Полный текст (585 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
﴿لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ﴾ أي أبصار العيون ثابتة لهم، ﴿وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [(٤٦) سورة الحج] أي عن درك الحق والاعتبار، وقال قتادة: البصر الناظر جُعل بلغة ومنفعة والبصر النافع في القلب، وقال مجاهد: لكن عين أربع أعين، يعني لكل إنسان أربع أعين: عينان في رأسه لدنياه، وعينان في قلبه لآخرته فإن عميت عينا رأسه وأبصرت عينا قلبه فلم يضره عماه شيئاً، وإن أبصرت عينا رأسه وعميت عينا قلبه فلم ينفعه نظره شيئاً، وقال قتادة وابن جبير: نزلت هذه الآية في ابن أم مكتوم الأعمى ...
هذا كلام مجاهد، وأما في القلب عينين تبصران أمور الآخرة يكون العمى المذكور في الآية حقيقي لهاتين العينين، يكون العمى حقيقي ﴿تَعْمَى الْقُلُوبُ﴾ بمعنى أنه تذهب العينان المدركتان لما ينفعه في آخرته، وإذا قلنا: إن عمى القلب ليس المراد به ما يراد بعمى البصر، فعمى كل شيء بحسبه، يعني لو أن رجلاً وهو يمشي يضرب برجليه الحجارة وهو يمشي باستمرار ولا ينتبه قيل: إن رجليه عمياوان، فعماه بحسبه، باعتبار أنه يقع فيما يقع فيه الأعمى ولو كان مبصراً، ويكون هذا استعمال حقيقي وإن كان الأصل والأكثر العمى في العيون، لكن عمى القلب من هذا النوع، ليس بعمى حسي مثل عمى العيون لكنه عمى يقال له حقيقة في مقابل المجاز، هو استعمال شرعي حقيقة شرعية لا يقال: أنه مجاز، إنما هو حقيقة شرعية، وعمى العين تتضافر فيه الحقائق الثلاث: اللغوية والشرعية والعرفية.
طالب:. . . . . . . . .
اجتهاد، باعتبار أنه يريد أن يوجه الآية ﴿وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ﴾ [(٤٦) سورة الحج] كيف تعمى وهي ما لها عيون؟
قال ابن عباس ومقاتل: لما نزل ﴿وَمَن كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى﴾ [(٧٢) سورة الإسراء] قال ابن أم مكتوم: يا رسول الله فأنا في الدنيا أعمى أفأكون في الآخرة أعمى؟ فنزلت: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [(٤٦) سورة الحج] أي من كان في هذه أعمى بقلبه عن الإسلام فهو في الآخرة في النار.
стр. 37
قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ﴾ [(٤٧) سورة الحج] نزلت في النضر بن الحارث وهو قوله: ﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [(٢٢) سورة الأحقاف] وقيل: نزلت في أبي جهل بن هشام وهو قوله: ﴿اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ﴾ [(٣٢) سورة الأنفال].
﴿وَلَن يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ [(٤٧) سورة الحج] أي في إنزال العذاب، قال الزجاج: استعجلوا العذاب فأعلمهم الله أنه لا يفوته شيء، وقد نزل بهم في الدنيا يوم بدر.
استعجلوا العذاب لأنهم كذبوا به.
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ﴾ [(٤٧) سورة الحج] قال ابن عباس ومجاهد: يعني من الأيام التي خلق الله فيها السموات والأرض، قال عكرمة: يعني من أيام الآخرة أعلمهم الله إذا استعجلوه بالعذاب في أيام قصيرة أنه يأتيهم به في أيام طويلة. قال الفراء: هذا وعيد لهم بامتداد عذابهم في الآخرة أي يوم من الأيام عذابهم في الآخرة ألف سنة، وقيل: المعنى وإن يوماً في الخوف والشدة في الآخرة كألف سنة من سني الدنيا فيها خوف وشدة، وكذلك يوم النعيم قياساً.
وإن كان يوم النعيم لا يدرك طوله كإدراك يوم البؤس والشدة، فيوم البؤس والشدة طويل وإن كان قصيراً، ويوم النعيم قصير وإن كان طويلاً.
أيام إقباله كاليوم في قصرٍ ... ويوم إدباره في الطول كالحُججِ
يعني مثل السنين.
وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي (مما يعدون) بالياء المثناة تحت، واختاره أبو عبيد لقوله: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ﴾ [(٤٧) سورة الحج] والباقون بالتاء على الخطاب واختاره أبو حاتم.
قوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا﴾ [(٤٨) سورة الحج] أي أمهلتها مع عتوها، ﴿ثُمَّ أَخَذْتُهَا﴾ أي بالعذاب، ﴿وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾.
قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ [(٤٩) سورة الحج] يعني أهل مكة، ﴿إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ﴾ أي منذر مخوف، وقد تقدم في البقرة الإنذار في أولها.
يعني عند قوله -جل وعلا-: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ﴾ [(٦) سورة البقرة].
стр. 38
﴿مُّبِينٌ﴾ [(٤٩) سورة الحج] أي أبين لكم ما تحتاجون إليه من أمر دينكم. ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [(٥٠) سورة الحج] يعني الجنة، ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا﴾ [(٥١) سورة الحج] أي في إبطال آياتنا، ﴿مُعَاجِزِينَ﴾ [(٥١) سورة الحج] أي مغالبين مشاقين قاله ابن عباس، قال الفراء: معاندين، وقال عبد الله بن الزبير: مثبطين عن الإسلام، وقال الأخفش: معاندين مسابقين، قال الزجاج: أي ظانين أنهم يعجزوننا؛ لأنهم ظنوا أن لا بعث، وظنوا أن الله لا يقدر عليهم، وقاله قتادة، وكذلك معنى قراءة ابن كثير وأبي عمرو (معجزين) بلا ألف مشدداً، ويجوز أن يكون معناه أنهم يعجزون المؤمنين في الإيمان بالنبي ﵇ وبالآيات قاله السدي.
يعني يثبطونهم، أو أنهم ينسبونهم إلى العجز.
وقيل: أي ينسبون من اتبع محمداً ﷺ إلى العجز، كقولهم: جهلته وفسقته، ﴿أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [(٥١) سورة الحج].
كما يكتب في الصحف في هذه الأيام عن الزهد والإعراض عن الدنيا أنه ضعف، وأنه خمول، وتعطيل للحياة، يكتب هذا في الصحف.
قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [(٥٢) سورة الحج]. فيه ثلاث مسائل:
الأولى: قوله تعالى: ﴿تَمَنَّى﴾ أي قرأ وتلا، و ﴿أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ [(٥٢) سورة الحج] أي قراءته وتلاوته وقد تقدم في البقرة، قال ابن عطية: وجاء عن ابن عباس أنه كان يقرأ: "وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي ولا محدث" ذكره مسلمة بن القاسم بن عبد الله، ورواه سفيان عن عمرو بن دينار عن ابن عباس قال مسلمة: فوجدنا المحدَّثين معتصمين بالنبوة على قراءة ابن عباس؛ لأنهم تكلموا بأمور عالية من أنباء الغيب خطرات، ونطقوا بالحكمة الباطنة فأصابوا فيما تكلموا، وعُصموا فيما نطقوا، كعمر بن الخطاب في قصة سارية، وما تكلم به من البراهين العالية.
стр. 39
يعني حينما قال: "يا سارية الجبل" وهم في غزو، وكشف لعمر -رضي الله تعالى عنه- أنهم: أشرفوا على الهزيمة فأمره -رضي الله تعالى عنه- أن يلجأ إلى الجبل ويقاتل من ورائه، وسمعه سارية وامتثل، وحصل لهم النصر، وهذا من الكرامات التي يعترف بها ويقر بها أهل السنة إذا صدرت من متبع.
قلت: وقد ذكر هذا الخبر أبو بكر الأنباري في كتاب الرد له، وقد حدثني أبي ﵀ حدثنا علي بن حرب، حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرو عن ابن عباس ﵄ أنه قرأ: "وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي ولا محدث" قال أبو بكر: فهذا حديث لا يؤخذ به على أن ذلك قرآن، والمحدث هو الذي يوحى إليه في نومه؛ لأن رؤيا الأنبياء وحي.
الثانية: قال العلماء: إن هذه الآية مشكلة من جهتين: إحداهما: أن قوماً يرون أن الأنبياء صلوات الله عليهم فيهم مرسلون وفيهم غير مرسلين، وغيرهم يذهب إلى أنه لا يجوز أن يقال نبي حتى يكون مرسلاً، والدليل على صحة هذا قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ [(٥٢) سورة الحج] فأوجب للنبي ﷺ الرسالة.
مقتضى قول الجمهور أن النبي من أوحي إليه بشرع ولم يؤمر بتبليغه هذا يكون غير مرسل، وأما الرسول من أوحي إليه بشرع وأمر بتبليغه، ومقتضى قولهم: أنه نبي لكن غير رسول، وكل رسول نبي ولا عكس.
وأن معنى (نبي) أنبأ عن الله ، ومعنى أنبأ عن الله الإرسال بعينه، وقال الفراء: الرسول الذي أرسل إلى الخلق بإرسال جبريل ﵇ إليه عياناً، والنبي الذي تكون نبوته إلهاماً أو مناماً، فكل رسول نبي وليس كل نبي رسولاً، قال المهدوي: وهذا هو الصحيح أن كل رسول نبي وليس كل نبي رسولاً، وكذا ذكر القاضي عياض في كتاب الشفا قال: والصحيح والذي عليه الجم الغفير أن كل رسول نبي وليس كل نبي رسولاً، واحتج بحديث أبي ذر وأن الرسل من الأنبياء ثلاثمائة وثلاثة عشر أولهم آدم وآخرهم محمد ﷺ ، والجهة الأخرى التي فيها الإشكال وهي:
стр. 40
الثالثة: الأحاديث المروية في نزول هذه الآية، وليس منها شيء يصح، وكان مما تموه به الكفار على عوامهم قولهم: حق الأنبياء أن لا يعجزوا عن شيء فلم يأتينا محمد بالعذاب وقد بالغنا في عداوته؟ وكانوا يقولون أيضاً: ينبغي ألا يجري عليهم سهو وغلط، فبين الرب -سبحانه- أنهم بشر والآتي بالعذاب هو الله تعالى على ما يريد، ويجوز على البشر السهو والنسيان والغلط إلى أن يحكم الله آياته وينسخ حيل الشيطان، روى الليث عن يونس عن الزهري عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام قال: قرأ رسول الله ﷺ ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ [(١) سورة النجم] فلما بلغ ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى* وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [(١٩ - ٢٠) سورة النجم] سها فقال: إن شفاعتهم ترتجى، فلقيه المشركون والذين في قلوبهم مرض، فسلموا عليه وفرحوا فقال: "إن ذلك من الشيطان" فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ [(٥٢) سورة الحج] الآية، قال النحاس: وهذا حديث منقطع، وفيه هذا الأمر العظيم، وكذا حديث قتادة، وزاد فيه: "وإنهن لهن الغرانيق العلا" ...
قصة الغرانيق قصة مشهورة تذكر في تفسير هذه السورة، وتداولها المفسرون، وجزم جمعٌ من أهل التحقيق بأنها باطلة، وأنها لم ترد من وجهٍ يثبت، فالمعول عليه أن هذه القصة لا تصح، وابن حجر ذكر لها أسانيد وقال: إن هذه الأسانيد تدل على أن لها أصلاً، وأنه ثبت شيءٌ منها، وإن لم تكن بالصورة التي وردت المقصود أنه ثبت شيءٌ من ذلك لكثرة أسانيدها، والشيخ محمد بن عبد الوهاب ذكرها في مختصر السيرة، المقصود أن العلماء منهم من يثبتها لكثرة طرقها، ومنهم من يحكم ببطلانها، وهذا هو الأنسب، وهذا هو اللائق بعصمة النبي ﵊ لا سيما فيما يتعلق بالتبليغ؛ لأن هذا الكلام على هذه الرواية جرى على لسانه ﵊ بين آيتين من القرآن، منهم من يقول: إن الشيطان تكلم بهذا الكلام في أثنائه تحين سكوت النبي ﵊ بين الآيتين فتكلم بها، والقرآن محفوظ حفظه الله -جل وعلا- تكفل بحفظه بلا زيادةٍ ولا نقصان.
