Полный текст (585 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
هذا يجلس يتكفف الناس ويسألهم وهذا ليس من التوكل، إنما هو من التأكل، كما قال الإمام أحمد ﵀، هو مع ذلك بذل السبب ولم يتوكل، يعني بذل سبب غير شرعي، لكن لو بذل السبب الشرعي؛ لأن تكفف الناس وسؤال الناس منهي عنه، هو تسبب وبذل هذا السبب وفي زعمه أنه معطل للأسباب توكلاً على الله -جل وعلا-، نقول: نعم، أنت عطلت الأسباب المشروعة، وسلكت أسباب ممنوعة، فبدلا ًمن أن تعمل وتشتغل وتكدح من أجل طلب الرزق جلست تتكفف الناس وهذا سبب، يعني هلا جلست في بيتك لترى هل ينزل عليك شيء من السماء كرامةً لك أو لا؟ أنت جلست في طريق الناس تسألهم وتتكففهم، وهذا سبب إلا أنه غير شرعي إلا عند الانقطاع وبذل الأسباب، وعدم حصول ما تقوم به الحياة حينئذٍ يباح لك أن تسأل الناس.
ثبت في البخاري عن ابن عباس قال: كان أهل اليمن يحجُّون ولا يتزودون ويقولون: نحن المتوكلون، فإذا قدموا سألوا الناس، فأنزل الله تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُواْ﴾ [(١٩٧) سورة البقرة] ولم ينقل عن النبي ﷺ وأصحابه -رضوان الله عليهم- أنهم خرجوا إلى أسفارهم بغير زاد، وكانوا المتوكلين حقاً، والتوكل اعتماد القلب على الرب في أن يلم شعثه، ويجمع عليه أربه، ثم يتناول الأسباب بمجرد الأمر، وهذا هو الحق، سأل رجل الإمام أحمد بن حنبل فقال: إني أريد الحج على قدم التوكل، فقال: اخرج وحدك فقال: لا إلا مع الناس، فقال له: أنت إذن متكل على أجربتهم.
والأجربة جمع جراب وهو الذي يوضع فيه المتاع، فهو متوكل على هذه الأجربة، وما فيها من أمتعة، فلا شك أن الأسباب تعطيلها خلل في العقل، والاعتماد عليها خلل في الشرع، يعني ضعف في الديانة، الاعتماد عليها دون الله -جل وعلا-، وكونها مؤثرة هي مؤثرة لكن ليست بذاتها، خلاف المعتزلة الذين يقولون: أن الأسباب مؤثرة بذاتها ولا معطلة عن التأثير كما يقول الأشعرية، بل هي مؤثرة والذي جعل فيها التأثير هو الله -جل وعلا-.
وقد أتينا على هذا في كتاب (قمع الحرص بالزهد والقناعة، وردِّ ذل السؤال بالكسب والصناعة).
стр. 387
الرابعة: خرج مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: ((أحب البلاد إلى الله مساجدها، وأبغض البلاد إلى الله أسواقها)) وخرج البزار عن سلمان الفارسي قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تكونن إن استطعت أول من يدخل السوق ولا آخر من يخرج منها، فإنها معركة الشيطان، وبها ينصب رايته)) أخرجه أبو بكر البرقاني مسنداً عن أبي محمد عبد الغني بن سعيد الحافظ من رواية عاصم عن أبي عثمان النهدي عن سلمان قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تكن أول من يدخل السوق ولا آخر من يخرج منها، فبها باض الشيطان وفرخ))
عاصم بن أبي النجود؟
طالب: الحديث الذي قبله، قال المحقق: أخرجه الطبراني في الكبير، والخطيب وابن حبان في المجروحين، وابن الجوزي في الواهيات، من حديث سلمان وأعله ابن الجوزي بيزيد بن سفيان، وقال: هذا حديث لا يصح، قال ابن حبان: يزيد. . . . . . . . . عن سليمان التيمي نسخة مكذوبة، الخ كلامه، ثم عزاه إلى الإمام مسلم، والحديث في صحيح مسلم.
في صحيح مسلم؟ مفروغ منه، ما قال في الحديث الأول صحيح؟ لكن: ((لا تكونن إن استطعت أول من يدخل السوق ولا آخر من يخرج منها))
طالب: حديث: ((لا تكونن إن استطعت أول من يدخل السوق ... )) هذا المحقق ما عزاه إلى مسلم، وهو في صحيح مسلم.
لا لا، أحب البلاد إلى الله مساجدها، هذا الذي في صحيح مسلم.
طالب: وهذا في صحيح مسلم أيضاً.
أيه؟
طالب: حديث: ((لا تكونن إن استطعت أول من يدخل السوق ولا آخر من يخرج منها، فإنها معركة الشيطان وبها ينصب رايته)) في صحيح مسلم. . . . . . . . . . . . . . . . . . رقم مائة، في فضائل أم سلمة.
إذن خرجه هو والبزار، يعني مسلم والبزار، كأنها سقطت سهواً.
طالب: موجود في رياض الصالحين وعزاه النووي إلى مسلم.
والثاني الأخير؟
طالب: الثاني قال: هذه الرواية عند الطبراني فقط.
ففي هذه الأحاديث ما يدل على كراهة دخول الأسواق لا سيما في هذه الأزمان التي يخالط فيها الرجال النسوان ..
في هذه الأزمان يعني في القرن السابع، فكيف لو رأى ما عليه الحال في أسواق المسلمين اليوم؟ والله المستعان.
стр. 388
وهكذا قال علماؤنا: لما كثر الباطل في الأسواق، وظهرت فيها المناكر كُره دخولها لأرباب الفضل، والمقتدى بهم في الدين؛ تنزيهاً لهم عن البقاع التي يعصى الله فيها.
هذا مع عدم الإنكار، هذا إذا لم يمكن الإنكار، أما مع وجود الإنكار وتخفيف المنكرات فيتعين على بعض الناس أن يدخل لينكر وليغير المنكر، نعم وهذا فرض كفاية على الأمة، تغيير المنكر لا بد منه ((من رأى منكم منكراً فليغيره)) ولو هجرت هذه الأماكن وتركت للأشرار لاستفحل أمرها، وزاد شرها، ثم بعد ذلك لا يستطاع إنكارها، والله المستعان.
طالب: التجول في السوق بلبس البشت. . . . . . . . .؟
لا بد من الإنكار، إذا رؤي المنكر لا بد أن يغير باليد إن أمكن وإلا فباللسان، بعض الإخوان يقول: لو -وهذا مجرب- يعني لو أن الإنسان الذي هيأته حسنة، لحيته مثلاً وافية، ومنظره جميل شرعي، ثوبه قصير ولحيته وافية، ولباسه يعني مناسب، ولو لم يتكلم يغشى هذا الأماكن يحصل خير في مجرد مروره لا سيما في المحافل التي تُغلق بالأبواب كالمستوصفات وما أشبهها يعني مجرد دخوله ومروره بالسيب وخروجه يوجد رعب في قلوبهم، والذي عنده نية شر ينكف عنها، وإلا ففيها شر مستطير، هذه المستوصفات لا سيما الأهلية فيها شر، نسأل الله السلامة والعافية؛ لأنه يفسح لبعض الناس وهم ليسوا بأكفاء وليسوا على قدرٍ من الديانة ما يردعهم عن مزاولة بعض المنكرات، وتعرفون أن الأماكن التي يختلط فيها الرجال والنساء تزداد فيها الشرور –نسأل الله السلامة-.
فحق على من ابتلاه الله بالسوق أن يخطر بباله أنه قد دخل محل الشيطان، ومحل جنوده، وأنه إن أقام هناك هلك، ومن كانت هذه حاله اقتصر منه على قدر ضرورته، وتحرز من سوء عاقبته وبليته.
الخامسة: تشبيه النبي ﷺ السوق بالمعركة تشبيه حسن، وذلك أن المعركة موضع القتال سمي بذلك؛ لتعارك الأبطال فيه، ومصارعه بعضهم بعضاً، فشبَّه السوق وفعل الشيطان بها، ونيله منهم مما يحملهم من المكر والخديعة، والتساهل في البيوع الفاسدة، والكذب والأيمان الكاذبة، واختلاط الأصوات وغير ذلك، بمعركة الحرب ومن يصرع فيها.
стр. 389
السادسة: قال ابن العربي: أما أكل الطعام فضرورة الخلق لا عار ولا درك فيه، وأما الأسواق فسمعت مشيخة أهل العلم يقولون: لا يدخل إلا سوق الكتب والسلاح، وعندي أنه يدخل كل سوق للحاجة إليه ولا يأكل فيها؛ لأن ذلك إسقاط للمروءة وهدم للحشمة، ومن الأحاديث الموضوعة: ((الأكل في السوق دناءة)).
قال بعضهم لا يدخل السوق إلا سوق الكتب والسلاح، يعني ما يدخل إلا سوق الكتب ليشتري من الكتب ما يفيد منه لا سيما إذا كان ممن ينتسب إلى طلب العلم، وكذلك السلاح الذي يحتاجه لقتال عدوه، وهناك أيضاً أمور يحتاج إليها أكثر من حاجته إلى الكتب والسلاح، كالطعام والشراب واللباس وغير ذلك، فيدخل من الأسواق ما يحتاج إليه، فخلاف ما لا يحتاج إليه إلا بنيّة الإنكار، إذا دخل هذه الأسواق بنية الإنكار فهو مأجور على هذا -إن شاء الله تعالى-.
قلت: ما ذكرته مشيخة أهل العلم فنعمَّا هو، فإن ذلك خال عن النظر إلى النسوان ومخالطتهن، إذ ليس بذلك من حاجتهن.
لكن الآن صار من حاجتهن، المكتبات الآن تعجّ بالنساء، مملوءة بالنساء، ووضع لهن أيام يدخلن المكتبات، بل وضع للأسر والعوائل وجلّ النساء لسن من أهل الكتب، ويكفيهن من ذلك البلغة، لكن كثير منها تتذرع بالخروج إلى المكتبة، وهي تذهب للتمشية والفرجة –والله المستعان-.
إذ ليس بذلك من حاجتهن وأما غيرهما من الأسواق فمشحونة منهن، وقلة الحياة قد غلبت عليهن، حتى ترى المرأة في القيساريات وغيرهن قاعدةً متبرجةً بزينتها، وهذا من المنكر الفاشي في زماننا هذا -نعوذ بالله من سخطه-.
هذا منذ أكثر من سبعمائة عام، وإلى عهدٍ قريب وخروج النساء يسير وقليل جداً بالنسبة إلى ما يوجد اليوم امتثالاً لقول الله -جل وعلا-: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [(٣٣) سورة الأحزاب] ومع ذلك إذا خرجت المرأة سواء كانت في العهد القريب الذي أدركناه أو كان على عهد المؤلف لا شك أن هذه الملابس التي تفتن الرائي غير موجودة عندهم؛ لأن اللباس يتطور ما هو ... يعني لا تتصور أن لباساً قبل سبعمائة سنة مثل لباس اليوم؟ حتى ولو مثل لباس قبل أربعين وخمسين سنة الذي يوجد في بلادنا وفي غيرها من البلدان.
стр. 390
المقصود أن اللباس يتطور ويخشى أن يزيد تطوره على حد زعمهم إلى أن يصل إلى لا شيء، وكثير من نساء المسلمين الآن في أسواقهم وفي محافلهم تمشي كاسيةً عارية –نسأل الله السلامة والعافية-، وبعض النساء بلباسها أشد فتنةً من عدمه، وهذا القرطبي يتوجّع مما حصل في زمانه قبل سبعمائة سنة، فكيف لو رأى ما عليه نساء المسلمين اليوم حتى من نساء من ينتسب إلى العلم، أو منهن من تنتسب إلى العلم؟ فكيف إذا كان هذا موجوداً في أقدس البقاع، يعني في الحرمين وما حواليهما وفي المساجد، وقد تأتي المرأة لصلاة التهجد في العشر الأواخر ومع ذلك متبرجة ومتطيبة ومع سائقٍ أجنبي، هذا تناقض وتنافر شديد، لو جلست في بيتها ولم تصل كان أفضل لها، فكيف إذا صلت في بيتها وبيتها خير لها –والله المستعان-.
