Полный текст (585 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
وهذا يحصل كثير –نسأل الله السلامة والعافية– قد يوجد رجل مع امرأة، ثم يأتي ولي المرأة ويلزم هذا الزاني بالعقد عليها، يلزمه وأحياناً يكون الإلزام بالسلاح، إما أن تعقد وإما أن كذا، من أجل الستر عليها وعليه، ولكن هذا لا يحل الإشكال، لا بد من الاستبراء ولا بد من التوبة –نسأل الله السلامة والعافية-.
وأما إذا عقد عليها ولم يدخل بها حتى يستبرئها فذلك جائز إجماعاً، وقيل: ليس المراد في الآية أن الزاني لا ينكح قطُّ إلا زانية، إذ قد يتصور أن يتزوج غير زانية، ولكن المعنى أن من تزوج بزانية فهو زان فكأنه قال: لا ينكح الزانية إلا زان، فقلب الكلام، وذلك أنه لا ينكح الزانية إلا وهو راضٍ بزناها، وإنما يرضى بذلك إذا كان هو أيضاً يزني.
على كل حال هذه المسألة كثرت في بلاد المسلمين، وصارت من المشاكل والعضل، وهل يلزم إخبار الخاطب أو إخبار المخطوبة بالنسبة للرجل؟ مسألة تتباين فيها أقوال، وينتابها غش الطرف الآخر بأن يزوج العفيف زانية أو العكس، وينتابها أيضاً من جهةٍ أخرى أن التوبة تجبّ ما قبلها، وتهدم ما كان قبلها، وإذا دخل بها ورضي بها بعد ذلك فالأمر. . . . . . . . . والمسألة طويلة الذيول وتحتاج إلى مزيدٍ من البسط.
الثانية: في هذه الآية دليل على أن التزوج بالزانية صحيح، وإذا زنت زوجة الرجل لم يفسد النكاح، وإذا زنى الزوج لم يفسد نكاحه مع زوجته، وهذا على أن الآية منسوخة، وقيل: إنها محكمة وسيأتي ..
يستدل أهل العلم على أن الاستمرار مع الزانية لا يفسد العقد، وأنه لا يلزمه طلاقها إذا زنت، لحديث: ((إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها الحدّ، ولا يثرب عليها، ثم إذا زنت فليجلدها الحد ولا يثرب عليها، ثم إذا زنت الثالثة فليبعها ولو بظفير)) فله إمساكها، وهو يطؤها وملك يمينه مثل زوجته، فيمسكها مع أنها زنت المرة الأولى والثانية ثم الثالثة عليه أن يبيعها، فإمساك الزانية عند أهل العلم أمر معروف؛ لكن هذا يرجع أيضاً إلى الإنسان نفسه، وتقديم مصلحته وغيرته ورضاه بها أماً لأولاده ومربيةً، وراعيةً لبيته وشؤونه، هذا الأمر لا يعدوه –نسأل الله السلامة والعافية-.
стр. 72
الثالثة: روي أن رجلاً زنى بامرأة في زمن أبي بكر ﵁ فجلدهما مائة جلدة ثم زوج أحدهما من الآخر مكانه ونفاهما سنة، وروي مثل ذلك عن عمر وابن مسعود وجابر ﵃، وقال ابن عباس: أوله سفاح وآخره نكاح، ومثل ذلك مثل رجل سرق من حائطٍ ثمره ثم أتى صاحب البستان فاشترى منه ثمره فما سرق حرام، وما اشترى حلال، وبهذا أخذ الشافعي وأبو حنيفة، ورأوا أن الماء لا حرمة له، وروي عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: إذا زنى الرجل بالمرأة ثم نكحها بعد ذلك فهما زانيان أبداً ..
لا شك أن الاستبراء أمر لا بد منه، لأن الولد لو ثبت ليس له، من الزنا، الولد ليس له، الولد للفراش، وللعاهر الحجر، ليس له، هذا هو الحكم الشرعي، وعليه فلا بد أن يستبرئها.
وبهذا أخذ مالك ﵁ فرأى أنه لا ينكحها حتى يستبرئها من مائه الفاسد، لأن النكاح له حرمة، ومن حرمته ألا يصب على ماء السفاح فيختلط الحرام بالحلال، ويمتزج ماء المهانة بماء العزة.
الرابعة: قال ابن خويز منداد: من كان معروفاً بالزنا أو بغيره من الفسوق معلناً به فتزوج إلى أهل بيت سترٍ وغرهم من نفسه، فلهم الخيار في البقاء معه أو فراقه، وذلك كعيب من العيوب، واحتج بقوله ﵇: ((لا ينكح الزاني المجلود إلا مثله)) قال ابن خويز منداد: وإنما ذكر المجلود لاشتهاره بالفسق وهو الذي يجب أن يفرق بينه وبين غيره، فأما من لم يشتهر بالفسق فلا ..
وعلى هذا لو تزوج الرجل امرأةً قارفت الفاحشة ثم تبيّن له ذلك بعد الدخول فهو بالخيار.
الخامسة: قال قوم من المتقدمين: الآية محكمة غير منسوخة وعند هؤلاء: من زنى فسد النكاح بينه وبين زوجته، وإذا زنت الزوجة فسد النكاح بينها وبين زوجها، وقال قوم من هؤلاء: لا ينفسخ النكاح بذلك ولكن يؤمر الرجل بطلاقها إذا زنت ولو أمسكها، أثم ولا يجوز التزوج بالزانية ولا من الزاني، بل لو ظهرت التوبة فحينئذٍ يجوز النكاح.
السادسة: وحرم ذلك على المؤمنين، أي نكاح أولئك البغايا فيزعم بعض أهل التأويل أن نكاح أولئك البغايا حرمه الله تعالى على أمة محمد ﵇ ومن أشهرهن: عناق.
التي تقدم ذكرها في سبب النزول.
стр. 73
السابعة: حرم الله تعالى الزنا في كتابه، فحيثما زنى الرجل فعليه الحدّ، وهذا قول مالك والشافعي وأبي ثور، وقال أصحاب الرأي في الرجل المسلم إذا كان في دار الحرب بأمان وزنى هنالك ثم خرج لم يحدّ، قال ابن المنذر: دار الحرب ودار الإسلام سواء.
لأن التكليف واحد، هو مكلف هنا وهناك وفي كل مكان، ما دام يتدين بالإسلام فهو مكلف، ويلزمه ما يلزم المكلفين.
ومن زنى فعليه الحد على ظاهر، قوله: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾ [(٢) سورة النور].
اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك.
стр. 74
تفسير القرطبي
سورة النور
الكلام على أحكام القذف
الشيخ/ عبد الكريم الخضير
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال الإمام القرطبي -رحمه الله تعالى-:
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [(٤ - ٥) سورة النور].
فيه ست وعشرون مسألة:
الأولى: هذه الآية نزلت في القاذفين، قال سعيد بن جبير: كان سببها ما قيل في عائشة أم المؤمنين ﵂ وقيل: بل نزلت بسبب القذفة عاماً لا في تلك النازلة، وقال ابن المنذر: لم نجد في أخبار رسول الله ﷺ خبراً يدل على تصريح القذف، وظاهر كتاب الله تعالى مستغنىً به دالاً على القذف الذي يوجب الحد، وأهل العلم على ذلك مجمعون ..
سواء نزلت الآية في قصة الإفك وقذف عائشة ﵂– أو في قصة هلال بن أمية أو في غيرها من القصص، فالعبرة بعمومها لا بخصوص السبب.
الثانية: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ﴾ يريد يسبون، واستعير له اسم الرمي لأنه إذاية بالقول، كما قال النابغة: وجرح اللسان كجرح اليد.
وقال آخر:
رماني بأمر كنت منه ووالدي ... بريئاً ومن أجل الطوي رماني
ويسمى قذفاً، ومنه الحديث: إن ابن أمية قذف امرأته بشريك بن السحماء: أي رماها.
والقذف والرمي بمعنىً واحد، والأصل فيه قذف رمي المحسوسات، فإذا أطلق في المعنويات، في المعاني، في النصوص الشرعية فهو حقيقة أيضاً، ولا يقال: إنه مجاز القذف والرمي، الرمى بالكلام أو بنحوه من المعنويات والمعاني فهذه حقيقة لأنها جاءت في معناها في النصوص الشرعية، فهي استعمال اللفظ في حقيقته، فيما وضع له.
الثالثة: ذكر الله تعالى في الآية النساء من حيث هن أهم، ورميهن بالفاحشة أشنع وأنكى للنفوس، وقذف الرجال داخل في حكم الآية بالمعنى ..
стр. 75
نعم، يعني ذكر النساء والتصريح بشناعة قذف النساء، ووجوب الحد في قذف النساء، لا يعني أن الرجال يختلفون عنهن في الأحكام، فقذف الرجل كقذف المرأة، لكن قذف المرأة أشد، والعار اللاحق بأهلها وذويها أعظم، ولذلك صرح بالنساء.
وقذف الرجال داخل في حكم الآية بالمعنى وإجماع الأمة على ذلك، وهذا نحو نصه على تحريم لحم الخنزير، ودخل شحمه وغضاريفه، ونحو ذلك بالمعنى والإجماع ..
يعني جميع ما حواه جلده يحرم، وإن كان التصريح بلحمه؛ لأن غالب ما يؤكل هو اللحم ولذلك صرح به، وفي حكمه جميع ما حواه الجلد، وهل يقاس عليه جميع ما حواه جلد الجزور الإبل في نقض الوضوء أو يختص ذلك باللحم المنصوص عليه في الحديث؟ فالظاهر أنه مثل الخنزير جميع ما حواه جلده.
وحكى الزهراوي أن المعنى: والأنفس المحصنات، فهي بلفظها تعم الرجال والنساء، ويدل على ذلك قوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاء﴾ [(٢٤) سورة النساء] وقال قوم: أراد بالمحصنات الفروج كما قال تعالى: ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ [(٩١) سورة الأنبياء] فيدخل فيه فروج الرجال والنساء، وقيل: إنما ذكر المرأة الأجنبية إذا قذفت ليعطف عليها قذف الرجل زوجته، والله أعلم.
وقرأ الجمهور ﴿المحصَنات﴾ بفتح الصاد، وكسرها يحيى بن وثاب والمحصنات العفائف في هذا الموضع، وقد مضى في النساء ذكر الإحصان ومراتبه، والحمد لله.
وأنه يطلق على المسلمات وعلى العفيفات وعلى المتزوجات.
الرابعة: للقذف شروط عند العلماء تسعة:
شرطان في القاذف وهما: العقل والبلوغ؛ لأنهما أصلا التكليف، إذا التكليف ساقط دونهما ..
فلو أن مجنوناً قذف محصناً أو محصنة لا يقام عليه الحد، وكذا لو قذفه صبي صغير لا يقام عليه الحد؛ لأن مناط التكليف البلوغ والعقل، وهما مفقودان حينئذٍ، أما بالنسبة للمجنون فلا يلحقه شيء، لا حد ولا تعزير، وأما الصبي الصغير فلو عزر لقذفه كان متجهاً.
وشرطان في الشيء المقذوف به، وهو أن يقذف بوطء يلزمه فيه الحد، وهو الزنا واللواط أو بنفيه من أبيه دون سائر المعاصي.
وخمسة في المقذوف وهي: العقل والبلوغ والإسلام والحرية والعفة عن الفاحشة التي رمي بها كان عفيفاً من غيرها أم لا؟
стр. 76
يعني ولو تلبس بذنوبٍ أخرى لكنه عفيف بالنسبة لما يوجب الحد من القذف بالزنا أو في اللواط هو عفيف عن هاتين المعصيتين والفاحشتين العظيمتين، وإن تلبس بغيرهما من سرقةٍ أو شربٍ أو نحوه.
وإنما شرطنا في المقذوف العقل والبلوغ كما شرطناهما في القاذف، وإن لم يكونا من معاني الإحصان لأجل أن الحد إنما وضع للزجر عن الإذاية بالمضرة الداخلة على المقذوف، ولا مضرة على من عَدم العقل والبلوغ إذ لا يوصف اللواط فيهما ولا منهما بأنه زنا ..
المضرة حاصلة على من عَدم العقل، لأن القذف لا يختص بالمقذوف لأنه يتعدى إلى أهله وذويه ومعارفه، ومثل ذا الصبي، لو أن إنساناً قذف صبياً أثم بلا شك، لكن هل يلزمه الحد الكامل؟ هذا محل الكلام هنا، لا يلزمه الحد الكامل؛ لأنه في الأصل غير مكلف، ولا يكتب عليه شيء، لكنه يلحقه العار كما يلحق أقاربه وأهله وذويه.
