← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 26094

الهداية على مذهب الإمام أحمد

أبو الخطاب الكلوذاني

Полный текст (636 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

الخِيَار، واخْتَلَفَا في صِفَتِهِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: هُوَ نَتَنٌ في الفَمِ (١)، وَقَالَ ابنُ حَامِدٍ: هُوَ نَتَنٌ في الفَرْجِ يَثُورُ عِنْدَ الوَطْءِ (٢)، وظَاهِرُ كَلَامِ الخِرَقِيِّ وأَبِي حَفْصٍ العُكْبُرِيِّ: أنَّهُ عَيْبٌ لَا يَثْبُتُ الخِيَارُ بِهِ (٣). والخَامِسُ: اسْتطَلَاقُ البَوْلِ والنَّجْوِ (٤)، قَالَ أَبو بَكْرٍ (٥): هُوَ مُثْبِتٌ للخِيَارِ. ويُتَخَرَّجُ عَلَيْهِ النَّاصُورُ (٦) والبَاسُورُ (٧) والقَرْحُ السَّيَّالَةُ في الفَرْجِ، وتُسَمَّى مَنْ لَا يَنْحَبِسُ بَوْلُهَا المَاشُوكَةُ، ومَنْ لا يَنْحَبِسُ نَجْوُهَا (٨) الشَّرِيْمُ، ومَنِ انْخَرَقَ مَسْلَكَاهَا المُفْضَاةُ، ويُحْتَمَلُ (٩) أَنْ يَثْبُتَ الفَسْخُ في جَمِيْعِ ذَلِكَ؛ لأنَّهُ لَا يَمْنَعُ الاسْتِمْتَاعَ ولَا يَخْشَى مِنْ تَعَدِّيْهِ. والسَّادِسُ: أَنْ يَجِدَ أَحَدُهُمَا الآخَرَ خُنْثَى مُشْكلاً، فَذَكَرَ أَبو بَكْرٍ (١٠) عَنْ أَحْمَدَ ﵀ أنَّهُ لَا يَصِحُّ نِكَاحُهُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ أَمْرُهُ. وذَكَرَ الخِرَقِيُّ (١١): أنَّهُ إِذَا قَالَ: أنا رَجُلٌ لَمْ يُمْنَعْ مِنْ نِكَاحِ النِّسَاءِ، وإِذَا قَالَ: أنَا امْرَأَةٌ لَمْ تُمْنَعْ مِنْ نِكَاحِ الرِّجَالِ. فَعَلَى هَذَا إنْ عَادَ بَعْدَ أَنْ زُوِّجَ وادَّعَى أنَّهُ بِضِدِّ مَا أَخْبَرَنَا في الأَوَّلِ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ، وإِذَا وَجَدَهُ الآخَرُ خُنْثَى وَلَمْ يَكُنْ عَلِمَ بِهِ فَلَهُ خِيَارُ الفَسْخِ في أَظْهَرِ الوَجْهَيْنِ (١٢)، وعَلَى الوَجْهِ الآخَرِ: لَا يَمْلِكُ الفَسْخ، فَإِنْ وَجَدَ أَحَدُهُمَا بالآخَرِ عَيْباً بِهِ مِثلهُ أو حَدَثَ العَيْبُ بِأَحَدِهِمَا بَعْدَ عَقْدِ النِّكَاحِ، فَهَلْ يَثْبُتُ خِيَارُ الفَسْخِ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ (١٣) وإنْ عَلِمَ أَحَدُهُمَا بالعَيْبِ بَعْدَ العَقْدِ فَسَكَتْ لَمْ يَبْطُلْ خِيَارُهُ حَتَّى يُؤْخَذَ مِنْهُ الرِّضَا، أو مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ

стр. 387

مِنَ التَّمَكُّنِ مِنَ الوَطْءِ ونَحْوِهِ، ولَا يَجُوزُ الفَسْخُ إِلاَّ بِحُكْمِ الحَاكِمِ، فَإِذَا وَقَعَ الفَسْخُ فَإِنْ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ والخَلْوَةِ يَسْقُطُ المَهْرُ، وإِنْ كَانَ بَعْدَ الدُّخُولِ والخَلْوَةِ وَجَبَ المَهْرُ، وهَلْ يَجِبُ المُسَمَّى أو يَسْقُطُ ويَجِبُ مَهْرُ المِثْلِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ (١). وهَلْ يَجِبُ أَنْ تَرْجِعَ بِهِ عَلَى مَنْ غَرَّهُ مِنَ الوَلِيِّ أو المرأَةِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ (٢). وَلَيْسَ لِوَلِيِّ الحُرَّةِ والصَّغِيْرَةِ ولَا لسَّيِّدِ الأَمَةِ تَزْوِيْجُهُنَّ مِمَّنْ بِهِ شَيءٌ مِنَ العُيُوبِ، فَإِنْ أَرَادَتِ المَرْأَةُ أَنْ تَتَزَوَّجَ بِمَجْنُونٍ أو مَجْذُومٍ، فَهَلْ للوَلِيِّ مَنْعُهَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ (٣)، أَصَحُّهَا أَنْ لَهُ مَنْعَهَا، وإِنْ أَرَادَتْ أَنْ تَتَزَوَّجَ بِعِنِّيْنٍ أَو مَجْبُوبٍ لَمْ يَكُنْ له مَنْعُهَا، وإِنْ حَدَثَ العَيْبُ بالزَّوْجِ فَرَضِيَتْ بِهِ الزَّوْجَةُ لَمْ يَكُنْ لِوَلِيِّهَا إِجْبَارُهَا عَلَى الفَسْخِ، فَإِنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً عَلَى أَنَّهَا مُسْلِمَةٌ فَخَرَجَتْ كِتَابِيَّةً فَلَهُ الخِيَارُ، فَإِنْ تَزَوَّجَهَا عَلَى أَنَّهَا كِتَابِيَّةٌ فَخَرَجَتْ مُسْلِمَةً فَلَا خِيَارَ، وَقَالَ أبو بَكْرٍ (٤): لَهُ الخِيَارُ، فإِنْ تَزَوَّجَهَا عَلَى أَنَّهَا حُرَّةٌ فَخَرَجَتْ أَمَةً وَهُوَ مِمَّنْ يُبَاحُ لَهُ نِكَاحُ الإِمَاءِ فَهُوَ بالخِيَارِ، وإِنْ تَزَوَّجَهَا عَلَى أَنَّهَا أَمَةٌ فَخَرَجَتْ حُرَّةً فلَا خِيَارَ. فَإِنْ تَزَوَّجَتْهُ عَلَى أنَّهُ حُرٌّ فَخَرَجَ عَبْداً، فَالنِّكَاحُ بَاطِلٌ في إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ (٥)، وفي الأُخْرَى: تَصِحُّ ولَهَا الخِيَارُ، فَإِنْ فُسِخَتْ قَبْلَ الدُّخُولِ أو الخَلْوَةِ فَلَا مَهْرَ لَهَا، وإنْ كَانَ بَعْدَ الدُّخُولِ أو الخَلْوَةِ فَلَهَا المَهْرُ عَلَى كِلْتا الرِّوَايَتَيْنِ (٦). وإِذَا أُعْتِقَتِ الأَمَةُ وزَوْجهَا حُرٌّ فَلَا خِيَارَ لَهَا في الفَسْخِ، ونَقَلَ الكَوْسَجُ إِذَا زَوَّجَ أُمَّ وَلَدِهِ ثُمَّ مَاتَ السَّيِّدُ فَقَدْ عُتِقَتْ وتُخيَّرُ وَلَمْ يُفَرّقْ بَيْنَ أَنْ يَكُوْنَ الزَّوْجُ حُرّاً أو عَبْداً، وإِنْ عُتِقَتْ وزَوْجُهَا عَبْدٌ فَلَهَا الخِيَارُ الفَسْخ، روايَةٌ وَاحِدَةٌ (٧)، وتَكُونُ عَلَى التَّرَاخِي إِلاَّ أَنْ

стр. 388

يَكُوْنَ قَدْ وَجَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا بالمَقَامِ مَعَهُ، فَإِنْ لَمْ يَفْسَخْ حَتَّى عَتَقَ الزَّوْجُ أَو مَكَّنَتْهُ مِنْ وَطْئِهَا بَطَلَ خِيَارُهَا. فإِنِ ادَّعَتِ الجَهْلَ بالعِتْقِ وَهُوَ مِمَّا يَجُوزُ أَنْ يَحِقَّا عَلَيْهَا فالخِيَارُ بِحالِه، وَكَذَلِكَ إنْ قَالَتْ: لَمْ أَعْلَمْ أنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ لي الخِيَار بالعِتْقِ، وَقَالَ الخِرَقِيُّ (١): إِذَا مَكَّنَتْهُ مِنْ وَطْئِهَا بَطَلَ خِيَارُهَا سَوَاءٌ عَلِمْتَ أَنَّ الخِيَارَ لَهَا أو لَمْ تَعْلَمْ، وَيَجُوزُ أَنْ تفسَخ بالعِتْقِ مِنْ غَيْرِ حُكْمِ حَاكِمٍ، فَإِنْ فُسِخَتْ بَعْدَ الدُّخُولِ أو الخَلْوَةِ فَلَهَا المهر، وإِنْ فُسِخَتْ قَبْلَهَا فَلَا مَهْرَ لَهَا عَلَى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ (٢)، وَهِيَ اخْتِيَارُ أبي بَكْرٍ، فَإِنْ عُتِقَتْ وَهِيَ في عِدَّةٍ مِنْ طَلَاقٍ رَجْعِيٍّ فَلَهَا الفَسْخُ، فَإِنْ لَمْ تَفْسَخْ واخْتَارَتِ المقَامَ فَهَلْ يَسْقُطُ خِيَارُهَا أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ (٣). فَإِنْ أُعْتِقَتْ وَهِيَ صَغِيْرَةٌ أو مَجْنُونَةٌ ثَبَتَ لَهَا الخِيَارُ إِذَا بَلَغَتْ وعَقِلَتْ ولَا يَخْتَارُ وَلِيُّهَا عَنْهَا، فإنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ أنْ تَخْتَارَ الفَسْخَ وَقَعَ الطَّلَاقُ، وَقِيْلَ: يَقِفُ الحُكْمُ، فإِنْ فسختْ تَبَيَّنَّا أنَّهُ لَمْ يَقَعْ، وإنْ [لَمْ تَفْسَخْ] (٤) تَبَيَّنَّا أنَّهُ وَقَعَ. وإِذَا كَانَتِ الأَمَةُ لاثْنَيْنِ فَعَتَقَ أَحَدهُمَا وَهُوَ مُعْسِرٌ، فَقَالَ الخِرَقِيُّ (٥): لا خِيَارَ لَهَا. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ (٦): يَثْبُتُ لَهَا الخِيَارُ، وحَكَاهُ نَصّاً عَنْ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ [اللهُ] (٧) -، فَإِنْ وَجَدَ عَتَقَ العَبْدَ والأَمَةَ في حَالَةٍ وَاحِدَةٍ لَمْ يَنْفَسِخِ النِّكَاحُ وَلَمْ يَثْبُتِ الخِيَارُ إلاَّ عَلَى رِوَايَةِ الكَوْسَجِ (٨). ونَقَلَ يَعْقُوبُ بنُ بختان أنَّهُ يَنْفَسِخُ نِكَاحُهمَا بالعِتْقِ في الحَالِ (٩).

стр. 389

بَابُ نِكَاحِ الكُفَّارِ أنْكِحَةُ الكُفَّارِ صَحِيْحَةٌ (١) تَتَعَلَّقُ بِهَا أحْكَامُ الصِّحَّةِ مِنْ وُقُوعِ الطَّلاقِ والظِّهَارِ والإيْلاءِ وَوُجُوبِ النَّفَقَةِ والمَهْرِ والقَسْمِ والإبَاحَةِ لِلزَّوْجِ الأوَّلِ والإحْصَانِ وغيرِ ذلكَ. ويُحَرَّمُ فيها ما يُحَرَّمُ في أنْكِحَةِ المُسْلِمِينَ مِنْ نِكَاحِ ذَوَاتِ المَحَارِمِ والمَجُوسِيَّاتِ [والنِّكَاح في العَدُوِّ بِلا وَلِيٍّ ولا شُهُودٍ وغيرِ ذلكَ. إلاَّ أنَّهُمْ يُقِرُّونَ على الأنْكِحَةِ المُحَرَّمَةِ] (٢) بِشَرْطَينِ، أحَدُهُمَا: أنْ يَعْتَقِدُوا إبَاحَتَهَا في شَرْعِهِمْ، والثَّانِي: أنْ لا يَرْتَفِعُوا إلَيْنَا نَصَّ عليهِ في رِوَايَةِ أبي طَالِبٍ ومُهَنَّا، ونَقَلَ مُهَنَّا في مَوْضِعٍ آخَرَ في مَجُوسِيٍّ تَزَوَّجَ كِتابِيَّةً أو اشْتَرَى نَصْرَانِيَّةً قالَ: يُحَالُ بَيْنَها وبَيْنَهُ (٣)، قيلَ مَنْ يَحُولُ؟ قالَ: الإمَامُ يَخْرُجُ عَلَى هَذا أنْ يُحَالَ بَيْنَهُ وبينَ ذَوَاتِ المَحَارِمِ وبينَ كُلِّ عَقْدٍ لَا مَسَاغَ لهُ فِي الإسْلامِ، فإنْ قُلْنَا: إنَّهُمْ يُقِرُّونَ إذا لمْ يَرْتَفِعُوا فَمَتَى ارْتَفَعُوا إلَيْنَا فَظَاهِرُ كَلامِ أحْمَدَ ﵀ (٤) أنَّ الحَاكِمَ مُخَيَّرٌ بَينَ أنْ يَحْكُمَ بَينهُمْ أوْ يترك الحكمُ وسَوَاءٌ كَانُوا أهْلَ مِلَّةٍ أو مِلَّتَينِ فإنِ اخْتَارَ الحكمُ نَظَرْنَا فإنْ تَحَاكَمُوا في ابْتِدَاءِ العَقْدِ فَلَا يَجُوزُ العَقْدِ إلاَّ على الوَجْهِ الذي يُعْقَدُ عليهِ نِكَاحُ المُسْلِمِينَ، وأنْ تَحَاكَمُوا في اسْتِدَامَةِ العَقْدِ، لم نَتَعَرَّضْ لِكَيْفِيَّةِ عَقْدِهِمْ لكنْ نَنْظُرُ في الحَالِ فإنْ كانَتْ المَرْأةُ مِمَّنْ يَجُوزُ له أنْ يَتَزَوَّجَ بِهَا ابْتِداءاً أقَرَّ على نِكَاحِهَا، وإنْ كَانتْ مِمَّنْ لا يَجُوزُ لهُ العَقْدُ عَلَيْهَا ابْتَداءاً كَذَاتِ مَحْرَمَةٍ ومَنْ هِيَ في عِدَّةٍ لم يُقِرَّهُ على نِكَاحِهَا. فأمَّا المَهْرُ فإنْ كانَ مُسَمّىً صَحِيحاً اسْتَقَرَّ، وإنْ كانَ فَاسِداً ولمْ يَقْبِضْهُ فَرَضَ لَها مَهْرَ المِثْلِ، وإنْ كَانَتْ قَدْ قَبَضَتْهُ لمْ يَوجِبْ لَها مَهْراً غَيْرَهُ، وإذا أسْلَمَتْ زَوْجَةُ الكِتَابِيِّ أو أسْلَمَ أحَدُ الزَّوْجَيْنِ الوَثَنِيَّيْنِ أو المَجُوسِيَّيْنِ، فإنْ كانَ ذلكَ [قَبْلَ] (٥) الدُّخُولُ تعجلت (٦) الفُرْقَةُ ولا مَهْرَ لَها، إنْ (٧) كَانَتْ هيَ المُسْلِمَةُ وإنْ كَانَ هو المُسْلِمُ، فَنَقَلَ

стр. 390

أحْمَدُ وحَرْبٌ: أنَّهُ لا مِهْرَ لَها (١) أيْضاً، ونَقَلَ مُهَنَّا أيضاً وابنُ مَنْصُورٍ: لَهَا نِصْفُ المَهْرِ وهِيَ اخْتِيارُ عَامَّةِ أصْحَابِنَا (٢) فَعَلَى هَذِهِ إن اخْتَلَفَا في السَّابِقِ فَقَالَ الزَّوْجُ: أسْلَمَتْ الزَّوْجَةُ فَسَقَطَ وقالتْ الزَّوْجَةُ: بلْ أسْلَمَ الزَّوْجُ أولاً فَلِي نِصْفُ المَهْرِ، فالْقَوْلُ قَولُهَا، وكذلكَ إنْ قَالا: أحَدُنَا أسْلَمَ أوّلاً ولا نَعْلَمُ عَيْنَهُ فَلَهَا نِصْفُ المَهْرِ. فإنْ قالَ الزَّوجُ: أسْلَمْنَا مَعاً فَنَحْنُ على النِّكَاحِ، وقالَتِ الزَّوْجَةُ: بلْ سَبَقَ أحَدُنَا بالإسْلَامِ فانْفَسَخَ النَّكَاحُ، قُدِّمَ قَولُ الزَّوْجَةِ لأنَّ الظَّاهِرَ مَعَها، اختَارَهُ شَيْخُنَا (٣) ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَا على النِّكَاحِ لأنَّ الأصْلَ بَقَاؤُهُ، وإنْ كانَ الإسْلامُ بِغَيْرِ الدُّخُولِ تَعَجَّلَتِ الفُرْقَةُ أيضاً في إحْدَى الرِّوَايتينِ (٤)، وفي الأخْرَى: تَقِفُ الفُرْقَةُ على انْقِضَاءِ العِدَّةِ (٥)، فإنْ أسْلَمَ الآخَرُ قَبْلَ أنْ تنْقَضِيَ العِدَّةُ فَهُمَا على نِكاحِهِما. وإن انْقَضَتْ ولَمْ تُسْلِمْ وَقَعَتْ الفُرْقَةُ مِنْ حِينِ الإسْلَامِ الأَوَّلِ، فَعَلَى هذهِ الرِّوَايَةِ إنْ كَانَتْ المَرأةُ هيَ المُسْلِمَة فَلَهَا نَفَقَةُ العِدَّةِ وإنْ كَانَ الزَّوْجُ هُوَ المُسْلِمُ سَقَطَتْ عنهُ نَفَقَةُ العِدَّةِ، فإن اخْتَلَفَا وقَدْ أسْلَمَ أحدُهُمَا بَعْدَ الآخَرِ فادَّعَى الزَّوْجُ أنَّهُ أسْلَمَ أوَّلاً، وأنَّ الزَّوْجَةَ أقَامَتْ على الشِّرْكِ فَلا نَفَقَةَ لَها فإن ادَّعَتْ الزَّوْجَةُ عَكْسَ ذلكَ كانَ القَوْلُ قَوْلَهَا مَعَ يَمِيْنِهَا في إحْدَى الوَجِهَيْنِ (٦). وفي الآخَرِ نُقَدِّمُ قَوْلَ الزَّوْجِ فإنْ وَطِئَهَا في العِدَّةِ ولمْ يُسْلِم الثَّانِي منهما فَلَهَا مَهْرُ المِثْلِ لِلْوَطءِ. وإنْ أسْلَمَ في العِدَّةِ فلا مَهْرَ لَهَا. فإنْ أسْلَمَ الزَّوْجَانِ وبينَهُمَا نِكَاحُ مُتْعَةٍ أوْ نِكَاحُ شَرْطٍ فيهِ خَيَارُ الفَسْخِ مَتَى شَاءَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنهُما، لَمْ يُقَرَّا عليهِ، وإنْ أسْلَمَا وقد تَزَوَجَهَا فَلا وَلِيّ ولا شُهُود أقُرَّا عليهِ فإنْ تَزَوَّجَهَا في عِدَّةٍ فأسْلَمَا قَبلَ انْقِضَائِهِمَا لمْ يُقَرَّا عليهِ، وكذلكَ إنْ تَزَوَّجَهَا بِشَرْطِ خَيَارِ مُدَّةٍ

