← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 26094

الهداية على مذهب الإمام أحمد

أبو الخطاب الكلوذاني

Полный текст (636 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

أنَّ الحَاكِمُ المعزُولَ حَكَمَ لَهُ عَلَى خَصْمٍ عَيَّنهُ بكَذا، فأَنكَرَ الخَصْمُ ذَلِكَ وَلا بينةَ لَهُ سُئِلَ الحَاكِمُ فإنْ قَالَ: كُنتُ حكَمتُ لَهُ في حَالِ ولاِيَتي في ذَلِكَ قُبِلَ مِنْهُ إذَا لَمْ يَكُنْ مُتَهمَاً في خَبرهِ ذَكَرهُ الخِرَقيّ (١)، وَيحتمِلُ أنْ لا يُقبَلَ قَولُه لأَنَّهُ في حَالِ ولايتِهِ لا يَجوزُ لَهُ الحُكمُ بِعلمِهِ فَبعدَ عَزلِهِ أَولى. وَإِذَا مَاتَ المولِّي لَمْ تَبطُلِ ولايةُ المولّى في أَحَدِ الوَجهيَنِ (٢)، وتبطُلُ في الأخرَى، فَإنْ عَزَلهُ الإِمَامُ مَعَ صَلاحِهِ لِلقضَاءِ فَهلْ ينعَزِلُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ (٣)، فَإنْ قلنا ينعَزِلُ قَبْلَ أنْ يعلمَ بالعَزلِ عَلَى وَجْهَيْنِ أصلُهُما الوَكيلُ هَلْ يَنعزِلُ قَبْلَ العِلْمِ (٤). بابُ طَريقِ الحُكمِ وصِفَتِهِ لا تَخْتَلِفُ المذاهِبُ أَنَّهُ يَجوزُ للحَاكِمِ أنْ يَحكُمَ بِالبينَةِ وبِالإقرَارِ في مَجلِسِهِ إِذَا سَمعَهُ مَعَهُ أحَد أو سَمعَهُ مَعَهُ شَاهِدٌ واحِدٌ فَنصَّ أَحمدُ في رِوَايَةِ حَربٍ أَنَّهُ يَحكمُ بهِ (٥)، وَقَالَ شَيْخُنَا: لا يَحكُمُ حَتَّى يَشهَدَ بِهِ شَاهِدَانِ (٦)، فأمّا مَا يَعلَمُهُ في غَيْرِ مَجلِسهِ برُؤيةٍ أو سَمَاعٍ أو غَيْرِ ذَلِكَ فهلْ يجوزُ أنْ يَحكُمَ فِيهِ بِعلمِهِ أمْ لا؟ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ (٧). إحداهُما: لا يَحكُمُ بِهِ سَوَاءٌ كَانَ في حَدٍّ أو قِصَاصٍ أو غَيرِهِمَا مِنَ الحقُوقِ وَهُوَ اختِيارُ عامَّةِ شيوخِنَا. وَالثَّانيةُ: يَحكُمُ بِهِ، قَالَ في رِوَايَةِ أَبي طَالِبٍ في الأَمَةِ إذَا زَنَتْ يُقيمُ مولاهَا الحَدَّ إذَا

стр. 562

تَبينَ لَهُ الزِّنَا حَملَتْ أو رَآها جَلَدَهَا (١)، فَإذا جَازَ لِلسَّيدِ ذَلِكَ بِرؤيتِهِ في الحُدودِ فَالحاكِمُ أَولَى، وَقَالَ في رِوَايَةِ حَربٍ إذَا أَقرَّ في مَجلسِهِ حُدَّ أو حَقٌّ لَزِمَهُ ذَلِكَ، وَأخذَهُ بهِ (٢)، وهذا حُكمٌ بِعلمِهِ، وَيجوزُ لَهُ الحُكمُ بِشَاهِدٍ وَيَمينِ المدَّعِي، وَيَجوزُ لَهُ القَضَاءُ (٣) بِالنُّكولِ، وَلَا يَحكُمُ بِرَدِّ اليَمينِ نَصَّ عَلَيْهِ في رِوَايَة الأثرَمِ وَحَربٍ والميمُونِيِّ، وَيقوى عِندي جَوازُ الحُكمِ بِرَدِّ اليَمينِ، وَهُوَ مَذْهَبُ عُمَرَ وعُثْمَانَ وعَليٍّ ﵃، وَقَدْ قَالَ أَحمَدُ في رِوَايَةِ أبي طَالِبٍ مَا هوَ بِبَعيدٍ أنْ يَحلِفَ وَيأخُذَ (٤)، فَقَالَ لَهُ: وخذ وَهَابهُ فَقَدْ صَوَبَهُ وَقياسُ قَولِهِ يَقضِيهِ فإنَّه قَدْ حَكَمَ باليَمينِ والشَّاهِدِ ابتدَاءً مِنْ غَيْرِ رِضَى المنكِرِ، وَكَذَلِكَ في القَسَامَةِ فإذا رَضِيَ المنكرِ بِيَمينِهِ كَانَ أولى بجَوازِ الحُكمِ وَقَولُهُ أهابهُ لا تجرحُه أنْ يَكُونَ مَذهَباً لَهُ، فَقَدْ قَالَ في المفقُودِ: كُنْتُ أَقولُ إذَا تَربَّصَتْ زَوجَتُهُ أَربعَ سِنينَ ثُمَّ اعتَدَّتْ أربَعةَ أشهُرٍ وَعشر تَزوَّجَ وقَدِ ارتَبتُ اليومَ وَهِبتُ الجَوابَ فَقَدْ صَرَّحَ بأنَّهُ هَابَ ذَلِكَ، وأشبها جَمِيْع أصحابنا مذهباً. وَاختَارَهُ شَيْخُنَا. وَإِذَا جَلَسَ بَيْنَ يدَيهِ الخصمَانِ فَلَهُ أنْ يَقُولَ لَهُمَا مَنِ المدَّعي منكُما ولَهُ أنْ يَسكُتَ حَتَّى يَبتَدِيا، فإنْ سَبقَ أَحدُهُما بالدَّعَوى قُدمَ، وَإنِ ادَّعَيا مَعاً أَقرَعَ بَيْنَهُمَا فَقدّمَ مَنْ خَرجَتْ لَهُ القُرعَةُ، فَإذا انقَضَتْ حُكومَتُهُ سَمِعَ دَعوى الآخَرِ. وَلَا يَسْمَعُ الدعوَى إلا صَحِيْحَةً مُحررَةً، ثُمَّ يَقُولُ لِلخَصمِ: مَا تَقُوْلُ فِيْمَا ادَّعَاهُ عَلَيْكَ فَإنْ أَقرَّ لَمْ يَحكُمْ حَتَّى يُطالِبَهُ المدَّعِي بالحُكمِ، وإنْ أنكَرَ سَألَ المدَّعِي ألكَ بَينَةٌ فإنْ قَالَ مَالي بيّنةٌ فَالقَولُ قَوْلُ المنكِرِ مَعَ يَمينِهِ إنْ سَألَ المدَّعي إحلافَهُ، فَإنْ نَكَلَ المنكِرُ عَنِ اليَمينِ فَعلَى المَنصوصِ يَحكُمُ عَلَيْهِ بالنكُولِ، بَعْدَ أنْ يَقُولَ لَهُ إنْ لَمْ تَحلِفْ وَنكلتَ قَضَيتُ عَلَيْكَ بِالنُّكولِ ثَلاثاً وَهِيَ اختيارُ عَامَّةِ شيوخِنَا (٥)، وَعلَى مَا يقوى عِندِي يُقَالُ: لَكَ رَدُّ اليَمينِ عَلَى المدَّعِي، فَإنْ رَدَّهَا وحَلَفَ المدَّعِي حَكَمَ لَهُ بِما ادَّعَى (٦)، وإنْ نَكَلَ أيضَاً صَرَفَهمَا، فَإنْ عَادَ أحدُهُمَا قَبْلَ اليَمينِ بَعْدَ نكُولِهِ لَمْ يقبلْ مِنْهُ في ذَلِكَ المَجلِسِ حَتَّى يتحَاكَمَا في مَجلِسٍ آخَرَ، وَإنْ عَادَ المدَّعِي بَعْدَ قَولِهِ لا بَينَةَ لي فَقَالَ: لي

стр. 563

بَينَةٌ لَمْ [تُسمَعْ] (١) ذَكَرهُ الخِرَقيُّ (٢)، فَإنْ قَالَ: مَا أَعلَمُ لي بَينَةً فَقَالَ شَاهِدَانِ: نحَنُ نَشهدُ بحقِّكَ فَقَالَ: هَذانِ بَينَتي سُمِعَتْ بَينتُهُ، فَإنْ لَمْ يُرِدْ أنْ يَشهَدا لَهُ لَمْ يُطالَبْ بإقامةِ البَينَةِ، فَإنْ قَالَ المدَّعِي: لي بَينَةٌ وأريدُ أنْ أحلّفَهُ فَهَلْ يحلِفُ؟ يحتَمِلُ وَجْهَيْنِ (٣)، فَإنْ شَهِدَ للمدِّعي شَاهِدانِ وكَانا فَاسِقَينِ قَالَ للمدِّعِي: زِدْ في الشُّهودِ، وإنْ كَانا عَدلَينِ يَعرفُ الْقَاضِي عَدالتَهمَا ظَاهِرَاً وبَاطِنَاً، مِثْل أنْ يَكونَا قَدْ عدلا عِندَهُ قَبْلَ ذَلِكَ أو ممّا في حِوارِهِ حَكَمَ بِشَهادَتِهمَا، إلاّ أنْ يرتَابَ بِهما فيفرقهمَا ثُمَّ يَسألُ أَحدُهمَا كَيْفَ تَحمَّلتَ الشَّهَادةَ ومتى تَحمَّلْتَها وَفِي أيِّ مَوْضِعٍ كَانَ التَّحمُلُ وهَل تَحمَّلتَهَا وَحدَكَ؟ أو أنتَ والشَّاهِدُ الآخرُ، فَإنْ اختَلَفا تَوقَّفَ عَنْ قَبولِ الشَّهادَةِ، وَإنِ اتَّفقَا وَعظَهُمَا وخَوَّفَهمَا فَإنْ ثَبتا عَلَى شَهادَتِهمَا استُحبَّ أنْ يَقُولَ للمنكِرِ قَدْ شَهِدَ عَلَيْكَ فُلَانٌ وفلانٌ وَقَدْ قُبِلَتْ شَهادتُهمَا، إلاّ أنْ يثَبتَ أمرٌ يَقْدَحُ فِيْهِمَا، فَإنْ جَرحَهمَا كُلِّفَ إقامَةَ البينَةِ عَلَى الجَرحِ، فَإنْ طَلبَ إمهالَهُ لِيُقِيمَ البينَةَ أُمهِلَ اليومَ واليومَينِ والثَّلاثَ، وَلِلمدَّعِي مُلازَمتُه إلى أنْ يَثبُتَ الجَرحُ، فَإنْ أقامَ البينَةَ بِالجَرحِ وإلاّ حَكَمَ عَلَيْهِ إذَا طالَبَهُ المدَّعِي بِالحُكمِ وَلَا يَقبَلُ الجَرحُ إلاّ مُفسَّراً بما يَقْدَحُ في العَدالةِ نَحْوَ أنْ يشهَدَا عَلَيْهِ بشُربِ الخَمرِ أو أَكلِ الرِّبا أوِ القَتلِ عَمْداً أو الغَصبِ وَلَا فَرقَ بَيْنَ أنْ يَراهُ عَلَى ذَلِكَ أو يَستَفيضَ في النَّاسِ ذَلِكَ عَنْهُ، وَعَنْهُ أَنَّهُ يَكفِي أنْ يشهَدا عَلَيْهِ بأَنهُ فَاسِقٌ أو بأنَّه لَيْسَ بعَدلٍ (٤) وإنْ شَهِدَ عندَهُ المجاهِيلُ الحالِ، فَإنْ جُهِلَ إسلامُهُم عِندَنا، إلاّ في الحُدودِ عَلَى خِلَافٍ نَذكُرهُ في بَابِ الشَّهادَاتِ إنْ شَاءَ اللهُ وإنْ جَهلَ عَدَالتَهم فَفيهِ رِوَايَتَانِ: إحداهما: تُقبلُ شَهادَةُ كُلِّ مُسْلِمٍ مَا ظَهرَ مِنْهُ ريبة وَهِيَ اختِيارُ أَبي بَكرٍ (٥). والثَّانية: لا تُقبلُ إلاّ شَهادةُ مَن تَثبتُ عَدالتُهُ باطِناً وظَاهِراً وَهِيَ اختِيارُ الخِرَقيِّ وشَيْخِنَا (٦)، فَعلَى هَذَا يَسألُ الحَاكِمُ عَنِ اسمِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ وكنيتِهِ ونَسَبهِ وصنعتِهِ وَسوقِهِ ومَسجدِهِ

стр. 564

ومَوضِعِ نزولِهِ ويَكتبُ ذَلِكَ في رِقاعٍ وَيدفعُ الدفَائعَ إلى أَصحَابِ مسَائلِهِ، وَلَا يُعلِمُ بَعضَهم بِبَعضٍ يأمُرهُم أنْ يسأَلوا ويستَكشِفوا مِنْ جِيرَانِهِ ومعَامِليهِ وأَهْلِ مَسجِدِهِ وسوقِهِ سِرَّاً، فَإنْ رجعُوا إليهِ بالتَّعديلِ وَلَا يُقبلُ في ذَلِكَ أقلُّ منِ اثنينِ أمرَهُم أنْ يُظهرُوا تَزكيِتَهُ بأنْ يَشهَدوا بأنَّهُ عَدلٌ رضَا، وَإنْ رجَعُوا بالجَرحِ لَمْ تُقبَلْ شَهادَتُهم (١)، وَإنْ عَادَ بَعضُهُم بالجَرحِ وَبَعضُهُم بالتَّعدِيلِ، فَإنْ عدَّلَهُ اثنَانِ وجَرحَهُ واحِدٌ قدَّمَنا العدَالةَ، وإنْ عَدَّلهُ اثنانِ وَجَرحَهُ اثنَانِ قُدِّمَ الجَرحُ، وَلَا تُقبَلُ التَّزكِيَةُ إلاّ مِنْ ثقَةٍ أَمِينٍ متظاهرٍ غَيْرِ مُتظَاهِرٍ بِالمعصِيَةِ مِنْ أَهلِ الخِبرَةِ الباطِنَةِ وَإِذَا سَألَ المدَّعِي أنْ يُحبَسَ المَشهُودُ عَلَيْهِ حَتَّى تَثبُتَ عَدَالَةُ شُهودِهِ احتَمَلَ أَنْ يَحبِسَهُ وَإنْ أقامَ شَاهِدَاً وَسَألَ حَبسَهُ حَتَّى يُقِيمَ الآخَرَ، فَإنْ كَانَ ذَلِكَ في المَالِ حَبِسَهُ، وَإنْ كَانَ في غَيْرِ المَالِ فَعلَى وَجهَينِ (٢): فَإنْ سَكَتَ المدَّعَى عَلَيْهِ فَلمْ يَقِرَّ وَلَمْ يُنكِرْ قَالَ لَهُ الْقَاضِي: إنْ أجَبتَ وإلا جَعلتُكَ نَاكِلاً. فَإنْ قَالَ: لي حِسَابٌ أُرِيدُ أنْ انظُرَ فِيهِ، لَمْ يَلزَمِ المَّدعِيَ إنظَارُهُ (٣)، فَإنْ قَالَ: كَانَ لَهُ عِندِي وَقَضَيتُهُ أو بَرِئتُ إليهِ مِنْهُ فَقَالَ الخِرَقيُّ القَوْلُ قَولُهُ مَعَ يَمينِهِ، وَعندِي: أنّه قَدْ أَقرَّ بالحدِّ فَلَا يُقبَلُ قولُهُ في القَضَاءِ إلاّ بِبينَةٍ، فَإنْ قَالَ: لي بَيِّنَةٌ أقَمتُها بِالقَضَاءِ أوِ الإبرَاءِ أُمهِلَ ثَلاثةَ أَيامٍ وَلِلمدَّعِي مُلازَمتُهُ حَتَّى يُقِيمَ البَينَةَ، فَإنْ عَجزَ عَن إقَامتِهَا حَلَفَ المدَّعِي أَنَّهُ لَمْ يَقضِ وَلَمْ يَبرَّ واستَحقَّ مَا ادَّعاهُ فَإنْ ادَّعَى عَلَى غَائبٍ أو مُستَترٍ في البَلَدِ أو مَيِّتٍ أو صَبِيٍّ أو مَجنُونٍ ولَهُ بَينةٌ سَمِعَهَا الْقَاضِي وحَكَمَ بِهَا وَهل يُحلَّفُ المدَّعِي أَنَّهُ لَمْ يبر إليه مِنْهُ وَلَا مِنْ شَيءٍ مِنْهُ أم لا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ (٤): فَإنْ حَلَّفَهُ الحَاكِمُ وقدِمَ الغَائِبُ وبَلَغَ الصَبيُّ وأفاقَ المجنونُ فَهُوَ عَلَى حُجَّتِهِ، فَإنْ ادَّعَى عَلَى ظاهرٍ في البَلَدِ غَائبٍ عَنْ مَجلسِ الحُكمِ فَهلْ يَسْمَعُ عَلَيْهِ البينةَ؟ يَحتَمِلُ وَجْهَيْنِ (٥):

стр. 565

أَحدُهُما: يَسْمَعُ، والثَّاني: لا يَسمَعُ. وَيُنفِذُ الحَاكِمُ مَنْ يُحضِرُهُ فَإنْ امتَنَعَ عَنِ الحضُورِ أَشهَدَ عَلَيْهِ شَاهِدَينِ أَنَّهُ امتَنعَ ثُمَّ يَتقدَّمُ إلى صَاحِبِ الشُّرطَةِ لِيُحضِرُه، فَإنْ اختَبأَ مِنَ المحضَرِ تَقدَّمَ إلى مَنزلِهِ وَقَالَ: إنَّ الْقَاضِيَ يَستَدعِي فُلاناً إلى مَجلِسِ الحُكمِ فَاخبروهُ لِيحضَرُ فَإنْ تَكَررَ مِنْهُ أقعدَ عَلَى بَابِهِ مَنْ يضَيِّقُ عَلَيْهِ الدُّخولَ والخُروجَ حَتَّى يُحضِرَهُ، فَإنْ استَعدَى عَلَى غَائبٍ عَنِ البَلَدِ في مَوْضِع لا حَاكِمَ فِيهِ كَتبَ إلى ثِقَاتٍ مِنْ أَهلِ ذَلِكَ المَوضِعِ لِيستَوسِطوا بينَهمَا، فَإنْ لَمْ يَقبَلا الوسَاطَةَ قِيلَ للخَصمِ حَقِّقْ مَا تَدَّعِيهِ فإذا فَعَلَ ذَلِكَ أحضَرهُ سَوَاءٌ قَربَتِ المسَافةُ أو بَعدَتْ، وَإِذَا ادَّعى عَلَى امرَأةٍ غَيْرِ برزة لَمْ يُحضِرْهَا الحَاكِمُ وتَقدَّمَ إليهَا أنْ تُوكِّلَ فَإنْ وَجَبَ عَلَيْهَا اليَمِينُ أَرسَلَ إليهَا مَنْ يُحلِّفُهَا، وَإِذَا لَمْ يَعرِفِ الحَاكِمُ لسَانَ الخَصمَينِ أو أحَدِهمَا رجَعَ إلى مَنْ يَعرِفُ ولا يُقبلُ في التَّرجمَةِ والجرحِ والتَّعديلِ والتَّعرِيفِ والرِّسَالةِ إلاّ قَوْلُ عَدلَينِ وَهِيَ اختيارُ أبي بكرٍ (١) وَإِذَا اختلَفَ الخَصمَانِ فَقَالَ أَحدُهُما: قَدْ حَكَم لي بكَذا فأنكَرَ الآخَرُ، فَقَالَ الحَاكِمُ: حَكَمتُ لَهُ قَبلَ قَولَهُ وحدَهُ فَإنْ عُزِلَ الحَاكِمُ واختلَفَا فَقَالَ: كُنتُ حَكَمتُ عَلَيْهِ حَالَ ولايَتي قُبِلَ قَولُهُ نَصَّ علَيهِ (٢)، فَإنْ ادَّعى أَنَّهُ حَكَمَ لَهُ فلَمْ يَذكُرَ الْقَاضِي حَكمَهُ فَشهِدَ عَدلانِ أَنَّهُ حَكَمَ لَهُ قَبِلَ شَهادتَهمَا وَنفَذَ القَضَاءُ. وَكَذَلِكَ إنْ شهد عِندَهُ عَدلانِ بِحقٍّ فَنَسِيَ شَهادَتَهمَا فَشَهِدَ اثنانِ أنَّهمَا شَهِدَا عِندَهُ بِذَلِكَ قَبْلَ شهادتهما، وحَكَمَ فَإنْ وَجَدَ في قَمطرِهِ صَحِيفَةً وتَحتَ خَتمِهِ بخَطِّهِ فِيْهَا مَكتُوبٌ حُكمُهُ لَمْ ينفذْ ذَلِكَ في إحدَى الرِّوَايَتَيْنِ (٣) وَفِي الأخرى: يَنفُذُ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ الشَّاهِدُ إذَا رأى خَطَّهُ في كِتَابٍ وَلَمْ يَذكُرِ الشَّهَادةَ فَهل يَجوزُ لَهُ أنْ يَشهدَ بِهَا أم لا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ (٤) وحُكمُ الحَاكِمِ لا يحُيلُ الشَيءَ عَن صِفَتهِ في البَاطنِ، وَعَنْهُ أَنَّهُ يحل في العقُودِ والفُسوخِ ذَكَرَها شَيْخُنَا عَن أبي مُوسَى (٥)، وينقضُ (٦) حُكمُ الحَاكِمِ إذَا حَكَمَ بما

