، تبارك المحل بدخولك، تبارك دخولك؟. لا، يعني كونكم حضرتم حصلت البركة لا مانع -إن شاء الله تعالى-، لكن البركة تحصل بأدنى شيء، يعني لو لم يكن من بركة هذا الحاضر مثلاً إلا حصول الأجر المترتب على الزيارة، وحصول الأجر للمزور المرتب على الضيافة وهكذا، لكن التبارك الذي هو بلغ الغاية في هذا الأمر هذا خاص بالله -جل وعلا-. طالب: هل يمكن أن نقول: تبارك البيت بقدومكم؟ هل ينكر على هذا القول؟

стр. 362

تبارك نعم، هذا اللفظ ممنوع على أي حال. و ﴿الْفُرْقَانَ﴾ القرآن، وقيل: إنه اسم لكل منزل، كما قال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ﴾ [(٤٨) سورة الأنبياء] وفي تسميته فرقاناً وجهان: أحدهما: لأنه فرق بين الحق والباطل، والمؤمن والكافر، والثاني: لأن فيه بيان ما شرع من حلال وحرام، حكاه النقاش، ﴿عَلَى عَبْدِهِ﴾ يريد محمداً ﷺ ، ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ اسم ﴿يَكُونَ﴾ فيها مضمر يعود على ﴿عَبْدِهِ﴾ وهو أولى؛ لأنه أقرب إليه، ويجوز أن يكون يعود على ﴿الْفُرْقَانَ﴾، وقرأ عبد الله بن الزبير: ﴿على عباده﴾ ويقال: أنذر إذا خوّف، وقد تقدم في أول البقرة، والنذير المحذر من الهلاك، قاله الجوهري، والنذير المنذر، والنذير الإنذار. والمراد بـ ﴿الْعَالَمِينَ﴾ هنا الإنس والجن؛ لأن النبي ﷺ قد كان رسولاً إليهما ونذيراً لهما، وأنه خاتم الأنبياء، ولم يكن غيره عام الرسالة إلا نوح، فإنه عم برسالته جميع الإنس بعد الطوفان؛ لأنه بدأ به الخلق. العموم في رسالة نوح ﵇ عموم ضرورة أنه لا يوجد إلا هؤلاء الناس الذين أمر بدعوتهم؛ لأن من عداهم غرق بالطوفان وانتهوا، وأما عموم رسالته ﵊ فهو عموم مقصود لذاته، فهو بعث إلى الناس كافة، وهذا من خصائصه ﵊. قوله تعالى: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ عظم تعالى نفسه، ﴿وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ نزه نفسه عما قاله المشركون من أن الملائكة أولاد الله، يعني بنات الله ، وعما قالت اليهود: عزير ابن الله -جل الله تعالى-، وعما قالت النصارى: المسيح ابن الله -تعالى الله عن ذلك-. ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ كما قال عبدة الأوثان، ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ لا كما قال المجوس والثنوية: إن الشيطان أو الظلمة يخلق بعض الأشياء، ولا كما يقول من قال: للمخلوق قدرة الإيجاد.

стр. 363

يعني: أنه يخلق فعل نفسه، وهذا قول القدرية المعتزلة، يقولون: أن الإنسان يخلق فعله، وفعل العبد ليس من مخلوق الله -جل وعلا- ولذلك سموا مجوس هذه الأمة؛ لمشابهتهم إياهم في إثبات خالق غير الله -جل وعلا-. ولا كما يقول من قال: للمخلوق قدرة الإيجاد، فالآية رد على هؤلاء، ﴿فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ أي قدر كل شيء مما خلق بحكمته على ما أراد، لا عن سهوة وغفلة، بل جرت المقادير على ما خلق الله إلى يوم القيامة، وبعد القيامة فهو الخلق المقدر، فإياه فاعبدوه، قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً﴾ [(٣) سورة الفرقان] ذكر ما صنع المشركون على جهة التعجيب في اتخاذهم الآلهة مع ما أظهر من الدلالة على وحدانيته وقدرته. ﴿لَّا يَخْلُقُونَ شَيْئًا﴾ يعني الآلهة، ﴿وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ لمَّا اعتقد المشركون فيها أنها تضر وتنفع عبَّر عنها كما يعبر عما يعقل. فقال: ﴿وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ يعني عبر عنهم بضمير الجمع، وأثبت لهم النون التي في الأصل للعقلاء، عاملهم معاملة جمع المذكر السالم، ولا يجمع على هذه الصيغة إلا من يعقل، فهذا على سبيل التنزل لعابديهم الذين عاملوهم معاملة العقلاء. ﴿وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ أي لا دفع ضر وجلب نفع، فحذف المضاف، وقيل: لا يقدرون أن يضروا أنفسهم أو ينفعوها بشيء ولا لمن يعبدهم؛ لأنها جمادات، ﴿وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا﴾ أي لا يميتون أحداً ولا يحيونه، والنشور: الإحياء بعد الموت، أنشر الله الموتى فنشروا وقد تقدم، وقال الأعشى: حتى يقول الناس مما رأوا ... يا عجباً للميت الناشر قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني مشركي قريش، وقال ابن عباس: القائل منهم ذلك النضر بن الحارث ابن الحارث يعني يكتبونها بدون ألف. القائل منهم ذلك النضر بن الحارث، وكذا كل ما في القرآن فيه ذكر الأساطير، قال محمد بن إسحاق: وكان مؤذياً للنبي ﷺ ، ﴿إِنْ هَذَا﴾ يعني القرآن، ﴿إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ﴾ أي كذب أختلقه، ﴿وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ يعني اليهود، قاله مجاهد.

стр. 364

وقال ابن عباس: المراد بقوله: ﴿قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ أبو فكيهة مولى بني الحضرمي وعداس وجبر، وكان هؤلاء الثلاثة من أهل الكتاب، وقد مضى في النحل ذكرهم، ﴿فَقَدْ جَاؤُوا ظُلْمًا﴾ أي بظلم، وقيل: المعنى فقد أتوا ظلماً، ﴿وَزُورًا وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ قال الزجاج: واحد الأساطير أسطورة، مثل أحدوثة وأحاديث، وقال غيره: أساطير جمع أسطار، مثل أقوال وأقاويل، ﴿اكْتَتَبَهَا﴾ يعني محمداً، ﴿فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ﴾ أي تلقى عليه وتقرأ، ﴿بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ حتى تحفظ، و ﴿تُمْلَى﴾ أصله تملل، فأبدلت اللام الأخيرة ياءً من التضعيف: كقولهم: تقضى البازي وشبهه. مع إمكان الفك، يعني حصل هذا الإبدال مع إمكان أن يؤتى بالأصل فليملل، يعني فك الإدغام، والبقاء على الحروف الأصلية ممكن. قوله تعالى: ﴿قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [(٦) سورة الفرقان] أي قل يا محمد: أنزل هذا القرآن الذي يعلم السر فهو عالم الغيب فلا يحتاج إلى معلم، وذكر (السر) دون الجهر؛ لأنه من علم السر فهو في الجهر أعلم، ولو كان القرآن مأخوذاً من أهل الكتاب وغيرهم لما زاد عليها، وقد جاء بفنون تخرج عنها فليس مأخوذاً منها، وأيضاً ولو كان مأخوذاً من هؤلاء لتمكن المشركون منه أيضاً، كما تمكن محمد ﷺ فهلا عارضوه، فبطل اعتراضهم من كل وجه. ﴿إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ يريد غفوراً لأوليائه، رحيماً بهم، قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾ [(٧) سورة الفرقان] فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا﴾ ذكر شيئاً آخر من مطاعنهم، والضمير في ﴿قَالُوا﴾ لقريش، وذلك أنهم كان لهم مع رسول الله .. يعني أولاً طعنوا في الكتاب قالوا: أساطير الأولين ثم طعنوا في النبي ﵊ الذي أنزل عليه الكتاب.

