Полный текст (585 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
الفتح، فتح اللام التي هي في الأصل مكسورة، وعدل عنها إلى الفتح للتخفيف، لا شك أن الأصل هو الكسر؛ لأنه إذا توالى ساكنان، حُرك الأول منهما بالكسر، ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ﴾ [(١١) سورة المجادلة]، قد يقول قائل: الفعل لا يجر، نقول: نعم، حرك بالكسر لئلا يجتمع ساكنان، طيب لماذا لم يحرك بالفتح أو لم يحرك بالرفع؟ هو محله الجزم، فإذا حرك بالرفع والمضارع يرفع إذا تجرد عن العوامل الناصبة والجازمة؟ قلنا: أنه مرفوعٌ أصلاً، وأن محله الرفع، وكذلك إذا حرك بالنصب ظن أنه منصوب؛ لدخول العامل الناصب عليه؛ لأن من شأن الناصب أن ينصب، والتجرد يرفع، والمضارع إنما يرفع إذا تجرد عن العوامل وينصب إذا دخل عليه ناصب، ويجزم إذا دخل عليه جازم، وحينئذٍ يلجأ إلى حركةٍ لا توجد في الحالات الثلاث، ليعرف أن هذا ليست حركة إعراب، الحركة التي عليه ليست حركة إعراب، وإنما هي حركة تخلص، فيلجأ إلى الكسر لهذا، وإلا فالأصل أن الفعل لا يجر.
وذكر الزمخشري في الكتاب: وقرئ ﴿بل أأدرك﴾ بهمزتين ﴿آأدرك﴾ بألف بينهما ﴿بلى أأدرك﴾ ﴿أم تدارك﴾ ﴿أم أدرك﴾ فهذه ثنتا عشرة قراءة.
ثم أخذ يعلل وجوه القراءات وقال: فإن قلت فما وجه قراءة ﴿بل أأدرك﴾ على الاستفهام؟ قلتُ: هو استفهام على وجه الإنكار لإدراك علمهم، وكذلك من قرأ: ﴿أم أدرك﴾ و ﴿أم تدارك﴾ لأنها أم التي بمعنى بل والهمزة، وأما من قرأ: ﴿بلى أأدرك﴾ على الاستفهام، فمعناه: بلى يشعرون متى يبعثون، ثم أنكر علمهم بكونها، وإذا أنكر علمهم بكونها لم يتحصل لهم شعور وقت كونها؛ لأن العلم بوقت الكائن تابع للعلم بكون الكائن ﴿فِي الْآخِرَةِ﴾ في شأن الآخرة، ومعناها ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِّنْهَا﴾ أي في الدنيا ﴿بَلْ هُم مِّنْهَا عَمِونَ﴾ [(٦٦) سورة النمل]، أي بقلوبهم، واحدهم عمو، وقيل: عَمٍ، وأصله عميون، حذفت الياء لالتقاء الساكنين، ولم يجز تحريكها لثقل الحركة فيها.
عمون: جمع مذكر سالم، جمعٌ عمٍ، واحدهم عمٍ، وأصله ناقص، مختوم بالياء، والناقص في حالة الرفع تحذف ياءه إذا لم يقترن بأل، جاء قاضٍ، فهو في محل الرفع محذوف الياء، ويجمع على قاضون، مثل عمون.
стр. 527
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [(٦٧) سورة النمل]، يعني مشركي مكة، ﴿أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ﴾ هكذا يقرأ نافع هنا، وفي سورة: "العنكبوت".
المؤلف والمفسر على قراءة نافع، لذا تجدون مثل ما كررنا مراراً أنه يفسر الآيات على قراءته، ويشير إلى القراءات الأخرى.
وقرأ أبو عمرو باستفهامين إلا أنه خفف الهمزة، وقرأ عاصم وحمزة أيضاً باستفهامين إلا أنهما حققا الهمزتين، وكل ما ذكرناه في السورتين جميعاً واحد، وقرأ الكسائي وابن عامر ورويس ويعقوب: ﴿أئذا﴾ بهمزتين ﴿إننا﴾ بنونين على الخبر في هذه السورة وفي سورة: "العنكبوت" باستفهامين.
قال أبو جعفر النحاس: القراءة ﴿إذا كنا ترابا وآباؤنا آينا لمخرجون﴾ موافقة للخط حسنة، وقد عارض فيها أبو حاتم فقال:
ومر بنا مراراً أن المراد بأبي حاتم هو السجستاني.
وهذا معنى كلامه: ﴿إذا﴾ ليس باستفهام و ﴿آينا﴾ استفهام، وفيه ﴿إن﴾ فكيف يجوز أن يعمل ما في حيز الاستفهام فيما قبله؟ وكيف يجوز أن يعمل ما بعد ﴿إن﴾ فيما قبلها؟ وكيف يجوز غداً إن زيداً خارج؟ فإذا كان فيه استفهام كان أبعد، وهذا إذا سئل عنه كان مشكلاً لما ذكره، وقال أبو جعفر:
يعني ما بعد الاستفهام لا يعمل فيما قبله.
وقال أبو جعفر: وسمعت محمد بن الوليد يقول: سألنا أبا العباس عن آية من القرآن صعبة المشكلة، وهي قوله اله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [(٧) سورة سبأ]، فقال إن عمل في ﴿إذا﴾ ﴿ينبئكم﴾ كان محالاً؛ لأنه لا ينبئهم ذلك الوقت، وإن عمل فيه ما بعد ﴿إنَّ﴾ كان المعنى صحيحاً، وكان خطأً في العربية أن يعمل ما قبل ﴿إنَّ﴾ فيما بعدها، وهذا سؤال بَيِّن رأيت أن يذكر في السورة التي هو فيها، فأما أبو عبيد فمال إلى قراءة نافع ورد على من جمع بين استفهامين، واستدل بقوله تعالى:
يعني جوابه في الجزء الرابع عشر صفحة "٢٦٢"، جواب هذا الإشكال.
واستدل بقوله تعالى: ﴿أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ [(١٤٤) سورة آل عمران].
стр. 528
سبأ، سبأ الجزء الرابع عشر، صفحة "٢٦٢". . . . . . . . .
يقول: ولا يجوز أن يكون العامل فيها ما بعد إن؛ لأنه لا يعمل فيما قبله، وألا يتقدم عليها ما بعدها ولا معمولها، وأجاز الزجَّاج أن يكون العامل فيها محذوفاً.
التقدير: إذا مزقتم كل ممزق بعثتم، أو ينبئكم بأنكم تبعثون إذا مزقتم -هذا الجواب الذي أحال عليه هنا- المهدوي: ولا يعمل فيه مزقتم؛ لأنه مضاف إليه، والمضاف إليه لا يعمل في المضاف.
لماذا؟ الآن المضاف إليه مجرور، مجرور بالمضاف، فالمضاف هو العامل في المضاف إليهم، وهنا يقول: المضاف إليه لا يعمل في المضاف – هذا طبيعي، هذا أنه إذا كان العامل هو المضاف في المضاف إليه لا ينعكس- وأجازه بعضهم على أن يجعل "إذا" للمجازاة.
لكن هل يجوز أن يكون المضاف إليه عاملاً بمعنى أنه يأتي منه الحال؟
ولا تجز حالاً من المضاف له ... إلا إذا اقتض المضاف عمله
﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا﴾ [(٤) سورة يونس]، جميعاً حال من الكاف المضاف إليه، ولذا المضاف إليه معمول وليس بعامل: إلا إذا اقتض المضاف عمله كما في هذا.
أو كان جزء ما له أضيف ... أو مثل جزءه فلا تحريف
المقصود أنه المضاف إليه الأصل فيه أنه معمول وليس بعامل.
فأما أبو عبيد فمال إلى قراءة نافع ورد على من جمع بين استفهامين، واستدل بقوله تعالى: ﴿أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ [(١٤٤) سورة آل عمران]، وبقوله تعالى: ﴿أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ [(٣٤) سورة الأنبياء]، وهذا الرد على أبي عمرو وعاصم وحمزة وطلحة والأعرج لا يلزم منه شيء، ولا يشبه ما جاء به من الآية شيئاً.
والفرق بينهما أن الشرط وجوابه بمنزلة شيء واحد، ومعنى: ﴿أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ [(٣٤) سورة الأنبياء]، أفإن مت خلدوا، ونظير هذا: أزيدٌ منطلق، ولا يقال: أزيد أمنطلق؛ لأنها بمنزلة شيء واحد، وليس كذلك الآية؛ لأن الثاني جملة قائمة بنفسها فيصلح فيها الاستفهام.
لأن منطلق كلمة، أزيدٌ منطلق، منطلق: خبر زيد، لا يقوم بنفسه، أما جملة ﴿فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ جملة كاملة من مبتدأ وخبر، يختلف الحكم في هذا عن هذا.
стр. 529
والأول كلام يصلح فيه الاستفهام، فأما من حذف الاستفهام من الثاني وأثبته في الأول فقرأ: ﴿أئذا كنا تراباً وآباؤنا إننا﴾ فحذفه من الثاني؛ لأن في الكلام دليلاً عليه بمعنى الإنكار.
قوله تعالى: ﴿لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِن قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [(٦٨) سورة النمل]، تقدم في سورة "المؤمنون"، وكانت الأنبياء يقربون أمر البعث مبالغة في التحذير، وكل ما هو آت فقريب.
يقربون أمر الساعة التي هي مقدمة البعث، ((بعثت أنا والساعة كهاتين)) ومع ذلك مضى أكثر من (١٤٠٠) سنة ما قامت الساعة، كل ما آتٍ قريب. ويقربونها كي يستعد لها الناس.
قوله تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [(٦٩) سورة النمل]، أي ﴿قُلْ﴾ لهؤلاء الكفار ﴿سِيرُوا﴾ في بلاد الشام والحجاز واليمن ﴿فَانظُرُوا﴾ أي بقلوبكم وبصائركم ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾ المكذبين لرسلهم.
﴿سِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ الأرض جنس، يشمل ما ذكر في بلاد الشام والحجاز واليمن، ويشمل غيرها من بلاد المشرق والمغرب، كلها فيها عبر وآيات، فهل من مدكر. سينظرون في الآفاق، وينظرون في الأرض على اختلاف ألوانها وأشكالها، ومناخها، وتضاريسها، ومع ذلك لا اعتبار ولا ادكار، وكثيرٌ من الناس يذهب إلى السياحة والفرجة والمتعة، ويرى من آيات الله ما يخلع القلوب، ومع ذلك كأن شيئاً لم يكن، ويزاول في سياحته هذه التي الأصل أن يستفيد منها ويعتبر، يزاول فيها ما حرمك الله -جل وعلا-. فالله المستعان.
﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ [(٧٠) سورة النمل]، أي على كفار مكة إن لم يؤمنوا، ﴿وَلَا تَكُن فِي ضَيْقٍ﴾ في حرج، ﴿مِّمَّا يَمْكُرُونَ﴾ نزلت في المستهزئين الذين اقتسموا عقاب مكة، وقد تقدم ذكرهم، وقرئ: ﴿في ضِيق﴾ بالكسر، وقد مضى في آخر "النحل".
﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾ [(٧١) سورة النمل]، أيَّ وقتٍ يجيئنا العذاب بتكذيبنا ﴿إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾.
стр. 530
استبعاد لعذاب الله، وما أشبه الليلة بالبارحة، يوجد الآن على وجه الأرض من يستبعد وينكر العذاب، وحال كثيرٍ من المسلمين، وإن لم يقولوا بلسان المقال، بل ما اشتمل عليهم حالهم كأنها حال مكذب، والله المستعان.
قوله تعالى: ﴿قُلْ عَسَى أَن يَكُونَ رَدِفَ لَكُم﴾ [(٧٢) سورة النمل]، أي اقترب لكم ودنا منكم ﴿بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ أي: من العذاب ...
لأن الرديف قريبٌ من مرادفه، الرديف قريب من مرادفه، لصيق له، مجاورٌ له، فإذا ردفَ لهم بعض الذي يستعجلون قرب منهم، كان رديفاً لهم كان قريباً منهم.