стр. 566

خَالفَ نَصَّ كِتَابٍ أو سُنَّةٍ أو إجمَاعٍ، فَإنْ حَكَمَ في قَضِيَّةٍ باجتِهَادِهِ لَمْ يُنقَضِ اجتِهَادُهُ باجتِهَادِهِ. بابُ حُكمِ كِتَابِ الْقَاضِي إلى الْقَاضِي وَغيرِهِ لا يُقبَلُ كِتَابُ الْقَاضِي إلى الْقَاضِي في الحُدودِ المَتعلِقَةِ بِاللهِ تَعَالَى كَحَدِّ الزِّنَا وَاللِواطِ وقَطْعِ الطَّرِيقِ والسَّرِقَةِ وشُربِ الخَمرِ والرِدَّةِ، وتُقبَلُ فِيْمَا كَانَ مَالاً أو المقصودُ مِنْهُ المالُ كالقَرضِ والغَصبِ والبيوعِ والإجارَاتِ والصُلحِ والرَّهنِ والجنَايَةِ الموجِبَةِ لِلمَالِ فأمّا ما لَيسَ بِمَالٍ وَلَا القَصدُ مِنْهُ المالُ كالقَصَاصِ والنِّكاحِ والطَّلاقِ والخلعِ والتَّوكِيلِ والوصِيَّةِ والعِتقِ والنَّسَبِ والكتَابةِ فَهلْ يُقبَلُ فِيْهَا كِتَابُ الْقَاضِي إلى الْقَاضِي أم لا؟ يَخرجُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ (١): إحداهُما: يُقبَلُ، وَالأخرى: لَا يقبلُ وأمّا حَدُّ القَذفِ فَإنْ قلنا يَغلِبُ فِيهِ حَقُّ اللهِ سُبحَانهُ فَهُوَ كَالحُدودِ وإنْ قلنَا يَغلِبُ حَقُّ الآدمِيِّ فَهُوَ كالقصَاصِ وهَكَذا حُكمُ الشَّهادةِ عَلَى الشَّهادَةِ فِيْمَا ذكرنَا، وَيجوزُ كِتَابُ الْقَاضِي إلى الْقَاضِي فِيْمَا حَكَمَ بِهِ لِينفذَهُ وَفيمَا ثَبتَ عِندَهُ لِيَحكُمَ بِهِ إلاّ أنَّهُ إذَا كَانَ فِيْمَا حَكَمَ بِهِ جَازَ فِي المسَافَةِ القَرِيبَةِ والبَعيدَةِ، وإنْ كَانَ فِيْمَا ثَبتَ عِندَهُ لَمْ يَجُزْ إلا إذَا كَانَ بَيْنَهُمَا مَسَافةٌ يقصَرُ فِي مثلِهَا الصَّلَاةُ. ويَجوزُ أنْ يَكتبَ إلى قَاضٍ مُعَينٍ وإلى مَنْ وصَلَهُ كِتَابٌ مِنْ قُضَاةِ المُسلِمينَ وحُكَّامِهِم وَلا يُقبَلُ الكِتَابُ إلاّ أنْ يشهَدَ بِهِ شَاهدَانِ يُحضِرُهُما الْقَاضِي الكَاتِبُ فيقرأهُ عَلَيْهِمَا ثُمَّ يَقُولُ: أُشهِدُكُمَا أنَّ هَذَا كتَابي إلى فُلَانٍ وَيدفَعُهُ إليهِمَا فإذا وَصَلا إلى الْقَاضِي المكتُوبِ إليهِ وقَالا: نَشهَدُ أنّ هَذَا كِتَابُ فُلَانٍ إلَيكَ كَتَبهُ مِن عَمَلِهِ وأَشهَدَنا بنسخِهِ بِهِ فإذا وصَلا شَهِدَا بما فِيهِ وَلا فَرقَ بَيْنَ أنْ يَصِلَ إليه مخَتومَاً أو غَيْرَ مَختومٍ؛ لأنّ الاعتمَادَ عَلَى شَهَادَةِ الشَّاهدَينِ، فَإنْ كَتبَ كِتَاباً وَأدرَجَهُ وَخَتمَهُ ثُمَّ قَالَ: لِشَاهِدَينِ هَذَا كِتَابي إلى فُلَانٍ اشهَدَا عَلِيّ بما فِيهِ لَمْ تَصِحَّ هذِهِ الشَّهَادَةُ، والتَحمُّلُ مأخُوذٌ مِن قَوْلِ أحمَدَ (٢) ﵀، فَمَنْ كَتبَ وَصيَتهُ وَخَتَمهَا ثُمَّ أشهَدَ عَلَى مَا فِيْهَا فَلَا يشهَدونَ حَتَّى يَعلَمُوا مَا فِيْهَا نقَلَهَا ابنُ مَنصُورٍ (٣)، وَنقلَ عَنْهُ إسحَاقُ بنُ إِبْرَاهِيمَ إذَا وجَدُوا وَصِيَّةَ الرَّجُلِ مَكتوبَةً عِنْدَ رأسِهِ مِنْ غَيْر أن يَكُون أشهَدَ (٤) أو أَعلَمَ بِهَا أحَداً عِنْدَ مَوتِهِ فَعرَفَ خَطَّهُ وإنْ كَانَ مَشهُورَاً

стр. 567

فَإِنّهُ يُنَفِّذُ مَا فِيهَا (١)، فَعلَى هَذَا إذَا عَرَفَ المكتُوبُ إِليهِ خَطَ الْقَاضِي الكَاتِبِ وخَتمَهَ جَازَ قَبُولَهُ، وَكَذَلِكَ إذَا شَهِدَ عندَهُ شَاهِدَانَ أنَّ هَذَا كِتَابَ فُلَانٍ كَتَبهُ إِلَيْكَ مِن عِلمِهِ وخَتمِهِ وإنْ لَمْ يَعلَمُوا مَا فِيهِ، فَإنْ تَغيَّرَتْ حَالُ الْقَاضِي الكَاتِبِ بِعَزلٍ أو مَوتٍ لَمْ يَقْدَحُ في كِتَابِهِ وجَازَ لِكُلِّ مَنْ وَصَلَ إليهِ أنْ يُنَفِّذَهُ، وإنْ تَغيَرتْ حَالُهُ بِفسقٍ ووَصَلَ كِتَابُهُ فِيْمَا حَكَمَ بِهِ لَمْ يُؤَثِّرْ فِسقُهُ في الحُكْمِ ونَفَّذَهُ مَنْ وَصَلَ إليهِ، وإنْ كَانَ التَّغيُّرُ فِيْمَا ثَبتَ عندَهُ لَمْ يَجُزِ الحُكمُ بِهِ كشَهَادَةِ شَاهِدَي الفَرعِ إذَا شَهَدَا وفُسِّقَ شَاهِدَ الأَصلِ قَبْلَ الحُكمِ يُثبِتُهَا بِهِمَا وإنْ تَغَيرَتْ حَالُ المكتُوبِ إليهِ بِمَوتٍ أو عَزلٍ أو فِسقٍ وقَامَ غَيرُهُ مَقَامَهُ جَازَ لَهُ قَبولُ الكِتَابِ والعَمَلِ بما فِيهِ، وإنْ أحضَرَ المكتُوبُ إليهِ الخصمَ المحكومَ عَلَيْهِ في الكِتَابِ فَقَالَ: لَستُ فُلَانٍ فَالقَولُ قَولُهُ مَعَ يَمينِهِ، إلاّ أنْ يُقِيمَ المدَّعِي بَيِّنَةً بِأنّهُ فُلَانُ بنُ فُلَانٍ وَلا يُقبَلُ قَولُهُ، فَإنْ قَامَتْ البيِّنَةُ أو أَقْرَّ بِأَني فُلَان بن فُلَان إلاّ أنّ المحكوم عَلَيْهِ غيري لَمْ يقبل مِنْهُ إلاّ ببينة، فَإنْ أقام بينة أنَّ في البلد من يشاركه في جَمِيْع ما سمي بِهِ ووصف توقف عن الحكم حَتَّى يثبت من المحكوم عَلَيْهِ مِنْها، فَإنْ حَكَمَ عَلَى أحَدِهِمَا فَقَالَ لَهُ: اكْتُبْ إلى الحَاكِم الكَاتِبِ أنّك قَدْ حَكَمتَ عَلِيّ حَتَّى لا يحَكُمَ عَلِيّ ثانِياً لَمْ يَلزَمهُ ذَلِكَ ولكنًّهُ يَكتُبُ لَهُ محضَراً بالقضِيَّةِ وَكَذَلِكَ كُلُّ من ثَبتَ لَهُ عِنْدَ حَاكِم حَقاً فَسَأَلَهُ أن يكتُبَ لَهُ مَحْضَراً بما جَرَى لزِمَهُ أن يَكتُبَ لَهُ وَيدفَعَهُ إليهِ بَعْدَ أن يَكتُبَ نُسخَةً فَتَكُونَ في دِيوانِهِ فَإنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَ الحَاكِم بَيَاضٌ من بَيتِ المالِ كَانَ عَلَى صَاحِبِ الحَقِّ أن يأتِيَهُ بما يَكتُبُ فِيهِ وَكَذَلِكَ إن أنكَرَ المدَّعى عَلَيْهِ وحَلَّفَهُ الحَاكِمُ وسَأَلَهُ الحالِفُ أن يَكتُبَ لَهُ محضراً بمَا جَرَى ليكُونَ حُجةً عَلَى فَصلِ الحُكمِ وبراءتِهِ مِمّا ادعي عَلَيْهِ حَتَّى لَا يُطالِبَ بِهِ مرةً أُخَرى لَزِم الْقَاضِي أن يَكْتُبَ لَهُ بِذَلِكَ فَإنْ سَألَ من ثَبَتَ لَهُ الحقَّ الحَاكِمَ أن يُسَجِّل لَهُ بِهِ فَعَلَ ذَلِكَ وَجَعلَهُ نُسْخَتَينِ نُسخَةً يَدفَعُهَا إليهِ ونُسخَةً يِحبِسُهَا عندَهُ وصفَةُ (٢) المحضرِ أن يَكتُبَ: بِسِم اللهِ الرَّحمن الرَّحِيم حَضَرَ الْقَاضِي فُلَانُ الفُلَانيُّ قَاضِي عبد الله الإِمَام عَلَى كَذَا وكذا، وإن كَانَ من قَبْلُ كَتَبَ خَلِيفَةُ الْقَاضِي فُلَانُ بن فُلَانٍ قَاضِي عبد الله الإِمَامِ عَلَى كَذَا في مجْلِسِ حُكْمِهِ وقَضَائهِ بموَضِعِ كَذَا مُدَعٍ ذَكَرَ أَنَّهُ فُلَانُ بن فُلَانٍ الفلانيُّ وأحَضَرَ مَعَهُ مدعاً عَلَيْهِ ذكر أَنَّهُ فُلَان بن فُلَانٍ (٣) فادعى عَلَيْهِ كَذَا وكذا فَأقرَّ لَهُ وأَنكرَ فَقَالَ الْقَاضِي للمدعي:

стр. 568

ألَكَ بَينَةٌ فَقَالَ: نَعَم وأحضَرَهَا وسألَهُ سَمَاعَهَا فَفَعَل وسألَهُ أن يَكتُبَ لَهُ محضَراً بما جَرَى فأَجَابَهُ وَذَلِكَ في يَومِ كَذَا في شَهرِ كَذَا ويَعلَمُ في الإقرَارِ كَذَا عَلَى ذَلِكَ وَفِي البينةِ شَهِدَ عندِي بِذَلِكَ، فإن أنكَرَ وَلَمْ تَقُم البَينَةُ وحَلَّفَهُ قَالَ: فلم تكن لَهُ بينةٌ وسأَلَهُ احلافَهُ فَفَعَل ذَلِكَ في يومِ كَذَا فَإنْ نكل عنِ اليمين ذكرَ ذَلِكَ، وأنّهُ حَكَمَ عَلَيْهِ بنكولِهِ، إن كَانَ يرى ذَلِكَ وإن ردَّ اليمِينَ فحلَّفهُ حَكَى مَا جرى كلهُ، وأمّا السِّجِلُ فَهُوَ لانفاذِ من ثَبَتَ عندَهُ والحُكمُ بِهِ وصفتُهُ أن يكتُبَ بَعْدَ البسمَلَةِ هَذَا مَا شَهَدَ عَلَيْهِ قاضي القضاة أو الْقَاضِي فُلَانُ بن فُلَانٍ قَاضَي عبد الله الإِمَام ويذكُرُ مَا تَقَّدَمَ في مجلِسِ حكمِهِ وقَضَائِهِ بمُوضِعِ كَذَا في يومِ كَذَا من حَضَرَهُ من الشُّهُودِ أشهدَهُمْ أنّه ثَبَتَ عندهُ بِشَهَادَةِ فُلَانٍ وفُلَانٍ وَقَدْ عرفهُمَا بما رأى مَعَهُ من قبولِ شَهَادتِهمَا بمَحضَرٍ من خَصمَينِ ويذكُرهُمَا إن كانَا مَعرُوفَينِ وإلا قَالَ مدعٍ ومدعاً عَلَيْهِ جَازَ حُضُورهُمَا وسَمَاعُ الدَّعُوى من أحدِهِما عَلَى الآخَرِ مَعْرِفَة فُلَانِ بن فُلَانٍ ويذكُرُ المشهُودَ عَلَيْهِ وإِقرَارَه طوعاً في صِحَّةٍ مِنْهُ، وجوازِ أمرٍ بجميعِ ماسَمَّى ووصفَ في كِتَابِ نسختِهِ وينسَخُ الكِتَابُ المثبتُ أو المحضَرُ جميعُهُ حَرفاً حرفاً، فإذا [فرَغ] (١) مِنْهُ قَالَ: وإن الْقَاضِي فُلَانٌ أنفَذَ ماذَكَرَ ثبوتَهُ عندهُ في صدرِ هَذَا السجِلِ وأمضاهُ وحَكَمَ بِهِ عَلَى مَا هُوَ الواجِبُ في مِثْلِهِ بَعْدَ أن سأَلَهُ ذَلِكَ والإشهادُ بِهِ الخصَمُ المدَّعِي [ويذْكُرُ] (٢) اسمهُ ونسَبهُ وَلَمْ يدفعهُ الخصَمُ الحاضِرُ مَعَهُ بحجةٍ وجَعَلَ كُلَّ ذي حجةٍ في حجتِهِ عَلَى حجتِهِ (٣) واشهَد الْقَاضِي فُلَانٌ عَلَى انفاذِهِ وحكمِهِ وإمضائهِ من حَضَرَهُ من الشهودِ في مجلِسِ حُكمِهِ في اليومِ المؤرخِ بِهِ اعلاه وأمَرَ بكَتبِ هَذَا السِّجِلِ عَلَى نسخَتَينِ متَسَاوِيتينِ لتخلدَ نسخة منها ديوان الحكم ويدفع الأخرى إلى من يجوزُ [دَفْعُها] (٤) إليه وكل وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا حجةٌ ووثيقةٌ فِيْمَا أنفذهُ فِيْهِمَا وهذا يذكرهُ ليخرج بِهِ من الخلاف وإلا فلَو قَالَ: إنّه ثبَتَ عندَهُ بشهادِةِ فُلَانٍ وفلانٍ مَا في كِتَابِ نسختِهِ وَلَمْ يذكر الخصمينِ ساغ ذَلِكَ لِجَوازِ القضاءِ عَلَى الغائِبِ وما يجتمعُ عِنْدَ الحَاكِم من المحاضِرِ والسجلاتِ في كُلّ أسبوعِ أو شهرٍ عَلَى قدرِ قلتهَا وكثرتها فإنّه يضمُ بعضَهَا إلى بَعْضٍ ويكتُبُ عَلَيْهَا محاضَرَ وقتِ كَذَا وسجلاتِ وقتِ كَذَا من سَنَةِ كَذَا، وإن ادعى رَجُل حقاً وذَكَرَ أن لَهُ بِهِ حجةً في ديوانِ الحكمِ فَوَجَدَهَا الحَاكِم كَمَا

стр. 569

ادعاه فَإنْ ذكر حكمه بِهَا والشهادة عنده بِهَا حكم بِذَلِكَ، وإن لَمْ يَذكَر فَشهَدَ بِذَلِكَ شَاهَدانِ حَكَم بِهِ وإن لَمْ يوجَد ذَلِكَ فَهل يحكمُ أم لا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ (١). بَابُ القِسمَةِ قِسمةُ الأملاكِ جائزةٌ في الشَّرعِ، وهي عَلَى ضربينِ: قسمةِ تراضِي، وقسمةِ … إجبار، فأمّا قسمةُ التراضي فما كَانَ فِيْهَا ردَّ عوضٍ أو كَانَتْ فِيْمَا لا يَكُنْ قسمتُهُ إلا بضررٍ كالدُورِ الصغَارِ والحمامِ والعضائدِ المتلاصِقةِ الَّتِي لا يمكِنُ قسمَةُ كُلّ وَاحِدَة بانفرادهَا إذَا رضوا بقسمتهَا أعيانًا بالقيمةِ ومَا أشبهَ ذَلِكَ فهذه قسمةٌ جائزة تجري مجرى البيع لايجُوزُ فِيْهَا إلاّ مَا يجوزُ في البيعِ. وأما قسمةُ الإجبارِ: فهي فيمَا يمكنُ قسمتُهُ من غَيْر ردِّ عوضٍ وَلَا ضَرَرٍ يلحَقُ بأحدِهما كالأراضي الواسِعةِ والبساتِينِ والقرايَا والدُورِ الكبارِ والمكِيلاتِ والموزُونات كلها إذَا كَانَتْ جِنساً واحداً سَوَاءٌ كَانَتْ مِمّا مستهُ النارُ كالدِّبسِ وخلِ التمر أو لَمْ تمسهُ النَّارُ كخلِ العنَبِ [والأدهانِ] (٢) والألبانِ وما أشبَهَ، فإذا طَلَبَ أحدهما القِسمَة قُسمَ سَوَاءٌ رضي شريكُهُ أو سخطَ والضررُ المانعُ من الاجبارِ هُوَ أن تَكُون (٣) بالقسمةِ تنقُصُ القيمةُ عَلَى ظاهِرِ كلامِهِ في رِوَايَة الميموني (٤)، وظاهرُ كلام الخرقي هُوَ أن لاينفع أحدهما أو كُلّ واحدٍ مِنْهُمَا بما يحصل لَهُ، والقسمة: اقرار حق كُلّ واحد مِنْهُمَا من حق صاحبه في ظاهر المذهب. وحكي عن ابن بطة: يدل عَلَى أَنَّهَا كالبيع وفائدة هَذَا ظاهر المذهب، وحكي: إلاّ العقار وقفاً ونصفه طلقاً وطلب صاحب الطلق القسمة جَازَ قسمته عَلَى قولنا: هِيَ إفراز، وَلَمْ يَجُزْ إذَا قلنا هِيَ بيع وَكَذَلِكَ يجوز قسمة الثمار خرصاً وقسمة مايكال وزناً وما [يوزن] (٥) كيلاً ويجوز التفرق في قسمة المكيل والموزون قَبْلَ القبض وَإِذَا حَلَفَ لا يبيع فقسم لايحنثُ كُلّ ذَلِكَ إذَا قلنا هِيَ إفراز حق ولا يجوز كُلّ ذَلِكَ إذَا قلنا: هِيَ بيع ويحنث، ويجوز للشركاء أن يتقاسموا بأنفسهم وأن ينصبوا قاسماً يقسم بينهم. وأن يترافعوا إلى الحَاكِم فينصبَ قاسماً يقسمَ بينهم ومن شرطِ من ينصبونَه أو ينصبَهُ الْقَاضِي أن يَكُون عدلاً عارفاً بالقسمةِ وأي ذَلِكَ كَانَ فاذا عدلتِ السِّهامُ واخرجتِ القرعَةُ لزِمت القسمةُ ويحتملُ فِيْمَا فِيهِ ردٌّ أن لايلزمَ بخروجِ

стр. 570

القرعةِ حَتَّى يَرضَيا بَعْدَ ذَلِكَ وَإِذَا كَانَ في القِسمَةِ تقويمٌ لَمْ يَجُزْ أقل من قاسمينِ وإن خلت من تقويمٍ اجزأ قاسِمٌ واحدٌ وَإِذَا سألُوا الحَاكِمَ قسمةَ، عقارٍ في أيديهِم لَمْ يثبُت عندهُ (١) أنّه لَهُمْ قسمةُ بينهم، وَذكَرَ في كِتَابِ القسمةِ أَنَّهُ قَسَّمَهُ بمجَردِ دعواهُم، وَإِذَا كَانَ بينهُم أراضي في بعضهَا نخيلٌ وَفِي بعضهَا أشجارٌ وبعضُهَا يسقَى سيحاً وبعضُهَا بالنواضح، فطلَبَ بعضُهم أن تقسَم بينهم أعياناً بالقيمةِ، وطَلَبَ بعضهُم قِسمةَ كُلّ عينٍ عَلَى حدةٍ قُسِّمت كُلّ عين بانفرادِها، وَإِذَا كَانَ بَيْنَهُمَا أرضٌ فِيْهَا [زرع] (٢) فطَلَبَ أحدُهُما قسمتَها دُوْنَ الزرعِ قسِّمَت وإن طَلَبَ قسمَةَ الزَّرعِ منفرِداً لَمْ يجبر الآخرُ وإن طَلَبَ قسمَتَهَا مَعَ زرعِهَا لَمْ يجبر أيضاً فَإنْ تراضيا عَلَى ذَلِكَ وَكَانَ الزرعُ قصيلاً أو كَانَ قُطناً جازَ، وإن كَانَ بذراً أو سنَابُل فَهلْ يجوزُ قسمَتَهُ؟ يحتمل وَجْهَيْنِ (٣)، وَقَالَ شَيْخُنَا فِي "المجرد": ينظرُ فَإنْ كَانَ الزرعُ بذراً فِي الأرضِ لَمْ يَجُزْ القسمَةُ وإن كَانَ قصِيلاً أو سَنَابُلَ قَدْ اشتدَّ حَبُهَا جَازَ قسمتُهَا (٤) فإن كَانَ بَيْنَهُمَا دارٌ فَطَلَبَ أحدُهُمَا أن يجعلَ العلوَّ لأحدهما والسفلُ للآخرِ فَإنْ رضي شريكهُ قسمت، وإن أبى لَمْ يجبر فَإنْ كَانَ بَيْنَ مُلكَيْهِما عرضة حائط فطلب أحدهما أن تقسم فيجعل لكل واحد مِنْهُمَا نصف الطول في كمال العرض أجبر الآخر عَلَى القسمة وَلَوْ طلب أحدهما أن يجعل لأحدهما نصف العرض في كمال الطول لَمْ يجبر الآخر عَلَى ذَلِكَ فَإنْ كَانَ بَيْنَهُمَا حائطٌ فأراد احدُهُمُا قسمتهُ لَمْ يجبر الآخر فَإنْ كَانَ بَيْنَهُمَا منافعُ فتراضيا عَلَى قسمتهَا بالمهايأةِ جَازَ وإن امتَنعَ أحدُهُمُا لَمْ يجبر عَلَى ذَلِكَ فَإنْ كَانَ بَيْنَهُمَا نهرٌ أو قناةٌ أو عينٌ ينبع مِنْها الماءُ فالماءُ بَيْنَهُمَا عَلَى مَا اشتَرطَا عَلَيْهِ عِنْدَ استخراجِ ذَلِكَ فَإنْ اتفقا عَلَى سقيِّ أرضيهِمَا من ذَلِكَ الماءِ بالمهايأةِ جَازَ، وإن أراد قسمَةَ ذَلِكَ جَازَ وتنصبُ خشبَةٌ مستويةٌ في مقدمِ الماءِ وَفِيْهَا ثقبان عَلَى قدر حقِّ كُلّ واحد مِنْهُمَا يجري فِيْهِمَا الماءِ إلى أرضيهِمَا، فإذا أرادَ أحدُهُما أن يأخُذَ قدر حقهِ من الماءِ فيسقي بِهِ أرضاً لَيْسَ لَهَا رسمُ شربٍ من هَذَا النهرِ فهل يجوزُ ذَلِكَ يحتملُ وَجْهَيْنِ (٥)، ويجيء عَلَى أصلنَا أن لايملكَ الماءَ وينتفعَ كُلّ واحدٍ عَلَى قدرِ حاجتِهِ، وَإِذَا كَانَ الماءُ في نهر غَيْرَ مملوكٍ سقى أحدُهُم ملكهُ حَتَّى يَبْلُغَ الكعبَ ثُمَّ يرسلُهُ إلى الثَّانِي، وَكَذَلِكَ يفعل الثَّانِي مَعَ الثَّالِثِ، فَإنْ كَانَ أرضُ الأول