стр. 41
المقصود أن مثل هذه القصة لا تثبت، وانبرى لها أهل العلم وفندوها وصنفوا فيها، ممن صنف فيها الشيخ الألباني -رحمه الله تعالى- برسالة أسماها: "فصل المجانيق لنسف قصة الغرانيق".
وأقطع من هذا ما ذكره الواقدي عن كثير بن زيد عن المطلب بن عبد الله قال: سجد المشركون كلهم إلا الوليد بن المغيرة فإنه أخذ تراباً من الأرض فرفعه إلى جبهته وسجد عليه، وكان شيخاً كبيراً، ويقال: إنه أبو أحيحة سعيد بن العاص حتى نزل جبريل ﵇ فقرأ عليه النبي ﷺ فقال له: ما جئتك به، وأنزل الله ﴿لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلاً﴾ [(٧٤) سورة الإسراء] قال النحاس: وهذا حديث منكر منقطع ولا سيما من حديث الواقدي. وفي البخاري أن الذي أخذ قبضة من تراب ورفعها إلى جبهته هو أمية بن خلف، وسيأتي تمام كلام النحاس على الحديث -إن شاء الله- آخر الباب، قال ابن عطية: وهذا الحديث الذي فيه هي الغرانيق العلا وقع في كتب التفسير ونحوها، ولم يدخله البخاري ولا مسلم، ولا ذكره في علمي مصنف مشهور، بل يقتضي مذهب أهل الحديث أن الشيطان ألقى، ولا يعينون هذا السبب ولا غيره.
يعني لا أن النبي ﵊ هو الذي نطق بذلك.
ولا خلاف أن إلقاء الشيطان إنما هو لألفاظ مسموعة بها وقعت الفتنة، ثم اختلف الناس في صورة هذا الإلقاء، فالذي في التفاسير وهو مشهور القول أن النبي ﷺ تكلم بتلك الألفاظ على لسانه، وحدثني أبي ﵁ أنه لقي بالمشرق من شيوخ العلماء والمتكلمين من قال: هذا لا يجوز على النبي ﷺ وهو المعصوم في التبليغ، وإنما الأمر أن الشيطان نطق بلفظ أسمعه الكفار عند قول النبي ﷺ : ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى* وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [(١٩ - ٢٠) سورة النجم] وقرب صوته من صوت النبي ﷺ حتى التبس الأمر على المشركين وقالوا: محمد قرأها، وقد روي نحو هذا التأويل عن الإمام أبي المعالي وقيل: الذي ألقى شيطان الإنس كقوله : ﴿وَالْغَوْا فِيهِ﴾ [(٢٦) سورة فصلت] قال قتادة: هو ما تلاه ناعساً.
стр. 42
وقال القاضي عياض في كتاب الشفا بعد أن ذكر الدليل على صدق النبي ﷺ وأن الأمة أجمعت فيما طريقه البلاغ أنه معصوم فيه من الإخبار عن شيء بخلاف ما هو عليه لا قصداً ولا عمداً سهواً وغلطاً: اعلم -أكرمك الله- أن لنا في الكلام على مشكل هذا الحديث مأخوذين: أحدهما: في توهين أصله، والثاني: على تسليمه، أما المأخذ الأول: فيكفيك أن هذا حديث لم يخرجه أحد من أهل الصحة ولا رواه بسند صحيح سليم متصل ثقة، وإنما أولع به وبمثله المفسرون والمؤرخون المولعون بكل غريب المتلقفون من الصحف كل صحيح وسقيم، قال أبو بكر البزار: وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن النبي ﷺ بإسناد متصل يجوز ذكره إلا ما رواه شعبة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس فيما أحسب، والشك في الحديث أن النبي ﷺ كان بمكة وذكر القصة، ولم يسنده عن شعبة إلا أمية بن خالد وغيره يرسله عن سعيد بن جبير، وإنما يُعرف عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، فقد بين لك أبو بكر ﵀ أنه لا يعرف من طريق يجوز ذكره سوى هذا، وفيه من الضعف ما نبه عليه مع وقوع الشك فيه الذي ذكرناه الذي لا يوثق به ولا حقيقة معه، وأما حديث الكلبي فمما لا تجوز الرواية عنه ولا ذكره؛ لقوة ضعفه وكذبه كما أشار إليه البزاز ﵀، والذي منه في الصحيح: أن النبي ﷺ قرأ: ﴿وَالنَّجْمِ﴾ [(١) سورة النجم] بمكة فسجد وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس، هذا توهيته من طريق النقل.
стр. 43
وأما المأخذ الثاني: فهو مبني على تسليم الحديث لو صح، وقد أعاذنا الله من صحته ولكن على كل حال فقد أجاب أئمة المسلمين عنه بأجوبة منها الغث والسمين، والذي يظهر ويترجح في تأويله على تسليمه أن النبي ﷺ كان كما أمره ربه يرتل القرآن ترتيلاً، ويفصل الآية تفصيلاً في قراءته، فما رواه الثقات عنه فيمكن ترصد الشيطان لتلك السكتات، ودسه فيها ما اختلقه من تلك الكلمات، محاكياً نغمة النبي ﷺ بحيث يسمعه من دنا إليه من الكفار، فظنوها من قول النبي ﷺ وأشاعوها، ولم يقدح ذلك عند المسلمين؛ لحفظ السورة قبل ذلك على ما أنزلها الله، وتحققهم من حال النبي ﷺ في ذم الأوثان وعيبها ما عرف منه، فيكون ما روي من حزن النبي ﷺ لهذه الإشاعة والشبهة وسبب هذه الفتنة، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ [(٥٢) سورة الحج] الآية، قلت: وهذا التأويل أحسن ما قيل في هذا.
هذا على فرض تسليم صحته، وإلا على القول بضعفها وبطلانها لا يحتاج لمثل هذا الكلام.
وقد قال سليمان بن حرب: ..
يقول ابن الجوزي ﵀: إذا لم يثبت الحديث فلا تتكلف اعتباره، يعني لا تتكلف توجيهه ولا الإجابة عنه ما دام ضعيفاً.
стр. 44
وقد قال سليمان بن حرب: إن (في) بمعنى عند، أي ألقى الشيطان في قلوب الكفار عند تلاوة النبي ﷺ كقوله : ﴿وَلَبِثْتَ فِينَا﴾ [(١٨) سورة الشعراء] أي عندنا، وهذا هو معنى ما حكاه ابن عطية عن أبيه عن علماء الشرق، وإليه أشار القاضي أبو بكر بن العربي، وقال قبله: إن هذه الآية نصٌ في غرضنا دليل على صحة مذهبنا، أصلٌ في براءة النبي ﷺ مما ينسب إليه أنه قاله، وذلك أن الله تعالى قال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ [(٥٢) سورة الحج] أي في تلاوته، فأخبر الله تعالى أن من سنته في رسله وسيرته في أنبيائه إذا قالوا عن الله تعالى قولاً زاد الشيطان فيه من قبل نفسه، كما يفعل سائر المعاصي، تقول: ألقيت في الدار كذا وألقيت في الكيس كذا، فهذا نص في الشيطان أنه زاد في الذي قاله النبي ﷺ ، لا أن النبي ﷺ تكلم به، ذكر معنى كلام عياض إلى أن قال: وما هُدي لهذا إلا الطبري لجلالة قدره، وصفاء فكره، وسعة باعه في العلم، وشدة ساعده في النظر، وكأنه أشار إلى هذا الغرض وصوَّب على هذا المرمى، وقرطس بعد ما ذكر في ذلك روايات كثيرة كلها باطل لا أصل لها، ولو شاء ربك لما رواها أحد ولا سطرها، ولكنه فعال لما يريد ...
كونها تذكر وتروى وتسطر وفيها ما فيها كغيرها مما يوصف ويختلق وينسب إلى النبي ﵊ مما لم يقله من الأحاديث الباطلة والموضوعة، وبقاؤها وتسطيرها وكتابتها وتدوينها لتعظم أجور أهل العلم في نقدها وتفنيدها وردها، وتعظم فتنة من أراد الله فتنته من أهل الزيغ من التمسك بها والعمل بها، كغيرها من الأحاديث الباطلة.
وأما غيره من التأويلات مما حكاه قوم أن الشيطان أكرهه حتى قال كذا ...
يعني الشيطان أكره النبي ﵊ حتى قاله.
حتى قال كذا فهو محال ...
نقول: هذا أبطل من الباطل.
стр. 45
إذ ليس للشيطان قدرة على سلب الإنسان الاختيار، قال الله تعالى مخبراً عنه: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ [(٢٢) سورة إبراهيم] ولو كان للشيطان هذه القدرة لما بقي لأحد من بني آدم قوة في طاعة، ومن توهم أن للشيطان هذه القوة فهو قول الثنوية والمجوس في أن الخير من الله والشر من الشيطان، ومن قال جرى ذلك على لسانه سهواً قال: لا يبعد أنه كان سمع الكلمتين من المشركين وكانتا على حفظه فجرى عند قراءة السورة ما كان في حفظه سهواً، وعلى هذا يجوز السهو عليهم ولا يقرون عليه، وأنزل الله هذه الآية تمهيداً لعذره وتسلية له؛ لئلا يقال: إنه رجع عن بعض قراءته، وبين أن مثل هذا جرى على الأنبياء سهواً، والسهو إنما ينتفي عن الله تعالى، وقد قال ابن عباس: إن شيطاناً ...
. . . . . . . . . من غير النبي ﵊ أنه قد يردد كلام في نفسه أو يركب شيء على شيء ثم يتلوه متتابعاً ويقرأه ويحدث فيه وغير متتابعاً وإن كان بعضه لا يرتبط ببعض، يعني على سبيل المثال: لو أن شخصاً في ورده آيات من القرآن غير منتظمة، يعني آية من البقرة وأخرى من آل عمران وثالثة من كذا إلى آخره، وهو يقرأ في سورة البقرة بناءً على أنه أخذ لسانه على هذا، فإذا انتهت آية البقرة جاء بما في آل عمران؛ لأنه يردد هذا في كل يوم، فإذا تُصور هذا من غير النبي ﵊ فلا يمكن أن يتصور منه، وهو المبلغ عن الله -جل وعلا-.
وقال قال ابن عباس: إن شيطاناً يقال له: الأبيض كان قد أتى رسول الله ﷺ في صورة جبريل ﵇ وألقى في قراءة النبي ﷺ : "تلك الغرانيق العلا وإن شفاعتهن لترتجى" وهذا التأويل وإن كان أشبه مما قبله فالتأويل الأول عليه المعوَّل، فلا يعدل عنه إلى غيره، لاختيار العلماء المحققين إياه ...
هذا على القول بتسليمه، تسليم القائل الشيطان وليس النبي ﵊، على فرض التسليم، لكن كما قال المؤلف: ضعف الحديث مغن كل تأويل.
стр. 46
وضعف الحديث مغنٍ عن كل تأويل والحمد لله، ومما يدل على ضعفه أيضاً وتوهينه من الكتاب قوله تعالى: ﴿وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ﴾ [(٧٣) سورة الإسراء] الآيتين ...
وإن كادوا، يعني أنهم لم يفعلوا، لم يفعلوا هذه الفتنة لكنهم قربوا منها.