السابعة: خرج أبو داود الطيالسي في مسنده، حدثنا حماد بن زيد، قال: حدثنا عمرو بن دينار قهرمان آل الزبير عن سالم عن أبيه عن عمر بن الخطاب قال: ((من دخل سوقاً من هذه الأسواق فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو حي لا يموت، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير، كتب الله له ألف ألف حسنة، ومحا عنه ألف ألف سيئة، وبنى له قصراً في الجنة)) خرجه الترمذي أيضاً وزاد بعد: ((ومحا عنه ألف ألف سيئة، ورفع له ألف ألف درجة، وبنى له بيتاً في الجنة)) وقال: هذا حديث غريب.
هذا حديث السوق مضعف عند أهل العلم، أكثر أهل العلم على تضعيفه، وبعضهم يجعله من قبيل الحسن، لا سيما في مثل هذا الباب الذي هو باب الترغيب لا يشتمل على حكم شرعي، وإنما هو من باب الفضائل التي يقبل فيها مثل هذا عند الجمهور.
قال ابن العربي: وهذا إذا لم يقصد في تلك البقعة سواه؛ ليعمرها بالطاعة إذ عمرت بالمعصية، وليحليها بالذكر إذا عطلت بالغفلة، وليعلم الجهلة، ويذكر الناسين.
стр. 391
الثامنة: قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ﴾ [(٢٠) سورة الفرقان] أي إن الدنيا دار بلاء وامتحان، فأراد سبحانه أن يجعل بعض العبيد فتنةً لبعض على العموم في جميع الناس، مؤمن وكافر، فالصحيح فتنة للمريض، والغني فتنة للفقير، والفقير الصابر فتنة للغني، ومعنى هذا أن كل واحدٍ مختبر بصاحبه، فالغني ممتحن بالفقير عليه أن يواسه ولا يخسر منه، والفقير ممتحن بالغني عليه ألا يحسده ولا يأخذ منه إلا ما أعطاه، وأن يصبر كل واحد منهما على الحق كما قال الضحاك في معنى: ﴿أَتَصْبِرُونَ﴾ أي على الحق، وأصحاب البلايا يقولون: لمَ لمْ نعاف؟ والأعمى يقول: لمَ لمْ أجعل كالبصير؟ وهكذا صاحب كل آفة، والرسول المخصوص بكرامة النبوة فتنة لأشراف الناس من الكفار في عصره، وكذلك العلماء وحكام العدل، ألا ترى إلى قولهم: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [(٣١) سورة الزخرف]
يعني من مكة أو الطائف، من القريتين مكة أو الطائف ويعنون بذلك أبا جهل وعروة بن مسعود الثقفي، يقترحون على الله -جل وعلا- أن لو أرسل بدل محمد ﵊ من هذه القريتين رجل عظيم لا رجل يتيم، لكن الله أعلم حيث يجعل رسالته، وأما بالنسبة للابتلاء، ابتلاء الناس بعضهم ببعض فهذا ظاهر، فالفقير مبتلى بالغني، فعليه ألا يحسده ولا يسعى في ضره، وكذلك الغني مبتلى بالفقير كما قال المؤلف عليه أن يواسيه من ماله ولا يبخل عليه، وكذلك العالم بالطالب، والطالب بالعالم، وكل نوعين متضادين مبتلىً بعضهما ببعض، ولكل منهما ما يخصه من خطاب الشرع.
فالفتنة أن يحسد المبتلى المعافى، ويحقر المعافى المبتلى، والصبر: أن يحبس كلاهما نفسه هذا عن البطر وذاك عن الضجر، ﴿أَتَصْبِرُونَ﴾ محذوف الجواب يعني أم لا تصبرون؟ فيقتضي جواباً كما قاله المزني، وقد أخرجته الفاقة فرأى خصياً في مراكب ومناكب فخطر بباله شيء فسمع من يقرأ الآية: ﴿أَتَصْبِرُونَ﴾ فقال: بلى ربنا نصبر ونحتسب، وقد تلا ابن القاسم صاحب مالك هذه الآية حين رأى أشهب بن عبد العزيز في مملكته عابراً عليه، ثم أجاب نفسه بقوله: سنصبر.
стр. 392
وعن أبي الدرداء أنه سمع النبي ﷺ يقول: ((ويل للعالم من الجاهل، وويل للجاهل من العالم، وويل للمالك من المملوك، وويل للمملوك من المالك، وويل للشديد من الضعيف، وويل للضعيف من الشديد، وويل للسلطان من الرعية، وويل للرعية من السلطان، وبعضهم لبعض فتنة، وهو قوله: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ [(٢٠) سورة الفرقان])) أسنده الثعلبي، تغمده الله برحمته.
إيش قال؟
طالب: قال: عزاه المصنف ﵀ للثعلبي عن أبي الدرداء مرفوعاً، وأخرجه أبو نعيم بهذا التمام على التقديم والتأخير، وأبو يعلى من حديث أنس وإسناده منقطع، والأعمش لم يسمع من أنس ﵁ فالإسناد ضعيف، والأشبه فيه الوضع، وهو في ضعيف الجامع.
وقال مقاتل: نزلت في أبي جهل بن هشام والوليد بن المغيرة والعاص بن وائل وعقبة بن أبي معيط وعتبة بن ربيعة والنضر بن الحارث حين رأوا أبا ذر وعبد الله بن مسعود وعماراً وبلالاً وصهيباً وعامر بن فهيرة، وسالماً مولى أبي حذيفة، ومهجعاً مولى عمر بن الخطاب، وجبراً مولى الحضرمي، وذويهم فقالوا على سبيل الاستهزاء: أنسلم فنكون مثل هؤلاء؟ فأنزل الله تعالى يخاطب هؤلاء المؤمنين: ﴿أَتَصْبِرُونَ﴾ على ما ترون من هذه الحال الشديدة والفقر؟ فالتوقيف بـ ﴿أَتَصْبِرُونَ﴾ خاص للمؤمنين المحقين من أمة محمد ﷺ كأنه جعل إمهال الكفار والتوسعة عليهم فتنة للمؤمنين أي اختباراً لهم ولما صبر المسلمون أنزل الله فيهم: ﴿إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا﴾ [(١١١) سورة المؤمنون].
التاسعة: قوله تعالى: ﴿وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ [(٢٠) سورة الفرقان] أي بكل امرئ وبمن يصبر أو يجزع، وبمن يؤمن ومن لا يؤمن، وبمن أدى ما عليه من الحق ومن لا يؤدي، وقيل: ﴿أَتَصْبِرُونَ﴾ أي اصبروا، مثل: ﴿فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ﴾ [(٩١) سورة المائدة] أي انتهوا، فهو أمر للنبي ﷺ بالصبر، قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءنَا﴾ [(٢١) سورة الفرقان] يريد لا يخافون البعث ولقاء الله، أي لا يؤمنون بذلك، قال:
стр. 393
إذا لسعته النحل لم يرج لسعها ... وخالفها في بيت نوب عواملُ
وقيل: ﴿لَا يَرْجُونَ﴾ [(٢١) سورة الفرقان] لا يبالون، قال:
لعمرك ما أرجو إذا كنت مسلماً ... على أي جنب كان في الله مصرعي
بمناسبة ذكر النحل ولسع النحل مع الصبر، الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- وهو في صلاته لسعته نحلة في بضعة عشر موضعاً من جسده وهو يصلي وما شعر بذلك، لم يشعر بذلك ممن حوله أحد، فلما قيل له: لمَ لمْ تقطع صلاتك؟ لأنه لما سلم صار جسده كله متغير، كله أورام من إثر هذه اللسعات فقال: إنه افتتح سورة فكره أن يقطعها، والله المستعان، وواحد من طلاب العلم قطع صلاته من أجل سلك رفيع جداً يتدلى من ثوبه ويمر على رجله، هذه حقيقة ما هي ... يعني وجد من الإمام البخاري هذا، ووجد أيضاً مقابله من شخص من طلاب العلم المعروفين يعني ما هو نكرة، سلك رفيع يتدلى من ثوبه ويمس رجله رايح جاي، ظنه حشرة وإلا شيء فقطع صلاته، ولم يتأذى بذلك لكن الله يقول: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ [(٤) سورة الليل].
قال ابن شجرة: لا يأملون، قال:
أترجو أمة قتلت حسينا ... شفاعة جدة يوم الحساب
﴿لَوْلَا أُنزِلَ﴾ [(٢١) سورة الفرقان] أي هلا أنزل، ﴿عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ﴾ فيخبروا أن محمد صادق، ﴿أَوْ نَرَى رَبَّنَا﴾ عياناً فيخبرنا برسالته، نظيره قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنبُوعًا﴾ [(٩٠) سورة الإسراء] إلى قوله: ﴿أَوْ تَأْتِيَ بِاللهِ وَالْمَلآئِكَةِ قَبِيلاً﴾ [(٩٢) سورة الإسراء] قال الله تعالى: ﴿لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنفُسِهِمْ وَعَتَوْ عُتُوًّا كَبِيرًا﴾ حيث سألوا الله الشطط؛ لأن الملائكة لا ترى إلا عند الموت أو عند نزول العذاب، والله تعالى لا تدركه الأبصار، وهو يدرك الأبصار فلا عين تراه.
يعني في الدنيا، وأما في الآخرة فالمؤمنون يرون ربهم -جل وعلا-، ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [(١٠٣) سورة الأنعام] يعني لا تحيط به، وهذا في الدنيا كما هو معلوم، وحمله على الآخرة متجه؛ لأن الإدراك قدر زائد على مجرد الرؤية، الإدراك المراد به الإحاطة من جميع الجهات.
стр. 394
وقال مقاتل: ﴿عُتُوًّا﴾ علواً في الأرض، والعتو: أشد الكفر وأفحش الظلم وإذا لم يكتفوا بالمعجزات، وهذا القرآن فكيف يكتفون بالملائكة؟ وهم لا يميزون بينهم وبين الشياطين، ولا بد لهم من معجزة يقيمها من يدعي أنه ملك، وليس للقوم طلب معجزة بعد أن شاهدوا معجزة، وأن ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِّلْمُجْرِمِينَ﴾ [(٢٢) سورة الفرقان] يريد أن الملائكة لا يراها أحد إلا عند الموت، فتبشِّر المؤمنين بالجنة، وتضرب المشركين والكفار بمقامع الحديد حتى تخرج أنفسهم.