стр. 571

مُستغلةً وأرض الثَّانِي عاليِةٌ لايبلُغُ الماءُ إليها حَتَّى يَبْلُغ في المُستَغَلَةِ إلى الوسطَى سَقَى مايريدُ ثُمَّ يسدُّ أرضهُ حَتَّى يصعَدَ الماءُ إلى العَاليَةِ. وإن أراد بعضُهُم أن يحُيي أرضاً يسقيهَا من هَذَا النهرِ، جَازَ ذَلِكَ بشرِطِ أن لايستضرَّ أهل الأراضي الشارِفةُ عَلَى هَذَا النهر، فَإنْ كَانَ بَيْنَهُمَا عبيدٌ أو ثيابٌ أو حيوانٌ فَطَلَبَ أحدُهما قسمَتَهَا أعياناً بالقِيمةِ، فَلَا أعرفُ فِيهِ عن إمامنا رِوَايَةً إلاّ ان شَيْخُنَا قَالَ: يُجْبَرُ (١) الآخر عَلَى قِسمتِهَا، ويحتَمَل أن لايجبرَ عَلَى قسمِتهَا (٢) وإن نصبوا قاسماً أو نصبهُ الحَاكِمُ فإنّه يعدلُ السِّهَامُ بالأجزاءُ إن كَانَتْ متساويةً أو بالقيمة إن كَانَتْ مختلفةً أو بالردِّ إن كَانَتْ تقتضي الرَّدَّ، فَإنْ كَانَتْ الأجزاء متساويةً والسهامُ متفقةً كأرضٍ بَيْنَ ثلاثةِ أثلاثٍ فإنّه يعدلها بالمساحةِ ثُمَّ يقرعُ بينهم أمّا بأن يخرج الاسماءَ عَلَى السهامُ وَهُوَ أن يكتُبَ اسم كُلِّ واحدٍ مِنْهُمْ في رقعةٍ ويُدرج كُلّ رقعةٍ في بندقةٍ (٣) من شمعٍ أو طينٍ وتكون البنادقُ متساويةً في القدرِ والوزن ثُمَّ تطرحُ في حجرِ رَجُل لَمْ يحضُر ذَلِكَ، ويقال لَهُ: أخرج بندقةً عَلَى هَذَا السهمِ فمن خَرَجَ اسمُهُ كَانَ ذَلِكَ السهمُ لَهُ ثُمَّ يقالُ: أخرج أُخْرَى عَلَى السهمِ الَّذِي يليهِ فيدفعهُ إلى من خَرَجَ اسمهُ ويكونُ السهمُ الثَّالِث الآخرُ وإن اختارَ إخراجِ السِّهامِ عَلَى الأسماءِ كتبَ في الرقاعِ في كُلّ رقعةٍ اسمِ سهم وحدهُ ثُمَّ يفعلُ كَمَا كَانَ ذَلِكَ أخرَجَ بندقةً عَلَى اسم فُلَانٍ فإذا أخرجَهَا كَانَ ذَلِكَ السهمُ لَهُ، وَكَذَلِكَ يفعلُ في الثَّانِي ويكونُ السهمُ الباقي للآخرِ فَإنْ كَانَتْ السهامُ مختلفةً مِثْل أن يَكُون لواحدِ السدسُ ولآخرٍ الثلُثُ ولآخرِ النصفُ جزأ الأرض سِتَةَ أجزاءٍ وكتب ستةَ رقاعٍ باسمِ صاحبِ السُدس رقعةً وباسمِ صاحِب الثلثُ رقعتين وباسم صاحبِ النصفِ ثلاثَ رقاع وتخرجُ الأسماءُ عَلَى السهامِ لَا غَيْرَ، فيقالُ: أخرج عَلَى السهمِ الأولِ فَإنْ خَرَجَ اسمَ صاحبِ السُّدُس دفعهُ إليهِ ثُمَّ يقرعُ بَيْنَ الآخرينَ فَإنْ خَرَجَ اسمُ صاحبِ الثُلثُ أعطي السهمُ الثَّانِي، والثالثُ ويكونُ الباقي لصاحبِ النصفِ وإن خَرَجَ اسمُ صاحِبِ النصفِ أعُطي الثَّانِي والثالثَ والرابعَ ويكونُ الباقي لصاحِبِ الثلثِ وإن خرجت الرقعةُ الأولةُ باسمِ صاحبِ النصفِ أعُطيَ الأولُ والثاني والثالثُ ويقرعُ بَيْنَ الآخرينَ فَإنْ وقعتْ عَلَى صاحبِ الثلثِ أعُطيَ الرابعُ والخامسُ ويكونُ السدسُ لصاحبِ السدسِ وإنْ وقعتْ عَلَى صاحبِ السدسِ أعُطيَ الرابعُ والباقي لصاحبِ الثلثِ، ومثلَ ذَلِكَ العَمَل إذَا

стр. 572

أخُرِجَت الأولةُ لصاحبِ الثلثِ فَإنْ كَانَتْ السهامُ مختلفةً والأجزاءُ مختلفةً عدلها بالقيمةِ وفعلَ مِثْلَ ماذكرنا في الأجزاءِ المتساويةِ وَإِذَا تقاسموا ثُمَّ ادعى بعضهم عَلَى بعضٍ غلطاً في القسمةِ فَإنْ كَانَ فِيْمَا تقاسموهُ بأنفسهمْ، وأشهدوا عَلَى تراضيهمْ لَمْ يلتفت بَعْدَ ذَلِكَ إلى دعاوى المدعي وإنْ كَانَ فِيْمَا قسمهُ قاسمٌ من جهةِ الحَاكِمِ فعلى المدَّعي البينةَ فَإنْ عدمَتْ فالقولُ قَوْلُ المُدّعَىْ عَلَيْهِ مَعَ يمينهِ، وإنْ كَانَ ذَلِكَ فِيْمَا قسمَهُ بينهم قاسمٌ نصبوهُ وتراضوا بِهِ فَإنْ كَانَ فِيْمَا فِيهِ رَدٌّ واعتبرنا الرضَا بَعْدَ خُروجِ القرعةِ لَمْ تُقبَلُ دعواهُ وإنْ كَانَ في غَيْر ذَلِكَ فحكمهُ حُكْمُ قاسمِ الحاكِمِ وإن تقاسموا ثُمَّ استحقَ منْ جهةِ أحدهما شيئاً معيناً بطلتْ القسمةُ وإن استحقَّ (١) مشاعاً بطلتِ القسمةُ في المستحقِ وهل تبطلُ في الباقي؟ تحتملُ وَجْهَيْنِ (٢)، وَإِذَا اقتسما دارينِ قسمةَ تراضٍ فأخذَ كُلّ واحدٍ مِنْهُمَا داراً وبنى أحدهما ثُمَّ خرجت الدار الَّتِي فِي يدهِ مستحقةً ونقضَ بناءهُ، فَقَالَ شَيْخُنَا يرجعُ عَلَى شريكهِ بنصفِ قيمةِ البناءِ (٣) وَإِذَا خَرَجَ فِي نصيبِ أحدهما عيبٌ فلهُ فسخُ القسمةِ فَإنْ قَسَّمَ الوارثانِ التركةَ ثُمَّ ظهرَ دينٌ عَلَى الْمَيِّتِ فَإنْ قلنا القسمةَ إفرازُ حقٍ لَمْ تبطلِ القسمةُ ولزم كُلّ واحدٍ مِنْهُمَا بقدرِ حقهِ منَ الدَّينِ وإنْ قلنا هِيَ بيعٌ انبنى عَلَى بيعِ التركةِ قَبْلَ قضاءِ الدينِ هَلْ يصحُ أم لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ (٤)، وَإِذَا اقتسما داراً فحصلَ الطَّرِيق في نصيبِ أحدهما، فَإنْ كَانَ للنصيبِ الآخرِ منفذاً يتطرف مِنْهُ وإلاّ بطلت القسمةُ، ويجوزُ للأبِ والوصيِ قسمةَ مالِ الصغيرِ مَعَ شريكهِ. كِتَاب الدّعَاوي والبينات المدّعي: هُوَ الَّذِي إذَا سكتَ ترك والمدعى عَلَيْهِ: من إذَا سكتَ لَمْ يترك والبينةَ مشروعةٌ في جَنْبِهِ المدعي (٥) عَلَيْهِ، واليمين مشروعة في جَنْبِهِ [المدعى] (٦) عَلَيْهِ، ولاتصحُ الدعوى إلاّ من جائزِ التصرفِ، ولاتصحُ إلاّ محررةٌ يعلمُ بِهَا المدعى عَلَيْهِ إلاّ في الوصيةِ فإنها تصحُ في المجهول، فَإنْ كَانَ المدعى عيناً حاضرَة كالعبد والثوبِ والدارِ عينهَا وإن كَانَتْ غائبةً ذكر صفاتها إن كَانَتْ ممّا يضبط عينها بالصفةِ والأولى أن

стр. 573

يذكَرَ قيمتهَا وإن كَانَتْ تالفةً، وَهِيَ من ذواتِ الأمثالِ كالمكيلِ والموزونِ ذكرَ جنسَهَا وصفَتَهَا وقدرها وَكَذَلِكَ يذكر إن كَانَ المدعي ديناً. إن ذكر القيمةَ كَانَ آكد وإن لَمْ تكن من ذَواتِ الأمثالِ فلا بُدَّ من ذكرِ قيمِتهَا، فَإنْ كَانَ ادَّعى نكاحَ امرأةٍ فلا بدَّ من تعيينها إن حَضَرَت أو ذِكرِ اسمهَا ونَسبِهَا إن غَابت وذكر شرائِط النكاحِ من أنّه تزوجها بوليٍّ مرشدٍ وشاهدي عَدلٍ وَرَضَاهَا عَلَى الصَّحِيحِ من المذهَبِ (١) وإن ادعت امرأةٌ عَلَى رجُلٍ نكاحاً فَإنْ ادعت مَعَهُ حَقاً من مهرٍ ونفقة سمعت دعواهَا وإن لَمْ تدعِ سوى النكَاح فهل يَسْمَع؟ وجهين (٢)، وإن ادعى بيعاً أو هبةً أو إِجارةً أو غَيْرهُ من العقودِ فهل يفتقرُ إلى ذَلِكَ شروطِ ذَلِكَ العقدِ أم لا تحتملُ وجهين (٣)، وإن ادَّعى قتلَ موروثِهِ ذكَرَ القاتلُ وأنّه انفردَ بقتلِهِ أو شاركَهُ غيرهُ، وذكَرَ هَلْ قتلهُ عمداً أو خطأً أو شبهَ عمدٍ ويصفَ كُلَّ واحدٍ مِنْهُمَا، وإن ادَّعى الإرثَ ذكر السبَبَ في الإرث وإن ادَّعى إتلافَ شيءٍ [محلى] (٤) فَإنْ كَانَ [محلى] (٥) بذهبٍ قَوَّمَهُ بفضةٍ، وإن كَانَ بفضة قَوَّمَهُ بذهب، وإن كَانَ [محلى] (٦) بذهبٍ وفضةٍ قَوَّمَهُ بما شَاءَ مِنْهُمَا للحاجةِ فَإنْ لَمْ يحسنُ المدعي تحريرَ الدعُوى فهل للحاكِمِ تحريرهَا يحتملُ وَجْهَيْنِ، فإذا تحرَّرت الدعُوى فهل للحاكِمِ مطالبةُ المدعى عَلَيْهِ بالجوابِ قَبْلَ قَوْل المدعي أسئِلَ سؤاله عَلَى ذَلِكَ يحتملُ وجهين وَإِذَا سألهُ الحَاكِم فَإنْ أقر حَكَمَ عَلَيْهِ وإن أنكرَ مَا ادعَاهُ عَلَيْهِ بأن يَقُول المدعي: أقرضتهُ ألفاً فيقولَ: مَا أقرضَني، أو يَقُول: بعتُهُ، فيقولَ: ماباعني فَهَذَا جواب، وإن قَالَ: مَا يستحقُ عَلَى مَا ادعاهُ ولاشيئاً مِنْهُ أو قَالَ: لاحقَ لَهُ عَلِيّ صَحَّ الجوابُ أيضاً، وَإِذَا قَالَ ذَلِكَ فللخصم أن يَقُول: لي بينةٌ فَإنْ لَمْ يعرف أنّه مَوْضِع البينةِ قَالَ لَهُ الحَاكِمُ: ألكَ بينةٌ؟ فَإنْ أقام بينة قضى لَهُ بِهَا وإن لَمْ يَكُنْ لَهُ بينة عرفَهُ أن لَهُ عَلَى المنكرِ اليمينَ، فَإنْ طالبَ الحَاكِمُ باستيفائها حلّفهُ، وإن لَمْ يطالبهُ لَمْ يحلّفهُ، فَإنْ بدر المنكر وحلفَ أو حلّفهُ الحَاكِم من غَيْر مسألةِ المدعي لَمْ يعتدَّ بتلكَ اليمينِ، وَإِذَا طَلَبَ اليمينَ فَإنْ حَلَفَ المنكِرِ سقطت الدَّعوى، وإن نكل قَالَ لَهُ الحَاكِم (٧): لَمْ تحلف خلعتُكَ ناكِلاً وقضيتُ عَلَيْكَ بالحقِّ، فَإنْ لَمْ يحلف قَضَى عَلَيْهِ في ظاهِرِ المذهبِ (٨) ويتخرجَ أن لا يقتضي بردِّ اليمين فَإنْ سكتَ المنكرُ فلم يَجِبُ بإقرار وَلَا إنكارٍ أمره الحَاكِمُ بالجوابِ فَإنْ أبى الجوابَ حبسهُ

стр. 574

حَتَّى يجيبَ، فَإنْ قَالَ المدعى عَلَيْهِ: لي مخرجٌ مِمّا ادعاه لَمْ يَكُنْ مقراً ولامجيباً، فَإنْ ادعى عَلَيْهِ مبلغاً من الدين فَقَالَ المدعى عَلَيْهِ لفلانٍ عَلِيّ أكثر مِمّا لَكَ عَلِيّ لَمْ يَكُنْ إقراراً بالمدعى وهل يَكُون إقراراً بحقٍ؟ يحتملُ وَجْهَيْنِ: أحدهما: يَكُونُ مقرٌ بحقٍ لَهُمَا يرجعُ فِي تفسيرهِ إليهِ (١) وَالثَّانِيَ: لايكونُ مقراً إذَا زعمَ أنّه أرادَ التهزي بِهِ (٢)، فإذا ادعى عَلَيْهِ ألفاً فَقَالَ المدعى عَلَيْهِ: إن كنت تدعي هذِهِ الألف من ثمن المبيعِ الفلاني الَّذِي بعتني إياه وَلَمْ تقبضني فنعم وإن ادعيتَ ألفاً من قرض فَلَا تستحق عَلَى ذَلِكَ أو قَالَ: إن ادعيت ألفاً عَلَى رهن فلاني لي في يديك أجبت. وإن ادعيت ألفاً مطلقاً فَلَا تستحق عَلَيَّ شيء فَقَدْ أجابه، فَإنْ ادعى عَلَيْهِ عيناً في يده فَقَالَ: ليست لَكَ وَلَا لي وإنما هِيَ للثالث، فَإنْ سمّى حاضراً مكلفاً سقط عنهُ جواب الدعوى وسألنا المقر لَهُ فَإنْ اعترف بِذَلِكَ صارت الخصومة مَعَهُ، وإن أنكر وَقَالَ: ليست لي فهل تسلم إلى المدعي؟ يحتمل وَجْهَيْنِ: أحدهما: تسلم إليه (٣)، وَالثَّانِيَ: لَا تسلم إليه إلاّ ببينةٍ وتجعل عِنْدَ أمين الحَاكِم، وإن سمى صبياً أو مجنوناً أو غائباً سقطت عَنْهُ الدعوى أيضاً ثُمَّ إن كَانَ للمدعي بينة بما ادعاه سلمت إليه العين وهل يحلف مَعَ بينته ظاهر كلام أحمد ﵀ أنّه لَا يحلف مَعَ البينة، وَعَنْهُ أنّه يحلف معها وإن لَمْ يَكُنْ لَهُ بينة والتمس يمين المدعى عَلَيْهِ حلف أنّه لايلزمه تسليم العين المدعاة إليه: فَإنْ أقام المدعى عَلَيْهِ بينةً انها للغائب أو للصبي؛ سقطت عَنْهُ اليمين ومن كَانَ لَهُ عَلَى رَجُل حق فقدر عَلَى أخذ حقه من مال من عَلَيْهِ الحق لَمْ يَجُزْ لَهُ أخذهُ من غَيْر إذنه أو دفع الحَاكِم ذَلِكَ إليه سَوَاء كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الحق باذلاً لأدائه أو مانعاً وسواء كَانَ من جنس حقه أو من غيره نَصَّ عَلَيْهِ واختاره عامة شيوخنا (٤)، ويتخرج أنّه يجوز لَهُ الأخذ إذَا أنكره ومنعه، وإن كَانَ مَا قدر عَلَيْهِ من غَيْر جنس حقه تحرى واجتهد في تقويمه وأخذ بمقدار حقه مأخوذ من قوله في المرتهن يجَلبُ ويركب بمقدار مَا ينفق عَلَى الرهن والزوجة تأخذ من مال الزوج بمقدار قوتها وبائع المفلس يأخذ سلعته، كُلّ ذَلِكَ بغير رضا المالكين.

стр. 575

باب تعارض الدعوتين والبينتين إذَا تداعيا عيناً ولا بينةَ لأحدهما فَإنْ كَانَتْ في يد أحدهما فالقول قوله مَعَ يمينه ولاحق فِيْهَا للمدعي الآخر، وإن كَانَتْ في يدهما أو لَمْ تكن في يد واحد مِنْهُمَا حلفا وجعلت بَيْنَهُمَا نصفين وإن كَانَتْ في ثالث رجع إليه فَإنْ أداها لنفسه فالقول قوله مَعَ يمينه وإن أقربها لأحدهما بعينه فهي لَهُ مَعَ يمينه وإن أقربها لأحدهما لابعينه أقرع بَيْنَهُمَا فمن خرجت لَهُ حلف انها لَهُ وحكم بِهَا له، فَإنْ أقربها لغيرهما وصدقهُ المقرله انتقلت الخصومة، وهل يحلف لَهُمَا، تحتمل وجهين (١)، وإن كذبه المقرلهُ حفظها الحَاكِم حَتَّى يظهر صاحبها، فإن أقر بِهَا لمجهول قِيلَ لَهُ: إما أن تعرفه أو نخلعك ناكِلاً، فَإنْ أقر بِهَا لغائب مَعْرُوف انتقلت الخصومة إليه بَعْدَ أن يحلف المقر للمدعي فإن أقر بها لأحدهما وأقام الآخر بينة أنها له حُكم بها لصاحب البينةِ فَإنْ أقر بها لَهُمَا ولكل واحد مِنْهُمَا بينة فهي بَيْنَهُمَا فَإنْ أقر بها لأحدهما ولكل واحد مِنْهُمَا بينة؛ فهي بينة عَلَى بينة الداخل والخارج، وَفِيْهَا ثلاث روايات (٢): إحداها: تقدم بينة الخارج عَلَى بينة من العين في يده؛ فيحكم بِهَا ها هنا لِمَنْ لَمْ يُقرَّ لَهُ. والثانية: تقدم بينة الداخل فيحكم بِهَا ها هنا للمُقِرِّ له. والثالثة: إن أقام صاحب اليد البينة انها لَهُ نتجت في ملكه أو نتجت في ماله أو هِيَ لَهُ قطيعة من الإِمَام حكم بِهَا لصاحب اليد، وإلاّ حكم بِهَا لِمَنْ ليست في يده فيكون حكم المقرله حكم صاحب اليد في ذَلِكَ، فَإنْ لَمْ يقر بِهَا لأحدهما ولكل واحد مِنْهُمَا بينة إنها لَهُ تعارضت البينتان وسقطت أو كانا كمن لابينة لَهُمَا في إحدى الرِّوَايَتَيْنِ (٣)، وَفِي الأخرى تستعمل البينتان (٤) وَفِي كيفية استعمالها رِوَايَتَانِ (٥): إحداهما: تقسم بينهما، والثانية: يقرع بَيْنَهُمَا فمن خَرَجَ لَهُ القرعة حلف أن العين لَهُ، لا حق للخصم فِيْهَا ودفعت العين إليه وَكَذَلِكَ الحكم إذَا كَانَتِ الدار في يدهما لَوْ لَمْ تكن في يد أحدهما، فشهدت بيِّنة أحدهما بالملك لَهُ منذ سنة وشهدت بينة الآخر بالملك لَهُ منذ شهر قامت البينة الَّتِي شهدت بالملك القديم، فَإنْ وقتت