الخامسة: اتفق العلماء على أنه إذا صرح بالزنا كان قذفاً ورمياً موجباً للحد، فإن عرض ولم يصرح، فقال مالك: هو قذف، وقال الشافعي وأبو حنيفة: لا يكون قذفاً حتى يقول: أردت به القذف، والدليل لما قاله مالك هو أن موضوع الحد في القذف إنما هو لإزالة المعرة التي أوقعها القاذف بالمقذوف، فإذا حصلت المعرة بالتعريض وجب أن يكون قذفاً كالتصريح، والمعول على الفهم، وقد قال تعالى مخبراً عن شعيب: ﴿إِنَّكَ لَأَنتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [(٨٧) سورة هود] أي السفيه الضال ..
لا شك أن التعريض قد يقرب من التصريح، وقد يبعد عنه، قد يكون بلفظ قريب من التصريح، وقد يكون بلفظٍ بعيد عن التصريح بحيث لا يفهمه كل أحد، وعلى كل حال إذا قرب من التصريح أخذ حكمه، وإذا بعد بحيث لا يفهمه إلا النوادر من الناس، فمثل هذا لا يأخذ حكمه في إقامة الحد الكامل.
стр. 77
فعرضوا له بالسب بكلام ظاهره المدح في أحد التأويلات حسبما تقدم في هود، وقال تعالى في أبي جهل: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [(٤٩) سورة الدخان] وقال حكايةً عن مريم: ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ [(٢٨) سورة مريم] فمدحوا أباها ونفوا عن أمها البغاء أي الزنا، وعرضوا لمريم بذلك، ولذلك قال تعالى: ﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾ [(١٥٦) سورة النساء] وكفرهم معروف والبهتان العظيم هو التعريض لها أي ما كان أبوك امرأ سوءٍ وما كانت أمك بغياً، أي أنت بخلافهما، وقد أتيت بهذا الولد ..
يعني: لو أن شخصاً قال لآخر: يا فلان أبوك ليس من أهل الفواحش، أبوك لم يقترف زنا ولا لواط ولا شيء، هل يفهم من هذا أنك أنت اقترفت ذلك؟ أو أن السياق والقرائن يستدل بها على المراد؟
طالب:. . . . . . . . .
الشيخ: قد يكون أبوه ممن عرف بالأسفار والذهاب إلى بلادٍ يتساهل فيها بالمنكرات والفواحش وكذا فيريد أن يبرئ والده؛ لأنه صحبه في هذه الأسفار وما عرف بذلك، فقرائن الأحوال يستدل بها على المراد، لكن لو كان أبوه ما عرف بالأسفار، وعرف أنه من أهل المسجد، وليس من أهل تلك الأعمال، عُرف أنه يريد الابن، فالقرائن لها أحكام.
وقال تعالى: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ [(٢٤) سورة سبأ] فهذا اللفظ قد فهم منه أن المراد به أن الكفار على غير هدى، وأن الله تعالى ورسولَه على الهدى، ففهم من هذا التعريض ما يفهم من صريحه، وقد حبس عمر ﵁ الحطيئة لما قال:
دع المكارم لا ترحل لبغيتها ... واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي
لأنه شبهه بالنساء في أنهن يطعمن ويسقين ويكسون، ولما سمع قول النجاشي:
قبيلة لا يغدرون بذمة ... ولا يظلمون الناس حبة خردل
قال: ليت الخطاب كذلك، وإنما أراد الشاعر ضعف القبيلة، ومثله كثير.
السادسة: الجمهور من العلماء على أنه لا حد على من قذف رجلاً من أهل الكتاب أو امرأةً منهم، وقال الزهري وسعيد بن المسيب ..
стр. 78
لأنهم تلبسوا بما هو أعظم من ذلك، تلبسوا بالكفر، وما بعد الكفر ذنب.
وقال الزهري وسعيد بن المسيب وابن أبي ليلى: عليه الحد إذا كان لها ولد من مسلم ..
نعم، صيانةً لعرض المسلم.
وفيه قول ثالث: وهو أنه إذا قذف النصرانية تحت المسلم جلد الحد، قال ابن المنذر: وجلُّ العلماء مجمعون وقائلون بالقول الأول، ولم أدرك أحداً ولا لقيته يخالف في ذلك، وإذا قذف النصراني المسلم الحر فعليه ما على المسلم ثمانون جلدة، لا أعلم في ذلك خلافاً.
السابعة: والجمهور من العلماء على أن العبد إذا قذف حراً ..
لا شك أن الكلام في الكافر بالكفر فما دونه لا إشكال فيه من جهة هذا الكافر، لكن إذا كانت تتضرر بذلك، أهله وأقاربه وذووه ومن له به صلة من المسلمين فقد جاء النهي عن ذلك، اذكروا محاسن موتاكم ولا تؤذوا الأحياء، يعني ولو كان أهل لأن يتكلم فيه بشيء ما دام يؤذي أقاربه من الأحياء فإنه لا يذكر، فالعبرة بالأذى المتعدي، فإذا كان الأذى يتعدى إلى مسلم مُنع.
السابعة: والجمهور من العلماء على أن العبد إذا قذف حراً يجلد أربعين لأنه حد يتشطر بالرق كحد الزنا، وروي عن ابن مسعود وعمر بن عبد العزيز وقبيصة بن ذؤيب يجلد ثمانين، وجلد أبو بكر بن محمد عبداً قذف حراً ثمانين، وبه قال الأوزاعي، واحتج الجمهور بقول الله تعالى: ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [(٢٥) سورة النساء] ..
فإذا كان هذا في الزنا، ينصّف في الحد في الزنا وهو أعظم من القذف، والقذف هو رمي بالزنا، وكلام به، واتهام به، وصيانة لعرض المسلم من الوسيلة فإذا نصّف في الغاية التي هي الزنا، فله أن ينصّف في الوسيلة من باب أولى، وحتى قول الجمهور وغيرهم لهم حجتهم.
وقال الآخرون: فهمنا هناك أن حد الزنا لله تعالى، وأنه ربما كان أخف فيمن قلت نعم الله عليه وأفحش فيمن عظمت نعم الله عليه، وأما حد القذف فحق للآدمي وجب للجناية على عرض المقذوف، والجناية لا تختلف بالرق والحرية وربما قالوا: لو كان يختلف لذكر كما ذكر في الزنا، قال ابن المنذر: والذي عليه عوامّ علماء الأمصار القول الأول، وبه أقول.
стр. 79
الثامنة: وأجمع العلماء على أن الحر لا يجلد للعبد إذا افترى عليه لتباين مرتبتهما ولقوله ﵇: من قذف مملوكه بالزنا أقيم عليه الحد يوم القيامة إلا أن يكون كما يقول.
ولو لزمه الحد في الدنيا لبرئ به، ولما احتيج إلى حد الآخرة.
خرجه البخاري ومسلم، وفي بعض طرقه: ((من قذف عبده بزنىً ثم لم يثبت أقيم عليه يوم القيامة الحد ثمانون)) ذكره الدارقطني، قال العلماء: وإنما كان ذلك في الآخرة لارتفاع الملك واستواء الشريف والوضيع والحر والعبد، ولم يكن لأحدٍ فضل إلا بالتقوى، ولما كان ذلك تكافأ الناس في الحدود والحرمة، واقتص من كل واحدٍ لصاحبه إلا أن يعفو المظلوم عن الظالم، وإنما لم يتكافؤوا في الدنيا لئلا تدخل الداخلة على المالكين في مكافأتهم لهم فلا تصح لهم حرمة ولا فضل في منزلة، وتبطل فائدة التسخير حكمة من الحكيم العليم لا إله إلا هو.
التاسعة: قال مالك والشافعي: من قذف من يحسبه عبداً فإذا هو حر فعليه الحد. وقاله الحسن البصري واختاره ابن المنذر، قال مالك:
لأن العبرة بحقيقة الحال والواقع.
ومن قذف أم الولد حدّ، وروي عن ابن عمر وهو قياس قول الشافعي، وقال الحسن البصري: لا حد عليه.
على الخلاف في العبرة بالحال أو المآل، إن نظرنا إلى الحال حكمنا عليها بأنها أمة، وإن نظرنا إلى المآل حكمنا عليها حرة، وقد أعتقها ولدها، والخلاف تبعاً لذلك، والجمهور على أن العبرة بالحال.
العاشرة: واختلف العلماء فيمن قال لرجل: يا من وطئ بين الفخذين، فقال ابن القاسم: عليه الحد لأنه تعريض، وقال أشهب: لا حد فيه، لأنه نسبة إلى فعل لا يعد زنىً إجماعاً.
الحادية عشرة: إذا رمى صبية يمكن وطؤها قبل البلوغ بالزنا كان قذفاً عن مالك وقال أبو حنيفة والشافعي وأبو ثور:
تقدم في البلوغ شرط، شرط في القاذف والمقذوف، وهنا يقول: إذا رمى صبيةً يمكن وطؤها قبل البلوغ بالزنا كان قذفاً عند مالك. والقول الثاني: هو الجاري على ما قرره سابقاً.
стр. 80
وقال أبو حنيفة والشافعي وأبو ثور: ليس بقذف، لأنه ليس بزنىً إذ لا حد عليها ويعزر قال ابن العربي: والمسألة محتملة مشكلة لكن مالك طلب حماية عرض المقذوف وغيره راعى حماية ظهر القاذف وحماية عرض المقذوف أولى ..
لأنه مظلوم، فحماية عرضه أولى، والتعزير متجه.
لأن القاذف كشف ستره بطرف لسانه فلزمه الحد، قال ابن المنذر: وقال أحمد في الجارية بنت تسع: يجلد قاذفها، وكذلك الصبي ..
لأنها امرأة على ما قالت عائشة ﵂: إذا بلغت البنت تسعاً فهي امرأة.
وكذلك الصبي إذا بلغ عشراً ضرب قاذفه ..
لأن مثله يطأ.
قال إسحاق: إذا قذف غلاماً يطأ مثله فعليه الحد، والجارية إذا جاوزت تسعاً مثل ذلك، قال ابن المنذر: لا يحد من قذف من لم يبلغ لأن ذلك كذب، ويعزر على الأذى ..
لكن وقوع الفاحشة من مثل هؤلاء متصورة، وليس بكذب لأنه يتكلم عن واقع وصدق، وقد يصدق في كلامه أنه زنى أو لاط أو ليط به، المقصود أنه يحكي واقعه، فعلى هذا إذا أمكن تصديقه حدّ القذف، إذا لم يمكن تصديقه بأن قال: هذا ابن ثلاث سنين أو أربع سنين وجدته وقع على أخته، أو على بنت فلان أو ما أشبه ذلك، هذا خبر لا يمكن تصديقه، لأن مثل هذا لا يقع، وحينئذٍ لا يحدّ.
قال أبو عبيد في حديث علي ﵁ أن امرأة جاءته فذكرت أن زوجها يأتي جاريتها فقال: إن كنت صادقةً رجمناه، وإن كنت كاذبةً جلدناك فقالت: ردوني إلى أهلي غيرى نغرة. قال أبو عبيد: في هذا الحديث من الفقه أن على الرجل إذا واقع جارية امرأته الحدّ. وفيه أيضاً إذا قذفه بذلك قاذف كان على قاذفه الحد ألا تسمع قوله: وإن كنت كاذبةً جلدناك ووجه هذا كله إذا لم يكن الفاعل جاهلاً بما يأتي وبما يقول فإن كان جاهلاً، وادعى شبهة درئ عنه الحد في ذلك كله.
نعم، لأن الحدود تدرئ بالشبهات، لكن حقوق العباد مبنية على المشاحة، فإذا درئ الحد بالنسبة للزنا وما يشبهه فلأن يحتاج لأعراض المسلمين من باب أولى، فمثل حد القذف بقدر ما يحتاط للقاذف في درئ الحد بالشبهة يحتاج أيضاً لعرض المقذوف فيحتاط للطرفين.
стр. 81
وفيه: أيضاً أن رجلاً لو قذف رجلاً بحضرة حاكم، وليس المقذوف بحاضر أنه لا شيء على القاذف حتى يجيء فيطلب حده لأنه لا يدري لعله يصدقه ألا ترى أن علياً ﵇ لم يعرض لها ..
