← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 26099

الجنى الداني في حروف المعاني

ابن أم قاسم المرادي

Полный текст (604 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله بجميع محامده، على جميل عوائده، وصلاته وسلامه على سيدنا محمد خاتم أنبيائه، ومبلغ أنبائه، وعلى آله الكرام، وأصحابه مصابيح الظلام. وبعد: فإنه لما كانت مقاصد كلام العرب، على اختلاف صنوفه، مبنياً أكثرها على معاني حروفه، صرفت الهمم إلى تحصيلها، ومعرفة جملتها وتفصيلها. وهي مع قلتها، وتيسر الوقوف على جملتها، قد كثر دورها، وبعد غورها، فعزت على الأذهان معانيها، وأبت الإذعان إلا لمن يعانيها. وهذا كتاب، أرجو أن يكون نافعاً، ولمعاني الحروف جامعاً. جعلته لسؤال بعض الإخوان جواباً، ولصدق رغبته ثواباً. ولما وفى لفظه بمعناه، ودنى من متناوله جناه، سميته ب الجنى الداني في حروف المعاني. ويشتمل على مقدمة وخمسة أبواب.

стр. 2

الفصل الأول في حد الحرف قال بعض النحويين: لا يحتاج في الحقيقة إلى حد الحرف، لأنه كلم محصورة. وليس كما قال. بل هو مما لابد منه، ولا يستغنى عنه، ليرجع عند الإشكال إليه، ويحكم عند الاختلاف بحرفية ما صدق الحد عليه. وقد حد بحدود كثيرة. ومن أحسنها قول بعضهم: الحرف كلمة تدل على معنى، في غيرها، فقط. فقوله كلمة جنس يشمل الاسم والفعل والحرف. وعلم من تصدير الحد به أن ما ليس بكلمة فليس بحرف: كهمزتي النقل والوصل، وياء التصغير. فهذه من حروف الهجاء، لا من حروف المعاني. فإنها ليست بكلمات بل هي أبعاض كلمات. وهذا أولى من تصدير الحد ب ما، إبهامها. واعترض بأن تصدير حد الحرف بالكلمة لا يصح، من جهة

стр. 3

أنه يخرج عنه، من الحروف، ما هو أكثر من كلمة واحدة، نحو: إنما وكأنما. والجواب أنه ليس في الحروف ما هو أكثر من كلمة واحدة. وأما نحو: إنما وكأنما، مما هو كلمتان، فهو حرفان، لا حرف واحد، بخلاف نحو كأن مما صيره التركيب كلمة واحدة، فهو حرف واحد. وقوله تدل على معنى في غيرها فصل، يخرج به الفعل، وأكثر الأسماء، لأن الفعل لا يدل على معنى في غيره. وكذلك أكثر الأسماء. وقوله فقط فصل ثان، يخرج به من الأسماء، ما يدل على معنى في غيره، ومعنى في نفسه. فإن الأسماء قسمان: قسم يدل على معنى في نفسه، ولا يدل على معنى في غيره، وهو الأكثر. وقسم يدل على معنيين: معنى في نفسه، ومعنى في غيره: كأسماء الاستفهام، والشرط. فإن كل واحد منها يدل، بسبب تضمنه معنى الحرف، على معنى في غيره، مع دلالته على المعنى الذي وضع له. فإذا قلت مثلاً: من يقم أقم معه، فقد دلت من على شخص عاقل بالوضع، ودلت مع ذلك على ارتباط جملة الجزاء بجملة الشرط، لتضمنها معنى إن الشرطية. فلذلك زيد في الحد فقط، ليخرج به هذا القسم.

стр. 4

واعترض الفارسي قول من حد الحرف بأنه ما دل على معنى في غيره بالحروف الزائدة، نحو ما في قولهم: إنك ما وخيراً، لأنها لا تدل على معنى في غيرها. وأجيب بأن الحروف الزائدة تفيد فضل تأكيد وبيان، للكثرة، بسبب تكثير اللفظ بها. وقوة اللفظ مؤذنة بقوة المعنى، وهذا معنى لا يتحصل إلا مع كلام. فإن قيل: ما معنى قولهم الحرف يدل على معنى في غيره فالجواب: معنى ذلك أن دلالة الحرف على معناه الإفرادي متوقفة على ذكر متعلقه، بخلاف الاسم والفعل. فإن دلالة كل منهما، على معناه الإفرادي، غير متوقفة على ذكر متعلق؛ ألا ترى أنك إذا قلت الغلام فهم منه التعريف. ولو قلت أل مفردة لم يفهم منه معنى. فإذا قرن بالاسم أفاد التعريف. وكذلك باء الجر فإنها لا تدل على الإلصاق، حتى تضاف إلى الاسم الذي بعدها، لأنه يتحصل منها مفردة. وكذلك القول في سائر الحروف.