стр. 365

وذلك أنهم كان لهم مع رسول الله ﷺ مجلس مشهور، وقد تقدم في (سبحان) ذكره ابن إسحاق في السيرة وغيره مضمنه: أن سادتهم عتبة بن ربيعة وغيره اجتمعوا معه فقالوا: يا محمد، إن كانت تحب الرياسة وليناك علينا، وإن كنت تحب المال جمعنا لك من أموالنا، فلما أبى رسول الله ﷺ عن ذلك رجعوا في باب الاحتجاج معه فقالوا: ما بالك وأنت رسول الله تأكل الطعام، وتقف بالأسواق، فعيروه بأكل الطعام؛ لأنهم أرادوا أن يكون الرسول ملكاً، وعيروه بالمشي في الأسواق حين رأوا الأكاسرة والقياصرة والملوك الجبابرة يترفعون عن الأسواق، وكان ﵇ يخالطهم في أسواقهم ويأمرهم وينهاهم، فقالوا: هذا يطلب أن يتملك علينا فما له يخالف سيرة الملوك، فأجابهم الله بقوله وأنزل على نبيه: ﴿وَما أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾ [(٢٠) سورة الفرقان] فلا تغتم ولا تحزن، فإنها شكاة ظاهر عنك عارها. يعني زائل، زائل عنك عارها كما في المثل، ولا شك أن أهل الترفع والكبر لا يمشون مع الناس، ولا يغشون مجالسهم، هذا خلق أهل الكبر، التعالي والترفع عن الناس، حتى وجد منهم من لا يصلي في المسجد، فكيف يصلي –على حد زعمه- بين حمّال وزبّال، بعضهم يخشى على ثيابه أن تتسخ بملامسة ثياب الآخرين، وبعضهم يأنف أن يصاف فقير، هذا ضروب من الكبر شنيعة. نعم قد يوجد بعض الناس من فيه ما يكره من أجله، إما رائحة أو جروح أو قروح مثل هذا هناك مبرر أن الإنسان لا يصافه، لكن بعض الناس بدون مبرر، يتعالى ويترفع وقد عرف عن بعض الناس أنه لا يصلي مع الجماعة لهذا، هو موجود في القدم. الثانية: دخول الأسواق مباح للتجارة وطلب المعاش، وكان ﵇ يدخلها لحاجته، ولتذكرة الخلق بأمر الله ودعوته، ويعرض نفسه فيها على القبائل؛ لعل الله أن يرجع بهم إلى الحق.

стр. 366

دخول الأسواق لا شك أنها شر البقاع لكن إذا ترتب على ذلك مصلحة أعظم، إما قضاء حاجة له أو لغيره أو لمزاولة دعوة أو أمر بمعروف أو نهي عن منكر، كل هذه مصالح راجحة، وأسواق المسلمين لا يمكن أن تترك للعوام الذين يزاولون من العقود ما فيه بعض المخالفات، أو للمتسوقة من الرجال والنساء وما يحصل من بعضهم بعض المخالفات، مثل هؤلاء لا بد من غشيان الأسواق من أجل الإنكار عليهم. وإلى وقتٍ قريب والوعاظ يأتون إلى الأسواق ويتكلمون، يصعدون على مكان مرتفع ويتكلمون ويعظون الناس، لكنه انقطع الآن، ما فيه إلا مسألة الإنكار، وعلى ضعفٍ شديد، والله المستعان. طالب: دخول بعض الأسواق للصالحين متميزة تجد كثير من المنكرات .... التي يكثر فيها المنكرات من أجل الإنكار؟ طالب: لا، ليس للحاجة؟ إذا لم يكن ثمّ حاجة بس لمجرد مشاهدة المنكر وعدم القدرة على إنكاره لا يجوز؛ مشاهدة المنكرات منكر مع عدم الإنكار، يعني يقيم الحجة على نفسه. طالب: ترى الأسواق يا شيخ متميزة من. . . . . . . . . .. ولو كان، ولو كان هذا ما يكفي، ما يكفي هذا، وإلا فتح الباب للسياحة ورؤية المنكرات واستمرائها وعدم إنكارها والذين جربوا هذا تساهلوا في كثيرٍ من الأمور، يعني بعد أن سافروا سياحة وفرجة ونزهة رجعوا بأفكارٍ متغيرة، تغيرت حياتهم بعد ذلك؛ لأن كثرة الإمساس تضعف الإحساس، أو تقلله وفي النهاية تقضي عليه، إذا كان الإنسان يرى هذا المنكر، هذا الشرك، ولا يستطيع إنكاره، يرى المتبرجة ولا يستطيع الإنكار عليها، ويرى الشاب يصنع ما يصنع، هذا لا بد من إنكاره أو هجره. وفي البخاري في صفته ﵇: ((ليس بفظ ولا غليظ ولا سخاب في الأسواق)) وقد تقدم في (الأعراف)، وذكر السوق مذكور في غير ما حديث، ذكره أهل الصحيح، وتجارة الصحابة فيها معروفة، وخاصة المهاجرين كما قال أبو هريرة: وإن إخواننا من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق، خرجه البخاري، وسيأتي لهذه المسألة زيادة بيان في هذه السورة -إن شاء الله-، قوله تعالى: ﴿لَوْلَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ﴾ أي: هلَّا ﴿فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ جواب الاستفهام. يعني هذا عرض وتحضيض، لولا أنزل إليه ملك.

стр. 367

قوله تعالى: ﴿أَوْ يُلْقَى﴾ [(٨) سورة الفرقان] في موضع رفع، والمعنى: أو هلا يلقى ﴿إِلَيْهِ كَنزٌ﴾ أو هلا ﴿تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ﴾. يقترحون على الله -جل وعلا- أن يفعل هذا، كما اقترحوا أحد رجلين من القريتين عظيم، إما أبو جهل أو عروة بن مسعود الثقفي، فهم يقترحون وليس لهم خيرة، وليس لهم أمر، ولا مدخل لهم في هذا. ﴿يَأْكُلُ﴾ بالياء قرأ المدنيون وأبو عمرو وعاصم، وقرأ سائر الكوفيين بالنون، والقراءتان حسنتان تؤديان عن معنى، وإن كانت القراءة بالياء أبين؛ لأنه قد تقدم ذكر النبي ﷺ وحده فأن يعود الضمير عليه أبين ذكره النحاس. ﴿وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَّسْحُورًا﴾ [(٨) سورة الفرقان] تقدم في (سبحان) والقائل عبد الله بن الزَّبعرى فيما ذكره الماوردي. قوله تعالى: ﴿انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ﴾ [(٩) سورة الفرقان] أي ضربوا لك هذه الأمثال ليتوصلوا إلى تكذيبك ﴿فَضَلُّوا﴾ عن سبيل الحق وعن بلوغ ما أرادوا ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ إلى تصحيح ما قالوه فيك. قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِن شَاء جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِّن ذَلِكَ جَنَّاتٍ﴾ [(١٠) سورة الفرقان] شرط ومجازاة، ولم يدغم ﴿جَعَلَ لَكَ﴾ لأن الكلمتين منفصلتان ويجوز الإدغام لاجتماع المثلين. جعلك. ﴿وَيَجْعَل لَّكَ﴾ في موضع جزم عطفاً على موضع ﴿جَعَلَ﴾ ويجوز أن يكون في موضع رفع مقطوعاً من الأول، وكذلك قرأ أهل الشام، ويروى عن عاصم أيضاً: ﴿وَيَجْعَل لَّكَ﴾ بالرفع: أي سيجعل لك في الآخرة قصوراً، قال مجاهد: كانت قريش ترى البيت من حجارة قصراً كائناً ما كان، والقصر في اللغة: الحبس. يعني ولو كان صغيراً، بخلاف ما عليه عرف الناس من القصر لا يقال إلا للكبير.

стр. 368

والقصر في اللغة: الحبس وسمي القصر قصراً لأن من فيه مقصور عن أن يوصل إليه، وقيل: العرب تسمي بيوت الطين القصر، وما يتخذ من الصوف والشعر البيت، حكاه القشيري، وروى سفيان عن حبيب بن أبي ثابت عن خيثمة قال: قيل للنبي ﷺ : إن شئت أن نعطيك خزائن الدنيا ومفاتيحها ولم يعط ذلك من قبلك ولا يعطاه أحد بعدك، وليس ذلك بناقصك في الآخرة شيئاً، وإن شئت جمعنا لك ذلك في الآخرة فقال: ((يجمع ذلك لي في الآخرة)) فأنزل الله : ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِن شَاء جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِّن ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَل لَّكَ قُصُورًا﴾ [(١٠) سورة الفرقان]. ويروى أن هذه الآية أنزلها رضوان خازن الجنان إلى النبي ﷺ ، وفي الخبر: إن رضوان لما نزل سلم على النبي ﷺ ثم قال: مخرج هذا؟ طالب: قال: ضعيف جداً أخرجه الواحدي مطولاً عن ابن عباس، وفيه جويبر واهٍ بمرة والضحاك لم يلق ابن عباس والخبر شبه موضوع. طيب ويروى أن هذه الآية أنزلها؟ طالب: علق عليه وقال: هذا باطل والراوي لا يعرف من هو؟ ولم ينزل بالقرآن من الملائكة إلا جبريل. هذا المعروف. وفي الخبر: إن رضوان لما نزل سلم على النبي ﷺ ثم قال: يا محمد! رب العزة يقرئك السلام وهذا سفط، فإذا سفط من نور يتلألأ يقول لك ربك: هذه مفاتيح خزائن الدنيا مع أنه لا ينقص مالك في الآخرة مثل جناح بعوضة فنظر النبي ﷺ إلى جبريل كالمستشير له، فضرب جبريل بيده الأرض يشير أن تواضع، فقال: ((يا رضوان لا حاجة لي فيها الفقر أحب إلي، وأن أكون عبدا صابراً شكوراً)) فقال رضوان: أصبت! الله لك .. وذكر الحديث. هذا أيضاً؟ طالب: قال: ضعيف جداً أخرجه الواحدي ...