стр. 576

إحدى البينتين وَلَمْ توقت الأخرى فهُمَا سَوَاء ذكره شَيْخُنَا (١)، ويحتمل أن يحكم بِهَا لِمَنْ لَمْ توقت، فَإنْ شهدت بينة أحدهما بالملك لَهُ والنتاج في ملكه، وبينة الآخر بالملك وحده احتمل أن يَكُونا سَوَاء واحتمل ملكه أن تقام بينة النتاج، فَإنْ ادعى كُلّ واحد مِنْهُمَا أنّه اشترى العين من زيد، وَهِيَ ملكهُ وأقام كُلّ واحد مِنْهُمَا البينةَ بما ادعاه فَإنْ كَانَ تاريخهما واحد تعارضت البينتان. وَقَدْ تقدم حكم تعارضهما وإن اختلف التأريخ فهي لِمَنْ شهد لَهُ سابق التأريخ وإن ادعى أحدهما أنّه اشترى من زيد وأنَّها ملكه وادعى الآخر أنّه اشترى من بَكْر وأنها ملكه وأقاما البينة بِذَلِكَ تعارضت البينتان أيضاً، فَإنْ كَانَ في يد زيد دار فادَّعاها اثنان كُلّ واحد ادعى أنّه باعه إياها بثمن ذكره وأقاما البينة بما ادعياهُ، فَإنْ كَانَ تاريخ العقدين مختلفاً حكم بِهَا لصاحب العقد الأول وألزم ردَّ الثمن الَّذِي قبضه من الثاني وإن كَانَ تاريخهما واحد تعارضت البينتان وَفِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ تقدم ذكرهما، وَإِذَا تعارضت البينتان لَمْ تقدم إحداهما عَلَى الأخرى بكثرة العدد وَلَا باشتهار العدالة ويتخرج أن يقدم المشهور عدالته كَمَا لَوْ اختلف اجتهاد اثنين في القبلة. قَالَ الخِرَقِيُّ: يتبع الأعمى أوثقهما في نفسه (٢) فإن كَانَت إحدى (٣) البينتين رجلين والأخرى رَجُلاً وامرأتين فهُمَا سَوَاء فَإنْ كَانَتْ الأخرى رَجُل ويمين المدعي احتمل ان يكونا سَوَاء، واحتمل أن يقدم الرجلين وَإِذَا تداعيا حائطاً بَيْنَ ملكيهما فَإنْ كَانَ معقوداً بَيْنَ بناء أحدهما أو متصلاً اتصالاً لايمكن إحداثها أو كَانَ لَهُ عَلَيْهِ أزج (٤) حكم لَهُ بِهِ فَإنْ كَانَ لأحدهما عَلَيْهِ جذوع لَمْ يرجح بالجذوع وجعل بَيْنَهُمَا وَكَذَلِكَ لايرجع [بوجوه] (٥) الآجر والتجصيص (٦) والتزويق (٧) ومعاقد القمط في الخص (٨)، وإن تنازعا غيضة لأحدهما فِيْهَا بناء أو شجر فالقول قَوْل صاحب البناء والشجر مَعَ يمينه، فَإنْ كَانَ

стр. 577

سفل البيت لرجل وعلوه لآخر (١) وتنازعا في السقف حلفا وجعل بَيْنَهُمَا، وإن تداعيا سلماً منصوباً فالقول قول صاحب العلو مع يمينه وإن تداعيا دَرَجَة فَإنْ كَانَ تحتها مسكن حلفا وجعلت بَيْنَهُمَا وإن لَمْ يَكُنْ تحتها مسكنٌ فهي لصاحب العلو مَعَ يَمينه، وإن تنازعا مسناة (٢) بَيْنَ أرض أحدهما ونهر الآخر حلفا وجعلت بَيْنَهُمَا، وَإِذَا تنازع الزوجان في قماش البيت وادعاه كُلّ واحد مِنْهُمَا فَإنْ كَانَ لأحدهما بينة قضينا لَهُ ببينته وإن لَمْ يَكُنْ بينة قضينا بما يصلح للرجال من العمائم وقمصان الرِّجَال وجيابهم وذراريعهم والسلاح للرجل وما يصلح للنساء من الوقايات والمقانع وقمصانهن وحليهن للمرأة، وما يصلح لَهُمَا من الأواني ونحو ذَلِكَ بَيْنَهُمَا نصفين، وسواء كَانَ التنازع مَعَ بقاء الزوجية، أو الفرق وَفِي حال الحياة وبعد الموت إذَا اختلف الورثة وسواء كَانَتْ ايديهما عَلَيْهِ من طريق الحكم، أو طريق المشاهدة عَلَى ظاهرِ كلام أحمد (٣) ﵀ ويتحالفا وَكَذَلِكَ إذَا اختلف [العطار] (٤) وللإسكاف في بيت لَهُمَا في قماش حكم بآلة العطر للعطار وآلة الإسكاف للاسكاف وَقَالَ شَيْخُنَا: إن كَانَتْ ايديهما عَلَيْهِ من طريق (٥) الحكم فكذلك (٦) يقضي وإن (٧) كَانَتْ من طريق المشاهدة فَهُوَ بَيْنَهُمَا نصفين بكل حال، وَإِذَا تنازعا دابَّة وأحدهما راكبها، والآخر آخذ بزمامها حكم بِهَا للراكب وَكَذَلِكَ إن كَانَ لأحدهما عَلَيْهَا حمل، وَكَذَلِكَ إذَا تنازعا قميصاً أحدهما لابسه والآخر آخذ بكمه حكم بِهِ للابس، وَكَذَلِكَ إذَا تنازع المؤجر والمستأجر في مصراع أو رفٍ مقلوعٍ فَإنْ كَانَ لَهُ شكل في الدار منصوباً، حكم بِهِ لصاحب الدار وإلاّتحالفا وجعل بَيْنَهُمَا، وَكَذَلِكَ إذَا تنازع الخياط وصاحب الدكان في الأبرة والمقص حكم بهما للخياط، وَكَذَلِكَ إذَا اختلف صاحب الدار والقراب في القَرْيَة، فالقول قَوْل القراب وكل من عَلَيْنَا قوله فلابد من تحليفه لإسقاط دعوى خصمه، وَإِذَا كَانَ في أيديهما صبي غَيْر مميز فادعى كُلّ واحدٍ مِنْهُمَا أنّه مملوكه حلفا وجعل بَيْنَهُمَا، وإن كَانَ مميزاً فَقَالَ: إني حر منعنا مِنْهُ حَتَّى يقيما

стр. 578

بينةً بما ادعياه. واحتمل أن يَكُون كغير المميز، وَإِذَا ادعى رَجُل ملك عَبْد وادعى آخر أنّه باعهُ إياه أو [وقفه] (١) أو أعْتَقَهُ وأقام كُلّ واحدٍ مِنْهُمَا بيّنة قدّمت بينة البيع والوقف والعِتق، فَإنْ ادعى العبد أنّ سيّدهُ أعْتَقَهُ وادعى آخر أنّه اشتراهُ من سيده وأقام كُلّ واحدٍ منهُمَا بينةٌ نظرنا فَإنْ اختلف تاريخهما قدّمنَا قَوْل السابقة وإن اتفق تاريخهمَا أو اطلقا التّاريخَ نظرنا فَإنْ كَانَ العبْدُ في يد المشتري فهل تقدم بيِّنةُ العبد أو بيّنة المشتري تنبني عَلَى مسألةِ الداخل والخارج، فَإنْ قدمنا بيِّنةَ الخارج قدمنا هَاهُنَا بيّنةَ العبد لأنّه خارج، وإن قدمنا بيّنةُ الدّاخل قدّمنا بينة المشتَري، لأن العبد في يده، وإن كَانَ العبد في يد المالك فاقرَّ لأحدهما لَمْ يرجح بإقراره، وإن جَحَدَهُما حلف لكل واحد عَلَى نفي دعواه وَكَانَ العبد لَهُ ذكره شيخنا (٢). قَالَ أبو بكرٍ يُقرع بَيْنَهُمَا فإن وقعت القرعة عَلَى بيّنة العبد كَانَ حراً وبطل البيع (٣) وإن وقعت عَلَى بينة المشتري صَحَّ البيع وبطل العتق فَإنْ كَانَ عَبْد في يد رَجُل فادعى اثنان كُلّ واحد مِنْهُمَا أنّهُ بَاعه مِنْهُ بألف فاصدقهما لزمه لكل واحدٍ مِنْهُمَا كمال الثمن، وإن أقرا بِهِ انّه مَا اشتراه مِنْهُ هَذَا مَعَ عدم البينة فَإنْ أقام كُلّ واحدٍ مِنْهُمَا البينة أنّه اشتراهُ منهُ فاتفق تاريخ البينتين في وقت واحدٍ تعارضتا وَقَدْ بينا الحكم في ذَلِكَ، وإن اختلف تاريخهما حكمنا بصحة العقدين ولزمه الثمن لكل واحد مِنْهُمَا وإن كَانَتْ إحداهما مطلقة التأريخ، والأخرى مقيدة؟ احتمل وَجْهَيْنِ: أحدهما: أن يتعارضا (٤)، والثَّانِي: يحكم بصحة العقدين (٥). وَإِذَا ادعيا أمة فِي يد غيرهما فأقرت لأحدهمَا لَمْ يقدم بإقرارها وإن شهدت البينة انها ملك أحدهما حكم لَهُ بِهَا وإن شهدت انها بنت امة أحدهما لَمْ يحكم لَهُ بِهَا إلاّ أن تشهد بأنها فِي ملكه فيحكم لَهُ بِهَا، فَإنْ تنازعا فِي غزلٍ أو دقيق فقامت البينة أن الغزل من قطن أحدهما والطير من بيضته والدقيق من حنطته حكم لَهُ بِهِ فَإنْ قَالَ لعبده: متى قتلت فأنت حر فأقام العبد بينة أَنَّهُ قتل وأقام الورثة بينةً أَنَّهُ مات احتمل أن تَقَدَّمَ بينة القتل فيعتق العبد، واحتمل أن يتعارضا ويرق العبد فَإنْ قَالَ: إن مت فِي المحرم فعبدي حرٌ وإن مت فِي صفرٍ فجاريتي حرةٌ فأقام العبد بينة بموته فِي محرمٍ وأقامت الجارية بينةً بموته فِي صفرٍ قدمت بينة

стр. 579

العبد، فَإنْ قَالَ: إن مت من مرضي فعبدي حر وإن برئت مِنْهُ فجاريتي حرةٌ ثُمَّ مات فأقام كُلّ واحدٍ مِنْهُمَا بينةً بما يوجب عتقه تعارضتا وسقطتا وبقيا عَلَى الرق، فَإنْ قامت البينة بأنه عتق زيداً فِي مرضه وَهُوَ ثلث ماله وشهدت بينة بأنّه عتق سالماً وَهُوَ ثلث ماله، وَلَمْ يُجْزِ الورثة احتمل أن يعتق من كُلّ واحد مِنْهُمَا نصفه واحتمل أن يقرع بَيْنَهُمَا فمن خرجت قرعته عتق فَإنْ كَانَتْ دار في يد اثنين فادعى أحدهما أنّ الكل لَهُ، وادعى الآخر أن النصف لَهُ ولابينة لأحدهما فهي بينَهُمَا نصفان؟ نَصَّ عَلَيْهِ (١)، ويحلف مدعي النصف لمدعي الكل عَلَى إسقاط دعواه فِي النصف، فَإنْ ادعى الآخر بدل النصف الثلث فَهُوَ لَهُ والثلثان للآخر، فَإنْ كَانَ لِكُلِّ واحد مِنْهُمَا بينة بما ادعاه انبنى عَلَى بينة الداخل والخارج فإن قدمنا بينة الخارج حكم بالجميع لِمَنْ أقام البينة بالكل لأَنَّ يده عَلَى النصف وَقَدْ شهدت لَهُ بِهِ البينة ولامنازع لَهُ فِيهِ فثبت وبقي النصف والثلث فِي يد من يدعيه ولَهُ بينة بِهِ فقدمت بينة الخارج وإن قدمنا بينة الداخل حكمنا بالنصف أو الثلث لِمَنْ قامت لَهُ بِهِ البينة، فَإنْ كَانَتْ بيد ثَلَاثَةَ فادعى أحدهم نصفها والآخر ثلثها والآخر سدسها فهي بينهم عَلَى مَا اتفقوا عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ الحكم إن قامت لِكُلِّ واحدٍ مِنْهُمْ بما يدعيه، فَإنْ قامت بينة بأن هذِهِ الدار لزيد وقامت بينة أنَّ بَكْر اشتراها من زيد فهي لبكر، لأنَّ بينة شهدت بزيادة هِيَ الشري وَكَذَلِكَ إن مات رَجُل وخلف زوجةً وابناً وداراً فأقام الابن بينة أن الدار ملك لأبيه فهي تركة واقامت الزوجة بينةً ان زوجها أصدقها الدار حكم بِهَا للزوجه، لأن بينتها شهدت بزيادة خفيت عَلَى بينة الابن فَإنْ ادعى داراً في يد زيد فأنكره زيد وَقَالَ: هِيَ لي فأقام المدعي بينة أَنَّهُ اشتراها من عَمْرو وإن عمراً وقفها عَلَيْهِ لَمْ يحكم بِهَا للمدعي إلاّ أن تشهد البينة أن عمراً باعها لَهُ أو وقفها عَلَيْهِ وَهِيَ مُلكَهُ، فَإنْ ادعيا داراً في يد رَجُل فَقَالَ أحدهما: غصبني إياها، وَقَالَ الآخر: ملكني إياها أو أقر لي بِهَا بأمر حق سابق وأقام كُلّ واحدٍ البينة بدعواه حكمنا انها للمغصوب مِنْهُ وَلَمْ يغرم المقربها شيئاً للمقر لَهُ؛ لأَنَّهُ لَمْ يحد بينه وبينها وإنما البينة أحالت بَيْنَ المقر لَهُ وبينها ويخالف هَذَا لَوْ قَالَ هذِهِ الدار لزيد لابل هِيَ لعمرو فإنا نحكمُ بِهَا لزيدٍ ونغرمهُ قيمتها لعمروٍ؛ لأَنَّهُ أحال بَيْنَ عَمْرو وبينها بإقراره لزيد. وَإِذَا مات يهودي وخلف ابناً مسلماً وابناً يهودياً فادعى المُسْلِم أن أباهُ فات مسلماً وأقام البينة وادعى الآخر أن اباه مَات يهودياً وأقام بينة فَإنْ لَمْ يؤرخا قدمنا بينة المُسْلِم وإن أرخَا فَقَالَ (٢): بينة المُسْلِم مات ناطقاً بكلمة التوحيد، فَقَالَ (٣): بينة اليهودي مَات ناطقاً

стр. 580

بكلمة الكفر تعارضت البينتان وسقطتا ورجع إلى أصل دينه فحكمنا بأنّه مات يهودياً في إحدى الرِّوَايَتَيْنِ (١)، وَفِي الأخرى لا يسقطان بَلْ يقرع بَيْنَهُمَا أو يقسم بينهما (٢) عَلَى ماتقدم من الوَجْهَيْنِ وَكَذَلِكَ الحكم إذَا لَمْ يعرف أصل دينه وتعارضت البينتان فَإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا بينة وعرف أصل دينه فالقول قَوْل مدعي ذَلِكَ الأصل مَعَ يمينه، وإن لَمْ يعرف أصل دينه، فَقَالَ شَيْخُنَا: قياس المذهب أن يقرع بينهما (٣)، فمن خرجت قرعتهُ فالقول قوله مَعَ يمينه ويحتمل أن يؤخر الأمر حَتَّى يظهر لَنَا أصل دينه أو يصطلحا وعلى كُلّ حال يغسل ويصلى عَلَيْهِ ويدفن في مقابر المسلمين، فَإنْ اتفق الاثنان عَلَى إسلام الأب وإسلام احدهما قَبْلَ موت الأب واختلفا في إسلام الآخر هَلْ كَانَ قَبْلَ موت الأب أو بعدهُ؟ فهما شريكان فِي الميراث فِي إحدى [الرِّوَايَتَيْنِ (٤)] (٥) لأن من أسلم قَبْلَ قسمة الميراث شاركه فِيهِ، والأخرى: القَوْل قَوْل المتفق عَلَى إسلامه ولايرث مَعَهُ الآخر بَعْدَ أن يحلف أَنَّهُ لايعلم أن أخاه أسلم قَبْلَ موت أبيه (٦)، فَإنْ اتفقا أن أحدهما أسلم فِي المحرم، والآخر أسلم فِي صفر، واختلفا فِي الأب فَقَالَ أحدهما: أسلم فِي المحرم ومات فِيهِ، وَقَالَ الآخر: بَلْ اسلم فِي صفر ومات فِيهِ، فالقول قَوْل من يدعي الموت فِي صفر؛ لأن الأصل بقاء الحياة ويكون التركة بَيْنَهُمَا، فَإنْ خلف أبوين كافرين وابنين مسلمين فَقَالَ الأبوان: مات ولدنا عَلَى الكفر، وَقَالَ الابنان: بَلْ مات مسلماً. فَقَالَ شَيْخُنَا: القَوْل قَوْل الأبوين (٧) ويحتمل أن القَوْل قَوْل الابنين لظاهر دار (٨) وانقطاع حكم التبعية عن الأبوين بالبلوغ فَإنْ خلف ابناً كافراً وأخاً وزوجةٍ مسلمين، فَقَالَ الابن: مات كافراً وَقَالَ الأخ والزوجة: مات مسلماً وَلَا بينة، فَإنْ عرفنا أصل دينه فالقول قَوْل من يدعيه، وإن لَمْ يعرف أصلُ دينه، فَقَالَ شَيْخُنَا: يقرع بَيْنَهُمَا فمن اخرجته القرعة حكم بقوله (٩). وَقَالَ أبو بَكْر: قياس المذهب أن تعطى الزوجة حقها من

стр. 581

الميراث الربع ويقسم الباقي بَيْنَ الابن والأخ نصفين (١)؛ لأنهما في الدعوى سَوَاء وتصح ثمنيه، فَإنْ ماتت امرأة وابنها فَقَالَ زوجها: ماتت فورثناها ثُمَّ مات الابن فورثته. وَقَالَ أخوها: بَلْ مات الابن أولاً فورثته الأم ثُمَّ ماتت فورثناها ولابينة، فَقَالَ الخرقي: يحلف كُلّ واحد عَلَى إبطال دعوى صاحبه ويكون ميراث الابن لأبيه وميراث المرأة لزوجها وأخيها (٢)، ويتخرج عَلَى مَا قلنا في الخرقي أن يجعل للأخ سدس مال الابن وَهُوَ نصف ميراث الأم من ابنها، ويجعل مال المرأة جميعهُ لزوجها. وَإِذَا ادعى رَجُل أنَّ أباهُ مَات عَنْهُ وعن أخ لَهُ غائب، وله مال في يد فُلَان الحاضر أحضر فُلَان وإن أقر بما ادَّعاهُ أو أنكَرَ فأُقيمَ عليهِ بيِّنةٌ بِذَلِكَ سلِّم إلى المدعي نصف المال، وأخذ الحَاكِم النصف الآخر فحفظه للغائبِ، ويَحتَمِلُ إنْ كَانَ المالُ دَينَاً [فيترك] (٣) في ذِمَّةِ الغَرِيمِ حَتَّى يَقْدُمَ الغَائِبُ. وَإِذَا مَاتَ رَجُلٌ فَادَّعَى رَجُلٌ أَنَّهُ وَارِثُهُ فَشَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّهُ وَارِثُهُ لا يَعْلَمُ لَهُ وَارِثاً غَيْرَهُ سَلمَ المَالُ إليهِ سَوَاءٌ كَانَا مِنْ أهْلِ الخِبرَةِ البَاطِنةِ أو لَمْ يَكُونَا وإنْ قَالا: لا نَعلَمُ لَهُ وَارِثاً غَيرَهُ في هَذَا البَلَدِ احْتَمَلَ أنْ يُسَلَّمَ إليهِ أيضاً، واحْتَمَلَ أنْ لا يُسَلَّمَ حَتَّى يَسْتَكشِفَ الْقَاضِي وَيَسْألُ عَنْ حَالِهِ في البَلَدِ الَّتِي سَافَرَ إليْهَا، وَإِذَا شَهِدَ اجنَبِيانِ عَلَى مَيِّتٍ أَنَّهُ أوْصَى بِعِتْقِ سَالِمٍ أو قِيمَتِهِ ثُلُثِ مَالِهِ وَشَهِدَ وَارِثَانِ أَنَّهُ أوْصَى بِعِتْقِ غَانِمٍ وَهُوَ ثُلُثَ مَالِهِ، فَقَالَ شَيْخُنَا: قِيَاسُ المَذْهَبِ أنْ يَقْرَعَ بَيْنَهُمَا فَمَنْ خَرَجَتْ قُرْعَتُهُ عُتِقَ (٤)، وَقَالَ أبو بَكْرٍ: لا يُقْرَعُ وَيَعتِقُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ نِصْفُهُ (٥)، فإنْ شَهِدَ الوَرَثَةُ أَنَّهُ رَجَعَ عَنْ عِتِقِ سَالِمٍ وأعْتَقَ غَانِماً قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمْ وَحُكِمَ بِعِتْقِ غَانِمٍ لأَنَّهُ لا تُهْمَةَ في حَقِهِمْ، فإنْ شَهِدَ أجْنَبِيَانِ أَنَّهُ أعْتَقَ سَالِماً وَشَهِدَ وَارِثَانِ أَنَّهُ أعْتَقَ غَانِمَاً فإنْ عُلِمَ عَينُ السَّابِقِ مِنْهُمَا عَتِقَ وَرُقَّ الآخرُ وَإنْ لَمْ يَعْلَمْ عَيْنَ السَّابِقِ أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا فَمَنْ خَرَجَتْ لَهُ القُرْعَةَ عُتِقَ وَرُقَّ الآخَرُ كَمَا لَوْ شَهِدَ بِعِتْقِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا اجْنَبِيانِ، فإنْ كَذبت البَيِّنةُ، الوَرَثَةَ للأجْنَبِيةِ فَقَالتْ: كَذَبَتْ مَا أعْتَقَ سَالِماً وإنَّما أعْتَقَ غَانِماً، لَمْ يُقْبَلْ تَكذِيبَهُمْ وَعُتِقَ العَبْدَانِ مَعاً فإنْ كانَ قِيْمَةُ الَّذِي شَهِدَتْ بِهِ الأجنَبِيةُ الثُلُثُ وَقِيمَةُ الَّذِي شَهِدَتْ بِهِ الوَرَثَةُ السُدُسُ فالوَرَثَةُ مُتَهَمةٌ لأنها تَجَرُ إلى أنفسِهَا نَفعَاً وَهُوَ سُدُسُ المَالِ فَتُرَّدَ شهادَتُها عَلَى مَا قَالَهُ في رِوَايَةِ ابنِ مَنْصُورٍ: إذَا شَهِدَ لِنَفسِهِ ولأجنَبِي رُدَّتْ شَهَادَتُهُ في الْجَمِيْع فَيعْتِقُ الَّذِي شَهِدَتْ بِهِ

