Полный текст (585 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
فيكون من الأضداد، غبر يعني بمعنى: بقي، ويكون بمعنى: مضى، غبر: يكون بمعنى الباقي، وبمعنى: الماضي، فيكون حينئذٍ من الأضداد، ولذا لما طبع العبر للذهبي ﵀ في خبر من غبر، اُستدرك العنوان وكتب عليه: أن من غبر: يعني بقي، والأصل (في خبر من عبر) يعني مضى، لكن إذا تقرر أن غبر بمعنى: مضى، وبمعنى: بقي، وهي من الأضداد إذاً لا استدراك، والأكثر على أنها بمعنى الباقي، الغابرين: الباقين.
وكما قال:
فما ونى محمد منذ إن غفر ... له الإله ما مضى وما غبر
أي: ما بقي، والأغبار: بقيات الألبان، ﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ﴾ [(١٧٢) سورة الشعراء] أي أهلكناهم بالخسف والحصب، قال مقاتل: خسف الله بقوم لوط وأرسل الحجارة على من كان خارجاً من القرية، ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًا﴾ [(١٧٣) سورة الشعراء] يعني الحجارة، ﴿فَسَاء مَطَرُ الْمُنذَرِينَ﴾ [(١٧٣) سورة الشعراء] وقيل: إن جبريل خسف بقريتهم وجعل عاليها سافلها ثم أتبعها الله بالحجارة، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [(١٧٤) سورة الشعراء] لم يكن فيها مؤمن إلا بيت لوط وابنتاه.
طالب: قال المؤلف .... يعني اللواط. . . . . . . . .، سمى الفاحشة لواطاً
هذا المعروف عند أهل العلم يسمونه لواط، وليس معناه النسبة إلى لوط، وإنما النسبة إلى قومه، النسبة إلى المضاف إليه، قوم لوط، وليست نسبةً إلى. . . . . . . . . النسبة إلى المضاف: الذين هم القوم، وليست النسبة إلى لوط ﵇، يجوز، يسوغ هذا.
طالب:. . . . . . . . .
هي فاحشة لكنها لواط، مثل الفاحشة وهو زنا، ما في إشكال.
طالب: الأغبار بقيات الألبان؟
والأغبار بقيات الألبان؟ إيش فيها؟ يعني ما يبقى في الإناء.
стр. 492
قوله تعالى: ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ﴾ [(١٧٦) سورة الشعراء] الأيك الشجر الملتف الكثير، الواحدة: أيكة، ومن قرأ: ﴿أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ﴾ [(١٧٦) سورة الشعراء] فهي الغيضة، ومن قرأ: (ليكة) فهو اسم القرية، ويقال: هما مثل بكة ومكة قاله الجوهري، وقال النحاس: وقرأ أبو جعفر ونافع: (كذب أصحاب ليكة المرسلين) وكذا قرأ: في (ص) وأجمع القراء على الخفض في التي في سورة (الحجر) والتي في سورة (ق) فيجب أن يرد ما اختلفوا فيه إلى ما أجمعوا عليه إذ كان المعنى واحداً، وأما ما حكاه أبو عبيد من أن (ليكة) هي اسم القرية التي كانوا فيها، وأن (الأيكة) اسم البلد، فشيء لا يثبت ولا يعرف من قاله فيثبت علمه، ولو عُرف من قاله لكان فيه نظر؛ لأن أهل العلم جميعاً من أهل التفسير والعلم بكلام العرب على خلافه، وروى عبد الله بن وهب عن جرير بن حازم عن قتادة قال: أرسل شعيب ﵇ إلى أمتين: إلى قومه من أهل مدين، وإلى أصحاب الأيكة، قال: والأيكة: غيظة من شجرٍ ملتف، وروى سعيد عن قتادة قال: كان أصحاب الأيكة أهل غيضة وشجر، وكانت عامة شجرهم الدوم، وهو شجر المُقْل.
وروى ابن جبير عن الضحاك قال: خرج أصحاب الأيكة -يعني حين أصابهم الحر- فانضموا إلى الغيضة والشجر، فأرسل عليهم سحابة فاستظلوا تحتها، فلما تكاملوا تحتها أحرقوا، ولو لم يكن هذا إلا ما روي عن ابن عباس قال: و (الأيكة) الشجر، ولا نعلم بين أهل اللغة اختلافاً أن الأيكة الشجر الملتف، فأما احتجاج بعض من احتج بقراءة من قرأ في هذين الموضعين بالفتح أنه في السواد (ليكة) فلا حجة له، والقول فيه: إن أصله (الأيكة) ثم خففت الهمزة فألقيت حركتها على اللام فسقطت واستغنت عن ألف الوصل؛ لأن اللام قد تحركت فلا يجوز على هذا إلا الخفض كما تقول بالأحمر تُحقق الهمزة ثم تخففها بلحمر، فإن شئت كتبته في الخط على ما كتبته أولاً، وإن شئت كتبته بالحذف ولم يجز إلا الخفض، قال سيبويه: واعلم أن ما لا ينصرف إذا دخلت عليه الألف واللام أو أضيف انصرف، ولا نعلم أحداً خالف سيبويه في هذا.
الممنوع من الصرف يصرف إذا أضيف، أو اقترن بـ (أل) يقول:
стр. 493
وجرّ بالفتحة ما لا ينصرف ... ما لم يضف أو يك بعد أل ردف
يعني بعد (أل) يقترن بـ (أل) أو يكون مضافاً.
وقال الخليل: (الأيكة) غيضة تنبت السدر والأراك ونحوهما من ناعم الشجر، ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ﴾ [(١٧٧) سورة الشعراء] ولم يقل: أخوهم شعيب؛ لأنه لم يكن أخاً لأصحاب الأيكة في النسب، فلما ذكر مدين قال: ﴿أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ [(٨٥) سورة الأعراف] لأنه كان منهم، وقد مضى في (الأعراف) القول في نسبه، قال ابن زيد: أرسل الله شعيباً رسولاً إلى قومه أهل مدين، وإلى أهل البادية وهم أصحاب الأيكة، وقاله قتادة وقد ذكرناه، ﴿أَلَا تَتَّقُونَ﴾ [(١٧٧) سورة الشعراء] تخافون الله، ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ [(١٧٩) سورة الشعراء] الآية .. ، وإنما كان جواب هؤلاء الرسل واحداً على صيغة واحدة؛ لأنهم متفقون على الأمر بالتقوى والطاعة والإخلاص في العبادة والامتناع من أخذ الأجر على تبليغ الرسالة.
стр. 494
﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ﴾ [(١٨١) سورة الشعراء] الناقصين للكيل والوزن، ﴿وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾ [(١٨٢) سورة الشعراء] أي أعطوا الحق، وقد مضى في (سبحان) وغيرها، ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [(١٨٣) سورة الشعراء] تقدم في (هود) وغيرها، ﴿وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ﴾ [(١٨٤) سورة الشعراء] قال مجاهد: الجبلة هي الخليقة، وجُبل فلان على كذا أي: خلق، فالخُلق جِبلّة وجُبلّة وجِبلَة وجُبلَة وجَبلَة ذكره النحاس في معاني القرآن، و ﴿الْجِبِلَّةَ﴾ عطف على الكاف والميم، قال الهروي: الجِبِلّة والجُبلَة والجِبِلّ والجُبُلُ والجَبلُ لغات، وهو الجمع ذو العدد الكثير من الناس، ومنه قوله تعالى: ﴿جِبِلًّا كَثِيرًا﴾ [(٦٢) سورة يس]، قال النحاس في كتاب (إعراب القرآن) له ويقال: جُبُلةٌ، والجمع فيهما: جَبَّال، وتحذف الضمة والكسرة من الباء، وكذلك التشديد من اللام، فيقال: جُبلَةٌ وجُبَل، ويقال: جِبلَةٌ وجِبَال، وتحذف الهاء من هذا كله، وقرأ الحسن باختلاف عنه (والجُبُلة الأولين) بضم الجيم والباء، وروي عن شيبة والأعرج والباقون بالكسر، قال:
والموت أعظم حادث ... فيما يمر على الجِبِلّة
نعم، الجِبلّة: الخلقة، وجُبل فلان على كذا يعني خلق عليه من نشأته، من بداية خلقه، كما قال النبي ﵊ لأشج عبد القيس: ((إن فيك خصلتين يحبهما الله ورسوله)) ثم قال: "الحمد لله الذي على جبلني على ما يحبه الله ورسوله".
﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾ [(١٨٥) سورة الشعراء] الذين يأكلون الطعام والشراب على ما تقدم، قوله تعالى: ﴿وَإِن نَّظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [(١٨٦) سورة الشعراء] أي ما نظنك إلا من الكاذبين في أنك رسول الله تعالى، ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِّنَ السَّمَاء﴾ [(١٨٧) سورة الشعراء] أي جانباً من السماء وقطعةً منه فننظر إليه، كما قال: ﴿وَإِن يَرَوْا كِسْفًا مِّنَ السَّمَاء سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَّرْكُومٌ﴾ [(٤٤) سورة الطور].
стр. 495
يعني لو قدر أنهم أجيبوا وسقط عليهم كسف من السماء، يعني قطعة منه، قالوا: سحابة، هذا سحاب مركوم، وليس من السماء هذا.
كما قال: ﴿وَإِن يَرَوْا كِسْفًا مِّنَ السَّمَاء سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَّرْكُومٌ﴾ [(٤٤) سورة الطور]، وقيل: أرادوا أنزل علينا العذاب، وهو مبالغة في التكذيب، قال أبو عبيدة: الكسف: جمع كسفة، مثل: سدر وسدرة، وقرأ السلمي وحفص: كسفاً: جمع كسفة أيضاً: وهي القطعة والجانب، تقديره كسرة وكسر، قال الجوهري: الكسفة القطعة من الشيء، يقال: أعطني كسفةً من ثوبك والجمع: كِسَف وكِسْف، ويقال: الكسف والكسفة واحد، وقال الأخفش: من قرأ: (كِسْفاً) جعله واحداً، ومن قرأ: ﴿كِسَفاً﴾ جعله جمعاً، وقد مضى هذا في سورة (سبحان)، وقال الهروي: ومن قرأ: (كِسْفاً) على التوحيد فجمعه: أكساف وكسوف، كأنه قال: أو تسقطه علينا طبقاً واحداً، وهو من كسفت الشيء كَسْفاً إذا غطيتَه.
стр. 496
﴿إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [(١٨٧ - ١٨٨) سورة الشعراء] تهديد، أي: إنما علي التبليغ وليس العذاب الذي سألتم إلي وهو يجازيكم، ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾ [(١٨٩) سورة الشعراء] قال ابن عباس: أصابهم حر شديد فأرسل الله سبحانه سحابة، فهربوا إليها ليستظلوا بها فلما صاروا تحتها صيح بهم فهلكوا، وقيل: أقامها الله فوق رؤوسهم وألهبها حراً حتى ماتوا من الرمد، وكان من أعظم يومٍ في الدنيا عذاباً، وقيل: بعث الله عليهم سموماً فخرجوا إلى الأيكة يستظلون بها فأضرمها الله عليهم ناراً فاحترقوا، وعن ابن عباس أيضاً وغيرِه: إن الله تعالى فتح عليهم باباً من أبواب جهنم، وأرسل عليهم هدةً وحراً شديداً فأخذ بأنفاسهم فدخلوا بيوتهم فلم ينفعهم ظل ولا ماء، فأنضجهم الحر فخرجوا هرباً إلى البرية، فبعث الله سحابة فأظلتهم فوجدوا لها برداً وروحاً وريحاً طيبة، فنادى بعضهم بعضاً فلما اجتمعوا تحت السحابة ألهبها الله تعالى عليهم ناراً، ورجفت بهم الأرض فاحترقوا كما يحترق الجراد في المِقلى فصاروا رماداً فذلك قوله: ﴿فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ * كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا﴾ [(٩٥) سورة هود].
وقوله: ﴿فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [(١٨٩) سورة الشعراء] وقيل: إن الله تعالى حبس عنهم الريح سبعة أيام، وسلط عليهم الحر حتى أخذ بأنفاسهم، ولم ينفعهم ظل ولا ماء، فكانوا يدخلون الأسراب ليتبردوا فيها، فيجدوها أشد حراً من الظاهر، فهربوا إلى البرية فأظلتهم سحابة وهي الظلة، فوجدوا لها برداً ونسيماً فأمطرت عليهم ناراً فاحترقوا.
