← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 260

إرشاد الفقيه إلى معرفة أدلة التنبيه

ابن كثير

Полный текст (779 стр.). Показаны 716–755 · переход к 721.

стр. 716

فقيلَ: إنهُ عامٌّ في الرّجالِ والنّساءِ، فتكون الآيةُ في سورةِ الممتحنةِ مُخصّصةً لهذا الحديثِ، حيثُ أخرجتْ ردّ النّساءِ منهُ، وهذا من غريب ما يقعُ، وقيلَ: بلْ كانَ المرادُ الرّجالَ، فقطْ، ويُؤيّدُهُ الرّوايةُ الأخرى للبخاريّ: " وعلى أنهُ لا يأتيكَ منّا رجلٌ، وإن كانَ على دينِكَ، إلا رَددْتَهُ علينا، وخلّيتَ بينَنا وبينَهُ " (٧)، وأبى سُهَيْلُ بنُ عمرو إلا ذلكَ، فقاضاهُ رسولُ اللهِ ﷺ ، وردَّ أبا جَنْدل بنَ سُهَيْلٍ إلى أبيهِ سُهَيْلٍ، ولمْ يأتِ رسولَ اللهِ ﷺ أحدٌ من الرّجالِ إلا ردّهُ في تلكَ المدّةِ، وإنْ كانَ مُسلماً، وجاءتِ المسلماتُ مُهاجراتٍ، فكانت أمُّ كلثوم بنتُ عُقْبةَ بنِ أبي مُعَيْطٍ ممّنْ خرجَ إلى رسولِ اللهِ ﷺ وهي عاتقٌ، فجاءَ أهلُها يسألون رسولَ اللهِ ﷺ أن يُرجعها إليهمْ، حتّى أنزلَ اللهُ في المؤمناتِ ما أنزلَ، قالَ تعالى: " وإمَّا تخافنَّ مِنْ قومٍ خيانةً فانْبذْ إليْهمْ على سَواء إنَّ اللهَ لا يُحبُّ الخَائنينَ ". عن سُليْم بنِ عامرٍ، قالَ: " كانَ بينَ معاويةَ وقومٍ من الرّومِ عهدٌ، فجعلَ معاويةُ يسيرُ في أرضهمْ حتّى ينقضيَ فيغيرَ عليهمْ، وإذا رجلٌ على دابّةٍ أو برذونٍ، وهو يقولُ: اللهُ أكبرُ، وفاءٌ، لا غدرٌ، فإذا هو: عمرو بنُ عَبسةَ، فسألهُ مُعاويةُ عن ذلكَ، فقالَ: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: " مَنْ كانَ بينَهُ وبين قومٍ عهدٌ، فلا يَحلّنَّ عُقْدةً ولا يَشدُّها حتّى ينقضيَ أمدُهُ، أو يَنبذَ إليهم على سَواءٍ، قالَ: فرجعَ معاويةُ بالناسِ " (٨)، رواهُ الإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، والنسائيُّ، والترمذيُّ، وقالَ: حسنٌ صحيحٌ. عن عبدِ الرّحمنِ بنِ أبْزَى، وعبدِ الله بنِ أبي أوْفى، قالا: " كنّا نصيبُ المغانمَ معَ رسولِ اللهِ ﷺ ، وكانَ يأتينا أنباطٌ من أنباطِ الشامِ فُنسلِفُهمْ في الحنطةِ والشّعيرِ إلى أجلٍ مُسمّىً، قيلَ: أو كانَ لهم زرعٌ أو لمْ يكنْ؟، فقالا: ما كُنّا نسألُهمْ عن ذلكَ " (٩)، رواهُ البخاريُّ.

стр. 717

والغرضُ من إيرادِ هذا الحديثِ هاهُنا معَ أنهُ قد تقدّمَ في بابِ السَّلَمِ، أنهُ يجوزُ للإمامِ أنْ يأذنَ للحربيِّ في دخولِ دارِ الإسلامِ للتجارةِ ينتفعُ بها المسلمون، لأنّ الشامَ كانتْ أيامَ رسولِ اللهِ ﷺ دارَ حربٍ. قالَ مالكٌ: عن ابنِ شهابٍ عن سالمٍ عن أبيهِ: " أنّ عمرَ بنَ الخطابِ كانَ يأخذُ من النبطِ من الحنطةِ والزّيتِ نصفَ العُشْرِ، يريدُ بذلكَ أن يكثر مأخذ الحمل إلى المدينةِ، ويأخذُ من القطنيةِ العُشر " (١٠). عن نُعَيْمِ بنِ مسعودٍ الأشْجعيِّ ﵁، قالَ: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ ، يقولُ: " حينَ قرأ كتابَ مُسَيْلمةَ الكذّابِ، قالَ للرسولين: ما تقولانِ أنتما؟، قالا: نقولُ كما قالَ، قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " لولا أنَّ الرّسلَ لا تُقْتلُ، لضربتُ أعناقكما " (١١)، رواهُ الإمامُ أحمدُ، وأبو دوادَ. قلتُ: وهذان الرّجلان هما: حجرُ بن أثالٍ، وعبدُ اللهِ بنُ النّواحةِ الذي ضربَ عبد اللهِ بن مسعودٍ عنقهُ فيما بعدُ، كذا جاءَ مصرَّحاً باسمهما في مسندِ الإمامِ أحمد بنِ حَنْبلٍ، وهذا الحديثُ دليلٌ على أنهُ يجوزُ دخولُهم بإذنِ الإمامِ لإداءِ الرّسالةِ.

стр. 718

١٥ - بابُ: خراج السَّواد قالَ الرّبيعُ: قالَ الشافعيُّ: أخبرَنَا الثقةُ عن إسماعيلَ بنِ أبي خالدٍ عن قيسِ بنِ أبي حازمٍ عن جريرِ بنِ عبد اللهِ، قالَ: " كانتْ بجيلةُ رُبعَ الناسِ، فقُسِمَ لهمْ رُبعُ السّوادِ، فاستغلّوهُ ثلاثاً أو أربعَ سنين. أنا شككتُ، ثمّ قدمتُ على عمرَ، فقالَ: لولا أني قاسمٌ مسؤولٌ لتُرِكْتمْ على ما قُسمَ لكمْ، ولكنْ أرى أن تَرُدّوا على الناسِ، قالَ الشافعيُّ: وكان في حديثِهِ: " وعاضَني من حقّي فيه نَيْفاً وثمانين ديناراً " (١). وهكذا رَواهُ عبدُالله بنُ المباركِ، وسفيانُ بنُ عيَيْنةَ، وهُشَيْمٌ عن إسماعيلَ بنِ أبي خالدٍ بنحوهِ. عن الشَّعبيِّ، قالَ: " اشترى عُتْبةُ بنُ فرْقَدٍ أرضاً من أرضِ الخراجِ، ثمّ أتى عمرَ، فأخبرَهُ، فقالَ: ممّن اشتريْتَها؟، قالَ: من أهلِها، قالَ: فهؤلاءِ أهلُها المسلمون، أبعتموهُ شيئاً؟، قالوا: لا، قالَ: اذهبْ، فاطلبْ مالكَ " (٢)، رواهُ البيهقيُّ. وفي روايةٍ عن الشعبي عن عُتْبةَ، قالَ: " اشتريتُ عشرةَ أجْربةٍ من أرضِ السَّوادِ على شاطئِ الفراتِ لقضبِ دوابّي، فذكرتُ ذلكَ لعمرَ: فذكرَ نحوهُ " (٣). فهذا يدلُّ على أنّ أرضَ السّوادِ وقفَها عمرُ ﵁. وقد رُويَ نحو هذا عنهُ من وجوهٍ عديدةٍ، واللهُ أعلمُ.

стр. 719

عن سُهَيْلِ بنِ أبي صالحٍ عن أبيه عن أبي هريرةَ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " مَنَعتِ العراقُ درهمَها وقفيزَها، ومنعتِ الشامُ مُدْيَها ودينارَها، ومنَعتْ مِصْرُ إرْدَبَّها ودينارَها، وعُدتمْ من حيثُ بدَأتُمْ، وعُدْتمْ من حيثُ بدأتم، وعُدْتمْ من حيثُ بدأتُمْ، ثمَّ شهدَ على ذلكَ لحمُ أبي هريرةَ ودمهُ " (٤)، رواهُ مسلمٌ. قالَ يحيى بنُ آدمَ: ذكرَ الدَّرهمَ والقفزَ قبلَ أن يضعهُ عمرُ على الأرضِ. عن قتادَةَ عن أبي مِجْلزٍ لاحقِ بنِ حُميْدٍ، قالَ: " بعثَ عمرُ بنُ الخطابِ عمّاراً، وابنَ مسعودٍ، وعثمانَ بنَ حُنيْفٍ إلى الكوفةِ، فعمّارُ على الجيوشِ، وابنُ مسعودٍ على القضاءِ وعلى بيتِ المالِ، وعثمانُ بنُ حُنَيْفٍ على مساحةِ الأرضِ، قالَ: فوضعَ عثمانُ ابنُ حُنيفٍ على جَريب الكرم عَشرةَ دراهمَ، وعلى جريبِ النّخلِ ثمانيةَ دراهمَ، وعلى جريبِ القصبِ ستّةَ دراهمَ، وعلى جريبِ البُرِّ أربعَة دراهمَ، وعلى جريبِ الشّعيرِ درهمين " (٥)، رواهُ البيهقيُّ. ورُويَ من حديثِ وَكيعٍ عن ابنِ أبي ليْلى عن الحَكَمِ بنِ عُتَيْبة: " أنَّ عمرَ بنَ الخطابِ بعثَ عثمانَ بنَ حُنَيْفٍ، فمسحَ السّوادَ، فوضعَ على كلّ جريبٍ عامرٍ أو غامر ينالهُ الماءُ قفيزاً ودرهماً، قالَ وكيعٌ: يعني - الحنطةَ والشّعير، ووضع على كلِّ جريبٍ من الكرمِ عشرةَ دراهمَ، وعلى كل جَريبِ الرّطابِ خمسةَ دراهمَ " (٦). وهذا: مُنقطعٌ، فإنَّ الحكمَ لمْ يُدركْ عمرَ.

стр. 720

١٠ - كتابُ الحدودِ ١ - بابُ: حَدِّ الزِّنا قال اللهُ: " ولا تقْربُوا الزِّنَا إنَّهُ كانَ فَاحِشةً وساءَ سَبيلاً ". وقالَ تعالى: " والَّذينَ هُمْ لِفُرُوجهِمْ حافِظونَ إلاَّ على أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلكَتْ أيْمانُهُمْ فإنَّهُمْ غَيْرُ مَلومينَ ". عن أبي هُريرةَ قالَ: " أتى رسولَ اللهِ ﷺ رجلٌ من المسلمينَ، وهو في المسجدِ، فناداهُ فقالَ: يا رسولَ اللهِ: إنّي زنيتُ - يريدُ نفسَه -، فأعرضَ عنهُ، فتنَحّى لشقِّ وجهِهِ الذي أعرضَ قبلَهُ، فلما شهدَ على نفسِهِ أربعَ شهاداتٍ، دعاهُ النبيُّ ﷺ ، فقالَ: أبكَ جنونٌ؟، قالَ: لا، يا رسولَ اللهِ، قالَ: أحصنتَ؟، قالَ: نعَمْ، يا رسولَ اللهِ، قالَ: اذهبوا بهِ فأرجموهُ، قالَ ابنُ شهابٍ: فأخبرني مَنْ سمعَ جابراً: فكنتُ فيمنْ رجَمَهُ، فرجمناهُ بالمُصَلّى، فلما أذْلقْتهُ الحجارةُ جمزَ حتّى أدركناهُ بالحرَّةِ، فرجمناه " (١)، أخرجاهُ، ولفظُهُ للبخاريِّ. وتقدّم حديثُ: " رُفعَ عن أمّتي الخطأ، والنّسيانُ، وما اسْتُكرِهوا عليهِ " (٢). ورَوى الإمامُ أحمدُ عن الشَّعْبيِّ: أنّ علياً قالَ لشراحةَ: لعلّكَ رأيتِ في منامِك، لعلّكِ استُكْرِهتِ، لعلّ زوجَكِ أتاكِ، لعلّكِ لَعلَّكِ، فكلُّ ذلكَ تقولُ: لا، وذكرَ الحديث " (٣).