стр. 582

الأجنَبِيةُ، ويَعْتَقُ الآخَرُ لأَنَّهُ أقلُّ مِنْ ثُلُثِ البَاقِي بَعْدَ الثُلُثِ وَقَدْ أقرَّ الوَرَثَةُ بِعِتْقِهِ، وَقَالَ أبو بَكْرٍ: وَيَجُوزُ عَلَى مَذهَبِهِ أنْ يَقُولَ يُعْتَقُ مِمّنْ قِيمَتُهُ الثُلُثُ نِصْفُهُ، وَيَقْرَعُ بَيْنَ العَبْدَينِ فأيُّهُمَا وَقَعَتْ عَلَيْهِ القُرْعَة عُتِقَ (١) وَاخْتَاَرَهُ، فإنْ شَهِدَ لَهُ شَاهِدٌ عَلَى خَصمٍ أَنَّهُ أقَرَّ لَهُ بألفٍ وَشَهِدَ لَهُ شَاهِدٌ أَنَّهُ أقَرَّ لَهُ بِألفَينِ ثَبَتَتْ لَهُ الألِفُ بِشَاهِدَينِ وَيَحْلِفُ عَلَى الألِفِ الأخْرَى مَعَ الشَّاهِدِ وَيستَحِقُهَا، فإنْ شَهِدَ أحَدُهُمَا بِعِشْرِينَ والأخْرَى بِثَلاثِينَ احتَمَلَ أنْ تَثْبُتَ العِشْرِونَ بِشَاهِدَينِ كَالتي قَبِلَهَا واحْتَمَلَ أنْ لا تَثْبُتْ بَلْ يَحْلِفُ مَعَ [شاهده] (٢) كَمَا لَوْ شَهِدَ أحَدُهُمَا أنَّ لَهُ عَلَيْهِ ألفاً مِنْ ثَمَنِ مَبِيِع وَشَهِدَ الآخرُ أنَّ لَهُ عَلَيْهِ ألفاً مِنْ جِهَةِ القَرضِ، فإنْ شَهِدَ أحَدُهُمَا أَنَّهُ غَصَبَ مِنْهُ ثَوباً أبْيَضاً وَشَهِدَ الآخرُ أَنَّهُ غَصَبَهُ ثَوباً أحمَر لَمْ تَكْمُلِ البيِّنةُ وَكَذَلِكَ إذَا شَهِدَ أحَدُهُما أَنَّهُ قَذَفَهُ يَومَ [الخَميسِ] (٣)، وَشَهِدَ الآخَرُ أَنَّهُ قَذَفَهُ يَومَ الجُمُعَةِ لَمْ يَثْبُتِ القَذفُ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَثْبُتُ القَذفُ (٤)، وإنْ شَهِدَ شَاهِدانِ أَنَّهُ أتْلَفَ عَلَيْهِ ثَوباً قِيَمتُهُ عِشْرُونَ، وَشَهِدَ آخرَانِ أنَّ قِيَمتَهُ ثَلاثُونَ لِزَمَهُ أقَلَّ القِيمَتينِ فإنْ شَهِدَ شَاهِدانِ عَلَى شَاهِدينِ أنَّهُما قَتَلا فُلاناً فَشَهِدَ الآخرَانِ عَلَى الشَّاهِدَينِ أنَّهُما هُمَا قَتَلاه رَجَعَ إلى الوَلَي فَإنْ كَذَّبَ الْجَمِيْعَ أو صَدَّقَهُمْ سَقَطَتْ الشَّهَادَتَانِ وَكَذَلِكَ إذَا كَذَّبَ الأوليِّنِ وَصَدَّقَ الآخَرَينِ، وإنْ صَدَّق الأوَّليَّنِ حَكَمَ بِشَهَادَتِهِما، وَقَتَلَ المَشهُودُ عَلَيْهِمَا. بابُ اليَمِيْنِ في الدَّعَاوى يَجْزِي في اليَمِينِ أنْ يَحْلِفَ باسْمِ اللهِ تَعَالَى وَحْدَهُ فَإنْ رَأَى الحَاكِم تَغْلِيظَ اليَمِينِ في اللَّفْظِ وَالزَّمَانِ وِالمَكانِ فَلَهُ فِعْل ذَلِكَ فَيَقُولُ في اللَّفْظِ: «قل والله الَّذِي لا اله إلاّ هُوَ عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم الطَّالِب الغالب الضار النافع الَّذِي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور القادر عَلَى كُلّ شيء»، ويزيد في تَحْلِيفِ اليَهُودِّي الَّذِي أنْزَلَ التَّورَاةَ عَلَى مُوسَى وَجَاوزَ بِهِ البَحرَ وَأنْجَاهُ مِنْ فِرعَونَ ومَلأهِ وَيَزِيدَ في تَحْلِيفَ النَّصْرَانِي الَّذِي أنْزَلَ الإنْجِيلَ عَلَى عِيْسَى وَجَعَلَهُ يُحيِي المَوتَى وَيُبْرِئُ الأكْمَهَ وَالأبْرَصَ. وَإنْ كَانَ مَجُوسِياً أو وَثَنياً حَلَفَهُ باللهِ الَّذِي خَلَقَهُ وَصَوَّرَهُ وَرَزَقَهُ. وأمَّا التَّغْلِيظُ في الزَّمَانِ بِأنْ يُحَلِّفَهُ بَعْدَ صَلاةِ العَصْرِ أو بَيْنَ الأَذَانِ وَالإقِامَةِ وأمَّا التَّغْلِيظُ بِالمَكَانِ بِمَكةَ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالمَقَامِ وَبِالمَدِينَةِ عِندَ مِنْبَرِ الرَّسُولِ ﷺ وَبَيْتِ المَقْدِسِ عِنْدَ الصَّخْرَةِ وَفِي بَقِيَّةِ البِلادِ في الجَوَامِعِ عِنْدَ المِنْبَرِ وَإنْ كَانُوا أَهْلَ ذِمَّةٍ حَلِّفُوا في المَواضِعَ الَّتِي يُعَظِّمُونَهَا وَقَدْ أوْلَى أحمَدُ إلى القَوْلِ بِالتَّغْلِيظِ في

стр. 583

رِوَايَةِ المَيْمُونِي (١) وَذَكَرَهُ الخِرَقِي ذَلِكَ في حَقِّ أهْلِ الذِّمَةِ (٢) وَقَدْ غَلَّظَ اليَمِيْن في القِسَامَةِ وَاللِّعَانِ بِزيَادَةِ العَدَدِ وَقَدْ بيَّنا ذَلِكَ في مَوضِعِهِ وَلا تُغَلَّظُ اليَمِينُ إلاّ فِيْمَا لهُ خَطَرٌ مِثْلُ: الجِنَايَاتِ وَالحُدُودِ وَالطَّلاقِ وَالعِتَاقِ وَنَحوِهَا وَفِي المَالِ الَّذِي تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ، وَقِيلَ: مَا تَقْطَعُ بِهِ يَدُ السَّارِقِ وَإنْ رَأَى الحَاكِمُ اسْقَاطَ التَّغْلِيظِ جَازَ وَلَمْ يَكُنْ تَارِكاً للسُنَّةِ، وَمَنْ حَلَفَ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ حَلَفَ عَلَى البَتِّ إثْبَاتَاً كَانَ أو نفياً وَمَنْ حَلَفَ عَلَى فِعْلِ غَيْرِهِ فَإنْ كَانَ إثْبَاتاً حَلَفَ عَلَى البَتِّ، وَإنْ كَانَ نَفْياً حَلَفَ عَلَى نَفِي علْمِهِ، وَمَنْ تَوجَهَ عَلَيْهِ يَمِينٌ لِجَمَاعَةٍ فَقَالَ: أحْلِفُ يَمِيناً وَاحِدَةً لِلجَمَاعَةِ، إنْ رَضُوا بِذَلِكَ جَازَ وَإنْ أبَوَا حَلَفَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَمِيناً، وَمَنْ حَلَفَ عَلَى شَيْءٍ ثُمَّ أقَامَ المُدَّعِي البَيِّنَة بِذَلِكَ قَضَى بِالبَيِّنَةِ وَسَقَطَ اليَمِينُ ولا يَسْتَحْلِفُ في شَيْءٍ مِنْ حُقُوقِ اللهِ تَعَالَى كَالحُدُودِ وَالعِبَادَاتِ وَيَسْتَحْلِفُ في كُلِّ حَقٍ لآدَمِيٍ إلاّ فِيْمَا لا يَجُوزُ بَدَلُهُ وَهُوَ تِسْعَةُ أشْيَاءَ: النِّكَاحُ، وَالرَّجْعَةُ، وَالطَّلاقُ، وَالرَّقُ، وَالاسْتِيلادُ، وَالوَلاءُ، وَالنَّسَبُ، وَالقَذْفُ، وَالقِصَاصُ. وَقَالَ شَيْخُنَا: في القِصَاصِ وَالقَذْفِ وَالطَّلاقِ رِوَايَةٌ أخرَى أنَّهُ يُسْتَحلَفُ فِيْهَا (٣) والسِّتْةُ البَاقِيَةُ رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ لا يُسْتَحلَفُ فِيْهَا وَيَتَخَرَّجُ لَنَا أن يَسْتَحلِف في كُلِّ حَقٍ لآدَمِي، فَإنْ نَكَلَ رَدَدنَا اليَمِينَ عَلَى خَصْمِهِ، فِإذَا حَلَفَ قَضَينَا عَلَيْهِ وَقَدْ بَيَّنا أنَّ لَنَا في رَدِّ اليَمِينِ رِوَايَتَينِ (٤)، وَقَدْ قَالَ الخِرقِي: إذَا قَالَ: ارْتَجَعتُكِ فَقَالتْ: انْقَضَتْ عِدَّتِي قَبْلَ رَجْعَتِكَ فالقَولُ قَولُهَا مَعَ يَمِينِها (٥)، وَإِذَا آلى مِنْهَا وَاخْتَلفَا في مُضِي الأرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَالقَولُ قَولُهُ مَعَ يَمِينِهِ أَنَّهَا لَمْ تَحِضْ وَإِذَا أوْجَبَ الحِلْفُ في انْقِضَاءِ العِدَّةِ وَبَقَاءِ مُدَّةِ الإِيلاءِ وَذَلِكَ مِمَّا لا يَصُحُ بَدَلُهُ فَكَذلِكَ بَقِيَةُ الأشْيَاءِ وَقَالَ أبو بَكْرٍ في "التَّنْبِيهِ" يَسْتَحْلِفُ الْقَاضِي في كُلِّ الدَعَاوِي إلاّ في الحُدُودِ وَالنِّكَاحِ وَالطَّلاقِ (٦). كِتَابُ الشَّهَادَاتِ تَحَمُّلُ الشَّهَادَةِ وَأَدَاؤُهَا فَرضٌ عَلَى الكِفَايَةِ إذَا قَامَ بِهَا مَنْ فِيهِ الكِفَايَةُ سَقَطَ عَنِ البَاقِيْنَ، فَإنْ لَمْ يُوجَدْ مَنْ تَقَعُ بِهِ الكِفَايَةُ غَيرَهُ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ فَرضُ الشَّهَادَةِ أنْ يَأخُذَ عَلَيْهِ

стр. 584

أُجْرَةً بِحَالٍ فَأمَّا مَنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ عَلَيْهِ فَهَلْ يَجُوزُ لهُ أَخْذُ الأجْرَةِ وَأَصْلُ ذَلِكَ عَلَى وَجْهَيْنِ: أصَحُهُمَا أنْ لا يَجُوزَ أَخْذُ الأُجْرَةِ (١) وَأصْلُ ذَلِكَ أَخذُ الأجرَةِ عَلَى القرْبِ، وَيَجِبُ الإشْهَادُ عَلَى النِّكَاحِ وَالرَّجْعَةِ، وَعَنْهُ لا يَجِبُ ذَلِكَ وَيُستَحَبُ الإشْهَادُ عَلَى سَائِرِ العُقُودِ كَالبَيعِ وَالإجَارةِ وَنَحِوهِمَا وَلَا يَجبُ وَمَنْ كَانَتْ عِندَهُ شَهَادةٌ في حدٍ للهِ تَعَالَى لَمْ يُسْتَحَبْ لَهُ أنْ يُقِيمَها وَيُبَاحُ لَهُ إقَامَتهَا، وَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ شَهَادَةٌ لآدَمي وَهُوَ لا يَعْلَمُ بِهَا فَالمسْتَحبُ لهُ أنْ يُعَلِّمَهُ، فإنْ سَألَهُ إقامَتَها أقَامَهَا، وَيَجُوزُ لَهُ أنْ يُقِيمَهَا قَبْلَ أنْ يُعَلمَهُ فأمّا إنْ كَانَ مَنْ لَهُ الشَّهادَةُ يَعْلَمُ بِهَا لَمْ يَشْهَدْ لَهُ بِهَا قَبْلَ أنْ يَسْألَهُ فلا يَجُوزُ لِلشَّاهِدِ أنْ يَشهَدَ إلاّ بِمَا يَعلَمُهُ حَالَ التَّحَمُلِ وَالعِلْمُ يَحْصُلُ لَهُ في ذَلِكَ مِنْ وَجْهَيْنِ: إمَّا بالمعَايَنَةِ أو بالسَمَاعِ، فأمَّا المُعَايَنَةُ فَتَختَصُ بِالفِعلِ مِثْل أنْ يَراهُ قَدْ قَتَلَ أو سَرَقَ أو غَصِبَ أو زَنَا أو لاطَ أو شَرِبَ الخَمْرَ أو يَرَى المَرأةَ أرْضَعَتْ أو وَلَدتْ وَنحوُ المَشْهُودِ عَلَيْهِ الافْعَالُ، وأمّا السَّمَاعُ فَعَلَى ضَربَينِ سَمَاعٌ مِنَ المَشهُودِ عَلَيْهِ نَحْوُ أنْ يَقَولَ عِندَهُ أو يَسْمَعَهُ يَعقدُ العُقودَ أو يُخبرُ عن أفعالِهِ وأقوالِهِ وَقَدْ قَالَ أحمدُ ﵀: لا يَشهدُ عَلَى وَصيةٍ مَختومةٍ حَتَّى يَعلمَ مَا فِيها (٢) لأنَّ البيّنةَ إنَّما سُميتْ بَينةً لأنَّها تُبيِّنُ مَا يَشهدُ بِهِ، وسماعٌ مِن جِهةِ الأخبارِ المستَفِيضَةِ بَيْنَ النَّاسِ الَّتِي يَتعذرُ عِلمُها في الغَالبِ إلاّ مِن جِهةِ الإسْتفَاضَةِ كالنَّسبِ والموتِ والملكِ والنِّكاحِ والوَقفِ [وَمَصرفِهِ] (٣) والعِتقِ والوَلاءِ والوِلايةِ والعَزلِ والخَلعِ وما أشبَهَ ذَلِكَ. ولا تُقبَلُ الاسْتِفاضَةُ إلاّ مِن عَددٍ يَقعُ العِلْمُ بِخبَرِهِمْ وَهُوَ ظاهِرُ كَلامِ أحمدَ والخِرقي (٤)، وَقَالَ شَيْخُنَا: في " المجرَّدِ " يُسمعُ مِن عَدلينِ فَصاعِداً (٥) فإنْ سَمِعَ إنساناً يُقِّرُ بِنَسبِ أبٍ أو ابنٍ فإنْ صدَّقَهُ المقرُ لَهُ جازَ أنْ يَشهدَ بِذَلِكَ وإنْ كَذَّبَهُ لَمْ يَشهدْ وإنْ سَكتَ جازَ أنْ يَشهدَ بِهِ واحْتَملَ أنْ لا يَشهدَ حَتَّى يَتكرْرَ ذَلِكَ، وَإِذَا رَأى شَيئاً في يَدِ إنسانٍ يَتصرَّفَ فِيهِ تَصرُفَ المالكينَ في أملاكِهِمْ مِن النَّقضِ والبِنَاءِ وَالإجارَةِ والإعارَةِ ونحوِ ذَلِكَ جازَ أنْ يَشهدَ لَهُ بالمِلكِ ويَتحملَ أنْ لا يَشهدَ لَهُ إلاّ باليَدِ والتَّصرفِ، ويَجوزُ لِلأعمَى أنْ يَتحمَّلَ الشَّهادَةَ ويَشهدَ بِهَا فِيْمَا طَريقُهُ السَّمَاعُ مِن الإقرارِ والعُقودِ والطَّلاقِ

стр. 585

والاسْتِفاضَةِ. ولا يَجوزُ أنْ يَشهدَ فِيمَا طَريقُهُ الأفعَالُ إلاّ أنْ يَكُونَ قَدْ تَحملَ ذَلِكَ وَهُوَ بصيرٌ ثُمَّ عُمِيَ فإنّه يَشهدُ بِهِ إذَا عَرِفَ الفَاعلَ بِاسمِهِ وَنَسبِهِ فإن لَمْ يَعرِفْهُ إلا بِعَينِهِ، فَقَالَ شَيْخُنَا: تُقْبَلُ شَهَادتُهُ أيضاً ويَصِفُهُ للحَاكِمِ بما يَتَميَّزُ (١) ويَحتملَ أنْ لا تُقْبَلَ لأنَّ هَذَا مِمَّا لا يَنضَبِطُ لَهُ غَالباً فإنْ شَهِدَ عِنْدَ الحَاكِمِ عَلَى الفِعْلِ ثُمَّ عُمِيَ قُبِلتْ شَهادَتُهُ وَجهاً واحِداً، وَكَذَلِكَ إنْ شَهِدَ عَلَى الإقرارِ ثُمَّ طَرِشَ وَلَا تقبلُ شَهادَةُ الأخْرسِ ويَحتملُ أنْ تُقبلَ فِيْمَا طَرِيقُهُ الرؤيةُ لأنَّ أحمدَ عَلَّلَ في رَدِّ شَهَادتِهِ بأنّهُ أصَمٌّ فَلَا تُقبلُ فِيْمَا طَريقُهُ السَّمعُ (٢)، ومَن شَهِدَ بالنكاحِ فلا بُدَّ مِن ذِكرِ شُروطِهِ ومَن شَهِدَ بالرضاعِ شَهِدَ بالنكاحِ فَلَا بدَّ مِن أنْ يَذكرَ أَنَّهُ شَرِبَ مِن ثَديِها أو مِن لَبَنٍ حُلِبَ مِنْ ثَدِيها ولا بُدَّ مِن ذِكرِ عَدَدِ الرَضعاتِ، ومَن شَهِدَ بالقَتلِ فَلا بُدَّ أنْ يَقُولَ: ضَربَهُ بالسَّيفِ أو جَرحَهُ فَقَتلَهُ أو مَاتَ مِن ذَلِكَ، فإنْ قَالَ: جَرحَهُ فَمَاتَ لَمْ يَحكمْ وإنْ شَهِدَ بالزِّنَا فَلا بُدَّ أنْ يَذكُرَ بِمَن زَنَا وَكيْفَ زَنَا في الصَّحِيحِ مِنَ المَذهَبِ (٣) ومِن أصحَابِنا مَن قَالَ: لا يَحتَاجُ إلى ذِكرِ المزَنِي بِها، ولا يَذكرُ المَكانَ (٤). وإنْ شَهِدَ بالسَرقةِ ذَكرَ السَّارقُ والمَسرُوقَ مِنْهُ والنِّصَابَ والحِرزَ وصِفَةَ السَرِقةِ وإنْ شَهِدَ بالقَذفِ ذَكرَ القَاذِفَ والمَقذُوفَ وصفةَ القَذفِ، وَلَوْ كَانَا شَهِدا عَلَى رَجُل بألفٍ فَقَالَ صَاحِبُ الدَّينِ: أُريدُ أنْ تَشهَدا لِي مِن الدَّين بِخَمسَمِئَةٍ، فإنَّ الحَاكِمَ لَمْ يُولِّ الحُكمَ بِأكثرَ مِن ذَلِكَ لَمْ يُجِزْ لَهُما أنْ يَشهَدَا بِخَمسِمِئةٍ، وعِندِي أنّهُ يجوزُ أنْ يَشهَدَا بِذَلِكَ (٥)، وَهَلْ يَجُوزُ لِلحَاكِمِ أنْ يُعَرِّضَ لِلشُهودِ بالوَقفِ عَن الشَّهادَةِ في الحُدُودِ الخالِصَةِ للهِ؟ يَحتَمِلُ وَجْهَيْنِ (٦). بابُ مَنْ يَجُوزُ وَمَنْ لا يَجوزُ يُعتَبرُ فِيمَنْ يَجوزُ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ في المذْهَبِ سِتُ شَرائِط: البُلوغُ، والعَقلُ، والإسلامُ، والعَدالَةُ، وانتِفاءُ التُهمةِ، والعلمُ بِما يَشهدُ بِهِ. فأمَّا الحريةُ والذُكُوريةُ فَلَا يَشرُطُهما فأمَّا البُلوغُ: فَقَدْ بَينا بِماذا يَحصُلُ، وأمَّا العَقلُ: فَهُوَ العِلْمُ بِحقائِقِ المَعلوماتِ كَعِلمِهِ باستِحَالَةِ اجتِماع [كَوْنِ] (٧) الجسْمِ في مَكانَينِ

стр. 586

والتَّميِيزِ بَيْنَ مَا يَنفَعُهُ ويَضرُّهُ. وأمَّا الإسلامُ فَهُوَ التَّلفظُ بالشَهادتَينِ والتِزامُ أحكامِ الملةِ. وأمَّا العَدالَةُ فَهِيَ في اللُّغةِ: عِبارةٌ عنِ الاستِواءِ والاستِقامةِ، لأنَّ العَدلَ ضِدَّ الجَورِ، والجَورُ المَيْلُ، فَالعَدلُ الاستِواءُ في الأَحوالِ وَهِيَ في الشَّرعِ: عِبارَةٌ عنِ [الصَّلاحِ] (١) في الدِّينِ وَاجتنابِ الرَّيبِ وَاستِعمالِ المُروءةِ وَالصَّلاحِ (٢) هُوَ فعل الفَرائِضِ في أوقَاتِها بِشُروطِهَا وتَكمِيلِها بِسُنَنِها واجتِنابِ الرَّيبِ أنْ لا يَرتَكِبَ كَبيرةً ولا يُدمِنُ عَلَى صَغِيرةٍ، وَقِيلَ: لا يَظهرُ مِنهُ إلاَّ الخَيرُ. وأمَّا المُروءةُ: فِعْلُ مَا يُجمِلُهُ ويُزينهُ واجتِنابُ مَا يُدنِسهُ وَيَشينُهُ. وأمَّا انتِفَاءُ التُّهمَةِ: فَهُوَ نَفيُ الظِنَّة عَنْهُ بأنْ لا يَجرَّ بِشهادَتِهِ إلى نَفْسهِ نَفعاً وَلَا يَدفَعَ عَنْهَا ضَرراً ولا يَكونَ خَصماً وَلَا عَدُواً ولا بَينَهُما إيلاد. وأمّا العِلْمُ: فَلا يَجوزُ لَهُ أنْ [يشهَدَ] (٣) إلاَّ بِما يَعرِفُهُ ويُحيِطُ بِهِ عِلماً، وسَنُبيِّنُ جَمِيْعَ ذَلِكَ مُفصَلاً فِيمَنْ لا يَجُوزُ الحُكمُ بِشَهادَتِهِ وَإِذَا اجتَمعَتْ هَذِهِ الشَرائِطُ في العَبدِ قُبِلتْ شَهادَتُهُ في جَمِيْعِ الأشياءِ، إلاّ في الحُدودِ والقِصاصِ فإنَّها عَلَى رِوَايَتَيْنِ (٤). وَإِذَا وُجِدَتْ في المرأةِ قُبِلتْ شَهادَتُها مَعَ الرِّجَالِ في المالِ وفِيما يُقصَدُ بِهِ المالُ وهَلْ تُقبَلُ في النِّكاحِ والعِتقِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ (٥). وتُقبلُ شَهادتُها مُنفرِدةً فِيْمَا لا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجالُ مِنَ الوِلادَةِ والاستِهلالِ والرَّضاعِ والعُيوبِ تَحْتَ الثَّيابِ والنَّظرِ إلى الفَرجِ، وهَلْ هِيَ بِكْرٌ أم ثَيبٌ؟ وانقِضاء العِدَّةِ بالإقراءِ في شَهرٍ، ولا تُقبَلُ شَهادَتَها في غَيْرِ ذَلِكَ. ولا تُقبَلُ شَهادَةُ الصِّبيانِ في أصَحِّ الرِّواياتِ (٦) وَعَنْهُ أنَّها تُقبلُ في الجِراحِ خَاصةً إذَا شَهِدوا قَبْلَ الافتِراقِ عَن الحَالِ الَّتِي تَجَارَحوا عَلَيْهَا (٧). والثَّالِثةُ أنَّها تُقبلُ عَلَى