﴿وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَّحْجُورًا﴾ يريد تقول الملائكة: حراماً محرماً أن يدخل الجنة إلا من قال: لا إله إلا الله، وأقام شرائعها، عن ابن عباس وغيره وقيل: إن ذلك يوم القيامة، قاله مجاهد وعطية العوفي، قال عطية: إذا كان يوم القيامة تلقى المؤمن بالبشرى فإذا رأى ذلك الكافر تمناه فلم يره من الملائكة، وانتصب ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ﴾ [(٢٢) سورة الفرقان] بتقدير لا بشرى للمجرمين يوم يرون الملائكة، و ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ [(٢٢) سورة الفرقان] بأكيد لـ ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ﴾ [(٢٢) سورة الفرقان] قال النحاس: لا يجوز أن يكون ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ﴾ منصوبا بـ ﴿بُشْرَى﴾ [(٢٢) سورة الفرقان] لأن ما في حيِّز النفي لا يعمل فيما قبله، ولكن فيه تقدير أن يكون المعنى يمنعون البشارة يوم يرون الملائكة، ودل على هذا الحذف ما بعده، ويجوز أن يكون التقدير: لا بشرى تكون يوم يرون الملائكة، و ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ مؤكد، ويجوز أن يكون المعنى: اذكر يوم يرون الملائكة، ثم ابتدأ فقال: ﴿لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِّلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَّحْجُورًا﴾ [(٢٢) سورة الفرقان] أي وتقول الملائكة: حراماً محرماً أن تكون لهم البشرى إلا للمؤمنين، قال الشاعر:
ألا أصبحت أسماء حجراً محرماً ... وأصبحت من أدنى حموتها حما
أراد: ألا أصبحت أسماء حراماً محرماً، وقال آخر:
حنت إلى النخلة القصوى فقالت لها ... حجر حرام ألا تلك الدهاريس
стр. 395
وروي عن الحسن أنه قال: ﴿وَيَقُولُونَ حِجْرًا﴾ [(٢٢) سورة الفرقان] وقف من قول المجرمين، فقال الله : ﴿مَّحْجُورًا﴾ [(٢٢) سورة الفرقان] عليهم أن يعانوا أو يجاروا فحجر الله ذلك عليهم يوم القيامة، والأول قول ابن عباس، وبه قال الفراء، قاله ابن الأنباري، وقرأ الحسن وأبو رجاء: (حُجراً) بضم الحاء، والناس على كسرها، وقيل: إن ذلك من قول الكافر قالوه لأنفسهم قاله قتادة فيما ذكر الماوردي، وقيل: هو قول الكفار للملائكة، وهي كلمة استعانة، وكانت معروفةً في الجاهلية، فكان إذا لقي الرجل من يخافه قال: حجراً محجوراً: أي حراماً عليك التعرض لي، وانتصابه على معنى: حجرت عليك أو حجر الله عليك كما تقول: سقياً ورعياً: أي إن المجرمين إذا رأوا الملائكة يلقونهم في النار قالوا: نعوذ بالله منكم، ذكره القشيري وحكى معناه المهدوي عن مجاهد.
وقيل: ﴿حِجْرًا﴾ من قول المجرمين و ﴿مَّحْجُورًا﴾ من قول الملائكة: أي قالوا للملائكة: نعوذ بالله منكم أن تتعرضوا لنا، فتقول الملائكة: ﴿مَّحْجُورًا﴾ أن تعاذوا من شر هذا اليوم قاله الحسن، قوله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ﴾ [(٢٣) سورة الفرقان] هذا تنبيه على عظم قدر يوم القيامة، أي قصدنا في ذلك إلى ما كان يعمله المجرمون من عمل برٍ عند أنفسهم، يقال: قدم فلان إلى أمر كذا: أي قصده، وقال مجاهد: ﴿قَدِمْنَا﴾ [(٢٣) سورة الفرقان] أي عمدنا، وقال الراجز:
وقدم الخوارج الضلال إلى ... عباد ربهم فقالوا إن دماءكم لنا حلالُ
وقيل: هو قدوم الملائكة أخبر به عن نفسه تعالى.
﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورًا﴾ [(٢٣) سورة الفرقان] وذلك لتخلف الشرط - شرط القبول- وهو الإيمان، إذا تخلف الشرط ما نفع العمل، وقد يجازون عليه في دنياهم، لكن يومئذٍ –يوم القيامة- لا يجدون ثواباً لعملهم؛ لأنه هباء منثور –نسأل الله السلامة والعافية-.
стр. 396
وقيل: هو قدوم الملائكة أخبر به عن نفسه تعالى فاعله، ﴿فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورًا﴾ أي لا ينتفع به أي: أبطلناه بالكفر، وليس ﴿هَبَاء﴾ من ذوات الهمز، وإنما همزت لالتقاء الساكنين، والتصغير هُبَيّ في موضع الرفع، ومن النحويين من يقول: هُبَيٍّ في موضع الرفع حكاه النحاس، وواحده هباة، والجمع أهباء، قال الحارث بن حلزة يصف ناقة:
فترى خلفها من الرجع والوقع ... منيناً كأنه أهباءُ
وروى الحارث عن علي قال: الهباء المنثور شعاع الشمس الذي يدخل من الكوة، وقال الأزهري: الهباء ما يخرج من الكوة في ضوء الشمس شبيه بالغبار، تأويله: إن الله تعالى أحبط أعمالهم حتى صارت بمنزلة الهباء المنثور، فأما الهباء المنبث فهو ما تثيره الخيل بسنابكها من الغبار، والمنبث المتفرق، وقال ابن عرفة: الهبوة والهباء: التراب الدقيق، قال الجوهري: ويقال له إذا ارتفع: هبا يهبو هبواً وأهبيته أنا، والهبوة: الغبرة، قال رؤبة:
تبدو لنا أعلامه بعد الغرق ... في قطع الآل وهبوات الدققُ
وموضع هابي التراب: أي كأن ترابه مثل الهباء في الرقة، وقيل: إنه ما ذرته الرياح من يابس أوراق الشجر، قاله قتادة وابن عباس، وقال ابن عباس أيضاً: إنه الماء المهراق، وقيل: إنه الرماد، قاله عبيد بن يعلى.
الماء المهراق، تنتهي ماليته إذا أهريق لا يستفاد منه، وكذلك الرماد الذي تذروه الرياح لا يستفاد منه، وكذلك عمل الكافر الذي تخلف شرطه وهو الإيمان لا يستفيد منه.
قوله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [(٢٤) سورة الفرقان] تقدم القول فيه عند قوله تعالى: ﴿قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾ [(١٥) سورة الفرقان] قال النحاس: والكوفيون يجيزون (العسل أحلى من الخل) وهذا قول مردود؛ لأن معنى فلان خير من فلان أنه أكثر خيراً منه ولا حلاوة في الخل، ولا يجوز أن يقال: النصراني خير من اليهودي؛ لأنه لا خير فيهما، فيكون أحدهما أزيد في الخير، لكن يقال: اليهودي شر من النصراني، فعلى هذا كلام العرب.
стр. 397
مقتضى أفعل التفضيل أن يكون الأمران قد اشتركا في وصفٍ واحد، وفاق أحدهما الآخر في ذلك الوصف، فإذا قلت: النصراني خير من اليهودي أثبت الخير للطرفين، لكن النصراني نصيبه من هذا الخير أكثر من نصيب اليهودي، فهذا التعبير ليس بصحيح، أما إذا قلت: اليهودي شر من النصراني فهذا تعبير صحيح؛ لأنك أثبت الوصف للفريقين، وأثبت أن اليهودي أدخل في هذا الوصف وأعظم شراً، وهنا ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [(٢٤) سورة الفرقان] ليست على بابها، فأفعل التفضيل ليست على بابها، أهل الجنة بخير وأهل النار ليس لديهم خير بالكلية، فأفعل التفضيل ليست على بابها –والله المستعان-.
و ﴿مُّسْتَقَرًّا﴾ نصب على الظرف إذا قدر على غير باب (أفعل منك) والمعنى: لهم خير في مستقر، وإذا كان من باب (أفعل منك) فانتصابه على البيان، قاله النحاس والمهدوي، قال قتادة: ﴿وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ منزلاً ومأوى، وقيل: هو على ما تعرفه العرب من مقيل نصف النهار، ومنه الحديث المرفوع: ((إن الله ﵎ يفرغ من حساب الخلق في مقدار نصف يوم، فيقيل أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار)) ذكره المهدوي.
يعني مقدار صف يوم من أيام الآخرة، مقداره نصف يوم من أيام الآخرة، ومنتصف اليوم هو القيلولة –وقت القيلولة- فإذا فرغ من حساب الخلائق في النصف مقدار خمسمائة سنة يقيل كل في مكانه من أهل الجنة في أماكنهم، وأما أهل النار فلا مقيل لهم –نسأل الله السلامة والعافية-.
طالب: القيلولة بعد الظهر أو قبل؟
الأصل أنها قبل الظهر، يعني بعد الفراغ من الأعمال، إذا بقي على الظهر مقدار ساعة يقيل الإنسان، هذا الأصل، لكن ما دام الناس ارتبطوا بأعمالٍ رتبت أوقاتهم، ووقت القيلولة في صلب الدوام فللإنسان أن يقيل إذا خرج من دوامه يرتاح من عناء التعب ومن عمله فلا مانع من ذلك، والمسألة مسألة عرفية، ووقت نومهم قبل الظهر.
ماذا قال عن الحديث؟
стр. 398
طالب: قال: لم أره مرفوعاً، وإنما أخرجه الطبري عن إبراهيم النخعي قال: كانوا يرون أنه يفرغ من الحساب، وكذا نسبه السيوطي في الدر عن ابن المبارك وسعيد بن منصور وغيرهم عن إبراهيم النخعي ولا يحتج بالمرفوع بمثل هذا المقام.
هذا لو ثبت عن هؤلاء لقلنا: أن له حكم الرفع؛ لأن مثله لا يقال: بالرأي ولا يدرك بالاجتهاد، فيكون مرفوعاً إلا أنه مرفوع مرسل، إذا ثبت عن تابعي، وإذا ثبت عن تابع التابعي قلنا: معضل، وإن كان مرفوعاً؛ لأن له حكم الرفع؛ لأنه لا يقال: بالرأي ولا يدرك به.
стр. 399
وقال ابن مسعود: لا ينتصف النهار يوم القيامة من نهار الدنيا حتى يقيل هؤلاء في الجنة، وهؤلاء في النار، ثم قرأ: (ثم إن مقيلهم لإلى الجحيم) كذا هي في قراءة ابن مسعود، وقال ابن عباس: الحساب من ذلك اليوم في أوله فلا ينتصف النهار من يوم القيامة حتى يقيل أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار، ومنه ما روي: ((قيلوا فإن الشياطين لا تقيل))، وذكر قاسم بن أصبغ من حديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : ((في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة)) فقلت: ما أطول هذا اليوم فقال النبي ﷺ : ((والذي نفسي بيده إنه ليخفف عن المؤمن حتى يكون أخف عليه من صلاة المكتوبة يصليها في الدنيا))، قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاء بِالْغَمَامِ﴾ [(٢٥) سورة الفرقان] أي واذكر تشقق السماء بالغمام، وقرأه عاصم والأعمش ويحيى وحمزة والكسائي وأبو عمرو: ﴿تَشَقَّقُ﴾ [(٢٥) سورة الفرقان] بتخفيف الشين وأصله (تتشقق) بتاءين، فحذفوا الأولى تخفيفاً، واختاره أبو عبيد، والباقون ﴿تشقق﴾ بتشديد الشين على الإدغام، واختاره أبو حاتم، وكذلك في (ق)، ﴿بِالْغَمَامِ﴾ [(٢٥) سورة الفرقان] أي عن الغمام، و (الباء) و (عن) يتعاقبان كما تقول: رميت بالقوس وعن القوس، روي أن السماء تتشقق عن سحاب أبيض رقيق مثل الضبابة، ولم يكن إلا لبني إسرائيل في تيههم فتنشق السماء عنه، وهو الذي قال تعالى: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ﴾ [(٢١٠) سورة البقرة]، ﴿وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ﴾ من السموات ويأتي الرب في الثمانية الذين يحملون العرش؛ لفصل القضاء على ما يجوز أن يحمل عليه إتيانه لا على ما تحمل عليه صفات المخلوقين من الحركة والانتقال.
يعني مجيء الله -جل وعلا- وإتيانه ونزوله على ما يليق بجلاله وعظمته من غير مشابهة لنزول المخلوقين أو مجيئهم أو إتيانهم إنما له ما يليق به -جل وعلا-.
стр. 400
وقال ابن عباس: تتشقق سماء الدنيا فينزل أهلها وهم أكثر ممن في الأرض من الجن والإنس، ثم تنشق السماء الثانية فينزل أهلها وهم أكثر ممن في سماء الدنيا، ثم كذلك حتى تنشق السماء السابعة ثم ينزل الكروبيون وحملة العرش، وهو معنى قوله: ﴿وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنزِيلًا﴾ [(٢٥) سورة الفرقان] أي من السماء إلى الأرض لحساب الثقلين، وقيل: إن السماء تنشق بالغمام الذي بينها وبين الناس، فبتشقق الغمام تتشقق السماء، فإذا انشقت السماء انتقض تركيبها، وطويت ونزلت الملائكة إلى مكانٍ سواها، وقرأ ابن كثير: ﴿وننزل الملائكةَ﴾ بالنصب من الإنزال، والباقون: ﴿وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ﴾ بالرفع، دليله: ﴿تَنزِيلًا﴾ ولو كان على الأول لقال: إنزالاً، وقد قيل: إن نزل وأنزل بمعنى، فجاء ﴿تَنزِيلًا﴾ على (نزل)، وقد قرأ عبد الوهاب عن أبي عمرو: ﴿وَنُزِلَ الملائكة تنزيلًا﴾ وقرأ ابن مسعود: (وأنزل الملائكة)، وأبي بن كعب: (ونزلت الملائكة) وعنه (وتنزلت الملائكة).