стр. 721

وتقدَّم حديثُ ابنِ عمرَ في رجمِ اليهوديّ والمرأةِ (٤) اليهوديةِ، فدَلَّ على أنّ الإسلامَ ليسَ شَرْطاً في الإحصان. فأمَّا الحديثُ الذي رواهُ إسحاقُ بنُ راهوية عن الدَّرَاوَرْدِيّ عن عُبيْدِ الله بنِ عمرَ عن نافعٍ عن ابنِ عمرَ مرفوعاً: " مَنْ أشركَ باللهِ، فليسَ بِمحْصنٍ " (٥)، فإنهُ مُنكرٌ جداً، وإسنادُهُ: على شرطِ مسلمٍ. ورُويَ من وجهٍ آخرَ عن موسى بنِ عُقبةَ عن نافعٍ، لكنَّ الصحيحَ: أنهُ موقوفٌ على ابنِ عمرَ قولَهُ، كما قرَّرهُ الدارَقُطنيُّ، والبيهقيُّ، وكما رواهُ الجماعة عن نافعٍ، والله أعلم. ثمَّ بتقديرِ صحّتِهِ فمحمولٌ على الإحصانِ في القذفِ، لا في الزّنا، كما سيأتي هذا كلّهُ، إن سُلِّمَ أنَّ أهلَ الكتابِ يدخلون في مُطْلَقِ اسمِ الشِّركِ، وفيهِ نزاعٌ، واللهُ أعلمُ. قالَ تعالى: " الزّانيَةُ والزّاني فاجْلِدُوا كلَّ واحِدٍ منْهما مائة جلدة. . الآية ". عن ابنِ عبّاسٍ، قالَ: قالَ عمرُ بنُ الخَطَّابِ ﵁ وهو جالسٌ على مِنْبرِ رسولِ اللهِ ﷺ : " إنّ اللهَ بعثَ محمداً بالحقِّ، وأنزلَ عليهِ الكتابَ، فكانَ فيما أنزلَ عليهِ آيةُ الرّجْمِ، قرأناها ووعَيْناها، وعقَلْناها، ورجمَ رسولُ اللهِ ﷺ ، ورجَمْنا بعدَهُ، فأخشى إنْ طالَ بالناسِ عهد زمانٍ أن يقولَ قائلٌ: ما أرى آيةَ الرّجْمِ في كتابِ اللهِ، وإنَّ الرجْمَ حقٌّ على مَن زنا إذا أُحصن مِن الرّجالِ والنساءِ، إذا قامتِ البيّنةُ، أو كان الحبلُ، أو الاعترافُ " (٦)، أخرجاهُ، ولفظهُ لمسلمٍ. عن أبي هريرةَ، وزيدِ بنِ خالدٍ ﵄، قالا: " جاءَ رجلٌ إلى رسولِ اللهِ ﷺ ، فقالَ: أنشدكَ اللهَ إلا قضيتَ بينَنا بكتابِ اللهِ، فقامَ خصمُهُ، وكانَ أفقهَ منهُ فقالَ:

стр. 722

صدقَ، اقضِ بينَنا بكتابِ اللهِ، وأذنْ لي يا رسولَ اللهِ، فقالَ: قلْ، قالَ: إنّ ابني كانَ عسيفاً على أهل هذا، فزنا بامرأتِهِ، فافتديتُ منهُ بمائةِ شاةٍ وجاريةٍ، وإني سألتُ رجالاً من أهلِ العلمِ، فأخبروني أنّ على ابني جلدَ مائةٍ وتغريب عامٍ، وإنّ على امرأةِ هذا الرّجمَ، فقالَ: والذي نفسي بيدِهِ، لأقضينَّ بينكما بكتابِ اللهِ، المائةُ والخادمُ ردٌّ عليكَ، وعلى ابنِكَ جَلْدُ مائةٍ، وتغريبُ عامٍ، ويا أُنيس: اغدُ على امرأةِ هذا، فاسألْها، فإنْ اعترفَتْ فارجمْها، فرجَمها " (٧)، أخرجاهُ، وهذا لفظُ البخاريِّ. وعنهُ: " أنّ رسولَ اللهِ ﷺ قضى فيمن زَنا، ولمْ يُحصنْ بنفي عامٍ، بإقامةِ الحدِّ عليهِ " (٨)، رواهُ البخاريُّ. قالَ تعالى: " فإذا أُحْصِنَّ فإنْ أتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فعلَيْهنَّ نِصْفُ مَا عَلى المُحصَناتِ مِنَ العذابِ ". عن أبي هريرةَ، وزيدِ بنِ خالدٍ: أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ سُئِلَ عن الأمةِ إذا زنتْ، ولمْ تُحصَنْ، قالَ: " إنْ زنَتْ فاجْلِدوها، ثم إنْ زنَتْ فاجْلِدوها، ثم إنْ زنتْ فاجْلدوها، ثمَّ بيعوها، ولو بضَفيرٍ " (٩)، أخرجاهُ. وعن الحسنِ بنِ سَعْدٍ عن أبيهِ: " أنَّ يحنسَ وصفيّةَ كانا من الخمسِ، فزنتْ صفيةُ برجلٍ من الخمسِ، فولدتْ غلاماً ادّعاهُ الزّاني ويحنسُ، فاختصَما إلى عثمانَ بنِ عفّانَ، فرفعها إلى عليّ بنِ أبي طالبٍ، فقالَ عليٌّ: أقضي فيها بقضاءِ رسولِ اللهِ ﷺ الولدُ للفراشِ، وللعاهرِ الحجرُ "، وجلَدهُما خمسين خمسين " (١٠)، رواهُ الإمامُ أحمدُ. قالَ الشافعيُّ: أخبرَنا مالكٌ عن نافعٍ: " أنَّ عبداً استكرهَ جاريةً من رَقيقِ الخمسِ، فجلدَهُ عمرُ ونفاهُ " (١١)، وهذا: منقطعٌ: جيّدٌ، وهو أحدُ القولين: أنَّ العبدَ يُغَرَّبُ.

стр. 723

وعن عليٍّ: " لا نفْيَ عليهِ " (١٢)، وهو قولُ الفقهاءِ بالمدينةِ، وأحدُ القولين، واللهُ أعلمُ. عن ابنِ عبّاسٍ: أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ ، قالَ: " منْ وجدْتموهُ يعملُ عملَ قومِ لوطٍ، فاقتلوا الفاعلَ والمفعولَ بهِ " (١٣)، رواهُ الإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، والترمذيُّ، وابنُ ماجة، من حديثِ الدَّراوَرْديِّ عن عَمْرو (١٤) بن أبي بكر بنِ عَمْرو عن عِكْرمةَ عنهُ، وعمْرو، هذا، أخرجَ لهُ الأئمةُ الستّةُ في كُتُبهمْ، وتكلّمَ فيهِ ابن مَعينٍ وغيرُهُ لأجلِ هذا الحديثِ وغيرهِ، لكنْ روى أبو داودَ من حديث سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ ومُجاهدٍ عن ابنِ عبّاسٍ: " في البكرِ يوجدُ على اللوطيةِ، قالَ: يُرْجمُ " (١٥). ورواهُ البيهقيُّ من وجهٍ آخرَ، وحكاهُ الشافعيُّ عنهُ. ورواهُ عن عليٍّ أيضاً: " أنهُ رجمَ لوطيّاً، ثم قالَ: وبهذا نأخذُ، يُرْجمُ اللوطيُّ مُحْصناً كانَ أو غيرَ مُحْصَنٍ، قالَ: وسعيدُ بنُ المسَيَّبِ يقولُ: " السنّةُ أن يُرجَمَ اللوطيُّ أُحصِنَ أوْ لمْ يُحصَنْ "، وعِكْرمةُ يرويهِ عن ابنِ عبّاسٍ عن النبيِّ ﷺ . ورَوى البيهقيُّ من حديثِ محمد بنِ المُنْكدِرِ، وصَفْوانَ بنِ سُلَيْمٍ: " أنَّ خالدَ بنَ الوليدِ كتبَ إلى أبي بكرٍ في رجلٍ من العربِ يُنكَحُ كما تُنكَحُ المرأةُ، فجمعَ أبو بكر الناسَ، فاجتمعَ رأيُ أصحابِ محمد ﷺ على أن يحرقَهُ بالنّارِ، فكتبَ إلى خالدٍ بذلكَ " (١٦)، وهذا: منقطعٌ.

стр. 724

وقال البيهقيُّ: رُويَ من أوجهٍ أُخرَ، عن جعفرِ بنِ محمدٍ عن أبيهِ عن جدّهِ عن عليٍّ، في اللوطيِّ يُرْجَمُ ويُحرقُ بالنّارِ "، واللهُ أعلمُ. فهذا عُمْدةُ القولِ برجمِ اللائطِ مُطلقاً سواءٌ كانَ مُحْصناً أو غيرَهُ، كما نصَّ عليه الإمامُ الشافعيُّ، وعنهُ قولٌ: أنهُ كالزّاني، سواء، لعمومِ الآية: " الزّانيةُ والزّاني فاجْلدُوا كُلَّ واحِدٍ منْهما مائةَ جَلْدةٍ "، وحديث عُبادةَ: " والبكرُ: جلدُ مائةٍ، وتغريبُ عامٍ ". وما رواهُ البيهقيُّ من حديثِ اليَمانِ بنِ المُغيرةِ عن عطاءِ بنِ أبي رَباحٍ، قالَ: " شهدتُ ابنَ الزُّبيرِ أُتيَ بسبعةٍ أُخِذوا في لِواطةٍ، أربعةٍ منهم قدْ أَحصنوا النساءَ، وثلاثةٍ لم يُحصنوا، فأمرَ بالأربعةِ فأُخرجُوا من المسجدِ فرُضِخوا بالحجارةِ، وأمرَ بالثلاثةِ فضُربوا الحدودَ، وابنُ عمرَ، وابنُ عبّاسٍ في المسجدِ " (١٧). وهذا قولُ عطاءٍ، والحسنِ، وإبراهيمَ النّخعي، قالَ البيهقيُّ: وإليهِ يرجعُ الشافعيُّ فيما زعمَ البيهقيُّ (١٨)، واللهُ أعلمُ. عن ابنِ عبّاسٍ، أيضاً بالسّندِ المتقدمِ: أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ ، قالَ: " من أتى بهيمةً، فاقْتلوهُ، واقتلوها معَهُ " (١٩)، رواهُ الإمامُ أحمدُ، وأهلُ السُّننِ. وقدْ رَوى الترمذيُّ، والنَّسائيُّ من حديثِ أبي رَزينٍ عن ابنِ عبّاسٍ: أنهُ قالَ: " مَنْ أتى بهيمةً، فلا شيءَ عليهِ " (٢٠)، قالَ الترمذيُّ: وهذا أصحُّ من حديثِ عَمْرِو بنِ أبي عمْرو، وكذا قالَ ابنُ داسةَ عن أبي داود. وأمّا البيهقيُّ: فرجّحَ روايةَ عمْرٍو على هذهِ، وقالَ: هو أحفظ (٢١)، وقد تابعهُ غيرُهُ