стр. 391

مَعْلُومَةٍ فأسْلَمَا قبلَ انْقِضَائِهَا فأما إنْ أسْلَمَا بعدَ انْقَضَاءِ العِدَّةِ ومُدَّةِ الخَيَارِ أقُرَّا عليه. فإنْ قَهرَ حَرْبِيٌّ حَرْبِيَّةً فَوَطِئَهَا أو طَاوَعَتْهُ ثمَّ أسْلَمَا لَمْ يُقَرَّا على ذلكَ، فإن اعْتَقَدَا أنَّ ذلكَ نِكَاحٌ أُقِرَّا عليهِ، فإنْ لَمْ يَعْتِقِدَاهُ نِكَاحاً لمْ يُقَرَّا عليهِ. فإنْ طَلَّقَهَا في حَالِ الكُفْرِ ثَلاثاً ثُمَّ اسْتَدامَ نِكَاحَهَا وأسْلَمَا لمْ يُقَرَّا عليهِ، فإنِ ارْتَدَّ الزَّوْجَانِ أو أَحَدُهُمَا قَبْلَ الدُّخُولِ انْفَسَخَ نِكاحهُمَا، وعَلَيْهُ نِصْفُ المَهْرِ إنْ كَانَ هوَ المُرْتَدُّ أوَّلاً، وإنْ كَانَتْ هِيَ المُرْتَدَّةُ فَلا مَهْرَ لَها فإنْ كَانَت الرِّدَّةُ بعدَ الدُّخُولِ فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ، إحْدَاهُمَا: تَقَعُ الفُرْقَةُ في الحَالِ أيضاً والثَّانِيَةُ على انْقِضَاءِ العِدَّةِ (١). فإنْ أسْلَمَا قَبلَ انْقِضَائِهَا فَهُمَا على نِكَاحِهِمَا والمَهْرُ يَجِبُ على كِلْتَا الرِّوَايَتَينِ (٢). فإن انْتَقَلَ أحَدُهُمَا إلى دِيْنٍ لا يقر عليهِ أهْلهُ كَعِبَادَةِ الأوْثَانِ والزَّنْدَقَةِ لم يُقَرَّ عليهِ. والذي يُقْبَلُ مِنهُ على ثَلاثِ رِوَايَاتٍ إحداهَا: الإسْلامُ (٣)، والثَّانِيَةُ: الإسْلامُ أو الدِّينُ الذي كانَ عليهِ، والثَّالِثَةُ: الإسْلامُ أو الدِّينُ الذي كانَ عليهِ أو دِينٌ يقر أهله عليهِ. فإن انْتَقَلَ إلى دِينٍ يقر أهلهُ عليهِ فَعَلَى ثَلاثِ رِوَايَاتٍ، إحداهَا: يقرُّ، وهي اخْتِيارُ الخَلاّلِ (٤) فَيَكُونَا على النِّكَاحِ إلاّ أنْ يَنْتَقِلَ إلى دَيْنِ المَجُوسِيَّةِ فَيُفَرَّقُ بينَهُما. والثَّانِيَةُ (٥): لا يقر ولا يُقْبَلُ منهُ إلا الإسْلامُ فَيَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمَ المُرْتَدِّ. والثَّالِثَةُ: إنِ انْتَقَلَ إلَى دِيْنٍ أَكْمَلُ مِنْ دِينِهِ أُقِرَّ وإلاَّ فَلا يُقَرُّ عليهِ. وإذا أسْلَمَ الحُرُّ وتَحْتَهُ أكْثَرُ من أرْبَعِ نِسْوَةٍ فأسْلَمْنَ مَعَهُ أو كُنَّ كِتَابِيَّاتٍ اخْتَارَ مِنْهُنَّ أرْبَعاً، وإنْ لمْ يخْتَرْ أُجْبِرَ عليهِ وأُلْزِمَ نَفَقَتَهُنَّ إلى أنْ يَخْتَارَ، فإنْ طَلَّقَ إحْدَاهُنَّ أو وَطِئَهَا كانَ ذَلِكَ اخْتِياراً لَهَا. فإنْ طَلَّقَ الجَمِيعَ ثَلاثاً أقْرَعْنَا بينَهُنَّ فإذا وَقَعَتِ القُرْعَةُ على أرْبَعٍ مِنْهُنَّ كُنَّ المُخْتَاراتِ وكانَ لهُ أنْ يَعْقِدَ النِّكَاحَ على البَوَاقِي، وإنْ ظَاهَرَ مِنْهُنَّ أو آلَى فَهَلْ يَكُونُ اخْتِياراً؟ يَحتَمِلُ وَجْهَينِ (٦). فإنْ مَات ولم يخْتَرِ فَعَلى الجَمِيعِ عِدَّةُ الوَفاةِ اختارَهَا

стр. 392

شَيْخُنا (١). ويُحْتَمَلُ أنْ تَجِبَ عِدَّةُ الوَفاةِ في حَقِّ أرْبَعٍ مِنْهُنَّ وفي حَقِّ البَوَاقِي تِجِبُ عِدَّةُ الوَطءِ، فَيَجِبُ على جَمِيْعِهِنَّ الاعْتِدَادُ بأطْوَلِ الأمَدَيْنِ مِنْ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ وعَشْرٍ أو ثَلاثَةِ أَقْراء ليَحْصُلَ قَضَاءُ عِدَّتِهِنَّ. فأمَّا المِيْراثُ فَيسْتَحِقُّهُ أرْبَعٌ مِنْهُنَّ بالقُرْعَةِ. فإنْ أسْلَمَ وتَحْتَهُ أمٌّ وبِنْتٌ لمْ يَدْخُلْ بِهَا انْفَسَخَ نِكَاحُ الأمِّ، وإنْ كَانَ دَخَلَ بِهِمَا انْفَسَخَ نِكَاحُهُمَا، وإنْ دَخَلَ بالبِنْتِ وَحْدَها انْفَسَخَ نِكَاحُهُما وحُرِّمَتَا عَليهِ على التَّأْبِيْدِ. فإنْ أسْلَمَ وتَحْتَهُ امرَأَةٌ وأُخْتُهَا أو عَمَّتُهَا أو خَالَتُهَا، فَلهُ أنْ يَخْتَارَ أيَّهُمَا شَاءَ، ويَنْفَسِخُ نِكَاحُ الأخْرَى سَواءٌ كانَ ذلكَ قَبْلَ الدُّخُولِ بِهِما أَوْ بعده. فإنْ أسْلَمَ وتَحْتَهُ أرْبعُ إمَاءٍ فأسْلَمْنَ معهُ فإنْ كانَ في حَالِ اجْتِمَاعِهِمْ في الإسلامِ مِمَّنْ لا يَحِلُّ لهُ نِكَاحُ الإمَاءِ انْفَسَخَ نِكَاحُهُنَّ، وإنْ كانَ مِمَّنْ يَحِلُّ لهُ نِكَاحُ الإمَاءِ اخْتَارَ وَاحِدَةً مِنْهُنَّ، فإنْ لمْ تَعْفُهُ إلاَّ الأرْبَعُ والشَّرْطانِ فيهِ جَازَ لهُ إمْسَاكُهُنَّ في إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ (٢)، وفي الأُخْرَى لا يَجُوزُ لهُ أنْ يَمْسِكَ إلاَّ وَاحِدةً. فإنْ أسْلَمَ وتَحْتَهُ إمَاءٌ قَدْ دَخَلَ بِهِنَّ وهُوَ مُوسِرٌ فَلَمْ يُسْلِمْنَ حَتّى أعْسَرَ، فإنْ على الرِّوَايَةِ التِي تَقُولُ: تَقِفُ الفُرْقَةُ على انْقِضَاءِ العِدَّةِ حُكْمُهُ حُكْمُ مَنْ أسْلَمَ وهُوَ مِمَّنْ يَحِلُّ لهُ الإمَاءُ، فإنْ أسْلَمَتْ وَاحِدَةٌ مِنَ الإمَاءِ بعدَ إسْلَامِهِ ثمَّ أعْتِقَتْ ثمَّ أسْلَمَ البَوَاقِي كانَ لهُ الاخْتِيارُ مِن الكُلِّ، وبِمِثْلِهِ لَوْ أعْتِقَتْ ثمَّ أسْلَمَتْ وأسْلَمْنَ لَمْ يَكُنْ لهُ التَّخَيُّرُ في الإمَاءِ؛ لأنَّهَا في حَالَةِ الاجْتِمَاعِ مَعَهُ في الإسْلَامِ كَانَتْ حُرَّةً، وفي التي كانِتْ قَبْلَهَا كانَتْ حَالَ الاجْتِمَاعِ أمَةً، وعلى هذا إذا أسْلَمَ وتَحْتَهُ إمَاءٌ وحُرَّةٌ، فإنْ أسْلًمَتِ الحُرَّةُ مَعَهُ انْقَطَعَ نِكَاحُ الإمَاءِ، فإنْ أسْلَمن الإمَاءُ ولم تُسْلِم الحُرَّةُ فإنْ قُلْنَا: الفُرْقَةُ تَقَعُ باخْتِلافِ الدِّينِ فَقَدْ انفسخ نكاح الحرة ويَخْتارُ مِنَ الإمَاءِ، وإنْ قُلْنَا: تَقِفُ الفُرْقَةُ على انْقِضَاءِ العِدَّةِ وَقْفٌ أم لا على إسْلامِ الحُرَّةِ، فإنْ أسْلَمَتْ في العِدَّةِ لزم نكاحها وانفسخ نكاحهن وإن لَمْ يسلم حَتَّى انقضت العدة كانَ حُكْمُهُ حُكْمُ مَنْ لا حُرَّةَ تَحْتَهُ. فإنْ أسْلَمَ عَبْدٌ وتَحْتَهُ أرْبَعُ نِسْوَةٍ فأسْلَمْنَ مَعَهُ اخْتَارَ مِنْهُنَّ اثْنَتَيْنِ، فإنْ أسْلَمَ وأعْتَقَ ثمَّ أسْلَمْنَ وكُنَّ حَرَائِراً وإمَاءً فأعْتِقْنَ فَلَهُ إمْسَاكُ الجَمِيْعِ. فإنْ سُبِيَ الزَّوْجَانِ فَهُمَا على نِكَاحِهِمَا فإنْ سُبِيَ أَحَدُهُمَا، فقالَ شَيْخُنَا (٣): يَنْفَسِخُ ويُحْتَمَلُ أنْ لا يَنْفَسِخَ.

стр. 393

كِتَابُ الصَّدَاقِ الصَّدَاقُ مَشْرُوعٌ في النِّكَاحِ، ولا يُسْتَحَبُّ أنْ يُعَرَّى النِّكَاحُ عَنْ تَسْمِيَتِهِ فإنْ أخَلَّ بِتَسْمِيَتِهِ انْعَقَدَ النِّكَاحُ وَوَجَبَ مَهْرُ المِثْلِ ويُسْتَحَبُّ تَخْفِيْفُهُ ولا يُسْتَحّبُّ الزِّيَادَةُ على صَدَاقِ زَوْجَاتِ النَّبِيِّ ﷺ وبَنَاتِهِ؛ وذلكَ خَمْسُ مِئَةِ دِرْهَمٍ ولا يَتَقَدَّرُ المَهْرُ، بلْ كُلُّ ما جَازَ أنْ يَكونَ ثَمَناً جَازَ أنْ يَكُونَ صَدَاقاً، وهَلْ يَصِحُّ أن يَجْعَلَ تَعْلِيمَ القُرآنِ صَدَاقاً؟ على رِوَايَتَيْنِ، أصَحُّهُمَا: لا يَجُوزُ ويَرْجِعُ إلَى مَهْرِ المِثْلِ، والثَّانِيَةُ: يَجُوزُ (١) فَعَلَى هذا يَفْتَقِرُ إلى تَعْيينِ السُّورَةِ وتَعْلِيمِهَا وتَعَلُّمِهَا، واحْتَمَلَ أنْ لَا يَصِحَّ (٢). فَإِنْ تَعَلمتِ السُّورَةُ مِنْ غَيْرِهِ فَقَدْ تَعَذَّرَ تَسْلِيْمُ مَا عَيَّنَهُ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ أُجْرَةُ ذَلِكَ، فَإِنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ وَجَبَ عَلَيْهِ تَلْقِيْنُ نِصْفِ سُوْرَةٍ، ويُسْتَحَبُّ أَنْ يَجبَ نِصْفَ أُجْرَةِ تَعْلِيْمِ السُّوْرَةِ. فَإِنْ طَلَّقَهَا وَقَدْ لَقَّنَهَا السُّوْرَةَ رَجَعَ عَلَيْهَا بِنِصْفِ أُجْرَةِ تَعْلِيْمِهَا، فَإِنْ تَزَوَّجَهَا على تَعَلُّمِ قَصِيْدَةٍ مِنَ الشِّعْرِ المُبَاحِ صَحَّ. رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ (٣). فَإِنْ تَزَوَّجَهَا عَلَى مُسَمًّى مُحَرَّمٍ كَالخَمْرِ والخِنْزِيْرِ والمَالِ المَغْصُوبِ صَحَّ النِّكَاحُ وبَطَلَ المُسَمَّى وَوَجَبَ مَهْرُ المِثْلِ. ونَقَلَ المِرْوَذِيُّ (٤): إِذَا تَزَوَّجَ عَلَى مَالٍ بِعَيْنِهِ غَيْرِ طَيِّبٍ فَكَرِهَهُ وأَعْجَبَهُ اسْتِقْبَالُ النِّكَاحِ، وهَذَا يَدُلُّ على أَنَّ النِّكَاحَ لَمْ يَصِحَّ (٥) وهوَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ (٦). وقَالَ شَيْخُنَا: هَذَا عَلَى طَرِيْقِ الاسْتِحْبَابِ، فَإِذَا قُلْنَا بِصِحَّةِ النِّكَاحِ لَزِمَهُ مَهْرُ المِثْلِ، ويَجُوزُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا عَلَى عَيْنٍ مُشَاهدَةٍ وغَائِبَةٍ مَوْصُوفَةٍ، وعَلَى دَيْنٍ يُسَلَّمُ فِيْهِ، وعَلَى مَهْرٍ مُعَجَّلٍ ومُؤَجَّلٍ إِلَى وَقْتٍ مَعْلُومٍ، فَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ مَحَلَّ الأَجَلِ، فَعِنْدِي: أَنَّهُ لَا يَصِحُّ ويَرْجِعُ إِلَى مَهْرِ المِثْلِ. وقَالَ أَصْحَابُنَا: ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ ﵀ أَنَّهُ يَصِحُّ (٧) ويَكُونُ مَحَلُّهُ الفرْقَةَ بِطَلَاقٍ أَوْ

стр. 394

مَوْتٍ، وفِيْهِ نَظَرٌ. ويَفِيْدُ أَنَّ لَهَا مَنْعَ نَفْسِهَا في العَاجِلِ حَتَّى تَقْبِضَهُ، وعَلَيْهَا تَسْلِيْمُ نَفْسِهَا في الآجَلِ قَبْلَ مَحَلِّهِ، فَإِنْ تَزَوَّجَهَا عَلَى مَنَافِعِ مُلْكِهِ مُدَّةً مَعْلُومَةً صَحَّ، وإِنْ تَزَوَّجَهَا عَلَى مَنَافِعِهِ مُدَّةً مَعْلُومَةً، فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ (١)، إِحْدَاهُمَا: يَصِحُّ، والأُخْرَى: لَا يَصِحُّ. وقَالَ أَبُو بَكْرٍ (٢): إِنْ كَانَتْ خِدْمَةً مَعْلُومَةً كَخِيَاطِةِ ثَوْبٍ بِعَيْنِهِ أَو بِنَاءِ حَائِطٍ صَحَّ، وإِنْ كَانَتْ مَجْهُولَةً كَشَرْطِهِ أَنْ يَأْتِيَهَا بعْبدِهَا الآبِقُ أَيْنَ كَانَ، أَوْ يَخْدِمَهَا في أَيِّ شَيءٍ أَرَادَتْ سَنَةً أو سَنَتَيْنِ لَمْ تَصِحَّ ووَجَبَ مَهْرُ المِثْلِ. فَإِنْ تَزَوَّجَهَا عَلَى صِدَاق ألفٍ إِنْ كَانَ أَبُوهَا حَيّاً، وعَلَى أَلْفَيْنِ إِنْ كَانَ مَيّتاً، أو تَزَوَّجَهَا عَلَى أَلْفٍ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ زَوْجَةٌ، وعَلَى أَلْفَيْنِ إِنْ كَانَ لَهُ زَوْجَةٌ، فنَصَّ أَحْمَدُ ﵀ (٣) - في الأُوْلَة علَى أَنَّهُ يَجِبُ مَهْرُ المِثْلِ، وفي الثَّانِيَةِ عَلَى تَسْمِيَةِ الصِّحَّةِ (٤)، فَتُخَرَّجُ في المَسْأَلتين رِوَايَتَانِ (٥): إحدَاهُمَا: فَسَادُ التَّسْمِيَةِ، ووُجُوبِ مَهْرِ المِثْلِ. والثَّانِيَةُ: صِحَّةُ التَّسْمِيَةِ فِيْهِمَا، ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ (٦). فَإِنْ تَزَوَّجَهَا عَلَى أَلْفَيْنِ عَلَى أَنْ يُعْطِيَ أَبَاهَا مِنْهَا أَلِفاً أو يُزَوِّجَهَا عَلَى أَلفٍ لَهَا، وأَلفٍ لأَبِيْهَا، أو عَلَى أَنْ يُعْطِيَهَا أَلِفاً ويُعْطِيَ أَبَاهَا أَلِفاً صَحَّ النِّكَاحُ وَكَانتِ الأَلِفَانِ مَهْرَهَا حَتَّى إنَّهُ إنْ أَعْطَى ذَلِكَ وطَلَّقَ قَبْلَ الدُّخُولِ رَجَعَ عَلَيْهَا بِنِصْفِ الأَلِفَيْنِ. فَإِنْ شَرَطَ ذَلِكَ لِغَيْرِ الأَبِ مِنَ القَرَابَاتِ لَمْ يَصِحَّ الشَّرْطُ لِغَيْرِهَا وكَانَ جَمِيْعُ المُسَمَّى لَهَا. فَإِنْ تَزَوَّجَها عَلَى عَبْدٍ مِنْ عَبِيْدِهِ صَحَّ وكَانَ لَهَا أَحَدُهُمْ بالقُرْعَةِ، نَصَّ عَلَيْهِ في رِوَايَةِ مُهَنَّا (٧) واخْتَارَهَا شَيْخُنَا، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا تَصِحُّ التَّسْمِيَةُ فَرَجَعَ إِلَى مَهْرِ المِثْلِ (٨). وتَأَوَّلَ رَاوِيْهِ مُهَنَّا عَلَى أَنَّهُ عَيْنُ العَبْدِ، ثُمَّ أَشْكَلَ عَلَيْهِ، وعَلَى هَذَا يُخَرَّجُ إِذَا أَصْدَقَهَا

стр. 395

قَمِيْصاً مِنْ قُمْصَانِهِ، أو عِمَامَةً مِنْ عَمَائِمِهِ، أو دَابَّةً مِنْ دَوَابِّهِ، أو حِمَاراً مِنْ حُمُرِهِ. فَأَمَّا إِنْ تَزَوَّجَهَا عَلَى عَبْدٍ مُطْلَقٍ، فَقَالَ شَيْخُنَا: يَصِحُّ هَاهُنَا ويَكُونُ لَهَا الوَسَطُ مِنَ العَبِيْدِ (١)، وهوَ والسِّنْدِيُّ (٢) عَلَى ظَاهِرِ رِوَايَةِ مُهَنَّا. والصَّحِيْحُ هَاهُنَا أَنَّهُ لَا يَصِحُّ (٣) بِحَالٍ ويَكُونُ لَهَا مَهْرُ المِثْلِ؛ لأَنَّهُ يُبْعِدُ الوُصُولُ إِلَى الوَسَطِ كَمَا يُبْعِدُ في ثَوْبٍ وحَيَوَانٍ وشَجَرَةٍ، فَإِنْ جَاءهَا بِقِيْمَةِ العَبْدِ أو تَزَوَّجَهَا عَلَى عَبْدٍ مَوْصُوفٍ فَجَاءهَا بِقِيْمَتِهِ، فَقَالَ شَيْخُنَا: يَلْزَمُهَا قَبُولُ ذَلِكَ، وعِنْدِي: لَا يَلْزَمُهَا قَبُولُهُ (٤)، فَإِنْ تَزَوَّجَهَا عَلَى طَلَاقِ زَوْجَةٍ لَهُ لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ واسْتَحَقَّتْ مَهْرَ المِثْلِ في إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ. وفي الأُخْرَى: يَصِحُّ (٥) ذَلِكَ، فَإِنْ فَاتَ طَلَاقُهَا بِمَوْتِهَا فَقِيَاسُ المَذْهَبِ أنَّهَا تَسْتَحِقُّ مَهْرَ المُتْعَةِ. فَإِنْ تَزَوَّجَ أَرْبَعَ نِسْوَةٍ في عَقْدٍ وَاحِدٍ عَلَى أَلِفٍ صَحَّتِ التَّسْمِيَةُ وقُسِّمَتِ الأَلْفُ عَلَى قَدْرِ مُهُورِهِنَّ عَلَى قَوْلِ ابنِ حَامِدٍ وشَيْخِنَا (٦)، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ (٧): يُقْسَمُ بَيْنَهُنَّ أَرْبَاعاً، فَإِنْ تَزَوَّجَهَا عَلَى مَهْرٍ سِرّاً وعَقَدَ في العَلَانِيَّةِ بِمَهْرٍ غَيْرِهِ، فَقَالَ الخِرَقِيُّ (٨): يُؤْخَذُ بالعَلَانِيَّةِ، وإِنْ كَانَ السِّرُّ يُعْقَدُ بهِ النِّكَاحُ، وهوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ ﵀ في رِوَايَةِ الأَثْرَمِ وغَيْرِهِ. وَقَالَ شَيْخُنَا (٩): إِنْ تَصَادَقَا عَلَى نِكَاحِ السِّرِّ بِمَهْرِ السِّرِّ لَمْ يَسْتَحِقَّ غَيْرُهُ، وحُمِلَ كَلَامُ أَحْمَدَ ﵀ والخِرَقِيُّ عَلَيْهِ إذَا اخْتَلَفَا، فَإِنْ قَالَتِ المَرْأَةُ تَزَوجني بينِكَاحَيْنِ فَاسْتَحَقَّ عَلَيْهِ المَهْرَيْنِ، وَقَدْ قَامَتِ البَيِّنَةُ بالعَقْدَيْنِ، وَقَالَ الزَّوْجُ: بَلْ هوَ نِكَاحٌ وَاحِدٌ أسْرَرْتُهُ ثُمَّ أَظْهَرْتُهُ، فالقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجَةِ مَعَ يَمِيْنِهَا؛ لأَنَّ الظَّاهِرَ أنَّ العَقْدَيْنِ صَحِيْحَانِ، فَإِنْ زَوَّجَ الأَبُ ابْنَتَهُ بِدُونِ مَهْرِ مِثْلِهَا صَحَّ النِّكَاحُ وثَبَتَ المُسَمَّى، وإِنْ لَمْ تَرْضَ بِهِ. وإِنْ زَوَّجَهَا غَيْرُ الأَبِ بِذَلِكَ بِإِذْنِهَا صَحَّ ولَمْ يَكُنْ لِبَقِيَّةِ الأَوْلِيَاءِ الاعْتِرَاضُ، وإِنْ