فإنهما تردان الخبر الذي رووه؛ لأن الله تعالى ذكر أنهم كادوا يفتنونه حتى يفتري، وأنه لولا أن ثبته لكان يركن إليهم، فمضمون هذا ومفهومه أن الله تعالى عصمه من أن يفتري، وثبته حتى لم يركن إليهم قليلاً فكيف كثيراً؟ وهم يروون في أخبارهم الواهية أنه زاد على الركون والافتراء بمدح آلهتهم، وأنه قال ﵊: افتريت على الله وقلت: ما لم يقل، وهذا ضد مفهوم الآية، وهي تضعف الحديث لو صح، فكيف ولا صحة له؟
يعني تضعف متنه ولو صح إسناده؛ لأن النظر في التصحيح والتضعيف للإسناد والمتن، وقد يصح السند ويكون في درجة الصحة لكن الحديث معلول، أي فيه شذوذ ومخالفة.
стр. 47
وهذا مثل قوله تعالى: ﴿وَلَوْلاَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّت طَّآئِفَةٌ مُّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاُّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ﴾ [(١١٣) سورة النساء] قال القشيري: ولقد طالبته قريش وثقيف إذ مر بآلهتهم أن يقبل بوجهه إليها، ووعدوه بالإيمان به إن فعل ذلك، فما فعل ولا كان ليفعل، قال ابن الأنباري: ما قارب الرسول ولا ركن، وقال الزجاج: أي كادوا، ودخلت إن واللام للتوكيد، وقد قيل: إن معنى (تمنى) حدث لا (تلا) روي عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله : ﴿إِلَّا إِذَا تَمَنَّى﴾ [(٥٢) سورة الحج] قال: إلا إذا حدث، ﴿أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ [(٥٢) سورة الحج] قال: في حديثه، ﴿فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ﴾ [(٥٢) سورة الحج] قال: فيبطل الله ما يلقي الشيطان، قال النحاس: وهذا من أحسن ما قيل في الآية وأعلاه وأجله، وقد قال أحمد بن محمد بن حنبل: بمصر صحيفة في التفسير رواها علي بن أبي طلحة: لو رحل رجل فيها إلى مصر قاصداً ما كان كثيراً، والمعنى عليه: أن النبي ﷺ كان إذا حدث نفسه ألقى الشيطان في حديثه على جهة الحيلة، فيقول: لو سألت الله أن يغنِّمك ليتسع المسلمون، ويعلم الله أن الصلاح في غير ذلك فيبطل ما يلقي الشيطان، كما قال ابن عباس ﵄، وحكى الكسائي والفراء جميعاً: (تمنى) إذا حدث نفسه، وهذا هو المعروف في اللغة، وحكيا أيضاً: (تمنى) إذا تلا، وروي عن ابن عباس أيضاً، وقاله مجاهد والضحاك وغيرهما، وقال أبو الحسن بن مهدي: ليس هذا التمني من القرآن والوحي في شيء، وإنما كان النبي ﷺ إذا صفرت يداه من المال ورأى ما بأصحابه من سوء الحال تمنى الدنيا بقلبه ووسوسة الشيطان، وذكر المهدوي عن ابن عباس أن المعنى: إذا حدث ألقى الشيطان في حديثه، وهو اختيار الطبري.
стр. 48
قلت: قوله تعالى: ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً﴾ [(٥٣) سورة الحج] الآية، يرد حديث النفس، وقد قال ابن عطية: لا خلاف أن إلقاء الشيطان إنما هو لألفاظ مسموعة، بها وقعت الفتنة، فالله أعلم، قال النحاس: ولو صح الحديث واتصل إسناده لكان المعنى فيه صحيحاً، ويكون معنى سها أسقط، ويكون تقديره: أفرأيتم اللات والعزى وتم الكلام، ثم أسقط (والغرانيق العلا) يعني الملائكة، (فإن شفاعتهم) يعود الضمير على الملائكة، وأما من روى: (فإنهن الغرانيق العلا) ففي روايته أجوبة منها: أن يكون القول محذوفاً كما تستعمل العرب في أشياء كثيرة، ويجوز أن يكون بغير حذف، ويكون توبيخاً؛ لأن قبله ﴿أَفَرَأَيْتُمُ﴾ [(١٩) سورة النجم] ويكون هذا احتجاجاً عليهم فإن كان في الصلاة فقد كان الكلام مباحاً في الصلاة. وقد روي في هذه القصة أنه كان مما يقرأ: أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى، والغرانقة العلا، وأن شفاعتهن لترتجى، روي معناه عن مجاهد، وقال الحسن: أراد بالغرانيق العلا الملائكة، وبهذا فسر الكلبي الغرانقة أنها الملائكة؛ وذلك أن الكفار كانوا يعتقدون أن الأوثان والملائكة بنات الله، كما حكى الله تعالى عنهم ورد عليهم في هذه السورة بقوله: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنثَى﴾ [(٢١) سورة النجم] فأنكر الله كل هذا من قولهم، ورجاء الشفاعة من الملائكة صحيح، فلما تأوله المشركون على أن المراد بهذا الذكر آلهتهم ولبس عليهم الشيطان بذلك نسخ الله ما ألقى الشيطان، وأحكم الله آياته، ورفع تلاوة تلك اللفظتين اللتين وجد الشيطان بهما سبيلاً للتلبيس، كما نُسخ كثير من القرآن، ورفعت تلاوته، قال القشيري: وهذا غير سديد؛ لقوله: ﴿فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ﴾ [(٥٢) سورة الحج] أي يبطله، وشفاعة الملائكة غير باطلة، ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [(٥٢) سورة الحج] عليم بما أوحى إلى نبيه ﷺ ، حكيم في خلقه.
لو أضاف هذا التفسير الأخير، وأن المراد بالغرانيق الملائكة، الملائكة ممن ترجى شفاعتهم إلى التوجيه السابق، وأن هذا على فرض التسليم، ويبقى أن هذه القصة ليست بصحيحة، وأن هذه الإجابات عنها إنما هي مجرد التماسات من أهل العلم على فرض صحتها، ولم تصح ولم تثبت.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 49
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تفسير القرطبي
تفسير الثلاث الآيات الأُول من سورة النور
الشيخ / عبد الكريم الخضير
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
قال الإمام القرطبي -رحمه الله تعالى-:
سورة النور مدنية بالإجماع، وقوله تعالى: ﴿سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَّعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [(١) سورة النور] مقصود هذه السورة ذكر أحكام العفاف والستر، وكتب عمر ﵁ إلى أهل الكوفة: "علموا نساءكم سورة النور".
لأنها مشتملة على أحكامٍ كثيرة مما يهم النساء، لا سيما في مسائل العفاف والستر والحجاب والاحتياط والقرار في البيوت.
وقالت عائشة ﵂: "لا تنزلوا النساء الغرف، ولا تعلمونهن الكتابة، وعلموهن سورة النور والغزل" ﴿وَفَرَضْنَاهَا﴾ قرئ بتخفيف الراء ..
وعلى كل حال هذه الأخبار، ويروى مرفوع: ((لا تعلموا نساءكم الكتابة)) لكنه ضعيف جداً، فالمرأة فيما يتعلق بالعلم الشرعي، وبما يتعلق بمعرفة الله ومعرفة حقوقه هي كالرجل مطالبة بذلك، وأما ما زاد على ذلك مما يختص بالرجال فلا.
تعلم هذه السورة بالنسبة للنساء أمر مهم جداً، لكن كما ذكر شيخ الإسلام وبعض العلماء أن النساء ميلهن إلى سورة يوسف أكثر من ميلهن إلى سورة النور؛ لأن سورة يوسف قصص متعلقة بهن، وأما بالنسبة لسورة النور فهي أحكام ملزمة لهن، وفي بعضها مشقة عليهن.
﴿وَفَرَضْنَاهَا﴾ قرئ بتخفيف الراء، أي فرضنا عليكم وعلى من بعدكم ما فيها من الأحكام، وبالتشديد، أي أنزلنا فيها فرائض مختلفة ..
يعني فرّضناها.
وقرأ أبو عمرو: ﴿وفرضناها﴾ بالتشديد: أي قطعناها في الإنزال نجماً نجماً، والفرض: القطع، ومنه فرضة القوس، وفرائض الميراث، وفرض النفقة، وعنه أيضاً: ﴿فرضناها﴾ فصلناها وبيناها، وقيل: هو على التكثير، لكثرة ما فيها من الفرائض ..
فيعود إلى الأول، فيكون فرّضناها هو معنى فرضناها إلا أن هذا البناء خاص بالتكثير، فرضناها: أنزلها في فرائض، لكن: فرّضناها: أنزلنا فيها فرائض كثيرة، فالفرق بينهما حينئذٍ التكثير فقط.
стр. 50
والسورة في اللغة اسم للمنزلة الشريفة، ولذلك سميت السورة من القرآن سورة، قال زهير:
ألم تر أن الله أعطاك سورة ... ترى كل ملك دونها يتذبذبُ
وقد مضى في مقدمة الكتاب القول فيها، وقرئ ﴿سورة﴾ بالرفع على ..
نسب البيت إلى زهير، والمعروف أنه للنابغة الذبياني.
وقرئ ﴿سورة﴾ بالرفع على أنها مبتدأ وخبرها ﴿أَنزَلْنَاهَا﴾
في مقدمة الكتاب تطرق المؤلف -رحمه الله تعالى- إلى تعريف السورة والآية بعد تعريف القرآن.
وخبرها ﴿أَنزَلْنَاهَا﴾ قاله أبو عبيدة والأخفش، وقال الزجاج والفراء والمبرد: ﴿سُورَةٌ﴾ بالرفع؛ لأنها خبر الابتداء، لأنها نكرة لا يبتدئ بالنكرة في كل موضع، أي هذه سورة، ويحتمل أن يكون قوله: ﴿سُورَةٌ﴾ ابتداء وما بعدها صفة لها أخرجتها عن حد النكرة المحضة، فحسن الابتداء لذلك ..
لأنها نكرة موصوفة، نكرة موصوفة فهي مفيدة، والممنوع من الابتداء بالنكرة إذا لم تفد، أما إذا أفادت فإنه يجوز الابتداء بها.
ولا يجوز الابتداء بالنكرة ... ما لم تفد، كعند زيدٍ نمرة
ويكون الخبر في قوله: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ [(٢) سورة النور]، وقرئ ﴿سورةً﴾ بالنصب على تقدير: أنزلنا سورة أنزلناها، وقال الشاعر:
والذئب أخشاه إن مررت به ... وحدي وأخشى الرياح والمطرا
أو تكون منصوبة بإضمار فعل أي: اتل سورة، وقال الفراء: هي حال من الهاء والألف، والحال من المكني يجوز أن يتقدم عليه ..
يعني سورةً على النصب حال، أنزلناها سورةً، فالفعل استوفى الفاعل والمفعول، وتكون (سورة) حال من الضمير، صاحبه الضمير، الذي هو الكناية، يسميه كناية هو، والحال من المكني -يعني من الضمير- يجوز أن يتقدم عليه، بخلاف الحال من الاسم الظاهر فإنه لا يجوز أن يتقدم عليه، وعلى كل حال المرجح عند سيبويه النصب من حيث العربية، وعند غيره الرفع، وهو الذي تسنده القراءة.
قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [(٢) سورة النور] فيه اثنان وعشرون مسألة ..
стр. 51
يعني هذا في الأصل وإلا فالصواب أن يقال: فيه اثنتان وعشرون مسألة.
الأولى: قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾.
طالب: عندي إحدى وعشرون
الشيخ: إحدى وعشرون؟ والواقع؟
طالب: اثنان وعشرون.
الشيخ: اثنتان وعشرون نعم، نلاحظ أن الأصول إحدى وعشرون مسألة عدا. . . . . . . . . اثنتان وعشرون كما هو مثبت، والواقع يشهد بأنها: اثنتان وعشرون.