стр. 5

وقال السيرافي: المراد من قولنا في الاسم والفعل إنه يدل على معنى في نفسه أن تصور معناه في الذهن غير متوقف على خارج عنه؛ ألا ترى أنك إذا قلت: ما الإنسان؟ فقيل لك: حي ناطق، وإذا قلت: ما معنى ضرب؟ فقيل لك: ضرب في زمان ماض أدركت المعنيين باللفظ المذكور في التفسير. وقولنا في الحرف يدل على معنى في غيره، نعني به أن تصور معناه متوقف على خارج عنه: ألا ترى أنك إذا قلت: ما معنى من، فقيل لك: التبعيض، وخليت وهذا، لم تفهم معنى من إلا بعد تقدم معرفتك بالجزء والكل، لأن التبعيص أخذ جزء من كل. وقد قيل غير ذلك، ممالا حاجة هنا إلى ذكره. والله الموفق. الفصل الثاني في تسميته حرفاً اختلف النحويون في علة تسميته حرفاً. فقيل: سمي بذلك، لأنه طرف في الكلام، وفضلة. والحرف، في اللغة، هو الطرف. ومنه قولهم: حرف الجبل، أي: طرفه، وهو

стр. 6

أعلاه المحدد. فإن قيل: فإن الحرف قد يقع حشواً، نحو: مررت بزيد، فليست الباء في هذا بطرف! فالجواب أن الحرف طرف في المعنى، لأنه لا يكون عمدة، وإن كان متوسطا. وقيل: لأنه يأتي على وجه واحد. والحرف، في اللغة، هو الوجه الواحد. ومنه قوله تعالى " ومن الناس من يعبد الله على حرف " أي: على وجه واحد. وهو أن يعبده على السراء دون الضراء، أي يؤمن بالله، ما دامت حاله حسنة. فإن غيرها الله وامتحنه كفر به. وذلك لشكه وعدم طمأنينته. فإن قيل: فإن الحرف الواحد قد يرد لمعان كثيرة! فالجواب أن الأصل في الحرف أن يوضع لمعنى واحد، وقد يتوسع فيه، فيستعمل في غيره. قاله بعضهم. وأجاب غيره بأن الاسم قد يدل، في حالة واحدة، على معنيين، مثل أن يكون فاعلاً ومفعولاً، في وقت واحد. كقولك: رأيت ضارب زيد. ف ضارب زيد في هذه الحالة فاعل ومفعول. والفعل أيضاً يدل على معنيين: الحدث والزمان. والحرف إنما يدل، في حالة واحدة، على معنى واحد. والظاهر أنه إنما سمي حرفاً، لأنه طرف في الكلام، كما تقدم. وأما قوله تعالى: " ومن الناس من يعبد الله على حرف " فهو راجع

стр. 7

إلى هذا المعنى، لأن الشاك كأنه على طرف من الاعتقاد، وناحية منه. وإلى ذلك ترجع معاني الحروف كلها. كقولهم للناقة الضامرة الصلبة: حرف، تشبيهاً لها بحرف السيف. وقيل: هي الضخمة، تشبيهاً لها بحرف الجبل. وكان الأصمعي يقول: الحرف: الناقة المهزولة. الفصل الثالث في جملة معانيه وأقسامه ذكر بعض النحويين للحرف نحواًَ من خمسين معنى. وزاد غيره معاني أخر. وسأذكر جميع ذلك، مبيناً في مواضعه، إن شاء الله تعالى. وهذه المعاني، المشار إليها، يرجع غالبها إلى خمسة أقسام: معنى في الاسم خاصة، كالتعريف. ومعنى في الفعل خاصة، كالتنفيس. ومعنى في الجملة، كالنفي والتوكيد. وربط بين مفردين، كالعطف في نحو: جاء زيد وعمرو. وربط بين جملتين، كالعطف في نحو: جاء زيد وذهب عمرو. وإنما قلت يرجع غالبها لأن منها ما هو خارج عن هذه الأقسام، كالكف، والتهيئة، والإنكار، والتذكار، وغير ذلك، مما سيأتي ذكره. وأما أقسام الحرف فثلاثة: مختص بالاسم، ومختص بالفعل، ومشترك بين الاسم والفعل.

стр. 8

فأما المختص بالاسم فلا يخلو من أن يتنزل منه منزلة الجزء، أولا. فإن تنزل منه منزلة الجزء لم يعمل، كلام التعريف. وإن لم يتنزل منزلة الجزء فحقه أن يعمل، لأن ما لازم شيئاً، ولم يكن كالجزء منه، أثر فيه غالباً. وإذا عمل فأصله أن يعمل الجر، لأنه العمل المخصوص بالاسم. ولا يعمل الرفع ولا النصب، إلا لشبهه بما يعملهما. ك إن وأخواتها، فإنها نصيب الاسم ورفعت الخبر، لشبهها بالفعل، في أوجه مذكورة في موضعها. ولولا شبه الفعل لكان حقها أن تجر، لأنه الأصل. وقد جروا ب لعل في لغة عقيل، منبهة على الأصل. وأما المختص بالفعل فلا يخلو أيضاً من أن يتنزل منه منزلة الجزء أولا. فإن تنزل منه منزلة الجزء لم يعمل، كحرف التنفيس، وإن لم يتنزل منه منزلة الجزء فحقه أن يعمل. وإذا عمل فأصله أن يعمل الجزم، لأن الجزم في الفعل نظير الجر في الاسم. ولا يعمل النصب إلا لشبهه بما يعمله، ك أن المصدرية وأخواتها، فإنها لما شابهت نواصب الاسم نصبت. ولولا ذلك لكان حقها أن تجزم. وقد حكي عن بعض العرب الجزم ب أن ولن. وسيأتي الكلام عليه.