стр. 396

زَوَّجَهَا بِغَيْرِ رِضَاهَا بهِ صَحَّ النِّكَاحُ وَوَجَبَ مَهْرُ المِثْلِ، ويَحْتَمِلُ (١) أنْ لَا يَلْزَمُ الزَّوْجَ غَيْرُ المُسَمَّى، ويَلْزَمُ الوَلِيَّ تَمَامُ مَهْرِ المِثْلِ كَمَا لوْ وَكَّلَتْهُ فِي بيع أَمَتِهَا فبَاعَهَا بِدُونِ الثَّمَنِ يَصِحُّ ويَلْزَمُ الوَكِيْلَ تَمَامُ الثَّمَنِ. فَإِنْ أَعْتَقَ أَمَتَهُ وجَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا صَحَّ العِتْقُ ويَكُونُ صَدَاقَاً ولَمْ يَجِبْ لَهَا مَهْراً غَيْرَهُ، فَإِنْ أَبَتْ أَنْ تُزَوِّجَهُ نَفْسَهَا، [وقُلْنَا: لَمْ يَنْعَقِدِ النِّكَاحُ بِقَوْلِهِ الأَوَّلِ فَلَهُ عَلَيْهَا قِيْمَةُ نَفْسِهَا] (٢)، فَإِنْ قَالَتِ السَّيِّدَةُ لِعَبْدِهَا: أعْتقتكَ عَلَى أَنْ تَزَوِّجَ بِي، فَلَا يُلْزِمْهُ ذَلِكَ، وهوَ حُرٌّ ولَا يَلْزَمْهُ قِيْمَةُ نَفْسِهِ وكَذَلِكَ إذَا قالَ لَهَا: اعْتِقِيْنِي عَلَى أنْ أَتَزَوَّجَ بكِ فعَتِقَتْهُ. فإنْ زَوّجَ ابْنَهُ الصَّغِير بأكْثَرَ مِنْ مَهْرِ المِثْلِ صحَّ ولَزِمَ ذِمَّةَ الابْنِ، فإنْ كانَ الابْنُ مُعْسِراً فَهَلْ يَضْمَنُ الأبُ المَهْرَ أم لا؟ على رِوَايَتَيْنِ (٣). واخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ في الِّذي بِيَدِهِ عُقْدَةَ النِّكَاحِ، فَعَنْهُ (٤): أنَّهُ الزَّوْجُ فَيَعْفُوا عَمّا يَسْتَحِقُّهُ مِنْ نِصْفِ الصَّدَاقِ إذا طَلَّقَ قَبْلَ الدُّخُولِ. وعنهُ أنَّهُ الأبُ (٥) فَيَعْفُو عَنْ نِصْفِ صَدَاقِ ابْنَتِهِ الصَّغِيْرَةِ إذا طَلَّقَهَا زَوْجُهَا قَبْلَ الدُّخُولِ، فإذا وَهَبَتِ المَرْأةُ صَدَاقَهَا لِزَوْجِها ثمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ نَظَرْنَا. فإنْ كانَ الصَّدَاقُ عَيْناً أو دَيْناً قَبِضَتْهُ مِنْهُ ثَمَّ وَهَبْتْهُ لهُ فَلَهُ أنْ يَرْجِعَ عَلَيْها بِنِصْفِهِ في إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ (٦)، وفي الأُخْرَى: لا يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِشَيْءٍ وإنْ كَانَ دَيْناً لمَ تَقْبِضْهُ فأبْرأتْهُ منهُ ثمَّ طَلَّقَها، فإنْ قُلْنَا لا تَرْجِعُ هُنَاكَ فأوْلَى أنْ لا تَرْجِعَ هَا هُنَا وإنْ قُلْنا: تَرْجِعُ هُنَاكَ فَهَلْ تَرْجِعُ هَاهُنَا؟ على وَجْهَيْنِ (٧). فإنْ وَهَبَتْ لهُ الصَّدَاقَ ثمَّ ارْتَدَّتْ قَبْلَ الدُّخُولِ فَهَلْ يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِجَمِيْعِ بَذْلِ الصَّدَاقِ أمْ لا؟ على الرِّوَايَتَيْنِ (٨) في نِصْفِ الصَّدَاقِ، ويَجِبُ المُسَمَّى بالدُّخُولِ والخَلْوَةِ في النَّكَاحِ الفَاسِدِ، كَمَا يَجِبُ في الصَّحِيْحِ وعَنْهُ (٩): يَجِبُ مَهْرُ المِثْلِ.

стр. 397

وإذَا تَزَوَّجَ العِبْدُ بإذْنِ سَيِّدِهِ صَحَّ نِكَاحُهُ على مَا سَمَّاهُ، وهَلْ يَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ أو بِذِمَّةِ السَّيِّدِ على رِوَايَتَيْنِ (١). وإنْ تَزَوَّجَ بِغَيْرِ اذْنِهِ فالنَّكَاحُ فَاسِدٌ، فإنْ دَخَلَ بِهَا وَجَبَ في رَقَبَتِهِ خُمْسا المُسَمَّى في إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ (٢) اخْتَارَهَا الخِرَقِيُّ، وفي الأخْرَى يَجِبُ مَهْرُ المِثْلِ اخْتَارَهَا أبُو بَكْرٍ. وإذا زَوَّجَ أمَتَهُ مِنْ عَبْدِهِ وَجَبَ عَلَى العَبْدِ مَهْرُ المِثْلِ ثمَّ سَقَطَ وقالَ شَيْخُنَا (٣): لا يَجِبُ مَهْرٌ أصْلاً، فإنْ زَوَّجَ عَبْدَهُ بِحُرَّةٍ على صَدَاقٍ ثمَّ بَاعَهَا العَبْدُ بِثَمَنٍ في الذِّمَّةِ تَحَوَّلَ جَمِيعُ صَدَاقِهَا إلى ثَمَنِهِ إنْ كَانَ بَعْدَ الدُّخُولِ، ونِصْفَهُ إنْ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ، فإنْ بَاعَهَا إيّاهُ بالصَّدَاقِ الذي عَلَيْهِ صَحَّ الشِّرَى سَواء كانَ قَبْلَ الدُّخُولِ أو بَعْدَهُ وإذا اخْتَلَفَ الزَّوْجَانِ في قدرِ المَهْرِ، ولا بَيِّنَةَ لَهُمَا فالقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجِ مَعَ يَمِيْنِهِ في إحْدَى الرِّوَايَتَينِ (٤)، وفي الأخرى: القَوْلُ قَوْلُ مَنْ يَدَّعِي مَهْرَ المِثْلِ مِنْهُمَا. فإن ادَّعَى الزَّوْجُ دُونَ مَهْرِ المِثْلِ وادَّعَت الزَّوْجَةُ زِيَادَةً على مَهْرِ المِثْلِ رُدَّ إلى مَهْرِ المِثْلِ، ولا يَجِبُ الثَّمَنُ في الأحْوَالِ كُلِّهَا على قَوْلِ شَيْخِنَا. وعَنْدِي (٥): إنَّهُ يَجِبُ الثَّمَنُ في الأحْوَالِ كُلِّهَا لإسْقَاطِ الدَّعْوَى. وفي كَلامِ أحْمدَ ﵀ ما يَدُلُّ على الوَجْهَيْنِ. وهَكَذَا الحُكْمُ إذا اخْتَلَفَا في عَيْنِ المَهْرِ فَقَالَت الزَّوْجَةُ: تَزَوَّجَنِي على هَذِهِ الأمَة، وقالَ: بلْ تَزَوَّجْتُكِ على هذا العَبدِ، يُخَرَّجُ على الرِّوَايَتَيْنِ. فإن اخَتَلَفَا في نِصْفِ المَهْرِ فالقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجَةِ أنَّها لمْ تقبضْهُ ولا شَيئاً منهُ وتَسْتَحِقُّهُ سَواء كانَ ذلكَ قَبْلَ الدُّخُولِ أو بَعْدَهُ. وإنْ اخْتَلَفَا فِيما يستَقِرُّ بهِ المَهْرُ مِن الخَلْوَةِ والمَسِيسِ فالقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجِ. ولِلأبِ قَبْضُ مَهْرِ ابْنَتِهِ الصَّغِيرَةِ بِكُلِّ حَالٍ، فأمَّا البِكْرُ البَالِغَةُ العاقِلَةُ فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ: أحَدُهُمَا لهُ قَبضُهُ أيضاً، والثَّانِيَةُ لا يَقْبِضُهُ إلاَّ بإذْنِهَا وهيَ اخْتِيَارُ شَيْخِنَا (٦) ولِلْمَرأةِ مَنْعُ نَفْسِهَا حَتَّى تَقْبِضَ مَهْرَهَا فإنْ تَبَرَّعَتْ بِتَسْلِيمِ نَفسِهَا فَهَلِ لَهَا الامْتَناعُ بعدَ ذلكَ حَتَّى تَقْبِضَ؟ قالَ ابنُ حَامِدٍ: لَها ذلكَ، وقالَ ابنُ شَاقْلا وابنُ بَطَّةَ: ليسَ لَهَا ذلِكَ (٧).

стр. 398

بَابُ الْحُكْمِ في مَهْرِ الْمُفَوِّضَةِ إذَا طُلِّقَتْ قَبْلَ الدُّخُوْلِ أَوْ بَعْدَهُ التَّفْوِيْضُ على ضَرْبَيْنِ: تَفْوِيضُ البِضْعِ: وهُوَ أنْ يُزَوِّجَ الأبُ ابْنَتَهُ البِكْرَ أوْ تَأْذَنَ المَرْأةُ لِوَلِيِّهَا في تَزْوِيجِهَا بِغَيْرِ مَهْرٍ. وتَفْوِيضُ المَهْرِ: وهُوَ أنْ يَتَزَوَّجَها على مَا شَاءَ أو شَاءَ أحَدُهُمَا فالنَّكَاحُ صَحِيحٌ، ويَجِبُ لَهَا مَهْرُ المِثْلِ بالعَقْدِ كَمَا يَجِبُ المُسَمَّى ولَهَا المُطَالَبَةُ بِفَرْضِهِ، فإنْ فَرَضَهُ الحَاكِمُ لمْ يَجُزْ أنْ يَفْرضَ إلاَّ بِمِقْدَارِهِ، فإنْ تَرَاضَى الزَّوْجَانِ بِفَرْضِهِ جَازَ بِقدرهِ وزِيَادَة عليهِ ونُقصَان منهُ ويَسْتَقِرُّ بالخَلْوَةِ والمَسِيسِ، وهَلْ يَسْتَقِرُّ بِالمَوْتِ أم لا؟ على رِوَايَتَيْنِ، أصَحُّهُمَا: أنَّهُ يَسْتَقِرُّ، والثَّانِيَةُ أنَّهُ يَتَنَصَّفُ بالمَوْتِ (١) إلاّ أنْ يَكونَ قد فَرَضَهُ فَيَسْتَقِرُّ بالمَوتِ كالْمُسَمَّى فإنْ طَلَّقَهَا بَعْدَ المَسِيسِ أو الخَلْوةِ. فَهَلْ تَجِبُ المُتْعَةُ مَعَ المَهْرِ؟ عَلى رِوَايَتَيْنِ، أصَحُّهُمَا: لا يَجِبُ (٢). وكُلُّ فُرْقَةٍ جَاءَ تْ مِنْ قِبَلِ الزَّوْجِ بإسْلامٍ أو رِدَّةٍ أو خُلْعٍ أو مِنْ جِهَةِ أجْنَبِيٍّ كأُمِّهِ وأُخْتِهِ. وإذا أرْضَعَتْ زَوْجَتَهُ الصَّغيرةَ فحُكْمُهَا حُكْمُ طَلاقِهِ وقدْ بَيَّنّا ذلكَ، وكلُّ فُرْقَةٍ جَاءَ تْ مِنْ قِبَلِ المَرْأَةِ بإسْلامٍ أو رِدَّةٍ أو فَسْخٍ بِعَيْبٍ أو فَسَخٍ بإعْسَارِهِ أو بِعِتْقِها فلا مُتْعَةَ، فيها رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ (٣). وأمَّا فُرْقَةُ اللِّعَانِ فَحَكَى أبُو بَكْرٍ عَنْ أحْمَدَ ﵀ أنَّ الفُرْقَةَ مِنْ جِهَتِهَا فلا مُتْعَةَ لَها، وقالَ شَيْخُنَا: تَخْرُجُ المسألَةُ على رِوَايتَيْنِ (٤). أصْلُهُمَا إذا لاعَنَهَا في مَرَضِ مَوْتِهِ هَلْ تَرِثُهُ؟ على رِوَايتَيْنِ (٥). وأمَّا فُرْقَةُ بَيْعِ الزَّوْجَةِ إذا كانَتْ أمَةً مِنَ الزَّوْجِ فقالَ أبُو بَكْرٍ (٦): لا مُتْعَةَ. وقالَ شَيْخُنَا (٧): فيهِ وَجْهٌ آخَرُ أنَّ لَها المُتْعَةَ، وتُقَدَّرُ المُتْعَةُ أرْفَعُهَا بِخَادِمٍ وأقَلُّهَا بِكِسْوَةٍ تُجْزِئُ فيها الصَّلاةُ في إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وفي الأخْرَى: يَرْجِعُ في تَقْدِيرِها إلى الحَاكِمِ (٨)، فيَفْرضُ على المُوسِعِ قَدَرُهُ

стр. 399

وعلى المُقْتِرِ قَدَرُهُ. وأمَّا مَهْرُ المِثْلِ فَيَعْتَبِرُ بِنِسَاءٍ مِنْ نِسائِهَا مِنْ ذَوِي أرْحامها وعَصَبَاتِهَا كالأمِّ والأُخْتِ والعَمَّةِ والخَالَةِ وغيرِهِنَّ في إحْدَى الرِّوَايَتَينِ (١)، وفي الأخْرَى: يعتبرُ بِنِسَاءِ العَصَبَاتِ فَحَسْبُ. والمُسَاوَاةُ تُعْتَبَرُ في الجَمالِ والمَالِ والعَقْلِ والأدَبِ والسِّنِّ والبَكَارَةِ والثيوبة والبَلَدِ. فإنْ لمْ يَكُنْ في نِسَائِهَا مِنْ يساويها في الصِّفَاتِ بلْ وُجِدَتْ امرَأَةٌ دُونَهَا اعْتُبِرَ مَهْرُهَا ثمَّ يُزَادُ على ذلكَ زِيَادَةُ فَضْيلَتِهَا، وكذلكَ إنْ وُجِدَتْ امْرأةٌ فَوْقَهَا اعتبرَ مهرها ثمَّ نَقَصَتْ بِقَدْرِ نقصانِهَا عَنْها. فإنْ جَرَتْ عادَتُهُنَّ أنَّهُنَّ إذا تَزَوَّجُوا مِنْ عَشِيْرَتِهِنَّ خففوا المَهْرَ وإذا زَوَّجُوا مِنْ غَيْرِهِمْ ثقلوا اعْتُبِرَ بِعَادَتِهِنَّ، وإنْ كانَ عَادَتُهُنَّ التَّأْجِيلَ في المَهْرِ فَهَلْ يُفْرَضُ المَهْرُ مُؤَجَّلاً؟ يَحْتَمِلُ وَجهَينِ (٢). فإنْ لمْ يَكنْ لِلمَرْأَةِ أقَارِب اعتبرَ بِنِسَاءِ بَلَدِهَا ثمَّ بِأقْرَبِ النِّسَاءِ شبهاً بِها، ويَجِبُ مَهْرُ المِثْلِ لِلْمَوْطُوءَ ةِ بِشُبْهَةٍ والمُكْرَهَةِ عَلَى الزِّنَا، ولا يَجِبُ معَ ذلكَ أرشُ البَكَارَةِ ويحْتَمَلُ (٣) أنْ يَجِبَ لِلْمُكْرَهَةِ المَهْرُ والأرْشُ. وإذا دَفَعَ زَوْجَتَهُ فأذْهَبَ عُذْرَتَهَا وطَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ فَلَهَا نِصفُ المَهْرِ بِلا أرْشٍ، وإنْ فَعَلَ ذلكَ أجْنَبِيٌّ فَعَلَيْهِ أرْشُ البَكَارَةِ، ذَكَرَهُ في رِوَايَةِ مُهَنَّا، وقالَ شَيْخُنَا (٤): عليهِ مَهْرُ المِثْلِ. بَابٌ في الْمُسَمَّى الصَّحِيْحِ تَمْلِكُ المَرأةُ المَهْرَ المُسَمَّى بالعَقْدِ، فإنْ كانَ مُعَيَّناً كالأَمَةِ والدَّارِ والنَّخْلَةِ والقَطِيْعِ مِنَ الغَنَمِ ونَحْوَ ذَلكَ فنَمَاؤُهُ لَهَا. وإنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ وكانَ الصَّدَاقُ بَاقِياً على صِفَتِهِ رَجعَ بِنِصْفِهِ، ويَدخُلُ النِّصفُ في مُلْكِهِ حُكْماً كالمِيْراثِ، وما يَحدثُ مِنَ النَّمَاءِ قَبَلَ ذلكَ لَها، وإنْ كانَ فَائِتاً بِتَلَفٍ أو خُرُوجٍ عَنْ مِلْكِهِ أو كانَ مُسْتَحَقّاً بِدَيْنٍ أو شُفْعَةٍ على أحدِ الوَجْهَيْنِ رَجعَ بِنِصفِ قيمَتِهِ يومَ العَقْدِ ذَكَرَهُ الخِرَقِيُّ (٥)، إلاَّ أنْ يَكُونَ له مِثلٌ فَيَرْجِعَ بِنِصْفِ المِثْلِ، وقالَ شَيْخُنَا (٦): يَرْجِعُ بِنِصْفِ قِيْمَتِهِ أقَل ما كانت مِنْ يَومِ العَقْدِ

стр. 400

إلى يَومِ القَبْضِ، وإنْ كَانَ زَائِداً زِيادَةً مُنْفَصِلَةً كالثَّمَرَةِ والوَلَدِ رَجعَ في نِصْفِهِ دونَ الزِّيَادَةِ. وإنْ كَانَت الزِّيَادَةُ مُتَّصِلَةً كالسَّمْنِ وتَعْلِيمِ صَنْعَةٍ فالمَرأةُ بالخَيَارِ بَيْنَ أنْ تَرُدَّ إليهِ النِّصفَ زَائِداً، أو تَدْفَعُ إليهِ قِيْمَتَهُ. فإنْ كانَ نَاقِصاً فالرَّجُلُ بالخَيارِ بينَ أخْذِ نِصْفِهِ نَاقِصاً وبينَ الرُّجُوعِ بِنِصْفِ قِيمَتِهِ. فإنْ حَدَثَ النُّقْصَانُ في يَدِ المَرْأةِ بعدَ طَلاقِهَا فَهَلْ تَضْمَنُ النُّقصَانَ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ (١). فإن اخْتَلَفا فقالَ الزَّوْجُ: حَدَثَ النَّقْصُ قبلَ الطَّلاقِ، وقالَتْ: بلْ حَدَثَ بعدَ الطَّلاقِ، فالقَوْلُ قَوْلُهَا مَعَ يَمِيْنِهَا. فإنْ تَلِفَ الصَّدَاقُ في يَدِ الزَّوْجِ ولمْ يكُنْ مُتَميِّزاً كالقَفِيزِ مِنْ صُبْرَةٍ ونَحْوِهِ فَهُوَ مِنْ مَالِ الزَّوْجِ، وإنْ كانَ مُتَميِّزاً فَهُوَ مِنْ ضَمَانِهَا؛ لأنَّهُ في حُكْمِ المَقبُوضِ؛ ولِهِذَا يَقُولُ: لَهَا أنْ تَتَصَرَّفَ فيهِ بأنْوَاعِ التَّصُرُّفَاتِ. ونَقَلَ عنْهُ مُهنَّا (٢) فيمَنْ تَزَوَّجَ امرَأَةً على غُلامٍ فَفُقِئَتْ عَيْنُهُ، أنَّهَا إنْ كَانَتْ قَبَضَتْهُ فَهُوَ لَها وإنْ لمْ تَكُنْ قَبَضَتْهُ فَهُوَ على الزَّوْجِ. فَعَلَى هذِهِ الرِّوَايَةِ يَضْمَنُ الزَّوْجُ الصَّدَاقَ إذا تَلِفَ قَبلَ القَبضِ بِمِثْلِهِ إنْ كانَ له مِثلٌ، وإلاَّ فَقِيمَتُهُ يَومَ التَّلَفِ. ولا يَنْفُذُ تَصَرُّفُ المَرأةِ فيهِ بِحالٍ حتّى تَقْبِضَهُ، وكذلكَ إذا تَعَذَّرَ عليهِ التَّسْلِيمُ لِلصَّدَاقِ أو تَزْوِيجُها على عَبْدٍ فخرجَ حُرّاً أو مُسْتَحِقّاً أو تَزَوَّجَ على عَيْنٍ فَخَرَجَتْ مَعِيبَةً فَرَدَّتْهَا فَلَهَا القِيْمَةُ في جَمِيعِ ذلكَ، ولا يَرجعُ إلى مَهْرِ المِثْلِ. وإذا ارتَدَّت المَرأةُ أو أسْلَمَتْ قبلَ الدُّخُولِ سَقَطَ مَهْرُهَا إنْ لمْ تَكَنْ قَبضتْهُ، وإنْ كَانَتْ قَبضَتْهُ وَجَبَ عَلَيْها رَدُّهُ وإنْ كانَ تالِفاً رَدَّتْ مِثْلَهُ، فإنْ لمْ يكنْ لهُ مِثْلٌ رَدَّت قِيْمَتُهُ يَومَ وَقَعَت الفُرْقَةُ. فإنْ قَتلَتْ نَفْسَهَا لمْ يَسْقُطْ سواء كانَ ذلكَ قَبْلَ الدُّخُولِ أو بَعْدَهُ. وإذا أعسرَ الزَّوْجُ بالمَهْرِ قَبْلَ المَسِيسِ والخَلْوَةِ فَلَهَا خَيارُ الفَسْخِ وإنْ أعسَرَ بَعْدَ الدُّخُولِ احْتَمَلَ وَجْهَيْنِ (٣). ولا يَجُوزُ الفَسْخُ إلاَّ بِحُكْمِ الحَاكِمِ. بَابُ الوَلِيْمَةِ والنَّثْرِ (٤) وَلِيْمَةُ العُرْسِ مُسْتَحَبَّةٌ والسنَّةُ أنْ لا يَنْقُصَ فيها عَنْ شاةٍ، وبأَيِّ شيءٍ أوْلَمَ