стр. 369

قوله تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ﴾ [(١١) سورة الفرقان] يريد يوم القيامة، ﴿وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا﴾ يريد جهنم تتلظى عليهم، ﴿إِذَا رَأَتْهُم مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [(١٢) سورة الفرقان] أي من مسيرة خمسمائة عام، ﴿سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ قيل: المعنى إذا رأيتهم جهنم سمعوا لها صوت التغيظ عليهم، وقيل: المعنى: إذا رأتهم خزانها سمعوا لهم تغيضاً وزفيراً، حرصاً على عذابهم، والأول أصح .. لأنه لا يوجد ما يمنع من حصول هذا من جهنم نفسها –نسأل الله السلامة والعافية-. لما روي مرفوعاً أن رسول الله ﷺ قال: ((من كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ بين عيني جهنم مقعداً)). المحفوظ والمعروف: ((من كذب عليّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار)) وأما بهذا اللفظ ماذا قال عنه؟ طالب: قال: أخرجه الطبري مختصراً، وابن أبي حاتم. . . . . . . . . عن تفسير ابن كثير عن خالد بن بريك قال: رجل من الصحابة وإسناده غير قوي، وإن صححه ابن العربي كما نقل عنه القرطبي ﵀، فإن فيه إرسالاً، قال الذهبي في الميزان: خالد بن بريك روايته عن الصحابة مرسلة، وفيه أصبغ بن زيد وفيه كلام، وهو في الضعيفة، وحكم عليه الألباني بالضعف. إيه ضعيف واضح. قيل: يا رسول الله ولها عينان؟ قال: ((أما سمعتم الله يقول: ﴿إِذَا رَأَتْهُم مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ يخرج عنق من النار له عينان تبصران، ولسان ينطق، فيقول: وكّلت بكل من جعل مع الله إلهاً آخر، فله أبصر بهم من الطير بحبّ السمسم فيلتقطه))، وفي رواية: ((فيخرج عنق من النار فيلتقط الكفار لقط الطائر حب السمسم)) ذكره رزين في كتابه .. المسمى (تجريد الأصول) رزين له كتاب اسمه: (تجريد الأصول) جمع فيه الأصول الستة، ومع ذلك هو غير موجود، ويذكر ابن الأثير شيئاً من زوائده في جامع الأصول.

стр. 370

وصححه ابن العربي في قبسه، وقال: أي تفصلهم عن الخلق في المعرفة؛ كما يفصل الطائر حب السمسم من التربة، وخرجه الترمذي من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((يخرج عنق من النار يوم القيامة له عينان تبصران، وأذنان تسمعان، ولسان ينطق، يقول: إني وكّلت بثلاث: بكل جبارٍ عنيد، وبكل من دعا مع الله إلهاً آخر، وبالمصورين))، وفي الباب عن أبي سعيدٍ قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب صحيح. وقال الكلبي: ﴿سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا﴾ كتغيظ بني آدم، وصوتاً كصوت الحمار، وقيل: فيه تقديم وتأخير: سمعوا لها زفيراً، وعلموا لها تغيظاً، وقال قطرب: التغيظ لا يسمع ولكن يرى، والمعنى: رأوا لها تغيظاً، وسمعوا لها زفيراً، كقول الشاعر: ورأيت زوجك في الوغى ... متقلداً سيفاً ورمحا أي: وحاملاً رمحاً، وقيل: ﴿سَمِعُوا لَهَا﴾ أي فيها، أي سمعوا فيها تغيظاً وزفيراً للمعذبين، كما قال تعالى: ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾ [(١٠٦) سورة هود] و (في) و (اللام) يتقاربان، تقول: افعل هذا في الله ولله. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ﴾ [(١٣) سورة الفرقان] قال قتادة: ذكر لنا أن عبد الله كان يقول: إن جهنم لتضيق على الكافر كتضييق الزج على الرمح، ذكره ابن مبارك في رقائقه، وكذا قال ابن عباس ذكره الثعلبي والقشيري عنه، وحكاه الماوردي عن عبد الله بن عمرو، ومعنى ﴿مُقَرَّنِينَ﴾ مكتفين قاله أبو صالح، وقيل: مصفدين قد قرنت أيديهم إلى أعناقهم في الأغلال، وقيل: قرنوا مع الشياطين: أي قرن كل واحد منهم إلى شيطانه. الذي هو قرينه، وهذا قريب جداً، والقرن التقرين إنما يكون للجمع بين أكثر من شيء. قاله يحيى بن سلام، وقد مضى هذا في (إبراهيم) وقال عمرو بن كلثوم: فآبوا بالنهاب والسبايا ... وأبنا بالملوك مقرنينا يقول: أنهم رجعوا بعد هذه المقتلة، هم رجعوا بسبايا من الأموال، ورجعنا بالملوك، قرناهم وصفدناهم.

стр. 371

﴿دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾ أي هلاكاً، قاله الضحاك وقال ابن عباس: ويلاً، وروي عن النبي ﷺ أنه قال: ((أول من يقوله إبليس، وذلك أنه أول من يكسى حلة من النار، فتوضع على حاجبيه ويسحبها من خلفه، وذريته من خلفه، وهو يقول: واثبوراه)) وانتصب على المصدر: أي ثبرنا ثبوراً، قاله الزجاج، وقال غيره: هو مفعول به، قوله تعالى: ﴿لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ [(١٤) سورة الفرقان] فإن هلاككم أكثر من أن تدعوا مرة واحدة، وقال: ثبوراً لأنه مصدر يقع للقليل والكثير، فلذلك لم يجمع، وهو كقولك: ضربته ضرباً كثيراً، وقعد قعوداً طويلاً، ونزلت الآيات في ابن خطل وأصحابه. قوله تعالى: ﴿قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾ [(١٥) سورة الفرقان]. يعني لفظ الثبور الواحد مثل لفظ الثبور الكثير، ثبور واحد، يعني لفظه واحد، سواءً كان واحداً أو كثيراً؛ لأنه مصدر يقع على القليل والكثير. إن قيل: كيف قال: ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ﴾ ولا خير في النار؟ فالجواب أن سيبويه حكى عن العرب: الشقاء أحب إليك أم السعادة؟ وقد علم أن السعادة أحب إليه، وقيل: ليس هو من باب أفعل منك، وإنما هو كقولك: عنده خير .. يعني ليس من باب أفعل التفضيل؛ لأن النار لا خير فيها، فأفعل هنا خير، أصلها أخير، لكن هنا ليست على بابها؛ لأن النار لا خير فيها ولا مقارنة بينها وبين الجنة بوجهٍ من الوجوه، والأصل في أفعل التفضيل أنه يكون بين شيئين يشتركان في وصف يفوق أحدهما الآخر في هذا الوصف.

стр. 372

قال النحاس: وهذا قول حسن، كما قال: فشركما لخيركما الفداء، قيل: إنما قال ذلك لأن الجنة والنار قد دخلتا في باب المنازل، فقال ذلك لتفاوت ما بين المنزلين، وقيل: هو مردود علي قوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِن شَاء جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِّن ذَلِكَ﴾ [(١٠) سورة الفرقان] .. الآية، وقيل: هو مردود على قوله: ﴿أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا﴾ [(٨) سورة الفرقان] وقيل: إنما قال ذلك على معنى علمكم واعتقادكم أيها الكفار، وذلك أنهم لما كانوا يعملون عمل أهل النار صاروا كأنهم يقولون إن في النار خيراً. يعني بلسان الحال وإن لم يكن بلسان المقال، فلما عملوا لها كأنهم زعموا أو ظنوا أن فيها خيراً. قوله تعالى: ﴿لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاؤُونَ﴾ [(١٦) سورة الفرقان] أي من النعيم، ﴿خَالِدِينَ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْؤُولًا﴾ [(١٦) سورة الفرقان] قال الكلبي: وعد الله المؤمنين الجنة جزاءً على أعمالهم فسألوه ذلك الوعد فقالوا: ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَى رُسُلِكَ﴾ [(١٩٤) سورة آل عمران] وهو معنى قول ابن عباس وقيل: إن الملائكة تسأل لهم الجنة دليله قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدتَّهُم﴾ [(٨) سورة غافر] .. الآية، وهذا قول محمد بن كعب القرظي، وقيل معنى ﴿وَعْدًا مَسْؤُولًا﴾ أي واجباً وإن لم يكن يسأل كالدين، حكي عن العرب: لأعطينك ألفاً، وقيل: ﴿وَعْدًا مَسْؤُولًا﴾ يعني أنه واجب لك فتسأله، وقال زيد بن أسلم: سألوا الله الجنة في الدنيا ورغبوا إليه بالدعاء فأجابهم في الآخرة إلى ما سألوا، وأعطاهم ما طلبوا، وهذا يرجع إلى القوم الأول. اللهم صل وسلم على سيدنا محمد، يكفي هذا. طالب:. . . . . . . . . على كل حال، لهم فيها ما يشاءون، وما يطلبون، وفيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، الإنسان إذا دخلها ما عليه. . . . . . . . . طالب: بعضهم يتوسع في بعض. . . . . . . . . على كل حال التوسع، أقول: فضل الله أوسع. اللهم صل على محمد وعلى آله.