стр. 587

الإطلاق مَعَ وُجودِ بَقيَّةِ الشُروطِ الَّتِي قَدَّمنا ذِكرَها فِيْهِمْ وَلَا تُقْبَلُ شَهادَةُ مَعتوهٍ ولا مُغَفّلٍ ولا مَن يُعرَفُ بِكثرَةِ الغَلطِ، فأمَّا مَن يُصرَعُ في الشَّهرِ المرَّةَ وَالمرَّتينِ فَتُقبلُ شَهادتُهُ في حَالِ إفاقَتِهِ، وَكَذَلِكَ مَن يَندُرُ غَلطُهُ، ولا تُقبلُ شَهادَةُ المَحدُودِ في القَذفِ حَتَّى يَتوبَ، وتَوبتُهُ إكذَابُهُ نَفسَه. ولا تُقبلُ شَهادَةُ أهلِّ الذمَّةِ عَلَى المُسلِمينَ بِحالٍ إلاَّ في وَصيةِ المُسافِرِ إذَا لَمْ يِجِدْ غَيرَهُمْ ويُحلِّفُهُم الحَاكِم بَعْدَ صلَاةِ العَصرِ أنَّهُما مَا خَانا ولا بَدَّلا ولا غَيَّرَا ولا كَتَما، وأنَّها لَوَصيَّةُ الرَّجُلِ فَإنَّها تُقبلُ هاهُنَا استِحْساناً، فأمَّا شَهادَةُ بَعضِهِمْ عَلَى بَعضٍ فَهَلْ تُقبلُ أمْ لا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ أصحهُمَا أنَّها لا تُقبلُ (١) وأمَّا الفُسَّاقُ فَلَا تُقبلُ شَهادَتُهم، وَلَا أخبَارَهُمْ، وَهلْ يَنعَقِدُ النِّكاحُ بِحُضُورِهِمْ أمْ لا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ (٢). وأمَّا أهلُ الأهواءِ مِمَّنْ يُحكَمُ بِكفرِهِ أو فُسقِهِ مِنْهُمْ فَلَا تُقبلُ شَهادَتُهُ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ منْ جِهةِ الفِعلِ أو مِن جِهةِ الاعتِقادِ، ويَتخرَجُ عَلَى قَبولِ شَهادَةِ أهلِ الذمَّةِ أنَّ الفِسقَ الَّذِي يَتَدينُ بهِ مِن جِهةِ الاعتِقادِ لا تُرَّدُ بهِ الشَّهادَةُ إلاَّ أنْ يَتَدينَ بالشهادَةِ لِمَنْ يُوافِقُهُ عَلَى مَن يُخالِفُهُ وَمَنْ لا تُفسقُهُ تُقبلُ شَهادَتهُ (٣)، فإنْ تَابَ الفاسِقُ وأسلَمَ الكافرُ، وبَلغَ الصَّبِيُّ مِن بَعْدِ ما رُدَّتْ شهادتهم ثُمَّ أعادوا الشهادة المردودة قُبلت ممّن أسلم وَبَلغَ، ولَمْ تقَبل مِمَّن تَابَ، وتقبلُ شهَادتُهُ في بقيّةِ الأشياءِ بمجردِ التوبةِ عَلَى ظاهرِ كلامِ أحمدَ (٤) ﵀ وَقِيْلَ: يُعْتَبَرُ مَعَ التوبةِ صلاحُ العَملِ سنةً إذا كَانَ فسقهُ بالفعلِ (٥)، وَلا تُقبَلُ شهَادَةُ مَنْ لا مُروءةَ لَهُ كَالمصَافِعِ والمتمسخِرِ والمغّنَّي والرَّقَاصِ والذي يلعبُ بالشطرنجِ والنَّردِ والحَمَامِ ويأكُلُ في الأسوَاقِ ويمد رِجْليهِ في مجمعِ النَّاسِ ويحدِّثُ بمَا يجري في بيتهِ وبينَ زَوجتهِ وَأمتهِ مِنَ المباضَّعةِ ونحو ذَلِكَ. وأمّا الشينُ في الصنَاعةِ مثلُ الحائكِ، والحجَّامِ، والنَّخالِ، والنَّفاطِ (٦)، والقمَّامِ، والزَّبَالِ، والمشعوذِ، والدبَّاغِ، والحارسِ والقرَّادِ (٧) والكنَّاسِ فهلْ تُقبلُ شَهادتهمْ أمْ لا؟ يَحتَملُ وَجْهَيْنِ:

стр. 588

أحَدِهمَا: تُقبَلُ إذا حَسنتْ طرائِقِهمْ فِي دِينهمْ (١)، وَالوَجهِ الآخَرِ: لَا تُقبلُ (٢) فأمَّا مَنْ شرِبَ النَّبيذَ متَأوِلاً ولَمْ يسكَرْ فَلا تُردُ شَهَادَتُهُ ويُحَدُّ، وَأمَّا مَنْ تَزَوَجَ بِغَيرِ وليٍ أو أكَلَ مَتروك التَّسميَةِ، أو وَجَبَ عَلَيْهِ الحجَّ وأمْكَنَهُ فِعْلهُ فَلَمْ يَحُجَّ، أو تَزَوَّجَ بِنْتَهُ مِنَ الزنَا أو تَزوجَ بِأمِّ مَنْ زَنَا بِهَا، أو شَرِبَ النَّبيذَ مُعتَقِداً لِتحريمِ ذَلِكَ فإنَّهُ تُردُ شَهَادَتُهُ وَيحتملَ أنْ لَا تُرَدَّ وَلا تُقبَلُ شهادَةُ الوَالدِ لوَلدِهِ وإنْ سَفُلَ وَلا شَهَادَةُ الوَلَدِ لوَالديهِ وَإنْ عَليَا فِي أصْحِّ الرِّوَايَاتِ (٣) وعَنْهُ تُقْبَلُ شَهادَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا للآخَرِ فيمَا لَا يَجرُّ بِهِ نَفعَاً إلى نَفسهِ فِي الغَالبِ نَحْوَ: أنْ يَشهَدَ لَهُ بِعقدِ نِكَاحٍ أو بِأنَّ فُلانَاً قَذَفَهُ (٤)، وَتُقبَلُ شهَادَةُ بَعضهِمْ عَلَى بَعْضٍ فِي أَصحِّ الرِّوَايَتَيْنِ (٥)، وَلَا تُقبلُ فِي الأخرى (٦) وَلا تُقبَلُ شَهَادَةُ إحدَى الزَّوجَينِ للآخَرِ في إحدى الرِّوَايَتَيْنِ (٧)، وَتُقبلُ في الأخرَى (٨)، وَتُقبلُ شَهادَةُ الأخِ لأخِيهِ وَالصَديقِ لِصَديقِهِ وَالمَولى لِعَتيقِهِ، وَلا تُقبلُ شَهادَةُ الجَارِ إلى نَفْسِهِ نَفعاً كَشَهادَةِ الوَارِثِ لموَّرِثِهِ بِالجِراحَةِ قَبْلَ الاندِمالِ، وَشَهادَةُ الوَصِي للمَيتِ وَالوَكيلِ لِلمُوكلِ وَالغُرمَاءِ لِلمُفلِسِ بِالمالِ، والسَّيدِ لِعَبدِهِ وَالمأذُونِ لَهُ بِالحُقوقِ، وَالشَّريكِ لِشَريكِهِ فإنْ شَهِدَ لموَّرثِهِ في المَرَضِ ثُمَّ بَرِئَ فَهلْ يُحكَمُ بِتِلكَ الشَّهادَةِ؟ يَحتَمِلُ وَجْهَيْنِ (٩)، ولا تُقبلُ شَهادَةُ مَنْ يَدفَعُ عَنْ نَفْسِهِ ضَرَراً كَشَهادَةِ العَاقِلَةِ عَلَى شُهُودِ القَتْلِ بِالفِسْقِ، وَشَهادَةِ السَّيدِ

стр. 589

بِفِسْقِ مَنْ شَهِدَ عَلَى مُكاتَبِهِ بِحَقٍ وَشَهادَةِ الوَّصِي يخرجَ مَن شَهِدَ عَلَى الأيْتامِ بِمالٍ وَشَهادَةِ الشَّريكِ لِمَنْ شَهِدَ عَلَى شَرِيكِهِ بِحقٍ ولا تُقبلُ شَهادَةُ العَدوِّ عَلَى عَدُوِّهِ كَشَهادَةِ المَقذوفِ عَلَى قَاذِفِهِ والمَقطوعِ عَلَيْهِ الطَّرِيقُ عَلَى القاطِعِ عَلَيْهِ والزَّوجِ عَلَى زَوجَتِهِ بِالزِّنا، وتُقبلُ شَهادَةُ الإنْسانِ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ كَالمُرضِعَةِ عَلَى الرِّضَاعِ. والقَاسِمِ عَلَى القِسْمَةِ بَعْدَ فَرَاغِهِ إذَا كَانَ بِغَيرِ عِوَضٍ. وَالحَاكِمِ عَلَى حُكْمِهِ بَعْدَ العَزْلِ. [وَتُقبلُ] (١) شَهادَةُ البَدَوي فأمَّا شَهادَتُهُ عَلَى القَرَويِّ فَقَالَ أحمدُ: أخْشَى أنْ لا يَجوزَ (٢)، وَقَولُهُ أخشَى تَحتَمِلُ أنْ لا تُقبلَ، وَتَحتَمِلُ أنْ تُقبلَ وَهُوَ الأقْوَى عِندِي، وتُقبلُ شَهادةُ وَلَدِ الزِّنَا وَغَيرِهِ ومَن جَمَعَ في الشَّهادَةِ بَيْنَ مَن تُقبلُ شَهادَتُهُ فِيهِ وَبَينَ مَا لا تُقبلُ شَهادَتُهُ لا تُقبلُ الْجَمِيْعُ، وَإِذَا شَهِدَ السَّيدُ لِمُكاتِبِهِ بِحقٍ فَرُدَّتْ شَهادَتُهُ، ثُمَّ أدَّى المكَاتِبُ النُّجومَ وَعُتِقَ ثُمَّ أعادَ السَّيدُ تِلْكَ الشَّهادَةَ فَهلْ تُقبلُ؟ يَحتمِلُ وَجْهَيْنِ (٣). وَكَذَلِكَ إذَا شَهِدَ أخوَانِ وَارِثانِ لأخِيهِمَا بِجراحَةٍ لَمْ تَندَمِلْ فَرُدَّتْ شَهادَتُهُما ثُمَّ اندَمَلتْ الجِراحَةُ وأعادَ الشَّهَادَةَ فَهلْ تُقبَلُ أو تُرَّدُ؟ تَحتَمِلُ وَجْهَيْنِ (٤). وَتَجوزُ شَهادَةُ المُستَخفِي (٥) ومَن يَسْمَعُ رَجُلاً يُقرُّ لِرَجُلٍ بِمالٍ أو يَشهَدَ شَاهِداً بِحقٍ أو يَسْمَعُ الحَاكِمُ يَحكُمُ أو يَشهَدُ عَلَى حُكمِهِ وإنفاذِهِ بِشيءٍ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَلا تَجوزُ شَهادَتُهُ بِجَميعِ ذَلِكَ فِي الأخْرَى (٦). وتُقبلُ في المَالِ ومَا يُقصَدُ بِهِ المَالُ كالقَرْضِ وَالبَيعِ وَالإجَارَةِ وَالهِبَةِ والاقرارِ وَالوَقفِ وَالرَّهنِ وَالحَوالَةِ وَالصُلحِ وَالغَصبِ وَالصِدَاقِ وَجِنايَةِ الخَطَأِ وَنَحوِ ذَلِكَ شَهادَةِ رَجُلينِ وَرَجُلٌ وامرَأَتَينِ، وَيَمِينُ المُدَّعِي، ولا تُقبلُ في ذَلِكَ شَهادَةُ امرَأتَينِ ويَمِينُ المُدَّعِي، وَيَحتَمِلُ أنْ يُقبلَ، وَهَلْ يُحكمُ بِالشَّاهِدِ وَاليَمينِ في العِتَاقِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ (٧). فأمَّا النِكاحُ والرَّجعَةُ فَلا يُقبلُ فِيهِ الشَّاهِدُ وَاليَمينُ. وَهَلْ تُقبلُ

стр. 590

شَهادَةُ رَجُلٍ وامرَأتَينِ أمْ لا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ (١). وَمَا عَدَا ذَلِكَ مِمَّا لَيْسَ بِمالٍ وَلَا المَقصُودُ مِنهُ المالُ وَهُوَ مِمَّا يَطلعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ كَالحُدودِ وَالقِصاصِ وَالطَّلاقِ وَالنَّسَبِ وَالولاءِ وَالوكالَةِ وَالوَصيةِ ومَا أشبَهَ ذَلِكَ، فَلَا تُقبلُ إلاَّ شَهادَةُ الرِّجَالِ وَعَددُهُمْ فِيْمَا يُوجِبُ حَدُّ الزِّنَا أربَعةٌ، وَفِي بَقيَّةِ ذَلِكَ رَجُلانِ، فإنْ شَهِدَ بِقَتلِ العَمدِ رَجلٌ وامرَأتانِ لَمْ يَثْبُتْ قِصَاصٌ وَلَا دِيَّةٌ، وإنْ شَهِدَ بِالسَّرِقَةِ رَجُلٌ وامرَأتانِ ثَبَتَ المَالُ وَلَمْ يَجِبِ القَطعُ، فإنْ شَهِدَ عَلَى صِحَّة العَمدِ رَجُلٌ وامرَأتانِ لَمْ يُقبلْ، وَكَذَلِكَ بِكُلِّ مَا يُوجِبُ القِصَاصَ فإنْ شَهِدَ بالهَاشِمَةِ أو المنقَّلةِ رَجُلٌ وامرَأتانِ قُبِلَ، وإنِ ادَّعتِ المَرأةُ الخُلعَ وَأنكَرَ الزَّوجُ لَمْ يَثبُتَ الخُلعَ إلاَّ بِشَهادَةِ رَجُلينِ، وإنِ ادَّعى الزَّوجُ الخُلعَ وأنكَرَتِ المَرأةُ ثَبَتَ بِشاهدٍ وامرَأتَينِ، وَإِذَا كَانَ في يَدِ رَجُلٍ جَاريةً لَهَا وَلدٌ فَادَّعَى رَجُلٌ أنَّها أمُ وَلَدِهِ وَوَلَدُهَا مِنهُ فَشَهِدَ لَهُ عَلَى ذَلِكَ رَجُلٌ وامرَأتانِ قُضِيَ لَهُ بِالجَاريَةِ وأنَّها أمُ وَلَدٍ، وَهلْ ثَبتَتْ حُرِّيةُ الوَلَدِ أمْ لا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ: إحداهما: يَثبُتُ وَيَثْبتُ نَسَبُهُ مِنْهُ بِإقرارِهِ (٢)، وَالثَّانِيةِ: لا تَثْبُتُ الحُرِّيةُ وَيَبقَى عَلَى مُلكِ مَن هُوَ في يَدِهِ (٣)، وَيُقبلُ في كُلِّ مَا لا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ امْرَأةٌ وَاحِدَةٌ، وَعَنْهُ لا يُقبلُ أقلُّ مِن امرَأتَينِ (٤)، فإنْ شَهِدَ في جَمِيْعِ ذَلِكَ الرَّجُلُ كَانَ أولى في ثُبُوتِهِ بِشَهادَتِهِ، وَإِذَا شَهِدَ شَاهِدانِ أنَّ لَهُ عَلَى رَجُلٍ ألفاً ثُمَّ قَالَ أحَدُهُما: قَضاهُ مِنْها خَمسُمِئةٍ بَطُلتْ شَهادَتُهُ نَصَّ عَلَيْهِ (٥). فإنْ شَهِدَا أَنَّهُ أقرَضَهُ ألفاً ثُمَّ قَالَ أحَدُهمَا: قَضاهُ مِنْها خَمسُمِئَةٍ صَحَّتْ شَهادَتُهُما، فإنْ شَهِدَ شَاهِدٌ أَنَّهُ بَاعَهُ دَارَهُ في أمْسِنا، وَشَهِدَ آخرُ أَنَّهُ بَاعَها مِنْهُ اليَوْمَ، أو شَهِدَ أحَدُهُما بأنَّهُ أقَرَّ لِفُلانٍ بِألفٍ في يَومِ الاثنَينِ، وَشَهِدَ آخرٌ بأنَّهُ أحدهما أقَرَّ لَهُ بِألفٍ في يَومِ الثَّلاثاءِ قُبِلتْ شَهادَتُهُما، وَحُكِمَ بِالبَيعِ والإقرَارِ، وَكَذَلِكَ الحُكمُ في كُلِّ شَهَادةٍ تَقَعُ عَلَى القَوْلِ إلاَّ في النِّكاحِ فإنَّهُ إذَا شَهِدَ أحَدُهُما أنَّهُ تَزَوَّجَها أَمسِ وَشَهِدَ آخَرٌ أنَّهُ تَزَوَّجَهَا اليَومَ لَمْ يُحكَمْ بِالنِكاحِ فأمَّا الشَّهادَةُ إذَا كَانَتْ عَلَى الفِعْلِ، واختَلَفا في الوَقتِ، لَمْ تُقبلْ مِثْلُ: أنْ يَشهَدَ أحَدُهُما أنَّهُ غَصَبَهُ هَذَا العَبدُ أمسِ، وَشَهِدَ آخرٌ أنَّهُ غَصَبَهُ إيَّاهُ اليَومَ لَمْ تَكمُلْ

стр. 591

شَهَادَتِهُمُا، وَإِذَا شَهِدَا عَلَى رَجُلٍ بِحقٍ فَأقَامَ المَشهودُ عَلَيْهِ البَيِّنة أنَّهُما فَاسِقانِ لَمْ يَحكُمِ الْقَاضِي بِشَهادَتِهِمَا وَتُسمَعُ البَينةُ عَلَى الجُرحِ إذَا ثَبتوا سَبَبَهُ فَلَا يُقبَلُ في ذَلِكَ إلاَّ شَاهِدانِ وَشَاهِدُ الزُّورِ يُعَزرُ ويُطافُ بِهِ في بَلدِهِ فَيُقالُ: إنَّا وَجَدنا هَذَا شَاهِدَ زُورٍ فَاجتَنِبوهُ، ولا تُقبَلُ الشَّهادَةُ إلاَّ بِلَفظِ الشَّهادَةِ فإنْ قَالَ: أعْلمُ أو أحقُّ لَمْ يحكمْ بذَلِكَ. بَابُ الشَّهادَةِ عَلَى الشَّهادَةِ وَالرُّجُوعِ عَنِ الشَّهادَةِ تُقبَلُ الشَّهادَةُ عَلَى الشَّهادَةِ في حُقوقِ الآدَمِيينَ المُتعلِّقةِ بالمَالِ كَالدُّيونِ (١) وَالغُصُوبِ وَالعُقودِ وَالخِياراتِ رِوَايَةً وَاحِدَةً، فأمَّا القِصاصُ وَحَدُّ القَذفِ فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ: إحداهما: تُقبلُ أيضاً (٢)، وَالثَّانِيَةِ: لا تُقبلُ (٣) وَلا تُقبلُ فِيْمَا يُوجِبُ حَداً للهِ تَعَالَى كالزِّنَا وَاللِّواطِ وَشُربِ الخَمرِ وَالسَّرِقَةِ وَالقَتلِ (٤) أو غَيبَةِ شُهُودِ الفرعِ إلاَّ أنْ يَتَعذَّرَ شَهَادَةُ شُهُودِ الأصلِ بِمَوتٍ أو مَرَضٍ أو غَيبَةٍ عَلَى مَسافَةٍ تُقصَرُ في مِثلِها الصَّلَاةُ، وَقِيلَ: لا تُقبلُ شَهادَتُهم إلاَّ بَعدَ مَوتِ شُهودِ الأصلِ ولا يَجوزُ لِشَاهِدِ الفَرعِ أنْ يَستَدعِيَهُ شَاهِدُ الأصْلِ بأنْ يَقُولَ لَهُ: أشْهَدُ عَلَى شَهَادَتِي أنِّي أشَهَدُ أنَّ فُلاناً بنُ فُلَانٍ وَقَدْ عَرَفتُهُ بِعَينِهِ وَاسمِهِ ونَسَبِهِ أقرَّ عِندِي وأشهَدَني عَلَى نَفْسِهِ طَوعاً بِكَذا وكَذَا فأمَّا إنْ سَمِعهُ يَقُولُ: أشْهَدَني فُلَانٌ بِكَذَا أو شَهِدتُ عَلَيْهِ بِكَذَا أو أقَرَّ عِندِي بِكَذَا لَمْ يَجُزْ أنْ يَشهَدَ فإنْ سَمِعَهُ يَشهَدُ عِنْدَ الحَاكِمِ بِحقٍ أو يَشهَدُ عَلَى إنسَانٍ بِحقٍ يُعزِّيِهِ إلى سَبَبٍ من بَيعٍ أو إجَارَةٍ أو قَرضٍ فَهلْ يَشهَدُ بِذَلِكَ يَحتَمِلُ وَجهَينِ (٥). وَلَا مَدخَلَ لِلنِّساءِ مَعَ شُهُودِ الفَرعِ في إحدَى الرِّوَايَتَيْنِ (٦)، وَعَنْهُ يَدخُلونَ مَعَ شُهودِ الفَرعِ (٧) فَيَشهدُ رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ، وامرَأتانِ علَى امرَأتينِ، فإنْ شَهِدَ رَجُلانِ عَلَى شَهادَةِ رَجُلٍ وامرَأتَينِ جَازَ. وَقَالَ شَيْخُنَا: لا يَجوزُ لأنَّ أحمدَ ﵀ قَالَ في رِوَايَةِ حَربٍ: لا يَجوزُ شَهادَةُ رَجُلٍ عَلَى شَهادَةِ امرَأةٍ، وَهَذِهِ الرِّوَايَة إنْ صَحَّتْ عَن حَربٍ فَهِيَ سَهوٌ مِنْهُ فَإنَا إذَا قُلنا شَهادَةُ امرأةٍ عَلَى شَهادَةِ امرَأةٍ تُقبلُ فَأولى أنْ تُقبلُ شَهادَةُ رَجُلٍ عَلَى شَهادَتِهِا فَإنَّ شَهَادَةَ الرَّجُلِ أقوَى بِكُلِّ حَالٍ، ولأنَّ في هذِهِ الرِّوَايَة أنَّهُ قَالَ: أَقبَلُ شَهادَةَ رَجُلٍ عَلَى شَهَادَةِ رَجُلينِ وَهَذا مِمَّا لا وَجهَ لَهُ فإنَّ رَجُلاً