стр. 401

مِنَ الطَعامِ جَازَ، وإجابَةُ الدَّاعِي إليها إذا كَانَ مُسْلِماً وَاجِبَةٌ، فإنْ دَعَاهُ في اليَومِ الثَّانِي استحبَّ له الإجَابَةُ، فإنْ دَعَاهُ في اليَومِ الثَّالِثِ لم يستحبَّ له الإجَابَةُ، وإذا دَعَاهُ اثْنَانُ أجَابَ السَّابِقَ مِنْهُمَا، فإنْ كَلَّمَاهُ جَمِيعاً، أجابَ أدْيَنَهُمَا، فإن اسْتَوَيَا أجَابَ أقْرَبَهُمَا إليهِ جِواراً. فإنْ دَعَا الجَفَلَى (١) فقالَ: أذِنْتُ لِكُلِّ مَنْ جَاءَ نِي لم يستحَبَّ له الحُضُورُ. وإذا حَضرَ، فإنْ كانَ صَائِماً صَوماً وَاجِباً دَعَا وانْصَرَفَ ولمْ يُفْطِرْ، وإنْ كانَ مُتَطَوِّعاً أو كانَ في تَرْكِهِ للأكْلِ كَسْرُ قَلْبِ الدَّاعِي حَضَرَ واستحبَّ لهُ الإفْطَار، فإنْ دُعِيَ إلى وَلِيمَةٍ فيها آلَةُ اللَّهْوِ، فإنْ كانَ قَادِراً عَلَى الإنْكَارِ حَضرَ واسْتحبَّ لهُ، وإنْ كانَ لا يَقْدِرُ على الإنْكَارِ لمْ يَحْضُرْ. فإنْ حَضَرَ ولمْ يَعْلَمْ فَشَاهَدَ المُنْكَرَ أنْكَرَهُ وأزَالَهُ، وإنْ لَمْ يَقْدِرْ على ذَلِكَ انْصَرَفَ. فإنْ حَضَرَ وعَلِمَ بِالْمُنْكَرِ إلاَّ أنَّهُ لَمْ يُشَاهِدْهُ، ولمْ يَسْمَعْهُ لَمْ يَنْصَرِفْ. فإنْ رَأى على الثِّيَابِ صُورَةَ حَيَوَانٍ وكَانَتْ مَفْرُوشَةً بِحَيْثُ تُدَاسُ أو يُتَّكَأُ إلَيْهَا كَالبُسُطِ والمَخَادِّ جَلَسَ، وإنْ كانَتْ في سُتُورٍ مُعَلَّقَةٍ أو حِيْطَاناً، لمْ يَجْلِسْ إلاَّ أنْ تُزَالَ. فإنْ سُتِرَتِ الحِيْطَانُ بِسُتُورٍ غَيْرِ مُصَوَّرَةٍ، أو عَلَيْها صُورَةٌ لا حَيَوَانَ، فَعَنْهُ (٢): أنَّهُ حَرَامٌ فَلا يَجْلِسُ، وعَنْهُ (٣): أنَّهُ مَكْرُوهٌ فلا يَنْصَرِفُ. وأمّا الوَلِيْمَةُ لِغَيْرِ العُرْسِ فَهِيَ جَائِزةٌ، والإجَابَةُ إليهَا غَيرُ وَاجِبَةٍ، والدُّعَاءُ إلى الوَلِيْمَةِ إذْنٌ في أكْلِ الطَّعَامِ (٤)، ويُسْتَحَبُّ غَسْلُ اليَدَيْنِ قَبْلَ الطَّعَامِ وبَعْدَهُ، وعنهُ أنَّهُ يُكْرَهُ اخْتَارَهُ شَيْخُنا (٥). ولا يُبَاحُ أكلُ طَعامِ أحَدٍ إلاَّ بإذْنِهِ، والنِّثَارُ والتقاطُهُ مَكْرُوهٌ في إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ (٦)، وفي الأُخْرَى غَيْرُ مَكْرُوهٍ (٧). ومَنْ وَقَعَ في حِجْرِهِ شَيءٌ مِنَ النِّثَارِ فهُوَ لهُ (٨).

стр. 402

بَابُ عِشْرَةِ النِّسَاءِ والقَسْمِ والنُّشُوزِ يَلزمُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الزَّوْجَيْنِ مُعَاشَرَةُ الآخَرِ بالمَعْرُوفِ، ولا يَحِلُّ لهُ مَطْلُهُ بِما يَلْزَمُهُ مِنْ حَقِّهِ مَعَ قُدْرَتِهِ عليهِ، ولا إظْهَارُ الكَرَاهَةِ لِلبَذْلِ. ولا يَجْمَعُ بين زَوْجَتَيْهِ في مَسْكَنٍ وَاحِدٍ إلاَّ بِرِضَاهُمَا. ويُكْرَهُ أنْ يَطَأَ إحداهما (١) بِحَيْثُ تَرَاهُ الأُخْرَى (٢)، أو يُحَدِّثَهَا بِما جَرَى بَينَهُما (٣)، ولا بَأْسَ أنْ يَطُوفَ على إمَائِهِ ونِسَائِهِ بِغُسُلٍ وَاحِدٍ ويُسْتَحَبُّ له التَّسْمِيَةُ وتَغْطِيَةُ رَأْسِهِ عِنْدَ الجِمَاعِ. ويُكْرَهُ لهُ كَثْرَةَ الكَلامِ في حَالِ الوَطءِ. فإذا فَرَغَ قَبْلَهَا كُرِهَ لهُ النَّزْعُ حتَّى تَفْرُغَ. ولِلرَّجُلِ مَنْعُ زَوْجَتِهِ مِنَ الخُرُوجِ عَنْ مَنْزِلهِ. فإنْ مَرِضَ مَنْ هوَ مِنْ مَحَارِمِهَا، أو مَاتَ اسْتحبَّ لهُ أنْ يَأْذَنَ لَهَا في الخُرُوجِ إليهِ (٤). بَابُ القَسْمِ يَجِبُ قَسْمُ الابْتِدَاءِ، كَمَا يَجِبُ قَسْمُ الانْتِهَاءِ، فإذَا كانَ لِلرَّجُلِ امرَأَةٌ وَاحِدَةٌ حرة لَزِمَهُ أنْ يَكُونَ عَنْدَهَا لَيْلَةً ويَوماً (٥) مِنْ كُلِّ أرْبَعَةِ أيَّامٍ ولَيَالِيْهَا. فإنْ كَانتْ أمَةً لَزِمَهُ ذلِكَ مِنْ كُلِّ سَبْعَةِ أيَّامٍ. وكذلِكَ إنْ كانَ لهُ زَوْجَتَانِ وثَلاثٌ، كانَ له الانْفِرَادُ بِنَفْسِهِ عَنْهُنَّ فيمَا بَقِيَ مِنَ الأرْبَعِ والسَّبْعِ. ويَجِبُ عَلَيهِ وَطْؤُهُنَّ في كُلِّ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ مَرَّةً، إذا لمْ يَكُنْ لهُ عُذْرٌ. فإنْ لمْ يَفْعَلْ وطَلَبْنَ الفُرْقَةَ فُرِّقَ بينَهُمَا، وإذا سَافَرَ عَنْ زَوْجَتِهِ أكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أشْهُرٍ، فَطَلَبَتْ منهُ القُدُومَ فأبَى أنْ يَقْدُمَ - مَعَ القُدْرَةِ على القُدُومِ -، فَلِلْحَاكِمْ أنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا إذا طَلَبَتِ الفُرْقَةَ، وعنهُ ما يَدُلُّ على أنَّ الوَطْءَ غيَرُ وَاجِبٍ لِيَكُونَ قَسْمُ الابْتِدَاءِ غَيرَ وَاجِبٍ (٦). فأمَّا قَسْمُ الانْتِهَاءِ، فَمَتَى بَدأَ بِوَاحِدَةٍ مِنْ نِسَائِهِ، فَبَاتَ عِنْدَهَا، فَقَدْ أخطَأَ؛ لأنَّهُ لا تَجوزُ له البِدَايَةُ بإحْدَاهُنَّ إلاَّ بالقُرْعَةِ، ولَكِنَّهُ يِلْزَمُهُ أنْ يَبِيْتَ عِنْدَ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ، ويقسمُ لِلْحائِضِ والنُّفَسَاءِ والمَرِيْضَةِ والمَعِيْبَةِ والذِّمِّيَةِ (٧)، ويقسمُ لِلْحُرَّةِ لِيْلَتَيْنِ، ولِلأمَة لَيْلَةً،

стр. 403

ولا يَجِبُ عليه إذا قسمَ أنْ يُسَوِّيَ بَيْنَهُنَّ في الوَطْءِ، بلْ يُسْتَحبُّ ذلكَ، وإذا أرادَ أنْ يُسَافِرَ بإحْداهُنَّ لَمْ يَجُزْ إلاّ بالقُرْعَةِ. فإنْ سَافرَ بِها بِغَيرِ قُرْعَةٍ أثِمَ وقضى لِلْبَواقِي، وإنْ سَافَرَ بِها بالقُرْعَةِ لم يقضِ، وكَذَلِكَ إنْ أرَادَ الانْتِقَالَ مِنْ بَلَدٍ إلى بَلَدٍ فَسَافَرَ معهُ بإحْدَاهُنَّ وبَعَثَ بالبَوَاقِي مَعَ غَيْرِهِ، فإنّهُ إنْ كانَ بِقُرْعَةٍ لمْ يقضِ، وإنْ كانَ لِغَيْرِ القُرْعَةِ قَضى. وإذا امْتَنعتِ المَرْأةُ مِنَ السَّفَرِ مَعهُ سَقَطَ حَقُّها مِنَ القَسْمِ. وكذلكَ إنْ سَافَرَتْ بِغَيرِ إذْنِهِ. فأمّا إنْ سَافَرَتْ بإذْنِهِ فَهَلْ يَسْقُطُ حَقُّهَا من القسم؟ عَلَى وَجْهَينِ (١). وإذا وَهَبَتْ المَرْأةُ حَقَّهَا مِنَ القَسْمِ لِبَعْضِ ضَرَائِرِها جَازَ، إذا رَضِيَ الزَّوْجُ، وإنْ وَهَبَتْ حَقَّهَا لِلزَّوْجِ جَعَلَهُ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ نِسَائِهِ. فإنْ رَجَعَتْ في الهِبَةِ عَادَ حَقُّهَا إِلَى القَسْمِ مِنْ يَومِ الرُّجُوعِ. وعِمَادُ القَسْمِ اللَّيْلُ لِمَنْ مَعِيشَتُهُ بالنَّهَارِ، والنَّهَارُ لِمَنْ مَعِيْشَتُهُ في اللّيْلِ؛ كالحَارِسِ وغَيْرِهِ. فإنْ دَخَلَ إلى غَيْرِهَا لِحَاجَةٍ دَاعِيَةٍ ولمْ يَلْبَثْ أنْ خَرَجَ لم يقضِ، وإنْ لَبِثَ أو جَامَعَ فَقَدْ أخطأَ ويَقْضِي لَها مِنْ حَقِّ الأُخْرَى بِمِقْدَارِ ما أقَامَ عِنْدَها، ولا قَسْمَ عليهِ فيما مَلَكَ منَ الإمَاءِ، بَلْ لهُ أنْ يَسْتَمْتِعَ بِهِنَّ، وبِكُلِّ وَاحِدَةٍ منهنَّ كيفَ أرَادَ، والمُستحَبُّ أنْ يَسَوِّيَ بينَهُنَّ ولا يَعْظُلَهُنَّ، إنْ لَمْ يُرِدِ الاستِمْتَاعَ بِهِنَّ، وإذا كانَ له إمَاءٌ وزَوْجاتٌ فَلَهُ الرُّجُوعُ على الإمَاءِ مِنْ غَيرِ قَضاء (٢) لِلزَّوْجَاتِ، والدُّخُولُ على الزَّوْجَاتِ مِنْ غَيرِ قَضَاءٍ للإمَاءِ. وإذا تَزَوَّجَ امْرَأةً وعِنْدَهُ نِسْوَةٌ، يقسمُ لَهُنَّ قطعَ الدورِ، وأقامَ عندَ الجَدِيْدَةِ بِحَقِّ العَقْدِ سَبْعاً، ثمَّ يَسْتأنِفُ القَسْمَ إنْ كَانَتْ بَاكِراً، وإنْ كَانَتْ ثَيِّباً أقَامَ عِنْدَها ثَلاثاً، ثمَّ اسْتَأْنَفَ القَسْمَ. فإنِ اخْتَارَتْ أنْ يُقِيْمَ عَندَها سَبْعاً، ويَقضي لَهُنَّ فلها ذلكَ. فإنْ تَزَوَّجَ امْرأتَينِ فَزُفَّتَا إليهِ في لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ أقَامَ عندَ السَّابِقَةِ بِحَقِّ العَقْدِ، ثمَّ يَفْعَلُ ذلكَ بالأُخْرَى. وإنْ زُفَّتا معاً أقْرَعَ بينَهُمَا بِحَقِّ العَقْدِ. وإنْ أرَادَ السَّفَرَ فأقْرَعَ فَخَرَجَ السَّهْمُ لإحْدَى الجَدِيْدَتَيْنِ سَافَرَ بِهَا، ودَخَلَ حَقُّ العَقْدِ في القَسْمِ لِلسَّفَرِ. فإذَا رجَعَ قَضى للأُخَرى حَقَّ العَقْدِ، ويُحتَمَلُ أنْ لا يَقضيَ، فإذا قسمَ لِزَوْجَتَيْهِ وأقامَ عندَ إحْدَيْهِمَا، فلمَّا جَاءَ حَقُّ الأُخْرَى طلَّقَها أَثِم فإن عَادَ تَزَوَّجَها لَزَمَهُ أنْ يَقْضيَ لَهَا ويَجُوزُ أنْ يَخْرُجَ في نَهَارِ لَيْلَةِ القَسْمِ لِمَعَاشِهِ وقَضَاء حُقُوقِ النَّاسِ.

стр. 404

بَابُ النُّشُوزِ إذا ظَهَرَ مِنَ المَرأَةِ دَلائِلُ النُّشُوزِ؛ مِثلُ أنْ يَدعُوَهَا إلى الاسْتِمْتَاعِ فَلا تُجِيب، أو تُجِيْبُهُ مُتَبَرِّمَةً مُتَكَرِّهَةً، وَعَظَهَا الزَّوْجُ وخَوَّفَهَا باللهِ تَعَالَى. فإنْ أَصَرَّتْ على ذلكَ هَجَرَهَا في المَضْجَعِ والكَلامِ فِيما دَونَ ثَلاثَةِ أيَّامٍ (١). فإنْ أصَرَّتْ على ذلكَ ضَرَبَهَا بِدُرَّةٍ أو مِخْرَاقٍ (٢) ضَرْباً غَيْرَ مُبَرِّحٍ (٣)، فإنْ مَنَعَهَا الزَّوْجُ حَقَّهَا وأعْرَضَ عَنها وجَحَدَ ذلكَ عِنْدَ الحَاكِمِ، أسْكَنَهَا الحاكم إلى جَنْبِ ثِقَةٍ يَنْظُرُ حَالَهَا، ويُلْزِمُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الخُرُوجَ مِمَّا عليهِ مِنَ الحَقِّ لِصَاحِبِهِ ويَمْنَعُهُ مِنَ العُدْوَانِ. فإنْ بَلَغَا المُشَاتَمَةَ والمُضَارَبَةَ بَعَثَ الحَاكِمُ حَكَمَيْنِ مُسْلِمَيْنِ عَدْلَينِ، والأَوْلَى أنْ يَكُونَا مِنْ أهْلِهِمَا (٤)، ويُوْكِّلُهُمَا الزَّوْجَانِ أنْ يَنْظُرَا ما فيهِ الْمَصْلَحَةِ، مِنْ إصْلاحٍ أو فِرَاقٍ أو خَلْعٍ فَيَفْعَلانِهِ (٥). فإنِ امْتَنَعَا مِنَ التَّوْكِيلِ في ذلكَ لَمْ يُجْبَرَا، ولكِنْ لا يَزَالُ يَبْحَثُ ويَسْتَخْبِرُ حَتَّى يَظْهَرَ له مِنَ المَظَالِمِ فَيَرْدَعَهُ عَنْ ظُلْمِهِ، ويَسْتَوْفِيَ الحَقَّ مِنْهُ وهُوَ اخْتِيَارُ الخِرَقِيِّ (٦) وعنهُ (٧)، إنْ وَكَّلَ الزَّوْجُ في الطَّلاقِ بِعِوَضٍ وغَيرِ عِوَضٍ، وَوَكَّلَت الزَّوْجَةُ حَكَماً في بَذْلِ العِوَضِ برضاً مِنهُمَا، وإلاَّ جَعَلَ الحَاكِمُ إلَيْهِمَا ذلكَ مِنْ غَيْرِ رِضَا الزَّوْجَيْنِ. فإنْ غَابَ الزَّوْجَانِ أو أحَدُهُمَا لمْ يَنْقَطِعْ نَظَرُ الحَكَمَيْنِ على الرِّوَايَةِ الأُوْلَة (٨) وهَلْ يَنْقَطِعُ على الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَينِ (٩). وإنْ جُنَّ الزَّوْجَانِ أو أحَدُهُمَا انْقَطَعَ

стр. 405

نَظَرُهُمَا على الأوْلَة ولمْ يَنْقَطِعْ على الثَّانِيَةِ (١). كِتَابُ الْخُلْعِ يَصِحُّ الخُلْعُ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بالِغٍ عَاقِلٍ، فأمَّا الصَّبِيُّ المُمَيِّزِ فَهَلْ يَصِحُّ خُلْعُهُ؟ على وَجْهَيْنِ (٢). فإنْ كانَ الزَّوْجُ مَحْجُوراً عليهِ لِسَفَهٍ صَحَّ خُلْعُهُ ولزِمَ دَفْعُ العِوَضِ إلى وَلِيِّهِ، وكذلكَ إنْ كانَ صبِيّاً. وقُلْنَا يَصِحُّ خُلْعُهُ وإنْ كانَ مكاتباً لزم دفعه إليه وإن كان عَبْداً قنّاً أو مُدَبَّراً لَزِمَ دَفْعُ المَالِ إلى سَيِّدِهِ. وقالَ شَيْخُنَا: يَصِحُّ القَبضُ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ يَصِحُّ خُلْعُهُ (٣) ويَصِحُّ الخُلْعُ مَعَ الزَّوْجَةِ والأجْنَبِيِّ، ويَصِحُّ بَذْلُ العِوَضِ في الخُلْعِ مِنْ كُلِّ زَوْجَةٍ جَائِزَةِ التَّصَرُّفِ في مالِهَا. وإنْ كَانتْ أَمَةً وخَالَعَتْ بإذْنِ السَّيِّدِ لَزِمَهَا العِوَضُ مَمَّا في يدِهَا إنْ كَانَتْ مُكَاتِبَةً أو مَأْذوناً لَها في التِّجَارَةِ وإلا لَزِمَ ذِمَّةَ السَّيِّدِ. وإنْ خَالَعَتْ بِغَيْرِ إذْنِهِ كانَ العِوَضُ في ذِمَّتِهَا يتبعُ بهِ بعدَ العِتْقِ. وكذلكَ حُكْمُ الأجْنَبِيِّ في بَذْلِهِ العِوَضَ في الخُلْعِ وليسَ للأبِ ولا لِغِيْرِهِ مِنَ الأوْلِياءِ خُلْعُ الصَّغيرَةِ مِنْ زَوْجِهَا بِشَيءٍ مِنْ مَالِهَا. وهَلْ للأبِ خُلْعُ زَوْجَةِ ابْنِهِ الطِّفْلِ أو طَلاقِهَا أمْ لا؟ على رِوَايَتَيْنِ (٤). وإذا وَقَعَ الخُلْعُ بِلَفْظِ الطَّلاقِ فهُوَ طَلاقٌ، فإنْ وَقَعَ بِلَفْظِ الخُلْعِ والمُفَادَاةِ والفَسْخِ، فإنْ نَوَى بهِ الطَّلاقَ فهُوَ طَلاقٌ وإنْ لمْ يَنْوِ بِهِ الطَّلاقَ فإنَّهُ فَسْخٌ لا يَنْقُصُ بهِ عَدَدُ الطَّلاقِ