стр. 725

عن عِكْرمةَ على ذلكَ. قلتُ: تابعَهُ عبّادُ بنُ العَوام (٢٢)، وداودُ بنُ الحُصيْنِ عن عِكرمةَ عن ابنِ عباسٍ موقوفاً بنحوهِ. قالَ الحسنُ بنُ عَرَفَةَ العَبديُّ في جزئِهِ المشهورِ: حدَّثني عليُّ بنُ ثابتٍ الجَزريُّ عن مَسْلمةَ بنِ جعفرٍ عن حسّان بنِ حُميْد عن أنسِ بنِ مالكٍ عن النبيِّ ﷺ ، قالَ: " سبعةُ لا ينظرُ اللهُ إليهم يومَ القيامةِ، ولا يُزكّيهم، ولا يجمعُهُم معَ العالمين، ويُدخلُهم النّارَ أوّلَ الدّاخلين، إلا أن يَتوبوا، فمن تابَ، تابَ اللهُ عليهِ: الناكحُ يَدهُ، والفاعلُ والمفعولُ بهِ، ومُدمِنُ الخمرِ، والضاربُ والدَيهِ حتّى يَستغيثا، والمؤذي جيرانَهُ حتّى يَلعنوهُ، والناكحُ حليلةَ جارِهِ " (٢٣)، هذا: حديثٌ غريبٌ، وإسنادُهُ: لا تثبتُ بمثلِهِ حجّةٌ، لجهالةِ حسّان بنِ حُميدٍ، وهذا، وقد ضعَّفَ أبو الفتحِ الأزديُّ مَسْلمةَ بنَ جعفرٍ، وعليَّ بنَ ثابتٍ الجَزريَّ من أجلِذا الحديثِ. قلتُ: لكنّ عليَّ بنَ ثابتٍ وثّقهُ الإمامُ أحمدُ، وابنُ معينٍ، فيُؤخذُ منهُ لعْنُ من استمنى بيدِهِ، واللهُ أعلمُ. عن محمدِ بنِ عبد الرحمن عن خالدٍ الحذّاءِ عن ابنِ سيرين عن أبي موسى الأشعري، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " إذا أتى الرّجلُ الرّجلَ، فهما زانيان، وإذا أتت المرأةُ المرأةَ، فهما زانيتان " (٢٤)، رواهُ البيهقيُّ، وقالَ: محمدُ بنُ عبدِ الرحمن، هذا، لا أعرفهُ، وهو: منكرٌ بهذا الإسنادِ. قلتُ: يُستأنَسُ بهِ في تعزيرِ المرأةِ إذا أتت امرأةً مثلها.

стр. 726

عن قتادةَ عن حَبيبِ بنِ سالمٍ، قالَ: " رُفِعَ إلى النُّعمان بنِ بَشيرٍ رجلٌ وقعَ على جاريةِ امرأتِهِ، فقالَ: " لأقضينَّ فيها بقضاءِ رسولِ اللهِ ﷺ : إن كانتْ أحلّتها لهُ لأجلدنّهُ مائةً، وإنْ لمْ تكنْ أحلَّتها لهُ رجَمْتُهُ " (٢٥)، رواهُ الإمامُ أحمدُ، وأهلُ السّننِ، وصحَّحهُ أبو حاتِم الرّازيُّ، وتكلَّمَ فيهِ الترمذيُّ، وغيرُهُ. فيؤخذُ منهُ: أنّ من وطئَ جاريةً مشتركةً بينهُ وبينَ غيرِهِ أنهُ يُعزَّرُ لشبهةِ الملكِ كما هنا، لما أذِنتْ لهُ صارَ إذنُها شُبْهةً في دَرْءِ الحدِّ عنهُ، وصيرَ فيهِ إلى التعزيرِ، لكنهُ عندَ من وقَّتهُ بالمائةِ على مقتضى هذا الحديثِ، كالإمامِ أحمدَ، ومن تبعَهُ نوعٌ من التأديبِ، واللهُ أعلمُ. وقد رَوى البيهقيُّ عن عمرَ، مثلَ هذا الحديثِ سواء، ثمّ قالَ: لعلّهُ ادّعى جهالةً فعزَّرَهُ. وقالَ محمدُ بنُ إسحاقَ عن يحيى بنِ عبد الرّحمنِ بنِ حاطبٍ عن أبيهِ، قالَ: " كانَ حاطبٌ قد أعتقَ حينَ ماتَ من رَقيقِه من صامَ منهم وصلّى، وقد كانتْ لهُ جاريةٌ حبشيةٌ قد صامتْ وصلّتْ ولم تفقهْ وتَزوّجتْ، فلم يُرْعَ بها في زمانِ عمرَ بنِ الخطابِ إلا وهي حُبلى من زِنا، فأتيتُ عمرَ، وجئتُ بها، فسألها: أزنيتِ؟، قالتْ: نعمْ من مَرغوشٍ بدرهمين، فقالَ عمرُ: ماذا ترونَ في هذهِ، فقالَ عليٌّ وعبدُالرحمن بنُ عَوفٍ: أقضاءً غيرَ قضاءِ الله، تبغي، وعثمان جالسٌ مقنعاً قابعاً، فقالَ: مالكَ يا عثمانُ لا تتكلمُ؟، قالَ: أشار عليكَ أخواكَ، فقالَ: وأنتَ فأشِرْ، فقالَ: أُراها تستهلُّ بهِ كأنّها لا تعرفهُ، ولا أرى الحدَّ إلى على من عرفَهُ، فقالَ عمرُ: صدقتَ يا عثمانُ، وضربها الحدَّ الأدنى، ونفى عنها الرّجم " (٢٦)، وهذا: إسنادٌ جيّدٌ، ودليلٌ على أنّ من زَنا بامرأةٍ وادّعى أنهُ جهلَ تحريمَ الزّنا لعذرٍ، قُبِلَ منهُ.

стр. 727

كما رَوى عبد الوهابِ بنُ عبدِ الرّحيم الجويريُّ (٢٧) في فوائدِهِ: فقالَ: حدَّثنا سفيانُ بنُ عُييْنةَ، قالَ: سمعَ عَمْرو - يعني - ابنَ دينارٍ: سعيدَ بنَ المسيَّبِ يقولُ: " ذكرَ الزّنا بالشامِ، فقالَ رجلٌ: قد زنيتُ البارحةَ، فقالوا: ما تقولُ؟ فقالَ: أو حرَّمهُ اللهُ، ما علمتُ أنّ الله حرَّمهُ، فكُتِبَ إلى عمرَ، فكتَبَ: إنْ كانَ علمَ أنَّ اللهَ حرَّمهُ، فحدّوهُ، وإنْ لمْ يكنْ علمَهُ فعلّموهُ، فإنْ عادَ فحدّوهُ "، وهذا: إسنادٌ صحيحٌ إليهِ. عن عائشةَ: أنّ رسولَ الله ﷺ ، قالَ: " ادْرأُوا الحدودَ عن المسلمين ما استطعتمْ، فإنْ كانَ لهُ مخرجٌ فخَلّوا سبيلَهُ، فإنّ الإمامَ أنْ يُخطئَ في العفوِ، خيرٌ من أنْ يُخطئَ في العقوبةِ " (٢٨)، رواهُ الترمذيُّ من حديثِ يزيدَ بنِ زيادٍ الدِّمَشْقي عن الزُّهريِّ عن عُرْوةَ عنها، قالَ: ويزيدُ، هذا: ضعيفٌ، وقد رُويَ موقوفاً، وهو أصحُّ. ورُويَ نحوهُ عن غيرِ واحدٍ من الصّحابةِ: أنهم قالوا، مثلَ ذلكَ. قلتُ: ورواهُ ابنُ ماجةَ عن أبي هريرةَ مرفوعاً: " ادْفعوا الحدودَ ما وجدتمْ لهُ مَدْفعاً " (٢٩). فيُؤخذُ منهُ: أن من وجدَ امرأةً في فراشِهِ فظنّها زوجتَهُ أو أمتَهُ، فوطِئِها، أنهُ لا يُحَدُّ. تقدّمَ النّهيُ عن وَطءِ المرأةِ في الدُّبُرِ، وحالِ الحيضِ، فأمّا كفّارةُ وَطْءِ الحائضِ على القولِ القديمِ: فعن ابنِ عباسٍ عن النبيِّ ﷺ : " في الذي يأتي امرأتَهُ وهي حائضٌ، يتصدّقُ بدينارٍ، أو نصفَ دينارٍ " (٣٠)، كذا رواهُ الإمامُ أحمدُ، وأهلُ السُّننِ، قالَ أبو داودَ: هكذا الرّوايةُ الصحيحةُ.

стр. 728

وفي لفظٍ للترمذيِّ: " إذا كانَ دماً أحمرَ، فدينارٌ، وإن كان دماً أصفرَ، فنصفُ دينارٍ " (٣١). ولأحمدَ أيضاً: " أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ جعلَ في الحائضِ تُصابُ ديناراً، فإنْ أصابها وقد أدبرَ الدمُ عنها، ولم تغتسلْ، فنصفُ دينارٍ " (٣٢)، كلُّ ذلكَ عن النبيِّ ﷺ . عن أبي هريرةَ، قالَ: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: " إذا زنتْ أمةُ أحدِكمْ فتبيّن زِناها، فلْيجلدْها الحدَّ ولا يُثربْ عليها، ثمَّ إنْ زنتْ فليجلدْها الحدَّ ولا يُثربْ عليها، ثمَّ إن زنتْ فتبيّنَ زناها، فلْيبعْها، ولو بحبلٍ من شعرٍ " (٣٣)، أخرجاهُ. وهذا عامٌّ في ثبوتهِ بالإقرارِ، أو البيّنةِ، سواءٌ كانَ المولى رجلاً أو امرأةً، عَدْلاً، أو فاسقاً، حُرّاً، أو مُكاتباً. ويَعضدُهُ حديثُ عليّ ﵁ رفعَهُ: " أقيموا الحدودَ على ما مَلَكَتْ أيمانُكم " (٣٤)، رواهُ الإمامُ أحمدُ، وأبو دوادَ، فناطَ إقامةَ الحدِّ بمُلْكِ اليمينِ، واللهُ أعلمُ. عن حكيم بنِ حِزامٍ، قالَ: " نهَى رسولُ اللهِ ﷺ أن يُسْتفاد في المساجدِ، وأنْ تُنشدَ فيها الأشعارُ، أو تُقامَ فيها الحدودُ " (٣٥)، رواهُ أبو دوادَ، والبيهقيُّ، بإسنادٍ لا بأسَ بهِ. وعن ابنِ عباسٍ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " لا تُقامُ الحدودُ في المساجدِ، ولا يُقادُ بالولد الوالدُ " (٣٦)، رواهُ الترمذيُّ، وقالَ: لا نعرفُهُ إلا من حديثِ إسماعيلَ بنِ مُسلمٍ المكّيِّ، وقد تكلّموا فيهِ.

стр. 729

ورواهُ ابنُ ماجة من حديثِ واثِلةَ بنِ الأسْقعِ، وعبدِ الله بنِ عمرَ، وفي إسنادِ كلٍّ منهما: ضعفٌ. ورَواهُ الحافظُ أبو أحمدَ العسّالُ من حديثِ إسْرائيلَ عن سُهَيْلٍ عن أبيهِ عن أبي هريرةَ مرفوعاً بنحوِهِ. وقدْ جمعتُ ذلكَ مبسوطاً في جزءٍ مُفردٍ، واللهُ أعلمُ. عن عليٍّ ﵁: " أنَّ أمةً لرسولِ اللهِ ﷺ زنتْ، فأمرَني أنْ أجلدَها، فإذا هي حديثُ عهْدٍ بنفاسٍ، فخشيتُ إنْ أنا جلدْتُها أن أقتلَها، فذكرتُ ذلكَ لرسولِ اللهِ ﷺ ، فقالَ: أحسنتَ، اتركْها حتّى تماثلَ " (٣٧)، رواهُ مسلمٌ. ففيهِ دليلٌ على: أنّ المرأةَ لا تُجلدُ إذ كانتْ حاملاً حتّى تضعَ، وتبرأ من ألمِ الولادةِ. قالَ الشافعيُّ: أخبرَنا مالكٌ عن زيدِ بنِ أسلمَ: " أنّ رجلاً اعترفَ على نفسِهِ بالزّنا على عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ ، فدعا رسولُ اللهِ ﷺ بسوطٍ، فأُتي بسوطٍ مكسورٍ، فقالَ: فوقَ هذا، فأُتي بسوطٍ جديدٍ لمْ تُقطَعْ ثمرتُهُ، فقالَ: بينَ هذينِ، فأُتيَ بسوطٍ قد لانَ وركبهُ، فأمرَ بهِ فجُلدَ " (٣٨)، وهذا: مُرْسَلٌ. قالَ الثَّوريُّ عن جويبرٍ عن الضحَّاك عن ابنِ مسعودٍ: أنهُ قالَ: " لا يحلُّ في هذهِ الأمةِ تجريدٌ، ولا مَدٌّ، ولا غلٌّ، ولا صفدٌ " (٣٩)، هذا: منقطعٌ - وجويبر: هو ابنُ سعيد: ضعيفٌ، إلا أنه يَقوى برواية الثّوري في جامعِهِ عنهُ. عن أبي هريرةَ ﵁: أنّ رسولَ اللهِ ﷺ ، قالَ: " إذا ضربَ أحدُكمْ، فلْيجتنب الوجهَ " (٤٠)، رواهُ مسلمٌ.