стр. 9

وأما المشترك فحقه ألا يعمل، لعدم اختصاصه بأحدهما، وقد خالف هذا الأصل أحرف، منها ما الحجازية أعملها أهل الحجاز عمل ليس، لشبهها بها، وأهملها بنو تميم على الأصل. الفصل الرابع في بيان عمله قد علم، مما سبق، أن الحرف قسمان: عامل، وغير عامل. فالعامل هو ما أثر. فيما دخل عليه رفعاً، أو نصباً، أو جراً، أو جزماً. وغير العامل بخلافه، ويسمى المهمل. ثم إن العامل قسمان: قسم يعمل عملاً واحداً، وقسم يعمل عملين. فالأول إما ناصب فقط، كنواصب الفعل، وإلا في الاستثناء، وواو مع عند من يراهما عاملين. وإما جار فقط، وهو حروف الجر. وإما جازم فقط، وهو حروف الجزم. وليس في الكلام حرف يعمل الرفع فقط، خلافاً للفراء في قوله: إن لولا ترفع الاسم الذي يليها، في نحو: لولا زيد لأكرمتك. ومذهب البصريين أن الاسم، بعدها، مرفوع بالابتداء.

стр. 10

والثاني قسم واحد، ينصب ويرفع، وهو إن وأخواتها، وما الحجازية وأخواتها. وزاد بعض المتأخرين قسماً آخر، يجر ويرفع. قال: وهو لعل خاصة، على لغة بني عقيل. وليس كما ذكر، فإن لعل على هذه اللغة جارة فقط. ولرفع الخبر بعدها وجه غير ذلك. تنبيه قد اتضح، بما ذكرنا، أن الحرف يعمل أنواع الإعراب الأربعة. ولكن عمله الجر والجزم بطريق الأصالة، وعمله الرفع والنصب لشبهه بما يعملهما. والله أعلم. الفصل الخامس في عدة الحروف ذكر بعض النحويين أن جملة حروف المعاني ثلاثة وسبعون حرفاً. وزاد غيره على ذلك حروفاً أخر، مختلفاً في حرفية أكثرها. وذكر بعضهم نيفاً وتسعين حرفاً. وقد وقفت على كلمات أخر مختلف

стр. 11

في حرفيتها، ترتقي بها عدة الحروف على المائة. وهي منحصرة في خمسة أقسام: أحادي، وثنائي، وثلاثي، ورباعي، وخماسي. فلذلك جعلت لها خمسة أبواب.

стр. 12

الباب الأول في الأحادي وهو أربعة عشر حرفاً: الهمزة ، والباء، والتاء، والسين، والشين، والفاء، والكاف، واللام، والميم، والنون، والهاء، والواو، والالف، والياء. ويجمعها قولك بكشف سألتمونيها. ولم يذكر بعضهم الشين، فعدها ثلاثة عشر. وأنا أذكرها، واحداً واحداً، على هذا الترتيب. إن شاء الله تعالى. الهمزة حرف مهمل، يكون للاستفهام، وللنداء. وما عدا هذين، من أقسام الهمزة، فليس من حروف المعاني. فأما همزة الاستفهام فهي حرف مشترك: يدخل على الأسماء والأفعال، لطلب تصديق، نحو: أزيد قائم؟ أو تصور، نحو: أزيد عندك أم عمرو؟ وتساويها هل في طلب التصديق الموجب، لا غير.

стр. 13

فالهمزة أعم، وهي أصل أدوات الاستفهام. ولأصالتها استأثرت بأمور، منها تمام التصدير بتقديمها على الفاء والواو وثم، في نحو " أفلا تعقلون "، " أو لم يسيروا "، " أثم إذا ما وقع ". وكان الأصل في ذلك تقديم حرف العطف على الهمزة، لأنها من الجملة المعطوفة. لكن راعوا أصالة الهمزة، في استحقاق التصدير، فقدموها بخلاف هل وسائر أدوات الاستفهام. هذا مذهب الجمهور. وذهب الزمخشري إلى تقدير جملة، بعد الهمزة، لائقة بالمحل، ليكون كل واحد من الهمزة وحرف العطف في موضعه. والتقدير: أتجهلون فلا تعقلون؟ ونحو ذلك. وضعف بعدم اطراده، إذا لا يمكن في نحو " أفمن هو قائم على كل نفس "، وبأن فيه حذف جملة معطوف عليها، من غير دليل. قيل: وقد رجع إلى مذهب الجماعة في سورة الأعراف. ثم إن همزة الاستفهام قد ترد لمعان أخر، بحسب المقام، والأصل في جميع ذلك معنى الاستفهام.

стр. 14

الأول: التسوية: نحو " سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم ". قال بعض النحويين: لما كان المستفهم يستوي عنده الوجود والعدم، وكذا المسوي، جرت التسوية بلفظ الاستفهام. وتقع همزة التسوية بعد سواء، وليت شعري، وما أبالي، وما أدري. الثاني: التقرير: وهو توقيف المخاطب على ما يعلم ثبوته أو نفيه. نحو قوله تعالى " أأنت قلت للناس: اتخذوني ". الثالث: التوبيخ: نحو " أأذهبتم طيباتكم، في حياتكم الدنيا ". وقد اجتمع التقرير والتوبيخ في قوله تعالى " ألم نر بك فينا وليداً ". الرابع: التحقيق: نحو قول جرير: ألستم خير من ركب المطايا ... وأندى العالمين، بطون راح الخامس: التذكير: نحو " ألم يجدك يتيماً فآوى ".