стр. 406

في إحْدَى الرِّوَايَتينِ (١)، وفي الأخرَى: هوَ طَلْقَةٌ بَائِنَةٌ بالخُلْعِ على ثَلَاثَةِ أضْرُبٍ: مَحْظُورٌ ومَكْرُوهٌ ومُبَاحٌ. فالمحْظُورُ: أنْ يَمْنَعَها حَقَّهَا ويُكْرِهَهَا لِتَفْتَدِيَ بِنَفْسِهَا، فإذا فَعَلَتْ فالخُلْعُ بَاطِلٌ والعِوَضُ مَرْدُودٌ وهيَ على الزَّوْجِيَّةِ إلاَّ أنْ يَكُونَ الخُلْعُ طَلاقاً (٢)، أوْ نَوَى بهِ الطَّلاقَ فَيَقَعُ طَلْقَةً رَجْعِيَّةً. والمَكْرُوهُ: أنْ يُخَالِعَهَا مَعَ اسْتِقَامَةِ الحَالِ بَيْنَهُمَا فَيَصِحُّ الخُلْعُ على قَوْلِ الخِرَقِيِّ (٣) وشَيْخِنا، ويُحْتَمَلُ أنْ لا يَصِحَّ (٤) على مَا حَكَاهُ عنهُ أبُو بَكْرٍ في زَادِ المُسَافِرِ. وأمَّا المُبَاحُ: فأنْ تَكْرَهَ المَرأةُ زَوْجَهَا لِخُلُقِهِ أوْ خَلْقِهِ أو دِيْنِهِ فَتَخَافُ أنْ لا تُقِيمَ في حَقِّهِ حُدُودَ اللهِ تَعَالَى فِيْمَا يَلْزَمُهَا لهُ مِنَ الاسْتِمْتَاعِ والمُعَاشَرَةِ فَتَفْتدِيَ نَفْسَهَا منهُ، ولا يَصِحُّ الخُلْعُ إلاَّ بِعِوَضٍ في أصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ (٥)، وفي الأخرَى: تَصِحُّ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ عِوَضٍ، وكلُّ ما جَازَ أنْ يَكُونَ صَدَاقاً مِنْ عَيْنٍ ودَينٍ ومَنْفَعَةٍ وقَلِيلٍ وكَثيرٍ جَازَ أنْ يَكُونَ عِوَضاً في الخُلْعِ، وما لا يَجُوزُ أنْ يكونَ صَدَاقاً مِنْ حَرَامٍ أو مَجْهُولٍ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عِوَضاً في الخُلْعِ، فإنْ خَالَعَهَا على أكْثَر مِمّا أصْدَقَهَا كُرِهَ ذلكَ وجَازَ على قَوْلِ شَيْخِنَا، وقال أبو بَكرٍ: لا يَجُوزُ ذلكَ (٦)، فَتُرَدُّ عَلَيهَا الزِّيَادَةُ. فإنْ خَالَعَها على مَجْهولٍ مِثْل أنْ يَقُولَ: على ما في بَيْتِي مِنْ مَتَاعٍ فَلَمْ يُوجَدْ فيهِ شَيءٌ، أو خَالَعَها على ما يُثْمرُ نَخْلُهَا أو على حَمْلِ أمَتِهَا، فقالَ أبو بَكرٍ في " التَّنْبِيْهِ ": الخُلْعُ بَاطِلٌ، وقالَ شَيْخُنَا: يَصِحُّ الخُلْعُ (٧)، ويَرجعُ عليها بِمَا أعْطَاهاَ مِنَ المَهْرِ في مَسْألَةِ المَتَاعِ، ولا يَرجعُ في مَسْألَةِ الثَّمنِ والحملِ بِشَيءٍ، وعِنْدِي أنَّهُ يرجعُ بِمَا أعْطَاها في المَسألَتِيْنِ إلا أنْ يرضى بِدُونِهِ، وقد قالَ أحْمدُ ﵀ في رِوَايَةِ مُهَنَّا: إذا خَالَعَهَا على ثَمَرَةِ نَخْلِهَا فَحَالَت الثَّمَرَةُ تُرْضيهِ بِشَيءٍ فإنْ خَالَعَهَا على مَا في يَدِهَا مِنَ الدَّنَانيرِ لمْ يَصِحَّ

стр. 407

الخُلْعُ على قَولِ أبي بَكرٍ (١)، وحَكِيَ عن أحْمَدَ ﵀: أنَّهُ يُلْزِمُهَا أقَل الجَمْعِ ثَلاثَةَ دَرَاهِمَ. (٢) فإنْ خَالَعَهَا على مُحَرَّمٍ كالخَمْرِ والخِنْزِيرِ. فقالَ شَيْخُنَا: يَصِحُّ (٣) الخُلْعُ ولا يَسْتَحِقُّ عَلَيها شَيئاً، وعِنْدِي أنَّهُ كالخُلْعِ بِغَيْرِ عِوَضٍ لا يَصِحُّ في الرِّوَايَتَيْنِ (٤). إلاَّ أنْ يَقُولَ أنَّ الخُلْعَ طَلاقٌ أو يَنْوِيَ به الطَّلاقَ فَيَقَعُ طَلقَةً رَجْعِيّةً وتَصِحُّ في الأخْرَى (٥) فتَبِينَ بهِ ولا يَسْتَحِقُّ عَليها شَيئاً. فإنْ خَالَعَهَا على مُعَيَّنٍ فَلَمْ يُمْكِنْها تَسْلِمَهُ مِثْلَ أنْ يُخَالِعَهَا على دَنِّ خلٍّ فَيَظْهَرُ أنَّهُ خمرٌّ، أو على عَبْدٍ فَيَظْهَرُ أنَّهُ حُرٌّ أو مَغصُوبٌ لا يَصِحُّ الخُلْعُ (٦) ويرجِعُ عليها بِمِثلِ ذلكَ إنْ كَانَ لهُ مِثْلٌ وإلاَّ تُقَيِّمُهُ. فإنْ خَالَعَها على رَضَاعِ وَلَدِهِ سَنَتَيْنِ فَمَاتَ الوَلَدُ رَجعَ بأجْرَةِ المُدَّةِ أو مَا بَقِيَ مِنْها. فإنْ خَالَعَهَا على نَفَقَةِ عِدَّتِهَا وهيَ حَامِلٌ مِنْهُ صحَّ الخُلْع (٧) وسَقَطَت النَّفَقَةُ. فإنْ خَالَعَهَا بِعَوَضٍ معلوم صح الخلع ويتراجعان بما لأحدهما على صاحبه من الحقوق وعنه يسقط ما بينهما من الحقوق فإن خالعها بعوض على أنَّ لهُ عليها الرَّجعةُ صحَّ الخُلْعُ ولَزِمَ العِوَضُ وبَطَلَ شَرْطُ الرَّجعةِ في إحْدَى الوَجْهَينِ (٨)، وفي الآخَرِ (٩): تَثْبُتُ الرَّجْعَةُ ويَسْقُطُ العِوَضُ. فإنْ خَالَعَتْهُ في مَرِضِهَا على مُسَمًّى كانَ لهُ الأقلُّ مِنَ المُسَمّى أو مِيْرَاثُهُ مِنْهَا. فإنْ خَالَعَهَا في مَرْضِهِ وحَابَاهَا فذلكَ مِنْ رأسِ المَالِ. فإنْ قالَ (١٠): فإنْ أعْطَيتِنِي عَبْداً فأنتِ طَالِقٌ، فأعْطَتْهُ عَبْداً بانَتْ مِنهُ ومَلَكَ العَبْدَ،

стр. 408

نَصَّ عَليهِ. وقالَ شَيْخُنَا: يُلْزِمُهَا عَبْداً وَسطاً كَما ذكرَ في الصَّدَاقِ (١). فإنْ أعْطَتْهُ مُكَاتِباً أو مَغْصُوباً بَانَتْ مِنهُ في أحد (٢) الوَجْهَينِ (٣) ويلزمهُ القِيْمَة، وفي الآخر: لا يُطلقُ (٤). فإنْ خَالَعَها على عَبْدٍ مَوْصُوفٍ في الذَّمَّةِ فأعْطَتْهُ إيّاهُ مَعِيْباً بَانَتْ ولَهُ مُطَالَبَتُهَا لعبدٍ سَّلِيم على تِلْكَ الصِّفَةِ. فإنْ قالَ لَها: إنْ أعْطَيْتِنِي هذا العَبْدَ فأنْتِ طَالِقٌ، فأعْطَتْهُ بانَتْ، فإنْ خَرَجَ مَعيباً لم يَرْجِعْ عَليها بِشَيءٍ، وقالَ شَيْخُنا: لهُ رَدُّهُ والرُّجُوعُ إلى قِيْمَتِهِ (٥)، فإنْ خَرَجَ مَغْصُوباً لمْ يَقعِ الطَّلاقُ بِدَفْعِها إليهِ، وعنهُ أنَّهُ يَقَعُ ويُلْزِمُهَا له قِيْمَةَ العَبْدِ. فإنْ خَالَعَتْهُ على ثَوبٍ هروي فَخَرَجَ مروياً باَنتْ وله الخَيارُ بينَ الإمْسَاكِ والرَّدِّ (٦)، وعِنْدِي أنَّهُ إذا وَقَعَ الخُلْعُ على عَيْنِهِ لم يَسْتَحِقَّ سِوَاهُ. فإنْ قالَ: إنْ أعْطَيْتِنِي ألْفاً، أو: إذا أعْطَيْتِنِي عَبْداً، أو: مَتَى أعْطَيْتِنِي ألْفاً فأنتِ طَالِقٌ، أو: أيُّ وَقْتٍ أعْطَيْتِنِي ألفاً فأنْتِ طَالِقٌ، كانَ ذلكَ على التَّرَاخِي؛ فأيُّ وَقتٍ أعْطَتْهُ المَشْرُوطَ وَقَعَ الطَّلاقُ. فإنْ قالَ: أنتِ طَالِقٌ عَلَى ألْفٍ، أو: بألفٍ، أو: وعَلَيكِ ألفٌ، وقعَ الطَّلاقُ رَجْعِيّاً ولَمْ يُلْزِمْهَا العِوَضَ. فإنْ قالَتْ لهُ: اخْلَعْنِي بألفٍ، أو: عَلَى ألفٍ، أو: طَلِّقْنِي على ألف ففعل لزمها الألف فإن قالت طلقني وَاحِدَةً بألْفٍ وطَلَّقَهَا ثَلاثاً لا يَسْتَحِقُّ الألفَ. فإنْ قالَتْ: طَلِّقْنِي، ثلاثاً بألفٍ أو علَى ألْفٍ وطَلَّقَهَا وَاحِدَةً لمْ يَسْتَحِقَّ شَيئاً مِنَ الألفِ نَصَّ عليهِ (٧) ويحْتَمَلُ (٨) أنْ تَسْتَحِقَّ ثُلُثاً، فإنْ بقيتْ مَعهُ على وَاحِدَةٍ فقالَتْ: طَلِّقْنِي ثَلاثاً بألْفٍ، فَفَعَلَ اسْتَحَقَّ الألفَ سواء علمت بأنهُ لمْ يَنْوِ مِنْ طَلاقِهَا إلاَّ وَاحِدةً، أو لمْ تعْلمْ بأنْ كانَ لهُ زَوْجَتَانِ فقالَتَا له: طَلِّقْنَا بألْفٍ، فَطَلَّقَهُمَا وَقَعَ الطَّلاقُ وتَقَسَّطَتِ الألفُ على قَدْرِ مُهُورِهِمَا على قَوْلِ ابنِ حَامِدٍ (٩). وقال أبو بَكْرٍ: يكونُ الألفُ عَلَيهما نِصْفَينِ، فإنْ كانَ لهُ زَوْجَتَانِ: مُكَلَّفةٌ وغيرُ مُكلَّفَةٍ إلا أنّها

стр. 409

عاقِلَةٌ، فقالَ: أنْتُمَا طَالِقَتَانِ بألْفٍ إنْ شِئْتُمَا، فقالَتَا: قدْ شِئْنَا، وَقَعَ الطّلاقُ بالمكلفة بائِناً ولَزِمَهَا نِصفُ الألْفِ إنْ كَانتْ [رشيدةً] (١) أو يُقَدَّرُ مَهْرُهَا على اخْتِلافِ الوَجْهَينِ (٢) (٣) وَوَقَعَ طَلاقُ غَيرِ البالِغَةِ رَجْعِيّاً ولا شَيْءَ عَلَيْهَا على اختلاف الوجهين (٤). فإنْ وَكَّلَ الزَّوْجُ في خُلْعِ زَوْجَتِهِ مُطْلَقاً فَخَالَعَ بِمَهْرِهَا، فَمَا زَادَ صَحَّ الخُلْعُ ولَزِمَ العِوَضُ، فإنْ نَقَصَ مِنَ المَهْرِ صَحَّ الخُلْعُ ورَجَعَ الزَّوْجُ على الوَكِيلِ بالنُّقْصَانِ ويُحْتَمَلُ (٥) أنْ يَكُونَ بالخَيَارِ بينَ قَبُولِ العِوَضِ نَاقِصاً وبينَ أنْ يزدهُ ويَكُونُ لهُ الرَّجْعَةُ. فإنْ عَيَّنَ الزَّوْجُ العِوَضَ وقدرهُ فَخَالَفَ في ذلكَ فقالَ ابنُ حَامِدٍ: الخُلْعُ بَاطِلٌ (٦) وقالَ أبو بَكرٍ: الخُلْعُ صَحِيحٌ (٧) ورَجَعَ على الوَكِيلِ بِمَا بَيْنَ العِوَضَينِ مِنَ النَّقْصِ. فإنْ كَانَتْ المُوَكِّلَةُ الزَّوْجَةُ فَخَالَعَهَا بِمَهْرِهَا فَما دُونَ صحَّ، وإنْ خَالَعَ بأكْثَرَ مِنْ مَهْرِهَا لم يُلْزِمْهَا إلاَّ مِقْدَارُ مَهْرِهَا المُسَمّى فإنْ لمْ يَكُنْ مُسَمَّى فَمَهْرُ المِثْلِ فإنْ خالَعَهَا على أكْثَرِ مِنْ مَهْرِهَا لَزِمَها مِقْدَارُ مَهْرِهَا فإنْ قدرت لهُ العِوَض فَخَلَعَهَا بأكثَرَ مِنهُ لَزِمَ الوَكيلَ قَدرُ الزِّيَادَةِ فإن اخْتَلَفَ الزَّوْجَانِ في الخُلْعِ فقالَ: خَلَعْتُكِ بألفٍ، فأنْكَرَتْ ذلكَ بَانَتْ والقوْلُ قَوْلُهَا مَعَ يَمِيْنِهَا في العِوَضِ، وكذلكَ إنْ قالَ: خَالَعْتُكِ بألْفٍ، فقالَتْ: بل خالعْتَ ضَرَّتِي، فإن قالَ: خالعْتُكِ على ألفٍ فقالَت: نَعَمْ إلاَّ أنَّها في ضَمَانِ زَيْدٍ، لَزِمَهَا الألِفُ، وإنْ قالَتْ: ما خَالَعْتَنِي وإنّمَا خَالَعْتَ غَيْرِي بألفٍ في ذِمَّتِهِ، فالْقَوْلُ قَوْلُهَا مَعَ يَمِيْنِهَا في العِوَضِ، فإن اخْتَلَفَا في قدرِ العِوَضِ أو في عَيْنِهِ أو في تَعْجِيلِهِ أو في تَأْجِيْلِهِ فالقَولُ قَوْلُ الزَّوْجَةِ مَعَ يَمِينِهَا، وقالَ شَيْخُنَا: يَتَخَرَّجُ أنَّ القَوْلَ قَوْلُ الزَّوْجِ (٨)، ويُحْتَملُ (٩) أنْ يَتَخَالَفَا ويرجعُ إلى مَهْرِهَا المُسَمَّى، فإنْ لمْ يَكُنْ مُسَمَّى فمَهْرِ المِثْلِ فإذا عَلَّقَ طَلَاقَهَا بِصِفَةٍ ثمَّ خَلَعَهَا فَوُجِدَت الصِّفةُ ثم عَادَ فَتَزَوَّجَها فَوجِدَت الصِّفَةُ وَقَعَ الطَّلاقُ نَصَّ عليهِ (١٠).

стр. 410

ورُوِيَ عنهُ فيمنْ عَلَّقَ عِتْقَ عَبْدِهِ بِصِفَةٍ ثمَّ بَاعَهُ وَوجِدَت الصِّفَةُ ثمَّ اشْتَراهُ فَوُجِدَت الصِّفَةُ رِوَايَتَانِ (١)، إحْدَاهُمَا: إنَّهُ يعتقُ عَلَيْهِ، والثَّانِيَةُ: لا يعتق وتنحلُّ الصِّفَةُ، فإذا حَلَّ الصِّفَةَ في العِتْقِ مَع اسْتِحْبَابِهِ ونُفُوذِهِ حَتّى في مِلْكِ الغَيْرِ فأوْلَى أنْ يَكُونَ في الطَّلاقِ مِثل ذلكَ وهو اختِيارُ أَبِي الْحسنِ التَّمِيْمِيِّ (٢)، فأمّا إن أبانها ولمْ تُوجد الصِّفَةُ وعاد فَتَزَوَّجَهَا عَادَت الصِّفَةُ رِوَايَةً وَاحِدَةً. كِتَابُ الطَّلاقِ بَابُ مَنْ يَصِحُّ طَلاقُهُ ومَنْ لا يَصِحُّ طَلاقُهُ وما يَمْلِكُ مِنَ الطَّلاقِ يَصِحُّ طَلاقُ الزَّوْجِ البَالِغِ العَاقِلِ المُخْتَارِ، فأمَّا غيرُ الزَّوْجِ فلا يَصِحُّ طَلاقُهُ مِنْ غَيرِ إذْنِ الزَّوْجِ إلا الأبُ إذا طَلَّقَ زَوْجَةَ ابْنِهِ الطِفْل، فَهَلْ يَقَعُ أمْ لَا؟ على رِوَايَتَيْنِ. (٣) فإنْ تَزَوَّجَ تَزْوِيجاً مختلفاً في صِحَّتِهِ كالنِّكَاحِ بِلا وَلِيٍّ ولا شُهُودٍ أو بِوِلايَةِ فَاسِقٍ أو بِشَهَادَةِ فَاسِقَيْنِ، أو نَكَحَ امْرَأةً في عِدِّةِ أُختِهَا أو نِكَاحِ الشِّغَارِ أو نِكَاحِ المُحَلَّلِ والنِّكَاحِ في الإحْرامِ، ثم طَلَّقَ يَقَعُ طَلاقُهُ نَصَّ عَليهِ (٤) في النِّكَاحِ بِلا وَلِيٍّ وحَمَلَهُ أصْحَابُنَا على أنَّ طَلاقَهُ يَقَعُ وإن اعتقدَ فَسَادَ النِّكَاحِ، وعِنْدِي أنَّ كَلامَهُ مَحْمُولٌ على من اعتقدَ صِحَّة النِّكَاحِ إمَّا باجْتِهَادٍ أو بِتَقْلِيدٍ. فأمَّا إنِ اعْتَقَدَ أنَّهُ نِكاحٌ باطِلٌ فَطَلاقُهُ لا يَقَعُ. وأمَّا الصَّبِيُّ العَاقِلُ فَيَصِحُّ طَلاقُهُ وعنهُ لا يَصِحُّ (٥)، وأمَّا مَنْ زَالَ عَقْلُهُ بِسَبَبٍ يُعْذَرُ فيهِ، كالمَجْنُونِ والمُبَرْسَمِ والمُغْمَى عَليهِ والنَائِمِ فلا يَصِحُّ طَلاقُهُ. ومَنْ زالَ عَقْلُهُ بِما لا يُعْذَرُ فيهِ كالسَّكْرَانِ ومَنْ شَرِبَ مَا يَزُولُ بهِ عَقْلُهُ لِغَيرِ حَاجَةٍ فَهَلْ يَصِحُّ طَلاقُهُ أم لا؟ على رِوَايَتَيْنِ (٦). وكذلكَ يخرجُ في قَتْلِهِ وزِنَاهُ وسَرِقَتِهِ وقَذْفِهِ وظِهَارِهِ وإيْلائِهِ وما أشبَهَ ذلكَ. وأمَّا المُكْرَهُ على الطَّلاقِ بِغَيرِ حَقٍّ فلا يَقَعُ طَلاقُهُ واخْتَلَفت الرِّوَايَةُ في صِفَةِ الإكْراهِ

стр. 411

المَانِعِ مِنَ الوُقُوعِ فقالَ: في مَوْضِعٍ لا يكونُ مُكْرَهاً حَتّى يَنَالَ بِشَيءٍ مِنَ العَذَابِ كالضَّرْبِ والقَيْدِ والحَبْسِ، وقالَ في مَوْضِعٍ إذا هُدِّدَ بالضَّرْبِ والقَتْلِ وأخْذِ المَالِ مِمّنْ يقدرُ فَهُوَ إكْرَاهٌ وإذا وَكّلَ مَنْ يَصِحُّ طَلاقُهُ في الطَّلاقِ صَحَّ تَوكيله ولهُ أنْ يُطَلِّقَ مَتَى شاءَ ومَا شَاءَ إلاَّ أنْ يحدَّ في ذلكَ حَدّاً. فإنْ وَكّلَ رَجُلَيْنِ في طَلاقِ زَوَجَتِهِ فَطَلَّقَ أحَدُهُمَا لم يَقَعِ طَلاقُهُ، إلاَّ أنْ يَجْعَلَ إليهِمَا الطَّلاقَ في حالِ الانْفَرَادِ، فإنْ طَلّقَ أحَدُهُمَا واحِدَةً والآخَرُ ثَلاثاً وَقَعَتْ وَاحِدَةً. وإنْ قالَ لِزَوْجَتِهِ طَلِّقِي نَفْسَكِ أو أمرُكِ بِيَدِكِ فقالت أنتَ طَالِقٌ لمْ يَقَعْ، ويُحْتَمَلُ (١) أنْ يَقَعَ إذا نَوَت طَلاقَ نَفْسِهَا منهُ فإنْ قالَ: طَلِّقِي ثَلاثاً فَطَلَّقَتْ وَاحِدَةً، وإنْ قالَ طَلِّقِي وَاحِدَةً فَطَلّقَتْ ثَلاثاً وَقَعَتْ وَاحِدَةً. فإنْ قال: [أُخْرُجِي] (٢) مِنَ الدَّارِ، وقال: هذا طَلاقُكِ، فقال ابن حامد (٣): يَقَعُ نَوَاهُ أو لمْ يَنْوِهِ وَذَكَرَ شيخُنَا: أنّهُ مَنْصُوصُ أحْمدَ ﵀ وكذلكَ نَحَا على قِيَاسِهِ إذا أطْعَمَهَا وسَقَاهاَ وقال: هذا طَلاقُكِ وعِنْدِي أنّهُ إذا قالَ: نَوَيْتُ أنّ هذا يكونُ شَيئاً لِطَلاقِكِ، يُقْبَلُ مِنْهُ فيما بَيْنَهُ وبينَ اللهِ تَعَالَى، وهَذَا يقبلُ في الحُكْمِ على وَجهَينِ (٤). أصَحُّهُمَا أنَّهُ يقبلُ، فإنْ كَتَبَ طَلاقَ زَوْجَتِهِ ونَوَى بهِ الطَّلاقَ وَقَعَ، رِوَايَة وَاحِدَة. فإنْ قال: نَوَيتُ تَجْوِيدَ خَطِّي أو أنْ أغُمَّ أهْلِي قُبِلَ فيما بينهُ وبينَ اللهِ تَعالَى، وهَلْ يُقْبَلُ في الحُكْمِ؟ على رِوايَتَينِ (٥). قال: في رِوايَةِ أبِي طَالِبٍ إذا كَتَبَ ونَوَى الطَّلاقَ وَقَعَ، وإنْ أرادَ أنْ يعمَّ أهْلَهُ فَقَدْ عَملَ أيضاً في ذلك فَظَاهِرُهُ أنَهُ عملَ الطَّلاقَ أيضاً وقال في رِوَايَةِ إسْحَاقَ بنِ إبْرَاهِيمَ (٦)، وقد سُئِلَ إذا كَتَبَ على وِسَادَةٍ فقال: قد اخْتَلَفُوا فيهِ، ولكنْ إذا كَتَبَ إلَيْهَا وقال: يومَ أكْتُبُ إلَيكِ بِطَلاقِكِ فأنْتِ طَالِقٌ فَيَومَ كَاتَبَهَا الكتاب تطلقُ، فلم يُوقِعِ الطَّلاقَ بِكِتَابَتِهِ وإنّمَا أوقَعَهُ بِشَرْطِهِ ولِهَذَا أوْقَعَهُ يَومَ كَاتَبَهَا الكِتابَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قد كَتَبَهُ قبلَ ذلكَ بِسَنَةٍ ولم يُوَقِّعْهُ وقد قالَ القَاضَي الشَّرِيفُ في " الإرشَادِ ": على روايتين (٧)، وهذا صحيحٌ فإنَّ قَولَهُ أنتِ طَالِقٌ أصْرَحُ مِنَ الكِنَايَةِ. وإذا نَوَى مِنْ وثاقِ فَفيهِ رِوَايَتَانِ (٨)، فإنْ كَتَبَهُ بِشَيءٍ لا يَتَبَيّنُ، فقال أبو حَفْصٍ