وهذا كله قبل الاتفاق على القراءة الموافقة للعرضة الأخيرة من جبريل للنبي ﵊ التي عنها أخذ مصحف عثمان ووزع في الأمصار التي لا يوجد فيه شيء من اختلاف القراءات إلى هذا المستوى.
قوله تعالى: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ [(٢٦) سورة الفرقان]، ﴿الْمُلْكُ﴾ مبتدأ و ﴿الْحَقُّ﴾ صفة له و ﴿لِلرَّحْمَنِ﴾ الخبر؛ لأن الملك الذي يزول وينقطع ليس بملك فبطلت يومئذٍ أملاك المالكين، وانقطعت دعاويهم، وزال كل ملك وملكه، وبقي الملك الحق لله وحده، ﴿وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾ أي لما ينالهم من الأهوال ويلحقهم من الخزي والهوان، وهو على المؤمنين أخف من صلاةٍ مكتوبة على ما تقدم في الحديث، وهذه الآية دالة عليه؛ لأنه إذا كان على المؤمنين عسيراً فهو على المؤمنين يسير، يقال: عَسِر يَعسَر وعَسُرَ يَعسُر.
стр. 401
﴿وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾ [(٢٦) سورة الفرقان] أي لما ينالهم من الأهوال ويلحقهم من الحزن والهوان، وهو على المؤمنين أخف من صلاةٍ مكتوبة، هذا من باب المفهوم، إذا كان عسير على الكافرين، فهو على المؤمنين يسير بلا شك، ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ * فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ * عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ [(٨ - ١٠) سورة المدثر].
قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ﴾ [(٢٧) سورة الفرقان] الماضي: عضضت، وحكى الكسائي عضضت بفتح الضاد الأولى، وجاء التوقيف عن أهل التفسير منهم ابن عباس وسعيد بن المسيب أن الظالم هاهنا يراد به عقبة بن أبي معيط، وأن خليله أمية بن خلف فعقبة قتله علي بن أبي طالب ﵁، وذلك أنه كان في الأسارى يوم بدر فأمر النبي ﷺ بقتله، فقال: أأقتل دونهم؟ فقال: نعم، بكفرك وعتوك، فقال: من للصبية؟ فقال: النار، فقام علي ﵁ فقتله، وأمية قتله النبي ﷺ ، فكان هذا من دلائل نبوة النبي ﷺ ؛ لأنه خبَّر عنهما بهذا فقتلا على الكفر، ولم يسميا في الآية؛ لأنه أبلغ في الفائدة ليعلم أن هذا سبيل كل ظالم قبل من غيره في معصية الله ، قال ابن عباس وقتادة وغيرهما: وكان عقبة قد همَّ بالإسلام فمنعه منه أبي بن خلف وكانا خدنين، وأن النبي ﷺ قتلهما جميعاً، قتل عقبة يوم بدر صبراً، وأبي بن خلف في المبارزة يوم أحد، ذكره القشري والثعلبي، والأول ذكره النحاس، وقال السهيلي: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ﴾ [(٢٧) سورة الفرقان] هو عقبة بن أبي معيط، وكان صديقاً لأمية بن خلف الجمحي، ويروى لأبي بن خلف أخ أمية، وكان قد صنع وليمة فدعا إليها قريشاً، ودعا رسول الله ﷺ فأبى أن يأتيه إلا أن يسلم، وكره عقبة أن يتأخر ..
لأن إجابة الدعوة من حق المسلم على المسلم، وليست من حق الكافر على المسلم إلا إذا رجي إسلامه، فيكون من باب تغليب المصلحة، وإلا فالأصل أنها من حقوق المسلمين بعضهم على بعض.
стр. 402
وكره عقبة أن يتأخر عن طعامه من أشرف قريش أحد فأسلم ونطق بالشهادتين، فأتاه رسول الله وأكل من طعامه فعاتبه خليله أمية بن خلف، أو أبي بن خلف وكان غائباً، فقال عقبة: رأيت عظيماً ألا يحضر طعامي رجل من أشراف قريش، فقال له خليله: لا أرضى حتى ترجع وتبصق في وجهه، وتطأ عنقه، وتقول: كيت وكيت، ففعل عدو الله ما أمره به خليله، فأنزل الله : ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ﴾ [(٢٧) سورة الفرقان] قال الضحاك: لما بصق عقبة في وجه رسول الله ﷺ رجع بصاقه في وجهه وشوى وجهه وشفتيه حتى أثر في وجهه وأحرق خديه فلم يزل أثر ذلك في وجهه حتى قتل، وعضه يديه فعل النادم الحزين لأجل طاعته خليله.
﴿يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾ [(٢٧) سورة الفرقان] في الدنيا، يعني: طريقاً إلى الجنة، ﴿يَا لَيْتَنِي﴾ دعا بالويل والثبور على مخالفة الكافر ومتابعته، ﴿لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا﴾ [(٢٨) سورة الفرقان] يعني أمية، وكنى عنه ولم يصرح باسمه؛ لئلا يكون هذا الوعد مخصوصاً به ولا مقصوراً، بل يتناول جميع من فعل مثل فعلهما، وقال مجاهد وأبو رجاء: الظالم عام في كل ظالم، وفلان: الشيطان، واحتج لصاحب هذا القول بأن بعده ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا﴾ [(٢٩) سورة الفرقان] وقرأ الحسن: (يا ويلتي) وقد مضى في (هود) بيانه، والخليل: الصاحب والصديق، وقد مضى في (النساء) بيانه.
﴿لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ﴾ [(٢٩) سورة الفرقان] أي يقول هذا النادم: لقد أضلني من اتخذته في الدنيا خليلاً عن القرآن والإيمان به، وقيل: ﴿عَنِ الذِّكْرِ﴾ أي: عن الرسول، ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا﴾ قيل: هذا من قول الله لا من قول الظالم، وتمام الكلام على هذا عند قوله: ﴿بَعْدَ إِذْ جَاءنِي﴾ [(٢٩) سورة الفرقان]، والخذل الترك من الإعانة، ومنه خذلان إبليس للمشركين لما ظهر لهم في صورة سراقة بن مالك، فلما رأى الملائكة تبرأ منهم، وكل من صد عن سبيل الله وأطيع في معصية الله فهو شيطان للإنسان، خذولاً عند نزول العذاب والبلاء.
стр. 403
لأنه يتخلى عنه أحوج ما يكون إليه إذا ورطه تخلى عنه، إذا ورطه في معصية وفي جريمة تخلى عنه، حتى يصل إلى حد أن يأمره بالسجود لغير الله -جل وعلا- فيسجد ثم بعد ذلك يتخلى عنه، أحوج ما يكون إليه –نسأل الله السلامة والعافية-.
وأما المشورة التي يعقبها الندم كما يقال: ﴿يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا﴾ [(٢٨) سورة الفرقان] فهذا جاري حتى في أمور الدنيا إذا أشار إليك شخص على أن تقتني كذا أو تشتري كذا أو تذهب إلى كذا ثم وجدت أن هذا ليس من مصلحتك تقول: ليتني والله ما أطعت فلان، وكم من شخصٍ قال حينما نزلت الأسهم حينما مدحت له هذه الشركة أو تلك وقيل: أن الأرباح مضاعفة ومدة أسبوع وأنت كذا وبعد شهر تكون أرباحك مائة بالمائة، هذا سمع حتى من بعض من تظهر عليهم علامات الصلاح، الشركة الفلانية مضمونة، كيف مضمونة والمسألة غيب؟! ثم بعد ذلك قرعوا سن الندم، وقالوا: ليتنا ما أطعنا فلان، وليتنا ما صدقنا فلان، فكل مشورةٍ يعقبها الندامة هذه نتيجتها، والله المستعان.
ولقد أحسن من قال:
تجنب قرين السوء واصرم حباله ... فإن لم تجد عنه محيصاً فداره
وأحبب حبيب الصدق واحذر مراءه ... تنل منه صفو الود ما لم تماره
وفي الشيب ما ينهى الحليم عن الصبا ... إذا اشتعلت نيرانه في عذاره
اشتعلت نيرانه يعني شيبه، إذا لاح شيبه نهاه عن ما يفعله الصبيان، وبعض الناس يستمر ولو لاح شيبه، يستمر ويزاول ما يزاوله الصبيان، من ألفاظ الجرح عند أهل العلم، من ألفاظ الجرح عند أهل الحديث: شيخ يتصابى، لا شك أن هذا ليس بمقبول من كبير السن أن يفعل ما يفعله الصبيان، ويقلد الصبيان في مشيته في أكله في طريقته، في هديه، هذا قبيح جداً بالشيخ أن يفعل هذا، نعم قد يوجد من الصبيان من يقلد الشيوخ؛ لأن هذا ترقي أما ذاك نزول، فلا يقبل من المكلف أن يحصل له مثل هذا.
وقال آخر:
اصحب خيار الناس حيث لقيتهم ... خير الصحابة من يكون عفيفا
والناس مثل دراهم ميَّزتها ... فوجدت منها فضةً وزيوفا
стр. 404
وفي الصحيح من حديث أبي موسى عن النبي ﷺ قال: ((إنما مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد ريحاً طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد ريحاً خبيثة)) هذا لفظ مسلم، وأخرجه أبو داود من حديث أنس وذكر أبو بكر البزار عن ابن عباس قال: قيل يا رسول الله: أي جلسائنا خير؟ قال: ((من ذكركم بالله رؤيته، وزاد في علمكم منطقه، وذكركم بالآخرة عمله))، وقال مالك بن دينار: إنك إن تنقل الأحجار مع الأبرار خير لك من أن تأكل الخبيص مع الفجار، وأنشد:
وصاحب خيار الناس تنج مسلماً ... وصاحب شرار الناس يوماً فتندما
يكفي، اللهم صل على محمد وعلى آله محمد.
стр. 405
تفسير القرطبي
تفسير (سورة الفرقان)
من آية (٣٠ - ٤٧)
الشيخ/ عبد الكريم الخضير
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه:
قال الإمام القرطبي -رحمه الله تعالى-:
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا * وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِّنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ [(٣٠ - ٣١) سورة الفرقان]
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ﴾ يريد محمداً ﷺ يشكوهم إلى الله تعالى، ﴿إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [(٣٠) سورة الفرقان] أي قالوا: فيه غير الحق من أنه سحر وشعر، عن مجاهد والنخعي.
يعني قالوا فيه هجراً من القول، يعني مهجور، وقالوا فيه هجراً من القول، وزعموا أنه سحر أو شعر، وهذا القول ينبغي أن يهجر، ولم يكن الهجر بمعنى الترك الذي يفهم بادئ الأمر من هذا اللفظ وإن كان مقصوداً، الشكوى هذه حاصلة من الرسول ﵊ لا سيما عند من يقول أن هذه الشكوى تكون في الآخرة، أنه جاء من بعده ﵊ من هجر القرآن من أمته ممن ينتسب إليه ﵊ هجر كلام الله، هجر قراءته، هجر تلاوته، هجر التدبر، هجر العمل، والمعنى كله مقصود، كل ما يتناوله اللفظ مقصود.