أي من العذاب، قاله ابن عباس، وهو من ردفه إذا تبعه وجاء في أثره، وتكون اللام أدخلت؛ لأن المعنى اقترب لكم ودنا لكم، أو تكون متعلقة بالمصدر، وقيل: معناه معكم، وقال ابن شجرة: تبعكم، ومنه ردفُ المرأة؛ لأنه تبع لها من خلفها، ومنه قول أبي ذؤيب:
عاد السواد بياضاً في مفارقه ... لا مرحباً ببياض الشيب إذ ردفا
أوضح منه: الرديف على الدابة، الدابة يركب عليها الاثنان والثلاثة إذا كانت تطيق ذلك يجوز، وجاء في أحاديث عن أكثر من ثلاثين صحابياً، كل منهم يقول: "كنت رديف النبي ﷺ " وألف ابن منده في ذلك جزءاً فيمن ردف النبي ﷺ فصاروا أكثر من ثلاثين، هذا أوضح من ردف المرأة؛ لأن الردف ملاصق، ويأتي مع لا يأتي بعد، أما الرديف الذي يركب خلف الراكب فهذا ليس بملاصق له.
قال الجوهري: وأردفه أمر لغة في ردفه، مثل تبعه وأتبعه بمعنى، قال خزيمة بن مالك بن نهد:
إذا الجوزاء أردفت الثريا ... ظننت بآل فاطمة الظنونا
يعني فاطمة بنت يذكر بن عنزة أحد القارظيَن.
القارظين، القارظ بن عنزة، ذهب ولم يعد:
إذا ما القارظ العنزي آبا
معلقٌ عليه الأمور المستحيلة، ذهب لحاجات من الحاجات فلم يرجع.
وقال الفراء: ﴿رَدِفَ لَكُم﴾ دنا لكم، ولهذا قال: ﴿لكم﴾. وقيل: ردفه وردف له بمعنى، فتزاد اللام للتوكيد، عن الفراء أيضاً:
يعني الأصل أنه متعدٍ بنفسه.
كما تقول: نقدته ونقدت له، وكلته ووزنته وكلت له ووزنت له، ونحو ذلك. ﴿بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ [(٧٢) سورة النمل]، من العذاب فكان ذلك يوم بدر، وقيل: عذاب القبر.
стр. 531
﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ﴾ [(٧٣) سورة النمل]، في تأخير العقوبة وإدرار الرزق، ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ﴾ فضله ونعمه.
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ﴾ [(٧٤) سورة النمل]، أي تخفي صدورهم، ﴿وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ يظهرون من الأمور، وقرأ ابن محيصن وحميد: ﴿ما تَكنُّ﴾ من كننت الشيء إذا سترته هنا، وفي "القصص" تقديره: ما تَكن صدورهم عليه ...
أي ما تنطوي عليه وما تخفيه.
وكأن الضمير الذي في الصدور كالجسم السائر، ومن قرأ: ﴿تُكنُّ﴾ فهو المعروف، يقال: أكننت الشيء إذا أخفيته في نفسك. قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاء وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ [(٧٥) سورة النمل]، قال الحسن: الغائبة هنا القيامة، وقيل: ما غاب عنهم من عذاب السماء والأرض، حكاه النقاش، وقال ابن شجرة: الغائبة هنا جميع ما أخفى الله تعالى عن خلقه وغيَّبه عنهم، وهذا عام، وإنما دخلت الهاء في "غائبة" إشارة إلى الجمع، أي: ما من خصلة غائبة عن الخلق إلا والله عالم بها قد أثبتها في أم الكتاب عنده، فكيف يخفى عليه ما يسر هؤلاء وما يعلنونه، وقيل: أي كل شيء هو مثبت في أم الكتاب.
العموم في الغائبة؛ لأنها نكرة في سياق النفي، وأكد هذا العموم بمن.
وقيل: أي كل شيء هو مثبت في أم الكتاب يخرجه للأجل المؤجل له، فالذي يستعجلونه من العذاب له أجل مضروب، لا يتأخر عنه ولا يتقدم عليه، والكتاب اللوح المحفوظ، أثبت الله فيه ما أراد ليعلم بذلك من يشاء من ملائكته.
من أسباب الاختلاف:
قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [(٧٦) سورة النمل]، وذلك أنهم اختلفوا في كثير من الأشياء حتى لعن بعضهم بعضاً فنزلت.
والمعنى: إن هذا القرآن يبين لهم ما اختلفوا فيه لو أخذوا به، وذلك ما حرفوه من التوراة والإنجيل، وما سقط من كتبهم من الأحكام.
стр. 532
سبب اختلافهم الكثير فيما بينهم، وإن كان لديهم كتاب منزل، لكنهم استحفظوا عليه فلم يحفظوه، استئمنوا واستحفظوا فلم يحفظوا، فغيروا وبدلوا، وكل واحد منهم يرجع إلى ما بيده من التوراة التي حرفها أو حُرفت له، فلا يرجعون إلى أصلٍ واحد، ولذا حصل الاختلاف الكبير بينهم؛ لأن كل واحد يحرف نسخته على ما يشاء على ما يريد، أو تحرف له، أو يتبع غيره ممن يحرف، المقصود أن كل واحد بيده غير ما بيد الآخر، فلذا كلٌ يرجع إلى نسخته فيحصل الاختلاف. ولذا ذكر الحافظ ابن كثير ﵀ أن عشرة من النصارى اجتمعوا لبحث مسألة فصدروا عن أحدى عشر قولاً، لماذا؟ لأنهم لا يرجعون إلى أصل يمكن أن يحتكموا إليه، والذين بحثوا في الروح التي حجب الله عن الخلق معرفة ماهيتها وكنهها، اختلفوا على أكثر من مائة قول، والسبب في ذلك أنه لا يوجد أصل يرجعون إليه، لا يوجد أصل، الله -جل وعلا- قال: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [(٨٥) سورة الإسراء]، وهم يخوضون في تعريفها، ولما لم يوجد الأصل الذي يمكن أن يعتمد عليه ويرجع إليه حصل مثل هذا الاختلاف، وهذا التباين الكبير في أقوالهم في حدها وماهيتها وكيفيتها.
﴿وَإِنَّهُ﴾ يعني القرآن، ﴿لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ [(٧٧) سورة النمل]، خص المؤمنين؛ لأنهم المنتفعون به ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُم بِحُكْمِهِ﴾ ..
نعم، لأنه كتاب محفوظ، تكفل الله بحفظه، قال: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [(٩) سورة الحجر]، والكتب الأخرى استحفظوا عليها، لكنهم لم يحفظوها، فكتابنا -ولله الحمد- محفوظ، ومن يرجع إليه ويتحاكم إليه لا بد أن يصل إلى الحق، القول الراجح المعتمد على النص الصحيح، قد يكون النص في دلالته شيء من الإجمال، ثم يختلف أهل العلم بسبب ذلك، وفي النهاية يعرف الراجح والمرجوح بالمرجحات المعتبرة عند أهل العلم.
﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُم بِحُكْمِهِ﴾ [(٧٨) سورة النمل]، أي يقضي بين بني إسرائيل فيما اختلفوا فيه في الآخرة، فيجازي المحق والمبطل، وقيل: يقضي بينهم في الدنيا فيظهر ما حرفوه، ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ المنيع الغالب الذي لا يرد أمره، ﴿الْعَلِيمُ﴾ الذي لا يخفى عليه شيء.
стр. 533
قوله تعالى: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [(٧٩) سورة النمل]، أي فوض إليه أمرك واعتمد عليه فإنه ناصرك ﴿إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾ أي الظاهر، وقيل المظهر لمن تدبر وجه الصواب.
المبين: البين الواضح الظاهر، الذي لا خفاء فيه، وهو أيضاً مُبين لغيره، الحق المبين لما يختلف فيه.
الاختلاف في سماع الموتى:
﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [(٨٠) سورة النمل]، يعني الكفار لتركهم التدبر، فهم كالموتى لا حس لهم ولا عقل، وقيل: هذا فيمن علم أنه لا يؤمن ﴿وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاء﴾ يعني الكفار الذين هم بمنزلة الصم عن قبول المواعظ، فإذا دعوا إلى الخير أعرضوا وولوا كأنهم لا يسمعون، نظيره: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ [(١٨) سورة البقرة]، كما تقدم. وقرأ ابن محيصن وحميد وابن كثير وابن أبي إسحاق وعباس عن أبي عمرو: ﴿ولا يَسمَع﴾ بفتح الياء والميم ﴿الصمُّ﴾ رفعاً على الفاعل، والباقون ﴿تُسمعُ﴾ مضارع أسمعت ﴿الصُمَّ﴾ نصباً.
مسألة: وقد احتجت عائشة ﵂ في إنكارها أن النبي ﷺ أسمع موتى بدر بهذه الآية، فنظرت في الأمر بقياس عقلي ووقفت مع هذه الآية وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: ((ما أنتم بأسمع منهم)).
لما خاطب أهل القليب، قليب بدر، فقيل له: كيف تخاطب أناس قد ماتوا، قال: ((ما أنتم بأسمع منهم لما أقول)) ولا شك أن هذا السمع خاص، ولا يعني أن جميع الأموات يسمعون أو يسمع منهم، لكن الأصل أنك لا تسمع الموتى، وخص منهم من خاطبه النبي ﵊، وأخبر أنهم سمعوا، فلا يضرب العام بالخاص.
قال ابن عطية: فيشبه أن قصة بدر خرقُ عادةٍ لمحمد ﷺ في أن رد الله إليهم إدراكاً سمعوا به مقاله، ولولا إخبار رسول الله ﷺ بسماعهم لحملنا نداءه إياهم على معنى التوبيخ لمن بقي من الكفرة، وعلى معنى شفاء صدور المؤمنين.
ابن القيم ﵀ بحث هذه المسألة، وأطال البحث في كتاب الروح، فيرجع إليه من أراد المزيد.
стр. 534
قلت: روى البخاري ﵁: حدثني عبد الله بن محمد سمع رَوح بن عبادة قال: حدثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة قال: ذكر لنا أنس بن مالك عن أبي طلحة أن نبي الله ﷺ أمر يوم بدر بأربعة وعشرين رجلاً من صناديد قريش، فقذفوا في طوي من أطواءِ بدر خبيث مخبث، وكان إذا ظهر على قوم أقام بالعرصة ثلاث ليال، فلما كان ببدر اليوم الثالث أمر براحلته فشد عليها رحلها، ثم مشى وتبعه أصحابه، قالوا: ما نُرى ينطلق إلا لبعض حاجته، حتى قام على شفير الركي فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم يا فلان بن فلان ويا فلان بن فلان: أيسركم أنكم أطعتم الله ورسوله فإنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا، فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا، قال فقال عمر: يا رسول الله ما تكلم من أجساد لا أرواح لها، فقال النبي ﷺ : ((والذي نفس محمد بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم)) قال قتادة: أحياهم الله حتى أسمعهم قوله توبيخاً وتصغيراً ونقمة وحسرة وندماً، خرجه مسلم أيضاً.
قال البخاري: حدثنا عثمان قال حدثنا عبدة عن هشام عن أبيه عن أبن عمر قال: وقف النبي ﷺ على قليب بدر فقال: ((هل وجدتم ما وعد ربكم حقاً)) ثم قال: ((إنهم الآن ليعلمون أن الذي كنت أقول لهم هو الحق)) ثم قرأت ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ حتى قرأت الآية.
طالب:. . . . . . . . .
((إنهم الآن ليعلمون)) فرق بين يسمعون ويعلمون، رواية ليعلمون تستدل بها عائشة على أنهم لا يسمعون، عملاً بعموم الآية: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ كونهم يعلمون، نعم يعلم، خلاص حق اليقين.
وهذا سقط لا بد منه؛ لأن السياق الذي ساقه المؤلف فيه خفاء، أقول فيه خفاء تبينه الرواية الصحيحة، ((هل وجدتم ما وعد ربكم حقاً)) ثم قال: ((إنهم الآن يسمعون ما أقول)). . . . . . . . . ((إنهم الآن ليعلمون)).
طالب:. . . . . . . . .
سقط سطر الظاهر وجائنا في موضع يسقط سطر كامل، مرَّ علينا سقوط سطر كامل في أكثر من موضع.
فالسقط بين قوله: (ثم قال) في آخر السطر الثاني، وبين قوله: (إنهم الآن) في أول السطر الثالث، يعني سطر كامل سقط، وإلا فالكلام فيه إيهام.
стр. 535
ثم قال: ((إنهم الآن ليسمعون ما أقول)) فذكر ذلك لعائشة فقالت: إنما قال النبي ﷺ : ((إنهم الآن ليعلمون أن الذي كنت أقول لهم هو الحق)) ثم قرأت ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ حتى قرأت الآية. وقد عورضت هذه الآية بقصة بدر، وبالسلام على القبور، وبما روي في ذلك من أن الأرواح تكون على شفير القبور في أوقات، وبأن الميت يسمع قرع النعال إذا انصرفوا عنه إلى غير ذلك، فلو لم يسمع الميت لم يسلم عليه، وهذا واضح وقد بيناه في كتاب التذكرة.