стр. 412

العُكْبُرِيُّ (١): يَقَعُ الطَّلاقُ، وظَاهِرُ كَلامِ أحمدَ ﵀ أنَّهُ لا يَقَعُ فإنْ نَوَى الطَّلاقَ بِقَلْبِهِ وأشَارَ بأصَابِعِهِ لمْ يَقَعْ، نَصَّ عليهِ (٢) في رِوَايَةِ حَرْبٍ. فَصْلٌ فأمّا الكِنَايَاتُ فَعَلى ضرْبَينِ: ظَاهِرَةٌ وخَفِيَّةٌ. فالظَّاهِرَةُ: أنتِ خَلِيّةٌ بَرِيّةٌ وبَائِنٌ وبتّةٌ وبتلَةٌ والْحَقِي بأهْلِكِ وأنْتِ الحرجُ وأنْتِ حُرَّةٌ وأنْتِ طَالِقٌ لا رَجْعَةَ لِي عَلَيكِ. وأمّا الخَفِيّةُ فَنَحْو قَوْلِهِ: اخْرُجِي وتَجَرَّعِي وذُوقِي واذْهَبِي وأنتِ مُخلاةٌ وأنْتِ وَاحِدَةٌ واعْتَزِلِي واعْتَدِّي واستبرئي ونحو ذلكَ. واخْتُلِفَ في قَولِهِ في: حَبْلُكِ على غَارِبِكِ واذْهِبِي فَتَزَوَّجِي مَنْ شِئْتِ وَحَلَلْتِ للأزْوَاجِ ولا سَبِيلَ لِي عليكِ ولا سُلْطَانَ لِي عَلَيكِ، فَرُوِيَ عنهُ أنّها ظَاهِرَةٌ، ورُوِيَ عنهُ أنَّها خَفِيّةٌ (٣). واخْتَلَفَ أصْحَابُنَا في الكِنَايَاتِ على طَرِيْقَيْنِ فقالَ شَيْخُنَا (٤): إذا أتَى بالظَّاهِرَةِ فَهِيَ ثَلاثٌ وإنْ نَوَى وَاحِدَةً وإذا أتى بالخفية وقع ما نواه فإن لم ينو عدداً وقعت واحدة وقالَ ابنُ أبي مُوسَى في " الإرشادِ ": في الخفيةِ كَقَولِ شَيْخِنَا. وفي الظَّاهِرَةِ على رِوَايَتَينِ (٥)، أصَحُّهُمَا: أنّها ثلاثٌ، والثَّانِيَةُ: يَرْجِعُ إلى مَا نَوَى وهو الأقْوَى عِنْدِي ونَقَلَ حَنْبَلٌ عَنْهُ (٦) إذَا طَلَّقَ امرأَتَهُ وَاحِدَةً الْبَتةَ كانَ أمْرَهَا بِيَدِهَا يَزِيْدُهَا في مَهْرِهَا إذا أرَادَ رَجْعَتَهَا، وظَاهِرُ هذَا أنَّهُ يَقَعُ بالكِنَايَةِ الظَّاهِرَةِ طَلْقَةً بَائِنَةً؛ لأنَّهُ جَعَل أمْرُهَا بِيَدِهَا وقالَ: يَزِيْدُهَا إن أرادَ رجعَتهَا يعني بالعَقْدِ ولَوْ وَقَعَ الثَّلاثُ لم تبحْ لهُ ولَو كَانَتْ رَجْعِيَّةً لم يَكُنْ أمْرُهَا بِيَدِهَا. ومِنْ شَرْطِ وَقْعِ الطَّلاقِ بالكِنايَةِ أنْ يَنْوِيَ بِها الطَّلاقَ أو يَكُونَ جَوَاباً عَنْ سُؤَالِهَا الطّلاقَ، فإنْ عدمَ الشَّرْطَانِ ولكِنّهُ أتَى بِهَا في حَالِ الخُصُومَةِ والغَضَبِ فَعَلَى رِوَايَتَينِ، إحْدَاهُمَا: لا يَقَعُ بِها الطَّلاقُ نَصَّ عليهِ في رِوَايَةِ أبِي الحَارِثِ (٧)، والثَّانِيَةُ: يَقَعُ الطَّلاقُ، نَصَّ عليهِ في رِوَايَةِ أبي طَالِبٍ وحَرْبٍ (٨).

стр. 413

فإنْ قالَ: أمْرُكِ بِيَدِكِ، فَقَالَتْ: طَلَّقْتُ نَفْسِي مِنْكَ ثَلاثاً، وَقَعَ الثَّلاثُ سَوَاءٌ نَوَى الثَّلاثَ أو وَاحِدَةً، ونَقَلَ عنهُ (١) مُهَنَّا: إذا قال: طَلِّقِي نَفْسَكِ، تَرْجِعُ إلى بَيْتِهِ. وكذلكَ يخرجُ في قَوْلِهِ: إذا قالَ: أمْرُكِ بِيَدِكِ، فإنْ قالَ: اخْتَارِي، فَطَلَّقَتْ نَفْسَهَا ثَلاثاً أو قَالَتْ: اخْتَرْتُ نَفْسِي، وَنَوَتِ الثَّلاثَةَ لم يَقَعْ، إلاّ أنْ يكونَ الزَّوْجُ قد نَوَى الثَّلاثَ، فإنْ قالَ: أمْرُكِ بِيَدِكِ أو اخْتَارِي اليَومَ وغَداً أو بَعْدَ غَدٍ فَرَدَّت الأمْرَ أو الخَيَارَ في اليَومِ الأوَّلِ لم يَكُنْ لَهَا أنْ تُطَلَّقَ، أو يَخْتَار بَعْدَ ذلكَ ولَفْظُةُ الخَيارِ، وأمْرُكِ بِيَدِكِ كِنَايَةً في حَقِّ الزَّوْجِ تَفْتَقِرُ إلى بَيّنةٍ، أو أنْ يكونَ جَواباً عَن سُؤَالِهَا الطَّلاقَ، وهُوَ كِنَايَةٌ في حَقِّ الزَّوْجَةِ إنْ قَبِلَتْهُ بِلَفْظِ الكِنَايَةِ كَقَوْلِهَا: اخْتَرْتُ نَفْسِي ولا تَدْخُل عَلَيَّ وما أشبه ذلكَ، فَيَفْتَقِرُ إلى نِيَّتِهَا، فأمّا إنْ قَالَتْ: طَلَّقْتُ نَفْسِي مِنْكَ، وَقَعَ الطَّلاقُ مِنْ غَيرِ نيّةٍ، ولِلزَّوْجِ الرُّجُوعُ في ذلكَ قَبْلَ أنْ تَخْتَارِ فإن اختلفا فقال رجعت قبل أن تختاري فَقَالَتْ: بَلْ بَعْدَ اخْتِيَاري نَفْسِي، فالْقَولُ قَوْلُهُ. وإنْ قال لَها: ما نَوَيْتِ الطَّلاقَ حتى اخْتَرْتِ، فقالَتْ: بلْ نَوَيْتُ، فالْقَوْلُ قَوْلُهَا، فإنْ قالَ لَهَا: طَلِّقِي نَفْسَكِ، فقالَتْ: اخْتَرْتُ نَفْسِي، وَنَوَتْ وَقَعَ الطَّلاقُ (٢)، ويُحْتَمَلُ أنْ لا يَقَعَ (٣) حتّى يَأتِي بِصَرِيحِ الطَّلاقِ. فإنْ قالَ لَها: كُلِي واشْرِبِي واقْعُدِي وبَارَكَ اللهُ عَلَيكِ وأنتِ مَلِيحَةٌ أو قَبِيحَةٌ، يَنوِي بِها الطَّلاقَ لم يَقَعْ. فإنْ قالَ: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، يَنْوي به الطَّلاقَ لمْ يَقَعِ الطَّلاقُ. فإنْ قالَ: أنتِ عَلَيَّ حَرامٌ، ويَنْوِي الطَّلاقَ لمْ يَقَعْ، كانَ ظِهاراً في المَشْهُورِ مِنَ المَذْهَبِ، وهو اخْتِيارُ الخِرَقِيِّ (٤)، وعنه: أنَّهُ طَلاقُ ثَلاثٍ، وعنهُ: أنَّهُ يَمِينٌ (٥). فإنْ قالَ: ما أحَلَّ اللهُ عَلَيّ حَرَامٍ، أعْنِي بهِ الطَّلاقَ، وَقَعَ بِهَا ثلاثاً، وإنْ قَالَ: أعْنِي بِهِ طَلاقاً، وَقَعَ بِهَا وَاحِدَةً نَصَّ عليهِ في رِوَايَةِ أبي طَالِبٍ وحَرْبٍ (٦) ونَقَلَ عنهُ (٧) فِيْمَنْ قالَ

стр. 414

لِزَوْجَتِهِ: أنْتِ الطَلاق، أنّهُ يَقَعُ بهِ ما نَوَى، ونَقَلَ عنهُ النَّيْسَابُورِيُّ: إذا قالَ: أنْتِ حَرَامٌ أريدُ بِها الطَّلاقَ، لا أذهَبُ إلى أنَّهَا تطلقُ ويُكَفِّرُ كَفّارَةَ ظِهَارٍ. فإنْ قالَ: أَنْتِ عَلَيَّ كَالْمَيْتَةِ والدَّمِ، فإنْ نَوَى بهِ الطَّلاقَ كانَ طَلاقاً، وإنْ نَوَى بهِ الظِّهَارَ كانَ ظِهاراً، وإنْ نَوَى اليَمِينَ كانَ يَمِيناً، وإنْ لمْ يَنْوِ شَيئاً احتَمَلَ وَجْهَينِ (١)، أحَدُهُما: يَكُونُ يَمِيناً، والثَّانِي يَكُونُ ظِهاراً. فإن قالَ: أنتِ طَالِقٌ، ونوَى ثَلاثاً وَقَعَ ما نَوَاهُ في إحْدَى الرِّوَايَتَينِ، وفي الأُخْرَى: تَقَعُ طَلقَة (٢)، فإنْ قالَ: أنْتِ طَالِقٌ وَاحِدةً ونَوَى الثَّلاثَ فَعَلَى الرِّوَايَةِ التي تَقُولُ: يَقَعُ ما نَوَى، هَلْ يَقَعُ هاهنا ثَلاثاً؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَينِ، أحَدُهُمَا: أنَّهُ كِنَايَةٌ في الطَّلاقِ، والثَّانِي: لا يَقَعُ بهِ (٣) شَيءٌ. فإنْ قالَ أنا مِنْكِ بَائنٌ أو أنا مِنكِ، فقدْ تَوَقَّفَ أحْمَدُ ﵀ وقالَ أصْحَابُنَا: يَحْتَمِلُ وَجْهَينِ، اَحدُهُمَا: أنَّهُ كِنايَةٌ في الطَّلاقِ، والثَّانِي: لا يَقَعُ بهِ (٤) شَيءٌ. فإنْ قالَ: أنَا مِنْكِ طَالِقٌ فقالَ ابن حَامِدٍ: لا يَقَعُ بهِ طَلاقٌ وإنْ نَوَى، ويَحْتَمِلُ (٥) أنْ يكونَ كِنَايَةً كَقَوْلِهِ: أنَا مِنْكِ بائِنٌ. فإنْ قال: لَسْتِ لِي بامرأَةٍ، فَهُوَ كِنَايةٌ نَصَّ عليهِ (٦)، وكَذلِكَ إذا قَيلَ: أَلَكَ امْرأَةٌ، فَقَالَ: لا، ونوى الطَّلاقَ وَقَعَ. فإنْ نَوَى لِلْكَذِبِ لم يَقَعْ. فإنْ قِيلَ له: طَلَّقْتَ زَوْجَتَكَ، فقالَ: نَعَمْ، أو قيلَ له ألك زوجة فقال طلقتها طلقت وإن نوى به الكذب فإن قيل له: خَليتَ أمرَأتَكَ، فقال: نَعَمْ، كان كِنايَةً في الطَّلاقِ. فإنْ قالَ: قدْ حلفْتُ بالطَّلاقِ، وكَذَبَ فإنّهُ يُلْزِمُهُ إقْرَارُهُ في الحُكْمِ ولا يُلْزِمُهُ فِيْمَا بَيْنَهُ وبَينَ اللهِ تَعَالَى، فإنْ قَالَ: وَهَبْتُكِ لأهْلِكِ، ونَوى الطَّلاقَ فَقَالُوا: قَبِلْنَا، وَقَعَتْ طلْقَةٌ، وإنْ ردُّوا لَمْ يَقَعْ شَيءٌ ورَوَى عنهُ ابنُ مَنْصُورٍ (٧) إنْ قبلُوهَا فَثَلاثٌ، وإنْ ردُّوهَا فَوَاحِدَةٌ، وكذلكَ إنْ قالَ: وَهَبْتُكِ لِنَفْسِكِ، فإنْ ضَرَبَهَا أو قَبَّلَها أو أطْعَمَها أو أسْقَاها أو ألْبَسَها ثَوباً وقالَ: هذا طَلاقُكِ ونَوَى بهِ الطَّلاقَ، أو كان جَواباً عن سُؤَالِهَا الطَّلاقَ وَقَعَ بِهَا الطَّلاقُ.

стр. 415

بَابُ مَا يَخْتَلِفُ بِهِ عَدَدُ الطَّلَاقِ إذا قالَ لِزَوْجَتِهِ الّتِي دَخَلَ بِها: أنْتِ طَالِقٌ أنتِ طَالِقٌ أنتِ طَالِقٌ، فإنْ نَوَى العَدَدَ وَقَعَ بهِ الطَّلاقُ الثّلاثُ. وإنْ نَوَى إفْهَامَهَا أو التَّأكِيدَ وَقَعَتْ طَلْقَةٌ، فإنْ لمْ يَنْوِ شَيئاً وَقَعَ الثَّلاثُ. وإنْ كانَ ذلكَ قبل أنْ يَدْخُلَ بِها لمْ يَقَعْ بِها إلاّ طَلْقَة وَاحِدَة. فإنْ قالَ لَهَا: أنتِ طَالِقٌ وطَالِقٌ وطَالِقٌ وَقَعَتْ بِها الثَّلاثُ سَواء كانَتْ مَدْخُولاً بِها أو غَيرَ مَدْخُولٍ. فإنْ قال: أنْتِ طَالِقٌ فَطَالِقٌ أو أنْتِ طَالِقٌ ثمَّ طَالِقٌ أو أنْتِ طَالِقٌ بَلْ طَالِقٌ، وَقَعَتْ بالمَدْخُولِ بِها طَلقَتَانِ، وبِغَيرِ المَدْخُولِ بِهَا طَلْقَةٌ. فإنْ قالَ: أنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً بل طَلقَتَينِ، وَقْعَ بِها طَلْقَتَانِ. فإنْ كانَ لهُ امرَأتَانِ فَقَالَ لإحْدَاهُمَا: أنْتِ طَالِقٌ هكذا (١)؛ وأشَارَ بِأصَابِعِهِ الثَّلاث وَقَعَ بِهَا ثَلاثاً. فإنْ قَالَ: أرَدْتُ تعَدُّدَ الإصْبَعَينِ المَقْبُوضَتَينِ قبل منهُ. فإنْ قالَ: أنتِ طَالِقٌ طَلقةً مَعَها طَلْقَةٌ أو مَعَ طَلْقَةٍ، طُلِّقَتْ طَلْقَتَيْنِ. فإنْ قالَ لِمَدْخُولٍ بِها: أنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً قبلَهَا طَلْقَةٌ وبَعْدَهَا طَلْقَةٌ، وَقَعَ بِهَا ثَلاثاً. فإنْ قالَ لَها: أنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً قَبْلَها طَلْقَةٌ، وادّعَى أنه أرَادَ قَبْلَهَا طَلْقَةً في نِكَاحٍ آخَر وَزَوْجٍ آخر. قبلَ فِيمَا بَينَهُ وبَيْنَ اللهِ تَعَالَى وهَلْ يُقْبَلُ في الحُكْمِ؟ على ثَلَاثَةِ أوْجُهٍ: أحَدُهَا: يُقْبَلُ، والثَّانِي: لا يُقْبَلُ، والثَّالِثُ: إنْ كانَ قد وُجِدَ ذلكَ مِنهُ قُبِلَ وإلاّ لَمْ يُقْبَلْ. فإنْ قالَ لِغَيْرِ مَدَخُولٍ بِها: أنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً قَبْلَ طَلقَةٍ، وَقَعَ بِهَا وَاحِدةٌ. فإنْ قال: قَبْلَهَا طَلْقَةٌ، وَقَعَتْ بِها طَلْقَتَانِ، وقالَ شَيْخُنَا: لا تَقَعُ إلا طَلْقَةً. فإنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ: أنْتِ طَالِقَةٌ مِنْ وَاحِدَةٍ إلى ثَلاثٍ وَقَعَ بِهَا طَلْقَتَانِ، وعنهُ: أنَّهُ تَقَعُ ثَلاثاً (٢). فإنْ قالَ: أنْتِ طَالِقٌ طَلقَةً في طَلْقَتَينِ، فإنْ نَوَى طَلْقَةً مَقْرُونَةً بِطَلْقَتَينِ طُلِّقَتْ ثَلاثاً، وإنْ نَوَى مُوجِبَةً عندَ أهْلِ الحِسابٍ وهُوَ لا يَعْرِفُ الحِسابَ فقال ابن حَامِدٍ (٣): تَقَعُ طَلْقَتَانِ / ٢٨٧ و /، وقال شَيْخُنَا: تَقَعُ طَلقَةٌ. فإنْ كانَ عَارِفاً بالحِسَابِ ونَوَى مُوجبَهُ عِنْدَهُمْ، وَقَعَ بِهَا الطَّلْقَتَانِ وإنْ لَمْ يَنْوِ فقالَ أبو بَكْرٍ: تَقَعُ بِهِ الطَّلْقَتَانِ، ويُحْتَمَلُ (٤) أنْ لا تَقَعَ إلاّ طَلْقَةٌ.