وقيل: معنى ﴿مَهْجُورًا﴾ أي متروكاً فعزاه الله ﵎ وسلاه بقوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِّنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ [(٣١) سورة الفرقان] أي كما جعلنا لك يا محمد عدواً من مشركي قومك وهو أبو جهل في قول ابن عباس، فكذلك جعلنا لكل نبي عدواً من مشركي قومه فاصبر لأمري كما صبروا، فإني هاديك وناصرك على كل من ناواك، وقد قيل: إن قول الرسول: ﴿يَا رَبِّ﴾ إنما يقوله يوم القيامة: أي هجروا القرآن وهجروني وكذبوني، وقال أنس: قال النبي ﷺ : ((من تعلم القرآن وعلق مصحفه لم يتعاهده ولم ينظر فيه جاء يوم القيامة متعلقاً به يقول: يا رب العالمين إن عبدك هذا اتخذني مهجوراً فاقض بيني وبينه)) ذكره الثعلبي.
ضعيف؟
стр. 406
طالب: قال: حديث باطل، وعزاه المصنف الثعلبي عن أنس مرفوعاً وأعله الألوسي في روح المعاني والبيضاوي وغيرهما بأبي هدبة وأنه كذاب، وجاء في ترجمته في الميزان، قال الخطيب: حدث عن أنس بالأباطيل، قال أبو حاتم وغيره، كذاب، وقال يحيى: كذاب خبيث. انتهى كلامه، ثم إن أكثر الصحابة لم يكن لديهم مصاحف.
التعليل بكون الصحابة لم يكن لديهم مصاحف لا يتجه؛ لأن المصاحف وجدت بعد، ولا يمنع أن يخبر النبي ﵊ بما سيكون بعد، قد أخبر النبي ﵊ عن جهاتٍ معينة، وأخبر عن مناسباتٍ كثيرة، وأخبر عما يقع في آخر الزمان، وكون الصحابة ليس لديهم مصاحف، لديهم القرآن الذي بلغهم، بواسطته ﵊، والمصاحف لمن بعدهم حينما وقّت المواقيت ﵊ قال لأهل الشام: كذا، ولأهل اليمن: كذا، ولأهل العراق: كذا, على رواية: ولأهل مصر: كذا، قبل أن تفتح هذه الأمصار.
﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ [(٣١) سورة الفرقان] نصب على الحال أو التمييز: أي يهديك وينصرك، فلا تبال بمن عاداك، وقال ابن عباس: عدو النبي ﷺ أبو جهل لعنه الله.
يعني ﴿كَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا﴾ [(٣١) سورة الفرقان] يعني حال كونه هادياً لك ونصيراً لك فهما منصوبان على الحال، أو ﴿هَادِيًا﴾ منصوب على الحال و ﴿نَصِيرًا﴾ معطوف عليه، أو التمييز من تكفيك هدايته ونصره لك.
стр. 407
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ [(٣٢) سورة الفرقان] اختلف في قائل ذلك على القولين: أحدهما: أنهم كفار قريش قاله ابن عباس، والثاني: أنهم اليهود حين رأوا نزول القرآن مفرقاً قالوا: هلا أنزل عليه جملةً واحدة، كما أنزلت التوراة على موسى، والإنجيل على عيسى، والزبور على داود، فقال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ﴾ أي فعلنا ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ نقوي به قلبك فتعيه وتحمله؛ لأن الكتب المتقدمة أنزلت على أنبياء يكتبون ويقرؤون، والقرآن أنزل على نبي أمي، ولأن من القرآن الناسخ والمنسوخ، ومنه ما هو جواب لمن سأل عن أمور ففرقناه؛ ليكون أوعى للنبي ﷺ ، وأيسر على العامل به فكان كلما نزل وحي جديد زاده قوة قلب.
الفائدة من التنجيم يعني لنزول القرآن منجماً فوائد عظيمة، تثبيت الفؤاد، والشيء الذي يؤخذ بالتدريج يسهل أخذه وييسر على آخذه، ويبعد نسيانه بخلاف الذي يؤخذ جملة واحدة فإنه يصعب، وإن كان الرسول ﵊ ضمن له –حفظ له-، ضمن له حفظه ﵊ لكن كونه يأتي بالتدريج لا شك أن فيه من تثبيت الفؤاد ما فيه، وفيه أيضاً كون النزول على هذه الكيفية على حسب الحاجة ومقتضيات الأحوال، ومنها أيضاً: التعاهد المستمر من بداية التنزيل إلى وفاته ﵊ لا شك أن فيه تثبيت للنبي ﵊ وأيضاً فيه الناسخ والمنسوخ، لا يمكن أن ينزل الناسخ والمنسوخ في وقتٍ واحد، بل ينزل المنسوخ فيعمل به مدة أو لا يتمكن من العمل به كما في بعض الوقائع -وإن كان نادراً- ثم تكون المصلحة في رفع هذا الحكم بحكمٍ متراخٍ عنه بعد العمل بالحكم الأول، وعلى كل حال نزوله على هذه الكيفية لا شك أنه أكمل.
قد يقول قائل: القرآن نزل جملةً واحدة إلى السماء الدنيا، وهذا ثابت عن ابن عباس أنه نزل جملة واحدة، نقول: العبرة بنزوله على النبي ﵊ وعلى المكلفين المطالبين بالعمل به.
стр. 408
قلت: فإن قيل: هلا أنزل القرآن دفعةً واحدة وحفظه إذا كان ذلك في قدرته؟ قيل: في قدرة الله أن يعلمه الكتاب والقرآن في لحظة واحدة، ولكنه لم يفعل ولا معترض عليه في حكمه.
لا يسأل عما يفعل -جل وعلا-.
وقد بينا وجه الحكمة في ذلك، وقد قيل: إن قوله ﴿كَذَلِكَ﴾ من كلام المشركين: أي لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك.
يعني كما أنزل الكتب السابقة.
أي: كالتوراة والإنجيل، فيتم الوقف على ﴿كَذَلِكَ﴾ ثم يبتدئ ﴿ولِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ [(٣٢) سورة الفرقان].
يعني هذا جواب الاقتراح الذي اقترحوه –اقترحه الكفار- هذا جوابه: ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾.
ويجوز أن يكون الوقف على قوله: جملة واحدة، ثم يبتدئ ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ [(٣٢) سورة الفرقان] على معنى: أنزلناه عليك كذلك متفرقاً؛ لنثبت به فؤادك، قال أبن الأنباري: والوجه الأول أجود وأحسن، والقول الثاني قد جاء به التفسير، حدثنا محمد بن عثمان الشيبي قال: حدثنا منجاب قال: حدثنا بشر بن عمارة عن أبي روق عن الضحاك عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [(١) سورة القدر] قال: أنزل القرآن جملة واحدة من عند الله في اللوح المحفوظ إلى السفرة الكرام الكاتبين في السماء فنجَّمه السفرة الكرام على جبريل عشرين ليلة، ونجمه جبريل ﵇ على محمد عشرين سنة، قال: فهو قوله: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ [(٧٥) سورة الواقعة] يعني نجوم القرآن ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ * إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ [(٧٦ - ٧٧) سورة الواقعة] قال: فلما لم ينزل على النبي ﷺ جملةً واحدة، ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ [(٣٢) سورة الفرقان] فقال الله ﵎: ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ يا محمد، ﴿وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ [(٣٢) سورة الفرقان] يقول: ورسلناه ترسيلاً، يقول: شيئاً بعد شيء.
стр. 409
نعم قد يقول قائل: كيف يقول الله -جل وعلا-: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [(١) سورة القدر] والمعلوم أنه لم ينزل جملة واحدة، فإما أن يكون نزوله في ليلة القدر جملةً واحدة إلى السماء الدنيا، أو يقال: أن بداية التنزيل في ليلة القدر، بداية التنزيل في شهر رمضان ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [(١٨٥) سورة البقرة] يعني بداية التنزيل.
﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ [(٣٣) سورة الفرقان] يقول: لو أنزلنا عليك القرآن جملةً واحدة ثم سألوك لم يكن عندك ما تجيب به، ولكن نمسك عليك فإذا سألوك أجبت، قال النحاس: وكان ذلك من علامات النبوة؛ لأنهم لا يسألون عن شيء إلا أجيبوا عنه، وهذا لا يكون إلا من نبي فكان ذلك تثبيتاً لفؤاده وأفئدتهم، ويدل على هذا ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ [(٣٣) سورة الفرقان] ولو نزل جملةً بما فيه من الفرائض؛ لثقل عليهم، وعلم الله أن الصلاح في إنزاله متفرقاً؛ لأنهم ينبَّهون به مرة بعد مرة، ولو نزل جملةً واحدة لزال معنى التنبيه، وفيه ناسخ ومنسوخ، فكانوا يتعبدون بالشيء إلى وقتٍ بعينه، قد علم الله فيه الصلاح، ثم ينزل النسخ بعد ذلك، فمحال أن ينزل جملةً واحدة: افعلوا كذا ولا تفعلوا، قال النحاس: والأولى أن يكون التمام جملةً واحدة؛ لأنه إذا وقف على ﴿كَذَلِكَ﴾ صار المعنى كالتوراة والإنجيل والزبور، ولم يتقدم لها ذكر، قال الضحاك: ﴿وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ أي تفصيلاً، والمعنى: أحسن من مثلهم تفصيلاً.
مَثَلهم، ولا يأتونك بمَثَلٍ.
стр. 410
أحسن من مثَلَهم تفصيلاً فحذف لعلم السامع، وقيل: كان المشركون يستمدُّون من أهل الكتاب، وكان قد غلب على أهل الكتاب التحريف والتبديل، فكان ما يأتي به النبي ﷺ أحسن تفسيراً مما عندهم؛ لأنهم كانوا يخلطون الحق بالباطل، والحق المحض أحسن من حق مختلط بباطل، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلاَ تَلْبِسُواْ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ [(٤٢) سورة البقرة]. وقيل: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ﴾ [(٣٣) سورة الفرقان] كقولهم في صفة عيسى إنه خلق من غير أب، ﴿إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ أي بما فيه نقض حجتهم كآدم إذ خلق من غير أب وأم.
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ﴾ (٣٤) سورة الفرقان﴾ تقدم في (سبحان)، ﴿أُوْلَئِكَ شَرٌّ مَّكَانًا﴾ لأنهم في جهنم، وقال مقاتل: قال الكفار لأصحاب محمد ﷺ هو شر الخلق، فنزلت الآية، ﴿وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ أي ديناً وطريقاً، ونظم الآية: ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق، وأنت منصور عليهم بالحجج الواضحة، وهم محشورون على وجوههم.
﴿أُوْلَئِكَ شَرٌّ مَّكَانًا﴾ هذا خبر، خبر الذين يحشرون على وجوههم، الذين يحشرون على وجوههم أولئك شر مكاناً، فهذه جملة تامة من مبتدأ وخبر، فلما قال الكفار لأصحاب محمد ﵊: صاحبكم شر الخلق، بيّن الله -جل وعلا- أن هؤلاء الكفار الذين يحشرون على وجوههم، وفي الحشر على الوجه ما فيه؛ لأنه أشرف ما في الإنسان وكون هذا الأشرف أول ما تباشره النار لا شك أن هذا فيه ردع لهم وفيه زجر –نسأل الله العافية والسلامة-.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ [(٣٥) سورة الفرقان] يريد التوراة، ﴿وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا﴾ تقدم في (طه).
الوزير هو من يؤازر ويعين من استوزره، هذا الوزير الذي هو هارون بطلب موسى ﵇ أن يجعل أخاه وزيراً له، فأجيب الطلب، ولذا يقول أهل العلم: أنه لا يوجد أخ أنفع لأخيه من موسى ﵇، حيث سأل له النبوة وحصلت له، والفضل أولاً وأخيراً لله -جل وعلا-.
﴿فَقُلْنَا اذْهَبَا﴾ [(٣٦) سورة الفرقان] الخطاب لهما.
стр. 411
طالب: لما ذكر الله في سورة النور ذكر إبراهيم وذكر. . . . . . . . .
يعني في ذريته من بعده، فهو أبو الأنبياء الذين جاؤوا من بعده.
طالب: ذكر موسى وقال: (ووهبنا له).
هو طلب، اجعل لي وزيراً من أهلي، هارون أخي، فأجيب، وهب هذا الطلب. . . . . . . . .