стр. 730

وقالَ عليٌّ للجالدِ: " اضربْ، واعطِ كلَّ عضوٍ حقَّهُ، واتّقِ وجهَهُ، ومذاكيرَهُ " (٤١). وعنهُ: أنُ كانَ يقولُ: " يُضربُ الرّجلُ قائماً، والمرأةُ قاعدةً " (٤٢)، رواهما سعيد. قالَ محمدُ بنُ إسحاقَ عن يعقوبَ بنِ عبدِ الله الأشجِّ عن أبي أُمامةَ بنِ سَهْلِ بنِ حُنَيْفٍ عن سعيدِ بنِ سعدِ بنِ عُبادةَ، قالَ: " كانَ بينَ أبياتنا رُوَيْجلٌ ضعيفٌ مُخْدَجٌ، فلم يُرعِ الحيُّ إلا وهو على أمةٍ من إمائهم يُخبِّثُ بها، قالَ: فذكرَ ذلكَ سعدٌ بنُ عُبادةَ لرسولِ اللهِ ﷺ ، وكانَ ذلكَ الرّجلُ مسلماً، فقالَ: اضربوهُ حدَّهُ، قالوا: يا رسولَ اللهِ، إنهُ أضعفُ ممّا تحسب، لو ضربناهُ مائةً قتلناهُ، فقالَ: خُذوا لهُ عِثكالاً فيهِ مائةُ شِمْراخٍ، ثمَّ اضربوهُ بهِ ضربةً واحدةً، قالَ: ففعلوا هكذا " (٤٣)، رواهُ الإمامُ أحمدُ، وابنُ ماجة. ورواهُ أبو داودَ من حديثِ أبي أُمامةَ عن بعضِ أصحابِ النبيِّ ﷺ من الأنصارِ. والنّسائيُّ عن أبي أُمامةَ عن أبيهِ. والطَّبرانيُّ عن أبي أُمامةَ عن أبي سعيدٍ: فذكرَهُ. ورواهُ الشافعيُّ عن أبي أُمامةَ عن النبيِّ ﷺ . والظاهرُ: أنّ هذا الاضطرابَ لا يضرُّهُ، واللهُ أعلمُ. قالَ الشَّعْبيُّ عن عليٍّ: أنهُ قالَ في قصةِ شراحةَ: لو كان شهدَ على هذهِ أحدٌ، لكانَ أوّلَ من يرمي الشاهدُ يشهدُ، ثم يُتبعُ شهادتَهُ حجرَه، ولكنها أقرّتْ، فأنا أوّلُ من رَماها، فرَماها بحجرٍ، ثمَّ روى الناسُ، وأنا فيهم، قال: فكنتُ واللهِ فيمن رجَمَها " (٤٤)، رواهُ الإمامُ أحمدُ.

стр. 731

وفيهِ دلالةٌ على سماعِ الشَّعبي من عليٍّ، إلا أنهُ من روايةِ مُجالدٍ عنهُ، واللهُ أعلمُ. تقدّمَ حديثُ شَدادٍ بنِ أوْسٍ: " إذا قتلتمْ فأحسِنوا القِتْلةَ " (٤٥)، فيُؤخذُ منهُ: أنهُ لا رجمَ في حرٍّ شديدٍ، ولا بردٍ شديدٍ حتّى يزولَ إذا كانَ ثبوتُهُ بالإقرارِ، وهو المنصوصُ عليهِ، واللهُ أعلمُ. عن عبدِ اللهِ بنِ بُرَيْدةَ عن أبيهِ، قالَ: " جاءتِ الغامديةُ، فقالتْ: يا رسولَ اللهِ، قد زنيتُ فطهّرني، وإنهُ رُدَّها، فلما كانَ الغدُ، قالتْ: لمَ تردّني؟، لعلّكَ أن تردَّني كما رددتَ ماعِزاً، فواللهِ إني لحُبْلى، قالَ: إما لا، فاذهبي حتّى تلدي، فلما ولدتْ، أتتْ بالصّبيِّ في خرْقةٍ، قالتْ: هذا قد ولدتُهُ، قالَ: اذهبي فأرضعيهِ حتّى تفطميهِ، فلما فطَمتْهُ أتتهُ بالصبيِّ في يدهِ كسرةُ خبزٍ، قالتْ: يا نبيَّ اللهِ، قد فطمتُهُ، وقد أكلَ الطعامَ، فدفعَ الصبيَّ إلى رجلٍ من المسلمين، ثم أمرَ بها فحفرَ لها إلى صدرِها، وأمرَ الناسَ فرَجموها - الحديث " (٤٦)، رواهُ مسلمٌ. وبمقتضاهُ قالَ الأصحابُ هنا: إنها لا تُرجمُ حتّى تَفطِمَ الصّغيرَ، وفرَّقوا بينَ هذا وحالةِ القِصاص باحتمالِ رجوعِها في (٤٧) مدّةِ الرّضاعِ، لأنَّ الحدودَ مبنيّةٌ على المسامحةِ بخلافِ ذلكَ فإنهُ حقُّ الآدميِّ، واللهُ أعلمُ. وظاهرُ كلامِ المصنّفِ يقتضي أن تُرجَمَ إذا استغنى الولدُ بكبرٍ عنها، وإن لمْ تفطمْهُ. وقد يُحتجُّ لهُ بالرّوايةِ الأخرى لمسلمٍ من حديثِ سليمانَ بنِ بُرَيْدَةَ عن أبيهِ: " أنها لما وضعتْ، قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : لا نرجمُها وندعُ ولدَها صغيراً ليسَ لهُ من يرضعُهُ، فقامَ رجلٌ من الأنصارِ، فقالَ: إليَّ رضاعهُ، يا نبيَّ اللهِ، قالَ: فرجمها " (٤٨)، وفي الحديثِ: أنهُ حفرَ لها ن معَ أنهُ كانَ إقراراً، وقد قالَ المصنّفُ: وإن ثبتَ بالإقرارِ،

стр. 732

يُحفر، وقد خالفَهُ الشيخُ أبو الطيّبِ الطَّبريُّ، حيثُ قالَ: السنّةُ تَقضي: أنهُ بالخيارِ، سواءٌ ثبتَ بالبيّنةِ أو بالإقرارِ، لأنّ النبيَّ ﷺ حفرَ للغامديةِ إلى الثَّنْدُوةِ، ولمْ يحفرْ للجُهنيةِ، وكانَ الزّنا ثبتَ عليهما بإقرارِهما، وإنما حفرَ للمرأةِ دونَ الرّجلِ، لأنهُ أسترُ لها، نقلَهُ عنهُ الإمامُ أبو نضر بنُ الصبَّاغ في شاملِهِ، وهو كلامٌ جيّدٌ. وقد صحَّ: أنهُ ﵇: أمرَ برجمِ ماعزٍ، ولمْ يُحفرْ لهُ شيءٌ، قصتهُ تنفي ذلك، وترُدُّ ما رُويَ: أنهُ حُفِر لهُ، واللهُ أعلمُ. قالَ أبو هريرةَ في قصّةِ ماعزٍ: " فأخرج إلى الحرّةِ، فرُجمَ بالحجارةِ، فلما وجدَ مَسَّ الحجارةِ فرَّ يشتدُّ حتّى مرَّ برجلٍ معهُ لحيُ جملٍ، فضربَهُ بهِ، وضربَهُ الناسُ، حتّى ماتَ " فذَكرَ ذلكَ لرسولِ اللهِ ﷺ ، فقالَ: هلاّ تركتموهُ " (٤٩)، رواهُ الإمامُ أحمدُ، وابنُ ماجة، والترمذيُّ، وقال: حسَنٌ. ولابنِ أبي شَيْبةَ من حديثِ يَزيدَ بنِ معنِ (٥٠) بنِ هَزّالٍ عن أبيهِ، فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " هلاّ تركتموهُ، لعلّهُ يتوبُ، فيتوبُ اللهُ عليهِ " (٥١). فيُؤخذُ منهُ: أنهُ إذا هربَ لم يُتبعْ، واللهُ أعلمُ.

стр. 733

٢ - بابُ: حَدِّ القَذْفِ قالَ اللهُ تعالى: " والّذينَ يَرْمُونَ المُحْصناتِ ثُمَّ لمْ يأتُوا بأرْبعةِ شُهداءَ فاجْلدوهُمْ ثَمانينَ جَلْدةً ولَا تَقْبَلُوا لهُمْ شَهادةً أبداً وأُولئكَ هُمُ الفَاسِقُونَ إلاّ الّذينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذلكَ وأصْلحُوا فإنَّ اللهَ غَفورٌ رحيمٌ ". وقالتْ عائشةُ ﵂: " لما تَلا النبيُّ ﷺ القصّةَ التي نزلَ بها عُذري على الناسِ، نزلَ فأمَرَ برجلين وامرأةٍ فيمن تكلّمَ بالفاحشةِ فضُرِبوا حدَّهم " (١)، رواهُ الإمامُ أحمدُ، وأهلُ السننِ، وقال الترمذيُّ: حسنٌ. وعندَ أبي داودَ: " حسّانُ بنُ ثابتٍ، ومِسْطحُ بنُ أُثاثةَ، قالَ النُّفَيليُّ: ويقولون: إنّ المرأةَ: حمْنةُ بنتُ جَحْشٍ ". قالَ عبد اللهِ بنُ عامر بنِ ربيعةَ: " لقدْ أدركتُ أبا بكر، وعمرَ، وعثمانَ، ومن بعدَهُمْ من الخلفاءِ، فلم يكونوا يضربونَ المملوكَ في القَذْفِ إلا أربعينَ " (٢)، رواهُ مالكٌ في الموَطَّأ، والثَّوريُّ في جامعِهِ، واللفظُ لهُ كلاهما عن أبي الزِّنادِ عنهُ. قالَ تعالى: " إنَّ الذينَ يَرْمونَ المُحْصَناتِ الغَافلاتِ المُؤمناتِ لُعِنُوا في الدُّنْيا والآخِرةِ ولهُمْ عذابٌ عَظيمٌ ". وتقدَّمَ حديثُ أبي هريرةَ: أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: " اتقوا السبعَ الموبقاتِ، فذكرَ

стр. 734

منهنَّ: قذْفُ المُحصناتِ الغافِلات المؤمناتِ " (٣). وتقدّمَ في البابِ قبلهُ حديثُ ابنِ عمرَ: " من أشركَ باللهِ، فليس بمحصنٍ " (٤)، فيُؤخذُ منهُ ذلكَ: أنَّ الإيمانَ شرطٌ في الإحصانِ في بابِ القذفِ، واللهُ أعلمُ. عن أبي هريرةَ، قالَ: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: " أيّما رجلٍ قذَفَ مملوكَهُ وهو بريءٌ ممّا قالَ: أُقيمَ عليهِ الحدُّ يومَ القيامةِ إلا أن يكونَ كما قالَ " (٥)، أخرجاهُ. يُؤخذُ منهُ: أنهُ لا يجبُ الحدُّ على من قذَفَ عبداً. عن أنسٍ: " أنّ عمرَ أُتيَ بشابٍ، فدخَلَ عليهِ للقطعِ، فأمرَ بقطعِهِ، فجعلَ يقولُ: ما سرقتُ سرقةً قَطُّ قبلَها، فقالَ عمرُ: كذبتَ، وربَّ عمرَ، ما أسلمَ اللهُ عبداً عندَ أوّل ذنبٍ " (٦)، رواهُ ابنُ خُزَيمةَ. واستدلّوا بهِ على أنهُ إذا قذفَ عفيفاً، فلمْ يُحدَّ حتّى زنا ذلكَ المقذوفَ، أنهُ لا يُحدُّ القاذفُ، لأنا تبيّنا أنها ليستْ لهُ بأوليّةٍ، فلمْ يكنْ حالةَ القذفِ عفيفاً في نفسِ الأمرِ، واللهُ أعلمُ. قالَ شُعْبةُ عن أبي مَيْمونةَ: " قدمتُ المدينةَ فنزلتُ عن راحلتي فعقلْتُها، ودخلتُ المسجدَ، فجاءَ رجلٌ فحلَّ عِقالَها، فقلتُ لهُ: يا فاعلاً بأُمِّهِ، قالَ: فقدَّمني إلى أبي هريرةَ، فضربني ثمانينَ سَوطاً، وأنشدني ذلكَ شعراً: ألا لو تَروني حينَ أُضربُ قائماً.......................... ثمانينَ سوطاً إنني لصبورُ (٧) رواهُ البيهقي.