لأنه حق له، إن طالب به أقيم، وإن لم يطالب به لم يقم.
وفيه: أن الحاكم إذا قذف عنده رجل ثم جاء المقذوف فطلب حقه أخذه الحاكم بالحد بسماعه، ألا تراه يقول: وإن كنت كاذبةً جلدناك، وهذا لأنه من حقوق الناس، قلت: اختلف هل هو من حقوق الله أو من حقوق الآدميين؟ وسيأتي ..
هل في هذا ما يدل على أن القاضي يحكم بعلمه؟ فيه أن الحاكم إذا قذف عنده رجل ثم جاء المقذوف فطلب حقه أخذ الحاكم بالحد بسماعه، أخذه الحاكم بالحد بسماعه، يعني يكفي مجرد السماع الأول واعتراف القاذف ولا يحتاج أن يقال: أحضر البينة أنه قذفك أو يعترف بذلك من جديد؟ فنقول: أن هذا يُكتفى فيه بعلم القاضي ويحكم بعلمه، أو لا بد من البينة؟ كلامه واستناده على قول علي ﵁ يدل على أنه يحكم بعلمه، وأن اعترافه الأول كافي.
طالب:. . . . . . . . .
بس ما غيبة الخصم، ما يسمى اعترافاً.
طالب: لكن حكم القاضي بعلمه يكون فيما رآه خال من السماع، أو سمعه هذا في مجلس الحكم.
وهذا ما عرفنا أنه في مجلس الحكم، ما في مجلس حكم أصلاً، ما هو موجود الخصم، الخصم غائب.
قلت: اختلف هل هو من حقوق الله أو من حقوق الآدميين؟ وسيأتي، قال أبو عبيد: قال الأصمعي سألني شعبة عن قوله: (غيرى نغرة) فقلت له: هو مأخوذ من نغر القدر، وهو غليانها وفورها، يقال منه: نغرت تنغر، ونغرت تنغِر، إذا غلت، فمعناه أنها أرادت أن جوفها يغلي من الغيظ والغيرة لما لم تجد عنده ما تريد قال: ويقال منه: رأيت فلاناً يتنغر على فلان، أي يغلي جوفه عليه غيظاً ..
لا شك أن الزوجة إذا رأت من زوجها شيء من ذلك، ولو لم يكن الوطء الكامل، ولو مجرد كلام أو مجرد مقدمات لا شك أنها من غيرتها ونغرتها، ولا شك أنها ترميه بما هو أعظم، ومثل هذا قد يتسامح فيه ويتجاوز عنه.
стр. 82
ولذلكم تجدون المرأة تعيش مع زوجها عشر سنين، أو عشرين سنة، وعنده معاصي، عنده موبقات، غير ما يتعلق بالجنس، وقد يكون الشخص متساهل بالصلاة أو لا يصلي، فإذا أراد أن يتزوج عليها بحثت عن جميع هذه المعاصي ودونتها، وسألت عنها هل يجوز البقاء معه أو لا؟ وإذا فسخنا هل نستحق شيء أو لا يستحق؟ المقصود أنهن في هذا الباب يبحثن عن أمور ما كانت تخطر لهن على بال، قد يكون الشخص في باب الصلاة ليس بالحريص عليها، وقد يتخلف عنها، وقد يتركها أحياناً، ثم بعد ذلك المرأة ساكتة معه، فإذا أراد أن يتزوج أخرى، سألت هل يجوز البقاء معه وهو لا يصلي أو يتساهل بالصلاة؟ كل هذا من أجل أنها تحركت فيها الحمية والغيرة، وإلا لو كان القصد الدين، وما يتعلق بالدين فالله غفور رحيم.
الثانية عشرة: من قذف زوجةً من أزواج النبي ﷺ حدَّ حدين، قاله مسروق، قال ابن العربي: والصحيح أنه حد واحد؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [(٤) سورة النور] الآية، ولا يقتضي شرفهن زيادةً في حد من قذفهن، لأن شرف المنزلة لا يؤثر في الحدود، ولا نقصها يؤثر في الحد بتنقيص، والله أعلم. وسيأتي الكلام فيمن قذف عائشة ﵂ هل يقتل أم لا؟.
يعني هل يقتل بعد نزول براءتها؟ وأما قبل ذلك فحدهم النبي ﵊، جلدهم الحد، جلد أربعة، جلد رجلين وامرأتين.
طالب: مضاعفة العذاب لهن ما يحتمل؟
هذا بالنسبة لأمهات المؤمنين، من يأتِ منكن بفاحشة يضاعف لها العذاب ضعفين، وذلكم بمضاعفة الأجور، نؤتها أجرها مرتين، والغنم مع الغرم، ما دام يضاعف لها الأجر يضاعف عليها العذاب، وهكذا كل ما ارتفعت منزلة الإنسان وزادت أجوره، وزاد ثوابه، وزاد علمه بالله تعالى يزاد عليه في مخالفاته.
والنبي ﵊ كان يوعك كما يوعك الرجلان منكم، كما جاء في حديث مسعود، قال: ذلك أن لك أجرين؟ قال: أجل، فأجره على قدر نصبه.
طالب:. . . . . . . . . مضاعفة العذاب ما يحتمل.
يعني بعد نزول براءة عائشة.
طالب: ما فيه قول أنه يقتل يا شيخ. . . . . . . . .
стр. 83
بلا شك، لا سيما وأن الله -جل وعلا- يقول: ﴿وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ﴾ [(٢٦) سورة النور] ويقول أيضاً: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ﴾ [(٢٦) سورة النور] فإثبات الخبث لأمهات المؤمنين تعريض للنبي ﵊.
طالب: لو كان خصمك. . . . . . . . . أمهات المؤمنين. . . . . . . . .
على كل حال أصل القذف تبعاً لما يلحق الإنسان من العار، فكلما كان الإنسان عن العار أبعد كان الأمر أشد، وإذا قربت عن العار ودارت حوله التهم فقذف، لا شك أن عرضه مصون ولا بد من الإتيان بالشهود الأربعة وإلا لو اقتصر على ثلاثة لقذفوا، لكن مثل قذف هذا أسهل بكثير من قذف المحصن العفيف البريء، والله المستعان، من حيث الإثم لذا جاء في الحديث وهو ضعيف: ((قذف محصنة يحبط عبادة ستين سنة)) –نسأل الله العافية– فالأمر شديد ليس بالسهل، وأعراض المسلمين حفرة من حفر النار، هذا في غير القذف فكيف به؟.
الثالثة عشرة: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء﴾ [(٤) سورة النور] الذي يفتقر إلى أربعة شهداء دون سائر الحقوق هو الزنا رحمةً بعباده وستراً لهم، وقد تقدم في سورة النساء.
الرابعة عشرة: من شرط أداء الشهود الشهادة عند مالك ﵀: أن يكون ذلك في مجلسٍ واحد، فإن افترقت لم تكن شهادة، وقال عبد الملك: تقبل شهادتهم مجتمعين ومفترقين، فرأى مالك أن اجتماعهم تعبد، وبه قال ابن الحسن، ورأى عبد الملك أن المقصود أداء الشهادة واجتماعها، وقد حصل وهو قول عثمان البتي وأبي ثور، واختاره ابن المنذر، لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء﴾ وقوله: ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاء﴾ [(١٣) سورة النور] ولم يذكر مفترقين ولا مجتمعين.
فإذا جاء بالأربعة مجتمعين صدق أنه جاء بأربعة شهداء، وإذا جاء بهم مفترقين صدق أنه جاء بأربعة شهداء، فالآية تحتمل هذا وهذا.
الخامسة عشرة: فإن تمت الشهادة إلا أنهم لم يعدلوا فكان الحسن البصري والشعبي يريان أن لا حد على الشهود ولا على المشهود.
стр. 84
لا على الشهود لأنهم جاؤوا بما طلب منهم، ووفوا بما طلب منهم، ولا حد على المشهود باعتبار أن هؤلاء الشهود لم يعدوا، والشهادة لا تقوم إلا بالثقات.
وبه قال أحمد والنعمان ومحمد بن الحسن ..
النعمان هو أبو حنيفة، محمد بن الحسن صاحبه.
وقال مالك: إذا شهد عليه أربعة بالزنا فإن كان أحدهم مسخوطاً عليه أو عبداً يجلدون جميعاً، وقال سفيان الثوري وأحمد وإسحاق في أربعة عميان يشهدون على امرأة بالزنا: يضربون.
لأن مرد هذه الشهادة إلى النظر، إلى الرؤية، إلى البصر، وليسوا من أهلها، اللهم إلا إن شهدوا على اعترافها، شهدوا أنها اعترفت بالزنا، فهذا شيء آخر.
طالب: معنى مسخوطاً عليه؟
مسخوطاً عليه، يعني ليس بمرضي، شاهد غير مرضي.
السادسة عشرة: فإن رجع أحد الشهود، وقد رجم المشهود عليه في الزنا، فقالت طائفة: يغرم ربع الدية، ولا شيء على الآخرين، وكذلك قال قتادة وحماد وعكرمة وأبو هاشم ومالك وأحمد وأصحاب الرأي، وقال الشافعي: إن قال تعمدتُ ليقتل فالأولياء بالخيار إن شاءوا قتلوا، وإن شاءوا عفوا وأخذوا ربع الدية ..
لأن القتل لا يتبعض، وإنما قتل المقتول بشهادته التي الدافع له عليها أن يقتل، فمثل هذا يستحق القتل، وإن عفوا عن القتل وقبلوا الدية فإنما قتل بربع -بالنسبة له- بربع البينة، فعليه حينئذٍ ربع الدية، والدية تتبعض.
وإن شاءوا عفوا وأخذوا ربع الدية وعليه الحد، وقال الحسن البصري: يقتل وعلى الآخرين ثلاثة أرباع الدية، وقال ابن سيرين: إذا قال: أخطأت وأردت غيره فعليه الدية كاملة، وإن قال تعمدت قتل، وبه قال ابن شبرمة.
السابعة عشرة: واختلف العلماء في حد القذف هل هو من حقوق الله أو من حقوق الآدميين أو فيه شائبة منهما؟
الأول: قول أبي حنيفة، والثاني: قول مالك والشافعي، والثالث: قاله بعض المتأخرين، وفائدة الخلاف أنه إن كان حقاً لله تعالى وبلغ الإمام أقامه، وإن لم يطلب ذلك المقذوف، ونفعت القاذف التوبة فيما بينه وبين الله تعالى ويتشطر فيه الحد بالرق كالزنا، وإن كان حقاً للآدمي فلا يقيمه الإمام إلا بمطالبة المقذوف ويسقط بعفوه، ولم تنفع القاذف التوبة حتى يحلله المقذوف.
نعم، لأن الأمر لا يعدوه حق له.
стр. 85
الثامنة عشرة: قوله تعالى: ﴿لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ﴾ [(٤) سورة النور] قراءة الجمهور على إضافة الأربعة إلى الشهداء، وقرأ عبد الله بن مسلم بن يسار وأبو زرعة بن عمرو بن جرير ﴿بأربعةٍ﴾ بالتنوين ﴿شهداء﴾ وفيه أربعة أوجه:
يكون في موضع جر على النعت لأربعة، أو بدلاً، ويجوز أن يكون حالاً من نكرة، أو تمييزاً، وفي الحال والتمييز نظر، إذ الحال من نكرة والتمييز مجموع، وسيبويه يرى أن تنوين العدد وترك إضافته إنما يجوز في الشعر، وقد حسن أبو الفتح عثمان بن جني هذه القراءة، وحبب على قراءة الجمهور، قال النحاس: ويجوز أن يكون ﴿شهداء﴾ في موضع نصب، بمعنى ثم لم يحضروا أربعة شهداء.
التاسعة عشرة: حكم شهادة الأربعة: أن تكون على معاينة يرون ذلك كالمرود في المكحلة على ما تقدم في النساء في نص الحديث، وأن تكون في موطن واحد على قول مالك، وإن اضطرب واحد منهم جلد الثلاثة، كما فعل عمر في أمر المغيرة بن شعبة، وذلك أنه شهد عليه بالزنا أبو بكرة نفيع بن الحارث وأخوه نافع، وقال الزهراوي: عبد الله بن الحارث وزياد أخوهما لأم وهو مستلحق معاوية، وشبل بن معبد البجلي، فلما جاءوا لأداء الشهادة وتوقف زياد ولم يؤدها، جلد عمر الثلاثة المذكورين.