طالب: هل يدخل يا شيخ. . . . . . . . . هارون ما يقال: إذا كان هذا هبة أليس بمنزل عليه؟
كيف نزل عليه؟
طالب: يعني يوحى إليه؟
على كل حال هو نبي، هو نبي ﵇.
وقيل: إنما أمر موسى ﷺ بالذهاب وحده في المعنى، وهذا بمنزلة قوله: ﴿نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾ [(٦١) سورة الكهف] وقوله: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [(٢٢) سورة الرحمن] وإنما يخرج من أحدهما، قال النحاس: وهذا مما لا ينبغي أن يجترأ به على كتاب الله تعالى، وقد قال -جل وعز-: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى * قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَن يَطْغَى﴾ [(٤٤ - ٤٥) سورة طه].
فالتكليف لهما جميعاً، لا لموسى وحده.
﴿قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى * فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ﴾ [(٤٦ - ٤٧) سورة طه] ونظير هذا: ﴿وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾ [(٦٢) سورة الرحمن] وقد قال جل ثناؤه: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا﴾ [(٤٥) سورة المؤمنون] قال القشيري: وقوله في موضع آخر: ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾ [(٢٤) سورة طه] لا ينافي هذا؛ لأنهما إذا كانا مأمورين فكل واحد مأمور، ويجوز أن يقال: أمر موسى أولاً ثم لما قال: ﴿وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي﴾ [(٢٩) سورة طه] قال: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ﴾ [(٤٣) سورة طه]، ﴿إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ [(٣٦) سورة الفرقان] يريد فرعون وهامان والقبط، ﴿فَدَمَّرْنَاهُمْ﴾ في الكلام إضمار: أي فكذبوهما ﴿فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا﴾ [(٣٦) سورة الفرقان] أي أهلكناهم إهلاكاً.
نعم؛ لأن التدمير هذا إنما وقع بعد التكذيب، لا بمجرد وصولهما إليه، لما كذبهما دُمّر.
стр. 412
قوله تعالى: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ﴾ [(٣٧) سورة الفرقان] في نصب ﴿قَوْمَ﴾ أربعة أقوال: العطف على الهاء والميم في ﴿فَدَمَّرْنَاهُمْ﴾، الثاني: بمعنى اذكر.
يعني واذكر قوم نوح، وكثيراً ما يضمر أهل العلم في التفسير هذه الكلمة، اذكر يا محمد، إذا وجد صدر الآية منصوباً قدروا: اذكر يا محمد قوم نوح .. الخ.
الثالث: بإضمار فعلٍ يفسره ما بعده، والتقدير: وأغرقنا قوم نوح أغرقناهم، والرابع: أنه منصوب بـ ﴿أَغْرَقْنَاهُمْ﴾ [(٣٧) سورة الفرقان] قاله الفراء، وردَّه النحاس قال: لأن (أغرقنا) ليس مما يتعدى إلى مفعولين فيعمل في المضمر، وفي ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ﴾
المضمر المتصل به ﴿أَغْرَقْنَاهُمْ﴾ ويعمل أيضاً في المتقدم عليه ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ﴾ ولا يعمل إلا بفعلٍ واحد.
﴿لَّمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ﴾ [(٣٧) سورة الفرقان] ذكر الجنس والمراد: نوح وحده؛ لأنه لم يكن في ذلك الوقت رسول إليهم إلا نوح وحده.
ومن كذب رسولاً واحداً فقد كذّب بقية الرسل؛ لأن دعواهم واحدة.
فنوح إنما بعث بلا إله إلا الله، وبالإيمان بما ينزل الله، فلما كذبوه كان في ذلك تكذيب لكل من بعث بعده بهذه الكلمة، وقيل: إن من كذب رسولاً فقد كذب جميع الرسل؛ لأنهم لا يفرق بينهم في الإيمان، ولأنه ما من نبي إلا يصدق سائر أنبياء الله، فمن كذب منهم نبياً فقد كذب كل من صدقه من النبيين، ﴿أَغْرَقْنَاهُمْ﴾ أي بالطوفان على ما تقدم في (هود)، ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً﴾ [(٣٧) سورة الفرقان] أي علامةً ظاهرة على قدرتنا، ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ﴾ أي للمشركين من قوم نوح، ﴿عَذَابًا أَلِيمًا﴾ أي في الآخرة، وقيل: أي هذه سبيلي في كل ظالم.
ولا يختص بقوم نوح، وفي حكمهم كل من اتصف بهذا الوصف.
стр. 413
قوله تعالى: ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾ [(٣٨) سورة الفرقان] كله معطوف على ﴿قَوْمَ نُوحٍ﴾ [(٣٧) سورة الفرقان] إذا كان ﴿قَوْمَ نُوحٍ﴾ منصوباً على العطف، أو بمعنى اذكر، ويجوز أن يكون كله منصوباً على أنه معطوف على المضمر في ﴿دَمَّرْنَاهُمْ﴾ أو على المضمر في ﴿جَعَلْنَاهُمْ﴾ [(٣٧) سورة الفرقان] وهو اختيار النحاس؛ لأنه أقرب إليه، ويجوز أن يكون منصوباً بإضمار فعل: أي اذكر عاداً الذين كذبوا هوداً فأهلكم الله بالريح العقيم، وثموداً كذبوا صالحاً فأهلكوا بالرجفة.
﴿وَأَصْحَابَ الرَّسِّ﴾ [(٣٨) سورة الفرقان] والرس في كلام العرب: البئر التي تكون غير مطوية، والجمع: رساس قال: تنابلة يحفرون الرساسا: يعني آبار المعادن، قال ابن عباس: سألت كعباً عن أصحاب الرس قال: صاحب (يس) الذي قال: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾ [(٢٠) سورة يس] قتله قومه ورسُّوه في بئر لهم يقال لها الرس طرحوه فيها، وكذا قال مقاتل، قال السدي: هم أصحاب قصة (يس) أهل أنطاكية، والرس بئر بأنطاكية قتلوا فيها حبيباً النجار مؤمن آل (يس) فنسبوا إليها، وقال علي ﵁: هم قوم كانوا يعبدون شجرة صنوبر فدعا عليهم نبيهم، وكان من ولد يهوذا فيبست الشجرة فقتلوه ورسُّوه في بئر، فأظلتهم سحابة سوداء فأحرقتهم، وقال ابن عباس: هم قوم بأذربيجان قتلوا أنبياء فجفت أشجارهم وزروعهم فماتوا جوعاً وعطشاً، وقال وهب بن منبه: كانوا أهل بئر يقعدون عليها وأصحاب مواشي، وكانوا يعبدون الأصنام فأرسل الله إليهم شعيباً فكذبوه وآذوه وتمادوا على كفرهم وطغيانهم، فبينما هم حول البئر في منازلهم، انهارت بهم وبديارهم، فخسف الله بهم فهلكوا جميعاً، وقال قتادة: أصحاب الرس وأصحاب الأيكة أمتان أرسل الله إليهما شعيباً فكذبوه فعذبهما الله بعذابين، قال قتادة: والرس قرية بفلج اليمامة.
стр. 414
وقال عكرمة: هم قوم رسُّوا نبيهم في بئر حياً، دليله ما روى محمد بن كعب القرظي عمن حدثه أن النبي ﷺ قال: ((أول الناس يدخل الجنة يوم القيامة عبد أسود وذلك أن الله تعالى بعث نبياً إلى قومه فلم يؤمن به إلا ذلك الأسود، فحفر أهل القرية بئراً وألقوا فيها نبيهم حياً، وأطبقوا عليه حجراً ضخماً، وكان العبد الأسود يحتطب على ظهره ويبيعه، ويأتيه بطعامه وشرابه فيعينه الله على رفع تلك الصخرة حتى يدليه إليه، فبينما هو يحتطب إذ نام فضرب الله على أذنه سبع سنين نائماً، ثم هبّّ من نومه فتمطى واتكأ على شقه الآخر، فضرب الله على أذنه سبع سنين، ثم هبَّ فاحتمل حزمة الحطب فباعها وأتى بطعامه وشرابه إلى البئر فلم يجده، وكان قومه قد أراهم الله تعالى آيةً فاستخرجوه وآمنوا به وصدقوه، ومات ذلك النبي)) قال النبي ﷺ : ((إن ذلك العبد الأسود لأول من يدخل الجنة)) وذكر هذا الخبر المهدي والثعلبي واللفظ للثعلبي.
طالب: قال: باطل أخذه الطبري عن ابن إسحاق عن محمد بن كعب القرظي وهو حديثٍ واهٍ. . . . . . . . . لأن فيه غرابة ونكارة، انتهى كلامه، وهو باطل؛ لأن نبينا ﵇ هو أول من يدخل الجنة.
على كل حال هذا من أخبار بني إسرائيل التي جاء شرعنا بخلافها، هذه من أخبار بني إسرائيل التي لا تصدق؛ لأن شرعنا جاء بخلافها.
وقال: هؤلاء آمنوا بنبيهم فلا يجوز أن يكونوا أصحاب الرس؛ لأن الله تعالى أخبر عن أصحاب الرس أنه دمرهم، إلا أن يدمروا بأحداث أحدثوها بعد نبيهم، وقال الكلبي: أصحاب الرس قوم أرسل الله إليهم نبياً فأكلوه، وهم أول من عمل نساؤهم السحق، ذكره الماوردي وقيل: هم أصحاب الأخدود الذين حفروا الأخاديد وحرقوا فيها المؤمنين وسيأتي، وقيل: هم بقايا من قوم ثمود، وأن الرس البئر المذكورة في (الحج) في قوله: ﴿وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ﴾ [(٤٥) سورة الحج] على ما تقدم.
стр. 415
وفي الصحاح: والرس اسم بئر كانت لبقية من ثمود، وقال جعفر بن محمد عن أبيه: أصحاب الرس قوم كانوا يستحسنون لنسائهم السحق، وكان نساؤهم كلهم سحاقات، وروي من حديث أنس أن رسول الله ﷺ قال: ((إن من أشراط الساعة أن يكتفي الرجال بالرجال، والنساء بالنساء، وذلك السحق)) وقيل: الرس ماء ونخل لبني أسد، وقيل: الثلج المتراكم في الجبال ذكره القشري، وما ذكرناه أولاً هو المعروف، وهو كل حفر احتفر كالقبر والمعدن والبئر، قال أبو عبيدة: الرس كل ركية لم تطوَ وجمعها رساس، قال الشاعر:
وهم سائرون إلى أرضهم ... فيا ليتهم يحفرون الرساسا
والرس: اسم وادٍ في قول زهير:
بكرن بكوراً واستحرن بسحرة ... فهن لوادي الرس كاليد للفمِ
ورست رساً: حفرت بئراً، ورسَّ الميت: أي قبر، والرس: الإصلاح بين الناس والإفساد أيضاً، وقد رسست بينهم فهو من الأضداد، وقد قيل في أصحاب الرس غير ما ذكرنا، ذكره الثعلبي وغيره.
﴿وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾ [(٣٨) سورة الفرقان] أي أمماً لا يعلمهم إلا الله بين قوم نوح وعاد وثمود وأصحاب الرس، وعن الربيع بن خثيم اشتكى فقيل له: ألا تتداوى فإن رسول الله ﷺ قد أمر به؟ قال: لقد هممت بذلك ثم فكرت فيما بيني وبين نفسي فإذا عاد وثمود وأصحاب الرس وقروناً بين ذلك كثيراً كانوا أكثر وأشد حرصاً على جمع المال فكان فيهم أطباء، فلا الناعت منهم بقي ولا المنعوت، فأبى أن يتداوى فما مكث إلا خمسة أيام حتى مات ﵀.
قوله تعالى: ﴿وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ﴾ [(٣٩) سورة الفرقان] قال الزجاج: أي وأنذرنا كلاً ضربنا له الأمثال وبينَّا لهم الحجة، ولم نضرب لهم الأمثال الباطلة كما يفعله هؤلاء الكفرة، وقيل: انتصب على تقدير ذكرنا كلاً ونحوه؛ لأن ضرب الأمثال تذكير ووعظ، ذكره المهدوي والمعنى واحد، ﴿وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا﴾ أي أهلكنا بالعذاب، وتبَّرت الشيء: كسرته، وقال المؤرج والأحفش: ﴿فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا﴾ [(٣٦) سورة الفرقان] تبدل التاء والباء من الدال والميم.