стр. 497
وقال يزيد الجريري: سلط الله عليهم الحرَّ سبعة أيام ولياليهن، ثم رفع لهم جبل من بعيد، فأتاه رجل فإذا تحته أنهار وعيون وشجر وماء بارد فاجتمعوا كلهم تحته، فوقع عليهم الجبل وهو الظلة، وقال قتادة: بعث الله شعيباً إلى أمتين: أصحاب مدين وأصحاب الأيكة، فأهلك الله أصحاب الأيكة بالظلة، وأما أصحاب مدين فصاح بهم جبريل صيحة فهلكوا أجمعين، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [(١٩٠) سورة الشعراء] قيل: آمن بشعيب من الفئتين تسعمائة نفر.
إذا قضى الله شيئاً لا رادّ لقضائه، فكثير من الناس إذا أوى إلى الأماكن الباردة ظن أن الحر انتهى، ويقول: البيت مكيف والسيارة مكيفة والمسجد مكيف والعمل مكيف انتهى الحر، لكن إذا أراد الله شيئاً يسّر أسبابه، وقد تكون هذه المكيفات عذاباً على أهلها، ينقطع منها سبب التكييف ثم تنقلب إلى وبال –نسأل الله العافية- وعلى كل حال على الناس أن يراجعوا دينهم، وإلا فكثير من المسلمين قد انصرف وصدّ عن دينه، ويخشى من قارعة تحل بهم، كما حلت بمن حولهم من البلدان والأقطار، كما نزل في الأمم السابقة من ألوان العذاب وصنوفه، والسنن الإلهية لا تتغير ولا تتبدل، إذا فعلنا مثلما فعلوا عوقبنا بمثل ما عوقبوا، وليس بيننا وبين الله نسب، وما أهون الخلق على الله.
فعلى المسلمين أن يراجعوا أنفسهم، وأن يرجعوا إلى دينهم، ويتركوا ما هم عليه من فسوق وفجور –نسأل الله السلامة والعافية- بل محادةّ ومحاربة لله ورسوله.
طالب: قيل من قول قتادة ﵀: بعث الله شعبياً إلى أمتين؟
إيه؛ لأنه جاء، ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ [(٨٤) سورة هود] والذي معنا ﴿أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ﴾ [(١٧٦) سورة الشعراء] بعثه إلى أمتين، أما صاحب مدين الذي هو صاحب موسى فالخلاف بين أهل العلم هل هو هذا شعيب، أو شخص آخر؟ وهل اسمه شعيب أو ليس اسمه شعيب؟ مسألة خلافية بين أهل العلم، والذين يستبعدون أن يكون شعيب هو صاحب موسى، وإن كان شعيب أرسل إلى مدين، وموسى ورد ماء مدين، فالبلد واحد، والمرسل إليهم مختلف؛ لأن بين شعيب وموسى مفاوز؛ لأن شعيب يقول: ﴿وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنكُم بِبَعِيدٍ﴾ [(٨٩) سورة هود]
стр. 498
طالب: أو أن موسى قبله وهو جاء. . . . . . . . .
ولو كان، بينهما مفاوز.
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [(١٩٢) سورة الشعراء] عاد إلى ما تقدم بيانه في أول السورة من إعراض المشركين عن القرآن، ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ﴾ [(١٩٣ - ١٩٤) سورة الشعراء] ﴿نَزَلَ﴾ مخففاً، قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو والباقون: ﴿نزل﴾ مشدداً، ﴿بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ [(١٩٣) سورة الشعراء] نصباً وهو اختيار أبي حاتم وأبي عبيد؛ لقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ﴾ [(١٩٢) سورة الشعراء] وهو مصدر نزَّل.
نعم، مصدر المضعّف، نزّل تنزيلاً، مثل: كلم تكليماً، ونزل نزولاً.
والحجة لمن قرأ بالتخفيف أن يقول: ليس هذا بمقدر؛ لأن المعنى (وإن القرآن لتنزيل رب العالمين نزل به جبريل إليك) كما قال تعالى: ﴿قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ﴾ [(٩٧) سورة البقرة] أي يتلوه عليك فيعيه قلبك، وقيل: ليثبَّت قلبَك، ﴿لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ* بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ﴾ [(١٩٤ - ١٩٥) سورة الشعراء] أي لئلا يقولوا: لسنا نفهم ما تقول.
стр. 499
﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾ [(١٩٦) سورة الشعراء] أي وإن ذكر نزوله لفي كتب الأولين يعني: الأنبياء، وقيل: أي إن ذكر محمد ﵇ في كتب الأولين، كما قال تعالى: ﴿يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ﴾ [(١٥٧) سورة الأعراف] والزبر: الكتب، الواحد: زبور، كرسول ورسل وقد وتقدم، قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكُن لَّهُمْ آيَةً أَن يَعْلَمَهُ عُلَمَاء بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [(١٩٧) سورة الشعراء] قال مجاهد: يعني عبد الله بن سلام وسلمان وغيرهما ممن أسلم، وقال ابن عباس: بعث أهل مكة إلى اليهود وهم بالمدينة يسألونهم عن محمد ﵇ فقالوا: إن هذا لزمانه، وإنا لنجد في التوراة نعته وصفته، فيرجع لفظ العلماء إلى كل من كان له علم بكتبهم أسلم أو لم يسلم على هذا القول، وإنما صارت شهادة أهل الكتاب حجةً على المشركين؛ لأنهم كانوا يرجعون في أشياء من أمور الدين إلى أهل الكتاب؛ لأنهم مظنون بهم علم، وقرأ ابن عامر (أولم تكن لهم آيةٌ) والباقون ﴿أَوَلَمْ يَكُن لَّهُمْ آيَةً﴾ [(١٩٧) سورة الشعراء] بالنصب على الخبر، واسم يكن ﴿أَن يَعْلَمَهُ﴾ [(١٩٧) سورة الشعراء]، والتقدير: أولم لكن لهم علم علماء بني إسرائيل الذين أسلموا آية واضحة.
يعني (أن) وما دخلت عليه في تأويل مصدر.
стр. 500
وعلى القراءة الأولى اسم كان ﴿آيَةً﴾ والخبر: ﴿أَن يَعْلَمَهُ عُلَمَاء بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [(١٩٧) سورة الشعراء]، وقرأ عاصم الجحدري: (أن تعلمه علماء بني إسرائيل)، ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ﴾ [(١٩٨) سورة الشعراء] أي على رجل ليس بعربي اللسان، ﴿فَقَرَأَهُ عَلَيْهِم﴾ [(١٩٩) سورة الشعراء] بغير لغة العرب لما آمنوا ولقالوا: لا نفقه، نظيره: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا﴾ [(٤٤) سورة فصلت]، وقيل: معناه ولو نزلناه على رجل ليس من العرب لما آمنوا به أنفةً وكبراً، يقال: رجل أعجم وأعجمي إذا كان غير فصيح وإن كان عربياً، ورجل عجمي وإن كان فصيحاً ينسب إلى أصله، إلا أن الفراء أجاز أن يقال: رجل عجمي بمعنى: أعجمي، وقرأ الحسن: ﴿على بعض الأعجميين﴾ مشددة بياءين جعله نسبة، ومن قرأ: ﴿الْأَعْجَمِينَ﴾ فقيل: إنه جمع: أعجم، وفيه بعد لأن ما كان من الصفات الذي مؤنثه فعلاء لا يجمع بالواو والنون، ولا بالألف والتاء، لا يقال: أحمرون ولا حمراوات، وقيل: إن أصله الأعجمين كقراءة الجحدري، ثم حذفت ياء النسب، وجعل جمعه بالياء والنون دليلاً عليها قاله أبو الفتح عثمان بن جني وهو مذهب سيبويه.
ذكر المؤلف الفرق بين عجمي وأعجمي، فالعجمي نسبة إلى العجم الذين هم غير العرب، والأعجمي الذي لا يتكلم العربية وإن كان عربياً.
طالب:. . . . . . . . . قيل: إن أصله الأعجمين
يقول: يقال: رجل أعجم وأعجمي إذا كان غير فصيح وإن كان عربياً.
طالب: وقيل آخر شيء: وقيل إن أصله الأعجمين. . . . . . . . .
ورجل عجمي وإن كان فصيحاً ينسب إلى أصله إلى العجم، أنت تبي الأخير؟
طالب: الأخير، مذهب سيبويه.
وقيل إن أصله الأعجمين كقراءة الجحدري، ثم حذفت ياء النسب (الأعجميين)، الأصل الأعجمي فإذا جمع قيل: الأعجميين، فحذفت ياء النسب فصار (الأعجمين) واضح إيش فيه؟
طالب: أن أصله الأعجميين.
هذا الأصل مثل قراءة الجحدري، هذا الأصل ثم حذفت ياء النسب.
стр. 501
قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ﴾ [(٢٠٠) سورة الشعراء] يعني القرآن: أي الكفر به، ﴿فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ * لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [(٢٠٠ - ٢٠١) سورة الشعراء] وقيل: سلكنا التكذيب في قلوبهم، فذلك الذي منعهم من الإيمان قاله يحيى بن سلام، وقال عكرمة: القسوة، والمعنى متقارب، وقد مضى في (الحجر)، وأجاز الفراء الجزم في ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾ لأن فيه معنى الشرط والمجازاة، وزعم أن من شأن العرب، إذا وضعت (لا) موضع (كي) (لا) في مثل هذا ربما جزمت ما بعدها وربما رفعت، فتقول: (ربطت الفرس لا ينفلت) بالرفع والجزم؛ لأن معناه: إن لم أربطه ينفلت، والرفع بمعنى: كيلا ينفلت، وأنشد لبعض بني عقيل:
وحتى رأينا أحسن الفعل بيننا ... مساكنةً لا يقرف الشر قارفُ
بالرفع لما حذف (كي)، ومن الجزم قول الآخر:
لطالما حلاتماها لا ترد ... فخلياها والسجال تبترد
قال النحاس: وهذا كله في ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ خطأ عند البصريين، ولا يجوز الجزم بلا جازم، ولا يكون شيء يعمل عملاً، فإذا حذف عمل عملاً أقوى من عمله وهو موجود، فهذا احتجاج بيِّن.
فيكون الجزم في البيت من أجل الوزن.
﴿حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ * فَيَأْتِيَهُم بَغْتَةً﴾ [(٢٠١ - ٢٠٢) سورة الشعراء] أي العذاب، وقرأ الحسن: فتأتيهم بالتاء والمعنى: فتأتيهم الساعة بغتة، فأضمرت؛ لدلالة العذاب الواقع فيها، ولكثرة ما في القرآن من ذكرها، وقال رجل للحسن وقد قرأ: (فتأتيهم): يا أبا سعيد إنما يأتيهم العذاب بغتة، فانتهره وقال: إنما هي الساعة تأتيهم بغتة: أي فجأة، ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [(٢٠٢) سورة الشعراء] بإتيانها، ﴿فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنظَرُونَ﴾ [(٢٠٣) سورة الشعراء] أي مؤخرون وممهلون، يطلبون الرجعة هنالك فلا يجابون إليها، قال القشيري وقوله: ﴿فَيَأْتِيَهُم﴾ ليس عطفاً على قوله: ﴿حَتَّى يَرَوُا﴾ بل هو جواب قوله: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾ فلما كان جواباً للنفي انتصب، وكذلك قوله: ﴿فَيَقُولُوا﴾.
يعني مثلما تقدم، منصوب بـ (أن) المضمرة بعد الفاء في جواب النفي.