الموفية عشرين: قوله تعالى: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ﴾ [(٤) سورة النور]
إذا لم يتم النصاب الأربعة جلد الشهود، وإن كانوا صادقين في حقيقة الأمر، وإن كان الثلاثة قد رأوه يزني زنىً تاماً حقيقياً بالشرط المعروف كما يُرى الميل في المكحلة، يجلدون صيانةً لأعراض المسلمين، لا بد من تمام الأربعة، ولو على غلب على الظن صدقهم، ولو دلت القرائن على صدقهم.
قوله تعالى: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ﴾ الجلد الضرب، والمجالدة والمضاربة في الجلود، أو بالجلود، ثم استعير الجلد لغير ذلك من سيفٍ أو غيره، ومنه قول قيس بن الخطيم:
أجالدهم يوم الحديقة حاسراً ... كأن يدي بالسيف محراق لاعبِ
﴿ثَمَانِينَ﴾ على المصدر ﴿جَلْدَةً﴾ تمييز ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ هذا يقتضي مدة أعمارهم، ثم حكم عليهم بأنهم فاسقون، أي خارجون عن طاعة الله .
стр. 86
فالقاذف يحكم عليه بثلاثة أحكام، الجلد ثمانين جلدة، ورد الشهادة رداً مؤبداً مع الفسق، هذه الثلاثة، ويستثنى من ذلك إلا الذين تابوا.
طالب: لو شهد ثلاثة وشهادة الرابع عبارة عن تصوير؟
الشيخ: ما يكفي، ما يكفي، لا بد من أربعة.
طالب: ما يكونوا الثلاثة قرينة، قرينة قوية؟
ولو كانت القرينة قوية ما تكفي، لا بد من أربعة، والتصوير يعتريه ما يعتريه، قد لا يحكي الواقع.
الحادية والعشرين:
قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ [(٥) سورة النور] في موضع نصب على الاستثناء، ويجوز أن يكون في موضع خفضٍ على البدل، والمعنى: ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً، إلا الذين تابوا وأصلحوا من بعد القذف، فإن الله غفور رحيم، فتضمنت الآية ثلاثة أحكام في القاذف: جلده، ورد شهادته أبداً، وفسقه، فالاستثناء غير عامل في جلده بالإجماع إلا ما روي عن الشعبي على ما يأتي، وعامل في فسقه بإجماع، واختلف الناس في عمله في رد الشهادة ..
وهكذا الشأن في كل استثناء يتعقب جملاً، هل يعود إلى الجميع أو إلى الأخيرة فقط؟ محل خلافٍ بين أهل العلم، أما عوده على الجملة الأخيرة بمحل اتفاق، وما عداها حسب ما تدل عليه الأدلة الخارجية.
فقال شريح القاضي وإبراهيم النخعي والحسن البصري وسفيان الثوري وأبو حنيفة: لا يعمل الاستثناء في رد شهادته، وإنما يزول فسقه عند الله تعالى ..
دليل أنه قال: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ [(٤) سورة النور] هذا التأبيد له تأثيره.
وأما شهادة القاذف فلا تقبل البتة، ولو تاب وأكذب نفسه ولا بحالٍ من الأحوال، وقال الجمهور: الاستثناء عامل في رد الشهادة، فإذا تاب القاذف قبلت شهادته ..
لأن رد الشهادة سببه الفسق، الفسق الناشئ عن هذا القذف، فإذا ارتفع الوصف الذي هو الفسق وسبب رد الشهادة ارتفع ما رتب عليه وهو رد الشهادة.
فإذا تاب القاذف قبلت شهادته، وإنما كان ردها لعلة الفسق، فإذا زال بالتوبة قبلت شهادته مطلقاً، قبل الحد وبعده، وهو قول عامة الفقهاء.
стр. 87
ثم اختلفوا في صورة توبته فمذهب عمر بن الخطاب ﵁ والشعبي وغيره أن توبته لا تكون إلا بأن يكذب نفسه في ذلك القذف الذي حد فيه، وهكذا فعل عمر فإنه قال للذين شهدوا على المغيرة: من أكذب نفسه أجزت شهادته فيما استقبل، ومن لم يفعل لم أجز شهادته، فأكذب الشبل بن معبد، ونافع بن الحارث بن كلدة أنفسهما، وتابا وأبى أبو بكرة أن يفعل، فكان لا يقبل شهادته، وحكى هذا القول النحاس عن أهل المدينة ..
قد يقول قائل: كيف يكذب نفسه وقد رأى الأمر حقيقةً بعين رأسه؟ هو فيما بينه وبين ربه صادق، رأى الفعل صادقاً، فكيف يشترط في قبول توبته إكذاب نفسه وهو صادق في حقيقة الأمر؟ وإذا أردنا من إنسان أن يكذّب نفسه في أمرٍ قد صدق فيه، أمر صدقه فيه قطعي بالنسبة له، كلفناه بمحال، يعني لو قلنا: لشخص يرى هذه اللمبة، يقول: إني رأيت هذه اللمبة أو هذه الشمعة والعة، ورأيت الشمس طالعة في النهار، ثم ألزمناه أن يكذب نفسه لأمرٍ من الأمور، هل يستطيع أن يكذب نفسه؟ تصور في هذا القاذف من الثلاثة أنه رأى، بل الثلاثة كلهم رأوا، المسألة مسألة حكم شرعي، فكونهم يحدون هذا حكم شرعي، ولو كانوا صادقين، لأن النصاب ما تمّ، النصاب الذي يرفع عنهم الحد ما تم، إذاً يلزمهم الحد، وكوننا نطالبهم بأن يكذبوا أنفسهم هل هذا مرده أن الأمر لم يقع، وأنهم تراجعوا عن شهادتهم، وهم يجزمون بأن الأمر قد وقع؟ فكيف يلزم الإنسان بما يخالف الواقع؟ أو نقول: أن أيضاً التكذيب حكم شرعي فائدته صيانة عرض المسلم، فيكذب نفسه فيما بينه وبين الناس، وإن كان في حقيقة الأمر والواقع أنه صادق؟ يعني يكذب نفسه من أجل المصلحة الراجحة، وإلا إذا قال: ليس بصحيح، أنا ما رأيته يزني، وقد رأى هذا كذب، مخالف للواقع، مثل هذا إنما هو مجرد حكم شرعي لا يلتفت فيه إلى الواقع، وإنما يلتفت فيه إلى ما شرعه الله -جل وعلا- من صيانة عرض المسلم حتى يتم النصاب.
وقالت فرقة منها مالك -رحمه الله تعالى- وغيره: توبته أن يصلح ويحسن حاله وإن لم يرجع عن قوله بتكذيب، وحسبه الندم على قذفه، والاستغفار منه، وترك العود إلى مثله ..
وجاء في الحديث: ((الندم توبة)) فإذا ندم على ذلك صحّت توبته.
стр. 88
وهو قول ابن جرير، ويروى عن الشعبي أنه قال: الاستثناء من الأحكام الثلاثة إذا تاب، وظهرت توبته لم يحد وقبلت شهادته، وزال عنه التفسيق، لأنه قد صار ممن يرضى من الشهداء، وقد قال الله : ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ﴾ [(٨٢) سورة طه] الآية ..
إكذابه نفسه وتوبته هل توبته مما يوجب الحد عليه أو مما يوجب الحد على غيره؟ هل توبته المطالب بها مما يوجب الحد عليه أو مما يوجب الحد على غيره؟ هو حدّ وجلد، فهل قبول التوبة وعلامة التوبة أن يكذب نفسه مما حدّ بسببه، وأنه شهد شهادةً ناقصة بحيث لم يتم نصابها، أو لأنه قذف شخصاً محصناً؟
طالب: فيه خلاف.
نعم، نعود إلى المسألة السابقة، وهو أنه كان مجرد قذف لا يستند إلى واقع، وأنه تعجل في القذف ولم يتحقق من حقيقة ما يوجب الحد هذا لا بد أن يكذب نفسه، وأما إذا كان قد رأى ذلك حقيقةً فهو يتوب مما حدّ بسببه، وهو عدم تمام النصاب.
الثانية والعشرون: اختلف علماؤنا -رحمهم الله تعالى- متى تسقط شهادة القاذف؟ فقال ابن الماجشون: بنفس قذفه، وقال ابن القاسم وأشهب وسحنون: لا تسقط حتى يجلد فإن منع من جلده مانع عفوٍ أو غيره لم ترد شهادته، وقال الشيخ أبو الحسن اللخمي: شهادته في مدة الأجل موقوفة، ورجح القول بأن التوبة، إنما تكون بالتكذيب في القذف، وإلا فأي رجوع لعدلٍ إن قذف وحد وبقي على عدالته.
الثالثة والعشرون: واختلفوا أيضاً على القول بجواز شهادته بعد التوبة في أي شيء تجوز؟ فقال مالك -رحمه الله تعالى-: تجوز في كل شيء مطلقاً، وكذلك كل من حدّ في شيء من الأشياء ..
يعني ما لم يمنع مانع آخر، ما لم يمنع من قبول شهادته مانع آخر.
стр. 89
رواه نافع وابن عبد الحكم عن مالك، وهو قول ابن كنانة، وذكر الوقار عن مالك أنه لا تقبل شهادته فيما حد فيه خاصة، وتقبل فيما سوى ذلك، وهو قول مطرف وابن الماجشون، وروى العتبي عن أصبغ وسحنون مثله، قال سحنون: من حد في شيء من الأشياء، فلا تجوز شهادته في مثل ما حد فيه، وقال مطرف وابن الماجشون: من حدَّ في قذفٍ أو زنى فلا تجوز شهادته في شيء من وجوه الزنا ولا في قذف ولا لعان، وإن كان عدلاً، وروياه عن مالك، واتفقوا على ولد الزنا أن شهادته لا تجوز في الزنا ..
ولد الزنا لا تجوز شهادته بالزنا، وهو رجل حر مكلف، عدل ثقة صالح، وما الذي يمنع من قبول شهادته؟ قد يقول قائل: أنه معروف بهذا الوصف، وأنه ولد زنا، وأنه مشتهر بين الناس بذلك، فيريد من يكثر ويحول من شأن الزنا فيقذف به الناس، معروف بهذا الوصف، وبهذا الانتساب، ويشقّ عليه أن ينظر الناس إليه من هذه الحيثية بعين النقيصة، فتجده قد يتساهل في قذف فلان وفلان، ويفرح بخبرٍ جاء عن فلان وأن فلان زنا، وأن فلانة زنت، يعني ليخف الأمر بين الناس إذا كثر، يعني إذا كان جنسه كثير في البلد هان عليه الأمر، بخلاف ما إذا كان واحد نشاز في البلد تضيق به الدنيا بما رحبت.
وهذا شأن كل من اتصف بنقيصة، سواء كانت خلقية أو خلقية أو غير ذلك، تجد سيء الخلق يعزّ عليه أن لا يكون في بلد إلا هو سيء الخلق، تجد الناس كلهم أو جلهم على هذا الوصف ليخف أمره عند الناس، فهل السبب في كونه لا تقبل شهادة ابن الزنا -ولد الزنا- أنه يتساهل بها؟ يتساهل بالقذف، ويتساهل بما يتعلق بأمور الزنا ليكثر من يتصف بوصفه؟ يعني كل شخص اتصف بنقيصة ما يتمنى أن يكثر من يتصف بهذا الوصف؟ بغض النظر عن كون المسألة شرعية، وأن هذا لا يجوز أن يتمنى لأحد، ولو كان أسوأ الناس حالاً لا يتمنى أن يوجد مثله ولا واحد؛ لكن هذا واقع الناس، وهذا ما جبل عليه الناس، يتمنى أن يكون في البلد أكثر من شخص يحمل معه هذا العبء.
стр. 90
يعني لو افترضنا أن بلد سكانه مائة ألف، ووجد واحد –مثلاً- أبرص، ألا يتمنى هذا الشخص أن يكون في البلد عشرة أو عشرون، يعني يخف عليه الأمر، بحيث إذا رآهم خف عليه الأمر؟ وإذا تكلم فيهم المجالس فإذا يشاركه ويشاطره عدد، فهل كلامهم هذا من حيث الحيثية، من هذا الباب أو مرده شيء آخر؟ لا تجوز شهادة ولد الزنا في الزنا؟ العلماء يقولون: تصح إمامة ولد الزنا، تصح إمامة ولد الزنا إذا سالم دينه، وهو شخص مسلم مكلف، قد يكون ثقة، وقد يصل إلى درجة من أهل العلم، ومن أهل الفضل والخير، فما الذي يمنع من قبول شهادته؟
طالب: سهولة الطن فيه.