стр. 373

تفسير القرطبي تفسير (سورة الفرقان) (من آية ١٧ - ٢٧) الشيخ/ عبد الكريم الخضير الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه. قال الإمام القرطبي -رحمه الله تعالى-: قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاء أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنبَغِي لَنَا أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاء وَلَكِن مَّتَّعْتَهُمْ وَآبَاءهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا * فَقَدْ كَذَّبُوكُم بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفاً وَلَا نَصْراً وَمَن يَظْلِم مِّنكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا﴾ [(١٧ - ١٩) سورة الفرقان]. قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ﴾ قرأ ابن محيصن وحميد وابن كثير وحفص ويعقوب وأبو عمرو في رواية الدوري: ﴿يَحْشُرُهُمْ﴾ بالياء، واختاره أبو عبيد وأبو حاتم؛ لقوله في أول الكلام: ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ﴾ [(١٦) سورة الفرقان] وفي آخره: ﴿أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاء﴾ [(١٧) سورة الفرقان] والباقون بالنون على التعظيم. قراءة الياء مناسبة لقوله: ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ﴾ [(١٦) سورة الفرقان] وقراءة النون مناسبة للآخر: ﴿أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاء﴾ [(١٧) سورة الفرقان] والنون هذه للتعظيم والتأكيد، والعرب تؤكد فعل الواحد بضمير الجماعة. ﴿وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [(١٧) سورة الفرقان] من الملائكة والإنس والجن والمسيح وعزير قاله مجاهد وابن جريح، وقال الضحاك وعكرمة: الأصنام ﴿فَيَقُولُ﴾ [(١٧) سورة الفرقان] قراءة العامة بالياء وهو اختيار أبي عبيد وأبي حاتم، وقرأ ابن عامر وأبو حيوة بالنون على التعظيم، ﴿أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاء أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾ [(١٧) سورة الفرقان] وهذا استفهام توبيخ للكفار، ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ﴾ [(١٨) سورة الفرقان] أي قال المعبودون من دون الله: سبحانك: أي تنزيهاً لك.

стр. 374

﴿مَا كَانَ يَنبَغِي لَنَا أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاء﴾ فإن قيل: فإن كانت الأصنام التي تُعبد تُحشر فكيف تنطق وهي جماد؟ قيل له: ينطقها الله تعالى يوم القيامة كما ينطق الأيدي والأرجل، وقرأ الحسن وأبو جعفر: (أن نُتخَذ) بضم النون وفتح الخاء على الفعل المجهول، وقد تكلم في هذه القراءة النحويون، فقال أبو عمرو بن العلاء وعيسى بن عمر: لا يجوز (نُتخذ)، وقال أبو عمرو: لو كانت (نُتخذ) لحذفت (من) الثانية فقلت: أن نتخذ من دونك أولياء، كذلك قال أبو عبيدة: لا يجوز (نُتخذ)؛ لأن الله تعالى ذكر (من) مرتين، ولو كان كما قرأ لقال: أن نتخذ من دونك أولياء، وقيل: إن (من) الثانية صلة، قال النحاس: ومثل أبي عمرو علي جلالته ومحله يستحسن ما قال؛ لأنه جاء ببينة وشرح ما قال أنه يقال: ما اتخذت رجلاً ولياً، فيجوز أن يقع هذا للواحد بعينه، ثم يقال: ما اتخذت من رجل ولياً فيكون نفياً عاماً، وقولك: ولياً تابع لما قبله فلا يجوز أن تدخل فيه من؛ لأنه لا فائدة في ذلك. لكن القراءة الأولى ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ﴾ [(١٨) سورة الفرقان] ينزهون الله -جل وعلا- عمّا نسب إليهم من عبادتهم من دونه ﴿مَا كَانَ يَنبَغِي لَنَا أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاء﴾ [(١٨) سورة الفرقان] هذه القراءة هي الثابتة، وهي المتواترة، وأما قوله في قراءة: (ما كان ينبغي لنا أن نُتخذ) هم اتخذوا، أما كونهم لا ينبغي لهم أن يتخذوا، هذا كلام صحيح، جواب صحيح، لا يتخذون إلهاً من دون الله، ولا ولياً من دونه، لكن كونهم يتخذون أولياء من دون الله –اُتخذوا- ولذا يقول في أوله: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [(١٧) سورة الفرقان] المقصود أنهم عُبدوا من دون الله. ﴿وَلَكِن مَّتَّعْتَهُمْ وَآبَاءهُمْ﴾ [(١٨) سورة الفرقان] أي في الدنيا بالصحة والغنى وطول العمر بعد موت الرسل صلوات الله عليهم، ﴿حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ﴾ أي تركوا ذكرك فأشركوا بك بطراً وجهلاً فعبدونا من غير أن أمرناهم بذلك، وفي الذكر قولان: أحدهما: القرآن المنزل على الرسل، تركوا العمل به، قاله ابن زيد.

стр. 375

الثاني: الشكر على الإحسان إليهم والإنعام عليهم، ﴿وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا﴾ أي هلكى، قاله ابن عباس مأخوذ من البوار وهو الهلاك، وقال أبو الدرداء ﵁ وقد أشرف على أهل حمص: يا أهل حمص هلمّ إلى أخ لكم ناصح، فلما اجتمعوا حوله قال: ما لكم لا تستحون؟! تبنون ما لا تسكنون، وتجمعون ما لا تأكلون، وتأملون ما لا تدركون، إن من كان قبلكم بنوا مشيداً، وجمعوا عبيداً، وأملوا بعيداً، فأصبح جمعهم بوراً، وآمالهم غروراً، ومساكنهم قبوراً، فقوله: ﴿بُورًا﴾ أي هلكى. يعني ليس عندهم ما ينكر إلا ما ذكر، ليس عندهم ما ينكر إلا ما ذكر، وإن كان ما ذكره يعني إنكاره لا شك أنه مزيد في التحري والحرص عليهم، وإن كان في الجملة لا ينكر، يقول: ما لكم لا تستحون، تبنون ما لا تسكنون، من يلوم على البناء اليوم؟ وتجمعون ما لا تأكلون، من يلوم على مثل هذا اليوم؟ وتأملون ما لا تدركون، ثم بعد ذلك بيّن لهم حال من تقدم، بنوا مشيداً، وجمعوا عبيداً، وأملوا بعيداً، فأصبح جمعهم بوراً، يعني هل هذه منكرات تنكر بهذه الطريقة وبهذا الأسلوب على أهل بلدٍ بأكمله يدعوهم ويناديهم ثم يقول لهم ما ذكر؟ وما ذلك إلا لأن المعاصي لم تكن موجودة أو ما وجد منها لم يكن ظاهراً يجاهر به، فالذي ينكر مثل هذه الأمور اليوم مع وجود المنكرات المحققة التي فيها النصوص الصحيحة الصريحة لا شك أن إنكار المنكر الذي فيه مخالفة صريحة للنص هو الذي ينبغي إنكاره، أما مثل هذا فلا يلجأ إلى إنكاره إلا إذا لم يوجد المنكر الذي فيه المخالفة، يعني إنكار بالعموم، وبترك الأولى، ينكر عليهم لأن ما فعلوه خلاف الأولى، لا لأنه محرم، فالذي يبني قصر يقال له: حرام عليك تبني؟ الذي يشيد مسكناً له يرتاح فيه هو وأسرته لا ينكر عليه إلا إذا دخل في حيّز السرف.