إذاً كيف يحمل قول الله -جل وعلا-: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ هل المراد به إسماع تترتب عليه فائدته من الإجابة، يعني ولو ذكرت لهم ما ذكرت وسمعوا منك ما ذكرت ما استفادوا؛ لأن الإجابة مستحيلة، بعد الموت، بعد المعاينة، وبعد الغرغرة لا تنفع التوبة، فأنت لا تسمعهم سماعاً ينفع، لا تسمعهم سماعاً ينتفعون به، لقد نفي السمع من الكفار، لا يسمعون به، هم يسمعون سماع أصوات، لكن لا يسمعون سماع ينفع، سماع إجابة، لا، فإذا حُمل النفي هنا على السماع النافع المجدي ثبت السماع في الجملة الذي لا ينفع؛ لأنه بعد المعاينة لا ينفع، فيستقيم الكلام في نفسه.
ومن يقول: أن الأصل أنهم لا يسمعون، أن الموتى لا يسمعون، يستثنى من ذلك ما جاء استثنائه في مثل أهل القليب على العموم قد يسمعون لحكمة يراها الله -جل وعلا-.
وكونهم يُسمعون هذا أيضاً محل نظر، محل خلاف بين أهل العلم، الأصل أنهم لا يُسمعون، قد يحصل لهم ما يحصل من عذاب، لكن هذا العذاب لا يُسمع هذا هو الأصل، والنبي ﵊ قرر أنهم يعذبون في قبورهم، وأنه يسمعهم يسمع الضرب بالمرزبة، يسمعها كل شيء إلا الثقلين، ولو سمعها الإنسان لصعق ... فجاء في الحديث الصحيح: ((لولا أن تدافن)) وفي رواية: ((لولا أن لا تدافنوا لأسمعتكم)) فدل على أن السماع الخاص لا يعني السماع العام، لا منهم ولا إليهم.
стр. 536
فالأصل أنهم لا يَسمعون ولا يُسمعون، ولكن جاء في النصوص ما يدل على شيء يسير من ذلك مستثنى من هذا العام، كما في قصة القليب وأنهم سمعوا، وأن الميت لا يسمع قرب نعالهم، وما أشبه ذلك، لكن لا يعني أن كل من ذهب إلى صاحب قبر أنه يسمع كلامه، يا فلان يا فلان، يسمع كلامه، لا يسمع، وقل في مثل هذا العكس.
أما بالنسبة للنبي ﵊ فترد روحه، وأما بالنسبة لغيره فيحصل الأجر بالسلام، وكونه يجيب أو لا يجيب هذه مسألة الله أعلم بها، كونها ترد الروح هذا خاص بالنبي ﵊.
طالب:. . . . . . . . .
معروف، هذا الشريط الذي سمع من روسيا، وأنهم سجلوا أصوات، وزعموا أنها أصوات أموات يعذبون، وأنهم نفوا ذلك فيما بعد، نفوه نفياً قاطعاً، وحجبوا الشريط ومنعوا تداوله، على كل حال كل هذا من شطط الكفار الذين يريدون تشكيكنا في ديننا، وما جاءنا عن نبينا ﵊ ((لولا أن لا تدافنوا -يعني من كثرة الأموات-لأسمعتكم)) فدل على أن هذا ليس بالإمكان سماعه إلا على طريقة خرق العادة للنبي ﵊، وقد يكون هناك موعظة لشخصٍ بعينه يتعظ بها فيخرق الله له هذه العادة فيسمع شيئاً من هذا، أما الأصل أنه لا يسمع ولا يُسمع.
طالب:. . . . . . . . .
كل هذا إما أن يكون رؤى أو منامات كما ذكر ذلك الحافظ ابن رجب في أهوال القبور، أو يكون من باب الاعتبار والاتعاظ لشخصٍ بعينه، أراد الله له هذه الموعظة ليعتبر ويدكر، كما حصل لبعض من دفن ميته ثم عاد إليه؛ لأنه وقع بقبره شيء، فوجده يعذب، يعني هذه خوارق نادرة لا يعمم الحكم بها.
قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَن ضَلَالَتِهِمْ﴾ [(٨١) سورة النمل]، أي كفرهم، أي ليس في وسعك خلق الإيمان في قلوبهم، وقرأ حمزة: ﴿وما أنت تهدي العمي عن ضلالتهم﴾ ...
﴿وَمَا أَنتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَن ضَلَالَتِهِمْ﴾ هذه هداية التوفيق والقبول التي لا يملكها إلا الله -جل وعلا-، وأما هداية الدلالة والإرشاد فهي له ﵊: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [(٥٢) سورة الشورى]، له ولأتباعه من دعاة الحق.
стр. 537
وقرأ حمزة: ﴿وما أنت تهدي العمي عن ضلالتهم﴾، كقوله ﴿أَفَأَنتَ تَهْدِي الْعُمْيَ﴾ [(٤٣) سورة يونس]، الباقون: ﴿بهادي العمي﴾ وهي اختيار أبي عبيد وأبي حاتم وفي "الروم" مثله.
وكلهم وقف على ﴿بهادي﴾ بالياء في هذه السورة، وبغير ياء في "الروم" إتباعاً للمصحف.
وقوفاً مع الرسم، لا يُتعدى.
إلا يعقوب فإنه وقف فيهما جميعاً بالياء، وأجاز الفراء وأبو حاتم: ﴿وما أنت بهادٍ العمي﴾ وهي الأصل، وفي حرف عبد الله ﴿وما أن تهدي العمي﴾ ﴿إن تسمع﴾ أي ما تسمع ﴿إِلَّا مَن يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا﴾ قال ابن عباس: أي إلا من خلقته للسعادة فهم مخلصون في التوحيد.
القراءة التي أجازها أو الوجه الذي أجازه الفراء وأبو حاتم بالقطع عن الإضافة ﴿ما أنت بهادٍ العمي﴾ ويجوز الإضافة هنا، ويجوز القطع يجوز الوجهان ﴿إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَاهَا﴾ [(٤٥) سورة النازعات]، يجوز أيضاً: ﴿منذرٌ من يخشاها﴾، إلا أنه من حيث المعنى هناك فرق لطيف يلحظ في ترجيح أحد الوجهين.
إذا قلت، أو إذا قال: زيد من الناس أنا قاتلٌ عمرواً أو قال: أنا قاتلُ عمروٍ، الفرق بينهما أنه إذا قال: أنا قاتلٌ عمرواً، يهدد، يهدده بالقتل. أما إذا قال: أنا قاتلُ عمروٍ، فإنه يقرُّ بذلك عن نفسه، وأن القتل قد حصل في المضي، وأما بالنسبة للتهديد فسوف يحصل بالمستقبل.
والكلام على الدابة طويل جداً.
نقف على هذا، اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
هذا يسأل عن بعض التفاسير، وبعض الكلام لبعض المخالفين وهنا يقول: كأنه سؤال موجه إلى من تقدم لعالم .... يقول:
ماذا يقول شيخنا الإمام ... في مسلمٍ ذنوبه ضخام
ضاقت عليه نفسه فقررَ ... عذلاً لها بهمةٍ عن الورى
مع ما يرى في أمة الإسلام ... من ضعفها وكثرة الأسقام
هذا يسأل عن العزلة، متى تترجح؟ والخلطة متى تكون راجحة؟ أو متى تتعين العزلة، أو متى تتعين الخلطة؟
على كل حال إذا كان الإنسان بمنزلة بحيث يؤثر ولا يتأثر فهذا يتعين عليه الخلطة، ولا تجوز له العزلة، وإذا كان بالعكس يتأثر بأعمال الناس وأفعالهم وشرورهم ومنكراتهم ولا يستطيع التأثير فيهم، فإن مثل هذا تتعين عليه العزلة، وإذا كان الأمر سجالاً يؤثر ويتأثر فينظر إلى الغالب، ينظر إلى الغالب فيحكم به.
والله أعلم. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 538
التعليق على تفسير القرطبي
سورة النمل
تفسير الآيات من (٨٢ - ٩٣)
الشيخ/ عبد الكريم الخضير
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته:
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه.
قال الإمام القرطبي -رحمه الله تعالى-: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِّنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾ [(٨٢) سورة النمل].
اختلف في معنى: وقع القول، وفي الدابة، فقيل: معنى ﴿وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ وجب الغضب عليهم، قاله قتادة، وقال مجاهد: حق القول عليهم بأنهم لا يؤمنون. وقال ابن عمر وأبو سعيد الخدري ﵄: إذا لم يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر وجب السخط عليهم، وقال عبد الله بن مسعود: ووقع القول يكون بموت العلماء وذهاب العلم، ورفع القرآن.
قال عبد الله: أكثروا تلاوة القرآن، قبل أن يرفع، قالوا: هذه المصاحف ترفع فكيف بما في صدور الرجال؟ قال: يسرى عليه ليلاً فيصبحون منه قفراً، وينسون لا إله إلا الله ويقعون في قول الجاهلية وأشعارهم، وذلك حين يقع القول عليهم، قلت: أسنده أبو بكرٍ البزار، قال حدثنا عبد الله بن يوسف الثقفي، قال حدثنا عبد المجيد بن عبد العزيز عن موسى بن عبيدة عن صفوان بن سليم عن ابنه عبد الله بن مسعود ﵁ عن أبيه أنه قال: "أكثروا من زيارة هذا البيت من قبل أن يرفع، وينسى الناس مكانه، وأكثروا تلاوة القرآن من قبل أن يرفع" قالوا: يا أبا عبد الرحمن، هذه المصاحف ترفع فكيف بما في صدور الرجال؟ قال: فيصبحون فيقولون: كنا نتكلم بكلامٍ، ونقول قولاً فيرجعون إلى شعر الجاهلية، وأحاديث الجاهلية، وذلك حين يقع القول عليهم.
ضعفه ظاهر بجاهلة من عبد الله بن مسعود وأيضاً موسى بن عبيدة الربذي ضعيف.
طالب:. . . . . . . . . هو قال. . . . . . . . .
أما رفع القرآن ومحوه من الصدور فهذا معروف.
стр. 539
وقيل: القول هو قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ﴾ [(١٣) سورة السجدة]. فوقوع القول وجوب العقاب على هؤلاء، فإذا صاروا إلى حد لا تقبل توبتهم، ولا يولد لهم ولد مؤمن فحينئذٍ تقوم القيامة، ذكره القشيري ..
الحد الذي لا تقبل معه التوبة خروج أحد العلامات الثلاث: المسيح الدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، وبالنسبة لكل شخصٍ بعينه، في الغرغرة إذا عاين انتهى أمر التوبة.
وقول سادس: قالت حفصة بنت سيرين: سألت أبا العالية عن قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِّنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ﴾ [(٨٢) سورة النمل]. فقال: أوحى الله إلى نوح إنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن، وكأنما كان على وجهه غطاء فكشف، قال النحاس: وهذا من حسن الجواب؛ لأن الناس ممتحنون ومؤخرون؛ لأن فيهم مؤمنين وصالحين، ومن قد علم الله أنه سيؤمن ويتوب، فلهذا أمهلوا وأمرنا بأخذ الجزية، فإذا زال هذا وجب القول عليهم، فصاروا كقوم نوحٍ حين قال الله تعالى: ﴿أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ﴾ [(٣٦) سورة هود].
علم الله -جل وعلا- أنه ليس ممن ينتسب لهذا الدين من يتوب ويرجع إلى الله -جل وعلا- ومن غيرهم ممن يحق له البقاء بدفع الجزية لا تؤخذ منه الجزية فأبطلت الأحكام.
قلت: وجميع الأقوال عند التأمل ترجع إلى معنىً واحد، والدليل عليه آخر الآية: ﴿أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾ [(٨٢) سورة النمل]. وقُرئ أن بفتح الهمزة وسيأتي، وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((ثلاث إذا خرجن لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً: طلوع الشمس من مغربها، والدجال، ودابة الأرض)) وقد مضى، واختلف في تعيين هذه الدابة وصفتها.