стр. 502
قوله تعالى: ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ [(٢٠٤) سورة الشعراء] قال مقاتل: قال المشركون للنبي ﷺ : يا محمد إلى متى تعدنا بالعذاب ولا تأتي به؟ فنزلت: ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ * أَفَرَأَيْتَ إِن مَّتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ﴾ [(٢٠٤ - ٢٠٥) سورة الشعراء] يعني في الدنيا، والمراد: أهل مكة في قول الضحاك وغيره ﴿ثُمَّ جَاءهُم مَّا كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ [(٢٠٦) سورة الشعراء] من العذاب والهلاك، ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ [(٢٠٧) سورة الشعراء] (ما) الأولى استفهام معناه: التقرير، وهو في موضع نصب بـ (أغنى)، و (ما) الثانية في موضع رفع، ويجوز أن تكون الثانية نفياً لا موضع لها، وقيل: (ما) الأولى حرف نفي، و (ما) الثانية في موضع رفع بـ (أغنى) والهاء العائدة محذوفة، والتقدير: (ما أغنى عنهم الزمان الذي كانوا يمتعونه)، وعن الزهري: إن عمر بن عبد العزيز كان إذا أصبح أمسك بلحيته ثم قرأ: ﴿أَفَرَأَيْتَ إِن مَّتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءهُم مَّا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ [(٢٠٥ - ٢٠٧) سورة الشعراء] ثم يبكي ويقول:
يعني هذا عمر بن عبد العزيز عمره يوم وفاته كم؟ أربعين سنة عمره، ولد سنة ٦١ ومات سنة ١٠١ يعني عمره أربعون سنة، يعني فما أحرى من تعدى هذه السن أن يقول مثل هذا: ﴿أَفَرَأَيْتَ إِن مَّتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ﴾ [(٢٠٥) سورة الشعراء] أربعين سنة، عمر بن عبد العزيز ﵀، لكنه القلب الحي، وإلا قد يمتع الإنسان مائة سنة أو أكثر ولا يستحضر مثل هذا الكلام.
ثم يبكي ويقول:
نهارك يا مغرور سهو وغفلة ... وليلك نومٌ والردى لك لازمُ
فلا أنت في الأيقاظ يقظان حازم ... ولا أنت في النوام ناجٍ فسالمُ
تسرُّ بما يفنى وتفرح بالمنى ... كما سُرَّ باللذات في النوم حالمُ
وتسعى إلى ما سوف تكره غبَّه ... كذلك في الدنيا تعيش البهائمُ
قوله تعالى: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ﴾ [(٢٠٨) سورة الشعراء] (مِن): صلة، المعنى: وما أهلكنا قرية، ﴿إِلَّا لَهَا مُنذِرُونَ﴾ أي رسل.
стр. 503
وكون الكلام يستقيم بدونها لا يعني أنها لا فائدة لها، وإنما فائدتها: تأكيد النفي.
﴿ذِكْرَى﴾ [(٢٠٩) سورة الشعراء] قال الكسائي: ﴿ذِكْرَى﴾ في موضع نصب على الحال، قال النحاس وهذا لا يحصل، والقول فيه قول الفراء وأبي إسحاق أنها في موضع نصب على المصدر، قال الفراء: أي يذكرون ذكرى، وهذا قول صحيح؛ لأن معنى ﴿إِلَّا لَهَا مُنذِرُونَ﴾ إلا لها مذكرون، و ﴿ذِكْرَى﴾ لا يتبين فيه الإعراب؛ لأن فيها ألفاً مقصورة.
يتعذر ظهور حركة الإعراب، يعني يمتنع.
ويجوز ﴿ذكرى﴾ بالتنوين، ويجوز أن يكون ﴿ذِكْرَى﴾ في موضع رفع على إضمار مبتدأ، قال أبو إسحاق: أي إنذارنا ذكرى، وقال الفراء: أي ذلك ذكرى وتلك ذكرى، وقال ابن الأنباري: قال بعض المفسرين: ليس في (الشعراء) وقف تام إلا قوله: ﴿إِلَّا لَهَا مُنذِرُونَ﴾ وهذا عندنا وقف حسن، ثم يبتدئ ﴿ذِكْرَى﴾ على معنى: هي ذكرى: أي يذكرهم ذكرى، والوقف على ﴿ذِكْرَى﴾ أجود، ﴿وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ في تعذيبهم حيث قدمنا الحجة عليهم وأعذرنا إليهم.
قوله تعالى: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ﴾ [(٢١٠) سورة الشعراء] يعني القرآن، بل ينزل به الروح الأمين، ﴿وَمَا يَنبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ * إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [(٢١١ - ٢١٢) سورة الشعراء] أي برمي الشهب كما مضى في سورة (الحجر) بيانه، وقرأ الحسن ومحمد بن السميقع: (وما تنزلت به الشياطون)، قال المهدوي: وهو غير جائز في العربية ومخالف للخط، وقال النحاس: وهذا غلط عند جميع النحويين، وسمعت علي ين سليمان يقول: سمعت محمد بن يزيد يقول: هذا غلط عند العلماء، إنما يكون بدخول شبهة، لما رأى الحسن في آخره ياءً ونوناً وهو في موضع رفع اشتبه عليه بالجمع المسلم فغلط.
يعني كأنه عامله معاملة الجمع المذكر السالم، وجمع شيطان جمع تكسير، فيلازم الياء.
стр. 504
وفي الحديث: ((احذروا زلة العالم))، وقد قرأ هو مع الناس: ﴿وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾ [(١٤) سورة البقرة] ولو كان هذا بالواو في موضع رفع؛ لوجب حذف النون للإضافة، وقال الثعلبي: قال الفراء: غلط الشيخ -يعني الحسن- فقيل ذلك للنضر بن شميل فقال: إن جاز أن يحتج بقول رؤبة والعجاج وذويهما، جاز أن يحتج بقول الحسن وصاحبه مع أنا نعلم أنهما لم يقرأ بذلك إلا وقد سمعا في ذلك شيئاً، وقال المؤرج: إن كان الشيطان من شاط يشيط كان لقراءتهما وجه.
شاط يشيط إذا احترق، وإن كان من شطن أي: بعد، فليس لقراءتهم وجه؛ لأن النون أصلية، وإن كان من شاط كان له وجه؛ لأن النون مع الياء أو الواو مزيدة.
وقال يونس بن حبيب: سمعت أعرابياً يقول: دخلنا بساتين من ورائها بساتون، فقلت: ما أشبه هذا بقراءة الحسن، قوله تعالى: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾ [(٢١٣) سورة الشعراء] قيل: المعنى: قل لمن كفر هذا، وقيل: هو مخاطبة له ﵇، وإن كان لا يفعل هذا؛ لأنه معصوم مختار، ولكنه خوطب بهذا والمقصود غيره، ودل على هذا قوله: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [(٢١٤) سورة الشعراء] أي: لا يتّكلون على نسبهم وقرابتهم فيدعون ما يجب عليهم.
يعني مثل ما جاء في قول الله -جل وعلا-: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [(٦٥) سورة الزمر] وهو معصوم مما دون الشرك فكيف بالشرك؟ لكن المراد غيره.
قوله تعالى: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [(٢١٤) سورة الشعراء] فيه مسألتان:
стр. 505
الأولى: قوله تعالى: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ خص عشيرته الأقربين بالإنذار؛ لتنحسم أطماع سائر عشيرته، وأطماع الأجانب في مفارقته إياهم على الشرك، وعشيرته الأقربون: قريش، وقيل: بنو عبد مناف، ووقع في صحيح مسلم: (وأنذر عشيرتك الأقربين ورهطك منهم المخلصين) وظاهر هذا أنه كان قرآناً يتلى وأنه نسخ، إذ لم يثبت نقله في المصحف ولا تواتر، ويلزم على ثبوته إشكال، وهو أنه كان يلزم عليه ألا ينذر إلا من آمن من عشيرته، فإن المؤمنين هم الذين يوصفون بالإخلاص في دين الإسلام، وفي حب النبي ﷺ لا المشركون؛ لأنهم ليسوا على شيء من ذلك، والنبي ﷺ دعا عشيرته كلهم، مؤمنهم وكافرهم، وأنذر جميعهم ومن معهم، ومن يأتي بعدهم ﷺ فلم يثبت ذلك نقلاً ولا معنى.
ما دام هو في صحيح مسلم فلا كلام، ويكون المعنى: أنذر عشيرتك الأقربين ورهطك منهم المخلصين يعني تابع إنذارهم وتابع تخويفهم لئلا يرتدوا وتعاهدهم بذلك فهم أولى الناس بذلك، وإن كانوا مسلمين، فالمسلم إذا دخل في الإسلام لا تؤمن عليه الفتنة وأن يرجع، هو بحاجة إلى أن يتعهّد، كما أمر المؤمن أن يؤمن، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ﴾ [(١٣٦) سورة النساء] يعني أثبتوا ودوموا على إيمانكم فالمعنى صحيح، والنقل صحيح أيضاً.
طالب: ما يخالف المعنى الأول؟ عبادك منهم المخلصين. . . . . . . . .
إيش المانع؟
طالب:. . . . . . . . .
كلامهم وجيه لكن من جهة أن المؤمن أنه لا ينذر إلا المؤمن؟ لا، ينذر المؤمن ويهتم به ويعتنى به، وليس معنى هذا أنه لا ينذر غيره.
стр. 506
وروى مسلم من حديث أبي هريرة قال: لما نزلت هذه الآية ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ دعا رسول الله ﷺ قريشاً فاجتمعوا فعمّ وخصّ فقال: ((يا بني كعب بن لؤي أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني مرة بن كعب أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد شمس أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد مناف أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني هاشم أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة أنقذي نفسك من النار، فإني لا أملك لكم من الله شيئاً غير أن لكم رحماً سأبُلها ببلالها)).
يعني أصلها.
الثانية: في هذا الحديث والآية دليل على أن القرب في الأنساب لا ينفع مع البعد في الأسباب، ودليل على جواز صلة المؤمن الكافر وإرشاده ونصيحته؛ لقوله: ((إن لكم رحماً سأبلها ببلالها)) وقوله : ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [(٨) سورة الممتحنة] الآية على ما يأتي بيانه هناك -إن شاء الله-، قوله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [(٢١٥) سورة الشعراء] تقدم في سورة (الحجر) و (سبحان) يقال: خفض جناحه إذا لان، ﴿فَإِنْ عَصَوْكَ﴾ [(٢١٦) سورة الشعراء] أي خالفوا أمرك، ﴿فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ﴾ أي بريء من معصيتكم إياي؛ لأن عصيانهم إياه عصيان لله ؛ لأنه ﵇ لا يأمر إلا بما يرضاه، ومن تبرأ منه فقد تبرأ الله منه، قوله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ [(٢١٧) سورة الشعراء] أي: فوض أمرك إليه فإنه العزيز الذي لا يغالب، الرحيم الذي لا يخذل أولياءه، وقراءة العامة: ﴿وَتَوَكَّلْ﴾ بالواو وكذلك هو في مصاحفهم، وقرأ نافع وابن عامر: (فتوكل) بالفاء، وكذلك هو في مصاحف المدينة والشام، ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ﴾ [(٢١٨) سورة الشعراء] أي حين تقوم إلى الصلاة في قول أكثر المفسرين -ابن عباس وغيره-، وقال مجاهد: يعني حين تقوم حيثما كنت.
стр. 507
﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ [(٢١٩) سورة الشعراء] قال مجاهد وقتادة: في المصلين، وقال ابن عباس: أي في أصلاب الآباء آدم ونوح وإبراهيم حتى أخرجه نبياً، وقال عكرمة: يراك قائماً وراكعاً وساجداً وقاله ابن عباس أيضاً، وقيل المعنى: إنك ترى بقلبك في صلاتك من خلفك كما ترى بعينك من قدامك.
نعم هذا ثبت في الحديث الصحيح أنه كان يرى من ورائه كما يرى من أمامه ﵊، وهل هو في الصلاة خاصة أو في جميع أحواله؟ مسألة خلافية، لكن المعنى الظاهر من قوله -جل وعلا-: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ [(٢١٩) سورة الشعراء] أي معهم ومنهم.
وروي عن مجاهد ذكره الماوردي والثعلبي، وكان ﵇ يرى من خلفه كما يرى من بين يديه، وذلك ثابت في الصحيح، وفي تأويل الآية بعيد، ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [(٢٢٠) سورة الشعراء] تقدم.
