← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 260

إرشاد الفقيه إلى معرفة أدلة التنبيه

ابن كثير

Полный текст (779 стр.). Показаны 751–790 · переход к 756.

стр. 751

٧ - بابُ (١): أدب السّلطان قالَ اللهُ: " وعَدَ اللهُ الذينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وعمِلُوا الصّالِحاتِ ليَسْتخْلِفنَّهُمْ في الأرضِ كمَا اسْتَخْلفَ الّذينَ مِنْ قَبْلهِمْ وليُمَكِّنَنَّ لهُمْ دينَهُمْ الّذي ارْتضَى لهُمْ. . الآية ". عن أبي هريرةَ عن النبيِّ ﷺ ، قالَ: " كانتْ بَنوا إسرائيلَ تسوسُهمُ الأنبياءُ، كلّما هلَكَ نبيٌّ خَلفَهُ نبيٌّ، وإنّهُ لا نبيَّ بعْدي، وسيكونُ خُلفاءَ، فيكثرونَ، قالوا: فما تأمرُنا؟، قال: فُوا ببيعةِ الأوّلِ فالأوّلِ، وأعطوهم حقَّهمْ، فإنّ اللهَ سائلُهُمْ عمّا اسْترعاهُمْ " (٢)، أخرجاهُ. قد عُلمَ أنَّ أبا بكر الصِّديقَ لما حضرتهُ الوفاةُ، فوَّضَ الخلافةَ إلى عمرَ بنِ الخطابِ ﵁، وإنَّ عمرَ لمّا طُعِنَ، قالَ لهُ أصحابُه: ألا تستخلفُ؟، فقالَ: إنْ أستخلِفْ، فقدْ استخلَفَ من هو خيرٌ منّي، يعني - أبا بكرٍ، وإنْ أتركْ، فقد تركَ من هو خيرٌ منّي - يعني - رسول اللهِ ﷺ ، فجعلَ الأمرَ شورى في بقيّةِ العَشرةِ، واستثنى منهم نَسيبهُ سعيدَ بنَ زيدٍ العَدَويِّ، ثمَّ وقعَ اجتهادُ الصّحابةِ قاطبةً بعدَهُ على تعيينِ عثمانَ بنِ عفَّانَ ﵁، وهذا كلّهُ مبسوطٌ في الصِّحاحِ وغيرِها من كتبِ الإسلامِ. فيُؤخذُ منهُ أنّ الإمامةَ تثْبتُ بتوليةِ الإمامِ قبلَهُ، أو بإجماعِ جماعةٍ من أهلِ الاجتهادِ على توْليتهِ، كما ذكرَهُ المصنّفُ ﵀. ويُؤيِّدُهُ أيضاً، ما رواهُ الإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ من حديثِ عُقْبةَ (٣) بن عامرٍ رضيَ

стр. 752

اللهُ عنهُ: " أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ بعثهمْ في سَريّةٍ، فذكرَ حديثاً، وفيهِ: " فلو رأيتَ ما لامَنا رسولُ اللهِ ﷺ حينَ رجَعْنا، وقالَ: أعجِزْتُم إذْ بعثتُ رجلاً فلمْ يَمضِ لأمري أن تجعلوا مكانَهُ مَنْ يَمْضي لأمري " (٤)، وإسنادُهُ قويٌّ. ولا يجوزُ عقدُها لاثنين معاً، لأنَّ الأنصارَ لما قالوا يومَ السَّقيفةِ: " مِنّا أميرٌ، ومنكم أمير "، أنكرَ ذلكَ الصّديقُ، وقال: بلْ بايعوا أحدَ هذين الرّجلين: يعني: أبا عُبيْدَةَ، عمرَ بنَ الخطابِ ﵄. وقالَ عبدُ اللهِ بنُ عمرَ (٥) عن رسولِ اللهِ ﷺ في حديثٍ: " ومن بايعَ إماماً، فأعطاهُ صَفْقةَ يدِهِ وثمرةَ قلبه، فلْيُطعْهُ إن استطاعَ، فإنْ جاءَ آخرُ يُنازعُهُ، فاضربوا عُنُقَ الآخرِ " (٦)، رواهُ مسلمٌ. عن أبي بَكْرةَ، قالَ: " لما بلغَ رسولَ اللهِ ﷺ : أنّ أهلَ فارسَ مَلّكوا عليْهم بنتَ كِسْرَى، قالَ: لنْ يُفلحَ قومٌ وَلّوا أمرَهُمْ امرأةً " (٧)، رواهُ البخاريُّ. عن أبي هريرةَ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " تعوَّذوا باللهِ من رأسِ السّبعين (٨)، ومن إمارةِ الصّبيانِ " (٩)، رواهُ الإمامُ أحمدُ. وينبغي أن يكونَ عالماً بالأحكامِ، لقولِهِ ﵇ فيما سيأتي " ورجلٍ حكمَ بينَ الناسِ على جهلٍ، فهو في النّارِ "، وأن يكونَ من قريشٍ، لما رواهُ ابنُ عمرَ، قالَ:

стр. 753

قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " لا يزالُ هذا الأمرُ في قريشٍ ما بقيَ في الناسِ اثنان " (١٠)، أخرجاهُ. وعن أنسٍ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " الأئمّةُ من قُرَيْشٍ " (١١)، رواهُ النسائيُّ. عن عُقْبةَ بنِ مالكٍ (١٢)، قالَ: " بعثَ رسولُ اللهِ ﷺ سَريّة فسلَّحتُ رجلاً منهم سيفاً، فلما رجعَ قالَ: " لو رأيتَ ما لامَنا رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِوَسَلّمَ، قالَ: أعجِزْتُم إذْ بعثتُ رجلاً فلمْ يَمضِ لأمري أن تجعلوا مكانَهُ مَنْ يَمْضي لأمري " (١٣)، رواهُ أحمدُ، وأبو داودَ. فيُؤخذُ منهُ، أنَّ الأميرَ الذي على الناسِ ينعزلُ إذا اختلَّتْ فيهِ بعضُ الشروطِ. واللهُ أعلمُ. عن عائشةَ ﵂، قالتْ: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: " اللهُمَّ مَنْ وليَ من أمرِ أُمَّتي شيئاً فشقَّ عليهمْ، فاشْقُقْ عليهِ، ومَنْ وليَ من أمرِ أُمّتي شيئاً فرفقَ بهم، فارفقْ بهِ " (١٤)، رواهُ مسلمٌ. عن أبي ذرٍّ: أنّ رسولَ اللهِ ﷺ ، قالَ: " يا أبا ذرٍّ، إنّي أراكَ ضعيفاً، وإنّي أحبُّ لكَ ما أُحبُّ لنفسي، لا تأمرنَّ على اثنين، ولا توليَنَّ مالَ يتيمٍ " (١٥)، رواهُ مسلمٌ. وفي لفظٍ: " قلتُ: يا رسولَ اللهِ، ألا تستعملُني، فضربَ بيدِهِ على مَنْكبي، ثمَّ قالَ: يا أبا ذَرٍّ، إنّكَ ضعيفٌ، وإنّها أمانةٌ، وإنّها يومَ القيامةِ خِزْيٌ وندامةٌ، إلا مَن

стр. 754

أخذ (١٦) بحقِّها، وأدّى الذي عليهِ فيها " (١٧). عن أبي مريمَ الأزْديِّ، واسمُهُ عَمْرو بنُ مرّةَ، فيما ذكرَهُ الترمذيُّ، قالَ: " دخلتُ على معاويةَ، فقالَ: ما أنعَمنا بكَ أبا فلانٍ، وهي كلمةٌ تقولُها العربُ، فقلتُ: حديثٌ سمعتُهُ، أُخبرُكَ بهِ، سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: " من ولاّهُ اللهُ شيئاً مِن أمرِ المسلمين، فاحتجبَ دونَ حاجتهمْ وخَلَّتِهمْ، وفقْرِهمْ، احتجبَ اللهُ دونَ حاجتِهِ وخَلّتِهِ وفقْرِهِ، قالَ: فجعلَ رجلاً على حَوائجِ النّاسِ " (١٨)، رواهُ الإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، وهذا لفظُهُ، والترمذيُّ، وقال: غريبٌ، وقد رُويَ من غيرِ هذا الوجهِ، وفي البابِ عن ابنِ عمرَ. عن أنسٍ: " أنّ قيسَ بنَ سعْدٍ - هو - ابنُ عُبادةَ، كان يكونُ بينَ يدي رسولِ اللهِ ﷺ بمنزلةِ صاحبِ الشُّرَطِ من الأميرِ " (١٩)، رواهُ البخاريُّ. قالَ اللهُ تعالى: " وشَاوِرْهُمْ في الأمرِ ". قالَ الشافعيُّ: أخبرنا سفيانُ بنُ عُيَيْنةَ عن الزُّهريِّ، قالَ: قالَ أبو هريرةَ: " ما رأيتُ أحداً قطُّ، كانَ أكثرَ مشورةً لأصحابهِ مِن رسولِ اللهِ ﷺ " (٢٠)، فيه: انقطاعٌ. وقد رواهُ الإمامُ أحمدُ، أيضاً. عن ابنِ عمرَ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " كلّكُم راعٍ ومسؤولٌ عن رعيتِهِ، فالإمامُ الذي على الناسِ راعٍ، ومسؤولٌ عن رعيّتِهِ،. . الحديث " (٢١)، أخرجاهُ. عن مَعْقلِ بنِ يَسارٍ، قالَ: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: " ما مِنْ أميرٍ يَلي أُمورَ المسلمين، ثمّ لا يُجهدُ لهم وينصحُ، إلاّ لم يَدخلْ معهم الجنّة " (٢٢)، رواهُ مسلمٌ.

стр. 755

فهذان الحديثان يقتضيان (٢٣) تعيّنَ النَّظرِ في مصالحِ الرعيّةِ خاصِّها وعامِّها، كما ذكرهُ المصنّفُ وغيرُهُ. عن عائشةَ، ﵂، قالتْ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " إذا أرادَ اللهُ بالأمير خيراً، جعلَ لهُ وزيرَ صدقٍ، إنْ نسيَ ذكَّرهُ، وإنْ ذكرَ أعانَهُ، وإذا أرادَ اللهُ بهِ غيرَ ذلكَ، جعلَ لهُ وزيرَ سوءٍ، إنْ نَسِيَ لمْ يُذكِّرهُ، وإنْ ذكرَ لمْ يُعِنْهُ " (٢٤)، رواهُ أبو داودَ، وللنسائيِّ: نحوهُ، واللهُ أعلمُ.

стр. 756

١١ - كتابُ الأقضيةِ ١ - بابُ: ولايةِ القضاءِ، وأدبِ القاضي عن عبدِ اللهِ بنِ عمْرو، أنّ رسولَ اللهِ ﷺ ، قالَ: " لا يَحلُّ لثلاثةٍ يكونون بفلاةٍ من الأرضِ، إلا أمَّروا عليهمْ أحدَهمْ " (١)، رواهُ الإمامُ أحمدُ. وعن أبي سعيدٍ: أنّ رسولَ اللهِ ﷺ ، قالَ: " إذا خرجَ ثلاثةٌ في سفرٍ، فلْيؤمِّروا أحدَهم " (٢)، رواهُ أبو داودَ، ولهُ عن أبي (٣) هريرةَ مثلُهُ. فيُؤخذ من ذلكَ وجوبُ ولايةِ القضاءِ بطريقِ الأولى. عن أبي موسى، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " لنْ نستعمل على عَملِنا، مَنْ أرادهُ " (٤)، أخرجاهُ. عن عبدِ الرّحمن بنِ سَمُرَةَ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " يا عبدَ الرّحمن بنَ سَمُرَةَ، لا تسألِ الإمارَة، فإنّكَ إنْ أُعطيتَها عن غيرِ مسألةٍ، أُعِنْتَ عليها، وإنْ أُعْطيتَها عن مسألةٍ، وُكلْتَ إليها " (٥)، أخرجاهُ. عن أبي هريرةَ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " إنكمْ ستحرصونَ على الإمارةِ، وستكونُ ندامةً يومَ القيامةِ، فنعْمتِ المُرضعةُ، وَبئستِ الفاطمةُ " (٦)، رواهُ البخاريُّ.