ما الفائدة من ذكر العلامة الثانية والثالثة إذا كانت واحدة منها إذا خرجت وظهرت لا ينفع نفساً إيمانها؟ فيعلق بالأولى منها، فما الفائدة من ذكر الثانية والثالثة؟
стр. 540
يعني إذا كانت الأولى منها طلوع الشمس من مغربها، انتهت، لا ينفع نفساً إيمانها، فلا داعي لذكر الدجال والدابة، وقل مثل هذا في الدجال والدابة.
طالب:. . . . . . . . .
هو إذا كان الله -جل وعلا- أعمى ترتيبها وأخفاه على الخلق بحيث لا يعلم الأول منها، فيصح مثل هذا الأسلوب على هذه الكيفية، وإذا عرفت مرتبة وكل واحدٍ منها إذا خرج لا ينفع نفساً إيمانها، لا شك أن الأمر يتعلق بأولها، والواو التي عُطفت بها العلامات الثلاث لا تقتضي الترتيب، يحتمل أن يكون الدجال هو الأول، أو الدابة هي الأولى، أو طلوع الشمس من مغربها، على كل حال الحديث في صحيح مسلم، وهو مشكل من هذه الحيثية، من حيث أن واحدة من هذه العلامات كافية بعدم قبول التوبة.
طالب:. . . . . . . . .
لا علامات بلوغ الصبي الصغير، قد يسبق بعضها على بعض، في بعض الناس قد يبلغ الخامسة عشرة، وهو لم ينزل قد ينزل ولم ينبت، أو العكس، لكن هذه للناس كلهم.
طالب:. . . . . . . . .
لكن هل هذا مقرون بإدراك الناس أو هذا حكم شرعي ثابت؟! من يقول قد .... طلوع الشمس من مغربها، يخفى على بعض الناس.
الاختلاف في تعيين الدابة:
واختلف في تعيين هذه الدابة وصفتها، ومن أين تخرج اختلافاً كثيراً، قد ذكرناه في كتاب التذكرة، ونذكره هنا إن شاء الله تعالى مستوفى، فأول الأقوال: أنه فصيل ناقة صالح، وهو أصحها، والله أعلم، لما ذكره أبو داوود الطيالسي في مسنده عن حذيفة قال: ذكر رسول الله ﷺ الدابة فقال: ((لها ثلاث خرجات من الدهر، فتخرج في أقصى البادية، ولا يدخل ذكرها القرية، -يعني مكة-، ثم تكمل)).
ثم تكمل -يعني تختفي-.
стр. 541
((ثم تكمل زماناً طويلاً، ثم تخرج خرجةً أخرى دون ذلك، فيفشوا ذكرها في البادية ويدخل ذكرها القرية)) -يعني مكة- قال رسول الله ﷺ : ((ثم بينما الناس في أعظم المساجد على الله حرمة، خيرها وأكرمها على الله المسجد الحرام لم يرؤهم إلا وهي ترغو بين الركن والمقام، تنفض عن رأسها التراب، فانفض الناس منها شتىً ومعاً، وتثبت عصابة من المؤمنين، وعرفوا أنهم لن يعجزوا الله، فبدأت بهم فجلت وجوههم حتى جعلتها كأنها الكوكب الدري، وولت في الأرض لا يدركها طالب، ولا ينجو منها هارب، حتى إن الرجل ليتعوذ منها بالصلاة، فتأتيه من خلفه فتقول: يا فلان: آلآن تصلي، فتقبل عليه فتسمه في وجهه، ثم تنطلق ويشترك الناس في الأموال، ويصطلحون في الأمصار، يعرف المؤمن من الكافر، حتى إن المؤمن يقول: يا كافر اقض حقي))، وموضع الدليل من هذا الحديث أنه الفصيل: قوله: ((وهي ترغو)) والرغاء إنما هو للإبل، وذلك أن الفصيل لما قتلت الناقة هرب، فانفتح له حجر فدخل في جوفه ثم انطبق عليه، فهو فيه حتى يخرج بإذن الله .
الخبر مخرج.
طالب: قال أخرجه نعيم بن حماد في. . . . . . . . . والحاكم. . . . . . . . . وفيه طلحة بن عمرو الحضرمي ضعيف، صححه الحاكم. . . . . . . . . الذهبي فقال: طلحة. . . . . . . . . وله شواهد كثيرة. . . . . . . . .
فيه تخريج غيره؟!
ما في تخريج ثاني.
طالب:. . . . . . . . . وأخرجه عبد الرزاق والطبري. . . . . . . . . عن عيينة،. . . . . . . . . والحاكم. . . . . . . . . وصححه الحاكم على شرط الشيخين ووافقه الذهبي.
صحت الطريق الثاني، على كلٍ طريق فيه مجهول، وطريق فيه ضعيف واهي جداً، المجهول ينجبر إذا وجد معه طريق ضعيف، لكن الطريق الثاني ضعفه شديد لا يمكن الانجبار فما في شك من كونه ينجبر؛ لأن الطريق الثاني ضعفه شديد -الذي فيه طلحة-.
طالب:. . . . . . . . .
. . . . . . . . . ذكر الرسول ﷺ الدابة.
طالب:. . . . . . . . .
الرغاء .... لا أعرف
طالب:. . . . . . . . .
وأثبته ولا خطأ. يعني أثبته قال في رواية كذا، على كل حال يراجع. سم.
стр. 542
وروي أنها دابة مزغبة شعراً، ذات قوائم، طولها ستون ذراعاً ويقال: إنها الجساسة، وهو قول عبد الله بن عمر، وروي عن ابن عمر أنها على خلقة الآدميين، وهي في السحاب، وقوائمها في الأرض، وروي أنها جُمعت من خلق كل حيوان، وذكر الماوردي والثعلبي، رأسها رأس ثور، وعينها عين خنزير، وأذنها أذن فيل، وقرنها قرن أيِّل، وعنقها عنق نعامة، وصدرها صدر أسد، ولونها لون نمر، وخاصرتها خاصرة هر، وذنبها ذنب كبش، وقوائمها قوائم بعير، بين كل مفصل ومفصل اثنا عشر ذراعاً، قال الزمخشري: بذراع آدم ﵇، ويكون معها عصا موسى، وخاتم سليمان، فتنكت في وجه المسلم بعصا موسى نكتةً بيضاء فيبيض وجهه، وتنكت في وجه الكافر بخاتم سليمان ﵇ فيسود وجهه، قاله ابن الزبير ﵄.
وفي كتاب النقاش عن ابن عباسٍ ﵄ إن الدابة الثعبان المشرف على جدار الكعبة التي اقتلعتها العقاب حين أرادت قريش بناء الكعبة، وحكى الماوردي عن محمد بن كعب عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه سئل عن الدابة فقال: أما والله ما لها ذنب، وإن لها للحية.
قال الماوردي: وفي هذا القول منه إشارة على أنها من الإنس، وإن لم يصرح به ..
لم يأتِ في وصفها أو جنسها نص ملزم، الله -جل وعلا- ذكرها، وذكرها النبي ﵊، ولم يذكر من أوصافها ولا من جنسها، وعادة المفسرين وبعض شراح الحديث -وهم في التفاسير أكثر-، تتبع مثل هذه الأمور، ونقلها وجمعها واستقصاؤها مما لا يثبت به خبر، فالوقوف عن ما جاء عن الله وعن رسوله هو الأحرى، فالمسلم لا سيما طالب العلم يحقق ما وجد مثل هذه الأوصاف، رأسها رأس ثور، وعينها عين خنزير، وأذنها أذن فيل .. الخ.
стр. 543
فالذي يظهر أنها أكرم على الله من أن تكون بهذه المثابة، وقد انتدبها الله –جل وعلا- للتمييز بين خلقه، بين المؤمن وبين الكافر فضلاً عن أن تكون إنسان، والله -جل وعلا- ورسوله سماها دابة، فالإنسان أشرف من أن يقال له دابة، وإن كان ممن يدب على الأرض، لكن الإنسان إنسان، حتى قال بعض أهل العلم: إنه إنسان وتمييزه بين المسلم والكافر ببيان الحق وتزييف الباطل، ونصر المحقين رد على المبطلين، قال بعض أهل العلم: أن هذه هي الدابة، لكن هذا ليس بصحيح.
قلت: ولهذا -والله أعلم-، قال بعض المتأخرين من المفسرين: إن الأقرب أن تكون هذه الدابة إنساناً متكلماً، يناظر أهل البدع والكفر، ويجادلهم؛ لينقطعوا فيهلك من هلك عن بينة، ويحيا من حي عن بينه، قال شيخنا الإمام أبو العباس: أحمد بن عمر القرطبي في كتاب المفهم له، وإنما كان عند هذا القائل الأقرب لقوله تعالى: ﴿تُكَلِّمُهُمْ﴾ [(٨٢) سورة النمل]، وعلى هذا فلا يكون في هذه الدابة آيةً خاصة، خارقة للعادة. وهذا الإنسان الذي يناظر أهل البدع ويرد عليهم موجود في كل عصر، في كل مصر، يعني لو بهذا الوصف مثلاً يقال: شيخ الإسلام ابن تيمية هو الدابة، يصح هذا الكلام، هل يقول مثل هذا عاقل مثلاً؟ أو شخص مثله يأتي في آخر الزمان؟ هذا لا يمكن أن يقبله عاقل.
ولا يكون من العشر الآيات المذكورة في الحديث؛ لأن وجود المناظرين والمحتجين على أهل البدع كثير، فلا آية خاصةً بها، فلا ينبغي أن تذكر مع العشر، وترتفع خصوصية وجودها إذا وقع القول، ثم فيه العدول عن تسمية هذا الإنسان المناظر.
ثم بوجود هذا الإنسان يغلق باب التوبة، على حد زعم هؤلاء، يمكن أن يغلق باب التوبة بوجود إنسان ليس بنبي ولا .. إنما هو شخص عالم يناظر أهل البدع ويرد عليهم تنقطع به التوبة، ويغلق باب التوبة، لا يمكن هذا أبداً.
стр. 544
فلا آية خاصةً بها، فلا ينبغي أن تذكر مع العشر، وترتفع خصوصية وجودها إذا وقع القول، ثم فيه العدول عن تسمية هذا الإنسان المناظر الفاضل العالم الذي على أهل الأرض أن يسموه باسم الإنسان، أو بالعالم أو بالإمام، إلى أن يسمى بدابة، وهذا خروج عن عادة الفصحاء، وعن تعظيم العلماء، وليس ذلك دأب العقلاء، فالأولى ما قاله أهل التفسير، والله أعلم بحقائق الأمور.
يعني يرجح المؤلف ﵀ أنه الفصيل، فصيل الناقة -ناقة صالح- وذكر ما ذكر من الخبر.
قلت: قد رفع الإشكال في هذه الدابة ما ذكرناه من حديث حذيفة فليعتمد عليه، واختلف من أي موضعٍ تخرج، فقال: عبد الله بن عمر تخرج من جبل الصفا بمكة، يتصدع فتخرج منه، قال عبد الله بن عمرو نحوه، وقال: لو شئت أن أضع قدمي على موضع خروجها لفعلت، وروي في خبر ٍعن النبي ﷺ إن الأرض تنشق عن الدابة وعيسى ﵇ يطوف بالبيت، ومعه المسلمون من ناحية المسعى، وأنها تخرج من الصفا فتسم بين عيني المؤمن هو مؤمن سمةً كأنها كوكب دري، وتسم بين عيني الكافر نكتةً سوداء كافر، وذكر في الخبر أنها ذات وبرٍ وريش، ذكره المهدوي.
وعن ابن عباس أنها تخرج من شعبٍ فتمسّ رأسها السحاب، ورجلاها في الأرض لم تخرجا، وتخرج ومعها عصا موسى وخاتم سليمان ﵉، وعن حذيفة تخرج ثلاث خرجات: خرجة في بعض البوادي ثم تكمل، وتخرج في القرى يتقاتل فيها الأمراء حتى تكثر الدماء، وخرجة من أعظم المساجد وأكرمها وأشرفها وأفضلها.
قال الزمخشري: تخرج من بين الركن حذاء دار بني مخزوم عن يمين الخارج من المسجد، فقوم يهربون، وقوم يقفون نظارة.
-نظارة يعني يتفرجون عليها-
وروي عن قتادة أنها تخرج في تهامة.