стр. 15

السادس: التهديد: نحو " ألم نهلك الأولين ". السابع: التنبيه: نحو " ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء ". الثامن: التعجب: نحو " ألم تر إلى الذين تولوا قوماً، غضب الله عليهم ". التاسع: الاستبطاء: نحو: " ألم يأن للذين آمنوا ". العاشر: الإنكار: نحو " أصطفى البنات على البنين ". الحادي عشر: التهكم: نحو " قالوا: يا شعيب أصلاتك ". الثاني عشر: معاقبة حرف القسم: كقولك: آلله لقد كان كذا. فالهمزة في هذا عوض من حرف القسم. وينبغي أن تكون عوضاً من الباء دون غيرها، لأصالة الباء في القسم. واختللف في الجار للاسم المقسم به، بعد الهمزة. فذهب

стр. 16

الأخفش إلى أن الجر بالهمزة، لكونها عوضاً عن الجار. واختاره ابن عصفور. وذهب غيره إلى أن الجر بالحرف المحذوف، الذي جيء بالهمزة عوضاً عنه. واختاره ابن مالك. وذكر بعض النحويين أن التقرير هو المعنى الملازم للهمزة، في غالب هذه المواضع المذكورة، وأن غيره من المعاني، كالتوبيخ والتحقيق، والتذكير، ينجر مع التقرير. مسألة ذهب قوم إلى أن حذف همزة الاستفهام، لأمن اللبس، من ضرورات الشعر، ولو كانت قبل أم المتصلة. وهو ظاهر كلام سيبويه. وذهب الأخفش إلى جواز حذفها في الاختيار، وإن لم يكن بعدها أم. وجعل من ذلك قوله تعالى " وتلك نعمة تمنها علي، أن عبدت بني إسرائيل ". قال ابن مالك: وأقوى الاحتجاج،

стр. 17

على ما ذهب إليه، قول رسول الله ﷺ لجبريل: وإن زنى، وإن سرق؟. فقال: وإن زنى وإن سرق. أراد: أو إن زنى وإن سرق؟ والمختار أن حذفها مطرد إذا كان بعدها أم المتصلة، لكثرته نظماً ونثراً. فمن النظم قول الشاعر: لعمرك، ما أدري، وإن كنت دارياً: ... بسبع، رمين الجمر، أم بثماني؟ وأبيات أخر، لا حاجة إلى التطويل بإنشادها. ومن النثر قراءة ابن محيصن " سواء عليهم أنذرتهم أم لم تنذرهم " بهمزة واحدة. وأما همزة النداء فهي حرف مختص بالاسم، كسائر أحرف النداء، ولا ينادى بها إلا القريب مسافة وحكماً، كقول أمرىء القيس: أفاطم، مهلاً، بعض هذا التدلل

стр. 18

وجعل بعضهم من ذلك قراءة الحرمين " أمن هو قانت "، بتخفيف الميم. وتحتمل أن تكون همزة الاستفهام دخلت على من، ومن مبتدأ وخبره محذوف، تقديره، أمن هو قانت كغيره؟ حذف، لدلالة الكلام عليه. والله أعلم. الباء حرف مختص بالاسم، ملازم لعمل الجر. وهي ضربان زائدة، وغير زائدة. فأما غير الزائدة فقد ذكر النحويون لها ثلاثة عشر معنى: الأول: الإلصاق: وهو أصل معانيها. ولم يذكر لها سيببويه غيره. قال: إنما هي للإلصاق والاختلاط. ثم قال: فما اتسع من هذا، في الكلام، فهذا أصله. قيل: وهو معنى لا يفارقها. والإلصاق ضربان: حقيقي نحو: أمسكت الحبل بيدي. قال ابن جني: أي: ألصقتها به. ومجازي، نحو: مررت بزيد. قال

стр. 19

الزمخشري: المعنى: التصق مروري بموضع يقرب منه. قلت: وذكر ابن مالك أن الباء في نحو: مررت بزيد، بمعنى على، بدليل " وإنكم لتمرون عليهم ". وحكاه عن الأخفش. الثاني: التعدية: وباء التعدية هي القائمة مقام الهمزة، في إيصال معنى اللازم إلى المفعول به. نحو " ذهب الله بنورهم "، و " لذهب بسمعهم ". وقد وردت مع المتعدي في قولهم: صككت الحجر بالحجر، ودفعت بعض الناس ببعض. فلذلك قيل: الصواب قول بعضهم: هي الداخلة على الفاعل، فتصيره مفعولاً. ليشمل المتعدي واللازم. فإن قيل: هذه العبارة أيضاً لا تشمل المثالين، لأن الباء فيهما هي الداخلة على ما كان مفعولاً. إذ الأصل: صك الحجر الحجر، ودفع بعض الناس بعضاً! قلت: ليس كذلك، بل هي شاملة لهما. والباء فيهما داخلة على ما كان فاعلاً، لا مفعولاً، والأصل: صك الحجر الحجر، ودفع بعض الناس بعض. بتقديم المفعول، لأن المعنى أن المتكلم صير البعض، الذي دخلت عليه الباء، دافعاً للبعض المجرد منها.