стр. 376

وأما بالنسبة لمن جمع ما لا يأكل، جمع الأموال الطائلة على وجهٍ من وجوهها الشرعية، وأنفق منها ما يجب عليه، وادخر الباقي لا يلام إذا لم يحبس ما أوجب الله عليه، لكن هذا من باب الكمال لأولئك الأقوام الذين لا توجد عندهم منكرات، وقد يقال: إن هذا من باب حسنات الأبرار سيئات المقربين، فهؤلاء عندهم سيئات لكن لو كانت عند غيرهم صارت حسنات بالنسبة لهم؛ لأنهم يزاولون منكرات صريحة حرمت بالنصوص كما هو واقع كثير من المسلمين اليوم، والله المستعان. وفي خبر آخر: فأصبحت منازلهم بوراً: أي خاليةً لا شيء فيها، وقال الحسن ﴿بُورًا﴾ لا خير فيهم، مأخوذ من بوار الأرض وهو تعطيلها من الزرع فلا يكون فيها خير، وقال شهر بن حوشب: البوار الفساد والكساد، مأخوذ من قولهم: بارت السلعة إذا كسدت كساد الفاسد، ومنه الحديث: ((نعوذ بالله من بوار الأيم)). إيش قال في الحديث؟ طالب: قال: لا أصل له في المرفوع وإنما هو من كلام. . . . . . . . . وهو اسم مصدر كالزور يستوي فيه الواحد والاثنان والجمع والمذكر والمؤنث، قال ابن الزبعرى: يا رسول المليك إن لساني ... راتق ما فتقت إذا أنا بورُ إذا أباري الشيطان في سنن الغي ... ومن مال ميله مثبورُ وقال بعضهم: الواحد: بائر والجمع: بور، كما يقال: عائذ وعوذ، وهائد وهود، وقيل: ﴿بُورًا﴾ عمياً عن الحق، قوله تعالى: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُم بِمَا تَقُولُونَ﴾ [(١٩) سورة الفرقان] أي قول الله تعالى عند تبرئ المعبودين. ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُم بِمَا تَقُولُونَ﴾ أي في قولكم إنهم آلهة، ﴿فَمَا تَسْتَطِيعُونَ﴾ يعني الآلهة صرف العذاب عنكم ولا نصركم، وقيل: فما يستطيع هؤلاء الكفار لما كذبهم المعبودون ﴿صَرْفًا﴾ للعذاب ﴿وَلَا نَصْرًا﴾ من الله ..

стр. 377

ولا يستطيعون أيضاً تكذيب الآلهة الذين عبدوهم من دون الله، لا يستطيعون تكذيبهم؛ لأنهم هم المعبودون ويدعى فيهم أنهم آلهة فقالوا: لسنا بآلهة، هل يستطيع أحد أن يقول: أنك كذا وأنت تقول: لا، أنا لست بكذا؟ اللهم إلا إذا كان نفي الشيء على سبيل التواضع وهضم النفس، يعني لو قيل: أنت شيخ أو أنت عالم مثلاً، وقال: لا، أنا لست بعالم، يعني إذا كان من هذا الباب يمكن أن يقال: بلى، أما إذا قيل: قالوا هم آلهة، وقول الناس: لسنا بآلهة، هذا لا يمكن نفيه. وقال ابن زيد: المعنى فقد كذبهم أيها المؤمنون هؤلاء الكفار بما جاء به محمد، وعلى هذا فمعنى ﴿بِمَا تَقُولُونَ﴾ [(١٩) سورة الفرقان] بما تقولون من الحق، وقال أبو عبيد: المعني فيما تقولون فما يستطيعون لكم صرفاً عن الحق .. طالب: الآن يا شيخ قراءة تستطيعون؟ قراءة المؤلف غير القراءة التي نعتمدها، الذين أدخلوا القرآن في التفسير أدخلوا القراءة التي تختلف عن قراءة المؤلف، معروف أن القرآن المطبوع مع التفسير هو مصحف فاروق –على ما يقولون- هذا مصحف فاروق وعلى رواية عاصم، والمفسر ماشي على قراءة قالون، فتختلف، ولذلك الذي يطبع الكتب يلزمه أن يتركها على وضعها، ما يدخل فيها شيء لم يدخله المؤلف؛ لأن المؤلف قصداً حَذَفَ، ولذلكم المجلد الأول والثاني من الطبعة الأولى ما فيها آيات، ماشي على وضع المؤلف، ثم بعد ذلك الطبعة الثانية رأوا إدخال الآيات، أدخلوا الآيات من باب التيسير على القارئ، لكن مع ذلك إذا تصرف إنسان في كتاب عليه أن ينظر إلى ما يوافق الكتاب. يعني لما طبع فتح الباري والأصل أن فتح الباري مجرد عن الأحاديث، طبع معه البخاري، وليتهم إذ تصرفوا وأدخلوا الكتاب وابن حجر قاصد حذف الأحاديث، جاؤوا بالرواية التي توافق ما شرحه الحافظ، ومثل هذا في سبل السلام وغيره من الكتب التي ليس فيها المتن، وأولى من عملهم هذا في الإدخال أن يوضع فوق مثلاً في القرآن فوق يوضع ويوضع خط تحته ثم يذكر التفسير، بمعنى أنه لا يمزج بالتفسير لئلا يوجد اضطراب.

стр. 378

وقال أبو عبيد: المعني فيما تقولون فما يستطيعون لكم صرفاً عن الحق الذي هداكم الله إليه ولا نصراً لأنفسهم مما ينزل بهم من العذاب بتكذيبهم إياكم، وقراءة العامة ﴿بِمَا تَقُولُونَ﴾ [(١٩) سورة الفرقان] بالتاء على الخطاب وقد بيَّنا معناه، وحكى الفراء أنه يقرأ: (فقد كذبوكم) مخففاً (بما يقولون) وكذا قرأ مجاهد والبزي بالياء، ويكون معنى: (يقولون) بقولهم، وقرأ أبو حيوة بـ (ما يقولون) بياء، (فما تستطيعون) بتاء على الخطاب لمتخذي الشركاء، ومن قرأ بالياء فالمعنى: فما يستطيع الشركاء، ﴿وَمَن يَظْلِم مِّنكُمْ﴾ [(١٩) سورة الفرقان] قال بان عباس: من يشرك منكم ثم مات عليه. والشرك، الشرك ظلم عظيم، كما في قول العبد الصالح لقمان الذي ساقه الله -جل وعلا- في سورته، هنا صرف الظلم إلى الشرك، والشرك – نسأل الله السلامة والعافية – هو الظلم العظيم، وهو الظلم المطلق الذي لا خير معه، ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ﴾ [(٨٢) سورة الأنعام] قال النبي ﵊: بشرك ((ألم تسمعوا قول العبد الصالح: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [(١٣) سورة لقمان] ولهذا اقتصر عليه هنا، ودليله جواب الشرط ﴿نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا﴾ [(١٩) سورة الفرقان] نذقه على سبيل الجواب للشرط، لكن الذي يظلم العباد في أموالهم وفي أعراضهم وفي أبدانهم هذا إن لم يعف الله عنه ويتجاوز عنه ويرضي خصومه ينال مثل هذا الجزاء؛ لأنه متوعد بالعقاب، وعلى كل حال الشرك هو الظلم العظيم بل الأعظم، ثم يليه أنواع من الظلم. قال بان عباس: من يشرك منكم ثم مات عليه ﴿نُذِقْهُ﴾ أي في الآخرة، ﴿عَذَابًا كَبِيرًا﴾ أي شديداً، كقوله تعالى: ﴿وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ [(٤) سورة الإسراء] أي شديداً، قوله تعالى: ﴿وَما أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ [(٢٠) سورة الفرقان] فيه تسع مسائل:

стр. 379

الأولى: قوله تعالى ﴿وَما أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ نزلت جواباً للمشركين حيث قالوا: ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾ [(٧) سورة الفرقان]، وقال ابن عباس: لما عير المشركون رسول الله ﷺ بالفاقة وقالوا: ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ﴾ .. الآية حزن النبي ﷺ لذلك، فنزلت تعزيةً له، فقال جبريل ﵇: السلام عليك يا رسول الله، الله ربك يقرئك السلام ويقول لك: ﴿وَما أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾ [(٢٠) سورة الفرقان] أي يبتغون المعايش في الدنيا. يعني كغيرهم من البشر، فهم بشر ينتابهم ما ينتاب البشر، ويحتاجون ما يحتاج إليه البشر. الثانية: قوله تعالى: ﴿إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ﴾ [(٢٠) سورة الفرقان] إذا دخلت اللام لم يكن في (إن) إلا الكسر، ولو لم تكن اللام ما جاز أيضاً إلا الكسر؛ لأنها مستأنفة. إذا دخلت اللام وهي تفيد التأكيد لم يكن إلا الكسر –كسر النون التي تكون للتأكد المحض- أما لو دخلت اللام وفتحت الهمزة –همزة أن- صار فيه شيء من التنافر، تأكيد وعدم تأكيد، فلا بد من أن يتسق الحرف مع جوابه.