стр. 757

وعنهُ عن النبيِّ ﷺ ، قالَ: " من طلبَ قضاءَ المسلمين حتّى ينالَهُ، ثمَّ غلبَ عدلُهُ جَوْرهُ، فلهُ الجنّةُ، ومن غلبَ جورُهُ عدلَهُ، فلهُ النّارُ " (٧)، رواهُ أبو داودَ بإسنادٍ حسَنٍ. وفيهِ دلالةٌ على جوازِ السّعي في ولايةِ القضاءِ، لكنَّ الأولى أن لا يَتعاطى ذلكَ لما تقدّمَ من الأحاديثِ. ولما وردَ من طريقٍ جيّدةٍ عن أبي هريرةَ: أنّ رسولَ اللهِ ﷺ ، قالَ: " من وَليَ القضاءَ، ذُبحَ بغيرِ سِكينٍ " (٨)، رواهُ أبو داودَ، والترمذيُّ، وابنُ ماجة. قد بعثَ رسولُ اللهِ ﷺ مُعاذَ بنَ جبلٍ، وأبا موسى الأشْعريِّ ﵄ حاكميْن إلى اليمنِ، وأردَفَهُما بعليِّ بن أبي طالبٍ حاكماً أيضاً، فدلَّ على أنهُ إذا دعتِ الحاجةُ إلى توليةِ قاضيينِ في البلدِ الواحدِ، جازَ. قالَ أبو داود: حدَّثنا الربيعُ بنُ نافعٍ عن يزيدَ يعني: ابنَ المِقْدام بن شُرَيْحٍ عن جدِّهِ شُريْحٍ عن أبيهِ هانئ: " أنهُ لما وفدَ إلى رسولِ اللهِ ﷺ معَ قومهِ، فسمعهمْ يُكنّونهُ بأبي الحكم، فدعاهُ رسولُ اللهِ ﷺ ، فقالَ: إنّ الله هو الحكمُ، وإليه الحكم، فلم تُكنَّ أبا الحكم؟، قالَ: إنّ قومي إذا اختلفوا في شيءٍ، أتوني فحكمتُ بينَهمْ، فرضيَ كلا الفريقين، فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ : ما أحسنَ هذا، فما لكَ من الولدِ؟، قالَ: لي شُريحٌ، ومسلمٌ، وعبدُ الله، قالَ: مَنْ أكبرُهُمْ؟، قالَ: قلتُ: شُريْحٌ، قالَ: فأنتَ أبو شُرَيْحٍ " (٩). فيهِ دلالةٌ على جوازِ التحكيم مُطلقاً، وهو الصّحيحُ من القولين، واللهُ أعلمُ. أمَّا شروطُ القاضي، فكالإمامِ سواء، وقد تقدَّمتِ الأدلّةُ هناكَ، ونذكرُ هنا حديثَ بُرَيدةَ بنِ الحصيبِ الأسْلميّ ﵁ عن النبيِّ ﷺ : أنهُ قالَ: " القضاةُ ثلاثةٌ، واحدٌ في الجنةِ، واثنان في النّارِ، فأمّا الذي في الجنةِ، فرجلٌ عرفَ الحقَّ وقضى بهِ، ورجلٌ عرفَ

стр. 758

الحقَّ فجارَ في الحكمِ، فهو في النّارِ، ورجلٌ حكمَ للناسِ على جهلٍ، فهو في النّارِ " (١٠)، رواهُ أبو داودَ، وهذا: لفظُهُ، والترمذيُّ، والنّسائيُّ، وابنُ ماجة، وإسنادُهُ جيّدٌ. تقدّمَ أنهُ ﵇، لمّا بعثَ عمرو بنَ حَزْمٍ إلى اليمنِ، كتبَ لهُ كتاباً، إلى ملوكهم، وكتبَ الصّدّيقُ لأنسٍ، لما وَلاّهُ البحرين كتاباً، فيهِ ما يدلُّ على ولايتهِ. فيؤخذُ منهُ: كتابةُ عهدِ القاضي، قالَ: ويُستحبُّ أن يدخلَ صبيحةَ يومِ الإثنين، وذلكَ لأنّ رسولَ اللهِ ﷺ دخلَ المدينة يومَ الأثنين حينَ اشتدَّ الضّحى إلى تعالي النّهارِ. عن صَخْرٍ الغامديِّ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " اللهُمَّ بارك لأمّتي في بكورِها " (١١)، رواهُ الإمامُ أحمدُ، وأهلُ السُّننِ. قالَ الترمذيُّ: حسنٌ، ولا نعرفُ لصَخْرٍ غيرَ هذا الحديثِ. قلتُ: فأمّا ما تفهمُهُ (١٢) العامةُ في هذا الحديثِ: " يومَ سبتِها وخميسِها "، فلا أصل لهُ. تقدّمَ حديثُ بُرَيْدةَ: أنهُ ﵇: كانَ إذا بعثَ أميراً وصّاهُ بتقوى اللهِ في خاصّةِ نفسِهِ، ومَنْ معهُ من المسلمين خيراً " (١٣)، فيُستَحبُّ للإمامِ إذا ولّى قاضياً أن يوصيهِ، بذلكَ اقتداءً برسولِ اللهِ ﷺ . قدْ كانَ لهُ ﵇ كتّابٌ منهمْ الأئمةُ الأربعةُ، أبو بكرٍ، وعمر، وعثمانُ، وعليٌّ، ومنهم معاويةُ، وزيدُ بنُ ثابتٍ، وغيرُ واحدٍ كما استقصاهم الحافظُ أبو القاسمِ ابنُ عساكر في أوّلِ تاريخهِ، وقدْ حرَّرتهمْ في كتابِ السّيرةِ، ولله الحمد.

стр. 759

قال تعالى: " يا أيّها الّذينَ آمَنُوا كونُوا قوَّامينَ بالقِسْطِ شُهداءَ للهِ "، وقالَ: " وتَعاوَنُوا على البِرِّ والتَّقْوى ولَا تَعاونُوا عَلى الإثمِ والعُدْوانِ ". عن ابنِ عمرَ عن النبيِّ ﷺ ، قالَ: " منْ خاصمَ في باطلٍ وهو يعلمُ، لمْ يزلْ في سخطِ اللهِ حتّى يَنزِعَ " (١٤). وفي لفظٍ: " مَن أعانَ على خصومةٍ بظلمٍ، فقدْ باءَ بغضبٍ من اللهِ " (١٥)، رواهُما أبو داودَ. هذا يخصُّ الوكلاءَ، وأعوانَ القاضي. عن أبي سعيدٍ عن النبيِّ ﷺ ، قالَ: " ما استُخلِفَ من خليفةٍ، إلا لهُ بطانتان، بطانةٌ تأمرُهُ بالخيرِ وتحضُّهُ عليه، وبطانةٌ تأمرُهُ بالشرِّ وتحضّهُ عليه، والمعصومُ مَنْ عَصمهُ الله " (١٦)، رواهُ البخاريُّ. وللنسائيِّ عن أبي هريرةَ مرفوعاً: " ما مِن والٍ إلا لهُ بطانتان. . الحديث " (١٧). فيُؤخذُ، أنهُ يتخذُ قوماً من أصحاب المسائلِ، ثقات أُمناءَ بُرآءَ من الشّحناءِ بينَهم وبينِ النّاسِ. عن عبد الله بنِ عمْرو، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " لعنةُ اللهِ على الرّاشي والمُرْتشي " (١٨)، رواهُ الإمامُ أحمدُ، وأهلُ السُّننِ، إلا النّسائي، وصحّحهُ الترمذيُّ، قالَ: وفي البابِ عن عائشةَ، وأُمِّ سَلمةَ، وابنِ حديدةَ. وعن عمرَ بنِ أبي سَلمةَ بنِ عبدِ الرّحمنِ بنِ عَوْفٍ عن أبيهِ عن أبي هريرةَ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " لعْنةُ اللهِ على الرّاشي والمُرْتشي في الحكمِ " (١٩)، رواهُ الإمامُ

стр. 760

أحمدُ، والترمذيُّ، وقالَ: رُويَ عن أبي سلمة عن عبدِ الله بنِ عَمْرو، وسمعتُ الدّارميَّ يقولُ: هو أحسنُ شيءٍ رُويَ في هذا البابِ، قالَ: ورُويَ عن أبي سلمةَ عن أبيهِ، ولا يصحُّ. وعن ثوبان، قالَ: " لعنَ رسولُ اللهِ ﷺ الراشيَ، والمرتشيَ، والرائشَ، يعني الذي بينهما " (٢٠)، رواهُ الإمامُ أحمدُ. وعن أبي حُمَيْدٍ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " هدايا العُمّال غُلولٌ " (٢١)، رواهُ الإمامُ أحمدُ، بهذا اللفظِ، وهو في الصّحيحين بمعناهُ. قالَ الشَّعبيُّ: " كان بينَ عمرَ، وأُبي خصومةٌ، قالَ عمرُ: اجعلْ بيني وبينَكَ رجلاً، فجعلا بينهما زيداً، يعني - ابن ثابتٍ، قالَ: فأتيناهُ، فقالَ عمرُ: أتيناكَ لتحكمَ بيننا، في بيتِهِ يُؤتى الحكَمُ " (٢٢)، رواهُ أبو القاسمِ البَغَويُّ عن عليِّ بنِ الجعْد عن شُعْبةَ عن سَيّارٍ عنهُ. ففيه: أنهُ إذا اتفقَ للإمامِ والقاضي حكومةٌ، أنهُ يحكمُ فيهِ بعضُ نوّابهِ. وكذا روينا عن علي: أنهُ تحاكمَ وهو رجلٌ من اليهودِ في دِرْعٍ لهُ إلى شُرَيْحٍ القاضي. عن بشر (٢٣) بن السَّعْديِّ المالكيِّ، قالَ: " استعملَني عمرُ إلى الصّدقةِ، فلما فرغتُ منها، وأدّيتها إليهمْ، أمرَ لي بعُمالةٍ، فقُلت: إنّما عملتُ للهِ، فقالَ: خذْ ما أُعطيتَ، فإني عملتُ على عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ فعَمَّلني فقلتُ مثلَ قولِكَ، فقالَ لي