стр. 735

وقالَ ابنُ أبي الزّنادِ عن أبيهِ عن فقهاءِ المدينةِ: " من قالَ للرجلِ: يا لوطيُّ جُلدَ الحدّ " (٨)، رواهُ البيهقيُّ أيضاً. وعن ابنِ عمرَ: " أنّ عمرَ كان يضربُ في التعريضِ الحدَّ " (٩)، رواهُ البيهقيُّ، وهو صحيحٌ الإسنادِ، وهو محمولٌ على من نوى القذفَ، بدليلِ حديثِ أبي (١٠) هريرةَ المتقدمِ في الذي جاءَ يُعرضُ بنفي ابنهِ، وأنهُ ولدتهُ أمهُ أسودَ، ومع هذا فلم يحدّهُ ﵇. عن عبدِ الرَّحمن بنِ أبي بَكرةَ: " أنَّ أبا بَكرةَ، وزياداً ونافعاً، وشبلَ بنَ مَعْبدٍ، كانوا في غرفةٍ، والمغيرةُ في أسفلِ الدارِ، فهبتْ ريحٌ ففتحتِ البابَ، ورفعتِ السّترَ، فإذا المغيرةُ بينَ رجليها، فقالَ بعضُهم لبعضٍ: قد ابتُلينا، فذكرَ القصةَ، قالَ: فشهدَ أبو بكرةَ، ونافع، وشبلٌ، فقالَ زيادٌ: لا أدري أنكحَها أم لا، فجلدَهمْ عمرُ إلا زياداً، فقالَ أبو بكرةَ، أليسَ قدْ جلدتموني؟، قالَ: بلى، قالَ: فأنا أشهدُ باللهِ لقدْ فعلَ، فأرادَ عمرُ أن يجلدَهُ أيضاً، فقالَ عليٌّ: إن كانتْ شهادةُ أبي بَكْرةَ شهادةَ رجلين، فارجمْ صاحبكَ، وإلا فقدْ جلدْتموهُ يعني - لا يُجلدُ ثانياً بإعادةِ القذفِ " (١١)، رواهُ البيهقيُّ. وهو مشهورٌ من طرقٍ: جيّدةٍ، وهو كالمستفيضِ بينَ العلماءِ، وأهلِ السّيرِ، والتواريخِ. فيُؤخذُ منهُ: أنّ من قذفَ رجلاً فحُدَّ، ثمَّ قذفهُ ثانياً بذلكَ الزِّنا، إنهُ لا يُعادُ عليهِ الحدُّ، واللهُ أعلمُ. عن أنسٍ، قالَ: " قالَ رسولُ اللهِ ﷺ لأصحابهِ: أتعجزونَ أن تكونوا مثلَ أبي ضمضمٍ، قالوا: وما أبو ضمْضمٍ، يا رسولَ اللهِ، قالَ: رجلٌ ممن كان قبلَكمْ، كانَ

стр. 736

إذا أصبحَ يقولُ: اللهمَّ إني تصدَّقتُ اليومَ بعِرضي على من ظَلَمني " (١٢)، رواهُ البخاري في الضّعفاءِ، وابنُ عدِيّ في كاملِهِ، وأبو بكر الخَرائطيُّ في كتابِهِ: مكارمِ الأخلاقِ من روايةِ محمدِ بنِ عبد الله العَمِّي عن ثابتٍ عن أنسٍ، وقد كانَ محمدٌ هذا من جلساءِ أيوبَ فيما ذكرَ ابنُ عُليَّةَ، ومعَ هذا، قالَ فيهِ أبو جعفرٍ العِجْليُّ: كانَ لا يُقيم الحديثَ، وأوردَ لهُ ابنُ عديٍّ غيرَ حديثٍ أنكرهُ عليهِ، ثمَّ قالَ: وأحاديثُهُ: غرائبُ، وأفراداتٌ، ولهُ عن أيوبَ غيرُ حديثٍ غريبٍ. ثمَّ رواهُ البخاريُّ من حديثِ حمّادِ بنِ سَلَمةَ عن ثابتٍ عن عبدِ الرحمنِ بنِ عَجْلانَ عن النبيِّ ﷺ مُرْسلاً، ثمَّ قالَ: وهذا بإرسالِهِ أولى، واللهُ أعلمُ. وكذا رواهُ أبو دوادَ في المراسيلِ عن موسى بنِ إسماعيلَ عن حَمّادِ بنِ سَلمةَ، وقالَ: هذا أصحّ من روايةِ محمدِ بنِ عبد الله العَمّي. والغرضُ من إيرادِ هذا الحديثِ هنا: أنهُ من قذَفَ رجلاً، فإنهُ لا يحدُّ إلا بمطالبةِ المقذوفِ بالحدِّ، وأنهُ إذا عفا عنهُ سقَطَ، واللهُ أعلمُ.

стр. 737

٣ - بابُ: حدِّ السّرقةِ قالَ تعالى: " والسَّارقُ والسَّارقةُ فاقْطَعوا أيدِيهما جَزاءً بمَا كَسَبا نَكالاً مِنَ اللهِ واللهُ عزيزٌ حكيمٌ. فمنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمهِ وأصْلحَ فإنَّ اللهَ يتوبُ عَليْهِ إنَّ اللهَ غَفورٌ رحيمٌ ". عن عائشةَ ﵂، قالتْ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " تُقْطعُ اليدُ في رُبعِ دينارٍ، فصاعداً " (١)، أخرجاهُ. ولمسلمٍ: " لا تُقْطعُ يدُ السّارِق إلا في رُبعِ دينارٍ، فصاعداً " (٢). أمَّا حديثُ أبي هريرةَ الذي في الصّحيحين: " لعنَ اللهُ السارقَ يسرقُ البيضةَ فتُقطعُ يدُهُ، ويَسرقُ الحبلَ فتقطعُ يدُهُ " (٣)، فأخذَ بظاهرِهِ داودُ ومن تبعَهُ، والجمهورُ على خلافِهِ، وقيلَ: بلْ هو منسوخٌ بحديثِ عائشةَ المذكورِ، ويُشكلُ عليهِ: أنهُ لمْ يُذكرْ فيها تاريخٌ، وقيلَ: بلْ محمولٌ على بيضةِ الحديدِ، وهي الخوذةُ، وحبلٍ يساوي كلٌ منهما نصاباً كما حَكاهُ البخاريُّ عن الأعمشِ، وقد ضَعَّفَ هذا التأويلَ ابنُ قُتيْبةَ، وقيلَ: المرادُ أن يكونَ ذلكَ سبباً وتدريجاً من هذا إلى أن يسرقَ ما يُقطعُ فيهِ يدُهُ، ويحتملُ: أن يكونَ المرادُ منهُ: الإخبارَ عن الواقعِ، فإنهُ قد كانَ القطعُ معمولاً بهِ في الجاهليةِ، لا أن يكونَ ذلكَ تشريعاً، واللهُ أعلم. عن عمْرو بنِ شُعَيْبٍ عن أبيهِ عن جدِّهِ، قالَ: " سمعتُ رجلاً من مُزَيْنةَ يسألُ رسولَ اللهِ ﷺ ، فذكرَ حديثاً، إلى أن قالَ: يا رسولَ اللهِ: فالثمارُ، وما أُخذَ منها من أكمامِها؟، قالَ: من أخذَ بفيهِ ولمْ يتخذْ خُبْنةً، فليسَ عليهِ شيءٌ، ومن احتملَ فعليهِ ثمنُهُ مرّتين،

стр. 738

وضرباً ونكالاً، وما أُخِذَ من أجرانِهِ ففيه القطعُ إذا بلغَ ما يُؤخذُ من ذلكَ ثمنَ المِجَنِّ " (٤)، رواهُ الإمامُ أحمدُ، وأبو دوادَ، والنسائيُّ، وابنُ ماجة. وفيه: اعتبارُ الحرزِ، والنّصابِ أيضاً. عن ابنِ عمرَ، قالَ: قطعَ رسولُ اللهِ ﷺ يدَ سارقٍ تُرْساً من صُفَّةِ النساءِ، ثمنُهُ ثلاثةُ دراهمَ " (٥)، رواهُ الإمامُ أحمدُ، وأبو دوادَ، والنسائيُّ. فيهِ من الدليلِ: أنه تختلفُ الأحرازُ باختلافِ الأموالِ، والبلادِ، ونحو ذلكَ. عن أبي ذرٍّ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : كيفَ أنتَ إذا أصابَ الناسَ موتٌ، البيتُ فيهِ بالوَصيفِ يعني: القبرَ؟، فقلتُ: اللهُ ورسولُهُ أعلمُ، أو ما خارَ اللهُ لي ورسولُهُ، قالَ: عليكَ بالصبرِ، أو قالَ: تصبرُ " (٦)، رواهُ الإمامُ أحمدُ، وابنُ ماجة، وأبو داودَ، وقالَ: قالَ حمّادُ بنُ أبي سليمان: " يُقْطعُ النّباشُ، لأنهُ دخلَ على الميّتِ قبرَهُ ". وقالَ الشعبيُّ، وإبراهيمُ، والحسنُ: النّباشُ: " سارقٌ "، وهو قولُ العلماءِ قاطبةً، إلا أبا حنيفةَ، والثّوريَّ. وقد ذكرَ ابنُ الصبَّاغ عن البَراءِ بنِ عازبٍ: أن رسولَ اللهِ ﷺ ، قالَ: " منْ نبشَ قَطعناهُ ". ولستُ أعلمُ هذا الحديثَ، وقد ذكرَ أنّ البيهقيَّ رواهُ في الخلافياتِ. عن هشامِ بنِ عُرْوةَ: " أنّ مرزانَ بنَ الحكم أُتيَ برجلٍ يسرقُ الصّبيانَ، ثم يخرجُ بهم يبيعُهم في أرضٍ أخرى، فاستشارَ مروانُ في أمرِهِ، فأخبرهُ عُرْوةُ بهذا الحديثِ.