قوله تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ [(٢٢١ - ٢٢٢) سورة الشعراء] إنما قال: ﴿تَنَزَّلُ﴾ لأنها أكثر مما تكون في الهواء وأنها تمر في الريح، ﴿يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ﴾ [(٢٢٣) سورة الشعراء] تقدم في (الحجر) فـ ﴿يُلْقُونَ السَّمْعَ﴾ [(٢٢٣) سورة الشعراء] صفة الشياطين، و ﴿أَكْثَرُهُمْ﴾ يرجع إلى الكهنة وقيل إلى الشياطين.
﴿أَفَّاكٍ﴾ يعني كذاب -صيغة مبالغة-، فالشياطين إنما تألف من كان مثلهم في التزوير والكذب وما أشبه ذلك، نكمل الشعراء وإلا نقف؟
طالب: نعم نكمل.
مستعد.
طالب: يعين الله.
طيب سم.
قوله تعالى: ﴿وَالشُّعَرَاء يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ [(٢٢٤) سورة الشعراء] فيه ست مسائل:
الأولى: قوله تعالى: ﴿وَالشُّعَرَاء﴾ جمع: شاعر، مثل جاهل وجهلاء.
وعالم وعلماء، وفاضل وفضلاء.
стр. 508
ق ال ابن عباس: هم الكفار، ﴿يَتَّبِعُهُمُ﴾ ضلال الجن والإنس، وقيل: ﴿الْغَاوُونَ﴾ الزائلون عن الحق، ودل بهذا أن الشعراء أيضاً غاوون؛ لأنهم لو لم يكونوا غاوين ما كان أتباعهم كذلك، وقد قدمنا في سورة (النور) أن من الشعر ما يجوز إنشاده ويكره ويحرم، روى مسلم من حديث عمرو بن الشريد عن أبيه قال: ردفت رسول الله ﷺ يوماً فقال: ((هل معك من شعر أمية بن أبي الصلت شيء)) قلت: نعم قال: ((هيه)) فأنشدته بيتاً فقال: ((هيه)) ثم أنشدته بيتاً فقال: ((هيه)) حتى أنشدته مائة بيت.
هكذا صواب هذا السند وصحيح روايته، وقد وقع لبعض رواة كتاب مسلم: عن عمرو بن الشريد عن الشريد أبيه -وهو وهم-؛ لأن الشريد هو الذي أردفه رسول الله ﷺ ، واسم أبي الشريد سويد، وفي هذا دليل على حفظ الأشعار.
كيف جاء الوهم؟ صوابه: روى مسلم من حديث عمرو بن الشريد عن أبيه، ووقع لبعض رواة كتاب مسلم: عن عمرو بن الشريد عن الشريد أبيه؟ في إشكال؟ في وهم؟
طالب: لا.
نعم ما في وهم إلا إن الذي في مسلم غير هذا، إن كان عن عمرو بن الشريد عن الشريد عن أبيه؟ نعم يكون وهم.
وفي هذا دليل على حفظ الأشعار والاعتناء بها إذا تضمنت الحكم والمعاني المستحسنة شرعاً وطبعاً، وإنما أستكثر النبي ﷺ من شعر أمية؛ لأنه كان حكيماً، ألا ترى قوله ﵇: ((وكاد أمية بن أبي الصلت أن يسلم)) فأما ما تضمن ذكر الله وحمده والثناء عليه فذلك مندوب إليه كقول القائل:
وجاء فيه أنه آمن شعره ولم يؤمن قلبه –نسأل الله السلامة والعافية-.
الحمد لله العلي المنان ... صار الثريد في رؤوس العيدان
أو ذكر رسول الله ﷺ أو مدحه كقول العباس:
من قبلها طبت في الظلال وفي ... مستودع حيث يخصف الورقُ
ثم هبطت البلاد لا بشر ... أنت ولا مضغة ولا علقُ
بل نطفة تركب السفين وقد ... ألجم نسراً وأهله الغرقُ
تنقل من صالب إلى رحم إذا ... مضى عالَم بدا طبقُ
فقال له النبي ﷺ : ((لا يفضض الله فاك))، أو الذب عنه كقول حسان:
هجوت محمداً فأجبتُ عنه ... وعند الله في ذالك الجزاءُ
стр. 509
وهي أبيات ذكرها مسلم في صحيحه، وهي في السير أتم، أو الصلاة عليه كما روى زيد بن أسلم خرج عمر ليلة يحرس، فرأى مصباحاً في بيت وإذا عجوز تنفش صوفاً وتقول:
على محمد صلاة الأبرار
صلى عليه الطيبون الأخيار
قد كنت قواماً بُكاً بالأسحار
يا ليت شعري والمنايا أطوار
هل يجمعني وحبيبي الدار
يعني النبي ﷺ فجلس عمر يبكي، وكذلك ذكر أصحابه ومدحهم ﵃.
ولقد أحسن محمد بن سابق حيث قال:
إني رضيت علياً للهدى علماً ... كما رضيت عتيقاً صاحب الغارِ
وقد رضيت أبا حفصٍ وشيعته ... وما رضيت بقتل الشيخ في الدارِ
كل الصحابة عندي قدوة علم ... فهل عليَّ بهذا القول من عارِ
إن كنت تعلم أني لا أحبهم ... إلا من أجلك فاعتقني من النارِ
وقال آخر فأحسن:
حب النبي رسول الله مفترض ... وحب أصحابة نور ببرهانِ
من كان يعلم أن الله خالقه ... لا يرمين أبا بكرٍ ببهتانِ
ولا أبا حفصٍ الفاروق صاحبه ... ولا الخليفة عثمان بن عفانِ
أما علي فمشهور فضائله ... والبيت لا يستوي إلا بأركانِ
الأركان الأربعة يعني، يعني حب الأربعة مجتمعين هذه عقيدة المسلمين، ولا يستقيم الدين إلا بهذا؛ لأنهم هم حملة الدين، وهم الذين بواسطتهم بلغنا هذا الدين، فإذا قدحنا فيهم فإننا نقدح بالدين الذي وصلنا من طريقهم، وكون المدح لهؤلاء مطلوب الثناء عليهم، لا سيما النبي ﵊ قربة إلى الله -جل وعلا- لكن لا يكون هذا مع مجاوزة في الحد، وغلو فيه ﵊ كما فعله كثير من الشعراء، إذا صرفوا له شيئاً من حقوق الرب -جل وعلا-، والنبي ﵊ يقول: ((لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم)) ((إياكم والغلو، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو)) والشاعر منهم يقول:
فإن من جودك الدنيا وضرّتها ... ومن علومك علم اللوحِ والقلمِ
ويقول:
يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به ... سواك عند حلول الحادث العممِ
فما ترك شيء لله -جل وعلا-، فهذا الغلو محرم بل شرك، يصرف للنبي ﵊ شيء من حقوق الله التي لا تصرف إلا له، هذا هو عين الشرك.
طالب: هل من علامات .... في السنة، تترضى على الأئمة الأربعة والدعاء لولي الأمر؟
стр. 510
إذا وجد من يخالف ينوّه بهذا، إذا وجد من يخالف أو ينازع أو يشكك ينوّه بهذا؛ لأن الخطبة إنما هي لبيان ما يحتاجه المسلمون، فإذا وجد أمر يحتاج إلى تنبيه ينبّه عليه.
قال ابن العربي: أما الاستعارات في التشبيهات فمأذون فيها وإن استغرقت الحد وتجاوزت المعتاد، فبذلك يضرب الملك الموكل بالرؤيا المثل، وقد أنشد كعب بن زهير النبي ﷺ :
بانت سعاد فقلبي اليوم متبولُ ... متيم إثرها لم يفد مكبولُ
وما سعاد غداة البين إذ رحلوا ... إلا أغن غضيض الطرف مكحولُ
تجلو عوارض ذي ظلم إذا ابتسمت ... كأنه منهل بالراح معلولُ
فجاء في هذه القصيدة من الاستعارات والتشبيهات بكل بديع، والنبي ﷺ يسمع ولا ينكر في تشبيه ريقها بالراح، وأنشد أبو بكر ﵁:
فقدنا الوحي إذ ولَّيت عنا ... وودَّعَنا من الله الكلامُ
سوى ما قد تركت لنا رهيناً ... توارثه القراطيس الكرامُ
فقد أورثتنا ميراث صدق ... عليك به التحية والسلامُ
فإذا كان رسول الله ﷺ يسمعه وأبو بكر ينشده فهل للتقليد والاقتداء موضع أرفع من هذا؟
قال أبو عمر: ولا ينكر الحسن من الشعر أحد من أهل العلم ولا من أولي النهى، وليس أحد من كبار الصحابة وأهل العلم وموضع القدوة إلا وقد قال الشعر أو تمثل به أو سمعه فرضيه ما كان حكمةً أو مباحاً، ولم يكن فيه فحش ولا خنا ولا لمسلم أذى، فإذا كان كذلك فهو والمنثور من القول سواء، لا يحل سماعه ولا قوله.
يذكر عن الشعبي أنه كره الشعر كراهيةً شديدة، وقال: لا تكتب عليه البسملة، لكن عامة أهل العلم على أنه كلام، مباحه مباح، ومحظوره ممنوع ومحرم، وإذا كان لفظه مباح ولم تصحبه آلة وأدي بلحون العرب، فقد أنشد بين يدي النبي ﵊ وهو جائز بلا إشكال، أما إذا كان لفظه غير مباح منع من أجل هذا، وإذا صحبته الآلة حرم من أجلها، وإذا أدي بلحون الأعاجم وأهل الفسق منع من أجل ذلك وإلا فالأصل الإباحة.
طالب: قصيدة كعب بن زهير، مطلعها فيه غزل؟
عادة العرب جرى على هذا.
طالب:. . . . . . . . .
إذا طلعت شمس النهار فسلموا ... فإنها أمارة تسليمي عليكم فسلموا
стр. 511
أيضاً النونية مطلعها غزل، كل العلماء جروا على هذا.
طالب: طيب والقائمين على الإعلام الإسلامي، كون الشعر في ذاك الوقت كان هو الإعلام، وهنا ينشد الشعر وفيه غزل ومع ذلك يسمعه النبي ﵊ ولم يمنعه، يقولون لا بد من التنازل خلال الإعلام؟
التنازل ببيت أو بيتين أو ما أشبه ذلك، مطلع للقصيدة لا بأس، لكن يكون هو الصبغة الغالبة.
طالب: يعني يجرون ذلك. . . . . . . . . مثلاً إلى الكذب في بعض الأشياء. . . . . . . . .
لا، لا الكذب ما يجوز، أهل العلم استثنوا مسائل على خلافٍ فيها، منهم من يدخل المبالغة في الكذب، والمبالغة جاءت في الحديث: ((كان لا يضع العصا عن عاتقه)) ومنهم من يدخل المناظرة في الكذب، ويدخل أيضاً المقامات في الكذب، ومن أهل العلم من يجيز ذلك؛ لأن المصلحة راجحة، والمسألة معروفة بحكمها.
طالب: هلا مستمسك بهذا الجانب من التنازلات. . . . . . . . .
على كل حال، بحث هذه المسألة له وقته -إن شاء الله تعالى-.
وروى أبو هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ على المنبر يقول: ((أصدق كلمة -أو أشعر كلمة- قالتها العرب قول لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل)) أخرجه مسلم وزاد: ((وكاد أمية بن أبي الصلت أن يسلم))، وروي عن ابن سيرين أنه أنشد شعراً فقال له بعض جلسائه: مثلك ينشد الشعر يا أبا بكر؟ فقال: ويلك يا لكع، وهل الشعر إلا كلام لا يخالف سائر الكلام إلا في القوافي، فحسنه حسن، وقبيحه قبيح، قال: وقد كانوا يتذاكرون الشعر، قال: وسمعت ابن عمر ينشد:
يحب الخمر من مال الندامى ... ويكره أن يفارقه الغلوسُ
وكان عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود أحد فقهاء المدينة العشرة ثم المشيخة السبعة شاعراً مجيداً مقدماً فيه.
معروف أن الفقهاء سبعة –فقهاء المدينة- سبعة.
وللزبير بن بكار القاضي في أشعاره كتاب، وكانت له زوجةً حسنة تسمى: عثمة، فعتب عليها في بعض الأمر فطلقها، وله فيها أشعار كثيرة منها قوله:
تغلغل حب عثمة في فؤادي ... فباديه مع الخافي يسيرُ
تغلغل حيث لم يبلغ شراب ... ولا حزن ولم يبلغ سرورُ
أكاد إذا ذكرت العهد منها ... أطير لو أن إنسانا يطيرُ
стр. 512
وقال ابن شهاب: قلت له: تقول الشعر في نسكك وفضلك؟!