стр. 380

هذا قول جميع النحويين، قال النحاس: إلا أن علي بن سليمان حكى لنا عن محمد بن زيد قال: يجوز في (إنّ) هذه الفتح وإن كان بعدها اللام وأحسبه وهماً منه، قال أبو إسحاق الزجاج: وفي الكلام حذف والمعنى (وما أرسلنا قبلك رسلاً إلا إنهم ليأكلون الطعام) ثم حذف رسلاً؛ لأن في قوله: ﴿مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [(٢٠) سورة الفرقان] ما يدل عليه، فالموصوف محذوف عند الزجاج، ولا يجوز عنده حذف الموصول وتبقية الصلة كما قال الفراء، قال الفراء: والمحذوف (من) والمعنى: (إلا من إنهم ليأكلون الطعام) وشبهه بقوله: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ﴾ [(١٦٤) سورة الصافات]، وقوله: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [(٧١) سورة مريم] أي: ما منكم إلا من هو واردها، وهذا قول الكسائي أيضاً، وتقول العرب: ما بعثت إليك من الناس إلا من إنه ليطيعك، فقولك: إنه ليطيعك صلة (مِن) .. صلة (مَن) التي هي الموصول. صلة (مَن)، قال الزجاج: هذا خطأ لأن (مَن) موصلة فلا يجوز حذفها، وقال أهل المعاني: المعنى: (وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا قيل إنهم ليأكلون) دليله قوله تعالى: ﴿مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ﴾ [(٤٣) سورة فصلت]. أما قوله: لا يجوز حذف الموصول فقد جاء ما يدل على حذفه، كما في قول الشاعر: أمنتِ وهذا تحملين طليق. يعني وهذا الذي تحملينه طليقُ، حذف الموصول هنا لدلالة السياق عليه. وقال ابن الأنباري كسرت ﴿إِنَّهُمْ﴾ بعد (إلا) للاستئناف بإضمار واو: أي إلا وإنهم، وذهبت فرقة إلى أن قوله: ﴿لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ﴾ [(٢٠) سورة الفرقان] كناية عن الحدث.

стр. 381

نعم، ليس المقصود الطعام نفسه، وإنما هو كناية لما يعقبه من الحدث؛ لأنه قد يقال: هذا نبي مرسل من قبل الله -جل وعلا- فإذا افترضنا أنه يأكل مثلما يأكل الناس لكن كيف يتصرف هذا الأكل بعد ذلك، وهذا نقص ولا شك أن هذا باعتباره بشر هو مثل البشر يأكل وينتج منه ما ينتج من غيره، فهو كناية عن الحدث، هم لا يريدون الأكل لذاته؛ لأن الأكل لا عيب فيه، اللهم إلا من جهة الحاجة إليه، والرسول على حد زعمهم ينبغي أن لا يكون محتاجاً، فبيّن الله -جل وعلا- ﴿إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ﴾ [(٢٠) سورة الفرقان] ومع ذلك يلزم منهم ما يلزم غيرهم من الفضلة. قلت: وهذا بليغ في معناه، ومثله ﴿مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلاَنِ الطَّعَامَ﴾ [(٧٥) سورة المائدة]، ﴿وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾ [(٢٠) سورة الفرقان] قراءة الجمهور ﴿يَمْشُونَ﴾ بفتح الياء وسكون الميم وتخفيف الشين، وقرأ علي وابن عوف وابن مسعود بضم الياء وفتح الميم وشد الشين المفتوحة بمعنى يدعون إلى المشي ويحملون عليه، وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي بضم الياء وفتح الميم وضم الشين المشددة، وهي بمعنى: يمشون، قال الشاعر: ومشَّى بأعطان المباءة وابتغى ... قلائص منها صعبة وركوب وقال كعب بن زهير: منه تظل سباع الجو ضامرة ... ولا تمشِّي بواديه الأراجيل بمعنى: تمشي.

стр. 382

الثالثة: هذه الآية أصل في تناول الأسباب، وطلب المعاش بالتجارة والصناعة وغير ذلك، وقد مضى هذا المعنى في غير موضع، لكنا نذكر هنا من ذلك ما يكفي فنقول: قال لي بعض مشايخ هذا الزمان في كلام جرى: إن الأنبياء ﵈ إنما بعثوا ليسنوا الأسباب للضعفاء، فقلت مجيباً له: هذا قول لا يصدر إلا من الجهال والأغبياء والرعاع السفهاء، أو من طاعن في الكتاب والسنة العلياء، وقد أخبر الله تعالى في كتابه عن أصفيائه ورسله وأنبيائه بالأسباب والاحتراف، فقال وقوله الحق: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ﴾ [(٨٠) سورة الأنبياء] وقال: ﴿وَما أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾ [(٢٠) سورة الفرقان] قال العلماء: أي يتجرون ويحترفون، وقال ﵊: ((جعل رزقي تحت ظل رمحي)) وقال تعالى: ﴿فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلاَلاً طَيِّبًا﴾ [(٦٩) سورة الأنفال]، وكان الصحابة ﵃ يتجرون ويحترفون، وفي أموالهم يعملون، ومن خالفهم من الكفار يقاتلون، أتراهم ضعفاء؟! بل هم كانوا -والله- الأقوياء، وبهم الخلف الصالح اقتدى، وطريقهم فيه الهدى والاهتداء، قال: إنما تناولها لأنهم أئمة الاقتداء فتناولها مباشرة في حق الضعفاء، فأما في حق أنفسهم فلا، وبيان ذلك أصحاب الصفة. يريد أن الأنبياء –هذا القائل المدعي الشيخ- يريد أن الأنبياء لا يتناولون أسباباً من أجلهم، وإلا لو كان المقصود هم ما تناولوا الأسباب؛ لأن الله يكفيهم ما يريدون ويحتاجون، وإنما يفعلون الأسباب من أجل الضعفاء ليقتدوا بهم، طيب كبار الصحابة وسادات الأمة، أبو بكر وعمر، هل يصنفون من الضعفاء أو من الأقوياء؟ لا شك أنهم من الأقوياء وليسوا من الضعفاء، من الجلة، من السادة، فليسوا من الضعفاء، وهم يقتدون بنبيهم ﵊ في ذلك، يقول: حتى هؤلاء الأقوياء إنما يعملون من أجل الضعفاء، ويتسلسل الأمر والكلام لا وجه له، بل هم مطالبون ببذل الأسباب كغيرهم.

стр. 383

قلت: لو كان ذلك لوجب عليهم وعلى الرسول معهم البيان كما ثبت في القرآن ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [(٤٤) سورة النحل] وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ [(١٥٩) سورة البقرة] .. الآية، وهذا من البيان والهدى، وأما أصحاب الصفة فإنهم كانوا ضيف الإسلام عند ضيق الحال، فكان ﵇ إذا أتته صدقة خصَّهم بها، وإذا أتته هدية أكلها معهم، وكانوا مع هذا يحتطبون ويسوقون الماء إلى أبيات رسول الله ﷺ كذا وصفهم البخاري وغيره، ثم لما افتتح الله عليهم البلاد، ومهّد لهم المهاد، تأمروا، وبالأسباب أمروا، ثم إن هذا القول يدل على ضعف النبي ﷺ وأصحابه؛ لأنهم أيدوا بالملائكة وثبَّتوا بهم فلو كانوا أقوياء ما احتاجوا إلى تأييد الملائكة، وتأييدهم إذ ذلك سبب من أسباب النصر، نعوذ بالله من قول وإطلاق يؤول إلى هذا، بل القول بالأسباب والوسائط سنة الله وسنة رسوله وهو الحق المبين، والطريق المستقيم، الذي انعقد عليه إجماع المسلمين، وإلا كان يكون قوله الحق: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ﴾ [(٦٠) سورة الأنفال] .. الآية، مقصوراً على الضعفاء، وجميع الخطابات كذلك، وفي التنزيل حيث خاطب موسى الكليم: ﴿اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ﴾ [(٦٣) سورة الشعراء] وقد كان قادراً على فلق البحر دون ضرب عصا، وكذلك مريم ﵍: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ [(٢٥) سورة مريم] وقد كان قادراً على سقوط الرطب دون هزٍّ ولا تعب، ومع هذا كله فلا ننكر أن يكون رجل يُلطف به ويعان، أو تجاب دعوته، أو يكرمه بكرامةٍ في خاصة نفسه، أو لأجل غيره، ولا نهد لذلك القواعد الكلية والأمور الجَمِلية. الجُمْلِية. ولا نهد لذلك القواعد الكلية والأمور الجُمْلِية، هيهات هيهات ..