سهولة الطعن فيه، لكن إذا كان بريء مما يطعن فيه إلا ما حصل من سبب وجوده وهو الزنا، هذا ما عليه تبعه هو، يعني هل عليه ذنب إن كان ولد زنا؟ ليس عليه ذنب، وليس هذا جرمه، ما جاء في الحديث أن ولد الزنا شر الثلاثة ليس بصحيح، هذا ليس بصحيح، فلا علاقة له في هذه المسألة، ولا تبعة عليه، قد يقول قائل: أن الغالب فيمن هذا وصفه أنهم في الغالب أنهم يخرجون غير صالحين أو غير ثقاة أو شيء من هذا، لكن الكلام على كل شخص بحسبه، إذا افترضنا أنه ولد زنا، صار في غاية الصلاح والتقى والورع والفضل والمبادرة إلى الخيرات والمسارعة إليها، وصار له شأن في علم أو جاهٍ أو غير ذلك، فما المانع من قبول شهادته؟ هل لأنه يتساهل في الشهادة في هذا الباب؟ أما كونه يسهل الطعن فيه إذا كان الطعن بحق قبل؛ وإذا كان بغير حق لم يقبل.
طالب: لكي لا يتساهل أمر الزنا بين الناس.
يعني: ينبذ ولد الزنا من أجل أن لا يتتابع الناس على الزنا؟ إيش مرد شهادته يا شيخ؟
الطالب: ما ترد لأجل أنه من الزنا، أصل قبولها ما لم يقدح فيه.
ما لم يقدح فيه بما يخرم ما ترد به شهادته.
الرابعة والعشرون: الاستثناء إذا تعقب جملاً معطوفة عاد إلى جميعها عند مالك والشافعي وأصحابهما، وعند أبي حنيفة وجلّ أصحابه يرجع الاستثناء إلى أقرب مذكور وهو الفسق، ولهذا لا تقبل شهادته، فإن الاستثناء راجع إلى الفسق خاصة لا إلى قبول الشهادة.
стр. 91
وسبب الخلاف في هذا الأصل سببان: أحدهما: هل هذه الجمل في حكم الجملة الواحدة للعطف الذي فيها أو لكل جملة حكم نفسها في الاستقلال، وحروف العطف محسن لا مشرك، وهو الصحيح في عطف الجمل؛ لجواز عطف الجمل المختلفة بعضها على بعض على ما يعرف من النحو.
نعم، إذا عطف جملة على جملة قد تكون هذه الجمل مختلفة، زيد راكب وعمر قائم، وبكر يأكل وفلان يشرب .. الخ، جمل مختلفة، ولا تقتضي أن تكون متساوية، لكن عطف الأفراد على نية تكرار العامل، فهي مشرك بينهما فيما عطفوا عليه.
السبب الثاني: يشبه الاستثناء بالشرط في عودة إلى الجمل المتقدمة، فإنه يعود إلى جميعها عند الفقهاء، أو لا يشبه به؛ لأنه من باب القياس في اللغة، وهو فاسد على ما يعرف في أصول الفقه، والأصل أن كلَّ ذلك محتمل، ولا ترجيح فتعين ما قاله القاضي من الوقف، ويتأيد الإشكال بأنه قد جاء في كتاب الله كلا الأمرين، فإن آية المحاربة فيها عود الضمير إلى الجميع باتفاق، وآية قتل المؤمن خطأً فيها رد الاستثناء إلى الأخيرة باتفاق، وآية القذف محتملة للوجهين فتعين الوقف من غير ميل، قال علماؤنا: وهذا نظر كلي أصولي ويترجح قول مالك والشافعي -رحمهما الله- من جهة نظر الفقه الجزئي بأن يقال: الاستثناء راجع إلى الفسق، والنهي عن قبول الشهادة ..
النظر الكلي الأصولي يعني في القاعدة العامة، في الاستثناء المتعقب جمل، هل يعود إلى الأخيرة أو إلى الجميع؟ النظر الجزئي الفقهي في هذه المسألة بعينها، ما الحكم؟
بأن يقال: الاستثناء راجع إلى الفسق والنهي عن قبول الشهادة جميعاً، إلا أن يفرق بين ذلك بخبر يجب التسليم له، وأجمعت الأمة على أن التوبة تمحو الكفر فوجب أن يكون ما دون ذلك أولى، والله أعلم.
قال أبو عبيد: الاستثناء يرجع إلى الجمل السابقة، قال: وليس من نسب إلى الزنا بأعظم جرماً من مرتكب الزنا، ثم الزاني إذا تاب قبلت شهادته؛ لأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له.
والتوبة تهدم ما كان قبلها.
стр. 92
وإذا قبل الله التوبة من العبد كان العباد بالقبول أولى مع أن مثل هذا الاستثناء موجود في مواضع من القرآن، منها قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ [(٣٣) سورة المائدة] إلى قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ ولا شك أن هذا الاستثناء إلى الجميع، وقال الزجاج: وليس القاذف بأشد جرماً من الكافر فحقه إذا تاب وأصلح أن تقبل شهادته، قال: وقوله: ﴿أَبَدًا﴾ أي ما دام قاذفاً، كما يقال: لا تقبل شهادة الكافر أبداً، فإن معناه ما دام كافراً ..
يعني ما دام متصفاً بالسبب الذي من أجله ردت شهادته.
وقال الشعبي للمخالف في هذه المسألة: يقبل الله توبته، ولا تقبلون شهادته! ثم إن كان الاستثناء يرجع إلى الجملة الأخيرة عند أقوام من الأصوليين فقوله: ﴿وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [(٤) سورة النور] تعليل لا جملة مستقلة بنفسها: أي لا تقبلوا شهادتهم لفسقهم، فإذا زال الفسق فلما لا تقبل شهادتهم؟ ثم توبة القاذف إكذابه نفسه، كما قال عمر لقذفة المغيرة بحضرة الصحابة من غير نكير مع إشاعة القضية وشهرتها من البصرة إلى الحجاز، وغير ذلك من الأقطار، ولو كان تأويل الآية ما تأوله الكوفيون لم يجز أن يذهب علم ذلك عن الصحابة، ولقالوا لعمر: لا يجوز قبول توبة القاذف أبداً، ولم يسعهم السكوت عن القضاء بتحريف تأويل الكتاب فسقط قولهم، والله المستعان.
وأما بالنسبة للقول في هذه المسألة، فالحد لا تسقطه التوبة، وأما بالنسبة لارتفاع الوصف وهو الفسق فلا إشكال فيه، ومحل اتفاق بين أهل العلم، والأقرب فيه ما اختلف فيه من قبول الشهادة أن الشهادة مقبولة؛ لأن السبب في التوقف في الشهادة وقبول الخبر هو الفسق، مجرد التوقف، فإذا زال هذا الوصف زال هذا التوقف وزال الرد من باب أولى، فتقبل شهادته، ومن باب أولى روايته؛ لأن الرواية خبر، يختلف حكمها عن حكم الشهادة؛ لأن الشهادة في حقوق الآدميين ومبناها على المشاحة، وأما بالنسبة للأخبار فالأمر فيها أوسع وأسهل في مثل هذا، ولذا يقبل فيها الرجل الواحد.
стр. 93
أقول: باب الرواية أوسع، ولذا يقبل فيها الواحد، الرواية، وتقبل فيها المرأة، تقبل رواية المرأة، ولو لم يشركها أحد، تقبل رواية العبد ولا تقبل شهادته، تقبل رواية المرأة ولا تقبل شهادتها منفردة، فباب الرواية أوسع، والصحيح قبول الشهادة أيضاً؛ لأنه تاب وسبب رد شهادته الفسق قد ارتفع بالتوبة، ووجد من يشغب ويشوش على الناس في الأحاديث الصحيحة التي جاءت من طريق أبي بكرة، ولا يهمهم جميع ما يرويه أبو بكرة سوى حديثٍ واحد: ((لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة)) لا يهمهم من أحاديث أبي بكرة إلا هذا الحديث، ويقولون: هذا مجلود بحد فلا تقبل شهادته، ولا تقبل روايته، ويقول هذا الكلام من لا يمت إلى العلم الشرعي من قبيل ولا دبير ولا علاقة له به، لكن وجد هذه الفرصة يدلي بها ينصر بها حزبه وأقوامه، والله المستعان، فشهادته مقبولة، وروايته من باب أولى، ولا كلام لأحدٍ في مثل هذا.
الخامسة والعشرون: قال القشيري: ولا خلاف أنه إذا لم يجلد القاذف بأن مات المقذوف قبل أن يطالب القاذف بالحد، أو لم يرفع إلى السلطان، أو عفا المقذوف فالشهادة مقبولة؛ لأن عند الخصم في المسألة النهيَ عن قبول الشهادة معطوف على الجلد، قال الله تعالى: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ [(٤) سورة النور] وعند هذا قال الشافعي: هو قبل أن يحد شر منه حين حدّ؛ لأن الحدود كفارات فكيف تُردُّ شهادته في أحسن حاليه دون أخسهما؟.
قلت: هكذا قال ولا خلاف، وقد تقدم عن ابن الماجشون أنه بنفس القذف ترد شهادته، وهو قول الليث والأوزاعي والشافعي: ترد شهادته، وإن لم يحد؛ لأنه بالقذف يفسق، لأنه من الكبائر، فلا تقبل شهادته حتى تصح براءته بإقرار المقذوف له بالزنا، أو بقيام البينة عليه.
стр. 94
ترتيب رد الشهادة على الحد، أولاً إقامة الحد وعدمه مرجعه إلى المحدود، قد يكون عفا عنه، وقد قذفه قذفاً يستحق به العقوبة وما رتب عليها، وكونه عفا عنه ولم يطالبه بذلك لا يعني أن ذنبه أخف، ولذا لو حد خفّ عليه الذنب لأن الحدود كفارات، لكن إذا كان عدم المطالبة من قبل المقذوف مرجعها إلى تصديق المقذوف للقاذف كان الأمر في حقه أخف، فيكون حينئذٍ رد شهادته لا يترتب على إقامة الحد عليه، فينظر في كل مسألةٍ على حده.
السادسة والعشرون: قوله تعالى: ﴿وَأَصْلَحُوا﴾ [(٥) سورة النور] يريد إظهار التوبة، وقيل: وأصلحوا العمل، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [(٥) سورة النور] حيث تابوا وقبلت توبتهم.
اللهم صلى على محمد، يكفي إلى هنا، لأن الكلام طويل على آيات اللعان، طويل جداً.
طالب: إذا قذف أكثر من واحد؟
إذا قذف شخصاً واحداً، أو أشخاص؟ كل شخص له حكم، إذا طالب أقيم عليه الحد، وإذا قذف. . . . . . . . .
стр. 95
تفسير القرطبي
سورة النور
مسائل القذف
الشيخ / عبد الكريم الخضير
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
قال الإمام القرطبي -رحمه الله تعالى-:
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاء إِلَّا أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ * وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ ﴿وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ * وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ * وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِن كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ * وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ﴾ [(٦ - ١٠) سورة النور].
فيه ثلاثون مسألة:
الأولى: قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاء إِلَّا أَنفُسُهُمْ﴾ ﴿أَنفُسُهُمْ﴾ بالرفع على البدل، ويجوز النصب على الاستثناء، وعلى خبر ﴿يَكُن﴾ ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ﴾ على الابتداء والخبر، أي فشهادة أحدهم التي تزيل عنه حد القذف أربع شهادات، وقرأ أهل المدينة وأبو عمرو ﴿أربعَ﴾ بالنصب لأن معنى ﴿فَشَهَادَةُ﴾ أن يشهد.
لأنه مصدر منسبك من أن والفعل، هذا الأصل في شهادة أنها أن يشهد أحدهم، كما جاء في الآية الثانية، ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ﴾ ولو قيل: ويدرأ عنها العذاب شهادتها أربع شهادات لصح؛ لأن أن وما بعدها تؤول –تسبك- بمصدر.
والتقدير: فعليهم أن يشهد أحدهم أربع شهادات، أو فالأمر أن يشهد أحدهم أربع شهادات، ولا خلاف في الثاني أنه منصوب بالشهادة.
أربع الثاني في حق المرأة لا خلاف أنه منصوب.