стр. 761

رسولُ اللهِ ﷺ : إذا أُعطيتَ شيئاً من غيرِ أن تسألَ فكلْ وتصدَّقَ " (٢٤)، أخرجاهُ. ففيهِ: أنهُ يجوزُ تناولُ القضاءِ من بيتِ المالِ. قد عُلمَ من غيرِ ما حديثٍ: أنهُ ﵇ كانَ يعودُ المرضى، ويَشهدُ الجنائزَ، ويُجيبُ الدّعوةَ. عن أبي بَكْرةَ ﵁، قالَ: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: " لا يَقْضِي حاكمٌ بينَ اثنين وهو غَضبانُ " (٢٥)، أخرجاهُ. وجميعُ الأوصافِ الباقيةِ (٢٦) مقيسةٌ على الغضبِ بجامعِ شغلِ الذّهنِ، فإنْ حكمَ والحالة هذهِ، ووافقَ الحقَّ ينفذْ، لما رواهُ عبدُ اللهِ بن الزُّبيرِ عن أبيهِ: " أن رجلاً من الأنصارِ خاصمهُ عند رسولِ اللهِ ﷺ في شِراجِ الحرّةِ التي يَسقون بها النخلَ، فقالَ الأنصاريُّ: سرِّحِ الماءَ (٢٧) فأبى عليهِ، فاختصما إلى رسولِ اللهِ ﷺ ، فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ للزُّبيرِ: اسْقِ يا زُبَيْرُ، ثمَّ أرسلْهُ إلى جارِكَ، فغضبَ الأنصاريُّ، ثمَّ قالَ: يا رسولَ اللهِ، أنْ كانَ ابنَ عمّتكَ، قالَ: فتلوَّنَ وجهُ رسولِ اللهِ ﷺ ، ثمَّ قالَ للزُّبيرِ: اسْقِ يا زُبَيْرُ، ثم احبسِ الماءَ حتّى يرجعَ إلى الجَدْرِ، فقال الزبير: والله إني لأحسب هيه الآية نزلت في ذلك: " فَلا ورَبِّكَ لا يُؤمنونَ حَتّى يحكِّمُوكَ فِيمَا شَجرَ بَيْنَهُمْ " (٢٨)، أخرجاهُ. عن واثلةَ بنِ الأسقَعِ ﵁: أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ ، قالَ: " جَنِّبوا مساجدَكمْ صبيناكُمْ ومَجانينَكمْ، وشراءَكمْ وبيعَكُمْ، وخصوماتِكُمْ، ورفعَ أصواتِكُمْ، وإقامةَ

стр. 762

حدودِكمْ، وسَلَّ سيوفكُمْ، واتّخذوا على أبوابِها المطاهرَ، وجمّروها في الجمعِ " (٢٩)، رواهُ ابنُ ماجة، وليسَ إسنادُهُ بذاكَ، ولكنْ قد رُوِّينا من وجوهٍ أُخرَ كما تقدَّمَ. فيُؤخذُ منهُ: أنهُ يُكْرَهُ التصدي للحكم في المساجدِ، فإنْ اتفقَ حكومةٌ، فلا بأسَ، لأنهُ ﵇ حكمَ بينَ المتلاعنين في المسجدِ كما تقدّمَ. وفي الصحيحينِ أيضاً عن أبي هريرةَ، قالَ: " أتى رجلٌ من المسلمين رسول اللهِ ﷺ ، وهو في المسجدِ فناداهُ، فقالَ: يا رسولَ اللهِ، إني زنيتُ، فأعرضَ عنهُ، فتنحّى تلقاءَ وجههِ، فقالَ: يا رسولَ اللهِ، إنّي زنَيْتُ، فأعرضَ عنهُ حتّى شهدَ على نفسِهِ أربعَ شهاداتٍ، فدعاهُ، فقالَ: أبكَ جنونٌ؟، قالَ: لا، قالَ: هلْ أحصنتَ؟، قالَ: نعمْ، قالَ: اذهبوا به فارجموهُ " (٣٠). استدَل البخاريُّ على جوازِ الحكمِ في المسجدِ، وهو منتزعٌ حسنٌ، ووجهُهُ ظاهرٌ، واللهُ أعلمُ. عن ابنِ عباسٍ عن رسولِ اللهِ ﷺ ، قالَ: " إنَّ لكلِّ شيءٍ شرفاً، وإنَّ أشرفَ المجالسِ، ما استُقبلَ بهِ القبلةُ " (٣١)، رواهُ الحافظُ أبو يَعْلى الموصليُّ في مُسْنَدِه، وليسَ إسنادُهُ بقويٍّ. وقالتْ قَيْلةُ بنتُ مَخْرَمةَ: " فلما رأيتُ رسولَ اللهِ ﷺ كالمُتخَشِّعِ في جِلْستهِ، أُرعدتُ من الفَرَقِ " (٣٢)، رواهُ البخاريُّ في الأدبِ، وأبو داودَ، والترمذيُّ، قالَ الزُّهْريُّ: " كانَ عمرُ إذا نزلَ به الأمرُ المُعضلُ، دعا الفتيانَ، فاستشارَهم يبتغي بذلك حدّةَ عقولهم " (٣٣)، رواهُ البيهقيُّ في كتابِ المدخلِ، وهو منقطعٌ. فيُستحبُّ للحاكم إذا مرَّ بهِ أمرٌ مُشكلٌ أن يشاورَ أهلَ العلمِ، ويشهدُ لهُ حديثُ

стр. 763

أُسارى بدرٍ، لما شاورَ ﵇ فيهم أصحابَهُ، فأشارَ الصّديقُ بمُفاداتهم، وأشارَ الفاروقُ بقتلهم، فهَوى رسولُ اللهِ ﷺ (٣٤) ما قالَ أبو بكر، ولمْ يهْوَ ما قالَ عمرُ، حتّى نزلَ القرآنُ بوفاقِ عمرَ ﵁، والحديثُ مبسوطٌ في صحيحِ مسلمٍ. عن ابنِ عبّاسٍ عن مُعاذٍ ﵁: " أنّ رسولَ اللهِ ﷺ لما بعثَهُ إلى اليمنِ، قالَ: كيفَ تقضي إذا عرضَ لكَ قضاءٌ؟، قال: أقضي بكتاب الله، قال: فإن لم تجده في كتاب الله؟، قال: فبسُنَّة رسولِ الله، قالَ: فإنْ لمْ تجدْ في كتابِ اللهِ ولا في سُنّة رسولِ اللهِ ﷺ ، قالَ: اجتهدُ رأيي، ولا آلو، فضربَ رسولُ اللهِ ﷺ صدرَهُ، وقالَ: الحمدُ لله الذي وفّقَ رسولَ رسولِ اللهِ ﷺ لما يُرضي رسولَ اللهِ " (٣٥)، رواهُ أبو داودَ، والترمذيُّ من حديثِ شُعْبةَ عن أبي عَوْن محمدِ بنِ عبدِ اللهِ الثّقفي عن الحارث بنِ عَمْرو ابنِ أخي المغيرةِ بنِ شُعْبةَ عن أُناسٍ من أهلِ حِمْص من أصحابِ معاذٍ عنهُ. قالَ الترمذيُّ: ولا نعرفُهُ إلا مِن هذا الوجهِ، وليسَ إسنادُهُ عندِي بمتصلٍ. قلتُ: بلْ هو: حديثٌ حسنٌ مشهورٌ، اعتمدَ عليهِ أئمةُ الإسلامِ في إثباتِ أصلِ القياسِ. وقد ذكرتُ لهُ طرقاً، وشواهدَ في جزءٍ مفردةٍ، ولله الحمدُ والمِنّةُ. والغرضُ من إيرادِهِ هنا: أنه لا يجوزُ للحاكمِ أن يُقَلِّدَ غيرهُ في الحكمِ، وقد كتبَ عمرُ بنُ الخطابِ إلى شُرَيْحٍ القاضي يأمرُهُ بالحُكمِ بالكتابِ، ثمّ بالسّنةِ، ثمّ بما اتّفقَ عليهِ الناسُ، ثمّ بالاجتهادِ " (٣٦)، رواهُ النّسائيُّ في سُنَنِهِ بإسنادٍ صحيحٍ. عن عبدِ الله بنِ الزُّبيْر، قالَ: " قضى رسولُ اللهِ ﷺ أنَّ الخصمين يَقعُدان بينَ يدي الحاكم " (٣٧)، رواهُ أبو داودَ. وعن عليٍّ: " أنهُ لما تحاكمَ هو واليهوديُّ إلى شُرَيْحٍ ترفّعَ عليهِ في المجلسِ،

стр. 764

وقالَ: لولا أنهُ يهوديٌّ لاستويتُ معَهُ، ولكنْ سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: " صَغِّروهم كما صغَّرهُمُ اللهُ " (٣٨)، ولا يُعرَفُ إلا بإسنادٍ غريبٍ في بعضِ الأجزاءِ. وقد أفردَهُ الحافظُ في اللحية في أحاديثِ المُهذَّبِ، وقالَ: إسنادٌ مجهولٌ، ولا يُعرَفُ إلا من ذا الوجهِ. وقد رَواهُ البيهقيُّ من وجهين، قالَ البيهقيُّ: وروينا عن عليٍّ مرفوعاً: " النَّهيَ أن يُضَيِّفَ أحدُ الخصمين إلا معَ صاحبِهِ ". عن ابن عبّاسٍ: " أنّ رجلاً لزمَ غريماً لهُ بعشرةِ دنانيرَ، فقالَ: واللهِ لا أُفارقكَ حتّى تقضيني أو تأتيَني بحملٍ، قالَ: فتحمَّل بها النبيُّ ﷺ ، فأتاهُ بقدرِ ما وعدَهُ، فقالَ لهُ: من أينَ أصبْتَ هذهِ؟، قالَ: من معدِنٍ، قالَ: لا حاجةَ لنا فيها، ليسَ فيها خيرٌ، فقضاها عنهُ " (٣٩)، رواهُ أبو داود، وابنُ ماجة. وفيه دِلالةٌ على أنهُ يجوزُ للحاكمِ أن يذبَّ (٤٠) عن أحدِ الخصمين ما لزِمَهُ، ولهُ أن يشفعَ لهُ إلى خصمهِ بدليلِ ما أخرجاهُ. عن كعْب بنِ مالكٍ: " أنهُ تقاضى ابنَ أبي حَدْرَدٍ ديناً لهُ عليهِ في المسجدِ حتّى ارتَفَعتْ أصواتُهما حتّى سمعهما رسولُ اللهِ ﷺ في بيتِهِ، فخرجَ إليهما، فقالَ: يا كعبُ، ضعْ من دينِ هذا، أي الشَّطرَ، فقالَ: قد فعلتُ يا رسولَ اللهِ، قالَ: قمْ فاقْضهِ " (٤١). عن جُنْدُبِ بنِ عبد اللهِ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " من قالَ في القرآنِ برأيهِ فأصابَ، فقد أخطأ " (٤٢)، رواهُ أبو داودَ، والترمذيُّ، والنسائيُّ من حديثِ سُهَيْلِ بنِ أبي حَزْمٍ القُطَعيِّ عن أبي عِمْرانَ الجَوْنيِّ عنهُ.