стр. 739

عن عائشةَ عن رسولِ اللهِ ﷺ : " أنهُ قطعَ رجلاً في ذلكَ، قالَ: فأمرَ مروانُ فقُطعَتْ يدُهُ " (٧). تفرّدَ بهِ عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ يحيى بنِ عُرْوةَ، وهو: متروكُ الحديثِ. وقد أخرجهُ ابنُ عَديٍّ، والدارَقُطنيُّ، والبيهقيُّ، وضعّفوهُ. وذكرَ ابنُ أبي الزّنادِ عن أبيهِ عن فقهاءِ المدينةِ: " أنّ من سرق عبداً صغيراً، أو أعجمياً لا حيلةَ لهُ، قُطعَ، وأنهم كانوا يرونَ على الطَّرّارِ القطعَ ". تقدّمَ في حديثِ (٨) أبي هريرةَ، وعائشةَ: ما مُقْتضاهُ دَرْءُ الحدودِ بالشُّبهاتِ. وقالَ الشعبيُّ: " سرقَ رجلٌ من بيتِ المالِ، فرُفعَ إلى عليٍّ، فلمْ يَقطعْهُ ". عن ابنِ عباسٍ: " أنّ عبداً من رَقيقِ الخمُسِ، سرقَ من الخُمُسِ، فرُفِعَ ذلكَ إلى رسولِ اللهِ ﷺ ، فلم يَقْطعْهُ، وقالَ: مالُ اللهِ سَرقَ بعضُهُ بعضاً " (٩)، رواهُ ابنُ ماجة، وأبو يعلى المَوْصليُّ كلاهما عن جُبارَةَ بنِ المُغلِّسِ عن حَجاجِ بنِ تميمٍ عن مَيْمون ابنِ مِهْران عنهُ، وجُبارةُ، وحَجاجُ: هذان: ضعيفان جداً. سيأتي حديثُ: " أنتَ ومالُك لأبيكَ " (١٠)، وهو يقتضي: أنهُ لا يُقطعُ الوالدُ بسرقةِ مالِ الولدِ. عن رافعِ بنِ خَديجٍ، قالَ: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: " لا قَطْعَ في ثَمرٍ، ولا كَثَرٍ " (١١)، رواهُ الإمامُ أحمدُ، وأهلُ السننِ.

стр. 740

وعندَ النسائيّ: " والكَثَرُ: الجُمّارُ "، وقد علّلَ الأئمةُ ذلكَ، بأنهُ مما يُشتهى غالباً، فيُؤخذُ منهُ: أنّ من سرقَ الطّعامَ عامَ سنةِ المجاعةِ وهو فاقدٌ لهُ: أنهُ لا يُقْطعُ بطريق الأولى. عن صَفْوانَ بنِ أُمَيّةَ ﵁: " أنّ رجلاً سرقَ بُرْدَهُ، فرفعَهُ إلى النبيِّ ﷺ ، فأمرَ بقطعِهِ، فقالَ: يا رسولَ اللهِ، قد تجاوزتُ عنهُ، قالَ: فلولا كان هذا قبلَ أن تأْتيني بهِ يا أبا وهْبٍ، فقطعَهُ رسولُ اللهِ ﷺ " (١٢)، رواهُ الأئمةُ مالكٌ، والشافعيُّ، وأحمدُ بنُ حَنْبلٍ، وهذا لفظُهُ، وأبو داودَ، والنسائيُّ، وابنُ ماجة، وفي سندِهِ اختلافٌ. وفيهِ من الدّلالةِ: أنهُ إذا وهَبَ المسروقُ منهُ العينَ المسروقةِ مِن السارقِ، بخلافِ ما إذا أقرَّ لهُ بها. عن جابرٍ ﵁ عن النبيِّ ﷺ ، قالَ: " ليسَ على خَائنٍ، ولا مُنْتَهبٍ، ولا مُختلسٍ قطعٌ " (١٣)، رواهُ الإمامُ أحمدُ، وأهلُ السننِ، وقالَ الترمذيُّ: حسنٌ صحيحٌ. قلتُ: هذا الحديث رواهُ عشرةٌ من الحُفّاظِ الكبارِ عن ابنِ جُرَيجٍ عن أبي الزُّبير عنهُ، وقد قالَ الإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، وأبو زُرْعةَ، وأبو حاتمٍ، وغيرُهمْ: إنما سمعَهُ ابنُ جُريجٍ من ياسين بنِ مُعاذٍ الزَّياتِ عن أبي الزُّبيرِ، وياسينُ: ضعيفٌ، لكنْ رواهُ النسائيُّ من حديثِ المُغيرةِ بنِ مُسلمٍ القَسْمليِّ عن أبي الزُّبيرِ عن جابرٍ مرفوعاً، واللهُ أعلمُ. وأخرجهُ ابنُ ماجة من وجهٍ آخرَ بسندٍ (١٤) جيدٍ عن عبد الرحمنِ بنِ عَوْفٍ: أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ ، قالَ: " ليسَ على المُخْتلسِ قَطْعٌ ". عن عَمْرو بنِ شُعَيْبٍ عن أبيهِ عن جدِّهِ: أنّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: " تعافوا الحدودَ

стр. 741

فيما بينَكمْ، فما بَلغني من حَدٍّ، فقد وجبَ " (١٥)، رواهُ أبو داودَ، والنّسائيُّ. فيُؤخذُ منهُ: أنهُ لا يَقْطعُ السّارقَ إلا الإمامُ، فقد تقدّمَ الحديثُ: " أقيموا الحدودَ على ما ملكَتْ أيمانكمْ " (١٦)، وهو عامٌّ في القطعِ وغيرِهِ، على أحدِ الوجهينِ، وقد يقْوى الوجهُ الآخرُ بما رواهُ مالكٌ عن الزُّهريِّ عن السّائبِ بنِ يَزيدَ: " أنَّ عبد الله بنَ عمْرو الحضْرَميِّ جاء بغلامٍ لهُ إلى عمرَ بنِ الخطابِ، فقالَ: اقطعْ يدَ هذا، فإنهُ سرقَ، قالَ عمرُ: ماذا سرقَ؟، قالَ: سرق مرآة لامرأتي ثمنها ستون درهماً، فقال عمر: أرسلْهُ، فليسَ عليهِ قطْعٌ، خادمُكمْ سرقَ مَتاعَكمْ " (١٧). فيؤخذُ منهُ ما ذكرناهُ، لأنهُ رفعهُ إلى عمرَ، ولمْ يقطعْهُ بنفسِهِ، ولم ينكرْ عليهِ، ولا أُرشدَ إليهِ، وفيهِ: أنّ العبدَ إذا سرَقَ من مولاهُ، فلا قطعَ عليه، وقد يُستدلُّ به على أنه إذا سرقَ أحدُ الزّوجين من الآخرِ أنهُ لا يُقطعُ، لأنَّ العبدَ كانَ للزوجِ، ومعَ هذا فلمْ يقطعْه بسرقةِ مالِ زوجِها، بطريقِ الأولى، لأنَّ لها حقاً فيه، واللهُ أعلمُ. عن عبد الرّحمن بنِ ثَعْلبةَ الأنصاريِّ عن أبيهِ: " أنَّ عمْرو بنَ سَمُرَةَ بن حبيبِ بنِ عبدِ شمسٍ، جاءَ إلى رسولِ اللهِ ﷺ فقالَ: يا رسولَ اللهِ، إني سرقتُ جملاً لبني فُلانٍ فطَهَّرني، فأرسلَ إليهم النبيُّ ﷺ ، فقالوا: إنا افتقدْنا جملاً لنا، فأمرَ بهِ فقُطعتْ يدُهُ، وهو يقولُ: الحمدُ لله الذي طهَّرني منكِ، أردتِ أنْ تُدخلي جسديَ النارَ " (١٨)، رواهُ ابنُ ماجة، وفي إسنادِهِ: ابنُ لهيعةَ. فيُؤخذُ منهُ: أنهُ لا يُقْطَعُ إلا بمطالبةِ المسروقِ منهُ بالمالِ، وإن كانَ غائباً على المذهبِ. قالَ تعالى: " والسَّارِقُ والسَّارقةُ فاقْطَعوا أيْديَهُما ".

стр. 742

وعن ابن مسعودٍ: " أنهُ قرأ: " فاقْطَعوا أيمَانَهُما "، وقد حملهُ بعضُ الأئمةِ منهُ على التفسيرِ، وقد نقلَ الحاكمُ عن البخاريِّ ومسلمٍ: أنّ تفسيرَ الصَّحابيِّ في حكمِ المرفوعِ. عن جابرٍ، قالَ: " جيءَ بسارقٍ إلى رسولِ اللهِ ﷺ ، فقال: " اقتلوهُ، فقالوا: يا رسولَ اللهِ، إنما سَرق، فقالَ: اقطعوهُ، قالَ: فقُطعَ، ثمَّ جيءَ بهِ الثانيةَ، فقالَ: اقتلوهُ، فقالوا: يا رسولَ اللهِ، إنما سرقَ، قالَ: اقطعوهُ، ثمَّ أُتيَ بهِ في الرابعةِ، فقال: اقتلوهُ، قالوا: يا رسولَ الله: إنما سرقَ، قالَ: فأُتي به في الخامسةِ، فقالَ: اقتلوهُ، فانطلقْنا بهِ فقتلناهُ، ثمَّ اجترَرْناهُ، فألقيناهُ في بئرٍ، ورَمَيْنا عليهِ الحجارة " (١٩)، رواهُ أبو داودَ، والنسائيُّ، وقالَ: مُصْعَبُ بنُ ثابتٍ، ليسَ بالقويِّ في الحديثِ. قلتُ: وقد رُويَ من عيرِ هذهِ الطريقِ عن جابرٍ، واللهُ أعلمُ. وقد رواهُ النسائيُّ أيضاً، والحاكمُ في المسندِ (٢٠) عن الحارثِ بنِ حاطبٍ (٢١) بنحوهِ، وفيهِ مخالفةٌ للأولِ من بعضِ الوجوهِ، إلا أنَّ فيه قطعَ قوائمِهِ الأربعِ، وأمَّا الأمرُ بقتلِهِ، فقد يكونُ منسوخاً، كما نُسخَ قتلُ شاربِ الخمرِ عن أبي هريرةَ: أنّ رسولَ اللهِ ﷺ الرابعة (٢٢)، وأما يكونُ خاصاً بذلك السارقِ، كما ذكرَ ذلكَ الإمامُ أبو نصر بنُ الصبَّاغِ في شاملِهِ ردّاً على من ذهبَ إلى أن القولَ بمقتضى هذا الحديثِ، وقد حكاهُ عن عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، قالَ: ورُويَ عن عثمانَ بنِ عفّانَ، وعمْرِو بنِ العاصِ ﵄، ثمَّ قالَ: وقد انعقدَ الإجماعُ بعدَهم على خلافِهم، واللهُ أعلمُ. عن عَديٍّ: " أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قطعَ يدَ سارقٍ من المِفْصلِ " (٢٣)، رواهُ البيهقيُّ.

стр. 743

ولهُ عن جابرٍ مرفوعاً (٢٤): مثْلهُ. ورَوى ابنُ عديٍّ عن عبدِ الله بنِ عَمْرو (٢٥): مثلَهُ. وروى سعيدُ بنُ منصورٍ عن حمّادِ بنِ زيدٍ عن عَمْرِو بنِ دينارٍ، قالَ: كانَ عمرُ يقطعُ السّارقَ من المفْصلِ، وكانَ عليٌّ يقطعُها من شَطر القدَمِ " (٢٦). عن أبي هريرةَ: " أنّ رسولَ اللهِ ﷺ أُتيَ بسارقٍ قد سرقَ شَمْلةً، فقالَ: ما إخالُهُ سَرَقَ، فقالَ السّارقُ: بلى، يا رسولَ اللهِ، قالَ: اذْهبوا بهِ فاقطعوهُ، ثمّ ائتوني بهِ، فقُطعَ وأُتيَ بهِ، فقال: تُبْ إلى اللهِ، فقال: تبتُ إلى اللهِ، فقالَ: تابَ اللهُ عليكَ " (٢٧)، رواهُ الدارقُطنيُّ بإسنادٍ جيّدٍ، إلا أنهُ رُويَ مُرْسلاً، ورجّح ذلكَ عليٌّ بنُ المَديني، وابنُ خُزَيْمةَ.