стр. 416

فإنْ قالَ: أنتِ طَالِقٌ نِصْفُ طَلقَةٍ أو نِصْفُ طَلْقَتَيْنِ وَقَعَتْ طَلْقَةٌ. فإنْ قالَ: نِصْفَي طَلْقَتَينِ، وَقَعَتْ طَلْقَتَانِ. فإنْ قالَ: ثَلاثَةُ أنصَافِ طَلْقَتَينِ، وَقَعَتْ ثَلاثاً ويُحْتَمَلُ أنْ تَقَعَ طَلْقَتَانِ (١). فإنْ قالَ: نِصْفُ طَلْقَةٍ ثُلُثُ طَلْقَةٍ سُدُسَ طَلْقَةٍ، وَقَعَتْ طَلقَةٌ. فإنْ قَالَ: نِصْفُ طَلْقَةٍ وثُلُثُ طَلقَةٍ وسُدُسُ طَلقَةٍ، وَقَعَتْ ثَلاثاً. فإنْ قالَ: أنْتِ طَالِقٌ نِصْفُ وثُلُثُ وسُدُسُ طَلْقَةٍ، فقالَ أبُو بَكْرٍ: تَقَعُ طَلْقَةٌ، فإنْ قالَ: أنْتِ طَالِقٌ ثَلاثَةُ أنْصَافِ طَلْقَةٍ، وَقَعَ طَلْقَتَانِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَقَعَ طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ. فإنْ قالَ لأرْبَعِ نِسْوَةٍ: أوْقَعْتُ بَيْنَكُنَّ طَلْقَةً أو طَلْقَتِينِ أو ثَلاثَ أو أرْبَعَ طَلَقَاتٍ، وَقَعَ لِكُلِّ امَرَأةٍ طَلْقَةٌ. فإنْ قالَ: أوْقَعْتُ بَيْنَكُنَّ خَمْسَ طَلَقَاتٍ، وَقَعَتْ بِكُلِّ امْرَأةٍ طَلْقَتَانِ، وروَى عنهُ الكَوْسَجُ إذا قَالَ: أوْقَعْتُ بَيْنَكُنَّ ثَلاثَ تَطْلِيقَاتٍ، ما أرَى إلاّ قَدْ بِنَّ منهُ وظَاهِرُهُ أنَّهُ أوْقَعَ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ ثَلاثاً، وكذلِكَ إذا قالَ: بَيْنَكُنَّ طَلْقَتَانِ يَقَعُ على كُلِّ وَاحِدَةٍ طَلْقَتَانِ وهو اخْتِيارُ شَيْخِنَا (٢). فإنْ كَانَ لهُ أرْبَعُ نِسْوَةٍ فقالَ: زَوْجَتُهُ طَالِقٌ، وَقَعَ على كُلِّ امرَأَةٍ طَلْقَةٌ، وكذلِكَ إذَا قَالَ: أمَتِي حُرَّةٌ، ولهُ إمَاءٌ يُعْتَقْنَ كُلُّهُنَّ (٣). فإنْ قالَ: أنْتِ طَالِقٌ كَألْفٍ، وَقَعَ ثَلاثاً ولمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ: نَوَيْتُ وَاحِدَةً، وكَذَلِكَ إنْ قَالَ: بِعَدَدِ الرِّيْحِ أو المَاءِ أو التُّرَابِ وَقَعَ بِهَا ثَلاثاً. فإنْ قَالَ: أنْتِ طَالِقٌ مِلءُ الدُّنِيا أطْوَلُ الطَّلاقِ أو أعْرَضُهُ أو أشَدُّ الطَّلاقِ أو أغْلَظُهُ، وَقَعَ طَلْقَةً إلاّ أنْ يَنويَ الثَّلاثَ (٤). فإنْ قَالَ: أنتِ طَالِقٌ أكْثَرُ الطَّلاقِ أو كُلُّ الطّلاقِ أو جَمِيْعُهُ أو مُنْتَهَاهُ، وَقَعَ بِهَا الطَّلاقُ الثَّلاثَ. فإنْ قالَ: أنْتِ طَالِقٌ أو لا، لم يَقَعْ بِها الطَّلاقُ (٥)، وكذلِكَ إنْ قَالَ: أنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةٌ أو لا، فَالْحُكْمُ كالّتِي قَبلَهَا (٦) ويُحْتَمَلُ أنْ يَقَعَ طَلْقَةً (٧).

стр. 417

فإنْ قَالَ: أنْتِ طَالِقٌ لَيسَ بِشَيءٍ، أو أنْتِ طَالِقٌ ولا شَيءَ أو طَالِقٌ طَلْقَةً لا تَقَعُ عَليكِ، طُلِّقَتْ. فإنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ: يَدُكِ أو رِجْلُكِ أو إصْبَعُكِ أو رُبُعُكِ أو جُزءٌ مِنكِ طالِقٌ، طُلِّقَتْ. فإنْ قالَ: شَعْرُكِ أو سِنُّكِ أو ظُفُرُكِ طَالِقٌ، لم تُطَلَّقْ (١) نصَّ عليهِ ويُحْتَمَلُ أنْ تُطَلَّقَ كَمَا لو أضَافَهُ إلى رُوحِهَا ودَمِهَا وقالَ أبو بَكْرٍ (٢): إذا قالَ: زَوْجُكِ طَالِقٌ، لم تُطَلَّقْ، فإنْ أضَافَهُ إلَى الرِّيقِ والدَّمْعِ والعرف لم يَقَعْ. فإنْ لَقِيَ امْرَأةً فَظَنَّهَا زَوْجَتَهُ فَقَالَ: فُلانَةٌ أنْتِ طَالِقٌ، فإذَا هِيَ أجْنَبِيّةٌ طُلِّقَتْ زَوْجَتُهُ (٣). فإنْ قَالَ العَجَمِيُّ: بهشتم (٤) بسيار، وَقَعَ ما نَوَاهُ (٥). فإنْ قَالَ العَرَبِيُّ ولم تَفْهَمْ مَعْنَاهُ لمْ يَقَعْ. فإنْ نَوَى مُقْتَضَاهُ عندَ العَجَمِ وَقَعَ (٦) وقيلَ لا يَقَعُ (٧). بَابُ الاسْتِثْنَاءِ في الطَّلَاقِ اسْتِثْنَاءُ الكُلِّ مِنَ الكُلِّ أو الأكْثَرِ مِنَ الكُلِّ لا يَصِحُّ. فإذا قَالَ لِزَوْجَتِهِ: أنْتِ طَالقٌ ثَلاثاً إلاَّ ثَلاثاً إلا اثنَتَينِ وَقَعَ بِها ثَلاثاً. فإنْ قالَ: ثَلاثاً إلاّ وَاحِدَةً، صَحَّ الاسْتِثْنَاءُ وَوَقَعَ بِهَا طَلْقَتَانِ. وقالَ أبُو بَكْرٍ (٨): لا يَصِحُّ الاسْتِثْنَاءُ في الطَّلاقِ ويَقَعُ الثلاثُ والتَّفْرِيعُ على الأوّلِ، فإنْ قالَ أنْتِ طَالِقٌ طَلْقَتَينِ إلا طَلْقَةً، احْتَمَلَ وَجْهَينِ، أحَدُهُمَا: يَصِحُّ فَيَقَعُ طَلْقَةً، والثَّانِي لا يَصِحُّ فَتَقَعُ طَلْقَتَانِ (٩). فإنْ قَالَ: أنْتِ طَالِقٌ اثْنَتَينِ وَوَاحِدَةً إلا وَاحِدَةً، وَقَعَ الثَّلاثُ ويُحْتَمَلُ أنْ يَقَعَ الثَّلاثُ، واحتملَ أنْ تَقَعَ طَلْقَتَانِ (١٠). فإنْ قَالَ: أنْتِ طَالِقٌ اثنَتَينِ إلاَّ وَاحِدَةً وَقَعَتْ طَلْقَتَانِ. فإنْ

стр. 418

قَالَ: أنْتِ طَالِقٌ خَمْساً إلاّ ثَلاثاً، وَقَعَ ثَلاثاً. فإنْ قالَ: أنْتِ طَالِقٌ ثَلاثاً إلا رُبُعَ طَلْقَةٍ، وَقَعَ ثَلاثاً. فإنْ قالَ: أنْتِ طَالِقٌ طَلْقَتَينِ ونِصْفَ طَلْقَةٍ إلاَّ طَلْقَةً، وَقَعَ به طَلْقَتَانِ، وقالَ شَيْخُنا: تُطَلَّقُ ثَلاثاً. فإنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وطَالِقٌ إلاّ طَلْقَةً، طُلِّقَتْ ثَلاثاً. وإنْ قالَ: أرَدْتُ اسْتِثْنَاءَ الوَاحِدِ مِنْ جَمِيْعِ الثُّلُثِ فَهَلْ يُقْبَلُ في الحُكْمِ؟ على وَجْهَينِ. فإنْ قَالَ: نَسَاؤُهُ طَوَالِقٌ واسْتَثْنَى بِقَلبِهِ إلا فُلانَةً، فَهَلْ يُقْبَلُ في الحُكْمِ؟ على وَجْهَينِ. وإنْ قَالَ: أنْتِ طَالِقٌ ثَلاثاً، ثُمَّ قالَ: اسْتَثْنَيْتُ وَاحِدَةً لمْ يُقْبَلْ في الحُكْمِ. بَابُ تَعْلِيْقِ الطَّلَاقِ بالشُّرُوْطِ وكَذَلِكَ في الحُكْمِ وهُوَ يَشْتَمِلُ على عَشرَةِ فُصُولٍ: الأوَّلُ: تَصِحُّ بِتَعْليِقِ الطَّلاقِ بالشُّرُوطِ إذَا وَجَدَ ذَلِكَ مِنِ الزَّوْجِ، وكَذَلِكَ العِتَاقُ إذَا وُجِدَ مِنَ السَّيِّدِ. فأمّا إنْ وُجِدَ مِنَ الأجْنَبِيِّ فقالَ: إنْ تَزَوَّجْتُ فُلانَةَ أو تَزَوَّجْتُ بامْرَأةٍ فَهِيَ طَالِقٌ، فالْمَشْهُورُ عَنْهُ إنّهُ إذَا تَزَوَّجَ لمْ تُطَلَّقْ. ونَقَلَ ما يَدُلُّ على أنَّهَا تُطَلَّقُ. فإنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ: إنْ تَزَوَّجْتُ عَلَيكِ بِفُلانَةَ فَهِيَ طَالِقٌ فإنْ تَزَوَّجَ بِها طُلِّقَتْ، وكذلِكَ نُقِلَ عنهُ إذَا قال لأمَتِهِ عَقيبَ عِتْقِهَا: إنْ تَزَوَّجْتُكِ فأنْتِ طَالِقٌ، فإنّها تُطَلَّقُ إذا تَزَوّجَها قالَ بَعْضُ أصْحَابِنَا: هَذَا خَاصٌّ فِيْمَنْ كانَ لهُ عَلَيْهَا مِلْكٌ، والظَّاهِرُ خِلافُ هَذَا. فأمّا العِتَاقُ فالمَشْهُورُ أنَّهُ إذا قالَ السَّيِّدُ: إنْ مَلَكْتُ فُلاناً فَهُوَ حُرٌّ، أنَّهُ إذا مَلَكَهُ عُتِقَ، ونقلَ عنهُ: إنَّهُ لا يُعْتَقُ. ولا تَخْتَلِفُ الرِّوَايَةُ أنَّهُ إذا قالَ لأجْنَبِيَّةٍ: إنْ دَخَلْتِ دَارِي فأنْتِ طَالِقٌ ثمَّ تَزَوَّجَهَا ودَخَلتْ، إنَها لا تُطَلَّقُ. وكَذلِكَ في العِتْقِ. وإذَا عُلِّقَ الطَّلاقُ بِشَرْطٍ غَيْرِ مُسْتَحِيلٍ كَمَجِيءِ المَطَرِ وقُدُومِ زَيدٍ وطُلُوع الشَّمْسِ وما أشْبَهَ ذلكَ وَقَعَ الطَّلاقُ بِوُجُودِ الشَّرْطِ، وإنْ عُدِمَ لم يَقَعْ. فإنْ قالَ: عَجَّلْتُ ما كُنْتُ عَلَّقْتُهُ، لمْ تُطَلَّقْ حتّى يُوْجَدَ الشَّرْطُ فَتُطَلَّق. فإنْ قالَ: إنْ قُمْتِ فأنْتِ طَالِقٌ، ثم قال: سَبَقَ لِسَانِي بالشَّرْطِ وإنَّمَا أرَدتُ أنْ يَقَعَ الطَّلاقُ في الحَالِ، طُلِّقَتْ في الحَالِ. فإنْ قالَ: أنْتِ طَالِقٌ، ثم قالَ: أرَدْتُ إنْ كَلَّمْتِ زَيْداً أو دَخَلْتِ الدار دِيْنَ، وهَلْ تُقْبَلُ في الحُكْمِ؟ على وَجْهَينِ (١). فإنْ عَلّقَ الطَّلاقَ بِشُرُوطٍ مُسْتَحِيلَةٍ فقالَ: أنتِ طَالِقٌ لأشْرَبَنَّ هذا المَاءَ في هذا الكُوزِ - ولا ماءَ فيهِ -، أو: لآكُلَنَّ الخُبْزَ الذي في هذا الصُّنْدُوقِ - ولا خُبزَ فيهِ -، لَغَى

стр. 419

شَرطَهُ وَوَقَعَ الطَّلاقُ في الحَالِ، وقالَ شَيْخُنَا (١): لا يَقَعُ بهِ الطَّلاقُ كَمَا لَو حَلَفَ لَيَصْعَدَنَّ السَّمَاءَ أو لَيَطِيْرَنَّ فإنَّهُ لا يَحْنَث. فإنْ حَلَفَ لَيَقْتُلَنَّ فُلاناً المَيِّتِ فَهُوَ على ما تَقَدَّمَ مِنَ الوَجْهَيْنِ. (٢) فإنْ حَلَفَ لا يَرْكَبُ دَابّةً هو رَاكِبُهَا أو لا يَلْبَسُ ثَوباً هو لَابِسُهُ فاسْتَدَامَ ذلكَ حَنَثَ. فإنْ حَلَفَ لا يَتَزوَّجُ وهُوَ مُتَزوِّجٌ، أو لا يَتَطَيَّبُ وهُوَ مُتَطيِّبٌ، أو لا يَتَطَهّرُ وهو مُتَطهِّرٌ فاسْتَدامَ ذلكَ لم يَحْنَثُ. فإنْ حَلَفَ لا يَدْخُلُ دَاراً وهُوَ دَاخِلُهَا فاسْتَدامَ الجُلُوسَ فيها فقالَ أحْمَدُ ﵀: أخافُ أنْ يَكونَ قدْ حَنَثَ وهَذَا مَحْمُولٌ على أنَّهُ قَصَدَ الامْتِنَاعَ مِنَ الكَونِ في دَاخِلِهَا وإلاَّ فَلا يَحْنَثُ عِنْدِي حَتّى يَبتَدِئَ الدُّخُولَ، وقالَ شَيْخُنَا (٣): يَحْنَثُ وإنْ لمْ يَقْصِدْ. فإنْ حلَفَ ألاَّ يَفْعَلَ شيئاً ففعَلَهُ نَاسِياً لمْ يَحْنَثْ (٤)، وعنْهُ: إنَّهُ يَحْنَثُ (٥) وعنهُ لا يَحْنَثُ في اليَمِينِ المُكَفّرةِ ويَحْنَثُ في الطَّلاقِ والعِتَاقِ (٦)، وإذا حَلَفَ لا يَفْعَلُ شيئاً فَوَكَّلَ غَيْرَهُ في فِعْلِهِ حَنَثَ وكانَ في حُكْمِ فِعْلِهِ. فَصْلٌ ثَانٍ فِي تَعْلِيْقِ الطَّلَاقِ والعِتَاقِ بِوَقْتِ المُسْتَقْبَلِ إِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ غَداً، أو في شَهْرِ كَذَا، أو إِذَا جَاءَ يَوْمُ كَذَا فَأَنْتِ طَالِقٌ، طَلَقَتْ بأَوَّلِ جُزْءٍ ويُؤْخَذُ مِنَ الغَدِ والشَّهْرِ واليَومِ، فَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ في هَذَا اليَوْمِ، أو في هَذَا الشَّهْرِ طَلَقَتْ في الحَالِ، فَإِنْ قَالَ: أَرَدْتُ في آخِرِ الشَّهْرِ دِيْنَ، وهَلْ يُقْبَلُ؟ في اخْتِيَارِي ثَلَاثُ تَطْلِيْقَاتٍ مَا شِئْتَ لَمْ يَكُنْ لَهَا أَنْ تَخْتَارَ الثَّلَاثِ بَلْ تَخْتَارُ طَلْقَةً أو طَلْقَتَيْنِ، فَإِنْ لَمْ تُطَلِّقْ نَفْسَهَا عَقِيبَ قَولِهِ ثُمَّ طُلِّقَتْ بَعْدَ ذَلِكَ وَقَعَ الطَّلَاقُ ما دامَا في المَجْلِسِ ولَمْ يَتَشَاغَلَا بِعَمَلٍ يَقْطَعُ حُكْمَهُ، فَإِنْ تَفَرَّقَا ثُمَّ طَلَّقَتْ نَفْسَهَا احْتَمَلَ أنْ يَقَعَ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ (٧) في قَوْلِهِ: أَمْرُكِ بِيَدِكِ، واحْتَمَلَ أَنْ لَا يَقَعَ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ (٨) في اخْتِيارِي نَفْسِكِ، وقدْ

стр. 420

فَرَّقَ أَصْحَابُنَا بَيْنَهُمَا وجَعَلُوا مَسْأَلَةَ الخِيَارِ مَقْصُورَةً عَلَى المَجْلِسِ، وأَمْرُكِ بِيَدِكِ عَلَى التَّرَاخِي، وعِنْدِي: أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا فَيُنْقَلُ لَفْظُهُ في مَسْأَلَةٍ إِلَى الأُخْرَى فَيَكُونُ في المَسْأَلَتَيْنِ رِوَايَتَانِ (١) كَمَا سَوَّيْنا بَيْنَهُمَا في أَنَّهُ إِذَا رَجَعَ فِيْهِمَا أو وَطِئَ قَبْلَ أَنْ يُطَلِّقَ أو يَخْتَارَ نَفْسَهَا أَنَّهُ يَصِحُّ رُجُوعُهُ. فَإِنْ لَمْ يَرِدْ لَفْظُهُ بِصِحَّةِ الرُّجُوعِ إِلاَّ في قَوْلِهِ: أَمْرُكِ بِيَدِكِ، ويَمْلِكُ الحُرُّ ثَلَاثَ تَطْلِيْقَاتٍ، ويَمْلِكُ العَبْدُ تَطْلِيْقَتَيْنِ سَواءٌ كَانَ تَحْتَهُمَا حُرٌّ أو أَمَةٌ. ونَقَلَ عَنْهُ مُهَنَّا مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الاعْتِبَارَ في الطَّلَاقِ بالنِّسَاءِ فَيَمْلِكُ زَوْجُ الأَمَةِ تَطْلِيْقَتَيْنِ وإِنْ كَانَ حُرّاً، وزَوْجُ الحُرَّةِ ثَلَاثاً وإِنْ كَانَ عَبْداً. بَابُ سُنَّةِ الطَّلَاقِ (٢) وبِدْعَتِهِ الطَّلَاقُ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ مَكْرُوهٌ في إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ (٣)، وفي الأُخْرَى: هوَ مُحَرَّمٌ. فَأَمَّا مَعَ الحَاجَةِ فَيَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ: وَاجِبٌ: وهوَ طَّلَاقُ المَوْلَى بَعْدَ التَّرَبُّصِ، وإِذَا أَقَامَ عَلَى الإِيْلَاءِ، وطَلَاقُ الحَكَمَيْنِ لأَجْلِ الشَّقَاقِ إِذَا رَأَيَا ذَلِكَ. ومُسْتَحَبٌّ: وهوَ إِذَا لَمْ يَتَمَكَّنْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يُقِيْمَ بِحَقِّ صَاحِبِهِ. ومُبَاحٌ: وهوَ إِذَا كَانَتِ الزَّوْجَةُ لَا تُطَاوُعُهُ فِيْمَا يَحِبُّ لَهُ عَلَيْهَا. والسُّنَّةُ لِمَنْ أَرَادَ الطَّلَاقَ مِنْ وَجْهَيْنِ (٤): أَحَدُهُمَا: مِنْ حَيْثُ العَدَدُ، وهوَ أَنْ يُطَلِّقَ وَاحِدَةً، فَإِنْ طَلَّقَ ثَلَاثاً بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ أو في ثَلَاثَةِ أَظْهارٍ، فَقَدَ فَعَلَ مُحَرَّماً في إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وهيَ اخْتَيَارُ أَبِي بَكْرٍ وشَيْخِنَا، وفي الأُخْرَى: قَدْ تَرَكَ الأَفْضَلَ، وهوَ مُبَاحٌ، اخْتَارَهَا الخِرَقِيُّ وتَقَعُ الثَّلَاثُ عَلَى كِلْتَا الرِّوَايَتَيْنِ، والثَّانِي مِنْ حَيْثُ الوَقْتُ (٥) وهوَ أَنْ يُطَلِّقَهَا في طُهْرٍ لَمْ يُجَامِعْهَا فِيْهِ، فَإِنْ طَلَّقَهَا فِي طُهْرٍ وَطِئَهَا فِيْهِ أو في حَالِ حَيْضِهَا كَانَ مُحَرَّماً ووقَعَ واسْتُحِبَّ لَهُ ارْتِجَاعُهَا إِنْ كَانَ الطَّلَاقُ رَجْعِيّاً.