قال المؤرج والأحفش: ﴿فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا﴾ تبدل التاء والباء من الدال والميم، دمرنا، تبّرنا.
стр. 416
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ﴾ [(٤٠) سورة الفرقان] يعني مشركي مكة، والقرية قرية قوم لوط، و ﴿مَطَرَ السَّوْءِ﴾ [(٤٠) سورة الفرقان] الحجارة التي أمطروا بها، ﴿أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا﴾ [(٤٠) سورة الفرقان] أي في أسفارهم ليعتبروا، قال ابن عباس: كانت قريش في تجارتها إلى الشام تمرُّ بمدائن قوم لوط، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِم مُّصْبِحِينَ﴾ [(١٣٧) سورة الصافات] وقال: ﴿وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُّبِينٍ﴾ [(٧٩) سورة الحجر] وقد تقدم، ﴿بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا﴾ أي لا يصدقون بالبعث، ويجوز أن يكون معنى ﴿يَرْجُونَ﴾ يخافون، ويجوز أن يكون على بابه ويكون معناه: بل كانوا يرجون ثواب الآخرة.
لكن المعنى الأول كأنه أقرب، ﴿لَا يَرْجُونَ﴾ لا يتوقعون ولا يصدقون بالنشور الذي هو البعث، كأنه أقرب من الخوف والرجاء المعروفين.
طالب: ذكر. . . . . . . . .
وهم في رحلتهم إلى الشام؟
طالب: ما لهم آثار؟
الآن؟ لكن في وقته ﵊ عن الصحابة، وقت نزول القرآن، وهم لا يبعد أن يكون لهم آثار.
طالب:. . . . . . . . .
ما أدري عنهم، لكن لا يبعد أن يكون لهم آثار من كلام ابن عباس.
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا﴾ [(٤١) سورة الفرقان] جواب ﴿إِذَا﴾ ﴿إِن يَتَّخِذُونَكَ﴾ لأن معناه يتخذونك وقيل: الجواب محذوف، وهو قالوا أو يقولون: ﴿أَهَذَا الَّذِي﴾ [(٤١) سورة الفرقان] وقوله: ﴿إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا﴾ كلام معترض، ونزلت في أبي جهل كان يقول للنبي ﷺ مستهزئاً: ﴿أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ [(٤١) سورة الفرقان] والعائد محذوف أي بعثه الله ﴿رَسُولًا﴾ نصب على الحال، والتقدير: أهذا الذي بعثه الله مرسلاً، ﴿أَهَذَا﴾ رفع بالابتداء، و ﴿الَّذِي﴾ خبره، ﴿رَسُولًا﴾ نصب على الحال و ﴿بَعَثَ﴾ في صلة ﴿الَّذِي﴾، واسم الله رفع بـ ﴿بَعَثَ﴾ ويجوز أن يكون مصدراً؛ لأن معنى بعث أرسل، ويكون معنى ﴿رَسُولًا﴾ رسالة على هذا، والألف للاستفهام على معنى التقرير والاحتقار.
стр. 417
لأن معنى ﴿بَعَثَ﴾ أرسل، ويكون معنى رسولاً: رسالةً، هل الذي يبعث ويرسل هو الرسول أو الرسالة؟ الذي يرسل الرسول ويحمل معه الرسالة.
﴿إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا﴾ [(٤٢) سورة الفرقان] أي قالوا: قد كاد أن يصرفنا، ﴿عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَن صَبَرْنَا عَلَيْهَا﴾ [(٤٢) سورة الفرقان] أي حبسنا أنفسنا على عبادتها، قال الله تعالى: ﴿وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ يريد من أضل ديناً، أهم أم محمد؟ وقد رأوه في يوم بدر.
قوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [(٤٣) سورة الفرقان] عجَّب نبيه ﷺ من إضمارهم على الشرك، وإصرارهم عليه مع إقرارهم بأنه خالقهم ورازقهم، ثم يعمد إلى حجرٍ يعبده من غير حجة، قال الكلبي وغيره: كانت العرب إذا هوي الرجل منهم شيئاً عبده من دون الله، فإذا رأى أحسن منه ترك الأول وعبد الأحسن، فعلى هذا يعني: أرأيت من اتخذ إلهه بهواه، فحذف الجار، وقال ابن عباس: الهوى إله يعبد من دون الله، ثم تلا هذه الآية.
يعني اتخذه إلهاً يعبده من دون الله، والهوى قد يتمثل بمحسوس إذا دفع الهوى عبادة هذا المحسوس، وقد يبقى معنوياً ويعبد من دون الله -جل وعلا- إذا قدم الهوى على ما يأمر الله به -جل وعلا- وعلى مخالفة ما ينهى عنه ، هذه هي العبادة، كما قال النبي ﵊ في حديث عدي بن حاتم: ﴿اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ﴾ [(٣١) سورة التوبة] قال: لسنا نعبدهم، قال: ((أليس يحرمون الحلال فتحرمونه، ويحلون الحرام فتحلونه؟ )) قال: بلى، قال: ((فتلك عبادتهم)) يعني تقديمهم على أمر الله -جل وعلا- لا شك أن هذا هو معنى العبادة.
قال الشاعر:
لعمر أبيها لو تبدت للناسك ... قد اعتزل الدنيا بإحدى المناسك
لصلى لها قبل الصلاة لربه ... ولأرتد في الدنيا بأعمال فاتك
стр. 418
وقيل: ﴿اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [(٤٣) سورة الفرقان] أي أطاع هواه، وعن الحسن لا يهوى شيئاً إلا اتبعه، والمعنى واحد، ﴿أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾ أي حفيظاً وكفيلاً حتى ترده إلى الإيمان وتخرجه من هذا الفساد، أي ليست الهداية والضلالة موكولتين إلى مشيئتك، وإنما عليك التبليغ، وهذا رد على القدرية، ثم قيل: إنها منسوخة بآية القتال، وقيل: لم تنسخ؛ لأن الآية تسلية للنبي ﷺ .
стр. 419
أما الرد فيها على القدرية في قوله: ﴿أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾ أي حفيظاً وكفيلاً حتى ترده إلى الإيمان وتخرجه من هذا الفساد، أي ليست الهداية والضلالة موكولتين إلى مشيئتك، بل مردهما إلى مشيئة الله -جل وعلا-، فإذا كان الأمر بيده أولاً وآخراً فلا كلام لأحد لا قدرية ولا غيرهم، بل الأمر إليه -جل وعلا-، ثم هل قوله: ﴿أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾ يعني هذا الذي أراد الله إضلاله هل أنت تستطيع أن تلزمه بهذا ولو بقتاله وقتله؟ ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾ [(٤٣) سورة الفرقان] أم أن هذه محكمة؟ ما دام الأمر كذلك والله -جل وعلا- قضى عليه بذلك فليترك، وتكون هذه مناسبة لبعض الناس دون بعض، منهم من يلزم ومنهم من يترك، من أهل العلم من يقول: بأنها منسوخة بآية السيف –بآية القتال- مثل هذا: إذا اتخذ إلهه هواه إما أن يدعى إلى الإسلام وإلا قتل؛ لأنه لا دين مع الإسلام، ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [(٨٥) سورة آل عمران] ومنهم من يقول: إن آيات الموادعة والمصالحة والمهادنة حكمها باقٍ لكن تنزّل على بعض الأحوال دون بعض، فإذا كان في المسلمين قوة أعملت فيهم آيات القتال، وإذا كان فيهم ضعف أعملت فيهم آيات المهادنة، وهما طريقان لأهل العلم –منهم من يقول: إن ما كان في العهد المكي من الموادعة والمهادنة ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [(٩٤) سورة الحجر] كل هذا منسوخ بما جاء بعده في العهد المدني من الأمر بالقتال ومنهم من يحمله على حال الضعف، وأن المسألة مسألة أحوال تختلف، فإذا كان في المسلمين ضعف فيتنزل عليهم حال العهد المكي، وإذا كانوا بهم قوة تتنزل عليهم أحوال العهد المدني.
قوله تعالى: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ﴾ [(٤٤) سورة الفرقان] ولم يقل (أنهم)؛ لأن منهم من قد علم أنه يؤمن، وذمهم -جل وعز- بهذا، ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ﴾ سماع قبول أو يفكرون فيما تقول فيعقلونه: أي هم بمنزلة من لا يعقل ولا يسمع.
стр. 420
لأن السمع الذي لا ينفع وجوده مثل عدمه، والعقل الذي لا يهدي صاحبه وجوده مثل عدمه فيصح نفيه عنه.
وقيل المعنى: أنهم لما لم ينتفعوا بما يسمعون، فكأنهم لم يسمعوا، والمراد أهل مكة، وقيل: (أم) بمعنى: بل في مثل هذا الموضوع، ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ﴾ [(٤٤) سورة الفرقان] أي في الأكل والشرب لا يفكرون في الآخرة، ﴿بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ إذ لا حساب ولا عقاب على الأنعام، وقال مقاتل: البهائم تعرف ربها وتهتدي إلى مراعيها، وتنقاد لأربابها التي تعقلها، وهؤلاء لا ينقادون ولا يعرفون ربهم الذي خلقهم ورزقهم، وقيل: لأن البهائم إن لم تعقل صحة التوحيد والنبوة لم تعتقد بطلان ذلك أيضاً.
﴿بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [(٤٤) سورة الفرقان] لأن مثل ما ذكر في آخر الأمر أن البهائم إذا لم تعقل صحة التوحيد وتتعبد به أقل الأحوال أن جهلها بسيط، يعني لا تعلم، وأما جهل هؤلاء مركب، لا يعلمون ولا يعقلون التوحيد ولا يرون صحته ويعملون بضده وهو الشرك –نسأل الله السلامة والعافية-.
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ [(٤٥) سورة الفرقان] يجوز أن تكون هذه الرؤية من رؤية العين، ويجوز أن تكون من العلم، وقال الحسن وقتادة وغيرهما: مدّ الظل من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، وقيل: هو من غيبوبة الشمس إلى طلوعها، والأول أصح، والدليل على ذلك أنه ليس من ساعة أطيب من تلك الساعة، فإن فيها يجد المريض راحة، والمسافر وكل ذي علة، وفيها ترد نفوس الأموات والأرواح منهم إلى الأجساد، وتطيب نفوس الأحياء فيها، وهذه الصفة مفقودة بعد المغرب، وقال أبو العلية: نهار الجنة هكذا، وأشار إلى ساعة المصلين صلاة الفجر، قال أبو عبيدة: الظل بالغداة والفيء بالعشي؛ لأنه يرجع بعد زوال الشمس، سمي فيئاً؛ لأنه فاء من المشرق إلى جانب المغرب.
قال الشاعر وهو حميد بن ثور يصف سرحة وكنى بها عن امرأة:
فلا الظل من برد الضحى تستطيعه ... ولا الفيء من برد العشي تذوق
وعلى هذا يكون المراد بالظل من بعد طلوع الشمس إلى الزوال، والفيء يكون من الزوال إلى غروب الشمس؛ لأنه فاء إلى الجهة الأخرى يعني رجع إليها.
стр. 421
وقال ابن السكيت: الظل ما نسخته الشمس، والفيء ما نسخ الشمس، وحكى أبو عبيدة عن رؤبة قال: كل ما كانت عليه الشمس فزالت عنه فهو فيء وظل، وما لم تكن عليه الشمس فهو ظل، ﴿وَلَوْ شَاء لَجَعَلَهُ سَاكِنًا﴾ [(٤٥) سورة الفرقان] أي دائماً مستقراً لا تنسخه الشمس، قال ابن عباس: يريد إلى يوم القيامة، وقيل: المعنى لو شاء لمنع الشمس الطلوع.
ليستمر الظل.