стр. 20

ومذهب الجمهور أن باء التعدية بمعنى همزة التعدية، لا تقتضي مشاركة الفاعل للمفعول. وذهب المبرد والسهيلي إلى أن باء التعدية، تقتضي مصاحبة الفاعل للمفعول في الفعل، بخلاف الهمزة. قال السهيلي: إذا قلت: قعدت به، فلا بد من مشاركة، ولو باليد. ورد عليهما بقوله تعالى " ذهب الله بنورهم "، لأن الله، تعالى، لا يوصف بالذهاب مع النور. وأجيب بأنه يجوز أن يكون، تعالى، وصف نفسه بالذهاب، على معنى: يليق به، كما وصف نفسه بالمجيء، في قوله " وجاء ربك ". وهذا ظاهر البعد. ويؤيد أن باء التعدية بمعنى الهمزة قراءة اليماني " أذهب الله نورهم ". الثالث: الاستعانة: وباء الاستعانة هي الداخلة على آلة الفعل. نحو: كتبت بالقلم، وضربت بالسيف. ومنه في أشهر الوجهين " بسم الله الرحمن الرحيم ". ولم يذكر في التسهيل باء الاستعانة، وأدرجها في باء

стр. 21

السبيبة، وقال في شرحه: باء السببية هي الداخلة على صالح للاستغناء به عن فاعل معداها مجازاً. نحو " فأخرج به من الثمرات "، فلو قصد إسناد الإخراج إلى الهاء لحسن، ولكنه مجاز. قال: ومنه: كتبت بالقلم، وقطعت بالسكين. فإنه يقال: كتب القلم، وقطعت السكين. والنحويون يعبرون عن هذه الباء بالاستعانة. وآثرت على ذلك التعبير بالسببية، من أجل الأفعال المنسوبة إلى الله، تعالى. فإن استعمال السببية فيها يجوز، واستعمال الاستعانة لا يجوز. الرابع: التعليل: قال ابن مالك: هي التي تصلح غالباً في موضعها اللام. كقوله تعالى " إنكم ظلمتم أنفسكم، باتخاذكم العجل "، " فبظلم، من الذين هادوا، حرمنا "، " فكلا أخذنا بذنبه ". واحتزر بقوله غالباً من قول العرب: غضبت لفلان، إذا غضبت من أجله وهو حي. وغضبت به، إذا غضبت من أجله وهو ميت. ولم يذكر الأكثرون باء التعليل، استغناء بباء السببية، لأن

стр. 22

التعليل والسبب عندهم واحد. ولذلك مثلوا باء السببية بهذه المثل التي مثل بها ابن مالك للتعليل. الخامس: المصاحبة: ولها علامتان: إحداهما أن يحسن في موضعها مع. والأخرى أن يغني عنها وعن مصحوبها الحال، كقوله تعالى " قد جاءكم الرسول بالحق " أي: مع الحق، أو محقاً. و " يا نوح اهبط بسلام " أي: مع سلام، أو مسلماً عليك. ولصلاحية وقوع الحال موقعها، سماها كثير من النحويين باء الحال. السادس: الظرفية: وعلامتها أن يحسن في موضعها في. نحو " ولقد نصركم الله ببدر "، " وإنكم لتمرون عليهم مصبحين، وبالليل ". وهي كثيرة في الكلام. السابع: البدل: وعلامتها أن يحسن في موضعها بدل. كقول الحماسي: فليت لي، بهم قوماً، إذا ركبوا ... شنوا الإغارة، فرساناً، وركبانإ

стр. 23

وفي الحديث ما يسرني بها حمر النعم أي: بدلها. الثامن: المقابلة: قال ابن مالك: هي الباء الداخلة على الأثمان والأعواض. نحو: اشتريت الفرس بألف، وكافأت الإحسان بضعف. وقد تسمى باء العوض. ولم يذكر أكثرهم هذين المعنيين، أعني: البدل والمقابلة. وقال بعض النحويين: زاد بعض المتأخرين في معاني الباء أنها تجيء للبدل والعوض، نحو: هذا بذاك، أي: هذا بدل من ذلك وعوض منه. قال: والصحيح أن معناها السبب؛ ألا ترى أن التقدير: هذا مستحق بذاك، أي بسببه. التاسع: المجاوزة: وعبر بعضهم عن هذا بموافقة عن. وذلك كثير بعد السؤال. نحو " فاسأل به خبيراً "، و " سأل سائل بعذاب واقع ". وقال علقمة: فإن تسألوني، بالنساء، فإنني ... خبير، بأدواء النساء، طبيب

стр. 24

وقليل بعد غيره، نحو " ويوم تشقق السماء بالغمام " أي: وعن أيمانهم. كذا قال الأخفش. قلت: أما كونها بمعنى عن بعد السؤال فهو منقول عن الكوفيين، وتأوله الشلوبين على أن الباء في ذلك سببية، أي: فاسأل بسببه. وقال بعضهم: هو من باب التضمين، أي: فاعتن به، أو فاهتم به. العاشر: الاستعلاء: وعبر بعضهم عنه بموافقة على. وذكروا لذلك أمثلة منها قوله تعالى " ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار " أي: على قنطار، كما قال " هل آمنكم عليه ". ومنها " وإذا مروا بهم " أي: عليهم، كما قال " وإنكم لتمرون عليهم ". ومنه قول الشاعر:

стр. 25

أرب يبول الثعلبان برأسه ... لقد هان من بالت، عليه، الثعالب الحادي عشر: التبعيض: وعبر بعضهم عن هذا بموافقة من، يعني التبعيضية، وفي هذا المعنى خلاف، وممن ذكره الأصمعي، والفارسي في التذكرة. ونقل عن الكوفيين، وقال به القتبي وابن مالك. واستدلوا على ذلك بقوله تعالى " يشرب بها عباد الله " أي: منها. وقول الشاعر: شربن بماء البحر، ثم ترفعت ... متى لجج، خضر، لهن نئيج وبقول الآخر:

стр. 26

فلثمت فاها، آخذاً بقرونها ... شرب النزيف، ببرد ماء الحشرج وجعل قوم من ذلك الباء في قوله تعالى " وامسحوا برؤوسكم. وجعلها قوم زائدة. وجعلها قوم للإلصاق على الأصل. وقال بعضهم: إنها باء الاستعانة، فإن مسح يتعدى إلى مفعول بنفسه، وهو المزال عنه، وإلى آخر بحرف الجر، وهو المزيل. فيكون تقدير الآية: فامسحوا أيديكم برؤوسكم. ولم ترد باء التبعيض عند مثبتيها إلا مع الفعل المتعدي. وقد أنكر قوم، منهم ابن جني، ورود باء التبعيض، وتأولوا ما استدل به مثبتو ذلك، على التضمين. قال ابن مالك: والأجود تضمين شربن معنى: روين. وجعل الزمخشري الباء في الآية كالباء في: شربت الماء بالعسل. والمعنى: يشرب بها عباد الله الخمر. واعترض بعضهم كلام ابن جني، وقال: شهادة على النفي، وهي

стр. 27

غير مقبولة. وأجيب بأن الشهادة على النفي ثلاثة أقسام: معلومة نحو: إن العرب لم تنصب الفاعل. وظنية عن استقراء صحيح نحو: ليس في كلام العرب اسم متمكن، آخره واو لازمة، قبلها ضمة. وشائعة غير منحصرة نحو: لم يطلق زيد امرأته، من غير دليل، فهذا هو المردود. وكلام ابن جني من الثاني، لأنه شديد الاطلاع على لسان العرب. الثاني عشر: القسم: نحو: بالله لأفعلن. وهي أصل حروف القسم، ولذلك فضلت سائر حروفه بثلاثة أمور، أحدها أنها لا يجب حذف الفعل معها، بل يجوز إظهاره. نحو: أقسم بالله. والثاني أنها تدخل على المضمر. نحو: بك لأفعلن. والثالث أنها تستعمل في الطلب وغيره، بخلاف سائر حروفه. فإن الفعل معها لا يظهر، ولا تجر المضمر، ولا تستعمل في الطلب. وزاد بعضهم رابعاً، وهو أن الباء تكون جارة في القسم وغيره، بخلاف واو القسم وتائه، فإنهما لا تجران إلا في القسم. قلت: ويشاركها في هذا بعض حروف القسم كاللام. الثالث عشر: أن تكون بمعنى إلى نحو قوله تعالى " وقد أحسن بي " أي: إلي. وأول على تضمين أحسن معنى: لطف.

стр. 28

تنبيه رد كثير، من المحققين، سائر معاني الباء إلى معنى الإلصاق، كما ذكر سيبوبه. وجعلوه معنى لا يفارقها، وقد ينجر معه معان أخر. واستبعد بعضهم ذلك، وقال: الصحيح التنويع. وما تقدم من نيابة الباء عن غيرها من حروف الجر هو جار على مذهب الكوفيين، ومن وافقهم، في أن حروف الجر قد ينوب بعضها عن بعض. ومذهب البصريين إبقاء الحرف على موضوعه الأول، إما بتأويل يقبله اللفظ، أو تضمين الفعل معنى فعل آخر، يتعدى بذلك الحرف. وما لا يمكن فيه ذلك فهو من وضع أحد الحرفين موضع الآخر على سبيل الشذوذ. وذكر صاحب رصف المباني في معاني الباء ثلاثة معان، لا تحقيق في ذكرها. وهي: السؤال نحو " سأل سائل بعذاب واقع ". والتعجب نحو: أحسن بزيد. قال: ولا يصح أن

стр. 29

تكون هذه الباء زائدة، لئلا يفسد معناها، ويخرج الكلام عن التعجب. والتشبيه نحو: لقيت به الأسد، وواجهت به الهلال. قلت: أما الباء التي بعد السؤال فهي بمعنى عن عند قوم، وللسببية عند آخرين، كما تقدم. والسؤال مستفاد من الفعل، لا منها. وأما باء التعجب ففيها مذهبان: أشهرهما أنها زائدة، وهذا مذهب أكثر النحويين. ثم اختلف هؤلاء، فذهب سيبويه، وجمهور البصريين، إلى أنها زائدة مع الفاعل، مثلها في " كفى بالله شهيداً ". وذهب الفراء والزجاج، ومن قال بقولهما، إلى أنها زائدة مع المفعول، وجعلوا فاعل أحسن ضمير المخاطب. وكذلك قال ابن كيسان، لكنه جعل الفاعل ضمير الحسن، كأنه قال: أحسن يا حسن بزيد، أي: دم به. والمذهب الثاني أنها للتعدية، وليست بزائدة، والهمزة في أحسن للصيرورة، وهو أمر للسبب،