стр. 765

وقالَ الترمذيُّ: غريبٌ، وقد تكلمَ بعضُ أهلِ العلمِ في سُهَيْلِ بنِ أبي حَزْمٍ وقد غلّطهُ أبو حاتم الرَّازيُّ أيضاً بشيءٍ فيهِ نظرٌ، والأظهرُ أنها ليستْ مُؤثِّرة، اللهُ أعلمُ. قلتُ: يُؤخذُ منهُ نقضُ أحكامِ القاضي الذي لا يصلحُ للقضاءِ، أصابَ في أحكامِهِ تلكَ أو أخطأ، كما ذكرهُ الشيخُ ﵀. عن عمْرو بنِ العاصِ ﵁: أنهُ سمعَ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: " إذا حكمَ الحاكمُ فاجتهدَ ثمَّ أصابَ، فلهُ أجران، وإذا حكمَ فاجتهدَ ثمّ أخطأ، فلهُ أجرٌ " (٤٣)، أخرجاهُ. فيُستدلُّ بهِ على الصّحيحِ من القولين أنهُ لا تُنقَضُ أحكامُ الحاكمِ إذا اجتهدَ فأخطأ، وإنْ لم يوافقْ اجتهادُهُ من بعدَهُ، ويُحتجُّ للقولِ الآخرِ بحديثِ أبي هريرةَ عن رسولِ اللهِ ﷺ ، قالَ: " بينما امرأتان معَهما ابناهُما، جاءَ الذئبُ فذهبَ بابنِ إحداهُما، فقالتْ هذهِ لصاحبتِها: إنّما ذهبَ بابْنكِ، وقالتِ الأخرى: إنما ذهبَ بابنكِ، فتحاكمتَا إلى داودَ ﵇، فقَضى بهِ للكبرى، فخرجتا إلى سليمانَ ﵇، فأخبرتاهُ، فقالَ: ائتوني بالسّكّينِ أشقُّهُ بينَكما نصفين، فقالتِ الصّغرى: لا تفعلْ يرحمُكَ اللهُ، هو ابنُها، فقَضى بهِ للصُّغرى " (٤٤)، أخرجاهُ. وقد ردَّ ﵇ على خالدِ بنِ الوَليدِ حُكمَهُ في بَني جُذَيْمةَ، وضَمِنَ ما أتلفَهُ لهمْ، ولا شَكَّ إنهُ ﵁ كانَ قد اجتهدَ.

стр. 766

٢ - بابُ: صفةِ القضاءِ تقدّمَ في حديثِ أبي هريرةَ، وزيدِ بنِ خالدٍ: أنّ ذلكَ الأعرابيَّ قالَ: نعَم، فاقْضِ بينَنا بكتابِ اللهِ، وائذنْ لي، قالَ: قلْ، وذكرَ الحديثَ، وفيهِ: أنه كان أفقهَ من خصمِهِ " (١)، فيُؤخذُ منهُ: أنّ الأدبَ أن يستأذنَ الحاكمَ في الكلامِ أولاً، وإنَّ الحاكمَ يأذنُ لهُ. وفي قصّةِ داودَ: أنَّ الخصمين لمْ يستأذِناهُ، بلْ قالَ أحدُهما ابتداعاً: " إنّ هذا أخِي لهُ تِسْعٌ وتِسعُونَ نَعْجةً ولِيَ نعْجَةٌ واحِدةٌ. . " الآية. فدلَّ على أنّ ذلكَ مُستحبٌّ لا واجبٌ، ولستُ أعلمُ فيهِ نزاعاً. عن أنسٍ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " انصرْ أخاكَ ظالماً أو مَظلوماً، قالوا: يا رسولَ اللهِ، هذا نصرتُهُ مظلوماً، فكيفَ أنصرُهُ ظالماً؟، قالَ: تمنَعُه عن الظلمِ، فذاكَ نصرُكَ إيّاهُ " (٢)، أخرجاهُ. يُؤخذُ منهُ أنهُ إذا ظهرَ من أحدِ الخصمين لدَدٌ أو سوءُ أدبٍ، نهاهُ وردَعهُ عن ذلك. عن علقمةَ بنِ وائلٍ، قالَ: " جاءَ رجلٌ مِن حَضْرموت ورجلٌ من كِنْدةَ، فقالَ الحَضْرميُّ: يا رسولَ اللهِ، إنّ هذا قدْ غلبَني على أرضٍ كانتْ لي، فقالَ الكِنْدِيُّ: هي أرضي، في يدي أزرعُها ليسَ لهُ فيها حقٌّ، فقالَ النبيُّ ﷺ للحَضْرميِّ: ألكَ بيّنةٌ؟، قالَ: لا، قالَ: فلكَ يمينُهُ، قالَ: يا رسولَ اللهِ، إنّ الرجلَ فاجرٌ، لا يُبالي على ما حَلفَ عليهِ، وليسَ يتورّعُ من شيءٍ، فقالَ: ليسَ لكَ منهُ إلا ذلكَ، فانطلَقَ ليحلِفَ، فقالَ

стр. 767

رسولُ اللهِ ﷺ : لما أدبرَ: أمّا إنْ حَلفَ على مالِهِ ليأكُلَهُ ظُلماً، لَيَلْقينَّ اللهَ وهو عنهُ مُعْرضٌ " (٣)، رواهُ مسلمٌ. عن ابنِ عبّاسٍ: " أنّ رسولَ اللهِ ﷺ قضى باليمينِ على المدّعى عليهِ " (٤). أخرجاهُ. ولمسلمٍ: " أنّ رسولَ اللهِ ﷺ ، قالَ: " لو يُعطى الناسُ بدعواهم، لادّعى أُناسٌ دماءَ رجالٍ وأموالَهمْ، ولكنَّ اليمينَ على المُدَّعى عليهِ " (٥). وقالَ الثَّوريُّ عن نافعٍ عن ابنِ عمرَ: " أنّ رسولَ اللهِ ﷺ قضى: البيّنةُ على المدَّعي، واليمينُ على من أنكرَ " (٦). قالَ البيهقيُّ: غريبٌ من هذا الوجهِ. قلتُ: وقد ذكرَهُ الشافعيُّ في المسندِ في ضمنِ الحديثِ الأوّلِ على سبيلِ الشّكِّ، واللهُ أعلمُ. واستدلَّ الشافعيُّ على أنهُ لا يتعيّنُ اليمينُ قبلَ تحليفِ القاضي بما رواهُ من حديثِ رُكانةَ، لما طلّقَ امرأتَهُ، قالَ: واللهِ، ما أردتُ إلا واحدةً؟، فقالَ: واللهِ ما أردتَ إلا واحدةً، فردَّها إليه " (٧). وعن ابنِ عمرَ: " أنّ عمرَ خطبهم بالجابيةِ، فقالَ: يا أيّها الناسُ إني قمتُ فيكم كقيامِ رسولِ اللهِ ﷺ فينا، قالَ: أوصيكم بأصحابي، ثمَّ الذين يلونَهم، ثمَّ الذين

стр. 768

يلونَهمْ، ثمَّ يفشو الكذبُ حتّى يحلفَ الرّجلُ، ولا يُستَحْلَفُ، ويشهدُ الشاهدُ ولا يُستشهدُ، إلا لا يَخلونّ رجلٌ بامرأةٍ إلا وكان ثالثهما الشيطانُ، عليكمْ بالجماعةِ، وإيّاكمْ والفرْقةَ، فإنَّ الشيطانَ معَ الواحدِ، وهو من الاثنين أبعدُ، من أرادَ بحْبوحةَ الجنّةِ، فليلزم الجماعة، ومَنْ سرَّتهُ حسنتُهُ وساءتْهُ سيّئتُهُ، فلذلكَ المؤمنُ " (٨)، رواهُ الإمامُ أحمدُ والترمذيُّ. وقد رواهُ أبو داودَ الطَّيالسيُّ عن شُعْبةَ عن عبدِ الملكِ بنِ عُمَيْرٍ عن جابرِ بنِ سَمُرَةَ عن عمرَ. ولهُ طرقٌ أُخرُ، وهو: حديثٌ مشهورٌ جيّدٌ. عن اللَّيْثِ بنِ سَعْد عن نافعٍ عن ابنِ عمرَ: " أنّ رسولَ اللهِ ﷺ كان يردُّ اليمينَ على طالبِ الحقّ " (٩)، رواهُ تمامُ الرّازيُّ في فوائِدِه بإسنادٍ غريبٍ عن الليثِ. وقد رواهُ الدارَقُطنيُّ في سُنَنهِ، والحاكمُ في مُسْتدرَكِه. عن مَعْمر البَصريّ عن أبي العَوّامِ البَصْريّ، قالَ: " كتبَ عمرُ إلى أبي موسى الأشعريِّ: " إنَّ القضاءَ فريضةٌ محكمةٌ، وسنّةٌ متّبعةٌ، فعليكَ بالعقلِ والفَهمِ وكثرةِ الذكرِ، فافهمْ إذا أدلى إليكَ الرّجلُ الحجّةَ، فاقْضِ إذا فهمتَ، وامضِ إذا قضيتَ، فإنهُ لا ينفعُ تكلم بحق لا نفاذ لهُ، وآسِ بين الناسِ في وجهكَ ومجلسِكَ وقضائِكَ، حتى لا يطمعَ شريفٌ في حيفِكَ، ولا ييأسَ ضعيفٌ من عدلِكَ، البيّنةُ على مَن ادّعى، واليمينُ على مَن أنكرَ، والصلحُ جائزٌ بينَ المسلمين إلا صُلحاً أحلَّ حراماً أو حرّمَ حلالاً، ومن ادّعى حقاً غائباً أو بيّنةً، فاضربْ لهُ أمداً ينتهي إليهِ، فإنْ جاءَ ببيّنةٍ أعطيتَهُ حقَّهُ، فإنْ أعجزَهُ ذلكَ استحللتَ عليهِ القضيةَ، فإنّ ذلكَ أبلغُ في العذرِ، وأجْلى للعَمى، ولا يمنعْك من قضاءٍ قضيتَهُ اليومَ فراجعتَ فيهِ لرأيكَ، وهُديت فيهِ لرُشدِكَ أن تُراجعَ الحقَّ، فإنّ الحقَّ قديمٌ لا يُبطِلُ الحقَّ شيءٌ، ومُراجعةُ الحقّ خير من التمادي

стр. 769

في الباطلِ، والمسلمون عدولٌ بعضُهم على بعضٍ في الشهادات إلا مجلوداً في حدٍّ، أو مُجَرِّباً عليهِ شهادةُ الزّورِ، أو ظِنّياً في وَلاءٍ أو قَرابةٍ، فإنّ اللهَ تَولّى من العبادِ السَّرائرَ، وسترَ عليهم الحدودَ إلا بالبيّناتِ والأيمانِ، ثمَّ الفهمَ الفهمَ في فيما أُدليَ إليكَ ممّا ليسَ في قرآنٍ أو سنّةٍ، ثمَّ قايسِ الأمورَ عندَ ذلكَ، واعرفِ الأمثالَ والأشباهَ، ثمّ اعمِدْ إلى أحبِّها إلى اللهِ تعالى في ما تَرى، وأشْبهِها بالحقِّ، وإيّاكَ والغضبَ والقلَقَ والضَّجرَ، والتأذّي بالناسِ عندَ الخصومةِ والتّنكر، فإن القضاءَ في مَواطنِ الحقِّ يوجبُ اللهُ بهِ الأجرَ ويُحسنُ بهِ الذكرَ، فمنْ خَلصتْ نيّتهُ في الحقّ، ولو على نفسِهِ، كفاهُ اللهُ ما بينَهُ وبينَ الناسِ، ومَنْ تزيَّنَ لهم بما ليسَ في قلبهِ، شانَهُ اللهُ، فإنَّ اللهَ لا يقبلُ من العبادِ إلا ما كانَ لهُ خالصاً، فما ظنُّكَ بثوابٍ من اللهِ في عاجلِ رزقِهِ، وخزائنِ رحمتِهِ " (١٠). وكذا رواهُ البيهقيُّ، ثمّ قالَ: وهو كتابٌ معروفٌ مشهورٌ، لا بدَّ للقضاةِ من معرفتِهِ، والعملِ بهِ. عن مُحاربِ بنِ دثارٍ: " أنهُ شهدَ عندَهُ رجلٌ، فاسترابَ بهِ، فقالَ لهُ: سمعتُ ابنَ عمرَ يقولُ: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ : " يأتي على الناسِ يومٌ تشيبُ فيهِ الولدانُ، وتضعُ الحواملُ ما في بطونِها، وتضعُ الطيرُ ما في حواصِلها، وتضربُ بأذنابِها، ولا ذنبَ على عليها، فإنْ كنتَ شهدتَ على حقٍّ، فأقمْ على شهادتِكَ، وإنْ كنتَ شهدتَ على باطلٍ، فاتّقِ اللهَ، وغَطِّ رأسَكَ واخرجْ من هذا البابِ، فغطّى الرّجلُ رأسَهُ وخرَجَ من البابِ " كذا رواهُ (١١) الحسنُ بنُ زيادٍ عن أبي حَنيفةَ عن مُحاربٍ. وقد روى ابنُ ماجةَ عن سُوَيد بنِ سعيدٍ عن محمدِ بنِ الفراتِ عن مُحاربِ بن دثارٍ عن ابنِ عمرَ: أنّ رسولَ اللهِ ﷺ ، قالَ: " شاهدُ الزّورِ لا تزولُ قدماهُ، حتّى يُؤمرَ بهِ إلى النّارِ " (١٢)، وسُوَيْدٌ: ضعيفٌ، ومحمدُ بنُ الفراتِ، قالَ فيهِ البخاريُّ: منكرُ الحديثِ.