стр. 545
وش هي قبل خمس سنوات لما صدع حصل بالمسعى اشتهر بين الناس وشاع ومشى على كثيرٍ من الناس وصاروا يتحدثون به، والإشاعات لا شك أن القلوب تشرئب إليها، والمجالس تُعمر بها، ومع ذلك هذا أمر محسوس ويمشي على كثيرٍ من الناس ما يدل على أن الإشاعة تؤثر في الناس، وكما قال الحافظ ابن حجر ﵀: الإشاعات وإن كثر ناقلوها فإنها لا تحيط العلم ما لم تستمد إلى الحس، فهؤلاء أشاعوا أن هناك صدع في المسعى، وأنه تخرج منه الدابة، وقَبِلَه الناس وتداولوه وبعضهم تحرك قلبه، وبعضهم أزمع على التوبة، ثم لما كذبت هذه الإشاعة وما صار شيء رجعوا وكأن شيئاً لم يكن، والله المستعان.
وروي عن قتادة أنها تخرج في تهامة، وروي أنها تخرج من مسجد الكوفة، من حيث فارق النور نوحٍ ﵇، وقيل: من أرض الطائف، قال أبو قبيل: ضرب عبد الله بن عمرو أرض الطائف برجله، وقال: من هنا تخرج الدابة التي تكلم الناس، وقيل: من بعض أودية تهامة، قاله ابن عباس، وقيل: من صخرةٍ من شعب أجياد قاله عبد الله بن عمرو، وقيل: من بحر سدوم قاله وهب بن منبه، ذكر هذه الأقوال الثلاثة الأخيرة الماوردي في كتابه.
وكل هذه الأقوال لا تستند إلى دليل ولا حاجة إلى المسلم بها.
стр. 546
وذكر البغوي -أبو القاسم- عبد الله بن محمد ابن عبد العزيز قال: حدثنا علي بن الجعد، عن فضيل بن مرزوق الرقاشي الأغر، وسئل عنه يحيى بن معينٍ فقال: ثقة، عن عطية العوفي عن ابن عمر قال: تخرج الدابة من صدعٍ في الكعبة كجري الفرس ثلاثة أيام لا يخرج ثلثها، قلت: فهذه أقوال الصحابة والتابعين في خروج الدابة وصفتها، وهي ترد قول من قال من المفسرين: إن الدابة إنما هي إنسان متكلم يناظر أهل البدع والكفر، وقد روى أبو أمامة أن النبي ﷺ قال: ((تخرج الدابة فتسم الناس على خراطيمهم)) ذكره الماوردي، تكلمهم بضم التاء وشد اللام المكسورة، من الكلام قراءة العامة يدل عليه قراءة أُبي: تنبئهم، وقال السدي: تكلمهم ببطلان الأديان سوى دين الإسلام، وقيل: تكلمهم بما يسوؤهم، وقيل: تكلمهم بلسانٍ ذلق، فتقول: بصوت يسمعه من قرب وبعد: ﴿أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾ أي بخروجي؛ لأني خروجها من الآيات، وتقول: ﴿أَلاَ لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [(١٨) سورة هود]، وقرأ أبو زرعة وابن عباسٍ والحسن وأبو رجاء: تَكلمهم، بفتح التاء من الكْلم، وهو الجرح، قال عكرمة: أي تسمهم وقال أبو جوزاء: سألت ابن عباسٍ عن هذه الآية: تكلمهم أو تكْلمهم؟ فقال: هي والله تكلمهم وتكْلمهم، تكلم المؤمن وتكْلم الكافر والفاجر أي تجرحه.
يعني كأنها تكتب على جبينه بشيء محدد بإبرةٍ ونحوها، فينجرح جلده، فيكون من الكْلم وهو الجرح، لكن الظاهر أنه من الكلام، بدليل: تكلمهم أن الناس، هذا هو كلامه.
وقال أبو حاتم: تكلمهم كما تقول: تجرحهم، يذهب إلى أنه تكثير من تكلمهم، ﴿أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾ وقرأ الكوفيون وابن أبي اسحاق ويحيى (أن) بالفتح، وقرأ أهل الحرمين وأهل الشام وأهل البصرة (إن) بكسر الهمزة، قال النحاس: في المفتوحة قولان: وكذا المكسورة، قال الأخفش: المعنى بأنَّ وكذا قرأ ابن مسعود (بأنَّ) ... تعليل ... وقال أبو عبيدة: موضعها.
стр. 547
-يعني تعليل خروجها وصنيعها أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون. هذه العلة، على قراءة فتح الهمزة - وقال أبو عبيدة: موضعها نصب بوقوف الفعل عليها أي تخبرهم أن الناس وقرأ الكسائي والفراء (إن).
فالمخبر به (إن الناس) يكون الموضعين موضع المفعول.
وقرأ الكسائي والفراء: (إن الناس) بالكسر على الاستئناف، وقال الأخفش هي بمعنى تقول: (إن الناس) يعني.
ومقول القول تكسر فيه همزة (إن).
هي بمعنى تقول (إن الناس) يعني الكفار بآياتنا لا يوقنون، يعني بالقرآن وبمحمدٍ ﷺ ، وذلك حين لا يقبل الله من كافرٍ إيماناً، ولم يبق إلا مؤمنون وكافرون في علم الله قبل خروجها، والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا﴾ [(٨٣) سورة النمل]. أي زمرة وجماعة، يعني بالقرآن وبأعلامنا الدالة على الحق، فهم يوزعون: أي يدفعون ويساقون إلى موضع الحساب، قال الشمّاخ:
وكم وزعنا من خميسٍ جحفل ... وكم حبونا من رئيس مسحل
الوزع: هو الدفع، ((إن الله ليوزع بالسلطان)) يعني يدفع به من الشرور ويدفع به من الشرور والآفات والفتن ما لا يدفع ولا يزع بالقرآن، فالوزع معناه هنا الدفع.
وقال قتادة: يوزعون أي يرد أولهم على آخرهم، حتى إذا جاؤوا قال: -أي قال الله-: أكذبتم بآياتي التي أنزلتها على رسلي، وبالآيات التي أقمتها دلالةً على توحيدي، ولم تحيطوا بها علما: أي ببطلانها حتى تعرضوا عنها، بل كذبتم جاهلين غير مستدلين.
يعني من غير نظر ولا تأمل، أنكروها وردوها قبل أن ينظروا فيها.
أمّا كنتم تعملون، تقريع وتوبيخ أي ماذا كنتم تعملون حين لم تبحثوا عنها ولم تتفكروا ما فيها.
ووقع القول عليهم بما ظلموا: أي وجب العذاب عليهم بظلمهم، أي بشركهم، فهم لا ينطقون: أي ليس لهم عذر ولا حجة، وقيل: يختم على أفواههم فلا ينطقون، قاله أكثر المفسرين.
المنة في خلق الليل والنهار:
стр. 548
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ﴾ [(٨٦) سورة النمل]. أي يستقرون فينامون، ﴿وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ [(٦٧) سورة يونس]: أي يبصر فيه لسعي الرزق. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ بالله: ذكر الدلالة على إلهيته وقدرته: أي ألم يعلموا كمال قدرتنا فيؤمنوا؟.
ومن أعظم نعم الله -جل وعلا- على الناس، وعلى المخلوقات أن قسم الوقت إلى قسمين: قسم ينامون فيه ويستريحون ويسكنون فيه.
وقسم: يبحثون فيه عن أرزاقهم وما ينفعهم في أمور دينهم ودنياهم، فلو تصور أن الوقت كله ليل، سرمد، ظلام دامس، كيف يتصرف الناس في معاشهم، قد يقول قائل: الكهرباء يحل هذه المشكلة، نقول: لا يحل هذه المشكلة، الأمم عاشت قرون متطاولة بدون كهرب، ما يكون واقعهم لو كان الوقت كله ليل، والعكس لو كان كله نهار، فالنهار ليس بصالحٍ للنوم، النهار ليس بصالحٍ للنوم، وإنما النوم فائدته إنما تكون في الظلام، حتى قال بعضهم: إن من كان نومه بالنهار فقط، لا شك أن هذا يتضرر عاجلاً أو آجلاً، وإذا ابتلي بذلك وصار وظيفته بالليل كالعسس ونحوهم، وكثير من المسلمين صار هذا واقع أن كلهم عسس، المقصود أنهم إذا ابتلوا بهذا يعمدوا في النهار إلى مكانٍ مظلم، شديد الظلمة، فينامون فيه؛ لأن هذا أنفع لهم، وبعض الناس أصلاً لا يأتيه النوم ولا يستطيع أن ينام في الضوء ضوء النهار، المقصود أن هذه من أعظم نعم الله -جل وعلا- على الناس، إذ لو كانت الدنيا كلها نهار؛ لأضر بهم ذلك، والنوم مصلحته ظاهرة، ولا يمكن أن يعيش الإنسان بدونه، لو كانت الدنيا كلها نهار لأدى ذلك ببعض الناس أن تكون معيشته في كل الوقت، من شدة حرصهم على الدنيا ونهمهم بها، وتركوا النوم الذي تقوم به حياتهم ويستعينون به على قضاء حوائجهم، وقل العكس: لو كان الوقت كله ظلام دامس؛ لأخلد كثير من الناس إلى الراحة وناموا جميع الوقت، وهذه من نعم الله -جل وعلا- أن جعل الوقت مقسوم بين ليلٍ أو نهار، ويولج الليل في النهار، ويولج النهار في الليل، يعني يدخل النهار على الليل فيطول النهار، ويدخل الليل على النهار فيطول الليل، وهذا واضح في الشتاء والصيف.
стр. 549
النفخ في الصور والاختلاف في عدد النفخات:
قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ﴾ [(٨٧) سورة النمل]، أي واذكر يوماً أو ذكِّرهم يوم ينفخ في الصور، ومذهب الفراء أن المعنى: وذلكم يوم ينفخ في الصور، وأجاز فيه الحذف، والصحيح في الصور أنه قرن من نور.
مذهب الفراء، أن المعنى: وذلكم يوم ينفخ في الصور، لو كان المراد هذا لكانت يومُ ينفخ في الصور، ما صارت يومَ؛ لأن الظرف (يوم) أضيف إلى جملةٍ صدرها معرب فيعرب، لو كانت (يوم نفخ في الصور) صاغ كلامه، صحّ تقدير ذلكم يوم ينفخ في الصور؛ لأن يوم أضيف إلى جملة صدرها مبني فيبني عليها.
قال الله: ﴿هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ﴾ [(١١٩) سورة المائدة] وفي الحديث البناء: كيومَ ولدته أمه؛ لأنه أضيف إلى جملة صدرها مبني فبني. وهنا يوم ينفخ في الصور مضاف إلى جملةٍ صدرها معرب فيعرب، والتقدير اذكر من أجل أن يستقيم الفتح الذي في الآية، وهو يوم ينفخ فلا بد أن تقدر ما يقتضي الفتح.
والصحيح في الصور أنه قرن من نورٍ ينفخ فيه إسرافيل، قال مجاهد: كهيئة البوق، وقيل: هو البوق بلغة أهل اليمن، وقد مضى في الأنعام بيانه وما للعلماء في ذلك، ﴿فَفَزِعَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاء اللَّهُ﴾ [(٨٧) سورة النمل]: قال أبو هريرة قال النبي ﷺ : إن الله لما فرغ من خلق السماوات، خلق الصور فأعطاه إسرافيل، فهو واضعه على فيه، شاخص ببصره إلى العرش، ينتظر متى يؤمر بالنفخة، قلت: يا رسول الله ما الصور؟ قال: قرن والله عظيم، والذي بعثني بالحق إن عظم دارةٍ فيه ... - عظم دارةٍ فيه -يعني فمه .. دارةِ فيه، هذا يظهر. والذي بعثني بالحق: إن عظم دارةِ فيه كعرض السماء والأرض، فينفخ فيه ثلاث نفخات، النفخة الأولى: نفخة الفزع والثانية: نفخة الصعق، والثالثة: نفخة البعث والقيام لرب العالمين.
وذكر الحديث: ذكره علي.
стр. 550
النفخات الثلاث كلها مذكورة في القرآن، لكن الخلاف بين أهل العلم في عدد النفخات هل هي ثلاث، أو اثنتان؟ معروف بين أهل العلم فيجعلون نفخة الفزع مقدمة، يعني نفخة الصعق يفزعون أولاً ثم يصعقون، فتكون واحدة، ومن أثبت الثالثة قال: ينفخ فيه ثم يفزعون، ثم ينفخ ثانية فيصعقون، ثم ينفخ ثالثة فيبعثون.
الحديث من خرجه؟ تخريج الحديث.
أيش يقول؟
طالب:. . . . . . . . . ويشكل عليه ما أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة مرفوعاً. . . . . . . . .