стр. 30

أو للشخص، على ما تقدم من القولين. وأجاز الزمخشري في مفصله أن تكون للتعدية. وليس هذا موضع بسط الكلام على هذه المسألة. وقد بسطته في غيره. وأما الباء في: لقيت به الأسد، وواجهت به الهلال، فهي عند التحقيق باء السببية، والمعنى: لقيت بسبب لقيه الأسد، وواجهت بسبب مواجهته الهلال. وهي كالباء في قولهم: لئن سألت فلاناً لتسألن به البحر. وهذا من باب التجريج. وهو أن ينتزع من أمر ذي صفة آخر، مثله فيها، مبالغة في كمالها فيه. وهو من أبواب علم البديع. وأما الباء الزائدة فتكون في ستة مواضع: الأول: الفاعل. وزيادتها معه ثلاثة أضرب: لازمة، وجائزة في الاختيار، وواردة في الاضطرار. فاللازمة في فاعل أفعل في التعجب، على مذهب سيبويه وجمهور البصريين. وهي لازمة أيضاً على مذهب من جعلها زائدة مع

стр. 31

المفعول. ولا يجوز حذفها على المذهبين إلا مع أن وأن، كقول الشاعر: وقال نبي المسلمين: تقدموا ... وأحبب إلينا أن نكون المقدما وفي كلام علي بن أبي طالب، ﵁ أعزز علي، أبا اليقظان، أن أراك صريعاً مجدلاً، خلافاً لصاحب النهاية في قوله: إن حذف الباء من: أن، وأن، في التعجب لا يجوز. قال ابن مالك: ولو اضطر شاعر إلى حذف الباء المصاحبة غير أن لزمه أن يرفع، وعلى قول الفراء يلزمه النصب. والجائزة في الاختيار في فاعل كفى بمعنى: حسب. نحو " كفى بالله شهيداً "، قال أبو جعفر بن الزبير: فإن كان بمعنى وقى لم تزد في فاعله، نحو " وكفى الله المؤمنين القتال ". وأجاز ابن السراج في " كفى بالله " وجهاً آخر، وهو

стр. 32

أن يكون فاعله ضمير المصدر المفهوم من كفى أي: كفى هو، أي: الأكتفاء. ورد بأن الباء على هذا ليس لها في اللفظ ما تتعلق به إلا الضمير، والمصدر لا يعمل مضمراً. قلت: وقد ذهب بعضهم إلى جوار إعماله مضمراً، وهو مذهب الكوفيين. وأجاز ابن جني والرماني أن يعمل في المجرور. وحكي عن الفارسي. والواردة في الاضطرار في أبيات محفوظة، منها قول الشاعر: ألم يأتيك، والأنباء تنمي، ... بما لاقت لبون، بني زياد وقول الآخر: ألا، هل أتاها، والحوادث جمة، ... بأن امرأ القيس بن تملك بيقرا

стр. 33

وقول الآخر: مهما لي: الليلة، مهما ليه ... أودى بنعلي، وسرباليه وفي بعض هذه الأبيات احتمال. الثاني: المفعول، وزيادتها معه غير مقيسة، مع كثرتها. نحو: " ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة "، " وهزي إليك بجذع النخلة "، و " فليمدد بسبب "، " ومن يرد فيه بإلحاد ". قال ابن مالك: وكثرت زيادتها في مفعول عرف وشبهه، وقلت زيادتها في مفعول ذي مفعولين، كقول حسان: تبلت فؤادك، في المنام، خريدة ... تسقي الضجيع، ببارد، بسام

стр. 34

ومن شواهد زيادتها مع المفعول قول الشاعر: نحن، بني ضبة، أصحاب الفلج ... نضرب بالسيف، ونرجو بالفرج أي: نرجو الفرج. وأبيات أخر، لا فائدة في التطويل بإنشادها، لشهرتها في كتب النحو. وفي بعضها احتمال. والمختار أن ما أمكن تخريجه، على غير الزيادة، لا يحكم عليه بالزيادة، وتخريج كثير من هذه الشواهد ممكن، على التضمين، أو حذف المفعول. وقد خرج عليهما قوله تعالى " ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة " فقيل: لا تلقوا مضمن معنى: لا تفضوا. وقيل: حذف المفعول والباء للسببية، أي: لا تلقوا أنفسكم بسبب أيديكم، كما تقول: لا تفسد حالك برأيك. قاله المبرد. واختلف في زيادتها في مفعول كفى في قوله: فكفى بنا، فضلاً على من غيرنا ... حب النبي، محمد، إيانا

стр. 35

فقيل: هي في البيت زائدة مع المفعول. ورده ابن أبي العافية، وقال: هي داخلة على فاعل كفى، وحب النبي بدل اشتمال من الضمير على الموضع. وعلى هذا حمل بعضهم قول أبي الطيب: كفى بجسمي، نحولاً، أنني رجل ... لولا مخاطبتي إياك لم ترني الثالث: المبتدأ، نحو بحسبك زيد. بهذا مثل الزمخشري وغيره. ومثله ابن مالك بقوله: بحسبك حديث. وقال في بحسبك زيد: الأجود أن يكون زيد مبتدأ، وبحسبك خبر مقدم. فإن حسباً من الأسماء التي لا تعرفها الإضافة. قال ابن يعيش: ولا نعلم مبتدأ دخل عليه حرف الجر في الإيجاب غير هذا الحرف. قلت: جعل بعض المتأخرين الباء في قولهم: كيف بك، وكيف بنا، زائدة مع المبتدأ، والأصل: كيف أنت، وكيف نحن. الرابع: الخبر. وزيادتها في الخبر ضربان: مقيسة، وغير مقيسة. فالمقيسة في خبر ليس وما أختها نحو " أليس الله بكاف