стр. 384

يبقى أن الأصل هو فعل الأسباب، وأن السماء لا تمطر ذهباً ولا فضة، لا بد من بذل الأسباب، لكن كون هذه العادة المضطردة قد تُخرق لبعض الناس فيحصل له رزق بدون سبب، هذا لا شك أنه على خلاف الأصل إنما وجد لحاجة لنفس من حصلت على يديه، أو لتثبيت من يتبعه من أجل أن تُصدّق دعوته، وهذه الأمور التي تخرق العادات إن اقترنت بدعوى النبوة فهي المعجزة، وإن كانت على يد من هو على سنن الكتاب والسنة -على الجادة- فهي الكرامة وإلا فهي من الخوارق الشيطانية التي تحصل على يد بعض الناس مع مخالفتهم للكتاب والسنة من أجل الابتلاء بهم والامتحان، والله المستعان. هيهات هيهات، لا يقال: فقد قال الله تعالى: ﴿وَفِي السَّمَاء رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [(٢٢) سورة الذاريات] فإنا نقول: صدق الله العظيم، وصدق رسوله الكريم، وأن الرزق هنا المطر بإجماع أهل التأويل، بدليل قوله: ﴿وَيُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ السَّمَاء رِزْقًا﴾ [(١٣) سورة غافر] وقال: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء مُّبَارَكًا فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾ [(٩) سورة ق] ولم يشاهد ينزل من السماء على الخلق أطباق الخبز ولا جفان اللحم، بل الأسباب أصل في وجود ذلك، وهو معنى قوله ﵇: ((اطلبوا الرزق في خبايا الأرض)) أي بالحرث والحفر والغرس. إيش قال عنه؟ طالب: قال: واهٍ بمرة، أخرجه أبو يعلى والديلمي وابن حبان في المجروحين من حديث عائشة ومداره على هشام بن عبد الله قال ابن حبان: يروي ما لا أصل له، وقال النسائي: هذا حديث منكر، وقال ابن الجوزي: قال ابن طاهر: لا أصل له، إنما هو من كلام عروة، والألباني في الضعيفة قال منكر.

стр. 385

وقد يسمى الشيء بما يؤول إليه، وسمي المطر رزقاً لأنه عنه يكون الرزق، وذلك مشهور في كلام العرب، وقال ﵇: ((لأن يأخذ أحدكم حبله فيحتطب على ظهره خير له من أن يسأل أحداً أعطاه أو منعه)) وهذا فيما خرج من غير تعب من الحشيش والحطب، ولو قدِّر رجل بالجبال منقطعاً عن الناس لما كان له بد من الخروج إلى ما تخرجه الآكام، وظهور الأعلام حتى يتناول من ذلك ما يعيش به، وهو معنى قوله ﵇: ((لو أنكم كنتم توكلون على الله حق توكله لرزقتم كما ترزق الطير تغدو خماصاً وتروح بطاناً)) فغدوُّها ورواحها سبب. يعني ما قال: تجلس في أوكارها، مع هذا التوكل العظيم ما قال: تجلس في أوكارها وترزق، نعم إذا عطّلت هذه الطيور أو غير الطيور مما تبذل به السبب، لو افترضها أن طائر ليس له جناح فلا يستطيع الطيران وليس له ما يتسبب به، فقد وجد في بعض الأحوال أن الله -جل وعلا- يهيئ له ويسبب له ما يقتات منه، ولو لم يتسبب هو؛ لأنه محروم مما يتسبب به. وقصص في كتب العلماء كثيرة بأن الطائر الفلاني لا يطير مثلاً وأعمى لا يرى، أو الحيوان الفلاني يؤتى له بما يتغذى به، أو يأتيه رزقه في مكانه، كما أنه حصل مثل هذا لبعض الأولياء، أولياء الله -جل وعلا-، كلما دخل عليها المحراب وجد عندها رزقاً، وإلا فالأصل أن بذل السبب هو السنة الإلهية. فغدوُّها ورواحها سبب، فالعجب العجب ممن يدعي التجريد والتوكل على التحقيق، ويقعد على ثنيات الطريق، ويدع الطريق المستقيم، والمنهج الواضح القويم.

стр. 386

هذا يجلس يتكفف الناس ويسألهم وهذا ليس من التوكل، إنما هو من التأكل، كما قال الإمام أحمد ﵀، هو مع ذلك بذل السبب ولم يتوكل، يعني بذل سبب غير شرعي، لكن لو بذل السبب الشرعي؛ لأن تكفف الناس وسؤال الناس منهي عنه، هو تسبب وبذل هذا السبب وفي زعمه أنه معطل للأسباب توكلاً على الله -جل وعلا-، نقول: نعم، أنت عطلت الأسباب المشروعة، وسلكت أسباب ممنوعة، فبدلا ًمن أن تعمل وتشتغل وتكدح من أجل طلب الرزق جلست تتكفف الناس وهذا سبب، يعني هلا جلست في بيتك لترى هل ينزل عليك شيء من السماء كرامةً لك أو لا؟ أنت جلست في طريق الناس تسألهم وتتكففهم، وهذا سبب إلا أنه غير شرعي إلا عند الانقطاع وبذل الأسباب، وعدم حصول ما تقوم به الحياة حينئذٍ يباح لك أن تسأل الناس. ثبت في البخاري عن ابن عباس قال: كان أهل اليمن يحجُّون ولا يتزودون ويقولون: نحن المتوكلون، فإذا قدموا سألوا الناس، فأنزل الله تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُواْ﴾ [(١٩٧) سورة البقرة] ولم ينقل عن النبي ﷺ وأصحابه -رضوان الله عليهم- أنهم خرجوا إلى أسفارهم بغير زاد، وكانوا المتوكلين حقاً، والتوكل اعتماد القلب على الرب في أن يلم شعثه، ويجمع عليه أربه، ثم يتناول الأسباب بمجرد الأمر، وهذا هو الحق، سأل رجل الإمام أحمد بن حنبل فقال: إني أريد الحج على قدم التوكل، فقال: اخرج وحدك فقال: لا إلا مع الناس، فقال له: أنت إذن متكل على أجربتهم. والأجربة جمع جراب وهو الذي يوضع فيه المتاع، فهو متوكل على هذه الأجربة، وما فيها من أمتعة، فلا شك أن الأسباب تعطيلها خلل في العقل، والاعتماد عليها خلل في الشرع، يعني ضعف في الديانة، الاعتماد عليها دون الله -جل وعلا-، وكونها مؤثرة هي مؤثرة لكن ليست بذاتها، خلاف المعتزلة الذين يقولون: أن الأسباب مؤثرة بذاتها ولا معطلة عن التأثير كما يقول الأشعرية، بل هي مؤثرة والذي جعل فيها التأثير هو الله -جل وعلا-. وقد أتينا على هذا في كتاب (قمع الحرص بالزهد والقناعة، وردِّ ذل السؤال بالكسب والصناعة).

стр. 387

الرابعة: خرج مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: ((أحب البلاد إلى الله مساجدها، وأبغض البلاد إلى الله أسواقها)) وخرج البزار عن سلمان الفارسي قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تكونن إن استطعت أول من يدخل السوق ولا آخر من يخرج منها، فإنها معركة الشيطان، وبها ينصب رايته)) أخرجه أبو بكر البرقاني مسنداً عن أبي محمد عبد الغني بن سعيد الحافظ من رواية عاصم عن أبي عثمان النهدي عن سلمان قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تكن أول من يدخل السوق ولا آخر من يخرج منها، فبها باض الشيطان وفرخ)) عاصم بن أبي النجود؟ طالب: الحديث الذي قبله، قال المحقق: أخرجه الطبراني في الكبير، والخطيب وابن حبان في المجروحين، وابن الجوزي في الواهيات، من حديث سلمان وأعله ابن الجوزي بيزيد بن سفيان، وقال: هذا حديث لا يصح، قال ابن حبان: يزيد. . . . . . . . . عن سليمان التيمي نسخة مكذوبة، الخ كلامه، ثم عزاه إلى الإمام مسلم، والحديث في صحيح مسلم. في صحيح مسلم؟ مفروغ منه، ما قال في الحديث الأول صحيح؟ لكن: ((لا تكونن إن استطعت أول من يدخل السوق ولا آخر من يخرج منها)) طالب: حديث: ((لا تكونن إن استطعت أول من يدخل السوق ... )) هذا المحقق ما عزاه إلى مسلم، وهو في صحيح مسلم. لا لا، أحب البلاد إلى الله مساجدها، هذا الذي في صحيح مسلم. طالب: وهذا في صحيح مسلم أيضاً. أيه؟ طالب: حديث: ((لا تكونن إن استطعت أول من يدخل السوق ولا آخر من يخرج منها، فإنها معركة الشيطان وبها ينصب رايته)) في صحيح مسلم. . . . . . . . . . . . . . . . . . رقم مائة، في فضائل أم سلمة. إذن خرجه هو والبزار، يعني مسلم والبزار، كأنها سقطت سهواً. طالب: موجود في رياض الصالحين وعزاه النووي إلى مسلم. والثاني الأخير؟ طالب: الثاني قال: هذه الرواية عند الطبراني فقط. ففي هذه الأحاديث ما يدل على كراهة دخول الأسواق لا سيما في هذه الأزمان التي يخالط فيها الرجال النسوان .. في هذه الأزمان يعني في القرن السابع، فكيف لو رأى ما عليه الحال في أسواق المسلمين اليوم؟ والله المستعان.