﴿وَالْخَامِسَةُ﴾ [(٧) سورة النور] رفع بالابتداء، والخبر ﴿أن﴾ وصلتها، ومعنى المخففة كمعنى المثقلة، لأن معناها أنه، وقرأ أبو عبد الرحمن وطلحة وعاصم في رواية حفص ﴿والخامسة﴾ بالنصب بمعنى وتشهد الشهادة الخامسة ..
стр. 96
المخففة، (الخامسة أن) هذه مثقلة مشددة، لكن لو خففت؟ المعنى واحد، نعم عملها يقل، وتأثيرها على مدخولها أقل من تأثير المشددة، لكن المعنى واحد.
بمعنى وتشهد الشهادة الخامسة، والباقون بالرفع على الابتداء، والخبر في ﴿أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [(٧) سورة النور] أي: والشهادة الخامسة، قوله: ﴿لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾.
الثانية: في سبب نزولها، وهو ما رواه أبو داود عن ابن عباس، أن هلال بن أمية قذف امرأته عند النبي ﷺ بشريك بن سحماء، فقال النبي ﷺ : ((البينة أو حد في ظهرك)) قال: يا رسول الله إذا رأى أحدنا رجلاً على امرأته يلتمس البينة؟! فجعل النبي ﷺ يقول: ((البينة وإلا حد في ظهرك)).
يعني هذا الحكم الشرعي قبل نزول اللعان، ما في إلا أن تحضر بينة، أو تجلد حد القذف.
فقال هلال: والذي بعثك بالحق إني لصادق، ولينزلن الله في أمري ما يبرئ ظهري من الحد، فنزلت ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاء إِلَّا أَنفُسُهُمْ﴾ [(٦) سورة النور] فقرأ حتى بلغ ﴿لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [(٦) سورة النور] الحديث بكماله، وقيل: لما نزلت الآية المتقدمة في الذين يرمون المحصنات، وتناول ظاهرها الأزواج وغيرهم ..
نعم، عمومها يتناول الأزواج، يعني قبل نزول آيات اللعان، الزوج وغيره سواء.
قال سعد بن معاذ: يا رسول الله إن وجدت مع امرأتي رجلاً أمهله حتى آتي بأربعة؟! والله لأضربنه بالسيف غير مصفح عنه، فقال رسول الله ﷺ : ((أتعجبون من غيرة سعد؟! لأنا أغير منه، والله أغير مني)) وفي ألفاظ سعد روايات مختلفة، هذا نحو معناها.
ثم جاء من بعد ذلك هلال بن أمية الواقفي فرمى زوجته بشريك بن سحماء البلوي، على ما ذكرناه، وعزم النبي ﷺ على ضربه حد القذف، فنزلت هذه الآية عند ذلك، فجمعهما رسول الله ﷺ في المسجد وتلاعنا، فتلكأت المرأة عند الخامسة، لما وعظت، وقيل: إنها موجبة، ثم قالت: لا أفضح قومي سائر اليوم، فالتعنت، وفرق رسول الله ﷺ بينهما، وولدت غلاماً جمل أورق -على النعت المكروه–.
стр. 97
الذي يشبه الزاني –نسأل الله السلامة والعافية-.
ثم كان الغلام بعد ذلك أميراً بمصر، وهو لا يعرف لنفسه أباً، وجاء أيضاً عويمر العجلاني فرمى امرأته ولاعن، والمشهور أن نازلة هلال كانت قبل، وأنها سبب الآية، وقيل: نازلة عويمر بن أشقر كانت قبل، وهو حديث صحيح مشهور خرجه الأئمة.
قال أبو عبد الله بن أبي صفرة: الصحيح أن القاذف لزوجه عويمر وهلال بن أمية خطأ، قال الطبري يستنكر قوله في الحديث هلال بن أمية: وإنما القاذف عويمر بن زيد بن الجد بن العجلاني، شهد أحداً مع النبي ﷺ رماها بشريك بن السحماء، والسحماء أمه، قيل لها ذلك لسوادها، وهو ابن عبدة بن الجد بن العجلاني، كذلك كان يقول أهل الأخبار، وقيل: قرأ النبي ﷺ على الناس في الخطبة يوم الجمعة ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [(٤) سورة النور] فقال عاصم بن عدي الأنصاري: جعلني الله فداك، لو أن رجلاً منا وجد على بطن امرأته رجلاً فتكلم فأخبر بما جرى جلد ثمانين وسماه المسلمون فاسقاً، فلا تقبل شهادته، فكيف لأحدنا عند ذلك بأربعة شهداء، وإلى أن يلتمس أربعة شهود، فقد فرغ الرجل من حاجته، فقال ﵇: ((كذلك أنزلت يا عاصم بن عدي)) ..
يعني كذلك أنزلت آية حد القذف على ما تقدم، وليس للمسلم إلا أن يرضى ويسلم، وكون آيات اللعان نزلت في عويمر العجلاني أو في هلال بن أمية، والمحاولة بين التوفيق بين ما ورد، والترجيح، لا يمنع أن تكون الآيات نزلت في هذا وهذا، تكون قصة هذا حصلت ثم نزلت الآيات، ثم تحصل قصة الثاني أو تحصل قصة الثاني قبل نزول الآيات، بكل هذا قال أهل العلم ولا يلزم من هذا ترجيح، أن تكون قصة عويمر أرجح من قصة هلال، أو قصة هلال خطأ، كلها محفوظة، ولا يمنع أن يكون حصل لأحدهما ما حصل ثم حصل للثاني، ثم أنزلت الآية بسببهما، وأقيم اللعان مع الاثنين، وقد يكون السبب واحد، ثم بعد ذلك لقرب الثاني، لقرب قصة الثاني، ذكر بعض الرواة أن الآيات نزلت بسببه، وعلى كل حال القصتان صحيحتان.
стр. 98
فقال ﵇: ((كذلك أنزلت يا عاصم بن عدي)) فخرج عاصم سامعاً مطيعاً فاستقبله هلال بن أمية يسترجع فقال: ما وراءك؟ فقال: شراً، وجدت شريك بن السحماء على بطن امرأتي خولة يزني بها، وخولة هذه بنت عاصم بن عدي كذا في هذا الطريق أن الذي وجد مع امرأته شريكاً هو هلال بن أمية، والصحيح خلافه حسبما تقدم بيانه، قال الكلبي: والأظهر أن الذي وجد مع امرأته شريكاً عويمر العجلاني؛ لكثرة ما روي أن النبي ﷺ لاعن بين العجلاني وامرأته، واتفقوا على أن هذا الزاني هو شريك بن عبدة، وأمه السحماء، وكان عويمر وخولة بنت قيس وشريك بني عم عاصم، وكانت هذه القصة في شعبان سنة تسع من الهجرة منصرف رسول الله ﷺ من تبوك إلى المدينة قاله الطبراني، وروى الدارقطني عن عبد الله بن جعفر قال: حضرت رسول الله ﷺ حين لاعن بين عويمر العجلاني وامرأته مرجع رسول الله ﷺ من غزوة تبوك وأنكر حملها الذي في بطنها، وقال هو لابن السحماء، فقال له رسول الله ﷺ : ((هات امرأتك، فقد نزل القرآن فيكما)) فلاعن بينهما بعد العصر عند المنبر على خمل، في طريقه الواقدي عن الضحاك بن عثمان عن عمران بن أبي أنس قال: سمعت عبد الله بن جعفر يقول فذكره ..
والواقدي ضعيف، الواقدي ضعيف.
الثالثة: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [(٦) سورة النور] عام في كل رمي، سواءً قال: زنيت، أو يا زانية، أو رأيتها تزني، أو هذا الولد ليس مني، فإن الآية مشتملة عليه، ويجب اللعان إن لم يأت بأربعة شهداء، وهذا قول جمهور العلماء، وعامة الفقهاء، وجماعة أهل الحديث، وقد روي عن مالك مثل ذلك وكان مالك يقول: لا يلاعن إلا أن يقول: رأيتك تزني أو ينفي حملاً، أو ولداً منها ..
يعني لا بد من التصريح، لا بد من التصريح برؤية الزنا.
وقول أبي الزناد ويحيى بن سعيد والبتي مثل قول مالك: إن الملاعنة لا تجب بالقذف، وإنما تجب بالرؤية، أو نفي الحمل مع دعوى الاستبراء، هذا هو المشهور عند مالك، وقاله ابن القاسم، والصحيح الأول لعموم قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ ..
стр. 99
يعني بالزنا، بأي لفظٍ كان مما يدل على الزنا.
قال ابن العربي: وظاهر القرآن يكفي لإيجاب اللعان بمجرد القذف من غير رؤية، فلتعولوا عليه، لا سيما وفي الحديث الصحيح: أرأيت رجلاً وجد مع امرأته رجلاً؟ فقال النبي ﷺ : ((فاذهب فأت بها)) ولم يكلفه ذكر الرؤية، وأجمعوا أن الأعمى يلاعن إذا قذف امرأته، ولو كانت الرؤية من شرط اللعان ما لاعن الأعمى، قاله أبو عمر ﵄ وقد ذكر ابن القصار عن مالك ..
وبعض النسخ ابن عمر
طالب: ابن عمر يا شيخ.
لا، هو أبو عمر بن عبد البر.
وقد ذكر ابن القصار عن مالك أن لعان الأعمى لا يصح إلا أن يقول: لمست فرجه في فرجها ..
يعني قياساً على قول المبصر: رأيتُ.
والحجة لمالك ومن اتبعه ما رواه أبو داود عن ابن عباس ﵄ قال: جاء هلال بن أمية -وهو أحد الثلاثة الذين تيب عليهم- فجاء من أرضه عشاءً، فوجد عند أهله رجلاً فرأى بعينه، وسمع بأذنه، فلم يهجه حتى أصبح، ثم غدا على رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إني جئت أهلي عشاءً فوجدت عندهم رجلاً، فرأيت بعيني، وسمعت بأذني، فكره رسول الله ﷺ ما جاء به، واشتد عليه، فنزلت: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاء إِلَّا أَنفُسُهُمْ﴾ [(٦) سورة النور] الآية .. وذكر الحديث، وهو نص على أن الملاعنة التي قضى فيها رسول الله ﷺ إنما كانت في الرؤية، فلا يجب أن يُتعدى ذلك، ومن قذف امرأته ولم يذكر رؤيةً حدّ؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [(٤) سورة النور].
كون الواقعة التي حدثت في عصره ﵊ اللفظ فيها محدد لا يعني نفي سواه من الألفاظ التي تدل على المقصود، يعني ما ذُكر في القصة التي حصلت هذا مثال من الأمثلة، وإلا فالمقصود الرمي، إذا صرح بأنها زنت أو رماها بأنها زانية، المقصود أنه قذفها فلزمه الحد، كيف يدرأ عن نفسه الحد؟ يشهد أربع شهادات.
стр. 100
الرابعة: إذا نفى الحمل فإنه يلتعن، لأنه أقوى من الرؤية، ولا بد من ذكر عدم الوطء والاستبراء بعده، واختلف علماؤنا في الاستبراء، فقال المغيرة ومالك في أحد قوليهما: يجزي في ذلك حيضة، وقال مالك أيضاً لا ينفيه إلا بثلاث حيض، والصحيح الأول؛ لأن براءة الرحم من الشغل يقع بها كما في استبراء الأمة ..
يعني في الحيضة الواحدة، كذلك في غيره من الفسوخ من الاستبراء.
وإنما راعينا الثلاث حيض في العدد لحكم آخر يأتي بيانه في الطلاق -إن شاء الله تعالى-.
وحكى اللخمي عن مالك أنه قال مرة: لا ينفى الولد بالاستبراء؛ لأن الحيض يأتي على الحمل، وبه قال أشهب في كتاب ابن المواز ..
هذا لازم كل من يقول: أن الحامل تحيض، وأنه يجتمع الحيض مع الحمل، والصواب أنه لا يجتمع، ولو صح اجتماعه لما كان للاستبراء أو الاعتذار بالحيض معنى.
وبه قال أشهب في كتاب ابن المواز وقاله ابن المغيرة ..
عندك ابن المغيرة أو المغيرة؟
الطالب: وقاله المغيرة.
نعم.
وقاله المغيرة، وقال: لا يُنفى الولد إلا بخمس سنين؛ لأنه أكثر مدة الحمل على ما تقدم.
الخامسة: اللعان عندنا يكون في كل زوجين حرين ..
يعني ما دون هذه المدة، مدة أكثر الحمل، يحتمل أنه من الزوج، بجماعٍ حصل له قبل هذا الزنا.