стр. 770

قد تقدّمَ حديثُ الأعرابيّ حينَ شهدَ برؤيةِ الهلالِ، فقالَ لهُ رسولُ اللهِ ﷺ : أتشهدُ أن لا إله إلا اللهُ، قالَ: نعمْ، فأمرَ الناسَ أن يصوموا " (١٣)، فرجعَ في إسلامِهِ إلى قولِهِ. عن خرشةَ بنِ الحرِّ، قالَ: " شهدَ رجلٌ عندَ عمرَ بنِ الخطابِ بشهادةٍ، فقالَ لهُ: لستُ أعرفُكَ، ولا يضرّكَ إلا أعرفَكَ، ايتِ بمنْ يَعرفُكَ، فقالَ رجلٌ من القومِ: أنا أعرفُهُ، فقالَ: بأيِّ شيءٍ تعرفُهُ؟، قالَ: بالعدالةِ والفضلِ، قالَ: فهو جارُكَ الأدنى الذي تعرفُ ليلَهُ ونَهارَهُ، ومَدْخلَهُ ومَخْرجهُ؟، قالَ: لا، قال: فعامَلكَ بالدينارِ والدّرهمِ اللّذين يُستدلُّ بهما على الوَرعِ؟، قال: لا، قالَ: فرفيقُكَ في السّفرِ الذي يُستدَلّ به عَلى مَكارمِ الأخلاقِ؟، قالَ: لا، قالَ: لستَ تعرفُهُ، ثمّ قالَ للرجلِ: ايتِ بمن يعرفُكَ " (١٤)، رواهُ أبو القاسمِ البَغويُّ بإسنادٍ حسنٍ. عن بَهزِ بنِ حَكيم عن أبيهِ عن جدِّهِ، قالَ: " خطبهم رسولُ اللهِ ﷺ ، فقالَ: حتّى متى تدْعونهُ (١٥)، اذكروهُ بما فيهِ، يحذرْهُ الناسُ " (١٦)، رواهُ الطّبرانيُّ، وقالَ: تفرّدَ بهِ عبدُ الوهابِ بنُ همّامٍ أخو عبدِ الرزّاقِ عن مَعْمرٍ عن بَهْزٍ. قلتُ: بلْ قد رُوي من حديثِ الجارودِ بن يَزيدَ عن بَهْزٍ. عن أُمِّ سَلَمةَ: أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: " إنما أنا بشرٌ، وإنكُمْ تختصمونَ إليّ، ولعلَّ بعضَكم أن يكونَ ألحن بحجتهِ من بعضٍ، فأقضيَ لهُ بنحوِ ما أسمعُ، فمن قضيتُ لهُ من حقِّ أخيهِ شيئاً، فلا يأخذْهُ، فإنّما أقطعُ لهُ قطعةً من النّارِ " (١٧)، أخرجاهُ. استدَلَّ بهِ على أنّ الحاكمَ لا يحكمُ بعلمِهِ، لأنهُ ﵇ كانَ يُمكنُ اطلاعُهُ

стр. 771

على أعيانِ القضايا مُفَصَّلاً، بلْ قد قالَ في حقِّ الملاعنةِ: لولا الأيمانُ لكان لي ولها شأنٌ، فظهرَ من ذلكَ أنهُ لا يحكمُ بعلمهِ مطلقاً، لا في الأموالِ، ولا في الحدودِ، وقد صحّحَ أبو زكريا النَّوويُّ: أنهُ يحكمُ بعلمهِ إلا في الحدودِ، واستدَلَّ لذلكَ بما رواهُ الإمامُ أحمدُ عن أبي بكرٍ الصدّيقِ: " أنهُ قالَ: " لو رأيتُ رجلاً على حدٍّ من حدودِ اللهِ تعالى ما أخذتُهُ، ولا دعوتُ لهُ أحدَاً، حتّى يكونَ معي غيري " (١٨)، وإسنادُهُ: صحيحٌ إليه. تقدّمَ قولُهُ ﵇ لهند بنتِ عُتبةَ امرأةِ أبي سفيانَ: خُذي من مالِهِ بالمعروفِ، ما يكفيكِ ويكفي بنيكِ " (١٩)، وهو في الصّحيحين. وفيهِ من الفقهِ: الحكمُ بالعلم في الأموالِ، لأنهُ حكمَ لها بمجرَّدِ قولِها: أنهُ شحيحٌ، وفيهِ سماعُ الدّعوى على غائبٍ عن المجلسِ، ظاهرٍ بالبلدِ، لأنّ هذا كانَ على الصّفا بمكّةَ زمنَ الفتحِ، وأبو سفيانَ ظاهرٌ بمكةَ، وقيلَ: بلْ قد كانَ حاضراً يسمعُ كلامَها. واللهُ أعلمُ. عن زيدِ بنِ ثابتٍ: أنّ رسولَ اللهِ ﷺ أمرَهُ فتعلمَ كتابَ اليهودِ، قالَ: حتّى كتبتُ للنبيِّ ﷺ كتبهُ، وأقرأتُهُ كُتُبهمْ إذا كتبوا إليهِ " (٢٠)، رواهُ البخاريُّ، قالَ: وقالَ أبو جَمرةَ: " كنتُ أُترجمُ بين ابنِ عباسٍ، وبين الناسِ ". وقال عمرُ: " وعندَهُ علي، وعثمانُ، عبدُالرّحمن: ما تقولُ هذهِ؟، قال عبدُالرحمن بنُ حاطبٍ: تُخبركَ بالذي صُنِعَ بها ". عن سعيدِ بنِ المُسيَّب: " أنّ عمرَ قالَ: " الدّيةُ للعاقلةِ، لا ترثُ المرأةُ من ديةِ زوجِها شيئاً، حتّى أخبرَهُ الضحَّاكُ بنُ سفيان (٢١)، كتبَ إليهِ: أنْ وَرِّثْ امرأةَ أشيمَ

стр. 772

الضِّبابيِّ من ديةِ زوجِها " (٢٢)، رواهُ الإمامُ أحمدُ، وأهلُ السُّننِ، وصحَّحهُ الترمذيُّ. ففيهِ: أنهُ إذا حكمَ الحاكمُ بحكمٍ، ثمّ وجدَ النصَّ بخلافِهِ، نقضَ حكمَهُ، وكذا إذا خالفَ القياسَ الجليَّ، لما تقدّمَ من حديثِ مُعاذٍ. وتقدّمَ الحديثُ: " إنما جُعِلَ الإمامُ ليُؤتمَّ بهِ " (٢٣)، فيُؤخذُ منهُ قَبولُ قولِ القاضي: حكمتُ على فلانٍ، واللهُ أعلمُ.

стр. 773

٣ - بابُ: القِسمةِ قد عُلِمَ: أنهُ ﵇ قسمَ أراضيَ خيبرَ بينَ الغانمين، وقسمَ غنائمَ حُنينٍ أيضاً، وكانت إبلاً، ورَقيقاً، وأمتعةً، وغيرَ ذلكَ. عن أُمِّ سَلمةَ: " أنّ رسولَ اللهِ ﷺ قال لرجلين يختصمان في مواريثَ بينَهما دُرسَتْ، ليسَ بينَهما بيّنةٌ: اذْهبا فاقْتسِما، ثمّ توَخّيا الحقَّ، ثمّ اسْتهِما، ثمَّ ليُحلِّلْ كلُّ واحدٍ منكما صاحبهُ " (١)، رواهُ الإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، بإسنادٍ على شرطِ مسلمٍ. ففيهِ: جوازُ اقتسامِ الشّركاءِ بينهم الشّيءَ والمشتركَ. عن المُغيرةِ بنِ شُعْبةَ، قالَ: " سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ ينهى عن قيلَ وقالَ، وإضاعةِ المالِ، وكثرةِ السّؤالِ " (٢)، أخرجاهُ. ففيهِ: أنهُ إذا امتنع أحدُ الشّريكين من قسمةِ ما تَنقصُ قيمتُهُ أو تبطلُ منفعتُهُ بقسمتِهِ، أنهُ لا يُجبَرُ على ذلكَ، لما فيهِ من إضاعةِ المالِ، واللهُ أعلمُ. قد تقدّمَ في إحياءِ المواتِ: " الناسُ شركاءُ في ثلاثةٍ: في الماءِ، والكلإِ، والنّارِ " (٣). وحديثُ الزّبيرِ في الأقضيةِ: أنهُ اختصمَ هو ورجلٌ من الأنصارِ في شِراجِ الحرّة التي يَسقون بها النخلَ " (٤).

стр. 774

عن عَمْرو بنِ شُعَيْبٍ عن أبيهِ عن جدّهِ: " أنّ رسولَ اللهِ ﷺ قضى في سيل مَهْزورٍ أن يُمسكَ حتّى يبلغَ إلى الكعبين، ثمّ يُرسلَ الأعلى إلى الأسفلِ " (٥)، رواهُ أبو دوادَ، وابنُ ماجة. عن عُبادة بنِ الصّامتِ مرفوعاً: مثلُه (٦)، رواهُ ابن ماجة.

стр. 775

٤ - بابُ: الدعوى والبيّناتِ (١) تقدّمَ قولُهُ ﵇: " لو يُعطى الناسُ بدعواهم، لادّعى ناسٌ دماءَ رجالٍ وأموالَهم، ولكنَّ البيَّنةَ على المُدَّعي " (٢). زادَ الشافعيُّ والبيهقيُّ: " واليمينُ على مَن أنكرَ " (٣). عن أبي هريرةَ: " أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ عرضَ على قومٍ اليمينَ فأسرعوا، فأمرَ أن يُسهمَ بينَهم في اليمينِ أيُّهمْ يَحلِفُ " (٤)، رواهُ البخاريّ. وعنهُ: " أنّ رجلين تَدارثَا في دابّةٍ ليسَ لواحدٍ منهما بيِّنةٌ، فأمرَهما رسولُ اللهِ ﷺ أن يَستَهما على اليمين أحبّاً أمْ كَرِها " (٥)، رواهُ أحمدُ، وأبو داودَ، وابنُ ماجة، وإسنادُهُ: على شَرطِهما. وفي روايةٍ لأحمدَ، وأبي داودَ: " إذا كرِهَ اثنان اليمينَ، أو استحبّاها، فليستهما عليها " (٦). وعن أبي موسى: " أنّ رجلين اختصَما إلى رسولِ اللهِ ﷺ في دابّةٍ ليسَ لواحدٍ منهما بيّنةٌ، فجعلَها بينَهما نصْفينِ " (٧)، رواهُ الإمامُ أحمدُ وأهلُ السّننِ إلا الترمذيّ، وفي إسنادِهِ اختلافٌ كثيرٌ.