стр. 421

وَحَكَى ابنُ أَبِي مُوْسَى رِوَايَةً أَنَّهُ يُحِبُّ الارْتِجَاعَ إِذَا طَلَّقَ في الحَيْضِ وكبر عَلَيْهِ واخْتَارَهَا، فَإِنْ كَانَتِ الزَّوْجَةُ صَغِيْرَةً أو آيِسَةً أو غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهَا أو حَامِلاً (١) قَدِ اسْتَبَانَ حَمْلُهَا فلَا سُنَّةَ في طَلَاقِهَا ولَا بِدْعَةَ في أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ (٢)، وفي الأُخْرَى (٣): تُعْتَبَرُ السُّنَّةُ في طَلَاقِهَا في العَدَدِ لَا في الوَقْتِ. فَعَلَى هَذَا إِذَا قَالَ لِزَوْجَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً للسُّنَّةِ وطَلْقَةً للِبِدْعَةِ، فَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ لَا بِدْعَةَ لِطَلَاقِهَا ولَا سُنَّةَ طَلَقَتْ في الحَالِ طَلْقَتَيْنِ، وإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ لِطَلَاقِهَا سُنَّة وبِدْعَة وَقَعَ بِهَا طَلْقَةٌ في الحَالِ، فَإِذَا صَارَتْ إِلَى ضِدِّ حَالِهَا التي كَانَتْ عَلَيْهَا وَقَعَتْ بِهَا الأُخْرَى. فَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثاً للسُّنَّةِ، فَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ لِطَلَاقِهَا سُنَّة وبِدْعَة، وكَانَتْ حَائِضاً أو في طُهْرٍ جَامَعَهَا فِيْهِ لَمْ يَقَعْ بِهَا في الحَالِ. فَإِذَا وَجَدَ طُهْراً (٤) لَمْ يُجَامِعْهَا فِيْهِ وَقَع الثَّلَاثَ عَلَى مَا اخْتَارَهَا الخِرَقِيُّ (٥)، وعَلَى مَا اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ (٦) إِذَا وَجَدَ الطُّهْرَ طَلَقَتْ واحِدَةً، وتَطْلُقُ الثَّانِيَةَ والثَّالِثَةُ في طُهْرِهِنَّ في نِكَاحَيْنِ، وإِنْ لَمْ يَكُنْ لِطَلَاقِهِمَا سُنَّةٌ ولَا بِدْعَةٌ لَغَا قَوْلَهُ: للسُّنَّةِ ووَقَعَ بِهَا الثَّلَاثُ في الحَالِ، فَإِنْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ في كُلِّ قُرْءٍ طَلْقَةٌ، وكَانَتْ مِمَّنْ لِطَلَاقِهَا سُنَّةٌ وبِدْعَةٌ انْبَنَى ذَلِكَ عَلَى أَصْلٍ، وهَلْ الأَقْرَاءُ الحَيْضُ أو الأَطْهَارُ؟ فَإِنْ قُلْنا: الأَقْرَاءُ الحَيْضُ، وَقَعَ في كُلِّ حَيْضَةٍ طَلْقَةٌ. وإِنْ قُلْنَا: الأَطْهَارُ، وَقَعَ في كُلِّ طُهْرٍ طَلْقَةٌ. وإِنْ لَمْ تَكُنْ مِمَّنْ لِطَلَاقِهَا سُنَّة وبِدْعَة نَظَرْنَا، فَإِنْ قُلْنَا: الأَقْرَاءُ الحَيْضُ وكَانَتْ حَامِلاً أو حَائِلاً طَاهِراً ولَمْ يُدْخَلْ بِهَا أو آيِسَةً أو صَغِيْرةً لَمْ يَقَعْ بِهَا الطَّلَاقُ في الحَالِ حَتَّى إِذَا وَجَدَ الحَيْضَ مِمَّنْ تَحِيْضُ مِنْهُنَّ وَقَعَ لِكُلِّ حَيْضَةٍ طَلْقَةٌ. وإِنْ قُلْنَا: الأَقْرَاءُ الأَطْهَارُ وَقَعَتْ بِهَا في الحَالِ طَلْقَةٌ ووَقَعَ في كُلِّ طُهْرٍ تجدد لَهَا بَعْدَ ذَلِكَ، وهيَ عَلَى الزَّوْجِيَّةِ طَلْقَةٌ، فَإِنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ أحْسَنَ الطَّلَاقَ وأَجْمَلَهُ، فَإِنْ نَوَى أَحْسَنَ أَحْوَالِكِ وأَجْمَلَهَا أَنْ تَكُونِي مُطَلَّقَةٌ، أَو كَانَتْ مِمَّنْ لَا سُنَّةَ ولَا بِدْعَةَ لِطَلَاقِهَا طلقتْ في الحَالِ، وإِنْ لَمْ يَنْوِ طلقتْ في طُهْرٍ لَمْ يُجَامِعْهَا فِيْهِ، فَإِنْ عَكَسَ فَقَالَ: أَقْبَح الطَّلَاقِ وأَسْمَجَهُ، فَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ لَا سُنَّةَ لِطَلَاقِهَا أو نَوَى أَقْبَحَ أَحْوَالِكِ

стр. 422

تَكُونِي مُطَلَّقَةً وَقَعَ في الحَالِ، وإِنْ لَمْ يَنْوِ طلقتْ في زَمَانِ البِدْعَةِ، فَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً حَسَنَةً (١) قَبِيْحَةً (٢) وَقَعَ الطَّلَاقُ في الحَالِ، فَإِنْ طَلَّقَهَا دُونَ الثَّلَاثِ ثُمَّ نَكِحَتْ زَوْجاً غَيْرَهُ وطَلَّقَهَا فَعَادَ فَتَزَوَّجَهَا رَجَعَتْ إِلَيْهِ عَلَى مَا بَقَى مِنْ طَلَاقِهَا، وعَنْهُ (٣): إِنَّهَا تَعُودُ إِلَيْهِ عَلَى طَلَاقِ ثَلَاثٍ. بَابُ صَرِيْحِ الطَّلَاقِ وكِنَايَتِهِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا في صَرِيْحِ الطَّلَاقِ، فَقَالَ الخِرَقِيُّ (٤): ثَلَاثَةُ أَلْفَاظٍ: الطَّلَاقُ والفِرَاقُ والسَّرَاحُ وما تَصَرَّفَ مِنْهُمَا (٥). فَإِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ أو طَلَّقْتُكِ، أو فارقتك، أو أَنْتِ مُفَارَقَةٌ أَوْ سَرَّحْتُكِ أو أَنْتِ مُسَرَّحَةٌ طَلَقَتْ وإِنْ لَمْ يَنْوِ. وقَالَ ابنُ حَامِدٍ (٦): صَرِيْحُهُ لَفْظٌ وَاحِدٌ وهوَ الطَّلَاقُ ومَا تَصَرَّفَ مِنْهُ، وهوَ الأَقْوَى عَنْهُ، فإنْ قَالَ: أَرَدْتُ أَنْتِ طَالِقَةٌ أو مُطَلَّقَةٌ من وِثَاقِي أو من زَوْجِ قَبْلِي، أَو فَارقتك، بِقَلْبِي أو سَرَّحْتُكِ مِنْ يَدِي، قُبلَ: فِيْمَا بَيْنَهُ وبَيْنَ اللهِ تَعَالَى، وهَلْ يُقْبَلُ في الحُكْمِ أمْ لَا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ (٧). وكَذَلِكَ إِنْ قَالَ: أَرَدْتُ أَنْ أَقُولَ: أَنْتِ طَاهِرٌ، فَقُلْتُ: أَنْتِ طَالِقٌ، وهَذَا إِنْ لَمْ يَكُنْ في حَالِ الغَضَبِ وسُؤَالها الطَّلَاقُ، فَأَمَّا إِنْ كَانَ في حَالِ سُؤَالِهَا لَمْ يُقْبَلْ في الحُكْمِ، رِوَايَةً وَاحِدَةً. فَإِنْ ضَرَبَ زَوْجَتَهُ أو أَخْرَجَهَا [ … ] (٨) لِزَوْجَتِهِ: إِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ، أَو إِذَا أَكَلْتِ التَّمْرَ، أَو مَتَى صَعَدْتِ السَّطْحَ، أَو أَيَّ وَقْتٍ خَرَجْتِ فَأَنْتِ طَالِقٌ. وأَيُّ وَقْتٍ وُجِدَ مِنْهَا مَا حَلَفَ عَلَيْهِ وَقَعَ الطَّلَاقُ، وكَذَلِكَ إنْ قَالَ: مَنْ لَبِسَتْ منكن خُفّاً فَهيَ طَالِقٌ فأي وقت لبست طلقت، فَإِنْ كَرَّرَتْ فَعَلَ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ لَمْ يَتَكَرَّرِ الطَّلَاقُ. فَإِنْ قَالَ: كُلَّمَا دَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ، فأَيُّ وَقْتٍ دَخَلَتْ طلقتْ، وإِذَا تَكَرَّرَ دُخُولُهَا تَكَرَّرَ وُقُوعُ الطَّلَاقِ، فَأمَّا إنْ قَالَ: إِنْ لَمْ تَدْخُلِي الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ ولَا نِيَّةَ لَهُ فَإِنَّهَا

стр. 423

إِذَا لَمْ تَدْخُلْ لَا يَقَعُ بِهَا الطَّلَاقُ إِلاَّ في آخِرِ جُزْءٍ مِنْ آخِرِ حَيَاةِ أَحَدِهِمَا. فَإِنْ قَالَ: مَتَى لَمْ تَدْخُلِي أو أَيَّ وَقْتٍ لَمْ تَدْخُلِي الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَمَتَى مَضَى زَمَنٌ يُمْكِنُهَا الدُّخُولُ فلم تَدْخُلْ طَلَقَتْ، وكَذَلِكَ إِذَا قَالَ: مَنْ لَمْ تَدْخُلْ الدَّارَ فَهِيَ طَالِقٌ. فَإِنْ قَالَ: كُلَّمَا لَمْ تَدْخُلِي فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَمَضَى زَمَانٌ يُمْكِنُهَا الدُّخُولُ ولَمْ تَدْخُلْ طلقتْ، ثُمَّ إِنْ مَضَى زَمَانٌ آخَرُ كَانَ يُمْكِنُهَا الدُّخُولُ فَلَمْ تَدْخُلْ طلقتْ، وكَذَلِكَ في الثَّانِيَةِ. فَإِنْ قَالَ: إِذَا لَمْ تَدْخُلِي الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ (١): أَحَدُهُمَا: يَمِيْنُهُ عَلَى التَّرَاخِي، والثَّانِي: عَلَى الفَوْرِ، فإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ، أو إِنْ شَاءَ أَبِي - بالفَتْحِ (٢) الأَلِفِ، وهو مِمَّنْ يَعْرِفُ العَرَبِيَّةَ - طلقتْ في الحَالِ كَمَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إِذْ دَخَلْتِ الدَّارَ، أو لِدُخُولِ الدَّارِ. وحُكِيَ (٣) عَنْ أَبِي بَكْرٍ الخَلاَّلِ أَنَّهُ قَالَ: إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةُ فَهُمَا سَوَاءٌ، فَإِنْ قَالَ: إِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ رَجَعَ إِلَيْهِ، فَإِنْ قَالَ: نَوَيْتُ الإِيْقَاعَ أو لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ طلقتْ في الحَالِ. وإِنْ قَالَ: نَوَيْتُ أَنْ أَجْعَلَ دُخُولَ الدَّارِ وطَلَاقَهَا شَرْطَيْنِ لِعِتْقٍ أو طَلَاقِ أُخْرَى، أَمْسَكْتُ دِيْنَ، وهَلْ يُقْبَلُ في الحُكْمِ؟ يُخَرَّجُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ (٤). وكَذَلِكَ إِذَا قَالَ: أَرَدْتُ الشَّرْطَ والجَزَاءَ، أو أَقَمْتَ الوَاوَ مقَامَ الفَاءِ، فَإِنْ قَالَ: إِنْ كَلَّمْتُكِ فَدَخَلْتُ دَارَكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ لَمْ تَطْلُقْ حَتَّى يُكَلِّمَهَا ثُمَّ يَدْخُلُ دَارَهَا، وإِنْ قَالَ: إِنْ كَلَّمْتُكِ ودَخَلْتُ دَارَكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ طلقتْ بِوُجُودِ الكَلَامِ والدُّخُولِ، سَوَاءٌ تَقَدَّمَ الكَلَامُ أَوْ تَأَخَّرَ؛ لأَنَّ الوَّاوَ للجَمْعِ والفَاءَ للتَرْتِيْبِ، وعَنْهُ: أَنَّهَا تَطْلُقُ بِوُجُودِ الصِّفَتَيْنِ في المَسْأَلَتَيْنِ. وأَصْلُ ذَلِكَ إِذَا حَلَفَ لَا يَفْعَلُ شَيْئاً فَفَعَلَ بَعْضَهُ، مِثْلُ أَنْ يَحْلِفَ: لَا أَكَلْتُ هَذَا الرَّغِيْفَ فَأَكَلَ بَعْضَهُ، أو لَا كَلَّمْتُ زَيْداً وعَمْراً فَكَلَّمَ أَحَدَهُمَا، فَفِيْهِ رِوَايَتَانِ (٥): أَحَدَهُمَا: يَحْنَثُ، اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ وشَيْخُنَا.

стр. 424

والثَّانِيَةُ: لَا يَحْنَثُ إِلاَّ بِفِعْلِ الجَمِيْعِ، وهِيَ الصَّحِيْحَةُ عِنْدِي، فَإِنْ قَالَ: إِنْ كَلَّمْتُكِ أو إِنْ دَخَلْتُ دَارَكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ طلقتْ بِوُجُودِ إِحْدَى الصِّفَتَيْنِ بِمَثَابَةِ مَا لوْ قَالَ: إِنْ كَلَّمْتُكِ أو إِنْ دَخَلْتُ دَارَكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ قُمْتِ إِنْ قَعَدْتِ لَمْ تَطْلُقْ حَتَّى تَقُومَ، وكَذَلِكَ إِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ شَرِبْتِ إِنْ أَكَلْتِ لَمْ تَأْكُلْ ثُمَّ تَشْرَبْ. فَأَمَّا إِنْ تَقَدَّمَ القِيَامُ ثُمَّ القُعُود أو الشُّرْبُ ثُمَّ الأَكْل لَمْ تَطْلُقْ. فَصْلٌ (١) ثَالِثٌ في تَعْلِيْقِ الطَّلَاقِ بِزَمَانٍ ماضٍ إِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ أَمْسِ، أو في الشَّهْرِ المَاضِي، أو قِيْلَ: أَنْ أَتَزَوَّجَ بِكِ، فَإِنْ أَرَادَ الإيْقَاعَ مُسْتَنِداً إلى مَا ذَكَرَ وَقعَ في الحَالِ، وإِنْ أَرَادَ الإخْبَارَ وإنَّهَا كَانَتْ قَدْ طَلَّقَهَا هوَ أو زَوْجٌ غَيْرُهُ في الوقْتِ الَّذِي ذَكَرَهُ وكَانَ ذَلِكَ قَدْ وجدَ قُبِلَ مِنْهُ وإِلاَّ وَقَعَ الطَّلَاقُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ، فَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ (٢) ﵀ أَنَّهَا لَا تَطْلُقُ، وَقَالَ شَيْخُنَا: تَطْلُقُ (٣). وحُكِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ: أَنَّهُ قَالَ في قَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ أَمْسِ وفي الشَّهْرِ المَاضِي: لَا تَطْلُقُ، وفي قَوْلِهِ: قَبْلَ أَنْ أَتَزَوَّجَ بلْ إِنْهَا تَطْلُقُ. فَإِنْ قَالَ ذَلِكَ ثُمَّ مَاتَ أو جُنَّ أو خَرِسَ فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ (٤)، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَقَعُ (٥). فَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَ قُدُومِ زَيْدٍ، أو قَبْلَ مَوْتِي بِشَهْرٍ، ثُمَّ قَدِمَ زَيْدٌ أو مَاتَ هوَ قَبْلَ مُضِيِّ الشَّهْرِ أو مَعَ مُضِيِّهِ لَمْ يَقَعْ بِهَا الطَّلَاقُ وإنْ وَجَدَ ذَلِكَ بَعْدَ مُضْيِّ الشَّهْرِ ومَضَى جُزْءٌ يَقَعُ في مِثْلِهِ الطَّلَاقُ تَبَيَّنّا أَنَّ طَلَاقَهُمَا وَقَعَ في ذَلِكَ الجُزْءِ، فَإِنْ كَانَ الطَّلَاقُ ثَلَاثاً ثُمَّ خَالَعَهَا بَعْدَ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ ثُمَّ قَدِمَ زَيْدٌ أَو مَاتَ بَعْدَ الشَّهْرِ بِسَاعَةٍ أو يَوْمٍ وَقَعَ الطَّلَاقُ وبَطَلَ الخُلْعُ، ولَهَا الرُّجُوعُ عَلَيْهِ بِعِوَضِ الخُلْعِ، وإِنْ وُجِدَ ذَلِكَ بَعْدَ الخُلْعِ بِشَهْرٍ وسَاعَةٍ صَحَّ الخُلْعُ وبَطَلَ الطَّلَاقُ المُعَلَّقُ. فَصْلٌ رَابِعٌ في تَعْلِيْقِ الطَّلَاقِ بالمَوْتِ إِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَ مَوْتِي، أو قَبْلَ مَوْتِ زَيْدٍ طلقتْ في الحَالِ، فَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٍ مَعَ مَوْتِي، أو بَعْدَ موْتِي لَمْ تَطْلُقْ ولوْ قَالَ لِعَبْدِهِ: أَنْتَ حُرٌّ مَعَ مَوْتِي أَوْ

стр. 425

بَعْدَ مَوْتِي عُتِقَ، فَإِنْ تَزَوَّجَ بِأَمَةٍ، ثُمَّ قَالَ لَهَا: إِذَا مَاتَ أَبِي فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثاً، فَمَاتَ الأَبُ لَمْ يَقَعِ الطَّلَاقُ عَلَى قَوْلِ شَيْخِنَا (١)، بلْ يَنْفَسِخُ النِّكَاحُ بالمِلْكِ (٢)، وكَذَا ذَكَرَهُ في المُجَرَّدِ، وذَكَرَ في الجَامِعِ: أَنَّهُ يَقَعُ الطَّلَاقُ، وهوَ الصَّحِيْحُ؛ لأَنَّ صِفَةَ الطَّلَاقِ تُوجَدُ عقِيْبَ الأَمْرِ، وهوَ زَمَانُ تَمَلُّك الابْنِ، والفَسْخُ إِنَّمَا يَقَعُ بَعْدَ المِلْكِ. فَإِنْ قَالَ الأَبُ لأَمَتِهِ: أَنْتِ حُرَّةٌ بَعْدَ مَوْتِي، وَقَالَ الابْنُ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ بَعْدَ مَوْتِ أَبِي، فَمَاتَ الأَبُ وَقَعَ العِتْقُ والطَّلَاقُ مَعاً، فَإِنْ قَالَ: إِذَا اشْتَرَيْتُكِ مِنْ أَبِي فَأَنْتِ طَالِقٌ فَاشْتَرَاهَا، لَمْ يَقَعِ الطَّلَاقُ في أَظْهَرِ الوَجْهَيْنِ، ويَقَعُ في الآخَرِ (٣) بِنَاءُ الملْكِ. هَلْ يَنْتَقِلُ إِلَى المُشْتَرِي في مُدَّةِ خِيَارِ المَجْلِسِ أو بَعْدَ انْقِضَائِهِ. فَصْلٌ خَامِسٌ في تَعْلِيْقِ الطَّلَاقِ بالحَيْضِ إِذَا قَالَ لَهَا: إِذا حِضْتِ فَأَنْتِ طَالِقٌ، طلقتْ بِأَوَّلِ جُزْءٍ تَرَاهُ مِنَ الدَّمِ في الظَّاهِرِ، فَإِذَا اتَّصَلَ الدَّمُ يَوْماً في رِوَايَةٍ ويَوْماً ولَيْلَةً في رِوَايَةٍ أُخْرَى اسْتَقَرَّ وُقُوعُهُ. وإِنِ انْقَطَعَ لِدُونِ ذَلِكَ واتَّصَلَ الانْقِطَاعُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْماً، وَقِيْلَ: ثَلَاثَةَ عَشَرَ يَوْماً تَبَيَّنَّا بِأَنَّ الطَّلَاقَ لَمْ يَقَعْ، هَذَا إِذَا اتَّفَقَا. فَأَمَّا إِنْ قَالَتْ: قَدْ حِضْتُ وكَذَّبَهَا، فالقَوْلُ قَوْلُهَا، فَإِنْ قَالَتْ: مَا حِضْتُ، فَقَالَ: قَدْ حِضْتُ، طلقتْ بإِقْرَارِهِ، فَإِنْ قَالَ: فَإِنْ حِضْتِ فَضَرَّتُكِ طَالِقٌ، فَقَالَتْ: قَدْ حِضْتُ، فَإِنْ صَدَّقَهَا طلقتْ الضَّرَّةُ، وإِنْ كَذَّبَهَا لَمْ تَطْلُقْ، وإِنْ قَالَ: إِنْ حِضْتِ فَأَنْتِ وَضَرَّتُكِ طَالِقَتَانِ، فَقَالَتْ: قَدْ حِضْتُ وكَذَّبَهَا طلَقَتْ هِيَ ولَمْ تَطْلُقْ ضَرَّتُهَا وإِنْ صَدَّقَتْهَا الضَّرَّةُ. وَذَكَرَ في الإِرْشَادِ رِوَايَةً أُخْرَى: أَنَّهَا تُعْطَى خِرْقَةً أو تُرِي النِّسَاءَ، فَإِنْ أَخْرَجَتْ عَلَيْهَا دَماً، أَو شَهِدَتِ النِّسَاءُ بالحَيْضِ طَلُقَتَا مَعاً ولَا عَمَل عَلَيْهِ. فَإِنْ قَالَ: إن حِضْتُمَا فَأَنْتُمَا طَالِقَتَانِ، فَقَالَتَا: حِضْنَا، فَإِنْ صَدَّقَهُمَا طلقتَا، وإِنْ كَذَّبَهُمَا لَمْ تَطْلُقْ واحِدَةٌ مِنْهُمَا، وإِنْ صَدَّقَ إِحْدَاهُمَا وكَذَّبَ الأُخْرَى كُذِّبَتِ المُطَلَّقَةُ ولَمْ (٤) تَطْلُقِ المُصَدّقَةُ. فَإِنْ كَانَ لَهُ أَرْبَعُ زَوْجَاتٍ فَقَالَ: إِنْ حِضْتُنَّ فَأَنْتُنَّ طَوَالِقُ، فَقُلْنَ: قَدْ حِضْنَا، فَإِنْ صَدَّقَهُنَّ طَلَقْنَ، وإِنْ كَذَّبَهُنَّ أو صَدَّقَ وَاحِدَةً مِنْهُنَّ أو اثْنَتَيْنِ لَمْ تَطْلُقْ وَاحِدَةً مِنْهُنَّ، فَإِنْ صَدَّقَ ثَلَاثاً طَلَقَتِ المُكَذّبَةُ، ولَمْ يَقَعْ بالمُصَدَّقَاتِ طَلَاقٌ. فَإِنْ قَالَ لَهُنَّ: كُلَّمَا حَاضَتْ وَاحِدَةٌ مِنْكُنَّ فَضَرَائِرُهَا طَوَالِقُ، فَقُلْنَ: قَدْ حِضْنَا، فَإِنْ صَدَّقَهُنَّ، طلقتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ ثَلَاثاً، وإِنْ كَذَّبَهُنَّ لَمْ تَطْلُقْ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ، وإِنْ صَدَّقَ إِحْدَاهُنَّ لَمْ يَقَعْ بِهَا
следующие страницы →