الأولى: قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ كان الزنا في اللغة معروفاً قبل الشرع مثل اسم السرقة والقتل، وهو اسم لوطء الرجل امرأة في فرجها من غير نكاح ولا شبهة نكاح، بمطاوعتها ..
ما الفائدة من هذا القيد؟ بمطاوعتها؟ يعني لو لم تكن مطاوعة ألا يسمى زنا؟ إذا لم تكن مطاوعة بالنسبة للرجل زنا، وبالنسبة للمرأة؟
طالب: اغتصاب.
الشيخ: نعم اغتصاب، فلا يقام عليها الحد.
طالب: ولا شبهة نكاح؟
الشيخ: شبهة النكاح أن يتزوج امرأة هي أخته من الرضاعة، وهو لا يدري، ولا يعلم، ثم يتبيّن بعد ذلك، هذه شبهة.
وإن شئت قلت: هو إدخال فرجٍ في فرج، مشتهى طبعاً، محرم شرعاً، فإذا كان ذلك وجب الحد، وقد مضى الكلام في حد الزنا وحقيقته، وما للعلماء في ذلك، وهذه الآية ناسخةٌ لآية الحبس وآيةِ الأذى اللتين في سورة النساء باتفاق ..
وبيان ذلك حديث عبادة بن الصامت: ((خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلاً، البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مائةٍ والرجم)) هذا بيان، لئلا يقال: كيف تنسخ السنة القرآن؟ والناسخ هو هذه الآية عند أهل العلم، ومنهم من يرى أنه لا مانع من أن تنسخ السنة القرآن، فتكون آية النساء منسوخة بحديث عبادة.
الثانية: قوله تعالى: ﴿مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾ [(٢) سورة النور] هذا حد الزاني الحر البالغ البكر، وكذلك الزانية البالغة البكر الحرة، وثبت بالسنة تغريب عام على الخلاف في ذلك ..
стр. 52
يمنع بعض العلماء التغريب ويقول: إن فيه ضياع للمرأة والرجل الذي يزني، فإذا أفسد في بلده وهو معروف فيه، ويستحي من أهله وأقاربه، فكيف يصنع إذا غرّب؟ وأيضاً التغريب جاء بالسنة ولم يثبت بالقرآن، وعندهم الزيادة على النص نسخ، والسنة لا تنسخ القرآن، وهذا قول الحنفية، لكن ما دام ثبت الخبر الصحيح عن النبي ﵊ فلا كلام لأحد، وأما ما أبدوه من فساد الزاني أو إفساده بعد تغريبه فعلى الإمام أن يحتاط لأمره، وينظر في أمره، ويحيل بينه وبين ما يريد.
وأما المملوكات فالواجب خمسون جلدة، لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [(٢٥) سورة النساء] وهذا في الأمة، ثم العبد في معناها ..
العبد مقيس على الأمة، الأمة عليها نصف ما على المحصنات من العذاب، والعبد أيضاً عليه نصف ما على الأحرار من الرجال من العذاب، وأبو ثور يقول: لو قيل برجم العبد لقلت به؛ لأن النص ورد في الإماء ولا يرد في الذكور، لأن النص ورد في الإماء فقط ما ورد في الذكور ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ وأما الذكور من العبيد ما ورد فيهم شيء، إلا القياس على الأمة، لكن عامة على أهل العلم على التنصيف في الجنسين في الرجال والنساء.
وأما المحصن من الأحرار فعليه الرجم دون الجلد، ومن العلماء من يقول: يجلد مائة، ثم يرجم، وقد مضى هذا كله ممهداً في النساء، فأغنى عن إعادته، والحمد لله ..
في حديث عبادة بن الصامت: ((والثيب بالثيب جلد مائةٍ والرجم)) وهو حجة لمن يقول بالجلد والمعروف عند الحنابلة وجمع من أهل العلم؛ لكن كأن الجمهور على عدم الجلد، لأن الوقائع الخمس التي حصلت في عصره ﵊ لم يتطرق فيها للجلد، في حديث ماعز: ((اذهبوا به فارجموه)) في حديث: ((واغدوا يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها)) ولم يذكر فيه الجلد، والجلد ثابت بالنص الصحيح الصريح وثبوته في خبر يغني عن إعادته في كل خبر، ثبت في خبر ملزم وحديث عبادة لا غبار عليه، وهو في الصحيح، وفيه النص على أنه يجلد مائة، وما المانع من أن يجلد مائة ثم يرجم؟.
стр. 53
الثالثة: قرأ الجمهور ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ بالرفع، وقرأ عيسى بن عمر الثقفي ﴿الزانيةَ﴾ بالنصب، وهو أوجه عند سيبويه، لأنه عنده كقولك: زيداً اضرب، ووجه الرفع عنده: خبر ابتداء، وتقديره: فيما يتلى عليكم حكم الزانية والزاني، وأجمع الناس على الرفع ..
في التقدير الذي ذكره: فيما يتلى عليكم حكم الزانية والزاني، فيما يتلى عليكم هو قال: خبر ابتداء، صوابه: ابتداء، لأن الخبر الجار والمجرور المتقدم، متعلق الجار والمجرور هو الخبر، حكم الزانية والزاني فيما يتلى عليكم.
وأجمع الناس على الرفع، وإن كان القياس عند سيبويه النصب، وأما الفراء والمبرد والزجاج فإن الرفع عندهم هو الأوجه، والخبر في قوله: ﴿فَاجْلِدُوا﴾ لأن المعنى: الزانية والزاني مجلودان بحكم الله، وهو قول جيد، وهو قول أكثر النحاة، وإن شئت قدرت الخبر: ينبغي أن يجلدا، وقرأ ابن مسعود: والزانِ بغير ياء ..
ولو قال: يجب أن يجلدا.
الرابعة: ذكر الله الذكر والأنثى والزاني كان يكفي منهما فقيل: ذكرهما للتأكيد ..
لأن النساء يدخلن في أحكام الرجال، يعني (الزانية والزاني) لو قال: الزاني يكفي، لكنه نص على المرأة كما نص على الرجل في ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ [(٣٨) سورة المائدة] للأهمية.
كما قال تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا﴾ ويحتمل أن يكون ذكرهما هنا لئلا يظن ظان أن الرجل لما كان هو الواطئ، والمرأة محلٌ ليست بواطئة فلا يجب عليها حد، فذكرها رفعاً لهذا الإشكال الذي أوقع جماعةً من العلماء منهم الشافعي فقالوا: لا كفارة على المرأة في الوطء في رمضان؛ لأنه قال: جامعت أهلي في نهار رمضان، فقال له النبي ﷺ : ((كفر)) فأمره بالكفارة والمرأة ليست بمجامعة ولا واطئة ..
стр. 54
هذا رأيه، عدم ذكر الكفارة بالنسبة للمرأة، أولاً: هذه قضية عين، يعتريها ما يعتريها، يحتمل أن تكون غير مطاوعة فلا كفارة عليها، ويحتمل أنها ألزمت بالكفارة ولم ينقل، لأنه لا يلزم النقل في كل قضية، إذا ثبت الحكم في قضية واحدة يكفي، فإذا ثبت الحكم بالنسبة للرجل، وهو أصل في الباب، والمرأة كذلك أصل إن لم تكن أدخل في الباب منه، ولذا قدمت في الآية: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ لا شك أن إلزام المرأة بما يلزم به الرجل هو الأصل، لأنها مكلفة كتكليفه، ويقع منها الفعل كفعله، فلا فرق بينهما.
لكن إذا نظرنا في الإحصان، ما الذي للمرأة من هذه المادة؟ وما الذي للرجل منها؟ للرجل منها اسم الفاعل (محصنين) وللمرأة منها اسم المفعول: (محصنات) فهل يعني هذا أن الأصل في الباب الرجل وأن المرأة تبع له؟ هو يحصنها فهو الفاعل وهي المفعول، فهو محصن، وهي محصنة، هل يعني هذا أنها لا مدخل لها في هذا الباب؟ يعني إذا قلنا: ضرب زيد عمراً، عمرو ما له علاقة بالباب، مضروب مسكين، ما دخل له في المادة التي هي: الضرب، إنما الضرب وقع من زيد، فإذا قلنا: الرجل محصن، والمرأة محصنة، فهل معنى هذا أن الإحصان جاء من طرفٍ واحد دون الثاني كما في الضرب؟ وهل نقول: الرجل يحصن المرأة والمرأة لا تحصن الرجل أو الإحصان من الطرفين؟ تروا المسألة فيها شيء من الدقة، يعني كأن الإمام الشافعي في عدم إلزام المرأة بالكفارة أن الفعل وقع من طرف واحد، من الزاني فقط، وأما المرأة فلا دخل لها، ولذا يتصور إكراهها، بخلاف الرجل الذي لا يتصور إكراهه على الزنا، يعني مسألة الإحصان هل نستطيع أن نقول أن الرجل محصَن؟ والمرأة محصِنة؟ أو نتبع اللفظ ونقول: الرجل محصِن، والمرأة محصَنة؟
طالب: الآية: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ﴾ [(١٨٧) سورة البقرة]؟
الشيخ: مسألة اللباس باعتبار أن كل واحد منهما ينثني على الآخر كاللباس، هذا ما فيه إشكال، هذا لا علاقة له بالوطء.
стр. 55
يعني هل كون الفعل يقع من زيد على فلانة، على زوجته فلانة، يعني أن المرأة لا علاقة لها بالموضوع، أو أنها هي شقيقته ولها مما يتعلق به مثل ما له؟ يعني استمتاع الرجل أكثر من استمتاع المرأة أو العكس، أو هما سواء؟ هما سواء، لكن الذي يشكل في كون الرجل محصن، والمرأة محصنة؟ قد يقال مثلاً: أن الرجل كونه محصن بما بذله من ماله، وبما سعى به وبجهده من تحصيل هذه المرأة، والمرأة جالسة في بيتها تنتظر من يخطبها فهي محصنة، جاء زيد وبذل لها المال فأحصنها، ولا يعني هذا أنها ليست شريكةً له في الاستمتاع، بل المرأة تستمتع كالرجل، وهذا محسوس، فيلزمها كل ما يلزم الرجل.
طالب: لكن لم يوجبوا الكفارة على المرأة فيمن وطأ زوجته في الحيض، بخلاف فيمن وطأ زوجته في رمضان أوجبوا الكفارة على الاثنين، والعلة واحدة؟.
الشيخ: إيه، لكن في الغالب أن المرأة إذا كانت في الحيض لا تريده، فهمت؟ والذي يريده الرجل فقط.
الخامسة: قدمت ﴿الزَّانِيَةُ﴾ في هذه الآية من حيث كان في ذلك الزمان زنا النساء فاشٍ، وكان لإماء العرب وبغايا الوقت رايات، وكن مجاهرات بذلك، وقيل: لأن الزنا في النساء أعرّ ..
(أعرّ) يعني معرّته أشد، وعاره أعظم، وتبعاته أكثر.
وهو لأجل الحبل أضرّ، وقيل: لأن الشهوة في المرأة أكثر، وعليها أغلب، فصدرها تغليظاً لتردع شهوتها، وإن كان قد ركّب فيها حياء، لكنها إذا زنت ذهب الحياء كله، وأيضاً فإن العار بالنساء ألحق، إذ موضوعهن الحجب والصيانة، فقدم ذكرهن تغليظاً واهتماماً ..
لا شك أن المرأة إذا خرجت من بيتها استشرفها الشيطان، وصارت سبباً في فتنة الرجال، فهي السبب الأول في هذا الباب، ولو قرت في بيتها والتزمت ما أمرت به حجاب ما افتتن كثير من الرجال بهن، وفتنة هذه الأمة كفتنة بني إسرائيل في النساء.