стр. 744

٤ - بابُ: قاطعِ الطّريقِ قالَ اللهُ تعالى: " إنَّما جزاءُ الّذينَ يُحاربونَ اللهَ ورسولَهُ ويَسْعوْنَ في الأرضِ فساداً أنْ يُقَتَّلُوا أوْ يُصَلَّبوا أوْ تُقَطَّعَ أيديَهمْ وأرْجُلهُمْ مِنْ خلافٍ أوْ يُنْفوا مِنَ الأرضِ. . الآية ". عن أبي قِلابةَ عن أنسٍ، قالَ: " قدِمَ رسولُ اللهِ ﷺ نفرٌ من عُكْلٍ فأسلموا، فاجْتووا المدينةَ، فأمرَهُمْ أنْ يأتوا إبلَ الصَّدقةِ فيشربوا من أبوالِها وألبانِها، ففَعلوا فصحوا، وارتدّوا، وقتلوا رُعاتَها، واستاقوا النَّعمَ، فبعثَ في آثارِهم، فأُتيَ بهم فقطعَ أيديَهم وأرجلهم، وسَملَ أعينهم، ثمّ لمْ يَحسِمْهمْ حتّى ماتوا " (١)، أخرجاه. وعندَ أبي داود: " فأنزلَ اللهُ في ذلكَ: " إنّما جَزاءُ الذينَ يُحاربونَ اللهَ ورسولَهُ (٢). . الآية "، قال الشافعيُّ: أخبرنا إبراهيمُ عن صالحٍ مَوْلى التَّوأمةِ عن ابنِ عباسٍ في قُطّاعِ الطريقِ: " إذا قتلوا وأخذوا المالَ، قُتِلوا وصُلِبوا، وإذا قتلوا ولمْ يأخذوا المالَ ولمْ يقتلوا (٣)، قطعت أيديَهم وأرجلهم من خلافٍ، وإذا أخافوا السبيلَ ولمْ يأخذوا مالاً، نُفوا من الأرضِ " (٤). إبراهيمُ، هو: ابن أبي (٥) يحيى الأسْلَميُّ، وشيخُهُ: صالح: ضعيفان، إلا أنهُ رواهُ

стр. 745

عن ابن عباسٍ أيضاً العَوْفيُّ في تفسيرهِ، وذهبَ إليهِ غيرُ واحدٍ من أئمةِ السّلفِ، قالَ اللهُ تعالى: " إلا الذينَ تابوا مِنْ قَبْلِ أنْ تَقْدِروا عليْهمْ فاعْلموا أن اللهَ غفورٌ رحيمٌ "، فهذهِ الآيةُ عامةٌ في إسقاطِ جميعِ ما يجبُ عليهِ، فيَشملُ قطعَ اليدِ والرجلِ، وهو الصحيحُ من الوجهينِ، وقيلَ: لا يسقطُ قطعُ اليدِ، وقد يُستأنَسُ في ذلكَ بما رواهُ أبو داودَ، والنسائيُّ من حديثِ عِكْرمة عن ابنِ عباسٍ: " إنَّما جزاءُ الذينَ يُحاربونَ اللهَ ورسولَهُ، الآية "، نزَلت في المشركين، فمن تابَ منهم قبلَ أن يُقدر عليه لَم يمنعْهُ ذلكَ أن يُقامَ عليهِ الحدُّ الذي أصابهُ " (٦).

стр. 746

٥ - بابُ: حدِّ الخمرِ قالَ اللهُ تعالى: " يَسْألونَكَ عنِ الخَمْرِ والميْسرِ قُلْ فيهمَا إثْمٌ كبيرٌ. . الآية ". وقالَ: " يا أيُّها الذينَ آمَنوا إنَّما الخمْرُ والميْسرُ والأنصَابُ والأزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عملِ الشَّيْطانِ فاجْتنبوهُ لعلكُمْ تُفْلِحونَ "، والتي تَليها. عن أبي هريرةَ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " لا يَزْني الزّاني حينَ يَزْني وهو مؤمنٌ، ولا يشربُ الخمرَ حينَ يشربُها وهو مؤمنٌ. . الحديث "، أخرجاهُ (١). عن عبد الله بنِ عمرَ بنِ الخطابِ: " أنّ عمرَ خطبَ الناسَ، فقالَ: أما بعدُ: أيها الناسُ، فإنهُ نزلَ تحريمُ الخمرُ، وهي من خمسةٍ: من العنبِ، والتمرِ، والعَسلِ، والحنطةِ والشعيرِ، والخمرُ: ما خامرَ العقلَ " (٢)، أخرجاهُ. وقد رواهُ الإمامُ أحمدُ، وأهلُ السُّننِ عن النُّعمانِ بنِ بَشيرٍ عن النبيّ ﷺ (٣) مثلهُ. وعن ابنِ عمرَ: أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ ، قالَ: " كلُّ مُسْكرٍ خَمرٌ، وكلُّ مُسْكرٍ حرام " (٤)، رواهُ مسلمٌ. عن عائشةَ، قالت: " سُئلَ رسولُ اللهِ ﷺ عن البتْعِ، فقالَ: كلُّ شرابٍ أسكرَ، فهو حرام " (٥)، أخرجاهُ.

стр. 747

والبِتْعُ: نبيذُ العسلِ، فهذا عامٌّ في كلِّ ما يُسكرُ، خمراً كانَ أو نبيذاً، قليلاً كانَ أو كثيراً. ويعضِدُهُ ما رواهُ الإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، والترمذيُّ، وحسَّنهُ من حديثِ أبي عثمانَ الأنصاريّ عن القاسمِ عن عائشةَ عن رسولِ اللهِ ﷺ : أنهُ قالَ: " كلّ مُسْكرٍ حرامٌ، وما أسكرَ الفَرقُ منهُ، فمِلءُ الكفِّ منهُ حَرامٌ " (٦). وعن عبدِ الله بنِ عمرَ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " ما أسْكرَ كثيرُهُ، فقليلُهُ حرامٌ " (٧)، رواهُ الإمامُ أحمدُ، وابن ماجة، والترمذيُّ، وصحَّحهُ، ولهُ طرقٌ عنهُ. ورواهُ الإمامُ أحمد، النسائيُّ، وابنُ ماجة من حديثِ عمْرو بنِ شُعَيْبٍ عن أبيهِ عن جدِّهِ، مرفوعاً (٨): مثلهُ. وعن جابرٍ مرفوعاً: " ما أسكرَ كثيرُهُ، فقليلُهُ حرامٌ " (٩)، رواهُ أبو دوادَ، والترمذيُّ، وابنُ ماجة. عن سعد بن أبي وقاص: أن رسول الله ﷺ ، قال: " أنهاكم عن قليل ما أسكر كثيره " (١٠)، رواه النسائي بإسناد على شرط مسلم. ورُويَ من طرقٍ أخرى يُقَوّي بعضُها بَعْضاً، وقد بُسطَ الكلامُ عليها في غيرِ هذا الموضعِ، ولله الحمدُ. عن عليٍّ ﵁: " قالَ - لما جَلَدَ الوليدَ بنَ عُقْبة زمنَ عثمانَ -: جَلدَ رسولُ اللهِ ﷺ أربعينَ، وأبو بكر أربعينَ، وعمرُ ثمانين، وكلٌّ سُنّةٌ، وهذا أحبُّ إليّ " (١١)، رواهُ مسلمٌ.

стр. 748

وعن أنسٍ: " أنّ عمرَ استشارَهم في حدِّ الخمرِ، فقالَ عبدُالرّحمن: أخفُّ الحدودِ ثمانينَ، فأمرَ بهِ عمرُ " (١٢)، رواهُ مسلمٌ. عن عُمَيْرِ بنِ سعيدٍ النَّخعيِّ، قالَ: " سمعتُ عليَّ بنَ أبي طالبٍ قالَ: " ما كنتُ لأُقيمَ حدّاً على أحدٍ فيموتَ، فأجدَ في نفسي منهُ إلا صاحبَ الخمرِ، فإنهُ لو ماتَ ودَيتُهُ، وذلكَ: أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ لم يسنّهُ " (١٣)، أخرجاهُ. ومعنى ذلكَ - والله أعلمُ - أنهُ لمْ يُوقِّتْ فيهِ عدداً مُعَيّناً، ولكنْ قد صحَّ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ جَلدَ أربعين كما تقدّمَ. وعن أنسٍ: " أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ ضربَ في الخمرِ بالجريدِ والنِّعالِ، وجلدَ أبو بكر أربعين " (١٤)، أخرجاهُ. وعن أبي هريرةَ، قالَ: " أُتيَ النبيُّ ﷺ برجلٍ قد شربَ، قالَ: اضربوهُ، قالَ أبو هُريْرةَ: فمنّا الضاربُ بيدِهِ، والضاربُ بنعلِهِ، والضاربُ بثوبهِ، قالَ: فلما انصرفَ فقالَ بعضُ القومِ: أخزاكَ اللهُ، قالَ: لا تَقولوا هكذا، لا تُعينوا عليه الشيطانَ " (١٥)، رواهُ البخاريُّ. عن أبي هريرةَ: أنّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ: " من شربَ الخمرَ فاجلدوهُ، ثمَّ إن شربَ فاجلدوهُ، ثمَّ إن شربَ فاجلدوهُ، ثمّ إن شربَ في الرابعةِ، فاقتلوهُ " (١٦)، رواهُ الإمامُ أحمدُ، وهذا لفظُهُ، وأبو داودَ، والنسائيُّ، وابنُ ماجة، زادَ الإمامُ أحمدُ: " قالَ الزُّهريُّ: فأُتيَ بهِ رسولُ اللهِ ﷺ برجلٍ سكرانَ في الرابعةِ، فخلّى سبيلَهُ ". ففيهِ دلالةٌ على: أنهُ يتكرَّرُ عليهِ الحدُّ إذا تكرَّرَ منهُ الشربُ، إذا كانَ قد حُدَّ قبلَهُ، فأما القتلُ بعد الرابعة فقيلَ: إنهُ منسوخٌ كما ذكرهُ الزّهري، وغيرهُ، وحَكى الترمذيُّ

стр. 749

في جامعِهِ الإجماعَ على العمل بخلافِ هذا الحديثِ. وقد روى هذا الحديث جماعةٌ من الصّحابةِ، منهم: معاويةُ (١٧)، وابنُ عمر (١٨)، وقبيصةُ بنُ ذُؤيْب (١٩)، وجابرٌ (٢٠)، وعبدُالله بنُ عَمْرو (٢١)، وشُرَحبيلُ بنُ أوْسٍ (٢٢)، وعمْرو ابنُ الشَّريد (٢٣)، وكلُّها عندَ الإمامِ أحمدَ، إلا حديثَ قبيصةٍ وجابرٍ، واللهُ أعلمُ. عن أنسٍ، قالَ: " كنتُ عندَ النبيِّ ﷺ ، فجاءَهُ رجلٌ، فقالَ: يا رسولَ اللهِ: إني أصبتُ حدّاً، فأقمهُ عليٌّ، ولمْ يسألْهُ عنهُ، وحضرت الصلاةُ، فصلّى معَ رسولِ اللهِ ﷺ الصلاةَ فقامَ إليه الرجلُ، قالَ: يا رسولَ اللهِ إني أصبتُ حدّاً، فأقمْ فيَّ كتابَ اللهِ، قالَ: أليسَ قد صلّيتَ معنا؟، قالَ: نعمْ، قالَ: فإنَّ اللهَ قد غفرَ لكَ ذنبكَ، أو قالَ: حدَّكَ " (٢٤)، أخرجاهُ، ولفظُهُ للبخاريِّ، ففيه: أنّ التوبةَ تُسقطُ الحدَّ، فأمَّا اشتراطُ مُضيّ الحولِ، فإنَّما هو لتحقّقها، واللهُ أعلمُ.