الخامسة: اللعان عندنا يكون في كل زوجين حرين كانا أو عبدين ..
стр. 101
الفائدة المرتبة على اللعان انتفاء الحد والولد، أن ينتفي الولد بمجرد اللعان، وينتفي الحد من القاذف والفرقة المؤبدة على ما سيأتي، والإشكال أنه إذا وقع الزنا في طهرٍ جومعت فيه المرأة، فالولد يحتمل أن يكون من ماء أبيه، من ماء الزوج، ويحتمل أن يكون من ماء الزاني، فإذا وقع اللعان ترتب عليه الحكم الشرعي فانتفى الولد، والاحتمال قائم أنه لأبيه، لكن لا يتم البت في الحكم الشرعي إلا بمثل هذا، لا يمكن أن يوجد حكم شرعي في كل قضيةٍ بعينها، تأتي الأحكام عامة لسائر الناس، ثم إن كان منه أو مما .... ، المقصود أن هذا حكم شرعي، وقد يكون الواقع أنه من ماء أبيه، وكونها زنت زناً محقق، والنبي ﵊ قال: إن جاءت به كذا فهو لأبيه، إن جاء به كذا فهي صادقة، وإن جاءت به كذا فهي كاذبة، يعني ما في قسم ثالث؟ أن تأتي به على شكل أبيه وهي كاذبة؛ لأنه من ماء أبيه، هذا في حالة ما إذا زنت في طهرٍ جومعت فيه، ووقع الحمل فيه من زوجها، يعني التقسيم في الحديث: إن جاءت به كذا، يعني شبيهاً لأبيه فهي صادقة، وإن جاءت به شبيهاً للزاني فهي كاذبة، ألا يحتمل به أن تأتي به شبيهاً لأبيه وهي كاذبة؟ لأن ماء أبيه قد سبق الزاني؟ ما يحتمل هذا؟ إذاً القسمة حاصرة أو غير حاصرة في الحديث؟
طالب: غير حاصرة.
نعم؛ لأن الرسول ﵊ حينما قضى بهذا وذكر هذا كأنه استروح إلى صدق الزوج، وأنها كاذبة، فقصر الأمر على ما يدل على كذبها غالباً.
طالب: ولو وجد أنه أشبه بأبيه هل يترتب عليه حكم أم ينتفي؟
لا لا، ينتفي ما دام ثبت اللعان تترتب عليه آثار، تترتب عليه آثار.
стр. 102
اللعان عندنا يكون في كل زوجين حرين كانا أو عبدين مؤمنين أو كافرين فاسقين أو عدلين، وبه قال الشافعي، ولا لعان بين الرجل وأمته، ولا بينه وبين أم ولده، وقيل: لا ينتفي ولد الأمة عنه إلا بيمين واحدة، بخلاف اللعان، وقد قيل: إنه إذا نفى ولد أم الولد لاعن، والأول تحصيل مذهب مالك وهو الصواب، وقال أبو حنيفة: لا يصح اللعان إلا من زوجين حرين مسلمين وذلك لأن اللعان عنده شهادة، وعندنا وعند الشافعي يمين، فكل من صحت يمينه صح قذفه ولعانه، واتفقوا على أنه لا بد أن يكونا مكلفين، وفي قوله: "وجد مع امرأته رجلاً" دليل على أن الملاعنة تجب على كل زوجين، لأنه لم يخص رجلاً من رجل، ولا امرأة من امرأة، ونزلت آية اللعان على هذا الجواب، فقال: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [(٦) سورة النور] ولم يخص زوجاً من زوج، وإلى هذا ذهب مالك وأهل المدينة، وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق وأبي عبيد وأبي ثور، وأيضاً فإن اللعان يوجب فسخ النكاح فأشبه الطلاق، فكل من يجوز طلاقه يجوز لعانه، واللعان أيمان لا شهادات، قال الله تعالى وهو أصدق القائلين: ﴿لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِن شَهَادَتِهِمَا﴾ [(١٠٧) سورة المائدة] أي أيماننا، وقال تعالى: ﴿إِذَا جَاءكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ [(١) سورة المنافقون] ثم قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾ [(٢) سورة المنافقون] وقال ﵇: ((لولا الأيمان لكان لي ولها شأن)).
لكن هل اللعان أيمان أو شهادة؟ لفظ الآيات، آيات اللعان تدل على أنه شهادة، ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ﴾ [(٦) سورة النور] ﴿أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ﴾ [(٨) سورة النور] فسماها شهادة، وإذا قلنا: بأنها شهادة وشهادة العبد لا تجوز ولا تصح فلا يصح اللعان من العبد؛ لأنها شهادة، وإذا قلنا: أنها أيمان وهل يلزم تأكيد هذه الأيمان بلفظ الشهادة أو الشهادة بلفظ اليمين؟ إذا قلنا أنها شهادة؟ هل يلزم هذا؟ أو يكفي أن يشهد من دون يمين؟ أو يحلف من دون لفظ الشهادة؟ والله إنه رآها زنت، ثم تقول: والله إنها ما زنت، من غير أن تشهد.
стр. 103
على كل حال المرجح عند الجمهور أنها أيمان، ولذا تصح من العبد وغيره، من كل من صحّ طلاقه صحّ لعانه؛ لأن الآثار المترتبة على اللعان في حق الرقيق مثل ما تكون في حق الحر، وجاء ما يدل على إطلاق لفظ الشهادة والمراد اليمين، فشهادتنا أحق من شهادتهما، مثل ما ذكر المؤلف ﵀ ﴿قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ ثم قال بعد ذلك: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ﴾.
طالب. . . . . . . . . القول ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾. . . . . . . . .
وين. الآية نعم، آية: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ [(٦) سورة النور].
طالب:. . . . . . . . .
لا، حتى لو قال: أشهد بالله، لو قال: أشهد بالله صار يمين؟ ما يصير يمين.
لو ضمّن (أشهد) معنى (أحلف) فشهادة أحدهم يعني فحلف أحدهم بالله، وأن تشهد أربع، تحلف أربع شهادات يعني أيمان، فإذا ضمّن ساغ ذلك.
وأما ما احتج به الثوري وأبو حنيفة فهي حجج لا تقوم على ساق، منها حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : ((أربعة ليس بينهم لعان: ليس بين الحر والأمة لعان، وليس بين الحرة والعبد لعان، وليس بين المسلم واليهودية لعان، وليس بين المسلم والنصرانية لعان)) أخرجه الدارقطني من طرق ضعفها كلها.
لكن إذا وجد ولد من كتابية ويجزم أبوه أنه ليس له، وقد رأى منها الزنا، ماذا يصنع؟ إذا رآها قد زنت ثم جاءت بولد كيف يصنع لانتفاء الولد؟ لا بد من اللعان، وقل مثل هذا فيما لو تزوج أمةً.
وروي عن الأوزاعي وابن جريج وهما إمامان عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قوله: ولم يرفعه إلى النبي ﷺ ، واحتجوا من جهة النظر أن الأزواج لما استثنوا من جملة الشهداء بقوله: ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاء إِلَّا أَنفُسُهُمْ﴾ [(٦) سورة النور] وجب ألا يلاعن إلا من تجوز شهادته، وأيضاً فلو كانت يميناً ما رددت، والحكمة في ترديدها قيامها في الأعداد مقام الشهود في الزنا، قلنا: هذا يبطل بيمين القسامة فإنها تكرر، وليست بشهادة إجماعاً.
стр. 104
والحكمة في تكرارها التغليظ في الفروج والدماء، قال ابن العربي: والفيصل في أنها يمين لا شهادة أن الزوج يحلف لنفسه في إثبات دعواه وتخليصه من العذاب، وكيف يجوز لأحد أن يدعي في الشريعة أن شاهداً يشهد لنفسه بما يوجب حكماً على غيره؟! هذا بعيد في الأصل، معدوم في النظر.
حجة قوية، يقول: لو كانت شهادة فهو يشهد لنفسه، يشهد لإبراء نفسه، ولا يتجه أن يشهد الإنسان لنفسه، بينما اليمين يدرأ بها عن نفسه، ولذلك الشهادة في حق المدعي، واليمين في حق المنكر.
السادسة: واختلف العلماء في ملاعنة الأخرس، فقال مالك والشافعي: يلاعن لأنه ممن يصح طلاقه وظهاره وإيلاؤه إذا فهم ذلك عنه.
يعني بالإشارات المفهمة.
وقال أبو حنيفة: لا يلاعن؛ لأنه ليس من أهل الشهادة، ولأنه قد ينطق بلسانه فينكر اللعان، فلا يمكننا إقامة الحد عليه ..
هذا احتمال في غاية البعد، يعني كونه ينطق، قد ينطقه الله بعد ذلك ثم ينكر اللعان، يقول: أنا ما أردت بإشاراتي هذه اللعان، لكن هذا في غاية البعد.
وقد تقدم هذا المعنى في سورة مريم والدليل عليه والحمد لله.
السابعة: قال ابن العربي: رأى أبو حنيفة عموم الآية فقال: إن الرجل إذا قذف زوجته بالزنا قبل أن يتزوجها فإنه يلاعن، ونسي أن ذلك قد تضمنه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [(٤) سورة النور] وهذا رماها محصنة غير زوجة، وإنما يكون اللعان في قذف يلحق فيه النسب، وهذا قذف لا يلحق فيه نسب، فلا يوجب لعاناً كما لو قذف أجنبية.
وهي في وقت القذف أجنبية؛ لأن العبرة بالحال لا بالمآل.
стр. 105
الثامنة: إذا قذفها بعد الطلاق نظرت فإن كان هنالك نسب يريد أن ينفيه أو حمل يتبرأ منه لاعن وإلا لم يلاعن، وقال عثمان البتي: لا يلاعن بحال لأنها ليست بزوجة، وقال أبو حنيفة: لا يلاعن في الوجهين؛ لأنها ليست بزوجة، وهذا ينتقض عليه بالقذف قبل الزوجية كما ذكرناه آنفاً، بل هذا أولى؛ لأن النكاح قد تقدم، وهو يريد الانتفاء من النسب، وتبرئته من ولد يلحق به، فلا بد من اللعان، وإذا لم يكن هنالك حمل يرجى ولا نسب يخاف تعلقه لم يكن للعان فائدة فلم يحكم به، وكان قذفاً مطلقاً داخلاً تحت عموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [(٤) سورة النور] الآية .. فوجب عليه الحد، وبطل ما قاله البتي لظهور فساده.
التاسعة: لا ملاعنة بين الرجل وزوجته بعد انقضاء العدة إلا في مسألة واحدة وهي أن يكون الرجل غائباً فتأتي امرأته بولد في مغيبه، وهو لا يعلم، فيطلقها فتنقضي عدتها ثم يقدم فينفيه فله أن يلاعنها هاهنا بعد العدة، وكذلك لو قدم بعد وفاتها ونفى الولد لاعن لنفسه وهي ميتة بعد مدةٍ من العدة ويرثها؛ لأنها ماتت قبل وقوع الفرقة بينهما.
نعم، يترجح اللعان في حق الزوج إذا وجد هناك حمل، ووجد ولد، لا بد من نفيه لئلا يدخل على أهله من ليس منه، أما إذا لم يكن ثمّ ولد ولم تحبل من هذا الزنا، فلو طلقها من غير لعان؛ لأن أمر اللعان شديد بالنسبة له إن كان كاذباً أو لها إن كانت كاذبة.
والفائدة العملية المرتبة على اللعان هي انتفاء الولد، والفرقة تحصل بالطلاق بدون لعان، والله المستعان، أما إذا وجد الولد فلا بد من اللعان.
الطالب: إذا غاب الزوج غيبة معلومة كأن كان في سجن أو كان خارج البلد والناس يعرفون ذلك أو القاضي هل يلزم على الزوج أن يلاعن؟
هو يجزم بهذا لأنه يدرأ عن نفسه، يعني مدة يمكن أن تحمل فيها، لكن هم نظروا في هذا إلى أكثر مدة الحمل، لأنه يحتمل أن يكون منه في مثل هذه الصورة إذا لم يرها تزني، فهم يحكمون بأكثر مدة الحمل.
الطالب: سنتين يا شيخ؟
لا، أربع سنين عند بعضهم، ومرّ علينا أنها خمس، كأنه قول المالكية.