يعني مع عبادتك وعلمك تقول الشعر؟
فقال: إن المصدور إذا نفث برأ.
نعم، إذا نفّس عن نفسه خفّ عليه ما يجد.
الثانية: وأما الشعر المذموم الذي لا يحل سماعه وصاحبه ملوم، فهو المتكلم بالباطل حتى يفضلوا أجبن الناس على عنترة، وأشحّهم على حاتم، وأن يبهتوا البريء، ويفسقوا التقي، وأن يفرطوا في القول بما لم يفعله المرء، رغبةً في تسلية النفس وتحسين القول، كما روي عن الفرزدق أن سليمان بن عبد الملك سمع قوله:
فبتن بجانبي مصرعات ... وبت أفض أغلاق الختامِ
فقال: قد وجب عليك الحد، فقال: يا أمير المؤمنين قد درأ الله عني الحد بقوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ﴾ [(٢٢٦) سورة الشعراء]، وروي أن النعمان بن عدي بن نظلة كان عاملاً لعمر بن الخطاب ﵁ فقال:
من مبلغ الحسناء أن حليلها ... بميسان يسقى في زجاج وحنتمِ
إذا شئت غنتني دهاقين قرية ... ورقاصة تحذو على كل منسمِ
فإن كنت ندماني فبالأكبر اسقني ... ولا تسقني بالأصغر المتثلمِ
لعل أمير المؤمنين يسوءه ... تنادمنا بالجوسق المتهدمِ
فبلغ ذلك عمر فأرسل إليه بالقدوم عليه وقال: إي والله إني ليسوءني ذلك، فقال: يا أمير المؤمنين ما فعلت شيئاً مما قلت، وإنما كانت فضلةً من القول، وقد قال الله تعالى: ﴿وَالشُّعَرَاء يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ﴾ [(٢٢٤ - ٢٢٦) سورة الشعراء] فقال له عمر: أما عذرك فقد درأ عنك الحد، ولكن لا تعمل لي عملاً أبداً وقد قلت ما قلت، وذكر الزبير بن بكار قال: حدثني مصعب بن عثمان أن عمر بن عبد العزيز لما ولي الخلافة لم يكن له همّ إلا عمر بن أبي ربيعة والأحوص فكتب إلى عامله على المدينة: إني قد عرفت عمر والأحوص بالشر والخبث فإذا أتاك كتابي هذا فاشدد عليهما واحملهما إليّ، فلما أتاه الكتاب حملهما إليه، فأقبل على عمر فقال: هيه:
فلم أر كالتجمير منظر ناظر ... ولا كليالي الحج أفلتن ذا هوى
وكم مالئ عينيه من شيء غيره ... إذا راح نحو الجمرة البيض كالدمى
стр. 513
أما والله لو اهتممت بحجك لم تنظر إلى شيء غيرك، فإذا لم يفلت الناس منك في هذه الأيام فمتى يفلتون؟! ثم أمر بنفيه، فقال: يا أمير المؤمنين أو خير من ذلك؟ فقال: ما هو؟ قال: أعاهد الله إني لا أعود إلى مثل هذا الشعر، ولا أذكر النساء في شعر أبداً، وأجدد توبة فقال: أو تفعل؟ قال: نعم، فعاهد على توبته وخلاه، ثم دعا بالأحوص فقال: هيه:
الله بيني وبين قيمها ... يفر مني بها وأتبعُ
بل الله بين قيمها وبينك، ثم أمر بنفيه، فكلمه فيه رجال من الأنصار فأبى وقال: والله لا أرده ما كان لي سلطان فإنه فاسق مجاهر، فهذا حكم الشعر المذموم وحكم صاحبه، فلا يحل سماعه ولا إنشاده في مسجد ولا غيره، كمنثور الكلام القبيح ونحوه، وروى إسماعيل بن عياش عن عبد الله بن عون عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((حسن الشعر كحسن الكلام وقبيحه كقبيح الكلام)) رواه إسماعيل عن عبد الله الشامي، وحديثه عن أهل الشام صحيح فيما قال يحيى بن معين وغيره، وروى عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله ﷺ : ((الشعر بمنزلة الكلام حسنة كحسن الكلام وقبيحه كقبيح الكلام)).
تخريجه؟
طالب: قال: أخرجه البخاري في الأدب المفرد، والدارقطني والطبراني في الأوسط،. . . . . . . . . من حديث ابن عمرٍ وإسناده ضعيف. . . . . . . . . عبد الرحمن بن زياد الإفريقي. . . . . . . . . ومع ذلك حسنه الهيثمي. . . . . . . . . وله شواهد. . . . . . . . .
والذي قبله؟
طالب: قال: أخرجه الدارقطني من حديث أبي هريرة وله شواهد تقدم.
стр. 514
الثالثة: روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحاً حتى يريه خير من أن يمتلئ شعرا))، وفي الصحيح أيضاً عن أبي سعيد الخدري قال: بينا نحن نسير مع رسول الله ﷺ إذا عرض شاعر ينشد، فقال رسول الله ﷺ : ((خذوا الشيطان -أو أمسكوا الشيطان- لأن يمتلئ جوف رجل قيحاً خير له من أن يمتلئ شعراً))، قال علماؤنا: وإنما فعل النبي ﷺ هذا مع هذا الشاعر لما علم من حاله، فلعل هذا الشاعر كان ممن قد عرف من حاله أنه قد اتخذ الشعر طريقاً للتكسب، فيفرط في المدح إذا أعطي، وفي الهجو والذم إذا منع، فيؤذي الناس في أموالهم وأعراضهم، ولا خلاف في أن من كل على مثل هذه الحالة، فكل ما يكتسبه بالشعر حرام، وكل ما يقوله من ذلك حرام عليه، ولا يحل الإصغاء إليه، بل يجب الإنكار عليه، فإن لم يمكن ذلك لمن خاف من لسانه قطعاً تعيَّن عليه أن يداريه بما استطاع، ويدافعه بما أمكن، ولا يحل له أن يعطى شيئاً ابتداء؛ لأن ذلك عون على المعصية، فإن لم يجد من ذلك بدا أعطاه بنية وقاية العرض، فما وقى به المرء عرضه كتب له به صدقة، قلت قوله: ((لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحاً حتى يريه)) القيح: المدة يخالطها دم، يقال منه: قاح الجرح يقيح وتقيَّح وقيَّح، و (يريه) قال الأصمعي: هو من الوري على مثال الرمي: وهو أن يدوي جوفه، يقال منه: رجل موري مشدد غير مهموز، وفي الصحاح: ورى القيح جوفه يريه وريا: إذا أكله، وأنشد اليزيدي:
قالت له ورياً إذا تنحنحا
стр. 515
وهذا الحديث أحسن ما قيل في تأويله: إنه الذي قد غلب عليه الشعر، وامتلأ صدره منه دون علم سواه، ولا شيء من الذكر ممن يخوض به في الباطل ويسلك به مسالك لا تحمد له، كالمكثر من اللغط والهذر والغيبة وقبيح القول، ومن كان الغالب عليه الشعر؛ لزمته هذه الأوصاف المذمومة الدنية؛ لحكم العادة الأدبية، وهذا المعنى هو الذي أشار إليه البخاري في صحيحه لما بوَّب على هذا الحديث (باب ما يكره أن يكون الغالب على الإنسان الشعر)، وقد قيل في تأويله: إن المراد بذلك الشعر الذي هجي به النبي ﷺ أو غيره، وليس هذا بشيء؛ لأن القليل من هجو النبي ﷺ وكثيره سواء في أنه كفر ومذموم، وكذلك هجو غير النبي ﷺ من المسلمين محرم قليله وكثيره، وحينئذٍ لا يكون لتخصيص الذم بالكثير معنى.
معنى الحديث واضح، يعني قوله: ((لأن يمتلئ)) فإذا امتلئ الجوف من الشعر ما كان فيه محل لغيره، لا من القرآن ولا من السنة ولا من ما يحتاج إليه من العلم، إذا امتلأ ما استوعب غيره، فالاستغناء بالشعر عن الكتاب والسنة لا شك أنه ذم، يذم ذم شديد، وكونه يمتلئ قيح خير له من أن يمتلئ شعر، شعر يستوعب قلبه بحيث لا يكون للكتاب والسنة فيه مجال، أما من في جوفه الكتاب والسنة وفيه أيضاً شيء من الشعر، وفيه العلوم وما يحتاج إليه من صنوف العلم فهذا لا يذم، بل يمدح؛ لأن من الشعر حكمة، وكثير من العلوم نظمت فصارت شعراً، ونظم العلوم حقيقةً سنةً عند أهل العلم يسهلون بها حفظ العلم وثباته بالشعر؛ لأن الشعر أثبت من النظم، فلا شك أن مثل هذا النوع محمود، فنظم في جميع العلوم حتى في مفردات القرآن وغريبه وغريب الحديث، وفي التفسير أيضاً، وفي شروح الحديث، ونظمت المتون العلمية، كل هذا شيء جديد.
لكن بعضهم نظم الحديث فبلوغ المرام نظمه الصنعاني، ونظمه غيره، وعندي أن مثل هذا لا يليق، فالنبي ﵊ نفى عنه الرب -جل وعلا- الشعر ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ﴾ [(٦٩) سورة يس] تحول كلامه من نثر إلى شعر؟ يعني تحوله إلى ما نفاه الله -جل وعلا- عنه لا شك أن هذا أقل أحواله الكراهة الشديدة.
стр. 516
الرابعة: قال الشافعي: الشعر نوع من الكلام حسنه كحسن الكلام، وقبيحه كقبيح الكلام، يعني أن الشعر ليس يكره لذاته، وإنما يكره لمضمناته، وقد كان عند العرب عظيم الموقع، قال الأول منهم:
وجرح اللسان كجرح اليد.
وقال النبي ﷺ في الشعر الذي يرد به حسان على المشركين: ((إنه لأسرع فيهم من رشق النبل)) أخرجه مسلم، وروى الترمذي وصححه عن ابن عباس أن النبي ﷺ دخل مكة في عمرة القضاء، وعبد الله بن رواحة يمشي بين يديه ويقول:
خلوا بني الكفار عن سبيله ... اليوم نضربكم على تنزيله
ضرباً يزيل الهام عن مقيله ... ويذهل الخليل عن خليله
فقال عمر: يا ابن رواحة في حرم الله وبين يدي رسول الله ﷺ ؟! فقال رسول الله ﷺ : ((خل عنه يا عمر فلهو أسرع فيهم من نضح النبل)).
الخامسة: قوله تعالى: ﴿وَالشُّعَرَاء يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ [(٢٢٤) سورة الشعراء] لم يختلف القراء في رفع ﴿وَالشُّعَرَاء﴾ فيما علمت، ويحوز النصب على إضمار فعل يفسره ﴿يَتَّبِعُهُمُ﴾ وبه قرأ عيس بن عمر، قال أبو عبيد: كان الغالب عليه حب النصب، قرأ: ﴿والسارقَ والسارقَة﴾ [المائدة: ٣٨] و ﴿حمالةَ الحطب﴾ [المسد: ٤] و ﴿سورةً أنزلناها﴾ [النور: ١]، وقرأ نافع وشيبة والحسن والسلمي: (يَتْبَعُهُم) مخففاً، والباقون ﴿يَتَّبِعُهُمُ﴾.
وقال الضحاك: تهاجى رجلان أحدهما أنصاري والآخر مهاجري على عهد رسول الله ﷺ مع كل واحد غواة قومه وهم السفهاء فنزلت، وقاله ابن عباس، وعنه: هم الرواة للشعراء، وروى عنه علي بن أبي طلحة أنهم هم الكفار يتبعهم ضلال الجن والإنس، وقد ذكرناه، وروى غضيف عن النبي ﷺ : ((من أحدث هجاءً في الإسلام فاقطعوا لسانه)).