حديث البخاري يدل على أنهما نفختان فقط، لكن ما يمنع أن يكون بين النفختين الأولى والثانية أربعون عاماً، وبين الثانية والثالثة أربعون عاماً. في ما يمنع؟! يعني بين كل نفختين يمكن نوجه هذا، لا سيما وأن الثلاث جاءت بألفاظها من القرآن، وأما من يقول أنهما اثنتان فيجعل الفزع مقدمة للصعق، في عندك تخريج ثاني؟؟
ذكره علي بن معبد والطبري والثعلبي وغيرهم، وصححه ابن العربي، وقد ذكرته في كتاب التذكرة، وتكلمنا عليه هنالك، وأن الصحيح في النفخ في الصور أنهما نفختان لا ثلاث، وأن نفخة الفزع إنما تكون راجعةً إلى نفخة الصعق؛ لأن الأمرين لازمان لهما، أي فزعوا فزعاً ماتوا منه، أو إلى نفخة البعث وهو اختيار القشيري وغيره، فإنه قال في كلامه على هذه الآية والمراد النفخة الثانية: أي يحيون فزعين يقولون: من بعثنا من مرقدنا. ويعاينون من الأمر ما يهولهم ويفزعهم، وهذا النفخ كصوت البوق، لتجتمع الخلق في أرض الجزاء، قاله قتادة، وقال الماوردي: ويوم ينفخ في الصور هو يوم النشور من القبور، قال وفي هذا الفزع قولان: أحدهما: أنه الإسراع والإجابة إلى النداء، من قولهم: فزعت عليك في كذا، إذا أسرعتُ إلى ندائك في معونتك.
والقول الثاني: إن الفزع هنا هو الفزع المعهود من الخوف والحزن؛ لأنهم أزعجوا من قبورهم، ففزعوا وخافوا وهذا أشبه القولين.
قلتُ: والسنة الثابتة من حديث أبي هريرة وحديث عبد الله بن عمر ويدل على
قارئ المتن: عمرو ولا عمر؟
الشيخ: عمر. الواو استئنافية.
من حديث أبي هريرة وحديث عبد الله بن عمر ويدل على أنهما نفختان لا ثلاث.
стр. 551
الشيخ: والسنة الثابتة من حديث أبي هريرة وحديث عبد الله بن عمر يدل، والأصل أن يقول: تدل على أنهما نفختان لا ثلاث؛ لأنه لو أراد الاستئناف لقال: ويدل على أنهما نفختان لا ثلاث، ما خرجه مسلم.
طالب:. . . . . . . . .
لا، لو كانت الواو استئنافية ويدل على أنهما نفختان لا ثلاث، ما خرجه مسلم، يدل ما خرجه، لكن هو راجع على السنة السابقة.
قارئ المتن: إذن ابن عمرو؟
الشيخ: إيه ابن عمرو.
والسنة الثابتة من حديث أبي هريرة وحديث عبد الله بن عمرو يدل على أنهما نفختان لا ثلاث. خرجهما مسلم، وقد ذكرناهما في كتاب التذكرة وهو الصحيح إن شاء الله تعالى أنهما نفختان: قال الله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاء اللَّهُ﴾ [(٦٨) سورة الزمر]. فاستثنى هنا كما استثنى في نفخة الفزع، فدل على أنهما واحدة، وقد روى ابن المبارك عن الحسن قال: قال رسول الله ﷺ : ((بين النفختين أربعون سنة، الأولى يميت الله بها كل حي، والأخرى: يحي الله بها كل ميت)) فإن قيل فإنه قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ* تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ﴾ [(٦ - ٧) سورة النازعات]،. إلى أن قال: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ [(١٣) سورة النازعات]. وهذا يقتضي بظاهره أنها ثلاث، قيل له: ليس كذلك، وإنما المراد بالزجرة النفخة الثانية، التي يكون عنها خروج الخلق من قبورهم، كذلك قال ابن عباسٍ ومجاهد وعطاءٍ وابن زيدٍ وغيرهم.
قال مجاهد: هما صيحتان أما الأولى فتميت كل شيءٍ بإذن الله، وأما الأخرى فتحيي كل شيءٍ بإذن الله، وقال عطاء: الراجفة القيامة، والرادفة: البعث، وقال ابن زيد: الراجفة: الموت، والرادفة: الساعة، والله أعلم.
стр. 552
﴿إِلَّا مَن شَاء اللَّهُ﴾، ثم اختلف في هذا المستثنى منهم، ففي حديث أبي هريرة: أنهم الشهداء عند ربهم يرزقون، إنما يصل الفزع إلى الأحياء، وهو قول: سعيد بن جبير: أنهم الشهداء متقلدوا السيوف حول العرش، وقال القشيري: الأنبياء داخلون في جملتهم؛ لأن لهم الشهادة مع النبوة، وقيل الملائكة: قال الحسن: استثنى طوائف من الملائكة يموتون بين النفختين، قال مقاتل: يعني جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت، وقيل الحور العين، وقيل هم المؤمنون؛ لأن الله تعالى قال عُقيب هذا: ﴿مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا وَهُم مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ [(٨٩) سورة النمل]. وقال بعضهم علمائنا: والصحيح أنه لم يرد في تعيينهم خبر صحيح، والكل محتمل.
وهذا هو الصواب أنه لم يرد تعيينهم، كما في نفخة الصعق، جاء الاستثناء وخفي أمر المستثنى على النبي ﵊؛ لأنه ﵊ أول من تنشق عنه الأرض، يقول: فإذا موسى -فإذا قام- آخذ بقائمة العرش، فلا أدري أبعث قبلي أم جوزي، بصعقة الطور، يعني لم يصعق.
طالب:. . . . . . . . .
. . . . . . . . . المقصود أن هذا الاستثناء لا يعلمه إلا الله -جل وعلا- ولذا قال النبي ﵊: ((لا أدري أبعث قبلي أم جوزي بصعقة الطور فيكون ممن استثنى الله)) وفي رواية: ((أو ممن استثنى الله)).
طالب: بالنسبة. . . . . . . . .
يمكن رجوعها إلا اثنتين على سبيل الاختصار.
طالب:. . . . . . . . .
إيش لونه.
طالب:. . . . . . . . .
لا أصل الثالثة التي هي نفخة البعث الناس أموات كيف يفزعون؟ يحتاجون إلى مقدمة، لكن يحتاجون إلى بعده، يفزعون بعدها ما يفزعون قبلها.
قلتُ: خفي عليه حديث أبي هريرة وقد صححه القاضي أبو بكر بن العربي، فليعول عليه؛ لأنه نص في التعيين وغيره اجتهاد والله أعلم. وقيل غير هذا على ما يأتي في الزمر.
стр. 553
وقوله: ففزع من في السماوات، ماضٍ وينفخ مستقبل، فيقال: كيف عطف ماضٍ على مستقبل، فزعم الفراء أن هذا محمول المعنى، لأن المعنى إذا نفخ في الصور ففزع إلا من شاء الله، نصبٌ على الاستثناء، وكلُ أتوه داخرين: قرأ أبو عمرو وعاصم والكسائي ونافع وابن عامرٍ وابن كثير، ﴿آتوه﴾: جعلوه فعلاً مستقبلا، وقرأ الأعمش ويحيى وحمزة وحفص عن عاصم: ﴿وكل أتوه﴾ مقصوراً على الفعل الماضي، وكذلك قرأه ابن مسعود. وعن قتادة: ﴿وكل أتاه داخرين﴾، قال النحاس: وفي كتابي عن أبي إسحاق في القراءات، من قرأ: وكل ﴿أتوه﴾، وحّده على لفظ: كل، ومن قرأ: ﴿آتوه﴾: جمع على معناها، وهذا القول غلط قبيح؛ لأنه إذا قال: وكل أتوه، فلم يوحّد وإنما جمع، ولو وحّد لقال: أتاه، ولكن من قال: أتوه، جمع على المعنى وجاء به ماضيا؛ لأنه رده إلى ﴿ففزع﴾ ومن قرأ: وكل أتوه، حمله على المعنى أيضاً، وقال: ﴿آتوه﴾: لأنها جملة منقطعة من الأول.
آتوه: يعني جائين إليهم، كل الناس، وكل من يبعث آتٍ إلى الله جل وعلا، وكلهم آتيه يوم القيامة فردا.
قال ابن نصر: قد حكي عن أبي إسحاق ﵀ ما لم يقله، ونص أبي إسحاق: ﴿وكل أتوه داخرين﴾، ويقرأ آتوه، فمن وحّد فلفظ (كل) ومن جمع فلمعناها، يريد ما أتى في القرآن.
أبو إسحاق، الزجاج، علق عليه، لعل أبي إسحاق الزجاج في معاني القرآن، لكن قال في كتابي القراءات.
طالب: مكتوب في ...
مكتوب في الأول في الصفحة التي قبلها في القرآت، على كل حال الذي يغلب على الظن أنه الزجاج.
يريد ما أتى في القرآن أو غيره من توحيد خبر (كل) فعلى اللفظ أو جمعٍ فعلى المعنى فلم يأخذ أبو جعفر ٍ هذا المعنى.
قال المهدوي: ومن قرأ: ﴿وكل أتوه داخرين﴾، فهو فعل من الإتيان، وحمل على معنى (كل) دون لفظها، ومن قرأ: ﴿كلٌُ آتوه داخرين﴾. فهو اسم الفاعل من أتى يدلك على ذلك قوله تعالى: ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [(٩٥) سورة مريم]. ومن قرأ: ﴿وكل آتاه﴾، حمله على لفظ (كل) دون معناها، وحمل (داخرين) على المعنى ومعناه: صاغرين، عن ابن عباسٍ وقتادة وقد مضى في النحل.
الجبال ومرورها:
стр. 554
قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ [(٨٨) سورة النمل]. قال ابن عباس: أي قائمة وهي تسير سيراً خفيفاً، قال القتبي: وذلك أن الجبال تُجمع وتُسير، فهي في رؤية العين كالقائمة وهي تسير، وكذلك كل شيء عظيم، وجمعٍ كثير يقصر عنه النظر لكثرته وبُعد ما بين أطرافه، وهو في حسبان الناظر كالواقف وهو يسير، قال النابغة في وصف جيش:
بأرعن مثل الطود تحسب أنهم ... وقوف لحاج والركاب تملج
قال القشيري: وهذا يوم القيامة.
هذا لا شك أنه يوم القيامة هو الذي تسير فيه الجبال، تسير، وأما في الدنيا فلا؛ لأنها ثابتة، وثبتت بها الأرض وأرسيت بها، وهذا أمر مشاهد محسوس، وبعضهم، بعض الناس يقول: مو في الدنيا، والجبال تدور، ويستدل بهذا على دوران الأرض، يستدلون بهذا على دوران الأرض، لكن إذا كانت الأرض تدور، هل تدور الجبال بمفردها أو تدور معها؟ إذا دارت معها هل هي ثابتة وإلا تدور، تسير بنفسها؟ عابرة على أي حال، سواء دارت الأرض أم لم تدر الجبال ثابتة وراسية ﴿وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا﴾ [(٣٢) سورة النازعات]، يقول: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ [(٨٨) سورة النمل]، نعم إذا أتيت إلى هذا الجبل في هذا اليوم ثم جئت بعد شهر لم تجده في مكانه؟ قل: نعم، تمر مر السحاب، لكن يبقى أنك تجده في مكانه من أول يوم، من خلق الله الأرض إلى يومنا هذا، منذ أن أرساها بالجبال إلى يومنا هذا وهو مكانه.
стр. 555
فليس فيه دليل البتة؛ بعني استدل بعضهم على دوران الأرض، لكن إذا دارت الأرض على فرض أنها تدور الأرض، هل نقول أن الجبال تمر مر السحاب؟ يعني هل الذي على وجه الأرض وهي تدور بهم مع غيره من المخلوقات وهذا على سبيل التنزل، يرى الجبال تمر مر السحاب؟ نعم أبداً، ليس في هذا ما يدل على ما ذهبوا إليه، أحياناً عند الجيولوجيين أشياء قد تكون بعضها مضحك، قد يقولون: أنكم لا تدركون مثل هذه الأمور، أحياناً يقول هذا جبل قديم جداً، جبل قديم، فيه جبال جديدة؟ قد يكون من الحجارة ما يتحجر، يطرأ عليه تحجر، أما جبل قديم أرسيت به الأرض يكون قديم أو حديث؟ فعلى كل حال يأتون بأحجار ويحددون أعمارها، هذا له خمسة ملايين سنة، والثاني مئة مليون سنة، وهذا له عشرة ملايين سنة، وإذا نظرت ما تجد الأعمار من ضمنها هذه الأحجار التي توجد في الأرض، والتحديد بهذه المدد المتطاولة لا شك أنه ... ، هم يستدلون عندهم مقدمات يقولون عليها نتائج قد لا نعرفها، لكن يبقى أن هذه الأمور لو كانت مما تنفع المسلم ويستفيد منها في دينه ودنياه لبينها الله -جل وعلا-.