стр. 388

وهكذا قال علماؤنا: لما كثر الباطل في الأسواق، وظهرت فيها المناكر كُره دخولها لأرباب الفضل، والمقتدى بهم في الدين؛ تنزيهاً لهم عن البقاع التي يعصى الله فيها. هذا مع عدم الإنكار، هذا إذا لم يمكن الإنكار، أما مع وجود الإنكار وتخفيف المنكرات فيتعين على بعض الناس أن يدخل لينكر وليغير المنكر، نعم وهذا فرض كفاية على الأمة، تغيير المنكر لا بد منه ((من رأى منكم منكراً فليغيره)) ولو هجرت هذه الأماكن وتركت للأشرار لاستفحل أمرها، وزاد شرها، ثم بعد ذلك لا يستطاع إنكارها، والله المستعان. طالب: التجول في السوق بلبس البشت. . . . . . . . .؟ لا بد من الإنكار، إذا رؤي المنكر لا بد أن يغير باليد إن أمكن وإلا فباللسان، بعض الإخوان يقول: لو -وهذا مجرب- يعني لو أن الإنسان الذي هيأته حسنة، لحيته مثلاً وافية، ومنظره جميل شرعي، ثوبه قصير ولحيته وافية، ولباسه يعني مناسب، ولو لم يتكلم يغشى هذا الأماكن يحصل خير في مجرد مروره لا سيما في المحافل التي تُغلق بالأبواب كالمستوصفات وما أشبهها يعني مجرد دخوله ومروره بالسيب وخروجه يوجد رعب في قلوبهم، والذي عنده نية شر ينكف عنها، وإلا ففيها شر مستطير، هذه المستوصفات لا سيما الأهلية فيها شر، نسأل الله السلامة والعافية؛ لأنه يفسح لبعض الناس وهم ليسوا بأكفاء وليسوا على قدرٍ من الديانة ما يردعهم عن مزاولة بعض المنكرات، وتعرفون أن الأماكن التي يختلط فيها الرجال والنساء تزداد فيها الشرور –نسأل الله السلامة-. فحق على من ابتلاه الله بالسوق أن يخطر بباله أنه قد دخل محل الشيطان، ومحل جنوده، وأنه إن أقام هناك هلك، ومن كانت هذه حاله اقتصر منه على قدر ضرورته، وتحرز من سوء عاقبته وبليته. الخامسة: تشبيه النبي ﷺ السوق بالمعركة تشبيه حسن، وذلك أن المعركة موضع القتال سمي بذلك؛ لتعارك الأبطال فيه، ومصارعه بعضهم بعضاً، فشبَّه السوق وفعل الشيطان بها، ونيله منهم مما يحملهم من المكر والخديعة، والتساهل في البيوع الفاسدة، والكذب والأيمان الكاذبة، واختلاط الأصوات وغير ذلك، بمعركة الحرب ومن يصرع فيها.

стр. 389

السادسة: قال ابن العربي: أما أكل الطعام فضرورة الخلق لا عار ولا درك فيه، وأما الأسواق فسمعت مشيخة أهل العلم يقولون: لا يدخل إلا سوق الكتب والسلاح، وعندي أنه يدخل كل سوق للحاجة إليه ولا يأكل فيها؛ لأن ذلك إسقاط للمروءة وهدم للحشمة، ومن الأحاديث الموضوعة: ((الأكل في السوق دناءة)). قال بعضهم لا يدخل السوق إلا سوق الكتب والسلاح، يعني ما يدخل إلا سوق الكتب ليشتري من الكتب ما يفيد منه لا سيما إذا كان ممن ينتسب إلى طلب العلم، وكذلك السلاح الذي يحتاجه لقتال عدوه، وهناك أيضاً أمور يحتاج إليها أكثر من حاجته إلى الكتب والسلاح، كالطعام والشراب واللباس وغير ذلك، فيدخل من الأسواق ما يحتاج إليه، فخلاف ما لا يحتاج إليه إلا بنيّة الإنكار، إذا دخل هذه الأسواق بنية الإنكار فهو مأجور على هذا -إن شاء الله تعالى-. قلت: ما ذكرته مشيخة أهل العلم فنعمَّا هو، فإن ذلك خال عن النظر إلى النسوان ومخالطتهن، إذ ليس بذلك من حاجتهن. لكن الآن صار من حاجتهن، المكتبات الآن تعجّ بالنساء، مملوءة بالنساء، ووضع لهن أيام يدخلن المكتبات، بل وضع للأسر والعوائل وجلّ النساء لسن من أهل الكتب، ويكفيهن من ذلك البلغة، لكن كثير منها تتذرع بالخروج إلى المكتبة، وهي تذهب للتمشية والفرجة –والله المستعان-. إذ ليس بذلك من حاجتهن وأما غيرهما من الأسواق فمشحونة منهن، وقلة الحياة قد غلبت عليهن، حتى ترى المرأة في القيساريات وغيرهن قاعدةً متبرجةً بزينتها، وهذا من المنكر الفاشي في زماننا هذا -نعوذ بالله من سخطه-. هذا منذ أكثر من سبعمائة عام، وإلى عهدٍ قريب وخروج النساء يسير وقليل جداً بالنسبة إلى ما يوجد اليوم امتثالاً لقول الله -جل وعلا-: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [(٣٣) سورة الأحزاب] ومع ذلك إذا خرجت المرأة سواء كانت في العهد القريب الذي أدركناه أو كان على عهد المؤلف لا شك أن هذه الملابس التي تفتن الرائي غير موجودة عندهم؛ لأن اللباس يتطور ما هو ... يعني لا تتصور أن لباساً قبل سبعمائة سنة مثل لباس اليوم؟ حتى ولو مثل لباس قبل أربعين وخمسين سنة الذي يوجد في بلادنا وفي غيرها من البلدان.

стр. 390

المقصود أن اللباس يتطور ويخشى أن يزيد تطوره على حد زعمهم إلى أن يصل إلى لا شيء، وكثير من نساء المسلمين الآن في أسواقهم وفي محافلهم تمشي كاسيةً عارية –نسأل الله السلامة والعافية-، وبعض النساء بلباسها أشد فتنةً من عدمه، وهذا القرطبي يتوجّع مما حصل في زمانه قبل سبعمائة سنة، فكيف لو رأى ما عليه نساء المسلمين اليوم حتى من نساء من ينتسب إلى العلم، أو منهن من تنتسب إلى العلم؟ فكيف إذا كان هذا موجوداً في أقدس البقاع، يعني في الحرمين وما حواليهما وفي المساجد، وقد تأتي المرأة لصلاة التهجد في العشر الأواخر ومع ذلك متبرجة ومتطيبة ومع سائقٍ أجنبي، هذا تناقض وتنافر شديد، لو جلست في بيتها ولم تصل كان أفضل لها، فكيف إذا صلت في بيتها وبيتها خير لها –والله المستعان-. السابعة: خرج أبو داود الطيالسي في مسنده، حدثنا حماد بن زيد، قال: حدثنا عمرو بن دينار قهرمان آل الزبير عن سالم عن أبيه عن عمر بن الخطاب قال: ((من دخل سوقاً من هذه الأسواق فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو حي لا يموت، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير، كتب الله له ألف ألف حسنة، ومحا عنه ألف ألف سيئة، وبنى له قصراً في الجنة)) خرجه الترمذي أيضاً وزاد بعد: ((ومحا عنه ألف ألف سيئة، ورفع له ألف ألف درجة، وبنى له بيتاً في الجنة)) وقال: هذا حديث غريب. هذا حديث السوق مضعف عند أهل العلم، أكثر أهل العلم على تضعيفه، وبعضهم يجعله من قبيل الحسن، لا سيما في مثل هذا الباب الذي هو باب الترغيب لا يشتمل على حكم شرعي، وإنما هو من باب الفضائل التي يقبل فيها مثل هذا عند الجمهور. قال ابن العربي: وهذا إذا لم يقصد في تلك البقعة سواه؛ ليعمرها بالطاعة إذ عمرت بالمعصية، وليحليها بالذكر إذا عطلت بالغفلة، وليعلم الجهلة، ويذكر الناسين.
следующие страницы →