مخرج؟
طالب: قال: أخرجه الطبراني كما في المجمع من حديث غضيف بن أبي غضيف، ... من حديث أبي أمامة ومداره في الطريقين على إسحاق بن أبي فروة، وهو متروك قاله الهيثمي ونقله. . . . . . . . . على عبد الله بن أحمد قوله: معناه. . . . . . . . . عدا الإسلام، وأخرجه البزار من حديث بريدة في معناه، ورجاه ثقاة وفي بعضهم شك.
стр. 517
على كل حال ضعيف ما دام مداره على متروك ما يستفيد.
وعن ابن عباس أن النبي ﷺ لما افتتح مكة رنّ إبليس رنّه وجمع إليه ذريته، فقال: ايئسوا أن تريدوا أمة محمد على الشرك بعد يومكم هذا، ولكن أفشوا فيهما -يعني مكة والمدينة- الشعر.
مخرج؟ خرجه؟
السادسة: قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ﴾ [(٢٢٥) سورة الشعراء] يقول: في كل لغو يخوضون ولا يتبعون سنن الحق؛ لأن من اتبع الحق وعلم أنه يكتب عليه ما يقوله تثبت ولم يكن هائماً يذهب على وجهه لا يبالي ما قال، نزلت في عبد الله بن الزبعرى، ومسافع بن عبد مناف، وأميةَ بن أبي الصلت، ﴿وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ﴾ [(٢٢٦) سورة الشعراء] يقول: أكثرهم يكذبون: أي يدلون بكلامهم على الكرم والخير ولا يفعلونه، وقيل: إنها نزلت في أبي عزة الجمحي حيث قال:
ألا أبلغا عني النبي محمداً ... بأنك حق والمليك حميدُ
ولكن إذا ذكرتُ بدراً وأهله ... تأوه مني أعظمٌ وجلودُ
ثم أستثنى شعر المؤمنين: حسان بن ثابت وعبد الله بن رواحة وكعب بن مالك وكعب بن زهير، ومن كان على طريقهم من القول الحق فقال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [(٢٢٧) سورة الشعراء] في كلامهم، ﴿وَانتَصَرُوا مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾ [(٢٢٧) سورة الشعراء] وإنما يكون الانتصار بالحق، وبما حده الله ، فإن تجاوز ذلك فقد انتصر بالباطل، وقال أبو الحسن المبرد لما نزلت: (والشعراء) جاء حسان وكعب بن مالك.
طالب:. . . . . . . . . مصحح في الحاشية. . . . . . . . . وقع. . . . . . . . .
أبو الحسن؟ تُراجع ترجمته.
стр. 518
لما نزلت: (والشعراء) جاء حسان وكعب بن مالك وابن رواحة يبكون إلى النبي ﷺ فقالوا: يا نبي الله! أنزل الله تعالى هذه الآية وهو تعالى يعلم أنا شعراء؟ فقال: ((اقرؤوا ما بعدها ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ .. الآية ((أنتم)) ﴿وَانتَصَرُوا مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾ ((أنتم)) -أي بالرد على المشركين- فقال النبي ﷺ : ((انتصروا ولا تقولوا إلا حقاً، ولا تذكروا الآباء والأمهات)) فقال حسان لأبي سفيان:
هجوتَ محمداً فأجبت عنه ... وعند الله في ذاك الجزاءُ
وإن أبي ووالدتي وعرضي ... لعرض محمد منكم وقاءُ
أتشتمه وليست له بكفء ... فشركما لخيركما الفداءُ
لساني صارم لا عيب فيه ... وبحري لا تكدره الدلاءُ
وقال كعب: يا رسول الله إن الله قد أنزل في الشعر ما قد علمت فكيف ترى فيه؟ فقال النبي ﷺ : ((إن المؤمن يجاهد بنفسه وسيفه ولسانه، والذي نفسي بيده لكأنما ترمونهم به نضح النبل)).
طالب: قال هذا مرسل، أبو الحسن البراق هو مولى تميم الداري التابعي. . . . . . . . . موجودة ترجمته في الميزان، وقال ابن كثير في تفسيره: هذه السورة مكية وبقيتها تكون سبب نزولها شعراء الأنصار، ولم يرد في سبب نزولها. . . . . . . . . لا يعتمد عليها، والله أعلم. انتهى كلامه، والقدر المرفوع من الحديث وهو: ((إن المؤمن يجاهد بنفسه)) أخرجه عبد الرزاق وأحمد وصححه ابن حبان من حديث كعب بن مالك وإسناده على شرطهما، قاله. . . . . . . . . وصححه الألباني، وقال: صحيح على شرط مسلم.
جاء بالأمر ((جاهدوا الكفار بأنفسكم وأموالكم وألسنتكم)).
وقال كعب:
جاءت سخينة كي تغالب ربها ... وليغلبن مغالب الغلاب
стр. 519
فقال النبي ﷺ : ((لقد مدحك الله يا كعب في قولك هذا))، وروى الضحاك عن ابن عباس أنه قال في قوله تعالى: ﴿وَالشُّعَرَاء يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ [(٢٢٤) سورة الشعراء] منسوخ بقوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [(٢٢٧) سورة الشعراء]، قال المهدوي: وفي الصحيح عن ابن عباس أنه استثناء، ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾ [(٢٢٧) سورة الشعراء] في هذا تهديد لمن انتصر بظلم.
قال شريح: سيعلم الظالمون كيف يخلصون من بين يدي الله ، فالظالم ينتظر العقاب، والمظلوم ينتظر النصرة، وقرأ بان عباس: (أي منفلت ينفلتون) بالفاء والتاء ومعناهما واحد ذكره الثعلبي، ومعنى: ﴿أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾ أي: مصير يصيرون وأي مرجع يرجعون؛ لأن مصيرهم إلى النار وهو أقبح مصير، ومرجعهم إلى العقاب وهو شر مرجع، والفرق بين المنقلب والمرجع أن المنقلب: الانتقال إلى ضد ما هو فيه، والمرجع: العود من حال هو فيها إلى حال كان عليها فصار كل مرجع منقلباً.
لأن المنقلب مأخوذ من الانقلاب، وهو –نسأل الله العافية- التحول إلى شر مما كان عليه، وأما المرجع فهو رجوع إلى ما كان عليه سابقاً.
فصار كل مرجع منقلباً وليس كل منقلب مرجعاً، والله أعلم، ذكره الماوردي، و (أي) منصوب بـ ﴿يَنقَلِبُونَ﴾ وهو بمعنى المصدر، ولا يجوز أن يكون منصوباً بـ ﴿سَيَعْلَمُ﴾ لأن أياً وسائر أسماء الاستفهام لا يعمل فيها ما قبلها فيما ذكر النحويون، قال النحاس: وحقيقة القول في ذلك أن الاستفهام معنى وما قبله معنىً آخر فلو عمل فيه ما قبله لدخل بعض المعاني في بعض.
اللهم صل على محمد وعلى آله وصحبه.
طالب: مدح النبي ﷺ لكعب. . . . . . . . . هل يؤجر عليه؟
إيش المانع؟ إيه، يمدح الحق، الذي يمدح الحق يرغّب الناس فيه يؤجر.
стр. 520
تفسير القرطبي
سورة النمل
إدعاء علم الغيب، وسماع الموتى في قبورهم
الشيخ/ عبد الكريم الخضير
قوله تعالى: ﴿قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ * بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِّنْهَا بَلْ هُم مِّنْهَا عَمِونَ﴾ [(٦٥ - ٦٦) سورة النملِ].
قوله تعالى: ﴿قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [(٦٥) سورة النمل]، وعن بعضهم: أخفى غيبه عن الخلق، ولم يطلع عليه أحد؛ لئلا يأمن أحد من عبيده مكره، وقيل: نزلت في المشركين حين سألوا النبي ﷺ :
لأن العبد إذا اطلع على الغيب وعرف ما في المستقبل، وما يعرض له، وما يحصل له فإنه يأمن من هذا، يحترز مما يعتريه ﴿وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ﴾ [(١٨٨) سورة الأعراف]، ومع الأسف أنه شاع بين الناس في السنوات الأخيرة لما انتشرت تجارة الأسهم، ادعاء الغيب من كثير ممن يزاول هذه المهنة، ومع الأسف من بعض من ينتسب إلى طلب العلم الشرعي، تجد الواحد منهم يتصل على الآخر فيقول: اشتري في الشركة الفلانية فإنها خلال أسبوع سوف تتضاعف أسهمها، تتضاعف أقيامها، وستذكر ما أقول لك، واشتري في كذا وبع في كذا؛ لأنها تخسر وتنزل، هذا ادعاء علم الغيب، الإخبار عما في الغد من علم الغيب.
ويؤكدون ذلك وأحياناً بالأيمان، وكل هذا داخلٌ في هذه الآية دخولاً أولياً، وانتشر هذا حتى حصل ما حصل من الكارثة التي صارت في سوق الأسهم، صاروا يعضون أنامل الندم حيث لا ينفعهم الندم، وتبرءوا ممن اغتروا بهم، وقال قائلهم: ليتني لم أتخذ فلاناً مستشاراً، كما يقول القائل: ﴿يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا﴾ [(٢٨) سورة الفرقان]، إذا بانت سوء العاقبة هذه النتيجة، وكل هذا من شؤم ادعاء علم الغيب مع ما يحتف بهذه الأسهم من شبهات، بل محرمات أحياناً.
стр. 521
فعلى الإنسان أن يحتاط لدينه، وأن ينتبه لهذا الأمر؛ لأن الذي يزعم أنه يعلم ما في الغيب هذا كافر نسأل الله العافية، مخالف للنصوص القطعية، مصادم للنصوص القطعية، النبي ﵊ لا يعلم من الغيب إلا ما أطلعه الله عليه، وهؤلاء يذكرون ما في الغد، بل ما في بعد أسبوع أو بعد أشهر، ويحلفون على ذلك، ويؤكدون، ثم بعد ذلك تظهر النتائج عكسية.
وقد يستدرج الإنسان، يقع ما توقعه، ثم يستبصر في ذلك، ولا يشعر ولا يدري أنه منكرٌ به، ويستدرج، نسأل الله السلامة والعافية.
وقيل: نزلت في المشركين حين سألوا النبي ﷺ حين سأل النبي ﷺ عن قيام الساعة، و "من" في موضع رفع.
يوم القيامة لا يعلم متى تقوم إلا الله -جل وعلا-، ولا تأتي إلا بغتة، وهذا أمرٌ مجمعٌ عليه، وجاء في حديث جبريل ﵇ حينما سأل النبي ﵊ عن الساعة، قال: ((ما المسئول عنها بأعلم من السائل)) فهما مستويان في الجهل بها؛ لأنه لا يعلمها إلا الله -جل وعلا-، ومع الأسف أن من من بحث في أشراط الساعة زعم أن الساعة تقوم سنة ١٤٠٧هـ، وهذا الكلام قيل: قبل أربعمائة سنة، يقول تقوم الساعة سنة ١٤٠٧هـ بناءً على حساب الجُمَل؛ لأن بغتة حسبت بحساب الجمل فيظهر الناتج ١٤٠٧هـ، مع أن النصوص القطعية من الكتاب والسنة تدل على أنه لا يعلمها أحد إلا الله -جل وعلا-.
وأما قول الله -جل وعلا-: ﴿أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ [(١٥) سورة طه]، يعني على ضوء قواعد العربية: كاد إذا كانت مثبتة تختلف عما إذا كانت منفية، فمفهوم قوله: ﴿أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ أنه أظهرها، لكن على إظهار قريب من الخفاء، وليس هذا المراد قطعاً؛ لأن مثل هذا النص يرد إلى النصوص المفسرة.
فقال من قال من المفسرين -ولو وجه ظاهر-: ﴿أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ حتى عن نفسي، هذا مبالغة في إخفائها، فالنصوص القطعية تدل على أنه لا يعلمها أحد كائناً من كان.
стр. 522
هناك الأمور الخمسة التي استأثر الله بعلمها في آخر سورة لقمان، ومنها: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾ [(٣٤) سورة لقمان]، وهذه الآية أشكلت على كثير من الناس، نعم لا يعلم ما في الأرحام إلا الله -جل وعلا-؛ لأنها من الخمس التي لا يعلمها إلا الله، وجاء النص الصحيح المفسر لهذه الآية؛ لأنه قد يقول قائل: ﴿يَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾ لا ينفي أن يكون غيره يعلم، إلا أن النبي ﷺ قال في الحديث الصحيح: ((في خمسٍ لا يعلمها إلا الله)) فالحصر دل على أن ما في الأرحام لا يعلمه إلا الله -جل وعلا-.