стр. 36

عبده "، " وما ربك بظلام للعبيد ". وفي زيادتها بعد ما التميمية خلاف. منع الفارسي والزمخشري. والصحيح الجواز، لسماعه في أشعار بني تميم. وقد وردت زيادتها في خبر لا أخت ليس، كقول سواد بن قارب: وكن لي شفيعاً، يوم لا ذو شفاعة ... بمغن فتيلاً، عن سواد بن قارب وفي خبر فعل ناسخ منفي، كقول الشاعر: وإن مدت الأيدي إلى الزاد لم أكن ... بأعجلهم، إذ أجشع القوم أعجل وظاهر كلام بعضهم أن هذا يجوز القياس عليه. وغير المقيسة في مواضع كثيرة. كزيادتها بعد هل في قوله:

стр. 37

ألا، هل أخو عيش، لذيذ، بدائم وندرت زيادتها في الخبر الموجب، كقول الشاعر: فلا تطمع، أبيت اللعن، فيها ... ومنعكها بشيء يستطاع وفيه احتمال. وقال الأخفش: إن الباء زائدة في قوله تعالى " جزاء سيئة بمثلها ". والأولى أن يكون الجار والمجرور خبراً، والباء متعلقة بالاستقرار. الخامس: النفس والعين في باب التوكيد. يقال: جاء زيد بنفسه، وبعينه. والأصل: جاء زيد نفسه وعينه. السادس: الحال المنفية، لأنها شبيهة بالخبر. ذكر هذا ابن مالك، واستدل بقول الشاعر: فما رجعت، بخائبة، ركاب ... حكيم بن المسيب منتهاها وقول الآخر:

стр. 38

كائن دعيت إلى بأساء، داهمة ... فما انبعثت بمزؤود، ولا وكل واعترض بأنه لا حجة في البيتين، لجواز كون الباء فيهما باء الحال، والمعنى: فما رجعت خائبة، وفما انبعثت بشخص مزؤود. يعني بذلك نفسه، ويكون من باب التجريد. فهذا تمام الكلام على باء الجر. وقد كنت نظمت معانيها في هذين البيتين: بالباء ألصق، واستعن، أو عد، أو ... أقسم، وبعض، أو فزد، أو علل وأتت بمعنى مع، وفي، وعلى، وعن ... وبها فعوض، إن تشا، أو أبدل التاء حرف يكون عاملاً، وغير عامل. وأقسامه ثلاثة: تاء القسم، وتاء التأنيث، وتاء الخطاب. وما سوى هذه الأقسام فليس من حروف المعاني، كتاء المضارعة.

стр. 39

فأما تاء القسم: فهي من حروف الجر، ولا تدخل إلا على اسم الله نحو " تالله تفتأ تذكر يوسف ". وحكى الأخفش دخولها على الرب؛ قالوا: ترب الكعبة. وخص بعضهم دخولها على الرب، بأن يضاف إلى الكعبة. وليس كذلك، لأنه قد جاء عنهم: تربي. وحكى بعضهم أنهم قالوا: الرحمن، وتحياتك. وذلك شاذ. وهذه التاء فرع، أو القسم، لأن الواو تدخل على كل ظاهر، مقسم به. والواو فرع الباء، لأن الباء فضلت بأربعة أوجه، تقدم ذكرها. وقولهم: إن التاء بدل من الواو، والواو بدل من الباء، استضعفه بعضهم. قال: ولا يقوم دليل على صحته. وأما تاء التأنيث: فهي حرف يلحق الفعل، دلالة على تأنيث فاعله، لزوماً في مواضع، وجوازاً في مواضع، على تفصيل مذكور في كتب النحو. ولا تلحق إلا الماضي، وتتصل به متصرفاً، وغير متصرف، ما لم يلزم تذكير فاعله، ك أفعل في التعجب، وخلا، وعدا، وحاشا في الاستثناء. وحكم هذه التاء السكون، ولذلك لما عرض تحريكها، في نحو: رمتا، لأجل الضمير، لم ترد الألف التي هي

стр. 40

بدل اللام، إلا في لغة رديئة، يقول أهلها: رماتا. قال بعض النحويين: وقد لحقت تاء التأنيث ثلاثة أحرف وهي: ربت، وثمت، ولات. قلت: ولها رابع، وهو لعلت. وأما تاء التأنيث التي تلحق الاسم فلا تعد من حروف المعاني. ومذهب البصريين فيها أنها تاء في الأصل، والهاء في الوقف بدل التاء، ومذهب الكوفيين عكس ذلك. وأما تاء الخطاب، فهي التاء اللاحقة للضمير المرفوع المنفصل، نحو: أنت وأنت. فالتاء في ذلك حرف خطاب وأن هو الضمير. هذا مذهب الجمهور. وعلى هذا لو سميت ب أنت حكيته، لأنه مركب من حرف واسم. وذهب الفراء إلى أن المجموع هو الضمير. وذهب ابن كيسان إلى أن التاء هي الاسم، وهي التي في فعلت، لكنها كثرت ب أن. والله أعلم.
следующие страницы →