السادسة: الألف واللام في قوله: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ للجنس وذلك يعطي أنها عامة في جميع الزناة، ومن قال بالجلد مع الرجم قال: السنة جاءت بزيادة حكمٍ فيقام مع الجلد، وهو قول إسحاق بن راهويه والحسن بن أبي الحسن، وفعله علي بن أبي طالب ﵁ بشراحة ..
стр. 56
نعم جلده ايوم الخميس ورجمها يوم الجمعة، قال: جلدتها بكتاب الله، ورجمتها بسنة رسول الله ﵊.
وقد مضى في النساء بيانه، وقال الجمهور: هي خاصة في البكرين، واستدلوا على أنها غير عامةٍ بخروج العبيد والإماء منها ..
يعني عمومها مخصوص ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾ مخصوص بالعبيد والإماء، وما دام عمومه دخله التخصيص ضعف، فلا يتناول الثيّب، وإنما هو خاص بالأبكار، لكن النص في هذه المسألة حديث عبادة ((الثيب بالثيب جلدة مائة والرجم)).
السابعة: نص الله على ما يجب على الزانيين إذا شُهد بذلك عليهما على ما يأتي، وأجمع العلماء على القول به، واختلفوا فيما يجب على الرجل يوجد مع المرأة في ثوبٍ واحد، فقال إسحاق بن راهويه: يضرب كل واحد منهما مائة جلدة، وروي ذلك عن عمر وعلي، وليس يثبت ذلك عنهما، وقال عطاء وسفيان الثوري: يؤدبان ..
نعم، عليهما التعزير، وأما الحد فلا يثبت إلا بالفعل.
وقال مالك وأحمد على قدر مذاهبهم في الأدب، وقال ابن المنذر: والأكثر ممن رأيناه يرى على من وجد على هذه الحال الأدب، وقد مضى في (هود) اختيار ما في هذه المسألة، والحمد لله وحده.
الثامنة: قوله تعالى: ﴿فَاجْلِدُوا﴾ دخلت الفاء؛ لأنه موضع أمر، والأمر مضارع للشرط، وقال المبرد: فيه معنى الجزاء أي: إن زنى زانٍ فافعلوا به كذا، ولهذا دخلت الفاء، وهكذا ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا﴾ (٣٨) سورة المائدة.
(أل) هذه التي هي للجنس تقوم مقام (من) فكأنه قال في الآية: من زنا أو زنت فاجلدوا، ومن سرق أو سرقت فاقطعوا.
التاسعة: لا خلاف أن المخاطب بهذا الأمر الإمام ومن ناب منابه ..
стр. 57
وليس ذلك لأحدٍ إلا للإمام، ليس إقامة الحدود إلا للإمام أو من يقوم مقامه من نوابه، والخلاف في العبيد هل يقيد الأسياد عليهم الحدود، كما في حديث: ((إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها الحد ولا يثرب عليها))؟ فوكل الجلد إلى سيدها، وهل للأب أن يؤدب ولده إذا وقع في هفوةٍ أو زلة من هذه الأمور؟ هل يقيم عليه الحد أو ليس له ذلك؟ الصواب أنه ليس له ذلك، نعم له أن يعزره أما أن يقيم عليه الحد فلا.
وزاد مالك والشافعي: السادة في العبيد، قال الشافعي: في كل جلد وقطع، وقال مالك: في الجلد دون القطع ..
يعني إذا سرق العبد فللسيد أن يقطع يده، وإذا زنا له أن يجلده، هذا عند الشافعي وأما عند مالك ففي الجلد دون القطع.
وقيل: الخطاب للمسلمين، لأن إقامة مراسم الدين واجبة على المسلمين، ثم الإمام ينوب عنهم إذ لا يمكنهم الاجتماع على إقامة الحدود ..
من أعظم الحِكَم من وجوب تنصيب الإمام والخليفة إقامة الحدود، وإشاعة العدل والمحافظة على الأمن، فلا يتم ذلك إلا بإقامة الحدود، ولذا جاء الوعيد الشديد في ما إذا بلغت الحدود الإمام حينئذٍ فليس له أن يعفو، وليس لغيره أن يشفع، لأنه أمر لا بد منه، وأما تعافي الحدود قبل بلوغ الإمام، والستر فهذا محله عند أهل العلم فيما إذا لم تكثر المنكرات وتشيع، وفيمن لم يعرف بالفواحش وكثرة السوابق، أما من عرف بذلك فلا بد من أن يوقف عند حده، ولذلك شرعت الحدود، وأما بالستر المطلق فلا شك أن هذا صورة من صور الإباحية وتعطيل للحدود، والله المستعان.
طالب:. . . . . . . . .
الشيخ: ما يملك، ما يملكه.
طالب:. . . . . . . . .
стр. 58
الشيخ: يشترط أهل العلم في إقامة الحد: النية، والنية منهم لا تتجه لأنهم غير مطالبين بهذا، الحدود منوطة بالإمام، يشترطون النية في إقامة الحد، فمثلاً: لو أن شخصاً شرب الخمر، وجب عليه الحد وثبت عليه، ثم سجن حتى يقام عليه الحد، فقيل للإمام أنه حاول الهرب من السجن، فقال الإمام: اجلدوه ثمانين جلدة أو مائة جلدة عن محاولة الهرب، ثم شهد آخرون أنه لم يحاول، وتبيّنت براءته، هل يكفي هذا عن الحد أو لا يكفي؟ مقتضى قولهم: وجوب النية أن هذا لا يكفي، هذا لا يكفي لا بد من إقامة الحد عليه، لأن الحد مقصود للشرع، ومع ذلك من شهد عليه يؤدب، ويكون حينئذٍ مظلوم كسائر المظلومين.
العاشرة: أجمع العلماء على أن الجلد بالسوط يجب، والسوط الذي يجب أن يجلد به يكون سوطاً بين سوطين لا شديداً ولا ليناً، وروى مالك عن زيد بن أسلم: أن رجلاً اعترف على نفسه بالزنا على عهد رسول الله ﷺ فدعا له رسول الله ﷺ بسوط فأوتي بسوط مكسور، فقال: ((فوق هذا)) فأتي بسوطٍ جديد لم تقطع ثمرته، فقال: ((دون هذا)) فأتي بسوط قد ركب به ولان، فأمر به رسول الله ﷺ فجلد، الحديث .. ، قال أبو عمر: هكذا روى هذا الحديث مرسلاً جميع رواة الموطأ، ولا أعلمه يستند بهذا اللفظ بوجه من الوجوه ..
يعني يسند، يعني يتصل.
وقد روى معمر عن يحيى بن أبي كثير عن النبي ﷺ مثله سواء، وقد تقدم في (المائدة) ضرب عمر قدامة في الخمر بسوط تام يريد وسطاً ..
يعني قدامة بن مظعون لما شرب الخمر متأولاً، يقول: ما دام ممن آمن واتقى وأحسن فأنه لا يضره شرب الخمر، متأول، وضربه عمر الحد؛ لأنه لو اتقى الله -جل وعلا- ما شرب الخمر، والله المستعان.
الحادية عشرة: اختلف العلماء في تجريد المجلود في الزنا، فقال مالك وأبو حنيفة وغيرهما: يجرد ويترك على المرأة ما يسترها دون ما يقيها الضرب، وقال الأوزاعي: الإمام مخير إن شاء جرد وإن شاء ترك، وقال الشعبي والنخعي: لا يجرد، ولكن يترك عليه قميص، قال ابن مسعود: لا يحل في هذه الأمة تجريد، ولا مد، وبه قال الثوري ..
стр. 59
المقصود أنه يترك عليه ما يستره من ثيابه الذي اعتاد لباسها مما لا يقي دون الضرب، وأما ما زاد على ذلك مما يستعمله بعض ممن يحكم عليه من الجلد فينزع، بعضهم يضعون أشياء على ظهورهم، يلبسون أشياء تقيهم الضرب، مثل هذا تنزع عنهم.
لكن لو جرد، مثلاً شخص عليه كوت يقيه عن البرد، والبرد شديد، وأريد جلده فلو جرد من هذا الكوت أو من هذا البالطو الذي يقيه أو الفنايل الكثيرة الذي بعضها فوق بعض، هو في الأصل إنما لبسها لتقيه من البرد ثم جرد فمرض بسبب هذا التجريد، أو غلب على الظن أنه يتضرر من البرد، يجرد أو لا يجرد؟
طالب:. . . . . . . . .
الشيخ:. . . . . . . . . قد يتعرض للبرد، ما الحكم؟ هو ما لبسها من أجل أن تقيه الجلد، إنما لبسها لتقيه البرد.
طالب:. . . . . . . . .
الشيخ: ما تعود، تعود أنه يلبس خمس فنايل ست فنايل وكوت، وإلا الناس يتفاوتون في هذا، بعض الناس لو خفف قليل مرض، أو يجلد في مكانٍ دافئ؟ يبحث له عن مكان ليس في العراء، محافظةً على الحد، وما يتم به الحد، أما محافظة على مسألة الإعلان هذا أمر مطلوب ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [(٢) سورة النور] لكن لا يمنع أن يجلد في مكان يقيه من البرد، ويشهده طائفة.
الثانية عشرة: اختلف العلماء في كيفية ضرب الرجال والنساء، فقال مالك: الرجل والمرأة في الحدود كلها سواء لا يقام واحد منهما ولا يجزي عنده إلا في الظهر وأصحاب الرأي والشافعي يرون أن يجلد الرجل وهو واقف، وهو قول علي بن أبي طالب ﵁، وقال الليث بن سعد وأبو حنيفة والشافعي: الضرب في الحدود كلها وفي التعزير مجرداً قائماً غير ممدود، إلا حد القذف فإنه يضرب وعليه ثيابه، وحكاه المهدوي في التحصيل عن مالك وينزع عنه الحشو والفرو، وقال الشافعي: إن كان مده صلاحاً مدّ ..
على كل حال مسألة كيفية حال المضروب من قيامٍ أو قعودٍ أو مدّ؛ هذه مسألة اجتهادية يختلف فيها أهل العلم، ومع ذلك مرجعها إلى الإمام، وليس المراد بالتجريد أنه يجلد عارياً، لا، يجرد من الثياب الزائدة على قدر ما يستر عورته.
стр. 60
الثالثة عشرة: واختلفوا في المواضع التي تضرب من الإنسان في الحدود، فقال مالك: الحدود كلها لا تضرب إلا في الظهر، وكذلك التعزير، وقال الشافعي وأصحابه: يُتقى الوجه والفرج وتضرب سائر الأعضاء، وروي عن علي وأشار ابن عمر بالضرب إلى رجلي أمةٍ جلدها في الزنا، قال ابن عطية: والإجماع في تسليم الوجه والعورة والمقاتل، واختلفوا في ضرب الرأس، فقال الجمهور: يتقى الرأس، وقال أبو يوسف: يضرب الرأس، وروي عن عمر وابنه فقالا: يضرب الرأس، وضرب عمر ﵁ صبيغاً في رأسه وكان تغزيراً لا حداً، ومن حجة مالك ما أدرك عليه الناس، وقوله ﵇: ((البينة وإلا حد في ظهرك)) وسيأتي ..
أما صبيغ وضربه في الرأس، فلأنه كان يؤذي الناس بالمسائل الغامضة ويعنتهم في هذا، ومحل مثل هذا الرأس، هذه المسائل والإشكالات إنما محلها الرأس، كما قال بعض العلماء.