стр. 776

وقد رُويَ مُرْسلاً، ورجّحَ ذلكَ البخاريُّ، والبيهقيُّ، وغيرُهما. قالَ الشافعيُّ: أخبرَنا ابنُ أبي يحيى عن إسحاقَ بن أبي فَرْوةَ عن عمرَ بنِ الحكمِ عن جابرِ بنِ عبد الله: " أنّ رجلين تَداعيا دابّةً، وأقامَ كلُّ واحدٍ منهما البيّنةَ أنها دابّتُهُ، نتَجها، فقضى بها رسولُ اللهِ ﷺ للذي هيَ في يديهِ " (٨)، ثمّ قالَ: وهذهِ روايةٌ صالحةٌ ليستْ بالقويّةِ، ولا السّاقطةِ، ولمْ نجدْ أحداً مِن أهلِ العلمِ يُخالفُ في القولِ بهذا، مع أنها قد رُويَتْ من غيرِ هذا الوجهِ، وإنْ لمْ تكنْ قويّةً. قلتُ: ذكرَها البيهقيُّ من روايةِ محمدِ بنِ الحسنِ عن أبي حنيفة عن هَيْثَمٍ الصَّيْرفيِّ، عن الشَّعْبيِّ عن جابرِ بنِ عبدِ الله، وقَضى بذلكَ شُريْحٌ أيضاً، وهو ظاهرٌ في عدمِ التَّحليفِ، وهو الذي نصَّ عليه الشافعيُّ، وهو المذهبُ المنصوصُ، معَ أنهُ رُويَ عن عليّ: أنهُ كانَ يُحلِّفُ معَ البيِّنةِ، وقَضى بهِ شُرَيْحٌ أيضاً. قالَ: وهم لا يقولون بذلك، معَ أنهم لا يروون عن أحدٍ من الصّحابةِ خلافهُ، واللهُ أعلمُ. عن أبي موسى: " أنّ رجلين ادّعيا بعيراً، فبعثَ كلُّ واحدٍ منها شاهدين، فقسمَهُ رسولُ اللهِ ﷺ بينَهما نصْفينِ " (٩)، رواهُ أبو داودَ بإسنادٍ رجالُه كلهم: ثقاتٌ. وقد قيلَ: إنهُ معْلولٌ، بأنهُ: مُرْسلٌ، واللهُ أعلمُ. والغرضُ منهُ: أنهُ إذا تعارضتِ البيّناتُ، أنهما تُستعملان في القسمةِ، لا في الوقفِ، ولا في القُرعةِ، على أنّ الشيخَ أبا زكريّا صحّحَ القولَ بسقوطِها، واللهُ أعلمُ. وقدّمَ الشافعيُّ ما رواهُ عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ، قالَ: " اختصمَ رجلانِ إلى رسولِ اللهِ ﷺ في أمرٍ، فجاءَ كلُّ واحدٍ منهما بشهداءَ عُدولٍ على عِدَّةٍ واحدةٍ فأسهمَ رسولُ

стр. 777

اللهِ ﷺ بينهما، وقالَ: اللهمَّ أنتَ تقضي بينَهما " (١٠). وقد رواهُ أبو داودَ في المراسيلِ، وهو صحيحٌ عنهُ. وحكاهُ الشافعيُّ في الجديدِ عن عليٍّ، وابنِ الزُّبيرِ، وقوّاهُ بأنّ القُرعةَ في القرآنِ في قصّةِ يونسَ: " فَسَاهمَ فكانَ مِنَ المُدْحَضينَ "، وبأنهُ ﵇ كانَ إذا أرادَ سفراً، أقرعَ بينَ نسائِهِ، وبقصَّةِ الذي أعتقَ ستّةَ ممْلوكين، فأقرعَ بينهم رسولُ اللهِ ﷺ ، فأعتقَ اثنين، وأرَقَّ أربعةً، وبسطَ القولَ في ذلكَ، ثمّ قالَ: وأنا أستخيرُ اللهَ في القولِ بالقُرْعةِ أو القِسمةِ أو أنا فيهِ واقفٌ، ثمّ قالَ: لا يُعطى واحدٌ منهما شيئاً، ويُوقَفَ حتّى يَصْطَلِحا. تقدّمَ حديثُ قولِهِ ﵇ لهندِ بنتِ عُتْبةَ امرأةِ أبي (١١) سفيان، وهو حجةٌ في مسألةِ الظَّفرِ، وعامٌّ في وجود البيِّنةِ وعَدَمِها. وقد ذكرَ الشافعيُّ حديثَ أبي هريرةَ: " أدِّ الأمانةَ إلى مَن ائتمنكَ، ولا تَخُنْ من خانكَ " (١٢)، رواهُ أبو داودَ والترمذيُّ، وحسّنهُ. وقالَ الشافعيُّ: لا يثبتُ، ولو ثبتَ لمْ يكنْ فيهِ حجّةٌ علينا، لأنّا لا نُسمّي من أخذَ حقَّهُ خائناً، بدلالةِ الكتابِ، والسنّةِ، وإجماعِ الأكثرين على ذلكَ، واللهُ أعلمُ.

стр. 778

٥ - بابُ: اليمينِ في الدّعاوى عن عمْرو بنِ شُعَيْبٍ عن أبيهِ عن جدِّهِ: أنّ رسولَ اللهِ ﷺ ، قال: " البيِّنةُ على مَن ادَّعى، واليمينُ على مَن أنكرَ، إلا في القَسامةِ " (١)، رواهُ الدارَقُطنيُّ، والبيهقيُّ من حديثِ مُسلمِ بنِ خالدٍ الزَّنْجيِّ، وقد تُكلّمَ فيهِ عن عَمْرو. وتقدَّمَ حديثُ ابنِ عباس في ذلكَ، وحديثُ ابنِ عمرَ: " أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ يردُّ اليمينَ على طالبِ الحقِّ " (٢). عن أبي سلَمةَ، وسُليمانَ بنِ يَسارٍ عن رجلٍ من أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ ، من الأنصارِ: " أنّ رسولَ اللهِ ﷺ أقرَّ القَسامةَ على ما كانتْ في الجاهليةِ، وقضى بها بينَ ناسٍ من الأنصارِ في قتيلٍ ادَّعَوْهُ على اليهودِ " (٣)، رواهُ مُسلمٌ. وفي لفظٍ لهُ عن أبي سَلمة، وسُليمانَ عن ناسٍ من الأنصارِ (٤): فذكرَهُ. عن سَهْلِ بنِ أبي حَثْمةَ، ورافعِ بنِ خديجٍ: " أنّ مُحيِّصةَ بنَ مسعودٍ، وعبد اللهِ بنَ سهْلٍ، انطلقا قِبلَ خيبرَ، فتفرَّقا في النخل، فقُتلَ عبدُالله بنُ سهْل، فاتَّهموا اليهودَ فجاءَ أخوهُ عبدُ الرحمنِ، وابنا عمِّه حُوَيِّصةُ، ومُحَيّصةُ إلى رسول الله ﷺ ، فتكلَّمَ عَبدُالرحمن في أمرِ أخيهِ، وهو أصغرُ منهم، فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ : كبِّر الكُبْرَ، وقالَ: لِيبْدأ الأكبرُ، فتكلّما في أمرِ صاحبِهما، فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ : يُقسِمُ خمسون منكُم على رجلٍ

стр. 779

منهمْ، فيُدفعَ برمَّتِهِ، قالوا: أمرٌ لمْ نشهدْهُ، كيف نحلِفُ؟، قالَ: فَتُبَرِّئكُم يهودُ بأيمانِ خسمين منهم، قالوا: يا رسولَ اللهِ، قومٌ كفّارٌ، قال: فوداهُ رسولُ اللهِ ﷺ من قِبلِهِ، قالَ سَهْلٌ: فدخلتُ مِرْبَداً لهم يوماً، فركضتني ناقةٌ من تلكَ الإبلِ رَكضةٌ برجلها " (٥)، أخرجاهُ، ولفظهُ لمسلمٍ. وفي روايةٍ لهما: " فقال: أتحلفون، وتَستحقّونَ دمَ قاتِلكم أو صاحبكم؟، قالوا: وكيفَ نحلفُ، ولمْ نشهدْ، ولمْ نَرَ؟، قالَ: فَتُبَرِّئكُم يهودُ بخمسين يميناً، قالوا: كيف نأخذُ بأيمانِ قومٍ كفّارٍ؟، فعقَلَهُ النبيُّ ﷺ من عندِهِ " (٦). وهذا الحديثُ ظاهرٌ في وجوبِ القَوَدِ بالقَسامةِ. ويُؤيِّدُهُ: ما رواهُ البخاريُّ ومسلمٌ عن أبي قِلابةَ: أنَّ عمرَ بنَ عبدِ العزيزِ أبرزَ سريرَهُ يوماً للناسِ، ثمّ أذنَ لهمْ فدخلوا، فقالَ: ما تقولون في القَسامةِ؟، قالوا: نقولُ: القَسامةُ، القَودُ بها حقٌّ، وقدْ قادتْ بها الخلفاءُ وذكرَ تمامَ الحديثِ بطولِهِ " (٧). وعن عَمْرو بنِ شُعَيْبٍ عن أبيهِ عن جدِّهِ: " أنّ رسولَ اللهِ ﷺ قتلَ رجلاً بالقَسامةِ، من بَني نَضر بنِ مالكٍ " (٨)، رواهُ أبو داودَ. وقد صحّحَ الأصحابُ: أنها تُوجبُ الدّيةَ لما: رواهُ البخاريُّ عن أبي قِلابةَ: " أنّ رسولَ اللهِ ﷺ ، قالَ لهم: أفَتستحقّون الدّيةَ بأيمانِ خمسين منكمْ؟، قالوا: ما كنّا لنحلِفَ، فوادهُ من عِندِهِ " (٩). عن أبي هريرةَ: أنّ رسولَ اللهِ ﷺ ، قالَ: " ثلاثةٌ لا يُكلّمهمُ اللهُ يومَ القيامةِ (١٠)، ولا ينظرُ إليهمْ، رجلٌ حلفَ على سِلْعةٍ لقدْ أُعطيَ بها أكثرَ ممّا أُعطيَ وهو كاذبٌ،

стр. 780

ورجلٌ حلفَ على يمين كاذبةٍ بعد العصرِ ليقتطعَ بها مالَ امرئٍ مسلم، ورجلٌ منع فضْلَ مائِهِ، فيقولُ اللهُ لهُ يومَ القيامةِ: اليومَ أمنعكَ فضلي كما منعتَ فضلَ ما لمْ تعملْ يَداكَ " (١١)، أخرجاهُ، ولفظهُ للبخاريِّ. وعنهُ: أنّ رسولَ اللهِ ﷺ ، قالَ: " لا يحلفُ عندَ هذا المِنْبرِ عبدٌ ولا أمةٌ على يمينٍ آثمةٍ، ولو على سِواكٍ رطبٍ إلا وجَبتْ لهُ النارُ " (١٢)، رواهُ أحمدُ، وابنُ ماجة، ولهما عن جابرٍ مرفوعاً (١٣): نحوهُ. عن ابنِ عباسٍ: " أنّ رسولَ اللهِ ﷺ ، قالَ لرجلٍ حلَفَ، احلفْ باللهِ الذي لا إله إلا هوَ، ما لَهُ عندي شيءٌ، يعني المُدَّعي " (١٤)، رواهُ أبو داودَ. وعن عِكْرمة: أنّ رسولَ اللهِ ﷺ قال لهُ: يعني - ابنَ صوريا -: " أذكّرُكمْ باللهِ الذي نجّاكُمْ من آل فرعونَ، وأقطعكُمْ البحرَ، وظلَّلَ عليكمُ الغمامَ، وأنزلَ عليكم المنَّ والسَّلوى، وأنزلَ التوراةَ على موسى: أتجدونَ في كتابكم الرجمَ؟، فقالَ: ذكَّرتني بعظيمٍ، ولا يَسَعُني أنْ أكذبَكَ، وساقَ الحديثَ. . " (١٥)، رواهُ أبو داودَ، وهو: مُرْسَلٌ. عن ابنِ عمرَ عن النبيِّ ﷺ ، قالَ: " من حلفَ باللهِ فلْيَصدُقْ، ومَن حلفَ لهُ باللهِ فلْيَرضَ، ومنْ لمْ يَرضَ باللهِ، فليسَ من اللهِ " (١٦)، رواهُ ابنُ ماجة بإسنادٍ جيِّدٍ قويٍّ. وفيه: أنهُ إنْ اقتصرَ على الاسم وحدَهُ جازَ.