стр. 106
العاشرة: إذا انتفى من الحمل ووقع ذلك بشرطه لاعن قبل الوضع، وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: لا يلاعن إلا بعد أن تضع لأنه يحتمل أن يكون ريحاً أو داء من الأدواء ودليلنا النص الصريح بأن النبي ﷺ لاعن قبل الوضع، وقال: إن جاءت به كذا فهو لأبيه، وإن جاءت به كذا فهو لفلان فجاءت به على النعت المكروه.
يعني إن جاءت به كذا فهو لأبيه حكماً أو حقيقةً؟ حقيقة لا حكماً، وإلا فاللعان ينفي كونه لأبيه.
الحادية عشرة: إذا قذف بالوطء في الدبر لزوجه لاعن، وقال أبو حنيفة: لا يلاعن، وبناه على أصله في أن اللواط لا يوجب الحد، وهذا فاسد لأن الرمي به فيه معرة، وقد دخل تحت عموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [(٦) سورة النور] وقد تقدم في الأعراف والمؤمنون أنه يجب به الحد.
نعم حد القذف يجب بالرمي بالزنا أو اللواط –نسأل الله السلامة والعافية-.
الثانية عشرة: قال ابن العربي: من غريب أمر هذا الرجل أنه قال: إذا قذف زوجته وأمها بالزنا: إنه إن حد للأم سقط حد البنت، وإن لاعن للبنت لم يسقط حد الأم، وهذا لا وجه له، وما رأيت لهم فيه شيئاً يحكى، وهذا باطل جداً، فإنه خص عموم الآية في البنت، وهي زوجة بحد الأم من غير أثر ولا أصل قاسه عليه.
الثالثة عشرة: إذا قذف زوجته ثم زنت قبل التعانه فلا حد ولا لعان، وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي، وأكثر أهل العلم، وقال الثوري والمزني: لا يسقط الحد عن القاذف وزنى المقذوف بعد أن قذف لا يقدح في حصانته المتقدمة ولا يرفعها؛ لأن الاعتبار الحصانة والعفة في حال القذف لا بعده ..
стр. 107
نعم لأن العبرة بالحال، والحال القذف، ولذا لو شهد ثقة لفلان من الناس أنه له مبلغ على فلان وهو ثقة، ثم تراخى بعد ثبوت الحق أو بشهادة الثقات عن استيفاءه، ثم حصل أن هؤلاء الثقات فسقوا، فصاروا ممن ترد شهادتهم، فالعبرة بالحال وقت الشهادة، هم ثقات يستوفى بهم الحق، وإلا لما استقام حق، لأن الحديث الصحيح: ((وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة ثم لا يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب .. )) الخ، تدل على أن كل ثقة معرض لمثل هذا، كل ثقة في الحياة معرض لمثل هذا، فلا بد أن ننتظر إلى ما يختم به له، فالعبرة بالحال لا بالمآل ولو تغيرت حاله.
كما لو قذف مسلماً فارتد المقذوف بعد القذف وقبل أن يحد القاذف لم يسقط الحد عنه، وأيضاً فإن الحدود كلها معتبرة بوقت الوجوب لا وقت الإقامة، ودليلنا هو أنه قد ظهر قبل استيفاء اللعان والحد معنى لو كان موجوداً في ابتداءٍ مَنَعَ صحة اللعان ووجوب الحد، فكذلك إذا طرأ في الثاني، كما إذا شهد شاهدان ظاهرهما العدالة فلم يحكم الحاكم بشهادتهما حتى ظهر فسقهما بأن زنيا أو شربا خمراً فلم يجز للحاكم أن يحكم بشهادتهما تلك ..
لكن لو حكم؟ لو حكم الحاكم بناءً على أنهما ثقتان؟ ثم بعد ذلك تبيّن فسقهما فيما بعد؟ يقام الحد.
وأيضاً فإن الحكم بالعفة والإحصان يؤخذ من طريق الظاهر لا من حيث القطع واليقين، وقد قال ﵇: ((ظهر المؤمن حمى)) فلا يحد القاذف إلا بدليل قاطع، وبالله التوفيق ..
خرج الحديث؟
الطالب:. . . . . . . . . الطبراني في الكبير من حديث. . . . . . . . .
وهذا ظاهر.
ضعيف؟
ضعيف جداً.
الرابعة عشرة: من قذف امرأته وهي كبيرة لا تحمل تلاعنا، هو لدفع الحد، وهي لدرء العذاب، فإن كانت صغيرة لا تحمل لاعن هو لدفع الحد، ولم تلاعن هي لأنها لو أقرت لم يلزمها شيء ..
لا يلزمها حد لأنها غير مكلفة.
وقال ابن الماجشون: لا حد على قاذف من لم تبلغ، قال اللخمي: فعلى هذا لا لعان على زوج الصغيرة التي لا تحمل.
стр. 108
أما لو كانت تحمل ولو كانت صغيرة؟ يمكن أن تحمل الصغيرة؟ لأنه قال: لا حد على قاذف من لم تبلغ، فعلى هذا لا لعان على زوج الصغيرة التي لا تحمل، هل في صغيرة تحمل؟ هل هناك صغيرة تحمل؟ أو إذا حملت حكمنا ببلوغها؟ لأنها لا يمكن أن تحمل إلا بعد الإنزال، والإنزال من علامات البلوغ، فقوله: الصغيرة يكفي عن قوله: لا تحمل.
طالب: السن؟
السن، يقولون التسع.
الخامسة عشرة: إذا شهد أربعة على امرأة بالزنا أحدهم زوجها، فإن الزوج يلاعن وتحد الشهود الثلاثة، وهو أحد قولي الشافعي والقول الثاني أنهم لا يحدون ..
إذا كان الزوج من هؤلاء الثلاثة، الذي هو رابعهم؛ لأن له مخرج شرعي باللعان، لم يبق إلا الثلاثة، فإذا نظرنا إليه باعتباره شاهداً كشهادتهم، قلنا: أنها تحد ولا يحدوا، لأن النصاب كامل، واللعان إنما يلجأ إليه إذا أراد إسقاط الحد عن نفسه، وهنا لا حد عليه لأن النصاب كامل.
وقال أبو حنيفة: إذا شهد الزوج والثلاثة ابتداءً قبلت شهادتهم وحدَّت المرأة، ودليلنا قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [(٤) سورة النور] الآية .. فأخبر أن من قذف محصناً ولم يأت بأربعة شهداء حدّ، فظاهره يقتضي أن يأتي بأربعة شهداء سوى الرامي، والزوج رامٍ لزوجته فخرج عن أن يكون أحد الشهود والله أعلم.
السادسة عشرة: إذا ظهر بامرأته حمل فترك أن ينفيه لم يكن له نفيه بعد سكوته، وقال شريح ومجاهد: له أن ينفيه أبداً وهذا خطأ؛ لأن سكوته بعد العلم به رضىً به، كما لو أقر به ثم ينفيه فإنه لا يقبل منه، والله أعلم.
يوجد بعض القضايا من بعض العوام الذين لا يحتاطون لأعراضهم ولا لأديانهم يوجد تساهل من بعض العوام إذا وجد في ولده شبهاً لا يشبهه، شبهاً بعيداً عنه، تجده في حال الرضا يقول: هو ولدي، وفي حال الغضب وفي حال السخط -إذا سخط عليه- تبرأ منه، وهذا لا يجوز بحال –نسأل الله السلامة والعافية– هو إما ولدك باستمرار أو ليس بولدك، فإذا قال: أنه ليس بولده، لا بد أن يلاعن.
стр. 109
السابعة عشرة: فإن أخر ذلك إلى أن وضعت وقال: رجوت أن يكون ريحاً ينفش، أو تسقطه فأستريح من القذف فهل لنفيه بعد وضعه مدةً ما فإذا تجاوزها لم يكن له ذلك؟ فقد اختلف في ذلك، فنحن نقول: إذا لم يكن له عذر في سكوته حتى مضت ثلاثة أيام فهو راض به ليس له نفيه، وبهذا قال الشافعي، وقال أيضاً: متى أمكنه نفيه على ما جرت به العادة من تمكنه من الحاكم فلم يفعل لم يكن له نفيه من بعد ذلك ..
لأنه رضي به، إلا إن كان جاهل بالحكم، إن كان جاهل بالحكم له ذلك.
وقال أبو حنيفة: لا أعتبر مدة، وقال أبو يوسف ومحمد: يعتبر فيه أربعون يوماً مدة النفاس، قال ابن القصار: والدليل لقولنا هو أن نفي ولده محرم عليه، واستلحاق ولدٍ ليس منه محرم عليه، فلا بد أن يوسع عليه لكي ينظر فيه، ويفكر هل يجوز له نفيه أو لا؟
نعم يعني أحياناً يحصل التردد، لا سيما إذا كان الزنا في الطهر الذي جامعها فيه، يحصل التردد كثيراً، فيترك له مدة ثلاثة أيام يفكر فيها، لأنه إن أثبت الولد والاحتمال أن يكون لغيره هذا حرام –نسأل الله السلامة والعافية– وإن نفاه وهو ولده حرام كذلك –نسأل الله السلامة-.
وإنما جعلنا الحد ثلاثة؛ لأنه أول حد الكثرة، وآخر حد القلة، وقد جعلت ثلاثة أيام يختبر بها حال المصرّاة، فكذلك ينبغي أن يكون هنا، وأما أبو يوسف ومحمد فليس اعتبارهم بأولى من اعتبار مدة الولادة والرضاع، إذ لا شاهد لهم في الشريعة، وقد ذكرنا نحن شاهداً في الشريعة من مدة المصرّاة.
يعني إذا كان هناك أصل يمكن أن يلحق به الفرع أصل من الشرع أولى من إلحاقه بما لا أصل له.
طالب: الجينات
هذه قرائن وليست أدلة، قرائن يرجح بها.
الثامنة عشرة: قال ابن القصار: إذا قالت امرأة لزوجها أو لأجنبي يا زانية –بالهاء-
يعني بلفظ ما تقذف به المرأة، قذفت الرجل بما تقذف المرأة، وقالت: يا زانية، فما الحكم؟ أو قال الرجل لزوجته: يا زاني؟
стр. 110
وكذلك الأجنبي لأجنبي فلست أعرف فيه نصاً لأصحابنا، ولكنه عندي يكون قذفاً وعلى قائله الحد، وقد زاد حرفاً، وبه قال الشافعي ومحمد بن الحسن، وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: لا يكون قذفاً، واتفقوا أنه إذا قال لامرأته يا زانٍ أنه قذف، والدليل على أنه يكون في الرجل قذفاً هو أن الخطاب إذا فهم منه معناه ثبت حكمه، سواءً كان بلفظ أعجمي أو عربي، ألا ترى أنه إذا قال للمرأة زنيت -بفتح التاء- كان قذفاً، لأن معناه يفهم منه، ولأبي حنيفة وأبي يوسف أنه لما جاز أن يخاطب المؤنث بخطاب المذكر لقوله تعالى: ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ﴾ [(٣٠) سورة يوسف] صلح أن يكون قوله: يا زانٍ للمؤنث قذفاً، ولمّا لم يجز أن يؤنث فعل المذكر إذا تقدم عليه لم يكن لخطابه بالمؤنث حكم، والله أعلم.
هذا من حيث العربية، أما بعد أن تغيرت لغات ولهجاتهم وصار الرجل يخاطب بما تخاطب به المرأة والعكس في بعض الجهات موجود هذا، يوجد عند بعض الأعاجم يخاطب الرجل كأنه يخاطب امرأة، وفي بعض الجهات من بلاد العرب من يخاطب مجموعة الرجال بنون النسوة، هذا موجود حتى في بعض جهات الجزيرة، فمثل هذا ينظر فيه إلى ما تعورف عليه.
التاسعة عشرة: يلاعن في النكاح الفاسد زوجته لأنها صارت فراشاً، ويلحق النسب فيه فجرى اللعان عليه.
الموفية عشرين: اختلفوا في الزوج إذا أبى من الالتعان، فقال أبو حنيفة: لا حد عليه؛ لأن الله تعالى جعل على الأجنبي الحد، وعلى الزوج اللعان، فلما لم ينتقل اللعان إلى الأجنبي لم ينتقل الحد إلى الزوج، ويسجن أبداً حتى يلاعن؛ لأن الحدود لا تؤخر قياساً ..
ما معنى لأن الحدود لا تؤخر؟
طالب. . . . . . . . .
ويسجن أبداً حتى يلاعن، مقتضى ذلك أنه يؤخر؟ أليس كذلك؟ الذي يسجن حتى يلاعن.
طالب:. . . . . . . . .
следующие страницы →