الرابعة عشرة: الضرب الذي يجب هو أن يكون مؤلماً، لا يجرح ولا يبضع، ولا يخرج الضارب يده من تحت إبطه، وبه قال الجمهور، وهو قول علي وابن مسعود ﵄، وأتي عمر ﵁ برجلٍ في حد فأتى بسوطٍ بين سوطين، وقال للضارب: اضرب ولا يرى إبطك وأعط كل عضو حقه، وأتى ﵁ بشارب فقال: لأبعثنك إلى رجلٍ لا تأخده فيك هوادة، فبعثه إلى مطيع بن الأسود العدوي، فقال: إذا أصبحت الغد فاضربه الحد، فجاء عمر ﵁ وهو يضربه ضرباً شديداً، فقال: قتلت الرجل، كم ضربته؟ فقال ستين، فقال: أقِصَّ عنه بعشرين، قال أبو عبيدة: قوله: أقِصَّ عنه بعشرين، يقول: اجعل شدة هذا الضرب الذي ضربته قصاصاً بالعشرين التي بقيت، ولا تضربه العشرين ..
هذه الستين تعادل ثمانين بالنسبة لضرب غيره.
وفي هذا الحديث من الفقه أن ضرب الشارب ضرب خفيف، وقد اختلف العلماء في أشد الحدود ضرباً وهي:
стр. 61
الشارب لما جيء به إلى النبي ﵊ ضربوه بالجريد والنعال وأطراف الثياب، ومثل هذا يستعمل إذا كانت المعصية غير منتشرة، أو ممن حصلت منه هفوة أو زلة وليس بأهلٍ لذلك، يخفف في أمرها، أما إذا زاد الأمر ولم يكتفِ الناس بالحد، فإنه في مثل هذه الحالة يزاد في العقوبة، في كيفيتها لا في كميتها، يزاد في كيفيتها، فيضرب الشارب في المرة الأولى، ثم يشدد عليه في الثانية، ثم يشدد عليه في الثالثة، ولو قتل تعزيراً في الرابعة كما جاء في حديث معاوية، الحديث كما يقرر أهل الحكم أنه محكم، ومنهم من يرى أنه منسوخ، لكن شيخ الإسلام يرى أنه تعزيز، وأنه إذا لم يرتدع الناس في الحد فللإمام أن يقتل.
الخامسة عشرة: فقال مالك وأصحابه والليث بن سعد: الضرب في الحدود كلها سواء، ضرب غير مبرح ضرب بين ضربين، وهو قول الشافعي ﵁، وقال أبو حنيفة وأصحابه: التعزير أشد الضرب، وضرب الزنا أشد من الضرب في الخمر، وضرب الشارب أشد من ضرب القذف، وقال الثوري: ضرب الزنا أشد من ضرب القذف، وضرب القذف أشد من ضرب الخمر، احتج مالك بورود التوقيف على عدد الجلدات، ولم يرد في شيء منها تخفيف ولا تثقيل عمن يجب التسليم له.
واحتج أبو حنيفة بفعل عمر فإنه ضرب في التعزير ضرباً أشد منه في الزنا، واحتج الثوري بأن الزنا لما كان أكثر عدداً في الجلدات استحال أن يكون القذف أبلغ في النكاية، كذلك الخمر لأنه لم يثبت فيه الحد إلا بالاجتهاد وسبيل مسائل الاجتهاد لا يقوى قوة مسائل التوقيف ..
أما بالنسبة للأربعين فهي الحد، وما زاد على ذلك إلى الثمانين فهي بالاجتهاد، وجمهور أهل العلم على أن الحد ثمانين.
طالب: جلد شخص ٤٨٠ جلدة
الشيخ: كم؟
طالب: ٤٨٠ في ست أشهر
الشيخ: هذا حسب عظم الجرم، هذا في التعزير.
طالب: كل شهر ثمانين.
الشيخ: لا لا معه شيء في القضية، الحد معه شيء في القضية.
السادسة عشرة: الحد الذي أوجب الله في الزنا والخمر والقذف وغير ذلك، ينبغي أن يقام بين أيدي الحكام ولا يقيمه إلا فضلاء الناس وخيارهم، يختارهم الإمام لذلك ..
стр. 62
لأن غير فضلاء الناس وغير الخيار قد يتواطئون مع هذا المجلود ولا يقومون بالحد كما أمر الله، وأيضاً النكاية بالمحدود أشد إذا حضره خيار الناس ممن إذا حضره السفهاء وغير الأخيار.
وكذلك كانت الصحابة تفعل كلما وقع لهم شيء من ذلك ﵃، وسبب ذلك أنه قيام بقاعدةٍ شرعية وقربة تعبدية تجب المحافظة على فعلها وقدرها ومحلها وحالها بحيث لا يتعدى شيء من شروطها ولا أحكامها، فإن دم المسلم وحرمته عظيمة، فتجب مراعاته بكل ما أمكن.
روى الصحيح عن حضين بن المنذر أبي ساسان قال: شهدت عثمان بن عفان وأتي بالوليد وقد صلى الصبح ركعتين، ثم قال: أزيدكم؟ فشهد عليه رجلان أحدهما حمران: أنه شرب الخمر، وشهد آخر أنه رآه يتقيأ، فقال عثمان: إنه لم يتقيأ حتى شربها، فقال: يا علي قم فاجلده، فقال علي: قم يا حسن فاجلده، فقال الحسن: ولِّ حارها من تولى قارها (فكأنه وجد عليه) فقال: يا عبد الله بن جعفر قم فاجلده، فجلده وعلي يعدّ ... الحديث، وقد تقدم في المائدة، فانظر قول عثمان للإمام علي: قم فاجلده ..
فقال: يا علي قم فاجلده، وكل الجلد إلى علي، وهو من خيار الناس في ذلك الوقت، فأناب عليّ ابنه الحسن، فقال: الحسن ولِّ حارّها من تولّى قارّها، ما معنى هذا؟ يعني الذي استفاد من الولايات هو الذي يقوم بمثل هذه الأعمال، أما شخص لا علاقة له بالولايات، ولا استفاد منها، ولا أعطي من خيرها ما له علاقة بهذه الأمور، ولّ حارّها من تولّى قارّها، يعني: إذا جاء الضرب دعيتونا، وإذا جاء الهبات والأعطيات للآخرين يتولى هذا من يتولى هذا، والله المستعان.
السابعة عشرة: نص الله تعالى على عدد الجلد في الزنا والقذف، وثبت التوقيف في الخمر على ثمانين من فعل عمر في جميع الصحابة على ما تقدم في المائدة فلا يجوز أن يُتعدى الحد في ذلك كله، قال ابن العربي: وهذا ما لم يتتابع الناس في الشر، ولا احلولت لهم المعاصي حتى يتخذوها ضراوة، ويعطفون عليها بالهوادة ..
يعني: يتساهلون في أمرها، لعل المقصود يتساهلون في أمرها، الهوادة التساهل.
стр. 63
فلا يتناهوا عن منكر فعلوه، فحينئذٍ تتعين الشدة، ويزاد الحد لأجل زيادة الذنب، وقد أتي عمر بسكران في رمضان فضربه مائة، ثمانين حد الخمر، وعشرين لهتك حرمة الشهر، فهكذا يجب أن تركب العقوبات على تغليظ الجنايات، وهتك الحرمات، وقد لعب رجل بصبي فضربه الوالي ثلاثمائة سوط، فلم يغير ذلك مالك حين بلغه، فكيف لو رأى زماننا هذا بهتك الحرمات والاستهتار بالمعاصي والتظاهر بالمناكر، وبيع الحدود، واستيفاء العبيد لها في منصب القضاة؟! لمات كمداً، ولم يجالس أحداً، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
стр. 64
قلت: ولهذا المعنى -والله أعلم- زِيد في حد الخمر حتى انتهى إلى ثمانين، وروى الدارقطني: حدثنا القاضي الحسين بن إسماعيل حدثنا يعقوب بن إبراهيم الدورقي، حدثنا صفوان بن عيسى، حدثنا أسامة بن زيد عن الزهري، قال: أخبرني عبد الرحمن بن أزهر قال: رأيت رسول الله ﷺ يوم حنين، وهو يتخلل الناس يسأل عن منزل خالد بن الوليد، فأتي بسكران، قال: فقال رسول الله ﷺ لمن عنده فضربوه بما في أيديهم، وقال: وحثا رسول الله ﷺ التراب، قال: ثم أتي أبو بكر ﵁ بسكران، قال: فتوخَّى الذي كان من ضربهم يومئذٍ فضرب أربعين، قال الزهري ثم أخبرني حميد بن عبد الرحمن عن ابن وبرة الكلبي، قال: أرسلني خالد بن الوليد إلى عمر قال: فأتيته ومعه عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف وعلي وطلحة والزبير وهم معه متكئون في المسجد، فقلت: إن خالد بن الوليد أرسلني إليك، وهو يقرأ عليك السلام، ويقول: إن الناس قد انهمكوا في الخمر، وتحاقروا العقوبة فيه، فقال عمر: هم هؤلاء عندك فسلهم، فقال علي: نراه إذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، وعلى المفتري ثمانون، قال: فقال عمر: أبلغ صاحبك ما قال، قال: فجلد خالد ثمانين، وعمر ثمانين، قال: وكان عمر إذا أتي بالرجل الضعيف الذي كانت منه الزلة ضربه أربعين، قال: وجلد عثمان أيضاً ثمانين وأربعين، ومن هذا المعنى قوله ﷺ : ((لو تأخر الهلال لزدتكم)) كالمنكل لهم، حين أبوا أن ينتهوا، وفي رواية: ((لو مد لنا الشهر لواصلنا وصالاً يدع المتعمقون تعمقهم)) وروى حامد بن يحيى عن سفيان عن مسعر عن عطاء بن أبي مروان أن علياً ضرب النجاشي في الخمر مائة جلدة، ذكره أبو عمر، ولم يذكر سببه.
стр. 65
الثامنة عشرة: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [(٢) سورة النور] أي لا تمتنعوا عن إقامة الحدود شفقةً على المحدود، ولا تخففوا الضرب من غير إيجاع، هذا قول جماعة أهل التفسير، وقال الشعبي والنخعي وسعيد بن جبير ﴿وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ﴾ قالوا: في الضرب والجلد، وقال أبو هريرة ﵁: إقامة حدٍ بأرض خير لأهلها من مطر أربعين ليلة، ثم قرأ هذه الآية.
والرأفة أرقّ من الرحمة، وقرئ رأفة بفتح الألف على وزن فعلة وقرئ رآفة على وزن فعالى، ثلاث لغات، وهي كلها مصادر أشهرها الأولى من رأف إذا رقَّ ورحم، ويقال: رأفة ورآفة مثل كأبة وكآبة، وقد رأفت به، والرءوف من صفات الله تعالى العطوف الرحيم.
الطالب: هذا أثر أبي هريرة (إقامة حدٍ بأرض خير لأهلها من مطر أربعين ليلة) ما هو حديث أظن في حديث يا شيخ.
الشيخ: يروى مرفوع وإلا فالأصل أنه موقوف.
التاسعة عشرة: قوله تعالى: ﴿فِي دِينِ اللَّهِ﴾ أي: في حكم الله، كما قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾ [(٧٦) سورة يوسف] أي: في حكمه، وقيل: ﴿فِي دِينِ اللَّهِ﴾ أي: في طاعة الله وشرعه فيما أمركم به من إقامة الحدود، ثم قررهم على معنى التثبيت والحض بقوله تعالى: ﴿إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ وهذا كما تقول للرجل تحضه: إن كنت رجلاً فافعل كذا، أي هذه أفعال الرجال.
стр. 66
الموفية عشرين: قوله تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [(٢) سورة النور] قيل: لا يشهد التعذيب إلا من لا يستحق التأديب، قال مجاهد: رجل فما فوقه إلى ألف، وقال ابن زيد: لا بد من حضور أربعة قياساً على الشهادة في الزنا، وأن هذا باب منه، وهو قول مالك والليث والشافعي، وقال عكرمة وعطاء: لا بد من اثنين، وهذا مشهور قول مالك، فرآها موضع شهادة، وقال الزهري: ثلاثة؛ لأنه أقل الجمع، وقال الحسن: واحد فصاعداً، وعنه عشرة، وقال الربيع: ما زاد على الثلاثة، وحجة مجاهد قوله تعالى: ﴿فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ﴾ [(١٢٢) سورة التوبة] وقوله: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ﴾ [(٩) سورة الحجرات] ونزلت في تقاتل رجلين، فكذلك قوله تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ..