стр. 592

واحِداً لَوْ كَانَ أصلاً فَشَهِدَ في القَتلِ العَمدِ وَمَعهُ ألفُ امرَأة لا تُقبلُ هَذِهِ الشَّهادَةِ، فإذا شَهِدَ بِهَا وَحدَهُ وَهُوَ فَرعٌ تُقبلُ وَيُحكَمُ بِهَا هَذَا بِحالٍ وَلَوْ ثَبَتَ أنَّ أحمدَ قَالَ ذَلِكَ فَيحتَمِلُ أنَّهُ أرادَ لا تُقبلُ شَهَادَةُ الرَّجُلِ حَتَّى يَنضَمَّ مَعهُ غَيرُهُ فَيَخْرُجَ مِن هذِهِ أَنَّهُ لا يَكفِي شَهادَةُ واحدٍ عَلَى واحدٍ كَمَا يَقُولُ أكثَرُ الفُقَهَاءِ، وَتَثبتْ شَهَادَةُ شَاهِدَي الأصلِ بِشَهادَةِ رَجُلينِ يَشْهَدَ أنَّ عَلَيْهِمَا سَوَاء شَهِدَا عَلَى كُلِّ واحدٍ مِنْهُمَا أو شَهِدَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُما واحِدٌ مِن شُهُودِ الفَرعِ، وَقَالَ أبو عَبْدِ اللهِ بنِ بَطةَ: لا يَثبُتُ حَتَّى يَشهَدَ أربَعةٌ عَلَى كُلِّ شَاهِدٍ أصْلٍ شَاهِدَا فَرعٍ (١)، ولا يَحكُمُ الحَاكِمُ بِشَهادَةِ شُهودِ الفَرعِ [حَتَّى يَثبُتَ عِندَهُ] (٢) عَدَالتِهِمْ وَعَدالَةِ شُهُودِ الأصْلِ، فإنْ شَهِدَ شُهودُ الفَرعِ فَلَمْ يَحكُمْ حَتَّى حَضَرَ شُهودُ الأصْلِ أو صَحُّوا مِن مَرَضِهِمْ وَقَفَ جَوازُ حُكمِهِ عَلَى سَمَاعِ شُهودُ الأصْلِ، فإنْ لَمْ يَحكُمْ حَتَّى فَسَقَ شُهودُ الأصْلِ أو صَاروا أعداءً لَمْ يَحكُمْ بِشَهادَةِ الفَرعِ فإن حكم الحَاكِم بشهادة ثُمَّ رَجعُوا عنِ الشَّهادَةِ ضَمِنوا، وَلَوْ رَجَعَ شُهودُ الأصْلِ لَمْ يَضمَنوا ذَكَرَهُ شَيْخُنَا (٣). ويَحتَمِلُ أنْ يَضمَنوا بِنَاءً عَلَى المُزكِّينَ وَشُهُودِ الإحصَانِ، وَمَتَى رَجَعَ المَالُ بَعْدَ الحُكمِ لَزِمَهُمْ الضَّمانَ، وَكَذَلِكَ شُهُودُ العِتقِ فإنْ كَانُوا اثنَينِ فَصَاعِداً تَقَسَّطَ الغُرمُ عَلَى عَدَدِهمْ، وإنْ كَانَ وَاحِداً مَعَ اليَمِينِ لَزِمَهُ جَمِيْعُ المَالِ، وَيَتخرَّجُ أنْ يَلزَمَهُ النِّصفُ ويَلزَمُ الَّذِي حَلَفَ إذَا قُلنَا بِرَدِ اليَمِينِ. فَإنْ رَجَعَ شُهُودُ الطَّلاقِ بَعْدَ الحُكمِ، فإنْ كَانَ قَبْلَ الدُّخولِ ضَمِنَا نِصفَ المُسمَّى، وإنْ كَانَ بَعْدَ الدُّخولِ لَمْ يَضمَنا شَيئاً ذَكَرَهُ شَيْخُنَا (٤). ومَتَى شَهِدَ الشُّهودُ بِالحَقِّ ثُمَّ رَجَعوا عَنِ الشَّهادَةِ، فإنْ كَانَ قَبْلَ الحُكمِ لَمْ يَستَوفِ الحَقَّ، وإنْ كَانَ بَعْدَ الحُكمِ فإنْ كَانَ في حَدٍّ أو قِصَاصٍ لَمْ يَستَوفِ وإنْ كَانَ في عَقدٍ أو مَالٍ استَوفَى وَإِذَا حَكَمَ واستَوفَى ثُمَّ بَانَ أنَّ الشَّاهِدَينِ كَانَا كَافِرَينِ نَقَضَ حُكمَهُ، فإنْ بَانَ أنَّهُما فَاسِقانِ نَقَضَ أيضاً. وَعَنْهُ لا يَنقُضُ ويَغرَمُ الشَّاهِدَينِ (٥)، فإنْ نَقَضَ وَكَانَ المَحكُومُ بِهِ إتْلافاً كَالقَتلِ وَالقَطعِ ضَمِنَهُ الإِمَامُ. وَهَلِ الضَّمَانُ في بَيتِ المَالِ أو عَلَى عَاقِلَتِهِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ (٦). وَإنْ كَانَ المَحكُومُ بِهِ مَالاً أمَرَ بِرَدِّهِ إنْ كَانَ باقِياً، وَبِضَمانِهِ إنْ

стр. 593

كَانَ تَالِفاً. وإنْ شَهِدُوا عِنْدَ الحَاكِمِ بِحقٍ، أو حَدَّ ثُمَّ مَاتُوا حَكَمَ الحَاكِمُ بِشَهادَتِهِمْ إذَا ثَبَتَ عِندَهُ (١) عدالتهم. كِتَابُ الإقرَارِ بَابُ مَنْ يَصُحُ إقْرَارُهُ وَمَنْ لا يَصُحُ وَمَا يَصُحُ مِنَ الاقْرَارِ وَمَا لا يَصُحُ لا يَصُحُّ الإقرَارُ إلاَّ مِن عَاقِلٍ مُختَارٍ فَأمَّا المجنُونُ والطِّفلُ وَالسَّكرَانُ والمُكرَهُ فَلا يَصُحُّ إقرَارُهُمْ، وَيَتَخرَّجُ في السَّكرَانِ لمعصِيَةٍ أنْ يَصُحَّ إقرارُهُ فإنْ أقَرَّ المجَنُونُ في حَالِ إفاقَتِهِ صَحَّ إقْرَارُهُ، وإنْ عَقَلَ المجَنونُ أَذِنَ لَهُ في البَيعِ والشِّراءِ صَحَّ إقرارُهُ في قدرِ مَا أَذِنَ لَهُ فِيهِ ولايصحُّ في غَيْر ذَلِكَ حَتَّى يَبْلُغ، وإن أُكرِهَ عَلَى الإقرارِ لزيد بمال فأقر بِهِ لبكر صَحَّ إقراره، وكذا لَوْ أكرِه عَلَى الإقرارِ بطلاقِ زوجتهِ زَيْنَب فأقرَّ بطلاقِ زوجتِهِ لُبْنَا صَحَّ الإقرارُ. فإن أكرِهَ عَلَى وزنِ دنانيرَ فَبَاعَ عقارَهُ في ذَلِكَ صَحَّ البيعُ، والمكلفُ عَلَى ضَربَيْنِ: مَحْجُورٍ عَلَيْهِ، وَمُطْلَقِ التَّصَرُفِ، فالمُطلَقُ يَصُحُ إقرارُهُ عَلَى نَفْسِهِ وأموالِهِ، والمحجورُ عَلَيْهِ عَلَى أربعةِ أضرُبٍ: مَحجورٍ لِفَلَسٍ، أو سَفَهٍ، أو مَرضِ مَوْتٍ، أو رِقٍّ فإن كَانَ إقرارُهُم بالطَّلاقِ أو بما يُوجِبُ حَداً أو قِصَاصَاً صَحَّ من الْجَمِيْع وأخذوا بِهِ في الحالِ إلاّ العبدَ فإنّه إذَا أَقَرَّ بما يُوجِبُ قِصَاصَاً في النَّفسِ نَصَّ عَلَيْهِ أنّه يُتبَعُ بِهِ بعدَ العتقِ (٢)، وعندي أنّه يُؤخَذُ بِهِ في الحالِ، وإن كَانَ إقرارُهُم بالمالِ أو بِمَا يُوجِبُ مالاً كَجِنايَةِ الخَطَأ وإتلافاتِ الأموَالِ صَحَّ من المفلِسِ إلاّ أَنَّهُ لايُشارِكُ المقرُّ لَهُ الغُرماء وصحَّ من السَّفيهِ إلاّ أنه يُتبَعُ بِهِ بَعْدَ فكِّ الْحَجْر عَنْهُ، وصحَّ من المريضِ في حقِّ من لايرثُهُ في أصحِّ الرِّوَايَتَيْنِ (٣) ولايصُحُّ فِيْمَا زادَ عَلَى الثُلُثِ في الرِّوَايَة الأخرَى (٤) والتفريعِ عَلَى

стр. 594

الاولةِ، وَلَمْ يصحَّ في حق الوارثِ إلاّ أن يخبرَ الورثةَ فإنْ أَقَرَّ بِدَيْنٍ في المرَضِ وَعَلَيْهِ ديونٌ في الصِّحَّةِ صَحَّ إقرارُهُ بِهِ وَلَمْ يُحاصّ غُرمَاءُ الصحةِ. وَقَالَ أبو الحَسَنِ التَّميمي وشيخُنَا: يُحاصِّهمْ (١) كَمَا يُحاصِّهم لوثَبَتَ بِالبينةِ فإنْ قَضَى بَعضُ غُرَمائِهِ دُونَ بَعضٍ فإنْ كَانَ في المالِ وَفَّى لِلجَميعِ صَحَّ، وإنْ لَمْ يَكُنْ وفَّى لَمْ يَصُحَّ، وَكلامُ أحمدَ لا بأسَ أنْ يَقضِيَ بَعضَهُم دُوْنَ بعضٍ مَحْمُوْلٌ عَلَى من وَفَّى وَقَالَ شَيْخُنَا: يَصُحُّ وإنْ لَمْ يَحلف وَفَّى، فإنْ أقرَّ بِديونٍ لِوارِثٍ وأجنَبِي بَطَلَ الإقرارُ في حَقِّ الوارِثِ وَصَحَّ في حَقِّ الأجنَبِي في أحَدِ الوَجْهَيْنِ (٢) ويَبطُلُ فِيْهِمَا في الآخَرِ (٣)، وأصلُهُما تَفريقُ الصَّفقَةِ فإنْ أقَرَّ المَريضُ لامرَأتِهِ بِمَهرِ المِثلِ أو بِدَينٍ ثُمَّ عَادَ فَتزوَّجَها ومَاتَ فِي مَرَضِهِ لَمْ يَصُحَّ إقرَارُهُ لَهَا. وعُقودُ المَرِيضِ مَعَ وَارِثِهِ بِثَمنِ المِثلِ جَائِزةٌ، ويَحتَملُ أنْ لَا تَجوزَ، وإقرارُ المَريضِ بِوارِثٍ يَصُحُّ (٤)، وعَنهُ أنَّهُ لَا يَصُحُّ (٥) وَإِذَا أقرَّ رَجُلٌ أنَّ فُلانَةً زَوجتُهُ أو أقرَّتِ امرَأةٌ أنَّ فُلاناً زَوجُهَا فَلَمْ يُصدِّقْ المُقَّرُ لَهُ المقِرُ إلا بَعدِ مَوتِهِ وَرِثَهُ وَصَحَّ مِنَ الرَّقِيقِ إنْ كَانَ مَأذوناً لَهُ فِي قَدَرِ مَا أُذِنَ لَهُ وإنْ لَمْ يَكُنْ مَأذوناً يتبع بِهِ بَعْدَ العِتقِ، وَقَدْ حَكَى شَيْخُنَا رِوَايَةً أخرَى أَنَّهُ يَتَعلَّقُ بِرقَبتِهِ (٦)، فإنْ أقرَّ العَبدُ بِسَرِقَةِ مَالٍ فِي يَدهِ قطع ولم يسلم المال الذي في يده إلى المَسروقِ مِنهُ إلاَّ أنْ يُقِرَ بِهِ السَّيدِ، فإنْ أقََّر المَولَى الَّذِي عَلَيْهِ بِجِنايةٍ خَطَأَ قَبْلَ إقرَارِهِ وإنْ أقَرَّ عَلَيْهِ بِما يُوجِبُ حَدَّاً وقِصَاصاً لَمْ يُقبلْ إقرَارُهُ عَلَيْهِ فإنْ جَنَى عَبْدٌ عَلَى عَبْدٍ جِنايَةً تُوجبُ قِصاصاً لَمْ يُقبلْ إقرَارُهُ عَلَيْهِ، فإنْ جَنَى عَبْدٌ عَلَى عَبْدٍ جِنايَةً تُوجبُ قِصاصاً أو قَذَفهُ ثَبَتَ القِصاصُ والتَّعزِيرِ لِلعَبدِ، وَلَهُ المُطالَبةُ بِذَلِكَ والعَفوُ عنهُ، وَلَيْسَ لِسيدِهِ المُطالَبَةُ بِذَلِكَ وَلَا العَفوُ عَنْهُ وَإِذَا بَاعَ السَّيدُ عَبدَهُ مِن نَفْسِهِ بِثَمنٍ فِي الذِّمةِ صَحَّ البَيعُ وعُتِقَ فِي الحَالِ وإنْ كَانَ بِمالٍ فِي يَدِهِ فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ فَعَلَى هَذَا لَوْ أقرَّ أَنَّهُ بَاعَ عَبدَهُ مِن نَفْسِهِ بألفٍ وأنكَرَ العبدُ عُتِقَ العَبدُ وإنْ لَمْ

стр. 595

تَلزَمهُ الألفُ، ومَن أقرَّ بِنَسبِ صَغيرٍ أو مجنونٍ مَجْهُوْلِ النَّسبِ ثَبَتَ نَسَبُهُ مِنْهُ وإنْ كَانَ مَيتاً وَرِثهُ، فإنْ جَاءتْ أمُّ الصَغيرِ وَالمجنونِ وادَّعتْ الزَّوجِيةَ بَعْدَ مَوتِ المُقِرِّ لَمْ تَثبُتْ الزَّوجِيةِ، فإنْ أقرَّ بِنسبِ كَبيرٍ لَمْ يَثبتْ حَتَّى يُصدقَهُ فإنْ كَانَ الكَبيرُ مَيتاً فَهلْ يَثبتُ نَسبُهُ يَحتَملُ وَجْهَيْنِ (١). فإنْ أقرَّ مَن عَلَيْهِ وَلاءٌ بأبٍ أو أخٍ يُقبلُ إقرارُهُ. وإنْ أقرَّتِ امرأةٌ لَهَا زَوجٌ بِولدٍ فَهلْ يُقبلُ إقرارُهُ أمْ لا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ (٢). وَمَن أقرَّ بأبٍ أو مَوْلَى أعْتَقَهُ وصَدَّقهُ المقِّرُ لَهُ ثَبَتَ إقرارُهُ، ومَن أقرَّ بأخٍ أو عمٍّ فإنْ كَانَ في حَياةِ الأبِ أو الجدِّ لَمْ يَثبُتْ نَسبُهُ مِنهُ بإقرارِهِ، وإنْ كَانَ بَعْدَ موتِهِما، فإنْ كَانَ هُوَ الوارِثُ وجَده صَحَّ إقرارُهُ، وثَبَتَ النَّسبُ ولا يَأخذُ مِن مِيراثِ جَدهِ شَيئاً، ويأخُذُ نِصفُ تَركةَ أبيهِ، وإنْ كَانَ المقِرُّ بَعْضَ الوَرثةِ لَمْ يَثبتِ النسبُ عَلَى الأبِ والجدِّ، وأعطاهُ الفَاضِلُ في يَدِهِ عَن مِيراثِهِ لَوْ صَحَّ نَسبُهُ بَيانهُ لَوْ خَلَّفَ الميتُ ابنينِ فَأقرَّ أحَدُهُمَا بأخٍ وَكذَّبَهُ الآخرُ قُلنا لِلمُقِرِ ادفعْ إليهِ ثُلُثَ ما في يَدِكَ، وَكَذَلِكَ لَوْ خَلَّفَ ابنَي ابنٍ فأقرَّ أحَدُهُما بِعمٍ هُوَ ابنُ الجدِّ قُلنا لَهُ ادفعْ إليهِ جَمِيْعَ ما في يَدِكَ وَهُوَ نِصفُ التَّرِكةِ، فإنْ خَلَّفَ الْمَيِّتُ خَمسةَ بَنينَ فأقرَّ اثنانِ مِنهُمَا بابنٍ سَادسٍ وكذبهُمَا البَاقونَ، فإنْ كَانَ المقِرانِ عَدلِينِ وشَهِدَا بالنَّسبِ ثَبَتَ النَسبُ، واستحقَّ المقِرُّ بِهِ مَعَهُمْ سُدسُ الترِكةِ وإنْ كانَا فاسِقينِ أو عَدلينِ إلا أنَّهمَا لَمْ يَشهَدا بالنسبِ لَمْ يَثبُتْ نَسبُهُ مِنَ الأبِ ولزِمَهُمَا سُدسُ ما في ايديهمَا وهَلْ يثبت نسبهُ من المقر حَتَّى لَوْ لَمْ يَبقَ غَيْرُ المقِرِ ومَاتَ وَرَثةُ المقَّرِ بِهِ ويَحتمل وَجْهَيْنِ (٣): أحدهما يثبت، وَمَن أقرَّ لِوارثٍ في مَرَضِهِ فَماتَ وَهُوَ غَيْرُ وَارِثٍ صَحَّ إقرارُهُ، بَيانُهُ أنْ يُقِرَّ لأخيِهِ بِمَالٍ ثُمَّ يُولَدُ لَهُ ابنٌ ويَموتَ فَيثبتَ المالُ للأخِ وَلَوْ أقرَّ للأخِ ولهُ ابنٌ ثُمَّ مَاتَ الابنُ ومَاتَ بَعدَهُ بَطَلَ إقرارُهُ للأخِ وَعَنْهُ أنَّ الإعتبارَ بِحالِ الإقرارِ، فإنْ أقرَّ لِوارثٍ لَمْ يَصُحَّ، وإنْ مَاتَ وَهُوَ غَيْرُ وارثٍ. وإنْ أقرَّ لِغيرِ وارثٍ صَحَّ وإنْ صَارَ وارِثاً عِنْدَ المَوتِ فإنْ ملَكَ إنسانٌ ابنَ عمِّهِ ثُمَّ مَرِضَ فأقرَّ أنَّه كَانَ أعْتَقَهُ في صِحتِهِ وَهُوَ أقربُ عَصَبَتِهِ صَحَّ العِتقُ وَلَمْ يِرِثهُ، وَإِذَا أقرَّ الورثةُ بِزوجيَّةِ امرأةٍ لمُورثِهِم ثَبتَ لَها الميراثُ وإنْ أقرَّ بَعضُهُم لَزِمَهُ مِن إرثِها بِقدَرِ حِصَّتِهِ إلا أنْ يَثبتَ النكاحُ بِشهادَتِهِم فَيستَحِقَّ جَمِيْعَ الإرثِ وَإِذَا أقرَّ الوَرثةُ بِدَينٍ عَلَى الْمَيِّتِ صَحَّ وَلَزِمَهُم قَضاهُ مِنَ الترِكةِ وإنْ أقرَّ أحدُهُم لَزمهُ بِقِسطِهِ، وَإِذَا كَانَ لَهُ أمةً فأقرَّ بولدٍ مِنْها ثُمَّ مَاتَ، وَلَمْ يُبينْ هَلْ أتَتْ بِهِ بِوطءٍ في مُلكِ أو بِزوجِيةٍ أو بِشُبهةٍ في ملكِ غَيرِهِ احتَمَلَ أنْ تَصيرَ أمَّ ولدٍ وتُعتقُ بِموتِهِ

стр. 596

واحتَملَ أنْ لا تَصِيرَ أمَّ ولدٍ، وَإِذَا تَزوَّجَ مجهولةَ النَسبِ فأولدَهَا ثُمَّ أقرَّتْ بالرقِّ لِرجلٍ لَمْ يَصحَّ إقرَارُها عَلَى نَفسِها في إحدَى الرِّوَايَتَيْنِ (١) وَعَنْهُ أَنَّهُ يَصحُ إقرارهَا عَلى نَفسِهَا بِالرقِّ ولا تُصدَّقُ في فَسادِ النكاحِ ورَقِّ الأولادِ (٢) لَكِنَّهُ إنْ أولدَهَا بَعْدَ إقرارِهَا أولاداً كَانُوا رَقيقاً، فإنْ أقرَّ بِحَملٍ بِمالٍ صَحَّ عَلَى قَوْلِ ابنِ حامدٍ (٣) وَقَالَ أبو الحَسَن التَّميمي: لا يَصحُ إلا أنْ يُعزيَهُ إلى إرثٍ أو وصِيةٍ (٤). فإنْ القَتهُ مَيتاً بَطَلَ الإقرارُ، وإنْ ألقتْ حياً جَعَلَ لِلحَيِّ، فإنْ ألقتْ [ذكراً وأنثَى كَانَ] (٥) بَيْنَهُمَا نِصفانِ عَلَى قَوْل ابنِ حامدٍ، وعلى قَوْل التميمي إنْ أعزاهُ إلى إرثٍ كَانَ لِلذَّكرِ مِثْلَ حَظِ الأُنثَيينِ، وإنْ أعزاهُ إلى وَصيةٍ كَانَ بَيْنَهُمَا نِصفينِ ومَن أقرَّ أنَّ امرأتهُ أخُتَهُ مِن الرضاعَةِ قَبْلَ قَولِهِ في فَسخِ النكاحِ وَلَمْ يُقبلْ إقرارُهُ في إسقاطِ المَهرِ، وإنْ أقرَّتِ المرأةُ أنَّ الزَّوجَ أخوهَا مِنَ الرَّضَاعِ لَمْ يُقبلْ قَولُهَا في فَسخِ النكاحِ وقُبِلَ قَولُهَا في إسقاطِ المَهرِ، وإنْ أقرَّ لإنسانٍ بِمالٍ في يَدِهِ فَكذَّبَهُ المقرُّ لَهُ بَطَلَ إقرارُهُ ومَا حُكمُ المالِ؟ يَحتِملُ وَجْهَيْنِ: أحدِهِما: يُقرُّ في يَدِهِ (٦)، والثَّانِي: يأخُذُهُ الإِمَامُ إلى بَيتِ المالِ (٧) وَإِذَا أقرَّ لِعَبدِهِ بِمالٍ صَحَّ وَكَانَ لِسيدِهِ. وإنْ أقرَّ لِبهيمَةٍ لَمْ تَكُنْ لِمالِكها، فإنْ أقرَّ عَربِيٌ بِالعُجميةِ، أو عَجميٌ بِالعَربِيةِ ثُمَّ قَالَ: لَمْ أعرفْ مَعْنَى مَا قُلْتُ فَالقَولُ قَولُهُ مَعَ يَمِينِهِ، فإنِ ادعَى عَلَيْهِ ألفاً فَقَالَ: أنا أقرُّ أو لا أنكرُ أو يَجوزُ أنْ يَكُونَ مُحِقَّاً أو عَسَى أنْ يَكُونَ أو لَعَلَّ أو أظنُّ أو أحسَبُ أو أقدِّرُ لَمْ يَكُنْ مَقراً بِجميعِ ذَلِكَ، فإنْ قَالَ: أنا مُقِرٌ احتَملَ وَجْهَيْنِ: أحدِهِما: يَكُونُ مُقِراً بِالدَّعوى (٨). والثَّاني: لا يَكونُ مُقراً (٩). فإنْ قَالَ: أنا مُقِرٌ بِدعواكَ أو قَالَ: نَعمْ أو قَالَ: أجلْ أو صَدَقتَ كَانَ مُقِراً، فإنْ قَالَ: خُذْ أو اتَّزِنْ أو احرِزْ أو افتَحْ كُمَكَ لَمْ يَكُنْ مُقِراً. فإنْ قَالَ: خُذهَا واتَّزنها واقبِضهَا واحرِزهَا فهلْ يَكُونُ مُقِراً؟ يَحتَملُ وَجْهَيْنِ (١٠). وَكَذَلِكَ الحُكمُ إذَا قَالَ وَهِيَ صِحَاحٌ. فإنْ قَالَ: لَهُ ألفٌ في عِلمي