стр. 781

١٢ - كتابُ الشهادات ١ - بابُ: مَنْ تُقْبلُ شهادتُهُ، ومَن لا تُقْبلُ قالَ اللهُ: " وأشْهدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ ". وقالَ: " وَلا يأبَى الشُّهَداءُ إذا ما دُعُوا ". وقالَ: " ولا تَكْتُموا الشَّهادةَ ومَنْ يَكْتُمْها فإنّهُ آثمٌ قَلْبُهُ ". وقالَ: " إنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بنبَأ فَتَبيَّنوا ". قالَ مُجاهدٌ: (مَنْ تَرْضَونَ من الشُّهداءِ)، قالَ: عَدْلان، حُرّان، مسلمان، وهكذا قالَ الشافعيُّ. وقال أبو يحيى الساجي: رُويَ عن عليٍّ، والحسنِ، والنَّخعيِّ، والزُّهري، ومُجاهدٍ، وعطاءٍ " لا تجوزُ شهادةُ العبيدِ ". قالَ تعالى: " الذينَ يَجْتنبونة كبائِرَ الإثْمِ والفَواحشَ إلاّ اللّمَمَ إنَّ ربَّكَ واسِعٌ المَغْفرةِ ". وتقدّمَ حديثُ أبي بكْرةَ: " ألا أُنبّئكمْ بأكْبر الكَبائرِ، الإشراكُ باللهِ، وعقوقُ الوالدين، ألا وقولُ الزّورِ، وشهادةُ الزُّور " (١). وعن ابن عباسٍ عن النبيِّ ﷺ ، قالَ: " ما مِن ولدِ آدمَ أحدٌ إلا وقد عملَ خطيئةً أو همَّ بها، ليسَ يحيى بنَ زكريّا ﵇ " (٢)، رواهُ أبو القاسمِ البَغَويُّ، وفي

стр. 782

إسنادهِ: عليُّ بنُ زيدِ بنِ جُدعانَ، وفيهِ كلامٌ. لكنْ رُويَ من حديثِ عبدِ الله بنِ عمْرو، بإسنادٍ أجودَ مِن هذا. قالَ المُزَنيُّ: سمعتُ الشافعيَّ ﵀، وسُئلَ عن العدلِ، فقالَ: ما أحدٌ يطيعُ اللهَ، حتّى لا يَعصيَهُ، وما أحدٌ يَعصي اللهَ حتّى لا يطيعَهُ، ولكنْ إذا كانَ أكثرُ عملهِ الطاعةَ، ولا يقيمُ على كبيرةٍ، فهو عدلٌ. عن أبي مسعودٍ البَدْريّ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " إنّ ممّا أدركَ الناسُ من كلامِ النّبُوةِ الأولى: إذا لمْ تستحِ، فاصنعْ ما شئتَ " (٣)، رواهُ البخاريُّ، وهذا: هو: الحديثُ الذي لمْ يسمعِ القَعْنَبيُّ من شُعبةَ سِواهُ. وهو دليلٌ على الحَضِّ على اجتنابِ الرّذائلِ، ولا تُقْبلُ شهادةُ مُتعاطيها، واللهُ أعلمُ. قالَ شُعْبةُ عن حُصيْنٍ عن أسيد - هو ابن أبي أسيد، قالَ: سمعتُ ابنَ عمرَ، وأتاهُ رجلٌ، فقالَ: إني كنتُ أكْنِسُ (٤) حتّى تزوّجتُ وعُتِقتُ، وحَجَجْتَ، قالَ: ما كنتَ تكنِسُ " (٥)، قالَ: العذرةَ، قالَ: أنت خبيثٌ، وعتقُكَ خبيثٌ، وحَجُّكَ خبيثٌ، اخرجْ منهُ كما دخلتَ فيهِ " (٦)، رواهُ البيهقيُّ بإسنادٍ صحيحٍ. وهو دليلٌ على أنهُ: لا يُقْبلُ شهادتُهُ. عن أبي هريرة: " أنّ رسولَ اللهِ ﷺ رأى رجلاً يتبعُ حمامةً، فقالَ: شيطانٌ يتبعُ شيطانةً " (٧)، رواهُ أبو داودَ، وابنُ ماجة، بإسنادٍ حسنٍ قويٍّ على شرطِ مسلمٍ،

стр. 783

وقولُ الشيخِ: والقوّالُ: - يعني به المغَنّي - وقد تقدّمَ في بابِ الإجارةِ الكلامُ على النّهي عن الغناءِ، وهكذا الرَّقَّاصُ لا تُقْبلُ شهادتهُ أيضاً، لما في فعلهِ من الدّناءةِ الدالّةِ على قلّةِ المروءةِ، لأنّ فعلهُ لا يَصدرُ عن تامِّ العقلِ، وفيهِ تشبّهٌ بالنساءِ من التّكسُّرِ والتخنُّثِ، وقد لعَنَ رسولُ اللهِ ﷺ المتشبّهين من الرّجالِ بالنّساءِ، والمُتَشبِّهاتِ من النساءِ بالرّجالِ. وأما المشعوذُ، فإنْ اشتملَ فعلُهُ على سحرٍ، فقد تقدّمَ في كتابِ الجناياتِ الكلامُ على السّحرةِ، وإلا فهو مخرقةٌ وسفاهةٌ، تدلُّ على نذالةِ مُتعاطيها. وأمّا الأكلُ في الأسواقِ: فعن أبي أُمامةَ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " الأكلُ في السّوقِ دناءَهٌ " (٨)، رواهُ الحافظُ أبو أحمدَ بنُ عدِيٍّ من حديثِ جعفرِ بنِ الزّبير - وهو متروكٌ -. ورواهُ من حديثِ أبي هريرةَ أيضاً، ولا يصحُّ، لأنّ في إسنادِهِ سعيدُ بنُ لقمانَ، وقد قالَ الحافظُ أبو الفتحِ الأزديّ: لا يُحتجُّ بهِ، ولأنّ الأكلَ في الأسواقِ غالباً يستلزمُ شيئين محذورين؛ أحدُهما: الأكلُ قائماً كما هو المعتادُ من صنيعِ العوامِ، وقد رَوى مسلمٌ من حديثِ قتادةَ عن أنسٍ: " أنّ رسولَ اللهِ ﷺ زجَرَ عن الشُّربِ قائماً، قالَ قتادةُ: فقلنا: فالأكلُ؟، قالَ: ذاكَ أشرُّ وأخبثُ " (٩). ولهُ عن أبي سعيدٍ الخُدْريِّ، وأبي هريرةَ في (١٠) الزّجرِ عن الشربِ قائماً والآخرُ: تناولُ الشّهواتِ بحضرةِ مَن يُحبُّها ولا يصلُ إليها، وقد أُتيَ ﵇ بلبنٍ من البقيعِ مكشوفٍ، فقالَ للّذي جاءَ بهِ: ألا غَطَّيتَهُ، واللهُ أعلمُ. وأمّا الشطرنج فقد قالَ عبدُ اللهِ بنُ عمرَ: هو شر من النَّرْدِ. ونص على ذلكَ مالكٌ رحمهُ اللهُ تعالى.

стр. 784

وروى مسلمٌ في صحيحِهِ عن بُرَيْدةَ: أنّ رسولَ اللهِ ﷺ ، قالَ: " مَن لعبَ بالنَّرْدَشيرِ، فكأنَّما صبغَ يدَهُ في لحمِ خِنزيرٍ ودمِهِ " (١١). وعند الإمامِ أحمدَ من حديثِ عبدِ الرّحمن (١٢) الخطميّ، قالَ: سمعتُ أبي يقولُ: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: " مثلُ الذي يلعبُ بالنّردِ، ثمَّ يقومُ فَيُصلّي مثلُ الذي يتوضأَ بالقيحِ ودمِ الخنزيرِ، ثمَّ يقومُ فيُصلّي " (١٣). وروى الإمامُ مالكٌ في الموَطَّأ عن أبي موسى الأشْعريِّ عن النبيِّ ﷺ ، قالَ: " مَن لعب بالنرد، فقد عَصى الله ورسولَهُ " (١٤). وأخرجهُ الإمامُ أحمدُ في مُسندِهِ، وأبو داودَ، وابنُ ماجة في سُننِهما، ورُويَ موقوفاً، واللهُ أعلمُ. وأمّا الأحاديثُ المرْويّةُ في الشّطرنجِ، فلا يصحُّ منها شيءٌ، وقد صنَّفَ الناسُ فيهِ مُصَنَّفاتٍ مُفْرَدةٍ، وأوْردوا فيهِ أحاديثَ من الطَّرفين، وما أظنّهُ كانَ معروفاً في زمانِ رسولِ اللهِ ﷺ ، بل أولُ ظهورهِ في زمنِ الصّحابةِ، فإنهُ من وضعِ الهنودِ، ويُنسبُ إلى رجلٍ منهم، يُقالُ لهُ (صعة) (١٥)، وقدْ ذكروا حكايةً طويلةً في سببِ وضعهِ، اللهُ أعلمُ بصحّتِها، والغرضُ أنَّ أحسنَ ما ورَدَ في النَّهي عنهُ ما رواهُ البيهقيُّ من حديثِ جعفرَ