ويقرر أهل العلم في صلاة الخوف أنها تقوم بثلاثة، بثلاثة إمام وطائفة مع الإمام الذي هو واحد، وطائفة تحرس، ثم إذا صلى بالطائفة التي معه وهو الواحد ركعة ذهب أو أتم على ما جاء في الصور في صلاة الخوف ثم تأتي الطائفة الأخرى التي كانت تحرس وهي واحد، لذا يقرر أهل العلم أن أقل من تقوم به صلاة الخوف الثلاثة.
والواحد يسمى طائفةً إلى الألف، وقاله ابن عباس وإبراهيم، وأمر أبو برزة الأسلمي بجارية له قد زنت، وولدت فألقى عليها ثوباً وأمر ابنه أن يضربها خمسين ضربة غير مبرحٍ ولا خفيف؛ لكن مؤلم، ودعا جماعةً، ثم تلا: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
الحادية والعشرون: اختلف في المراد بحضور الجماعة، هل المقصود بها الإغلاظ على الزناة، والتوبيخ بحضرة الناس، وأن ذلك يردع المحدود، ومن شهده وحضره يتعظ به، ويزدجر لأجله، ويشيع حديثه، فيعتبر به من بعده، أو الدعاء لهما بالتوبة والرحمة؟ قولان للعلماء ..
стр. 67
لو كان القصد أن يرتدع من يراه، وهذه لا شك أنها من الحِكَم أن يُحضر فيشيع الأمر فينتشر بين الناس، ويتناقل الناس خبره، فيعرف أن هذا مصيره وهذا مآله فلا يقدم أحد على مثل ما أقدم عليه، وفرق بين إشاعةٍ وإشاعة، لأن بعض الناس يرى في قوله -جل وعلا-: ﴿يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ﴾ [(١٩) سورة النور] إشاعة الفاحشة تختلف تماماً عن إشاعة خبر الفاحشة، إشاعة الفاحشة إكثار الفاحشة، تشيع الفاحشة نفسها وتنتشر بين الناس، الذي يحب هذا، هذا محل النص، لكن إذا وقعت الفاحشة، وأريد إقامة الحد على من وقعت منه، وانتشر خبره في الناس ليرتدعوا هذا ليس من إشاعة الفاحشة، هذا من باب إشاعة الخبر، لكي يرتدع الناس لأنهم يعرفون أن هذا مصيرهم، وهذا مآلهم، أما إشاعة الفاحشة فهي إشاعة الفعل نفسه، والسعي في إكثاره وانتشاره بين الناس، ويختلف إشاعة الفعل عن إشاعة خبر الفعل، وما يترتب عليه.
الثانية والعشرون: روي عن حذيفة ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((يا معاشر الناس اتقوا الزنا، فإن فيه ست خصال: ثلاثاً في الدنيا وثلاثاً في الآخرة، فأما اللواتي في الدنيا: فيذهب البهاء، ويورث الفقر، وينقص العمر، وأما اللواتي في الآخرة: فيوجب السخط، وسوء الحساب، والخلود في النار)) وعن أنس أن رسول الله ﷺ قال: ((إن أعمال أمتي تعرض علي في كل جمعة مرتين، فاشتد غضب الله على الزناة)).
وعن النبي ﷺ قال: ((إذا كان ليلة النصف من شعبان اطلع الله على أمتي فغفر لكل مؤمن لا يشرك بالله شيئاً إلا خمسة: ساحراً وكاهناً وعاقاً لوالديه ومدمن خمر ومصراً على الزنا)).
الشيخ: تخريجه هو والذي قبله؟!
الطالب:. . . . . . . . . الحديث الآخر أخرجه البيهقي في الشعب من حديث عائشة وإسناده ضعيف، وكرره من حديث عثمان بن أبي العاص وهو منقطع في هذا الإسناد. . . . . . . . .
الشيخ: والذي قبلهما حديث حذيفة.
الطالب: ضعيف جداً أخرجه ابن الجوزي في الموضوعات حديث حذيفة،. . . . . . . . . وأنه ضعيف، وأنه متروك. . . . . . . . .
الشيخ: كلها ضعاف.
стр. 68
قوله تعالى: ﴿الزَّانِي لَا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [(٣) سورة النور] فيه سبع مسائل:
الأولى: اختلف العلماء في معنى هذه الآية على ستة أوجه من التأويل:
الأول: أن يكون مقصد الآية تشنيع الزنا، وتبشيع أمره، وأنه محرم على المؤمنين، واتصال هذا المعنى بما قبل حسن بليغ، ويريد بقوله: ﴿لَا يَنكِحُ﴾ أي لا يطأ، فيكون النكاح بمعنى الجماع، وردد القصة مبالغة، وأخذاً من كلا الطرفين، ثم زاد تقسيم المشركة والمشرك من حيث الشرك أعم في المعاصي من الزنا، فالمعنى: الزاني لا يطأ في وقت زناه إلا زانيةً من المسلمين أو من هي أحسن منها من المشركات، وقد روي عن ابن عباس وأصحابه: أن النكاح في هذه الآية الوطء، وأنكر ذلك الزجاج، وقال: لا يعرف النكاح في كتاب الله تعالى إلا بمعنى التزويج، وليس كما قال، وفي القرآن: ﴿حَتَّىَ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [(٢٣٠) سورة البقرة] وقد بينه النبي ﷺ أنه بمعنى الوطء، وقد تقدم في البقرة.
هذه الآية مجرد إخبار عن واقع الزاني والزانية، لا ينكح إلا زانية، لأن العفيفة لا توافقه، وقد ينكح مشركة؛ لأن أمر الزنا عند هذه المشركة لا شيء فيه، لأنه لا أعظم من الشرك، وليس معنى هذا تقرير حكم شرعي، أن الزاني ينكح الزانية، يجوز له أن ينكح الزانية، ويجوز له أن ينكح المشركة، لا، وإنما هو بيان للواقع، وأن الزاني لا يوافقه على زناه إلا زانية، فلا يطأ إلا زانية، ولا يطأ إلا مشركة، وكذلك الزانية.
وقد بينه النبي ﷺ أنه بمعنى الوطء، وقد تقدم في البقرة، وذكر الطبري ما ينحو إلى هذا التأويل عن سعيد بن جبير وابن عباس وعكرمة ولكن غير مخلص ولا مكمل، وحكاه الخطابي عن ابن عباس، وأن معناه الوطء أي لا يكون زنىً إلا بزانية، ويفيد أنه زنىً في الجهتين، فهذا قول.
زانية، يعني من عادتها الزنا، وإلا لو وقع من الزاني زنىً بعفيفة صارت زانية، فلا يفيد القيد، إلا إذا قلنا أنها زانية يعني من عادتها الزنا، وأما العفيفة فلا تقع في حبائل أمثال هؤلاء إلا نادراً.
стр. 69
الثاني: ما رواه أبو داود والترمذي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن مرثد بن أبي مرثد كان يحمل الأسارى بمكة، وكان بمكة بغي يقال لها: عناق، وكانت صديقته، قال: فجئت النبي ﷺ فقلت: يا رسول الله، أنكح عناق؟ قال: فسكت عني، فنزلت ﴿وَالزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ [(٣) سورة النور] فدعاني فقرأها علي، وقال: ((لا تنكحها)) لفظ أبي داود، وحديث الترمذي أكمل.
قال الخطابي: هذا خاص بهذه المرأة إذ كانت كافرة فأما الزانية المسلمة فإن العقد عليها لا يفسخ.
العقد عليها صحيح شريطة أن تتوب من زناها.
الثالث: أنها مخصوصة في رجل من المسلمين أيضاً، استأذن رسول الله ﷺ في نكاح امرأة يقال لها: أم مهزول، وكانت من بغايا الزانيات وشرطت أن تنفق عليه، فأنزل الله تعالى هذه الآية قاله: عمرو بن العاص ومجاهد.
الرابع: أنها نزلت في أهل الصفة، وكانوا قوماً من المهاجرين، ولم يكن لهم في المدينة مساكن ولا عشائر فنزلوا صفة المسجد، وكانوا أربعمائة رجل يلتمسون الرزق بالنهار، ويأوون إلى الصفة بالليل، وكان بالمدينة بغايا متعالنات بالفجور مخاصيب بالكسوة والطعام ..
لأنهم فقراء وهنّ موسرات؛ بسبب ما يكتسبن، نسأل الله العافية.
فَهَمَّ أهل الصفة أن يتزوجوهن، فيأووا إلى مساكنهن، ويأكلوا من طعامهن وكسوتهن، فنزلت هذه الآية، صيانةً لهم عن ذلك، قاله ابن أبي صالح.
الخامس: ذكره الزجاج وغيره عن الحسن، وذلك أنه قال: المراد الزاني المحدود والزانية المحدودة، قال: وهذا حكم من الله، فلا يجوز لزانٍ محدود أن يتزوج إلا محدودة، وقال إبراهيم النخعي نحوه، وفي مصنف أبي داود عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا ينكح الزاني المحدود إلا مثله)) وروي أن محدوداً تزوج غير محدودة، ففرَّق علي ﵁ بينهما.
قال ابن العربي، وهذا معنىً لا يصح، نظراً كما لم يثبت نقلاً.
لأن الحد كفارة، الحد كفارة لما وقع، فهو بمثابة التوبة.
стр. 70
وهل يصح أن يوقف نكاح من حدَّ من الرجال على نكاح من حدَّ من النساء؟ فبأي أثر يكون ذلك؟ وعلى أي أصل يقاس من الشريعة؟ قلت: وحكى هذا القول ألكيا عن بعض أصحاب الشافعي المتأخرين، وأن الزاني إذا تزوج غير زانية فرق بينهما لظاهر الآية قال ألكيا: وإن هو عمل بالظاهر فيلزمه عليه أن يجوز للزاني التزوج بالمشركة، ويجوز للزانية أن تزوج نفسها من مشرك، وهذا في غاية البعد، وهو خروج عن الإسلام بالكلية، وربما قال هؤلاء: إن الآية منسوخة في المشرك خاصة دون الزانية.
السادس: أنها منسوخة، روى مالك عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب قال: الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك، قال: نسخت هذه الآية التي بعدها: ﴿وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنكُمْ﴾ [(٣٢) سورة النور] وقاله ابن عمرو قال: دخلت الزانية في أيامى المسلمين، قال أبو جعفر النحاس: وهذا القول عليه أكثر العلماء، وأهل الفتيا يقولون: إن من زنى بامرأةٍ فله أن يتزوجها، ولغيره أن يتزوجها، وهو قول ابن عمر وسالم وجابر بن زيد وعطاء وطاوس ومالك بن أنس، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، وقال الشافعي: القول فيها كما قال سعيد بن المسيب -إن شاء الله- هي منسوخة، قال ابن عطية: وذكر الإشراك في هذه الآية يضعف هذه المناحي، قال ابن العربي: والذي عندي أن النكاح لا يخلو أن يراد به الوطء، كما قال ابن عباس أو العقد، فإن أريد به الوطء فإن معناه لا يكون زنىً إلا بزانية، وذلك عبارة عن أن الوطأين من الرجل والمرأة من الجهتين، ويكون تقدير الآية: وطء الزانية لا يقع إلا من زانٍ أو مشرك، وهذا يؤثر عن ابن عباس، وهو معنىً صحيح.
وعلى هذا تكون الآية خبراً محضاً، لا يتضمن حكماً.