﴿ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾ [(٤٥) سورة الفرقان] أي جعلنا الشمس بنسخها الظل عند مجيئها دالةً على أن الظل شيء ومعنى؛ لأن الأشياء تعرف بأضدادها، ولولا الشمس ما عرف الظل، ولا النور ما عرفت الظلمة، فالدليل فعيل بمعنى الفاعل، وقيل: بمعنى المفعول كالقتيل والدهين والخضيب، أي دللنا الشمس على الظل حتى ذهبت به، أي أتبعناها إياه، فالشمس دليل أي حجة وبرهان وهو الذي يكشف المشكل ويوضحه، ولم يؤنث الدليل وهو صفة الشمس؛ لأنه في معنى الاسم، كما يقال: الشمس برهان والشمس حق.
﴿ثُمَّ قَبَضْنَاهُ﴾ [(٤٦) سورة الفرقان] يريد ذلك الظل الممدود، ﴿إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا﴾ أي يسيراً قبضه علينا، وكل أمر ربنا عليه يسير، فالظل مكثه في هذا الجو بمقدار طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، فإذا طلعت الشمس صار الظل مقبوضاً.
يعني الظل الممتد إلى طلوع الشمس، لكن إذا طلعت الشمس أخذ ينقبض شيئاً فشيئاً إلى أن ينتهي بالزوال، ثم إذا زالت الشمس يبدأ الظل ويسمى الفيء بعد رجوعه إلى جهة المشرق يزداد شيئاً فشيئاً إلى غروب الشمس.
стр. 422
وخَلَفه في هذا الجو شعاع الشمس فأشرق على الأرض وعلى الأشياء إلى وقت غروبها، فإذا غربت فليس هناك ظل إنما ذلك بقية نور النهار، وقال قوم: قبضه بغروب الشمس؛ لأنها ما لم تغرب فالظل فيه بقية، وإنما بتم زواله بمجيء الليل ودخول الظلمة عليه، وقيل: إن هذا القبض وقع بالشمس؛ لأنها إذا طلعت أخذ الظل في الذهاب شيئاً فشيئاً، قاله أبو مالك وإبراهيم التيمي، وقيل: ﴿ثُمَّ قَبَضْنَاهُ﴾ [(٤٦) سورة الفرقان] أي قبضنا ضياء الشمس بالفيء، ﴿قَبْضًا يَسِيرًا﴾ [(٤٦) سورة الفرقان] وقيل: ﴿يَسِيرًا﴾ أي سريعاً قاله الضحاك، وقال قتادة: خفياً: أي إذا غاب الشمس قبض الظل قبضاً خفياً كلما قبض جزء منه جُعل مكانه جزء من الظلمة، وليس يزول دفعةً واحدة، فهذا معنى قول قتادة، وهو قول مجاهد.
﴿قَبْضًا يَسِيرًا﴾ يعني تدريجاً شيئاً فشيئاً، بحسب من يتابعه ويراه يجد أن قبضه بطيء جداً؛ لأن الشمس وإن كانت سرعتها هائلة إلا أنها تبدو للناظر لبعدها بطيئة المشي، وتبعاً لذلك يكون الظل، ظل ماله ظل إذا زالت عليه الشمس، ولا شك أن الظل يتفاوت طولاً وقصراً من فصلٍ إلى فصل من فصول السنة، وذلك تابع أيضاً لطول ما يستظل به، فطول الحائط القصير ظله بقدره، والحائط الطويل ظله بقدره، إضافةً إلى الوقت الذي يتدرج به هذا القبض، فوقت صلاة الظهر إلى مصير ظل الشيء مثله، ثم بعد ذلك يزيد إلى أن يصير ظل الشيء مثليه، إلى أن تغيب الشمس، وينقطع الظل، هذا كله بالتدريج، يعني ليست دفعةً واحدة، مو مثل الكهرباء، بضغطة زر يشتعل، وبضغطة أخرى ينطفئ، وهذه آية من آيات الله -جل وعلا-.
قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا﴾ [(٤٧) سورة الفرقان]
فيه أربع مسائل:
الأولى: قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا﴾ [(٤٧) سورة الفرقان] يعني ستراً للخلق يقوم مقام اللباس في ستر البدن، قال الطبري: وصف الليل باللباس تشبيهاً من حيث يستر الأشياء ويغشاها.
الثانية: قال ابن العربي: ظن بعض الغفلة أن من صلى عرياناً في الظلام أنه يجزئه؛ لأن الليل لباس.
стр. 423
فيكفي عن السترة، إذا كان الليل لباس يكفي عن السترة، والمقصود أن لا يرى وهو في الظلام لا يرى، لكن هذا تغفيل لا شك.
وهذا يوجب أن يصلى في بيته عرياناً إذا أغلق عليه بابه، والستر في الصلاة عبادة تختص بها ليست لأجل نظر الناس.
لأنها شرط، ستر العورة شرط لصحة الصلاة.
ولا حاجة إلى الإطناب في هذا.
الثالثة: قوله تعالى: ﴿وَالنَّوْمَ سُبَاتًا﴾ [(٤٧) سورة الفرقان] أي راحةً لأبدانكم بانقطاعكم عن الأشغال، وأصل السبات من التمدد، يقال: سبتت المرأة شعرها: أي نقضته وأرسلته، ورجل مسبوت: أي ممدود الخلقة، وقيل: للنوم سبات لأنه بالتمدد يكون، وفي التمدد معنى الراحة، وقيل: السبت القطع فالنوم انقطاع عن الاشتغال، ومنه سبت اليهود لانقطاعهم عن الأعمال فيه، وقيل: السبت الإقامة في المكان فكأن السبات سكون ما وثبوت عليه، فالنوم سبات على معنى أنه سكون عن الاضطراب والحركة، وقال الخليل: السبات نوم ثقيل: أي جعلنا نومكم ثقيلاً ليكمل الإجمام والراحة.
يقابله السِّنة والنعاس وهو النوم الخفيف، أما السبات فهو النوم الثقيل.
الرابعة: قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا﴾ [(٤٧) سورة الفرقان] من الانتشار للمعاش: أي النهار سبب الإحياء للانتشار، شبَّه اليقظة فيه بتطابق الإحياء مع الإماتة، وكان ﵇ إذا أصبح قال: ((الحمد لله الذي أحيانا من بعد ما أماتنا وإليه النشور))
ولا شك أن النوم موت، ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ [﴿(٤٢) سورة الزمر] فهو لا شك أنه موت، وهو يشبه الموتة الكبرى إلا أنه بعده عود للروح بخلاف الموت الحقيقي الذي لا عود للروح فيها، هذه الآية التي يذكرها المؤلف فيها طول، يمكن حدود خمسة عشر صفحة أو أكثر، أكثر حدود ثمانية عشر صفحة أو سبعة عشر صفحة.
الجمعة ليس فيها درس؛ لأن عندنا سفر، إن رأيتم أن تؤخذ بدرسٍ واحد متتابعة فالأمر إليكم؛ لأن مباحثها مترابطة.
طالب: الذي تراه يا شيخ؟ الاثنين القادم؟
الاثنين القادم -إن شاء الله- لأن مباحث الآية مترابطة، وثمانية عشر صفحة ما يصلح تفريقها، نأخذها -إن شاء الله- في الاثنين القادم.
طالب:. . . . . . . . .
الجمعة أنا مسافر عندي دروس في المنطقة الشرقية -إن شاء الله-.
اللهم صل وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 424
تفسير القرطبي
سورة الفرقان
تفسير قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ [(٤٨)]
الشيخ/ عبد الكريم الخضير
هذا يسأل يقول: ما هي الطريقة الجيدة التي تجعل قارئ التفاسير المطولة يفهم المراد ويبقى مستحضراً في ذهنه لأقصى مدة؟
الطريقة الجيدة أن يكون بيده قلم، يضع علامات على ما يريده مما يذكره المفسر حول هذه الآية، ثم ينقل هذا الذي وضع عليه العلامة إلى مذكرته، ويراجعه متى ما أراد؛ لأن في كتب التفاسير المطولة أشياء مكررة، وأشياء قد لا يحتاجها طالب العلم، لكنه مع ذلك يوجد في ثنايا كلامه الكثير المطول كلام جيد، يحتاج إلى ترديد، مثل هذا يوضع عليه علامات فيردد إما في الكتاب نفسه أو بعد نقله إلى مذكرة.
هذا يقول: هل كل كبيرة داخل تحت مسمى الكفر دون كفر؟ وهل كل كبيرة مثل شرب الخمر والزنا تعتبر كفراً دون كفر؟
لا يسمى من المعاصي كفر إلا ما جاء النص بتسميته كفراً، فإن كان ما أطلق عليه الكفر مما يخرج من الملة فهو الكفر الأكبر، وإلا فهو الأصغر الذي يقول عنه أهل العلم كفر دون كفر، أما ما لم يطلق عليه في النصوص الشرعية كفر فلا يدخل تحت مسمى الكفر لا الأكبر ولا الأصغر، وإنما يسمى معصية، إما كبيرة أو صغيرة.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
قال الإمام القرطبي ﵀:
قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ نُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ [(٤٨) سورة الفرقان].
تقدم في الأعراف مستوفى.
معروف أن (نشراً) هذه القراءة التي عليها المؤلف -رحمه الله تعالى- وهي قراءة نافع كما هو معلوم، والمؤلف يقرأ بقراءة نافع، ويفسر قراءة نافع، والذين طبعوا الكتاب أدخلوا الآيات على قراءة عاصم، وهذا تصرف لا يليق، إذا تصرفوا وأدخلوا المتن سواء كان القرآن كما هنا أو غيره من المتون أنه ينبغي أن يدخل متن يتفق مع شرح المؤلف، الآن الآية التي معنا: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ هذا أدخلوها من مصحف فاروق كما هو معلوم، ومرّ بنا مراراً التنبيه على مثل هذا، والمؤلف يقرأ على رواية نافع (نشراُ).
стр. 425
قوله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء طَهُورًا﴾ [(٤٨) سورة الفرقان].
فيه خمس عشرة مسألة:
الأولى: قوله تعالى: ﴿مَاء طَهُورًا﴾ يتطهر به، كما يقال: وضوء للماء الذي يتوضأ به، وكل طهور طاهر وليس كل طاهر طهوراً.
نعم، هذا على مذهب من يجعل المياه ثلاثة أنواع، طهور وطاهر ونجس، أما من يجعل أو يقسم الماء إلى قسمين، طاهر ونجس، فيجعل الطهور من الطاهر.
فالظهور بفتح الطاء الاسم، وكذلك الوضوء والوقود، وبالضم المصدر وهذا هو المعروف في اللغة، قاله ابن الأنباري فبين أن الماء المنزل من السماء طاهر في نفسه مطهر لغيره، فإن الطهور بناء مبالغة في طاهر وهذه المبالغة اقتضت أن يكون طاهراً مطهراً، وإلى هذا ذهب الجمهور، وقيل أن ﴿طَهُورًا﴾ بمعنى طاهر، وهو قول أبي حنيفة، وتعلق بقوله تعالى: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [(٢١) سورة الإنسان] يعني طاهراً، وبقول الشاعر:
خليلي هل في نظرة بعد توبة ... أداوي بها قلبي علي فجورُ
إلى رجّح الأكفال غيد من الظبا ... عذاب الثنايا ريقهن طهورُ
فوصف الريق بأنه طهور وليس بمطهر، وتقول العرب: رجل نؤوم وليس ذلك بمعنى أنه منيم لغيره، وإنما يرجع ذلك إلى فعل نفسه، ولقد أجاب علماؤنا عن هذا فقالوا: وصف شراب الجنة بأنه طهور يفيد التطهير عن أوضار الذنوب، وعن خسائس الصفات كالغل والحسد فإذا شربوا هذا الشراب يطهرهم الله من رحض الذنوب، وأوضار الاعتقادات الذميمة، فجاءوا الله بقلب سليم، ودخلوا الجنة بصفات التسليم، وقيل لهم حينئذ ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [(٧٣) سورة الزمر] ولما كان حكمه في الدنيا بزوال حكم الحدث بجريان الماء على الأعضاء كانت تلك حكمته في الآخرة.
следующие страницы →