стр. 597

أو فِيْمَا أعلمُ أو لَهُ عَلِيَّ ألفٌ إنْ شَاءَ اللهُ كَانَ إقرَاراً، فإنْ قَالَ: أقضِي ألفاً دَينِي عَلَيْكَ فَقَالَ: نَعمْ، فإنْ قَالَ: لَهُ عَلِيَّ ألفٌ إنْ قَدِمَ فُلَانٌ لَمْ يَكُنْ مُقِراً. وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ: لَكَ عَلِيَّ مِئةٌ إنْ شَهِدَ بِهَا فُلَانٌ وفلانٌ، وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ: إنْ شَهِدَ عَلِيَّ فُلَانٌ وفلانٌ بِكذا صَدَّقتُهما لَمْ يَكُنْ مُقراً، فإنْ قَالَ: إنْ شَهِدَ عَلِيَّ فُلَانٌ بِدينارٍ فَهُوَ صادِقٌ فَهلْ يَكُونُ إقراراً؟ يَحتَملُ وَجْهَيْنِ (١). بَابُ الحُكمِ فِيْمَا إذَا وَصَلَ بإقرارِ ما يَسقُطُ جَميعُهُ أو بَعضُهُ إذَا وَصَلَ بإقرارهِ ما يَنقضُهُ بأنْ يَقُولَ: لَهُ عَلِيَّ ألفٌ لا تلزمُني أو قَبِضَها أو استَوفَاهَا أو لَهُ عَلِيَّ ألفٌ إلاَّ ألفٌ فَإنهُ تَلزمُهُ الألفُ وَلَا يلتفتُ إلى مَا وصَلَهُ بإقرارِهِ فإنْ كَانَ قَالَ: لَهُ عَلِيَّ ألفٌ وقضَيتُهُ إياهَا أوِ استوفَاهَا أو كَانَ لَهُ عَلِيّ مئة قبض مِنْها خمسين أخَذَ بِما أقرَّ بِهِ وَلَمْ يُقبلْ مَا ادَّعاهُ إلاَّ بِبينةٍ؛ فإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ بَينة فَلَهُ عَلَى خَصمِهِ اليَمينُ فِي رِوَايَة ذَكرهَا ابنُ أَبِي مُوسَى فِي " الإرشَادِ " (٢). وَقَالَ الخِرقِيُّ: القَوْلُ قَوْلُ المقرِ مَعَ يَمينِهِ واختَارَهُ شَيْخُنَا (٣) فإنْ قَالَ: لَهُ عَلَيّ ألفٌ مؤجَّلَةٌ لَزِمهُ مَا أقرَّ بِهِ مُؤجَلاً، وَيَحتملُ أنْ تلزمَهُ الألفُ فِي الحَالِ إذَا عُدِمَتِ البَينَةُ وَعَلَى المُدَّعِي اليَمينُ أنَّها حَالةٌ غَيْرُ مُؤجلَّةٍ، فإنْ أقَرَّ بِعَدَدٍ واستثنَى أكثَرَهُ نَحْوُ أنْ يَقُول: لَهُ عَلَيَّ مِئةُ دِرهمٍ إلا سِتينَ لَمْ يَصُحَّ استثناءُ الأكثَرِ وَلزمَهُ المِئَةُ، فَإنِ استثنَى النِّصفَ صَحَّ عَلَى قَوْلِ الخِرقِيِّ (٤)، وَلَمْ يَصِحَّ عَلَى قَوْلِ أبي بَكرٍ (٥) فَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ مِئةُ دِرهَمٍ إلا أربَعينَ إلاَّ عِشرِينَ لَزِمَهُ عَلَى قَوْلِ الخِرقِي ثَمانُونَ؛ لأنَّ الإستثناءَ مِنَ الإثباتِ نَفيٌ، ومِنَ النَّفِيِ اثباتٌ فَقَدْ نَفَى مِنَ المِئَةِ أربَعِينَ ثُمَّ أثبَتَ مِنَ الأربعينَ عِشرِينَ ويَصُحُّ استِثناءُ العِشرينَ مِنَ الأربَعينَ عَلَى قَوْلِ الخِرقِيِّ فَيَضُمُّ إلى الستينَ فَتَصيرُ ثَمانونَ، ولا يَصحُّ استثناؤُها عَلَى قَوْلِ أبي بَكْرٍ فَينفِي استِثناءَ الأربعينَ مِنَ المِئةِ فيَلزمُهُ ستونَ عِندَهُ، فإنْ قَالَ لَهُ: عَلَيَّ عَشرةٌ إلا خمسة إلاَّ ثَلاثة إلاَّ دِرهَمينِ إلاَّ

стр. 598

دِرهَم فَيَجيءُ عَلَى قَوْل الخِرَقي أنْ يَلزمَهُ ستةٌ، ويحتملُ قَوْلُ أبي بكرٍ أنْ يَلزمَهُ عشَرةٌ ويحتملُ أنْ يَلزمهُ ثَمانيةٌ واللهُ أَعْلَمُ. ولا يَصُحُّ الاستثناءُ منْ غَيْرِ الجِنسِ نَصَّ عَلَيْهِ إمامُنا في رِوَايَةِ ابنِ مَنصورٍ إذَ قَالَ لَهُ: عَلَيَّ مِئةُ دِينارٍ إلاَّ قِرشاً إلا ثَوباً فَهُوَ مُحالٌ مِنَ الكلامِ يُؤخَذُ بِالمِئةِ، فإنِ استثنى عَيناً مِنْ وَرِقٍ أو وَرِقاً مِنْ عَينٍ لَمْ يَصحَّ أيضاً وَهُوَ اختيارُ أَبِي بكرٍ. وقَالَ الخِرقِي: يَصُحُّ فَعَلَى قَولِهِ إذَا قَالَ: لَهُ عَلَيّ ألفُ دِرهَمٍ إلاَّ عَشَرةَ دَنانِيرَ ثُمَّ فَسَّرَ قِيمةَ الدَّنانِيرِ بِالنِّصفِ فَما دُوْنَ مِنَ الدَّراهمِ قُبلَ مِنهُ وإنْ فَسَّرَ بِأكثَرَ مِنَ النِّصفِ لَمْ يُقبلْ، ومتى يَثبتُ هَذَا مَذهَباً لأحمدَ (١) فاستِثناءُ الثَّوبِ مِنَ الدَّراهِمِ جَائزٌ عَلَى هَذَا التَّقدِير إِذْ لا فَرقَ بَيْنَهُمَا. فإنْ قَالَ: لَهُ عَلِيّ هَؤُلَاءِ العَبيدُ إلاَّ عَشْرَةَ إلا واحِداً لَزِمَهُ تَسليمُ العَشرَةِ وإنْ هَلكوا إلا واحِداً فَذَكر أَنَّهُ المُستثنَى فَهلْ يُقبلُ مِنْهُ؟ يحتملُ وَجْهَيْنِ (٢). فإنْ قَالَ: لَهُ هذِهِ الدارُ إلاّ هَذَا البيتِ أو هذِهِ الدارُ لَهُ وهَذا البيتُ لِي قُبِلَ مِنْهُ، فإنْ قَالَ: لَهُ نِصفُ هذِهِ الدارُ لَزِمَهُ الإقرارُ فإنْ قَالَ: لَهُ نِصفُ دَاري هذِهِ فَهُوَ هِبةٌ يُعتَبَرُ فِيْهَا شُروطُ الهِبةِ، فإنْ قَالَ: لَهُ هذِهِ الدارُ عاريةً فَلَهُ الرُّجوعُ متى شاءَ فإنْ قَالَ: لَهُ عَلِيَّ ألفٌ مِن ثَمرةٍ تبع لَمْ أقبضْهُ فَقَالَ: المدَّعِي بَلْ لي الألفُ دَينٌ فِي ذِمتكَ فَهلْ تَلزمُهُ الألفُ تَخرج عَلَى وَجْهَيْنِ (٣)، فإنْ قَالَ لَهُ عَلِيّ ألفُ دِرهَمٍ وَهُوَ فِي بلدٍ أوزانُهُم ناقِصَةٌ كطبريّةَ الشامِ فِي دِرهَمَهُم أربعةَ دَوانيقَ فَهلْ يلزمُهُ مِن دَراهِمِ البَلدِ أو يَلزمَهُ الألفُ وأرشَهُ؟ يَحتمِلُ وَجْهَيْنِ (٤). فإنْ قَالَ لَهُ عَلِيَّ ألفٌ ناقِصَةٌ لَزِمَهُ مِن دَراهِمِ البَلدِ وَجهاً واحِداً، فإنْ قَالَ: لَهُ ألفُ زيوفٌ فإنْ فَسَّرها بِما لا فِضَّة فِيْهَا لَمْ يُقبلْ، وإنْ فسَّرَهَا بِمَغشوشَةٍ قُبِلَ، وإنْ قَالَ: لَهُ عِندي ألفٌ وفسَّرها بِدَينٍ أو وَدِيعةٍ قُبلَ مِنْهُ، وإنْ قَالَ لَهُ عَلِيَّ ألفٌ أو في ذِمَّتي ألفٌ وفَسرَها بِوَدِيعةٍ لَمْ يُقبلْ، وإنْ قَالَ: لَهُ عِندِي هَذَا العَبدُ رَهنٌ فَقَالَ المَالِكُ بَلْ وديعةٌ فالقَولُ قَولُ المَالِكِ مَعَ يَمِينِهِ، وإنْ قَالَ: لَهُ في مِيراثِ أَبِي ألفُ درهمٍ فَهُوَ دَينٌ عَلَى التَّرِكَةِ، وإنْ قَالَ: لَهُ في مِيراثٍ مِن أبي ألفٌ ثُمَّ قَالَ: أردتُ هبةً وَبَدا لي مِن تَقبيضِهِ قُبلَ مِنهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: لَهُ في هَذَا المالِ ألفٌ لَزِمَهُ تَسلِيمُها، وإنْ قَالَ: لَهُ مِن مَالي أو في مَالي ألفٌ وفسَّرها بالهِبةِ قُبِلَ، وإنْ قَالَ: لَهُ عَلِيَّ ألفُ درهمٍ مِنْ ثَمنِ خَمرٍ أو تَكفَّلتُ بِما لَكَ عَلَى فُلانٍ عَلَى أنِّي بِالخِيارِ لِزمهُ الألفُ وَمَا عَلَى فُلانٍ وَلَمْ يُقبَلْ دَعوَاهُ فَإنْ قَالَ

стр. 599

غَصبتُ هَذا العَبدَ مِنْ زَيدٍ لا بلْ مِنْ عَمرٍو لَزِمَهُ تَسلِيمُهُ إلى زَيدٍ يغرمُ لعمروٍ قِيمتَهُ، فإنْ قَالَ: غَصبتهُ مِن أحدِ هَذينِ الرَّجُلينِ طُولِبَ بِالتَّعيينِ فإنْ عَينَ أحدَهُما لَزِمَه أنْ يَحلفَ لِلآخَرِ فإنْ قَالَ: هذِهِ الدارُ مَلَّكتُها لِزَيدٍ وَغَصَبتُها مِنْ عَمْرٍو فَعَليهِ تَسليمُها إلى عمروٍ وَيَغرمُ قيمَتَها لِزيدٍ، فإنْ قَالَ: لَهُ عِندِي تَمرٌ في جِرابٍ أو سَيفٌ في قِرابٍ أو ثَوبٌ في مِندِيلٍ فَهُو إقرارٌ بِالمظروفِ دُوْنَ الظَّرفِ ذَكَرهُ ابنُ حَامدٍ (١). وَيحتملُ أنْ يَكُونَ إقِراراً بِهِما فإنْ قَالَ: لَهُ عِندِي عَبْدٌ عَلَيْهِ عِمامَةٌ، أو دَابَّةٌ عَلَيْهَا سَرجٌ احتَمَلَ أنْ لا تَلزمَهُ والسَّرجُ واحتَملَ أنْ يلزمَهُ ذَلِكَ، وَإِذَا قَالَ في مَرَضِهِ: هذِهِ ألفٌ لُقطَةً فَتَصدَّقوا بِهَا ولا مَالَ لَهُ غَيرُها ثُمَّ مَاتَ لَزِمَ الوَرَثةَ أنْ يَتَصدَّقوا بِثُلثِهِا سَوَاءٌ صَدَّقوهُ أو كذَّبوهُ. وَقَالَ شَيْخُنَا: يَلزَمُهُم أنْ يَتَصدَّقوا بِجَميعِها فَإنْ مَاتَ أبوهُ وَخَلَّفَ ألفاً فأدَّعاها رَجُلٌ فأقرَّ بِها لَهُ ثُمَّ جَاءَ آخرُ فأدَّعَاهَا فأقرَّ لَهُ بِهَا فَهِيَ لِلأولِ وَيَلزَمُهُ مِثلُها لِلثانِي فإنْ ادَّعَياهَا معاً فأقرَّ بِها لأحدِهِما فَهِيَ لَهُ وإنْ أقرَّ لَهُمَا كَانَتْ بَيْنَهُمَا بالتَّسويَةِ فإنْ قَالَ: لَهُ عَلِيَّ ألفُ دِرهَمٍ إذَا جَاءَ رَأسُ الشَّهرِ كَانَ إقراراً بِالألِفِ، وإنْ قَالَ إذَا جَاءَ رَأسُ الشَّهرِ فلَهُ عَلِيَّ ألفٌ احتَملَ وَجْهَيْنِ: أحدِهِما: يَكُونُ إقراراً، والثَّاني لا يَكُونُ إقرَاراً وَهُوَ الأصحُّ (٢). بَابُ الإقرارِ بِالمُجمَلِ إذَا قَالَ لَهُ عَلَيَّ شيء قِيلَ لَهُ فَسَّرهُ وإنْ أبى حُبِسَ حَتَّى يُقِرَّ فإنْ مَاتَ أَخذَ وارِثُهُ بِمِثلِ ذَلِكَ فإنْ فَسَّرهُ بِشيءٍ مِنَ المَالِ وإنْ قَلَّ قُبِلَ فإنْ فَسَّرَهُ بِقِشرِ لَوزَةٍ أو جَوزةٍ أو بِميتةٍ أو خِنْزِيرٍ أو خَمرٍ لَمْ يُقبلْ وإنْ فسرَهُ بِكلبٍ أو حَدِ قَذفٍ فَهلْ يُقبلُ يَحتملُ وَجهَينِ (٣). وإنْ فَسَّرهُ بِحقِّ شُفعَةٍ قُبِلَ، فإنْ قَالَ: غَصَبتَ مِنْهُ شَيئاً ثُمَّ فَسَّرَهُ بِنَفسِهِ (٤) أو وَلَدِهِ لَمْ يُقبلْ فإنْ قَالَ: لَهُ عَلِيَّ مَالٌ عَظيمٌ أو خَطيرٌ أو كَثيرٌ أو جَليلٌ قُبِلَ تَفسِيرهُ بِالكَثيرِ وَالقَليلِ فإنْ أقرَّ بِدراهِمَ كثَيرةٌ قُبِلَ تَفسيرُهُ بِثَلاثةِ دَراهِمَ فَصاعِداً، فإنْ قَالَ: لَهُ عَلِيَّ ما بَينَ الدِّرهَمِ وَالعَشرَةِ لَزِمَهُ تِسعَةٌ في أحدِ الوجهينِ (٥)، وَعَشرةٌ في الآخرِ (٦).

стр. 600

فإنْ أقرَّ بألفٍ في وَقتٍ وبِألفٍ في وَقتٍ آخرَ لَزِمَهُ ألفٌ وَاحِدَة فإنْ قَالَ: لَهُ عَلِيَّ مِئةٌ مِن ثَمنِ فَرسٍ ثُمَّ قَالَ: لَهُ عَلِيَّ مِئةٌ مِن ثَمنِ عَبْدٍ لَزِمَهُ مِئتانِ، فإنْ قَالَ: لَهُ عَلِيَّ دِرهَمٌ فَوْقَ دِرهَمٍ أو دِرهَمٌ تَحْتَ دِرهَمٍ أو دِرهَمٌ قَبلَهُ دِرهَمٍ أو بَعدَهُ دِرهَمٍ أو مَعَهُ دِرهَمٍ أو دِرهَمٌ بَلْ دِرهَمانِ أو دِرهَمٌ وَدِرهَمٌ لَزِمَهُ في جَمِيْعِ ذَلِكَ دِرهَمانِ. فإنْ قَالَ: لَكَ عَلِيَّ دِرهَمٌ بَلْ دِرهَمٌ فَقَالَ أبو بَكْرٍ فِيْهَا قَولانِ: أحدُهُما: يَلزَمُهُ دِرهَمانِ، والآخَرُ: أَنَّهُ يلزمُهُ دِرهَمٌ (١)، فإنْ قَالَ: لَهُ عَلِيَّ دِرهَمانِ بَلْ دِرهَمٌ لَزِمَهُ دِرهَمانِ فإنْ قَالَ: لَهُ عَلِيَّ هَذَا الدِرهَمُ بَلْ هَذانِ الدِّرهَمانِ لَزِمَهُ الدَّراهِمَ الثَّلاثَةُ الَّتِي أشَارَ إليها، وإنْ قَالَ: لَهُ قَفيزُ حِنطةٍ لا بَلْ قَفيزَا شَعِيرٍ لَزِمَاهُ مَعاً فإنْ قَالَ: لَهُ عَليَّ دِرهَمٌ بَلْ دِينَارٌ لَزِمَهُ دِرهَمٌ ودِينارٌ، فإنْ قَالَ: دِرهَمٌ أو دِينَارٌ لَزِمَهُ أحدُهُما ورَجَعَ إلى تَعيِينِهِ، فإنْ قَالَ: لَهُ دِرهَمٌ في دِينَارٍ لَزِمَهُ دِرهَمٌ، فإنْ قَالَ: لَهُ عَلِيَّ دِرهَمٌ في عَشْرَةٍ، فإنْ أرَادَ الحِسابَ لَزِمَهُ عَشْرَةٌ وإلاَّ لَزِمَهُ دِرهَمٌ، فإنْ قَالَ: لَهُ عَلِيَّ كَذَا رَجَعَ إلى تَفسِيرِهِ إليهِ، فإنْ قَالَ لَدَيَّ دِرهَمٌ أو لَدَيَّ كَذَا دِرهَمٌ لَزِمَهُ دِرهَمٌ، فإنْ قَالَ: كَذَا لَدَيَّ دِرهَماً فَقَالَ: ابنُ حَامدٍ يَلزَمُهُ دِرهَمٌ (٢)، وقَالَ أبو الحَسسنِ التَّميميُّ: يَلزمَهُ دِرهَمانِ (٣)، فإنْ قَالَ كَذَا دِرهَمٍ بِالخَفضِ لَزِمَهُ بَعْضُ دَرهَمٍ وَيَرجَعُ في التَّفْسِيْرِ إلَيهِ، فَإِنْ قَالَ: لهُ عَلَي ألفٌ ودرهَمٌ أو أَلفٌ ودينَارٌ، فَقَالَ ابنٌ حَامَدٍ وشيخُنَا يكُونُ الَجمِيعُ مِن جِنسِ المقَرِّ فَيَلزَمهُ ألفُ دِرهَمٍ وَدِرهَمٌ وألفُ دِينارٍ ودِينَارٌ (٤) وكَذا إذا قَالَ: ألفٌ وثوبٌ أو أَلفٌ وفَرَسُ. وَقَالَ أبو الحَسَن التمِيمِيُّ: يَلزَمَهُ الدِرهَمُ والدِّينَارُ وَالثَّوبُ وَالفَرَسُ ويَرجَعُ في تَفسَيرَ الألَفِ إلَيهِ وَهُوَ الأقوَى عِندِي (٥). فإنْ قَالَ: لَهُ عَليَّ ألفٌ وخَمسُونَ دِرهمَاً احتَمَلَ عَلَى قَولِ التمِيمِيُّ أن يَلزَمَهُ خَمسُوَنَ دِرهَماً وَيَرجَعُ في تَفسِير الألفِ إلَيهِ واحتَمَلَ أَنْ يَكُونَ الجميعُ دَرَاهماً لأنّهُ ذكرَ الدراهمَ للإيجابِ ولمْ يذكرهُ للتفسيرِ وَذكرَ الدراهمَ بعدَ الخمسينَ للتفسيرِ ولهَذَا لا يجبُ لأنهُ زيادةٌ على ألفٍ وخمسينَ ووجبَ بقولهِ درهمٌ زيادةً على الألفِ فإنْ قالَ: لهُ عليَّ درهمٌ لكنْ درهمٌ فهوَ بمنزلةٍ بل درهمٌ، فإنْ قالَ: لهُ عليَّ درهمٌ ودرهمٌ إلاّ درهماً لزمهُ درهمانِ، فإنْ قالَ: لهُ عليَّ درهمانِ وثلاثةٌ إلا
следующие страницы →