стр. 750

٦ - بابُ: التَّعزيرِ عن أبي بُرْدةَ بنِ نِيارٍ الأنصاريِّ: أنهُ سمعَ رسولَ اللهِ ﷺ ، يقولُ: " لا يُجْلدُ أحدٌ فوقَ عشرةِ أسواطٍ، إلا في حدٍّ من حُدودِ اللهِ " (١)، أخرجاهُ. وعن أبي هريرةَ: أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ ، قالَ: " لا تُعزِّروا فوقَ عشرةِ أسواطٍ " (٢)، رواهُ ابنُ ماجة من حديثِ إسماعيلَ بنِ عيّاشٍ عن عبّادِ بنِ كثيرٍ البَصْريِّ - وهو: متروكٌ. عن عائشةَ، قالتْ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " أقيلوا ذَوي الهَيْئاتِ عَثَراتِهم، إلا الحدودَ " (٣)، رواهُ أبو داودَ، والبيهقيُّ، وفي إسنادِهِ اختلافٌ يَسيرٌ لا يضرُّهُ. قالَ الشافعيُّ: هم الذين ليسوا يُعرَفون بالشرِّ، فيزلّ أحدُهم الزلّةَ. عن النُّعمانِ بنِ بشيرٍ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " مَنْ بلغَ (ضرب) حَدّاً في غيرِ حدٍّ، فهو من المعتدين " (٤)، كذا رواهُ عبدُاللهِ بنُ محمدِ بنِ ناجيةَ في فوائِدهِ. وقدْ رواهُ أبو داودَ الطَّيالسيُّ في مُسْندِه من حديثِ الضحَّاكِ بنِ مُزاحمٍ (٥)، مُرْسَلاً. قالَ البيهقيُّ: وهو المحفوظُ.

стр. 751

٧ - بابُ (١): أدب السّلطان قالَ اللهُ: " وعَدَ اللهُ الذينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وعمِلُوا الصّالِحاتِ ليَسْتخْلِفنَّهُمْ في الأرضِ كمَا اسْتَخْلفَ الّذينَ مِنْ قَبْلهِمْ وليُمَكِّنَنَّ لهُمْ دينَهُمْ الّذي ارْتضَى لهُمْ. . الآية ". عن أبي هريرةَ عن النبيِّ ﷺ ، قالَ: " كانتْ بَنوا إسرائيلَ تسوسُهمُ الأنبياءُ، كلّما هلَكَ نبيٌّ خَلفَهُ نبيٌّ، وإنّهُ لا نبيَّ بعْدي، وسيكونُ خُلفاءَ، فيكثرونَ، قالوا: فما تأمرُنا؟، قال: فُوا ببيعةِ الأوّلِ فالأوّلِ، وأعطوهم حقَّهمْ، فإنّ اللهَ سائلُهُمْ عمّا اسْترعاهُمْ " (٢)، أخرجاهُ. قد عُلمَ أنَّ أبا بكر الصِّديقَ لما حضرتهُ الوفاةُ، فوَّضَ الخلافةَ إلى عمرَ بنِ الخطابِ ﵁، وإنَّ عمرَ لمّا طُعِنَ، قالَ لهُ أصحابُه: ألا تستخلفُ؟، فقالَ: إنْ أستخلِفْ، فقدْ استخلَفَ من هو خيرٌ منّي، يعني - أبا بكرٍ، وإنْ أتركْ، فقد تركَ من هو خيرٌ منّي - يعني - رسول اللهِ ﷺ ، فجعلَ الأمرَ شورى في بقيّةِ العَشرةِ، واستثنى منهم نَسيبهُ سعيدَ بنَ زيدٍ العَدَويِّ، ثمَّ وقعَ اجتهادُ الصّحابةِ قاطبةً بعدَهُ على تعيينِ عثمانَ بنِ عفَّانَ ﵁، وهذا كلّهُ مبسوطٌ في الصِّحاحِ وغيرِها من كتبِ الإسلامِ. فيُؤخذُ منهُ أنّ الإمامةَ تثْبتُ بتوليةِ الإمامِ قبلَهُ، أو بإجماعِ جماعةٍ من أهلِ الاجتهادِ على توْليتهِ، كما ذكرَهُ المصنّفُ ﵀. ويُؤيِّدُهُ أيضاً، ما رواهُ الإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ من حديثِ عُقْبةَ (٣) بن عامرٍ رضيَ

стр. 752

اللهُ عنهُ: " أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ بعثهمْ في سَريّةٍ، فذكرَ حديثاً، وفيهِ: " فلو رأيتَ ما لامَنا رسولُ اللهِ ﷺ حينَ رجَعْنا، وقالَ: أعجِزْتُم إذْ بعثتُ رجلاً فلمْ يَمضِ لأمري أن تجعلوا مكانَهُ مَنْ يَمْضي لأمري " (٤)، وإسنادُهُ قويٌّ. ولا يجوزُ عقدُها لاثنين معاً، لأنَّ الأنصارَ لما قالوا يومَ السَّقيفةِ: " مِنّا أميرٌ، ومنكم أمير "، أنكرَ ذلكَ الصّديقُ، وقال: بلْ بايعوا أحدَ هذين الرّجلين: يعني: أبا عُبيْدَةَ، عمرَ بنَ الخطابِ ﵄. وقالَ عبدُ اللهِ بنُ عمرَ (٥) عن رسولِ اللهِ ﷺ في حديثٍ: " ومن بايعَ إماماً، فأعطاهُ صَفْقةَ يدِهِ وثمرةَ قلبه، فلْيُطعْهُ إن استطاعَ، فإنْ جاءَ آخرُ يُنازعُهُ، فاضربوا عُنُقَ الآخرِ " (٦)، رواهُ مسلمٌ. عن أبي بَكْرةَ، قالَ: " لما بلغَ رسولَ اللهِ ﷺ : أنّ أهلَ فارسَ مَلّكوا عليْهم بنتَ كِسْرَى، قالَ: لنْ يُفلحَ قومٌ وَلّوا أمرَهُمْ امرأةً " (٧)، رواهُ البخاريُّ. عن أبي هريرةَ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " تعوَّذوا باللهِ من رأسِ السّبعين (٨)، ومن إمارةِ الصّبيانِ " (٩)، رواهُ الإمامُ أحمدُ. وينبغي أن يكونَ عالماً بالأحكامِ، لقولِهِ ﵇ فيما سيأتي " ورجلٍ حكمَ بينَ الناسِ على جهلٍ، فهو في النّارِ "، وأن يكونَ من قريشٍ، لما رواهُ ابنُ عمرَ، قالَ:

стр. 753

قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " لا يزالُ هذا الأمرُ في قريشٍ ما بقيَ في الناسِ اثنان " (١٠)، أخرجاهُ. وعن أنسٍ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " الأئمّةُ من قُرَيْشٍ " (١١)، رواهُ النسائيُّ. عن عُقْبةَ بنِ مالكٍ (١٢)، قالَ: " بعثَ رسولُ اللهِ ﷺ سَريّة فسلَّحتُ رجلاً منهم سيفاً، فلما رجعَ قالَ: " لو رأيتَ ما لامَنا رسولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِوَسَلّمَ، قالَ: أعجِزْتُم إذْ بعثتُ رجلاً فلمْ يَمضِ لأمري أن تجعلوا مكانَهُ مَنْ يَمْضي لأمري " (١٣)، رواهُ أحمدُ، وأبو داودَ. فيُؤخذُ منهُ، أنَّ الأميرَ الذي على الناسِ ينعزلُ إذا اختلَّتْ فيهِ بعضُ الشروطِ. واللهُ أعلمُ. عن عائشةَ ﵂، قالتْ: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: " اللهُمَّ مَنْ وليَ من أمرِ أُمَّتي شيئاً فشقَّ عليهمْ، فاشْقُقْ عليهِ، ومَنْ وليَ من أمرِ أُمّتي شيئاً فرفقَ بهم، فارفقْ بهِ " (١٤)، رواهُ مسلمٌ. عن أبي ذرٍّ: أنّ رسولَ اللهِ ﷺ ، قالَ: " يا أبا ذرٍّ، إنّي أراكَ ضعيفاً، وإنّي أحبُّ لكَ ما أُحبُّ لنفسي، لا تأمرنَّ على اثنين، ولا توليَنَّ مالَ يتيمٍ " (١٥)، رواهُ مسلمٌ. وفي لفظٍ: " قلتُ: يا رسولَ اللهِ، ألا تستعملُني، فضربَ بيدِهِ على مَنْكبي، ثمَّ قالَ: يا أبا ذَرٍّ، إنّكَ ضعيفٌ، وإنّها أمانةٌ، وإنّها يومَ القيامةِ خِزْيٌ وندامةٌ، إلا مَن

стр. 754

أخذ (١٦) بحقِّها، وأدّى الذي عليهِ فيها " (١٧). عن أبي مريمَ الأزْديِّ، واسمُهُ عَمْرو بنُ مرّةَ، فيما ذكرَهُ الترمذيُّ، قالَ: " دخلتُ على معاويةَ، فقالَ: ما أنعَمنا بكَ أبا فلانٍ، وهي كلمةٌ تقولُها العربُ، فقلتُ: حديثٌ سمعتُهُ، أُخبرُكَ بهِ، سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: " من ولاّهُ اللهُ شيئاً مِن أمرِ المسلمين، فاحتجبَ دونَ حاجتهمْ وخَلَّتِهمْ، وفقْرِهمْ، احتجبَ اللهُ دونَ حاجتِهِ وخَلّتِهِ وفقْرِهِ، قالَ: فجعلَ رجلاً على حَوائجِ النّاسِ " (١٨)، رواهُ الإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، وهذا لفظُهُ، والترمذيُّ، وقال: غريبٌ، وقد رُويَ من غيرِ هذا الوجهِ، وفي البابِ عن ابنِ عمرَ. عن أنسٍ: " أنّ قيسَ بنَ سعْدٍ - هو - ابنُ عُبادةَ، كان يكونُ بينَ يدي رسولِ اللهِ ﷺ بمنزلةِ صاحبِ الشُّرَطِ من الأميرِ " (١٩)، رواهُ البخاريُّ. قالَ اللهُ تعالى: " وشَاوِرْهُمْ في الأمرِ ". قالَ الشافعيُّ: أخبرنا سفيانُ بنُ عُيَيْنةَ عن الزُّهريِّ، قالَ: قالَ أبو هريرةَ: " ما رأيتُ أحداً قطُّ، كانَ أكثرَ مشورةً لأصحابهِ مِن رسولِ اللهِ ﷺ " (٢٠)، فيه: انقطاعٌ. وقد رواهُ الإمامُ أحمدُ، أيضاً. عن ابنِ عمرَ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " كلّكُم راعٍ ومسؤولٌ عن رعيتِهِ، فالإمامُ الذي على الناسِ راعٍ، ومسؤولٌ عن رعيّتِهِ،. . الحديث " (٢١)، أخرجاهُ. عن مَعْقلِ بنِ يَسارٍ، قالَ: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: " ما مِنْ أميرٍ يَلي أُمورَ المسلمين، ثمّ لا يُجهدُ لهم وينصحُ، إلاّ لم يَدخلْ معهم الجنّة " (٢٢)، رواهُ مسلمٌ.

стр. 755

فهذان الحديثان يقتضيان (٢٣) تعيّنَ النَّظرِ في مصالحِ الرعيّةِ خاصِّها وعامِّها، كما ذكرهُ المصنّفُ وغيرُهُ. عن عائشةَ، ﵂، قالتْ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : " إذا أرادَ اللهُ بالأمير خيراً، جعلَ لهُ وزيرَ صدقٍ، إنْ نسيَ ذكَّرهُ، وإنْ ذكرَ أعانَهُ، وإذا أرادَ اللهُ بهِ غيرَ ذلكَ، جعلَ لهُ وزيرَ سوءٍ، إنْ نَسِيَ لمْ يُذكِّرهُ، وإنْ ذكرَ لمْ يُعِنْهُ " (٢٤)، رواهُ أبو داودَ، وللنسائيِّ: نحوهُ، واللهُ أعلمُ.
следующие страницы →