стр. 785

ابن محمدٍ عن أبيهِ " أنّ عليّاً قالَ في الشّطرنجِ: هو مِن الميْسرِ " (١٦)، وهذا: منقطعٌ جيّدٌ. لأنَّ أهلَ الرّجلِ أعلمُ بحديثِهِ. وقد رُويَ عنهُ من وجهٍ آخرَ: " أنهُ مرَّ على قومٍ يلعبونَ بالشّطرنجِ، فقالَ: (ما هذهِ التَّماثيلُ الّتي أنْتُمْ لها عَاكِفُونَ)، وفي روايةٍ عنهُ فقالَ: (لغيرِ هذا خُلقْتُمْ)، قالَ البيهقيُّ: ورُوِّينا عن ابنِ عبّاسٍ، وابنِ عمرَ، وأبي موسى، وأبي سعيدٍ، وعائشةَ: " أنهم كرهوا ذلكَ ". ورُوِّيناهُ عن أبي جعفرٍ، وابنِ المُسيَّبِ، وابنِ سيرين، وإبراهيمَ النَّخعيّ، والزُّهريِّ، ويزيدَ بنِ أبي حبيبٍ، ومالكِ بنِ أنسٍ. وقالَ الرّبيعُ عن الشافعيّ: يُكرَهُ، واللَّعبُ بالنّردِ يكرهُ أكثرَ من اللعبِ بشيءٍ من الملاهي. عن المِسْورِ بنِ مَخْرمةَ ﵁، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " فاطمةُ بَضْعةٌ منّي يُريبُني ما رَابَها، ويؤذيني ما آذاها " (١٧)، أخرجاهُ. والغرضُ منهُ: أنّ الولدَ بمنزلةِ الجزءِ من الوالدِ، ومالُهُ كمالهِ، فلا تُقبلُ شهادتُهُ لهُ. وقد وردَ الحديث من طرقٍ مُتعدِّدةٍ: " أنتَ ومالُك لأبيكَ " (١٨). وعن عائشةَ ﵂ عن النبيِّ ﷺ : " إنّ أطيبَ ما أكلَ الرّجلُ من كسبهِ، وولدُهُ من كسبِهِ " (١٩)، رواهُ الإمامُ أحمدُ، وهذا لفظُهُ، وأهلُ السننِ، وحسَّنَهُ الترمذيُّ، وصحَّحهُ أبو حاتِم الرّازيُّ، ولهُ طرقٌ مُتعدّدةٌ، بعضُها على شرطِ الصّحيحين، وقد

стр. 786

بَسطتُ الكلامَ عليها في الأصلِ. وعن حَبيبِ المُعلّمِ عن عَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ عن أبيهِ عن جدّهِ: " أنّ رجلاً أتى النبيَّ ﷺ ، فقالَ: يا رسولَ اللهِ: إنّ لي مالاً وولداً، وإنّ والدي يجتاحُ مالي، فقالَ: أنتَ ومالُكَ لوالدكَ، أولادُكمْ من أطيبِ كسبِكُمْ، فكلوا من كسبِ أولادِكمْ " (٢٠)، رواهُ الإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ. وأخرجهُ ابنُ ماجة من حديثِ حَجّاج بنِ أرطاةٍ عن عمْرو بنِ شُعيْبٍ. ورواهُ ابنُ ماجة أيضاً، من حديثِ جابرِ بنِ عبد الله. وأخرجَهُ الطَّبرانيُّ من حديثِ عبدِ الله بنِ مَسعودٍ، وقد حرَّرتُ هذهِ الأحاديث بأسانيدِها ومُتونِها، وكلامَ الأئمةِ عليها في الأصلِ، ولله الحمدُ والمِنّةُ. عن عَمْرو بنِ شُعيْبٍ عن أبيهِ عن جدِّهِ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " لا تجوزُ شهادةُ خائنٍ ولا خائنةٍ، ولا ذي غِمْرٍ على أخيهِ، ولا تجوزُ شهادةُ القانعِ لأهلِ البيتِ، والقانعُ: الذي يُنفقُ عليهِ أهلُ البيتِ " (٢١)، رواهُ الإمامُ أحمدُ، وهذا لفظُهُ، وأبو داودَ، وابنُ ماجة، وإسنادُهُ: جيدٌ. وعن عبدِ الرّحمنِ الأعرجِ: أنّ رسولَ اللهِ ﷺ ، قالَ: (٢٢) " لا تجوز شهادةُ ذي الظِّنّةِ، والحِنّةِ " (٢٣)، رواهُ الشافعيُّ، وأبو داودَ في المراسيلِ: ورُويَ من وجهٍ آخرَ. قالَ تعالى: " واسْتشْهدُوا شَهيدَيْنِ مِنْ رجَالِكُمْ فإنْ لمْ يكونَا رَجُلَينِ فَرَجُلٌ وامْرَأتَانِ مِمَّنْ تَرْضَونَ مِنَ الشُّهداءِ. . " الآية. وعن ابنِ عمرَ: أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ ، قالَ: " ما رأيتُ مِن ناقصاتِ عقلٍ ودينٍ أغلبَ

стр. 787

لذي لِبٍّ منكنَّ، قالتْ: يا رسولَ اللهِ، وما نقصانُ العقلِ والدّينِ؟، قالَ: أمّا نقصانُ العقلِ: فشهادةُ امرأتين تعدِلُ شهادةَ رجلٍ. . وذكرَ الحديث " (٢٤)، رواهُ مسلمٌ. عن عَمْرو بنِ دينارٍ عن ابنِ عبّاسٍ: " أنّ رسولَ اللهِ ﷺ قضى بيمينٍ وشاهدٍ " (٢٥)، رواهُ مسلمٌ، ولهُ طرقٌ. وعندَ الإمامِ أحمدَ، وأبي داودَ " قالَ عمرو: إنّما كانَ ذلكَ في الأموالِ " (٢٦)، وقد حَكى الشافعيُّ عن محمدِ بنِ الحسنِ: أنهُ تكلّمَ فيهِ، وقالَ: لو أعلمُ أنّ سيفَ بنَ سليمانَ يرويهِ لأفسدتهُ عندَ الناسِ، قلتُ: يا أبا عبدِ اللهِ، إذا أفسدتَهُ، فسدَ؟ قالَ البيهقيُّ: سيفُ بنُ سليمانَ المَكّيُّ من الثقاتِ الذين احتجَّ بهم البخاريُّ، ومسلمٌ. وكذا الطَّحاويُّ تكلّمَ في اتصالِ سندِهِ، وردَّ عليهِ البيهقيُّ ذلكَ. وقالَ الشافعيُّ ﵀: هذا: حديثٌ ثابتٌ، لا يَردُّ احدٌ من أهلِ العلمِ مثلَهُ، لو لمْ يكنْ فيهِ غيرُهُ، معَ أنهُ معهُ غيرُهُ ممّا يشدُّهُ. قلتُ: هذا الحديثُ مَرْويٌّ في مُسندِ الإمامِ أحمدَ من حديثِ جابرٍ، وسعدِ بنِ عُبادةَ، وعُمارةَ، وخُزَيْمةَ. ورواهُ أبو هريرةَ، وسُرَّقُ، وزُبَيْبٌ، كلُّهم عن النبيِّ ﷺ من طرقٍ متعدِّدةٍ، وصحّحهُ الحافظان أبو زُرْعةَ، وأبو حاتِمٍ الرّازيان من حديثِ أبي هريرةَ، وزيدِ بنِ ثابتٍ، قالَ تعالى: " ثُمَّ لمْ يأتُوا بأرْبعةِ شُهَداءَ "، فهو: حديثٌ مشهورٌ، واللهُ أعلمُ. عن أبي هريرةَ: أنّ سعدَ بنَ عُبادةَ، قالَ: يا رسولَ اللهِ، أرأيتَ إنْ وجدتَ معَ

стр. 788

امرأتي رجلاً أُمهِلُهُ حتّى حتّى آتيَ بأربعةِ شُهداءَ، قالَ: نعمْ، - وذكرَ الحديث " (٢٧)، رواهُ مسلمٌ. ففيه: أنهُ لا يُقبلُ في الشّهادةِ على الزّنا إلا أربعةٌ. قالَ محمدُ بنُ إسحاقَ عن الزُّهريّ عن سعيدِ بنِ المُسيَّبِ: " أنّ عمرَ بنَ الخطابِ جَلدَ أبا بَكْرةَ، ونافعَ بنَ الحارثِ، وشِبْلَ بنَ مَعْبدٍ، قالَ: فاستتابَ نافعاً وشِبْلَ بنَ مَعْبدٍ، فتابا وقَبلَ شهادتَهما، واستتابَ أبا بَكْرة، فأبى، وأقامَ، فلمْ تُقْبلْ شهادتُهُ، وكانَ أفضلَ القومِ " (٢٨). وقد رواهُ عن الزُّهريِّ: سفيانُ بنُ عُيَيْنَةَ، والأوزاعيُّ، وسليمانُ بنُ كَثيرٍ (٢٩)، وقد تقدّمَ ذكرُها في بابِ حدِّ القذفِ لما شهدوا على المُغيرةِ، وتَوقَّفَ زيادٌ، فحُدَّ الثلاثةُ، ومثلُ هذا يشتهرُ، ولمْ نعلمْ لهُ مُخالفاً، فيكونُ إجماعاً سُكوتياً، فيُقوِّي جانب القولِ بحدِّ الثلاثةِ، وهو الذي صحَّحهُ الأصحابُ، ولله الحمدُ والمِنّةُ.

стр. 789

٢ - بابُ: تحمّلِ الشَّهادةِ وإدائِها، والشَّهادةِ على الشَّهادةِ عن ابن عبّاسٍ: " أنّ رجلاً سألَ النبيَّ ﷺ عن الشّهادةِ، فقالَ: هلْ تَرى الشمسَ؟، على مِثْلها، فاشهدْ، أو دعْ " (١). رواهُ الحافظُ أبو أحمدَ بنُ عَدِيٍّ من حديثِ محمدِ بنِ سليمانَ بنِ مشمولٍ، وقد ضَعَّفهُ النسائيُّ، وقالَ البخاريُّ: كانَ الحُمَيْديُّ يتكلمُ فيهِ، وقالَ ابن عَديٍّ: لا يُتابعُ في إسنادِهِ ومتنِهِ. وعن عِمرانَ بنِ حُصَينٍ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " خيرُ القُرون قَرْني، ثمَّ الذين يلونَهمْ، ثُمَّ الذين يَلونَهمْ، ثمّ إنَّ مِن بعدِهمْ قوماً يَشهدون ولا يُسْتشهَدون، ويخونون ولا يُؤتَمنونَ، ويَنذِرونَ ولا يُوفونَ، ويظهرُ فيهم السَّمْنُ " (٢)، أخرجاهُ. ولمسلمٍ عن أبي هُريرةَ (٣): نحوَهُ. عن زيدِ بنِ خالدٍ الجُهَنيِّ أنّ رسولَ اللهِ ﷺ ، قالَ: " ألا أُخبرُكم بخيرِ الشُّهداءِ؟ الذي يأتي بشهادتِهِ قبلَ أن يُسألَها " (٤)، رواهُ مسلمٌ، ولا مُنافاةَ بينَ هذا الحديثِ والذي قبلَهُ، لأنّ كلاًّ منهما محمولٌ على حالٍ، واللهُ أعلمُ.

стр. 790

٣ - بابُ: اختلافِ الشّهودِ، والرّجوعِ عن الشَّهادةِ قالَ الشافعيُّ عن سُفيانَ عن مُطَرِّفٍ عن الشَّعبيِّ: " أنّ رجلين أتيا عليّاً، فشهِدا على رجلٍ: أنهُ سرقَ، فقطع يدَهُ، ثمّ أتيَاهُ بآخرَ، فقالا: هذا الذي سَرقَ، وأخطأنا على الأوّلِ، فلمْ يُجزْ شهادتَهُما على الآخرِ، وغرَّمهما ديةَ يدِ (١) الأولِ، وقالَ: لوْ أعلمُ أنّكما تَعمَّدتُما لَقَطَعْتُكما " (٢).