وقد يقول قال: أن الأطباء الآن بأجهزتهم يخبرون النساء الحوامل عما في بطونهن، هل هو ذكر أو أنثى، ولكن لا شك أن الحمل إذا خرج عن دائرة الغيب وعرفه الملك أمكن معرفته، وقبل ذلك لا يمكن بحال؛ لأنه من الخمس المغيبات التي لا يعلمها إلا الله.
والمعنى: قل لا يعلم أحد الغيب إلا الله، فإنه بدل مِن "مَن" قاله الزجاج. وقال الفراء: وإنما رفع ما بعد "إلا" لأن ما قبلها جحد.
يعني ليس استثناء تام موجب، إنما هو سالب؛ لأن ما قبلها جحد، يعني من في من، تقدمت عليه ﴿قُل لَّا يَعْلَمُ﴾ إذا كان الاستثناء منفي يرفع، وإذا كان الاستثناء تام موجب فإنه ينصب.
كقوله: ما ذهب أحد إلا أبوك، والمعنى واحد، قال الزجاج: ومن نصبَ نصب على الاستثناء، يعني في الكلام، قال النحاس: وسمعته يحتج بهذه الآية على من صدق منجماً، وقال: أخاف أن يكفر بهذه الآية.
نعم، من يزعم أنه يدعي علم الغيب، ولم تكن لديه شبهة يتشبث بها لا شك أنه كافر، الذي يدعي علم ما نفاه الله -جل وعلا- لا شك في كفره، إلا إذا كانت لديه شبهة عنده لديه شبهة، فتزال هذه الشبهة قبل الحكم عليه.
قلت: وقد مضى هذا في "الأنعام" مستوفى، وقالت عائشة: من زعم أن محمداً يعلم ما في غدٍ فقد أعظم على الله الفرية ...
غلاة الصوفية جعلوا له من العلوم جميع ما يعلمه الله -جل وعلا-، غلاتهم يزعمون أن النبي ﵊ يعلم الغيب، بل جعلوا له كل ما يخص به الرب -جل وعلا-، نسأل الله السلامة والعافية.
стр. 523
والله تعالى يقول: ﴿قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [(٦٥) سورة النمل]، خرجه مسلم، وروي أنه دخل على الحجاج منجمٌ فاعتقله الحجاج، ثم أخذ حصيات فعدهن، ثم قال: كم في يدي من حصا؟ فحسب المنجم، ثم قال: كذا، فأصاب.
لأن عدد الحصا ليس من علم الغيب الذي لا يعلمه إلا الله، وإنما يعلمه الحجاج؛ لأنه عدها، فخرج عن دائرة الغيب، ومع ذلكم هو غيب، لا يعلمه هذا المنجم، فإن زعم أنه يعلم ما في يد الحجاج من الحصى ولو عدها الحجاج هي غيب، ما وراء هذا الجدار لا يمكن أن يعرفه من دونه؛ لأنه غيب، إلا بإعانة الشياطين، فتعود المسألة من كونها غيب إلى كونها استعانة بالشياطين، ومعروفٌ أن الشياطين لا يعينون إلا من استعان بهم، وقدم لهم، نسأل الله السلامة والعافية؛ لأنه لم يعرف هذا العدد بمفرده بمجرده إلا بإعانة من يستطيع الوقوف على هذا العدد؛ لأنه خرج عن دائرة الغيب.
ثم أعتقله فأخذ حصيات لم يعدهن فقال: كم في يدي؟ فحسب فأخطأ، ثم حسب فأخطأ؟ ثم قال: أيها الأمير أظنك لا تعرف عددها، قال: لا، قال: فإني لا أصيب، قال: فما الفرق؟ قال: إن ذلك أحصيته فخرج عن حد الغيب، وهذا لم تحصه فهو غيب. و ﴿لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ وقد مضى هذا في "آل عمران" الحمد لله.
وقوله: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾ [(٦٦) سورة النمل]، هذه قراءة أكثر الناس، منهم عاصم وشيبة ونافع ويحيى بن وثاب والأعمش وحمزة والكسائي، وقرأ أبو جعفر وابن كثير وأبو عمرو وحميد: ﴿بل أَدْرَك﴾ من الإدراك، وقرأ عطاء بن يسار وأخوه سليمان ين يسار والأعمش: ﴿بل ادَّرَك﴾ غير مهموز مشدداً، وقرأ ابن محيصن ...
ذكر الأعمش في القراءة الأولى والثالثة، ولكن أكثر كتب التفسير لا تذكر الأعمش في القراءة الثالثة، إنما المعروف عنه القراءة الأولى ﴿بل ادارك﴾.
стр. 524
وقرأ ابن محيصن: ﴿بل آدرك﴾ على الاستفهام، وقرأ ابن عباس: ﴿بلى﴾ بإثبات الياء، و ﴿أدارك﴾ بهمزة قطع والدال مشددة وألف بعدها، قال النحاس: وإسناده إسناد صحيح هو من حديث شعبة يرفعه إلى ابن عباس، وزعم هارون القارئ أن قراءة أُبي ﴿بل تدارك علمهم﴾ وحكى الثعلبي أنها في حرف أُبي ﴿أم تدارك﴾، والعرب تضع بل موضع "أم" و "أم" موضع بل إذا كان في أول الكلام استفهام كقول الشاعر:
فوالله لا دري أسلمى تقولت ... أم القول أم كل إلي حبيب
أي بل كل.
قال النحاس: القراءة الأولى والأخيرة معناهما واحد؛ لأن أصل ﴿أدارك﴾ تدارك، أدغمت الدال في التاء وجيء بألف الوصل، وفي معناه قولان: أحدهما أن المعنى.
لأنه إذا أدغم الحرفان فصارا حرفاً واحد مشدد، حرفٌ مشدد عبارة عن حرفين أولهما ساكن، ولا يمكن الابتداء بالساكن، فيتوصل إلى الابتداء به بمتحرك، فتتحد القراءتان.
وفي معناه قولان، أحدهما أن المعنى: بل تكامل علمهم في الآخرة؛ لأنهم رأوا كل ما يوعدوا به معاينة فتكامل علمهم به، والقول الآخر أن المعنى: بل تتابع علمهم اليوم في الآخرة، فقالوا: تكون، وقالوا: لا تكون، والقراءة الثانية فيها أيضاً قولان:
التدارك من الإدراك، ومعناه على التتابع واحد؛ لأن من يتبع غيره قد يدركه، فتدارك أو ادارك علمهم في الآخرة يعني تتدارك وتتابع علمهم في الآخرة، فعاينوا ما كانوا يشكون فيه، فبعد أن كان خبراً قابلاً للشك على حد زعمهم، لعدم إيمانهم، صار يقيناً، وصار عين اليقين، وحينئذ يتتابع علمهم عليه، ويتواطئون عليه، ولا يمكن أحدٌ منهم أن ينكره.
стр. 525
القراءة الثانية فيها أيضاً قولان: أحدهما: أن معناه: كُمل في الآخرة وهو مثل الأول، قال مجاهد: معناه يدرك علمهم في الآخرة ويعلمونها إذا عاينوها حين لا ينفعهم علمهم؛ لأنهم كانوا في الدنيا مكذبين، والقول الآخر: أنه على معنى الإنكار وهو مذهب أبي إسحاق، واستدل على صحة هذا القول بأن بعده ﴿بَلْ هُم مِّنْهَا عَمِونَ﴾ [(٦٦) سورة النمل]، أي لم يدرك علمهم علم الآخرة، وقيل: بل ضل وغاب علمهم في الآخرة، فليس لهم فيها علم، والقراءة الثالثة: ﴿بل ادَّرك﴾ فهي بمعنى ﴿بل ادارك﴾ وقد يجيء افتعل وتفاعل بمعنى. ولذلك صحح ازدوجوا حين كان بمعنى تزاوجوا.
يأتي المفاعلة التي هي في الأصل بين طرفين، بمعنى الفعل الذي هو لطرفٍ واحد، يأتي كالمسافرة مثلاً، قلت: سافر زيد، لا يعني أن هذه المفاعلة المسافرة وقعت بين طرفين، تقول: طَارَقَ زيدٌ النعل، المطارقة هذه لا تعني أنها بين اثنين، وإن كان بابها والأصل فيها أنها تكون بين اثنين كالمضاربة والمكاتبة وما أشبه ذلك.
والقراءة الرابعة: ليس فيها إلا قول واحد يكون فيه معنى الإنكار، كما تقول: أأنا قاتلتك؟ فيكون المعنى لم يدرك، وعليه ترجع قراءة ابن عباس، قال ابن عباس: ﴿بلى آدارك علمهم في الآخرة﴾ أي لم يدرك. قال الفراء: وهو قول حسن كأنه وجهه.
قوله: أأنا قاتلتك؟ هذا الاستفهام إنكاري، يراد به إنكار المقاتلة.
وهو قولٌ حسن كأنه وجهه إلى الاستهزاء بالمكذبين بالبعث، كقولك لرجل تكذبه: بلى لعمري قد أدركت السلف، فأنت تروي ما لا أروي، وأنت تكذبه، وقراءة سابعة: ﴿بلَ أدرك﴾ بفتح اللام عدل إلى الفتحة لخفتها، وقد حُكى نحو ذلك عن قطرب في "قمَ الليل" فإنه عدل إلى الفتح.
فتح اللام اللي في "بل" ﴿بلَ أدرك﴾.
وقراءة سابعة: ﴿بلَ أدرك﴾ بفتح اللام عدل إلى الفتحة لخفتها، وقد حُكى نحو ذلك عن قطرب في "قمَ الليل" فإنه عدل إلى الفتح.
وكذلك و"بعَ الثوب" ونحوه. وذكر الزمخشري في الكتاب: وقرئ ﴿بل أأدرك﴾ بهمزتين ﴿بل أأدرك﴾ ..
стр. 526
الفتح، فتح اللام التي هي في الأصل مكسورة، وعدل عنها إلى الفتح للتخفيف، لا شك أن الأصل هو الكسر؛ لأنه إذا توالى ساكنان، حُرك الأول منهما بالكسر، ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ﴾ [(١١) سورة المجادلة]، قد يقول قائل: الفعل لا يجر، نقول: نعم، حرك بالكسر لئلا يجتمع ساكنان، طيب لماذا لم يحرك بالفتح أو لم يحرك بالرفع؟ هو محله الجزم، فإذا حرك بالرفع والمضارع يرفع إذا تجرد عن العوامل الناصبة والجازمة؟ قلنا: أنه مرفوعٌ أصلاً، وأن محله الرفع، وكذلك إذا حرك بالنصب ظن أنه منصوب؛ لدخول العامل الناصب عليه؛ لأن من شأن الناصب أن ينصب، والتجرد يرفع، والمضارع إنما يرفع إذا تجرد عن العوامل وينصب إذا دخل عليه ناصب، ويجزم إذا دخل عليه جازم، وحينئذٍ يلجأ إلى حركةٍ لا توجد في الحالات الثلاث، ليعرف أن هذا ليست حركة إعراب، الحركة التي عليه ليست حركة إعراب، وإنما هي حركة تخلص، فيلجأ إلى الكسر لهذا، وإلا فالأصل أن الفعل لا يجر.
وذكر الزمخشري في الكتاب: وقرئ ﴿بل أأدرك﴾ بهمزتين ﴿آأدرك﴾ بألف بينهما ﴿بلى أأدرك﴾ ﴿أم تدارك﴾ ﴿أم أدرك﴾ فهذه ثنتا عشرة قراءة.