فإن قيل: فإن زنى بالغ بصبية، أو عاقل بمجنونة، أو مستيقظ بنائمة، فإن ذلك من جهة الرجل زنى، فهذا زانٍ نكح غير زانية، فيخرج المراد عن بابه الذي تقدم، قلنا: هو زنىً من كل جهة إلا أن أحدهما سقط فيه الحد، والآخر ثبت فيه، وإن أريد به العقد كان معناه: أن متزوج الزانية التي قد زنت ودخل بها ولم يستبرئها يكون بمنزلة الزاني إلا أنه لا حد عليه لاختلاف العلماء في ذلك.
стр. 71
وهذا يحصل كثير –نسأل الله السلامة والعافية– قد يوجد رجل مع امرأة، ثم يأتي ولي المرأة ويلزم هذا الزاني بالعقد عليها، يلزمه وأحياناً يكون الإلزام بالسلاح، إما أن تعقد وإما أن كذا، من أجل الستر عليها وعليه، ولكن هذا لا يحل الإشكال، لا بد من الاستبراء ولا بد من التوبة –نسأل الله السلامة والعافية-.
وأما إذا عقد عليها ولم يدخل بها حتى يستبرئها فذلك جائز إجماعاً، وقيل: ليس المراد في الآية أن الزاني لا ينكح قطُّ إلا زانية، إذ قد يتصور أن يتزوج غير زانية، ولكن المعنى أن من تزوج بزانية فهو زان فكأنه قال: لا ينكح الزانية إلا زان، فقلب الكلام، وذلك أنه لا ينكح الزانية إلا وهو راضٍ بزناها، وإنما يرضى بذلك إذا كان هو أيضاً يزني.
على كل حال هذه المسألة كثرت في بلاد المسلمين، وصارت من المشاكل والعضل، وهل يلزم إخبار الخاطب أو إخبار المخطوبة بالنسبة للرجل؟ مسألة تتباين فيها أقوال، وينتابها غش الطرف الآخر بأن يزوج العفيف زانية أو العكس، وينتابها أيضاً من جهةٍ أخرى أن التوبة تجبّ ما قبلها، وتهدم ما كان قبلها، وإذا دخل بها ورضي بها بعد ذلك فالأمر. . . . . . . . . والمسألة طويلة الذيول وتحتاج إلى مزيدٍ من البسط.
الثانية: في هذه الآية دليل على أن التزوج بالزانية صحيح، وإذا زنت زوجة الرجل لم يفسد النكاح، وإذا زنى الزوج لم يفسد نكاحه مع زوجته، وهذا على أن الآية منسوخة، وقيل: إنها محكمة وسيأتي ..
يستدل أهل العلم على أن الاستمرار مع الزانية لا يفسد العقد، وأنه لا يلزمه طلاقها إذا زنت، لحديث: ((إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها الحدّ، ولا يثرب عليها، ثم إذا زنت فليجلدها الحد ولا يثرب عليها، ثم إذا زنت الثالثة فليبعها ولو بظفير)) فله إمساكها، وهو يطؤها وملك يمينه مثل زوجته، فيمسكها مع أنها زنت المرة الأولى والثانية ثم الثالثة عليه أن يبيعها، فإمساك الزانية عند أهل العلم أمر معروف؛ لكن هذا يرجع أيضاً إلى الإنسان نفسه، وتقديم مصلحته وغيرته ورضاه بها أماً لأولاده ومربيةً، وراعيةً لبيته وشؤونه، هذا الأمر لا يعدوه –نسأل الله السلامة والعافية-.
стр. 72
الثالثة: روي أن رجلاً زنى بامرأة في زمن أبي بكر ﵁ فجلدهما مائة جلدة ثم زوج أحدهما من الآخر مكانه ونفاهما سنة، وروي مثل ذلك عن عمر وابن مسعود وجابر ﵃، وقال ابن عباس: أوله سفاح وآخره نكاح، ومثل ذلك مثل رجل سرق من حائطٍ ثمره ثم أتى صاحب البستان فاشترى منه ثمره فما سرق حرام، وما اشترى حلال، وبهذا أخذ الشافعي وأبو حنيفة، ورأوا أن الماء لا حرمة له، وروي عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: إذا زنى الرجل بالمرأة ثم نكحها بعد ذلك فهما زانيان أبداً ..
لا شك أن الاستبراء أمر لا بد منه، لأن الولد لو ثبت ليس له، من الزنا، الولد ليس له، الولد للفراش، وللعاهر الحجر، ليس له، هذا هو الحكم الشرعي، وعليه فلا بد أن يستبرئها.
وبهذا أخذ مالك ﵁ فرأى أنه لا ينكحها حتى يستبرئها من مائه الفاسد، لأن النكاح له حرمة، ومن حرمته ألا يصب على ماء السفاح فيختلط الحرام بالحلال، ويمتزج ماء المهانة بماء العزة.
الرابعة: قال ابن خويز منداد: من كان معروفاً بالزنا أو بغيره من الفسوق معلناً به فتزوج إلى أهل بيت سترٍ وغرهم من نفسه، فلهم الخيار في البقاء معه أو فراقه، وذلك كعيب من العيوب، واحتج بقوله ﵇: ((لا ينكح الزاني المجلود إلا مثله)) قال ابن خويز منداد: وإنما ذكر المجلود لاشتهاره بالفسق وهو الذي يجب أن يفرق بينه وبين غيره، فأما من لم يشتهر بالفسق فلا ..
وعلى هذا لو تزوج الرجل امرأةً قارفت الفاحشة ثم تبيّن له ذلك بعد الدخول فهو بالخيار.
الخامسة: قال قوم من المتقدمين: الآية محكمة غير منسوخة وعند هؤلاء: من زنى فسد النكاح بينه وبين زوجته، وإذا زنت الزوجة فسد النكاح بينها وبين زوجها، وقال قوم من هؤلاء: لا ينفسخ النكاح بذلك ولكن يؤمر الرجل بطلاقها إذا زنت ولو أمسكها، أثم ولا يجوز التزوج بالزانية ولا من الزاني، بل لو ظهرت التوبة فحينئذٍ يجوز النكاح.
السادسة: وحرم ذلك على المؤمنين، أي نكاح أولئك البغايا فيزعم بعض أهل التأويل أن نكاح أولئك البغايا حرمه الله تعالى على أمة محمد ﵇ ومن أشهرهن: عناق.
التي تقدم ذكرها في سبب النزول.
стр. 73
السابعة: حرم الله تعالى الزنا في كتابه، فحيثما زنى الرجل فعليه الحدّ، وهذا قول مالك والشافعي وأبي ثور، وقال أصحاب الرأي في الرجل المسلم إذا كان في دار الحرب بأمان وزنى هنالك ثم خرج لم يحدّ، قال ابن المنذر: دار الحرب ودار الإسلام سواء.
لأن التكليف واحد، هو مكلف هنا وهناك وفي كل مكان، ما دام يتدين بالإسلام فهو مكلف، ويلزمه ما يلزم المكلفين.
ومن زنى فعليه الحد على ظاهر، قوله: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾ [(٢) سورة النور].
اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك.
стр. 74
تفسير القرطبي
سورة النور
الكلام على أحكام القذف
الشيخ/ عبد الكريم الخضير
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال الإمام القرطبي -رحمه الله تعالى-:
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [(٤ - ٥) سورة النور].
فيه ست وعشرون مسألة:
الأولى: هذه الآية نزلت في القاذفين، قال سعيد بن جبير: كان سببها ما قيل في عائشة أم المؤمنين ﵂ وقيل: بل نزلت بسبب القذفة عاماً لا في تلك النازلة، وقال ابن المنذر: لم نجد في أخبار رسول الله ﷺ خبراً يدل على تصريح القذف، وظاهر كتاب الله تعالى مستغنىً به دالاً على القذف الذي يوجب الحد، وأهل العلم على ذلك مجمعون ..
سواء نزلت الآية في قصة الإفك وقذف عائشة ﵂– أو في قصة هلال بن أمية أو في غيرها من القصص، فالعبرة بعمومها لا بخصوص السبب.
الثانية: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ﴾ يريد يسبون، واستعير له اسم الرمي لأنه إذاية بالقول، كما قال النابغة: وجرح اللسان كجرح اليد.
وقال آخر:
رماني بأمر كنت منه ووالدي ... بريئاً ومن أجل الطوي رماني
ويسمى قذفاً، ومنه الحديث: إن ابن أمية قذف امرأته بشريك بن السحماء: أي رماها.
والقذف والرمي بمعنىً واحد، والأصل فيه قذف رمي المحسوسات، فإذا أطلق في المعنويات، في المعاني، في النصوص الشرعية فهو حقيقة أيضاً، ولا يقال: إنه مجاز القذف والرمي، الرمى بالكلام أو بنحوه من المعنويات والمعاني فهذه حقيقة لأنها جاءت في معناها في النصوص الشرعية، فهي استعمال اللفظ في حقيقته، فيما وضع له.
الثالثة: ذكر الله تعالى في الآية النساء من حيث هن أهم، ورميهن بالفاحشة أشنع وأنكى للنفوس، وقذف الرجال داخل في حكم الآية بالمعنى ..
стр. 75
نعم، يعني ذكر النساء والتصريح بشناعة قذف النساء، ووجوب الحد في قذف النساء، لا يعني أن الرجال يختلفون عنهن في الأحكام، فقذف الرجل كقذف المرأة، لكن قذف المرأة أشد، والعار اللاحق بأهلها وذويها أعظم، ولذلك صرح بالنساء.
وقذف الرجال داخل في حكم الآية بالمعنى وإجماع الأمة على ذلك، وهذا نحو نصه على تحريم لحم الخنزير، ودخل شحمه وغضاريفه، ونحو ذلك بالمعنى والإجماع ..
يعني جميع ما حواه جلده يحرم، وإن كان التصريح بلحمه؛ لأن غالب ما يؤكل هو اللحم ولذلك صرح به، وفي حكمه جميع ما حواه الجلد، وهل يقاس عليه جميع ما حواه جلد الجزور الإبل في نقض الوضوء أو يختص ذلك باللحم المنصوص عليه في الحديث؟ فالظاهر أنه مثل الخنزير جميع ما حواه جلده.
وحكى الزهراوي أن المعنى: والأنفس المحصنات، فهي بلفظها تعم الرجال والنساء، ويدل على ذلك قوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاء﴾ [(٢٤) سورة النساء] وقال قوم: أراد بالمحصنات الفروج كما قال تعالى: ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ [(٩١) سورة الأنبياء] فيدخل فيه فروج الرجال والنساء، وقيل: إنما ذكر المرأة الأجنبية إذا قذفت ليعطف عليها قذف الرجل زوجته، والله أعلم.
وقرأ الجمهور ﴿المحصَنات﴾ بفتح الصاد، وكسرها يحيى بن وثاب والمحصنات العفائف في هذا الموضع، وقد مضى في النساء ذكر الإحصان ومراتبه، والحمد لله.
وأنه يطلق على المسلمات وعلى العفيفات وعلى المتزوجات.
الرابعة: للقذف شروط عند العلماء تسعة:
شرطان في القاذف وهما: العقل والبلوغ؛ لأنهما أصلا التكليف، إذا التكليف ساقط دونهما ..
فلو أن مجنوناً قذف محصناً أو محصنة لا يقام عليه الحد، وكذا لو قذفه صبي صغير لا يقام عليه الحد؛ لأن مناط التكليف البلوغ والعقل، وهما مفقودان حينئذٍ، أما بالنسبة للمجنون فلا يلحقه شيء، لا حد ولا تعزير، وأما الصبي الصغير فلو عزر لقذفه كان متجهاً.
وشرطان في الشيء المقذوف به، وهو أن يقذف بوطء يلزمه فيه الحد، وهو الزنا واللواط أو بنفيه من أبيه دون سائر المعاصي.
وخمسة في المقذوف وهي: العقل والبلوغ والإسلام والحرية والعفة عن الفاحشة التي رمي بها كان عفيفاً من غيرها أم لا؟
следующие страницы →