طالب:. . . . . . . . .
الجبال أرساها، الأرض راسية، والشمس تجري، الأرض راسية راسية والشمس تجري، هذا ما عندنا مما في النصوص، وما عدا ذلك لا نتكلف به.
قال القشيري: وهذا يوم القيامة، أي هي لكثرتها كأنها جامدة، أي واقفة في مرأى العين، وإن كانت في أنفسها تسير سير السحاب، والسحاب المتراكم يُظن أنها واقفة وهي تسير، أي تمر مر السحاب حتى لا يبقى منها شيء، فقال الله تعالى: ﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا﴾ [(٢٠) سورة النبأ]، ويقال: إن الله تعالى وصف الجبال بصفاتٍ مختلفة ترجع كلها إلى تفريغ الأرض منها، وإبراز ما كانت تواريه، فأول الصفات.
يعني امتضت الحكمة من وجودها، إذا امتضت الحكمة من وجودها وإرساء الأرض وتثبيتها مرت بهذه المراحل.
стр. 556
فأول الصفات الاندكاك، وذلك قبل الزلزلة، ثم تصير كالعهن المنفوش، وذلك إذا صارت السماء كالمهل، وقد جمع الله بينهما فقال: يوم تكون السماء كالمهل، وتكون الجبال كالعهن، والحالة الثالثة أن تصير كالهباء، وذلك أن تتقطع بعد أن كانت كالعهن، والحالة الرابعة أن تنسف لأنها مع الأحوال المتقدمة قارة في مواضعها، والأرض تحتها غير بارزة فتنسف عنها لتبرز، فإذا نسفت ففي إرسال الرياح عليها، والحالة الخامسة ...
يعني إذا كانت كالصوف المندوف المنفوش وجاءتها الرياح أزالتها عن أماكنها.
والحالة الخامسة: أن الرياح ترفعها على وجه الأرض فتظهرها شعاعاً في الهواء كأنها غبار، فمن نظر إليها من بعد حسبها لتكاثفها أجساداً جامدة، وهي في الحقيقة مارة إلا أن مرورها من وراء الرياح كأنها مندكَّة متفتتة.
والحالة السادسة: أن تكون سراباً فمن نظر إلى مواضعها لم يجد فيها شيئاً منها كالسراب، قال مقاتل: تقع على الأرض فتسوى بها، ثم قيل: هذا مَثَل، قال الماوردي: وفيما ضرب له ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه مثل ضربه الله تعالى.
نحن .... قولهم أنه مثل أنه لا حقيقة له، أن هذه الأمور لن تكون، إنما هي أمثال ضربت للناس، والأصل حمل كلام الله -جل وعلا- على حقيقته، وأن القدرة الإلهية صالحة لمثل هذا فالذي أوجدها قادر على أن يجعلها كالصوف، والذي ثبتها وأرسى بها الأرض قادر على تسييرها، كل هذه حقائق وليست أمثال.
أحدها: أنه مثل ضربه الله تعالى للدنيا، يظن الناظر إليها أنها واقفة كالجبال، وهي آخذة بحظها من الزوال كالسحاب، قاله سهل بن عبد الله.
الثاني: أنه مثل ضربه الله لإيمان، تحسبه ثابتاً في القلب وعمله صاعد إلى السماء.
الثالث: أنه مثل ضربه الله للنفس عند خروج الروح، والروح تسير إلى العرش.
стр. 557
﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [(٨٨) سورة النمل]: أي هذا من فعل الله، وما هو فعل منه فهو متقن، وترى: من رؤية العين، ولو كانت من رؤية القلب لتعدت إلى مفعولين، والأصل ترأى فألغيت حركة الهمزة على الراء فتحركت الراء وحذفت الهمزة، وهذا سبيل تخفيف الهمزة إذا كانت قبلها ساكن، إلا إن التخفيف لازم لترى، وأهل الكوفة يقرؤون تحسبها بفتح السين وهو القياس؛ لأنه من حسِب يحسَب، إلا أنه قد روي عن النبي ﷺ خلافها أنه قرأ بالكسر في المستقبل.
يعني في المضارع: يحسِب. نعم.
فتكون على فعِل يفعِل مثل: نعِم ينعِم، وبئِس يبئِس، وحُكي: يئس ييئس من السالم، لا يعرف في كلام العرب غير هذه الأحرف ﴿وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ [(٨٨) سورة النمل]، تقديره: مراً مثل مر السحاب، فأقيمت الصفة مقام الموصوف، والمضاف مقام المضاف إليه، فالجبال تزال من أماكنها من على وجه الأرض، وتجمع وتسير كما تسير السحاب، ثم تُكسر فتعود إلى الأرض كما قال: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا﴾ [(٥) سورة الواقعة]، صنع الله: عند الخليل وسيبويه منصوب على أنه مصدر؛ لأنه لم قال : ﴿وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ دل على أنه قد صنع ذلك صنعاً، ويجوز النصب على الإغراء: أي انظروا صنع الله فيوقف على هذا على السحاب، ولا يوقف عليه على التقدير الأول، ويجوز رفعه على تقدير: ذلك صنعُ الله الذي أتقن كل شيء أي أحكمة، ومنه قول النبي ﷺ : ((رحم الله من عمل عملاً فأتقنه)). وقال قتادة: معناه: أحسن كل شيء.
مخرج الحديث.
مخرج؟!
طالب: أخرجه .... والطبراني من حديث. . . . . . . . . ورواه ابن حبان. . . . . . . . . أخرجه الطبراني من حديث. . . . . . . . . ضعيف. . . . . . . . . ضعيف جداً، والحديث حسن. . . . . . . . .
يعني بطرقه، يعني بطرقه، حسن لغيره.
والإتقان: الإحكام، يقال: رجل تقٍ أي حاذق بالأشياء، وقال الزهري: أصله من ابن تقن، وهو رجل من عاد لم يكن يسقط له سهم فضرب به المثل يقال له: أرمى من ابن تقن، ثم يقال لكل حاذقٍ بالأشياء تقن.
﴿إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾ [(٨٨) سورة النمل].
стр. 558
والباقون: تفعلون بالتاء على الخطاب قراءة الجمهور، وقرأ ابن كثيرٍ وأبو عمرو وهشام بالياء.
الزيادة. . . . . . . . . نسخة ويستقيم الكلام بدونها، والباقون تفعلون -ما لها داعي- بالتاء على استطاب قراءة الجمهور، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وهشام بالياء. انتهى، لا داعي لما زاده من النسخة.
طالب:. . . . . . . . .
على قراءة النصب، إما أن يكون مصدر.
طالب:. . . . . . . . . صنع الله ...
إيه، يعني هل هذا خبر أو تسلية أو وصف؟ فيوصف بأنه صانع، أو أن هذا خبر، إنما ذكر في هذا: (صنع الله الذي أتقن كل شيء) فدائرة الإخبار أوسع، يعني لا يوصف ولا يسمى إذا كان مجرد خبر، وإذا قلنا: إنه وصف قلنا: إن الله يوصف بأنه يصنع صانع وإذا قيل: إن صنع الله من أسمائه، على كل حال: إذا ثبت وصف لله -جل وعلا- أنه يصنع فلا يشتق منه اسم؛ لأن الأسماء دائرتها أضيق من الأوصاف والأخبار، وقل مثل هذا إذا قلنا أنه على سبيل الإخبار لا يوصف به، وعلى كل حال أقرب ما يكون الوصف.
طالب:. . . . . . . . .
لأن المقرر عند أهل العلم ليس هو الأصل، الاسم هو الأصل فلا يؤخذ منه فرع، والعكس صحيح.
طالب: ... صنع الله.
هو يخبر عن هذا الشخص بأنه صنع الله، ما فيه إشكال.
طالب:. . . . . . . . .
ما فيه إشكال؛ لأنه ما هو يسمي الله -جل وعلا- بهذا الاسم، إنما يسمي هذا الشخص بما ثبت عن الله -جل وعلا- ما فيه إشكال.
طالب:. . . . . . . . .
لا ما يصح هذا، لا ..
قوله تعالى: ﴿مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا﴾ [(٨٩) سورة النمل]، قال ابن مسعود وابن عباس ﵄: الحسنة: لا إله إلا الله، وقال أبو معشر: كان إبراهيم يحلف بالله الذي لا إله إلا هو ولا يستثنى، أن الحسنة لا إله إلا الله محمد رسول الله.
الطبري معروف من أهل القراءات، وله عناية بالقرآن أبو معشر الطبري.
وقال علي بن الحسين بن علي ﵃: غزا رجل فكان إذا خلا بمكانٍ قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، فبينما هو في أرض الروم في أرضٍ جلفاء وبردى.
стр. 559
-في أرض الشام- رفع صوته فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، فخرج عليه رجل على فرسٍ عليه ثيابٍ بيض، فقال: والذي نفسي بيده إنها الكلمة التي قال الله تعالى: ﴿مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا﴾ وروى أبو ذرٍ قال: قلت يا رسول الله أوصني؟ قال: ((اتق الله، وإذا عملت سيئةً فأتبعها حسنةً تمحها)) قال: قلت: يا رسول الله أمن الحسنات لا إله إلا الله؟ قال: ((من أفضل الحسنات)) وفي رواية قال: نعم هي أحسن الحسنات. ذكره البيهقي.
وقال قتادة: من جاء بالحسنة، بالإخلاص والتوحيد، وقيل: أداء الفرائض كلها.
حديث أبي ذر من خرجه؟!
طالب:. . . . . . . . .
ما يلزم أن يكون معنى الآية، لكن ذكر الآية مع بيان كون لا إله إلا الله، هو من أحسن من الحسنات مناسب جداً، من جاء بالحسنة من أعظمها: لا إله إلا الله، تصلح أن تكون فرداً من أفراد الحسنات.
قلتُ: إذا أتى بلا إله إلا الله على حقيقتها، وما يجب لها على ما تقدم بيانه في سورة إبراهيم، فقد أتى بالتوحيد والإخلاص والفرائض فله خير منها، قال ابن عباس: أي وصل إليه الخير منها وقال:
ليس معناه له أفضل منها، إذ لا أفضل منها، لكن معناه أنه وصل إليه الخير بسببها، منها، من هذا الصفة.
وقاله مجاهد، وقيل: فله جزاء الجميل وهو الجنة، وليس خير للتفضيل، قال عكرمة وابن جريج: أما أن يكون له خير منها يعني: من الإيمان فلا، فإنه ليس شيء خيراً ممن قال: لا إله إلا الله، ولكن لو منها خير وقيل: فله خير منها، للتفضيل، أي ثواب الله خير من عمل العبد وقوله وذكره، وكذلك رضوان الله خير للعبد من فعل العبد، قاله ابن عباس.
وقيل: يرجع هذا إلى الإضعاف، فإن الله تعالى يعطيه بالواحدة عشراً، وبالإيمان في مدةٍ يسيرة الثواب الأبدي، قاله محمد بن كعب، وعبد الرحمن بن زيد.
﴿وَهُم مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ [(٨٩) سورة النمل]، قرأ عاصم وحمزة والكسائي: ﴿فزعٍ يومِئذ﴾ بالإضافة، قال أبو عبيد: وهذا أعجب إليّ؛ لأنه أعم التأويلين أن يكون الأمن من جميع فزع ذلك اليوم، وإذا قال: ﴿من فزعٍ يومئذٍ﴾ فارق أنه فزع دون فزع ..
стр. 560
إذا قال فزعِ يومِئذ: يعني من جميعه، من جميع أنواع الفزع، وإذا قال من فزعٍ يومئذ، صار من فزعٍ واحد دون ما سواه.
قال القشيري: وقرئ: ﴿من فزعٍ﴾ بالتنوين، ثم قيل: يعني به فزعاً واحدا، كما قال: ﴿لا يحزنهم الفزع الأكبر﴾، وقيل عن الكثرة؛ لأنه مصدر والمصدر صالح للكثرة، قلتُ: فعلى هذا تكون القراءتان بمعنى.