ثم أخذ يعلل وجوه القراءات وقال: فإن قلت فما وجه قراءة ﴿بل أأدرك﴾ على الاستفهام؟ قلتُ: هو استفهام على وجه الإنكار لإدراك علمهم، وكذلك من قرأ: ﴿أم أدرك﴾ و ﴿أم تدارك﴾ لأنها أم التي بمعنى بل والهمزة، وأما من قرأ: ﴿بلى أأدرك﴾ على الاستفهام، فمعناه: بلى يشعرون متى يبعثون، ثم أنكر علمهم بكونها، وإذا أنكر علمهم بكونها لم يتحصل لهم شعور وقت كونها؛ لأن العلم بوقت الكائن تابع للعلم بكون الكائن ﴿فِي الْآخِرَةِ﴾ في شأن الآخرة، ومعناها ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِّنْهَا﴾ أي في الدنيا ﴿بَلْ هُم مِّنْهَا عَمِونَ﴾ [(٦٦) سورة النمل]، أي بقلوبهم، واحدهم عمو، وقيل: عَمٍ، وأصله عميون، حذفت الياء لالتقاء الساكنين، ولم يجز تحريكها لثقل الحركة فيها.
عمون: جمع مذكر سالم، جمعٌ عمٍ، واحدهم عمٍ، وأصله ناقص، مختوم بالياء، والناقص في حالة الرفع تحذف ياءه إذا لم يقترن بأل، جاء قاضٍ، فهو في محل الرفع محذوف الياء، ويجمع على قاضون، مثل عمون.
стр. 527
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [(٦٧) سورة النمل]، يعني مشركي مكة، ﴿أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ﴾ هكذا يقرأ نافع هنا، وفي سورة: "العنكبوت".
المؤلف والمفسر على قراءة نافع، لذا تجدون مثل ما كررنا مراراً أنه يفسر الآيات على قراءته، ويشير إلى القراءات الأخرى.
وقرأ أبو عمرو باستفهامين إلا أنه خفف الهمزة، وقرأ عاصم وحمزة أيضاً باستفهامين إلا أنهما حققا الهمزتين، وكل ما ذكرناه في السورتين جميعاً واحد، وقرأ الكسائي وابن عامر ورويس ويعقوب: ﴿أئذا﴾ بهمزتين ﴿إننا﴾ بنونين على الخبر في هذه السورة وفي سورة: "العنكبوت" باستفهامين.
قال أبو جعفر النحاس: القراءة ﴿إذا كنا ترابا وآباؤنا آينا لمخرجون﴾ موافقة للخط حسنة، وقد عارض فيها أبو حاتم فقال:
ومر بنا مراراً أن المراد بأبي حاتم هو السجستاني.
وهذا معنى كلامه: ﴿إذا﴾ ليس باستفهام و ﴿آينا﴾ استفهام، وفيه ﴿إن﴾ فكيف يجوز أن يعمل ما في حيز الاستفهام فيما قبله؟ وكيف يجوز أن يعمل ما بعد ﴿إن﴾ فيما قبلها؟ وكيف يجوز غداً إن زيداً خارج؟ فإذا كان فيه استفهام كان أبعد، وهذا إذا سئل عنه كان مشكلاً لما ذكره، وقال أبو جعفر:
يعني ما بعد الاستفهام لا يعمل فيما قبله.
وقال أبو جعفر: وسمعت محمد بن الوليد يقول: سألنا أبا العباس عن آية من القرآن صعبة المشكلة، وهي قوله اله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [(٧) سورة سبأ]، فقال إن عمل في ﴿إذا﴾ ﴿ينبئكم﴾ كان محالاً؛ لأنه لا ينبئهم ذلك الوقت، وإن عمل فيه ما بعد ﴿إنَّ﴾ كان المعنى صحيحاً، وكان خطأً في العربية أن يعمل ما قبل ﴿إنَّ﴾ فيما بعدها، وهذا سؤال بَيِّن رأيت أن يذكر في السورة التي هو فيها، فأما أبو عبيد فمال إلى قراءة نافع ورد على من جمع بين استفهامين، واستدل بقوله تعالى:
يعني جوابه في الجزء الرابع عشر صفحة "٢٦٢"، جواب هذا الإشكال.
واستدل بقوله تعالى: ﴿أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ [(١٤٤) سورة آل عمران].
стр. 528
سبأ، سبأ الجزء الرابع عشر، صفحة "٢٦٢". . . . . . . . .
يقول: ولا يجوز أن يكون العامل فيها ما بعد إن؛ لأنه لا يعمل فيما قبله، وألا يتقدم عليها ما بعدها ولا معمولها، وأجاز الزجَّاج أن يكون العامل فيها محذوفاً.
التقدير: إذا مزقتم كل ممزق بعثتم، أو ينبئكم بأنكم تبعثون إذا مزقتم -هذا الجواب الذي أحال عليه هنا- المهدوي: ولا يعمل فيه مزقتم؛ لأنه مضاف إليه، والمضاف إليه لا يعمل في المضاف.
لماذا؟ الآن المضاف إليه مجرور، مجرور بالمضاف، فالمضاف هو العامل في المضاف إليهم، وهنا يقول: المضاف إليه لا يعمل في المضاف – هذا طبيعي، هذا أنه إذا كان العامل هو المضاف في المضاف إليه لا ينعكس- وأجازه بعضهم على أن يجعل "إذا" للمجازاة.
لكن هل يجوز أن يكون المضاف إليه عاملاً بمعنى أنه يأتي منه الحال؟
ولا تجز حالاً من المضاف له ... إلا إذا اقتض المضاف عمله
﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا﴾ [(٤) سورة يونس]، جميعاً حال من الكاف المضاف إليه، ولذا المضاف إليه معمول وليس بعامل: إلا إذا اقتض المضاف عمله كما في هذا.
أو كان جزء ما له أضيف ... أو مثل جزءه فلا تحريف
المقصود أنه المضاف إليه الأصل فيه أنه معمول وليس بعامل.
فأما أبو عبيد فمال إلى قراءة نافع ورد على من جمع بين استفهامين، واستدل بقوله تعالى: ﴿أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ [(١٤٤) سورة آل عمران]، وبقوله تعالى: ﴿أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ [(٣٤) سورة الأنبياء]، وهذا الرد على أبي عمرو وعاصم وحمزة وطلحة والأعرج لا يلزم منه شيء، ولا يشبه ما جاء به من الآية شيئاً.
والفرق بينهما أن الشرط وجوابه بمنزلة شيء واحد، ومعنى: ﴿أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ [(٣٤) سورة الأنبياء]، أفإن مت خلدوا، ونظير هذا: أزيدٌ منطلق، ولا يقال: أزيد أمنطلق؛ لأنها بمنزلة شيء واحد، وليس كذلك الآية؛ لأن الثاني جملة قائمة بنفسها فيصلح فيها الاستفهام.
لأن منطلق كلمة، أزيدٌ منطلق، منطلق: خبر زيد، لا يقوم بنفسه، أما جملة ﴿فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ جملة كاملة من مبتدأ وخبر، يختلف الحكم في هذا عن هذا.
стр. 529
والأول كلام يصلح فيه الاستفهام، فأما من حذف الاستفهام من الثاني وأثبته في الأول فقرأ: ﴿أئذا كنا تراباً وآباؤنا إننا﴾ فحذفه من الثاني؛ لأن في الكلام دليلاً عليه بمعنى الإنكار.
قوله تعالى: ﴿لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِن قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [(٦٨) سورة النمل]، تقدم في سورة "المؤمنون"، وكانت الأنبياء يقربون أمر البعث مبالغة في التحذير، وكل ما هو آت فقريب.
يقربون أمر الساعة التي هي مقدمة البعث، ((بعثت أنا والساعة كهاتين)) ومع ذلك مضى أكثر من (١٤٠٠) سنة ما قامت الساعة، كل ما آتٍ قريب. ويقربونها كي يستعد لها الناس.
قوله تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [(٦٩) سورة النمل]، أي ﴿قُلْ﴾ لهؤلاء الكفار ﴿سِيرُوا﴾ في بلاد الشام والحجاز واليمن ﴿فَانظُرُوا﴾ أي بقلوبكم وبصائركم ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾ المكذبين لرسلهم.
﴿سِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ الأرض جنس، يشمل ما ذكر في بلاد الشام والحجاز واليمن، ويشمل غيرها من بلاد المشرق والمغرب، كلها فيها عبر وآيات، فهل من مدكر. سينظرون في الآفاق، وينظرون في الأرض على اختلاف ألوانها وأشكالها، ومناخها، وتضاريسها، ومع ذلك لا اعتبار ولا ادكار، وكثيرٌ من الناس يذهب إلى السياحة والفرجة والمتعة، ويرى من آيات الله ما يخلع القلوب، ومع ذلك كأن شيئاً لم يكن، ويزاول في سياحته هذه التي الأصل أن يستفيد منها ويعتبر، يزاول فيها ما حرمك الله -جل وعلا-. فالله المستعان.
﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ [(٧٠) سورة النمل]، أي على كفار مكة إن لم يؤمنوا، ﴿وَلَا تَكُن فِي ضَيْقٍ﴾ في حرج، ﴿مِّمَّا يَمْكُرُونَ﴾ نزلت في المستهزئين الذين اقتسموا عقاب مكة، وقد تقدم ذكرهم، وقرئ: ﴿في ضِيق﴾ بالكسر، وقد مضى في آخر "النحل".
﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾ [(٧١) سورة النمل]، أيَّ وقتٍ يجيئنا العذاب بتكذيبنا ﴿إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾.
стр. 530
استبعاد لعذاب الله، وما أشبه الليلة بالبارحة، يوجد الآن على وجه الأرض من يستبعد وينكر العذاب، وحال كثيرٍ من المسلمين، وإن لم يقولوا بلسان المقال، بل ما اشتمل عليهم حالهم كأنها حال مكذب، والله المستعان.
قوله تعالى: ﴿قُلْ عَسَى أَن يَكُونَ رَدِفَ لَكُم﴾ [(٧٢) سورة النمل]، أي اقترب لكم ودنا منكم ﴿بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ أي: من العذاب ...
لأن الرديف قريبٌ من مرادفه، الرديف قريب من مرادفه، لصيق له، مجاورٌ له، فإذا ردفَ لهم بعض الذي يستعجلون قرب منهم، كان رديفاً لهم كان قريباً منهم.
أي من العذاب، قاله ابن عباس، وهو من ردفه إذا تبعه وجاء في أثره، وتكون اللام أدخلت؛ لأن المعنى اقترب لكم ودنا لكم، أو تكون متعلقة بالمصدر، وقيل: معناه معكم، وقال ابن شجرة: تبعكم، ومنه ردفُ المرأة؛ لأنه تبع لها من خلفها، ومنه قول أبي ذؤيب:
عاد السواد بياضاً في مفارقه ... لا مرحباً ببياض الشيب إذ ردفا
أوضح منه: الرديف على الدابة، الدابة يركب عليها الاثنان والثلاثة إذا كانت تطيق ذلك يجوز، وجاء في أحاديث عن أكثر من ثلاثين صحابياً، كل منهم يقول: "كنت رديف النبي ﷺ " وألف ابن منده في ذلك جزءاً فيمن ردف النبي ﷺ فصاروا أكثر من ثلاثين، هذا أوضح من ردف المرأة؛ لأن الردف ملاصق، ويأتي مع لا يأتي بعد، أما الرديف الذي يركب خلف الراكب فهذا ليس بملاصق له.
قال الجوهري: وأردفه أمر لغة في ردفه، مثل تبعه وأتبعه بمعنى، قال خزيمة بن مالك بن نهد:
إذا الجوزاء أردفت الثريا ... ظننت بآل فاطمة الظنونا
يعني فاطمة بنت يذكر بن عنزة أحد القارظيَن.
القارظين، القارظ بن عنزة، ذهب ولم يعد:
إذا ما القارظ العنزي آبا
معلقٌ عليه الأمور المستحيلة، ذهب لحاجات من الحاجات فلم يرجع.
وقال الفراء: ﴿رَدِفَ لَكُم﴾ دنا لكم، ولهذا قال: ﴿لكم﴾. وقيل: ردفه وردف له بمعنى، فتزاد اللام للتوكيد، عن الفراء أيضاً:
يعني الأصل أنه متعدٍ بنفسه.
كما تقول: نقدته ونقدت له، وكلته ووزنته وكلت له ووزنت له، ونحو ذلك. ﴿بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ [(٧٢) سورة النمل]، من العذاب فكان ذلك يوم بدر، وقيل: عذاب القبر.
следующие страницы →