قال المهدوي: ومن قرأ ﴿من فزعٍ يومَئذ﴾، بالتنوين انتصب يومئذٍ بالمصدر الذي هو فَزع، ويجوز أن يكون صفةً لفزَع ويكون متعلقاً بمحذوف؛ لأن المصادر يخبر عنها بأسماء الزمان وتوصف بها ويجوز أن يتعلق.
ولا يخبر بأسماء الزمان عن الأسماء، أسماء الأعلام، لا يخبر بأسماء الزمان على الأعلام، أبداً، ولا يكون اسم الزمان خبراً.
طالب:. . . . . . . . .
جواب، عن جثةٍ، يقول ابن مالك: وإن يفد فأخبر، لكن الأصل أنه لا يكون.
ويجوز أن يتعلق باسم الفاعل الذي هو آمنون، والإضافة على الاتساع في الظروف، ومن حذف التنوين وفتح الميم بناه؛ لأنه ظرف زمان، وليس الإعراب في ظرف الزمان متمكنا، فلما أضيفت إلى غير متمكنٍ ولا معربٍ بُني، وأنشد سيبويه:
المتمكن، ينقسم إلى قسمين: إلى متمكّن أمكن، ومتمكن غير أمكن، المتمكن الأمكن: هذا المعرب المصروف، والمتمكن غير الأمكن: المعرب غير المصروف، والغير متمكن هو المبني.
وأنشد سيبويه:
على حين أنهى الناس جل أمورهم ... فندلا زريق المال ندل الثعالب
قوله تعالى: ﴿وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ﴾ [(٩٠) سورة النمل]. أي بالشرك، قال ابن عباس والنخعي وأبو هريرة ومجاهد، وقيس بن سعدٍ والحسن وهو إجماع من أهل التأويل في أن الحسنة: لا إله إلا الله، وأن السيئة الشرك في هذه الآية، ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾ [(٩٠) سورة النمل]، قال ابن عباس: ألقيت، وقال الضحاك: طرحت، يقال: كببت الإناء أي قلبته على وجهه، واللازم من منه، وقلما يأتي هذا في كلام العرب.
كلام العرب العكس، كلام العرب العكس، اللازم الثلاثي يعدى بالهمزة، وهنا لزم بالهمزة.
هل تجزون: أي يقال لهم هل تجزون، ثم يجوز أن يكون من قول الله: ويجوز أن يكون من قول الملائكة، ﴿إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [(٩٠) سورة النمل]: إلا جزاء أعمالكم.
стр. 561
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا﴾ [(٩١) سورة النمل]، يعني: مكة التي عظم الله حرمتها، أي جعلها حرماً آمنا، لا يسفك فيها دم، ولا يظلم فيها أحد، ولا يصاد فيها صيد، ولا يعضد فيها شجر، على ما تقدم بيانه في غير موضع، وقرأ ابن عباس: ﴿التي حرمها﴾ نعتاً للبلدة، وقراءة الجماعة: الذي، وهي في موضعٍ نصبٍ نعت لـ (رب) ولو كان بالألف واللام لقلت: المحرمها. يعني بدل الذي (أل) و (أل) تأتي موصولة، فإذا جَعلت مكان (الذي) (أل) قلت: المحرمات، إذا كانت نعت، وإذا كانت للبلدة قلت: المحرمها هو.
فإن كانت نعتاً للبلدة قلت: المحرمها هو، لا بد من إظهار المضمر مع الألف واللام؛ لأن الفعل جرى على غير من هو له، فإن قلت: الذي حرمها لم تحتج أن تقول: هو وله.
ولا يكون حينئذ نعت سببي، حيئنذٍ يكون نعت سببي.
стр. 562
﴿وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾ خلقاً وملكاً، ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [(٩١) سورة النمل]: أي من المنقادين لأمره الموحدين له، ﴿وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ﴾ [(٩٢) سورة النمل] أي وأمرت أن أتلو القرآن أي أقرؤه، فمن اهتدى فله ثواب هدايته، ومن ضل فليس عليّ إلا البلاغ، نسختها آية القتال، قال النحاس: وأن أتلوا نصب بـ (أن) قال الفراء: وفي إحدى القراءتين: ﴿وأن اتلوا﴾، وزعم أنه في موضع جزمٍ بالأمر، فلذلك حذف منه الواو، قال النحاس: ولا نعرف أحداً قرأه هذه القراءة وهي مخالفة لجميع المصاحف، قوله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [(٩٣) سورة النمل]، أي على نعمه وعلى ما هدانا ﴿سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾ [(٩٣) سورة النمل]، أي: في أنفسكم وفي غيركم، كما قال: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ﴾ [(٥٣) سورة فصلت]، ﴿فَتَعْرِفُونَهَا﴾ أي: دلائل قدرته ووحدانيته، في أنفسكم وفي السماوات وفي الأرض، نظيره قوله تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ * وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [(٢٠ - ٢١) سورة الذاريات]، ﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ وروى أهل المدينة وأهل الشام، وحفص عن عاصم: بالتاء على الخطاب، لقوله: ﴿سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا﴾ [(٩٣) سورة النمل].
السياق سياق خطاب، الكاف هذه سيريكم خطاب، فتعرفونها: خطاب.
لقوله: ﴿سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا﴾ فيكون الكلام على نسقٍ واحد، والباقون بالياء على أن يرد إلى ما قبله، فمن اهتدى فأخبر عن تلك الآية، كملت السورة والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.
اللهم صلي وسلم وبارك على سيدنا محمد.
стр. 563
التعليق على تفسير القرطبي
سورة القصص
قصة خروج موسى من مدين حتى تكليفه بدعوة فرعون
الشيخ/ عبد الكريم الخضير
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه، قال الإمام القرطبي -رحمه الله تعالى-: "قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِن جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ [(٢٩) سورة القصص]، فيه ثلاث مسائل:
الأولى: قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ﴾ قال سعيد بن جبير: سألني رجل من النصارى، أي الأجلين قضى موسى، فقلت: لا أدري حتى أقدم على حبر العرب فأسأله يعني ابن عباس، فقدمت عليه فسألته فقال: قضى أكملهما وأوفاهما، فأعلنت النصرانية، فقال: صدق والله هذا العالم، وروي عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ سأل في ذلك جبريل، فأخبره أنه قضى عشر سنين، وحكى الطبري عن مجاهد ...
. . . . . . . . . الموقوف معروف.
طالب:. . . . . . . . .
على كل حال الموقوف صحيح ما فيه إشكال والمرفوع اللي فيه الكلام ...
وحكى الطبري عن مجاهد، أنه قضى عشراً وعشراً بعدها، رواه الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس، قال ابن عطية: وهذا ضعيف.
الثانية: قوله تعالى: ﴿وَسَارَ بِأَهْلِهِ﴾ قيل: فيه دليل على أن الرجل يذهب بأهله حيث شاء مما له عليها من فضل القوامية وزيادة الدرجة إلا أن يلتزم لها أمراً، فالمؤمنون عند شروطهم ...
يعني إذا اشترطت عليه ألا يسافر بها ليس له أن يسافر وفاءً بهذا الشرط، وكذلك إذا أرادها أن تسافر معه إلى سفر محرم، فهو مستثنى شرعاً.
وأحق الشروط أن يوفَّى به، ما استحللتم به الفروج.
стр. 564
وهذه المسألة مسألة السفر بالمرأة مسألة مشكلة يعني يعاني منها العالم الإسلامي حيث يذهب كثير من المنتسبين للإسلام لا سيما من الشباب إلى ما يسمى بالدراسة في بلاد الكفر، ويلزم زوجته على أن تسافر معه، على أن هذا السفر مستثنى شرعاً، لا يجوز له أن يسافر هو، فضلاً على أن يسافر بأهله، وعلى كل حال إذا اشترطت عليه ألا يسافر بها، فليس له أن يسافر بها، ولو إلى بلاد الإسلام، ولو إلى ما هو أفضل من بلدها، لا يجوز له إلزامها، لكن إذا لم تشترط فله أن يسافر بها، والآية ﴿وَسَارَ بِأَهْلِهِ﴾ يعني سافر بهم، له أن يسافر بها ما لا تشترط إلا سفراً مستثنى شرعاً.
الثالثة: قوله تعالى: ﴿آنَسَ مِن جَانِبِ الطُّورِ نَارًا﴾ الآية .. فقدم القول في ذلك في طه، والجذوة: بكسر الجيم قراءة العامة، وضمها حمزة ويحيى، وفتحها عاصم والسلمي.
لكن لو افترض أن شخصاً أراد أن يسافر إلى بلد لا يجوز السفر إليه، ولا يجوز البقاء فيه وألزم زوجته على السفر ورفضت، ففي هذه الحالة ليست بناشز، ولو حصل الفراق بينهما، فإنه لا يستحق من مهره شيئاً. لا يستحق؛ لأن الفراق ليس بسببها إنما بسببه هو، فإذا لم تكن الفرقة بسببها فإنه لا يستحق من مهرها شيئاً، لكن لو أرادها على سفر مباح، ولم تشترط عليه، ثم رفضت له أن يسافر بها ويرغمها على ذلك؛ لأن له القوامة، فإذا رفضت عليها أن تخالع.
والجذوة: بكسر الجيم قراءة العامة، وضمها حمزة ويحيى، وفتحها عاصم والسلمي وزر بن حبيش.
والفتح هو قراءة الأكثر، الجذوة، هو نسب الجذوة بكسر الجيم إلى قراءة العامة، مع أن الموجود في كثير من كتب القراءات أن الجذوة هي قراؤتنا، فيه تعليق عندكم؟ تعليق عندكم على القراءة؟
طالب:. . . . . . . . .
هي كلها متواترة لكن الكلام على قراءة الأكثر، هو نسب الكسر إلى العوام، يعني الأكثر، ما فيه غير هذا.
طالب:. . . . . . . . .
نعم، قراءة العامة الفتح ..
стр. 565
قال الجوهري: الجِذوة والجُذوة والجَذوة: الجمرة الملتهبة والجمع جِذاً وجُذاً وجَذاً، قال مجاهد في قوله تعالى: ﴿أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ﴾: أي قطعة من الجمر، وهي بلغة جميع العرب، وقال أبو عبيدة: والجذوة مثل الجذمة وهي القطعة الغليظة من الخشب كان في طرفها نار أو لم يكن، قال ابن مقبل:
باتت حواطب ليلى يلتمس لها ... جذل الجذا غير خوار ولا دعر
كون الخشبة تسمى جذوة وليس فيها نار هذا بعيد، ودلالة البيت على ما أراد أنه باعتبار ما سيكون؛ لأنه إنما يجمع الحطب ليوقد به، فيكون جذوة.
وقال:
وألقى على قيس من النار جِذوة ... شديداً عليها حميها ولهيبها
شروط عقد النكاح:
طالب:. . . . . . . . . إذا اشترط. . . . . . . . . ثم. . . . . . . . .
وأسقطه بنفسه
طالب:. . . . . . . . .
طيب
طالب:. . . . . . . . .
المسلمون على شروطهم؛ لأنها وإن كان القسم لها من مصلحتها كما هو الأصل إلا أنه قد يكون من مصلحتها عدم القسم، وفي وقت يكون القسم لها من مصلحة الزوج، وقد يكون من غير مصلحته، إذا كانت الضرة الثانية دونها في المستوى والرغبة، ثم أراد أن يقسم لها فراراً من الأولى أو التي كانت عنده في الأصل ثم رفضت واتفقوا على ذلك من قبل واشترطوه في العقد فلا بد من الوفاء بالعقود، لكن الإشكال في الشروط في النكاح، نعم، قد يتفقون على شيء أو على عدد من الشروط في العقد، ثم بعد ذلك يقدم الزوج عند العقد على هذه الشروط، فإذا دخل بها وجدها أقل من المستوى الذي يطلبه، نعم، وقد دخل بها وبنى بها، ثم سقطت بعد ذلك أسهمها على ما يقولون، ثم أراد أن يتنصل عن هذه الشروط، لا بد أن تقبل وهي مكرهة غير مختارة، فهل يجوز له مثل ذلك؟ إذا اشترطت عليه أن تكمل الدراسة مثلاً، أو تعمل بعد تخرجها، ثم بعد ذلك رأى أنه ما يقدر يوفي لها بهذا الشرط، قال أنا أريدك أن تتنازلي عن هذا الشرط ولا ما صار شيء، أكرهها على التنازل، فتنازلت، هل نقول إنه ما دام يملك المخير الثاني أو الخيار الثاني يملك الخيار الأول أو، لا؟
следующие страницы →