← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 261

فضل الرحيم الودود تخريج سنن أبي داود

ياسر فتحي

Полный текст (16 465 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

مقدمة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ [آل عمران: ١٠٢]. ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ [النساء: ١]. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١]. أما بعد: قال النووي في مقدمة خلاصته: "فإنه ينبغي لكل أحد أن يتخلق بأخلاق رسول الله ﷺ ، ويقتدي بأقواله وأفعاله وتقريره في الأحكام والآداب وسائر معالم الإسلام، وأن يعتمد في ذلك ما صح، ويجتنب ما ضعُف، ولا يغتر بمخالفي السنن الصحيحة، ولا يقلِّد معتمدي الأحاديث الضعيفة؛ فإن الله قال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران: ٣١]؛ فهذه الآيات وما في معناهن حثٌّ على اتباعه ﷺ ، ونهانا عن الابتداع والاختراع، وأمرنا الله عند التنازع بالرجوع إلى الله والرسول؛ أي: الكتاب والسُّنَّة، وهذا كله في سُنَّةِ صحَّت، أما ما لم تصح فكيف تكون سُنَّةَ، وكيف يُحكم على رسول الله ﷺ أنه قاله أو فعله من غير مسوغ لذلك، ولا تغترن بكثرة المتساهلين في العمل، والاحتجاج في الأحكام بالأحاديث الضعيفة، وإن كانوا مصنفين وأئمةً في الفقه وغيره، وقد أكثروا من ذلك في كتبهم،

стр. 2

ولو سئلوا عن ذلك لأجابوا بأنه لا يعتمد في ذلك الضعيف، وإنما أباح العلماء العمل بالضعيف في القصص وفضائل الأعمال التي ليست فيها مخالفة لما تقرر في أصول الشرع مثل فضل التسبيح، وسائر الأذكار، والحث على مكارم الأخلاق، والزهد في الدنيا وغير ذلك مما أصوله معلومة مقررة". قال أبو المظفر محمد بن أحمد بن حامد بن إبراهيم بن الفضل البخاري: لما عُزل أبو العباس الوليد بن إبراهيم بن زيد الهمذاني عن قضاء الرَّي ورد بُخارى سنة ثماني عشرة وثلاث مئة لتجديد مودةٍ كانت بينه وبين أبي الفضل محمد بن عُبَيد الله البَلْعمي، فنزل في جوارنا. قال: فحملني معلمي أبو إبراهيم إسحاق بن إبراهيم الخُتَّلي إليه، وقال له: أسألك أن تحدِّث هذا الصبي بما سمعت من مشايخك ﵏. فقال: ما لي سماع. قال: فكيف وأنت فقيه، فما هذا؟ قال: لأني لما بلغتُ مبلغَ الرجال تاقت نفسي إلى طلب الحديث، ومعرفة الرجال، ودراية الأخبار، وسماعها، فقصدتُ محمدَ بن إسماعيل البخاري ببخارى صاحب "التاريخ" والمنظور إليه في معرفة الحديث، فأعلمتُه مُرادي، وسألته الإقبال علي بذلك. فقال لي: يا بني لا تدخل في أمر إلا بعد معرفة حدوده، والوقوف على مقاديره. قال: فقلت له: عرِّفني حدودَ ما قصدتُ له، ومقادير ما سألتك عنه؟ قال: اعلم أن الرجل لا يصير محدثًا كاملًا في حديثه إلا بعد أن يكتب أربعًا مع أربع كأربع مثل أربع في أربع عند أربع بأربع على أربع عن أربع لأربع، وكل هذه الرباعيات لا تتم إلا بأربع مع أربع، فإذا تمت له كلها هانت عليه أربع وابتلي بأربع، فإذا صبر على ذلك أكرمه الله تعالى في الدنيا بأربع، وأثابه في الآخرة بأربع. قال: قلت له: فسِّر لي رحمك الله ما ذكرت من أحوال هذه الرباعيات عن قلب صافٍ بشرح كافٍ، وبيان شافٍ طلبًا للأجر الوافي. قال: نعم، أما الأربعة التي تحتاج إلى كِتْبتها هي: أخبار الرسول ﷺ وشرائعه، والصحابة ومقاديرهم، والتابعين وأحوالهم، وسائر العلماء وتواريخهم. مع أسماء رجالها، وكناهم، وأمكنتهم، وأزمنتهم.

стр. 3

كالتحميد مع الخطب، والدعاء مع الترسل، والبسملة مع السور، والتكبير مع الصلوات. مثل المسندات، والمُرسلات، والموقوفات، والمقطوعات. في صغره، وفي إدراكه، وفي شبابه، وفي كهولته. عند شغله، وعند فراغه، وعند فقره، وعند غناه. بالجبال، والبحار، والبلدان، والبراري. على الأحجار، والأصداف، والجلود، والأكتاف، إلى الوقت الذي يمكنه نقلها إلى الأوراق. عن من هو فوقه، وعن من هو مثله، وعن من هو دونه، وعن كتاب أبيه، يتيقن أنه بخط أبيه دون غيره. لوجه الله تعالى طالبًا لمرضاته، والعمل بما وافق كتاب الله منها، ونشرها بين طالبيها ومحبيها، والتأليف في إحياء ذكره بعده. ثم لا تتم له هذه الأشياء إلا بأربع التي هي من كسب العبد؛ أعني: معرفة الكتابة، واللغة، والصرف، والنحو. مع أربع هي من إعطاء الله ؛ أعني: الصحة، والقدرة، والحرص، والحفظ. فإذا تمت له هذه الأشياء هان عليه أربع: الأهل، والولد، والمال، والوطن. وابتلي بأربع: بشماتة الأعداء، وملامة الأصدقاء، وطعن الجهلاء، وحسد العلماء. فإذا صبر على هذه المحن أكرمه الله تعالى في الدنيا بأربع: بعز القناعة، وبهيبة النفس، وبلذة العلم، وبحيوة الأبد. وأثابه في الآخرة بأربع: بالشفاعة لمن أراد من إخوانه، وبظل العرش حيث لا ظل إلا ظله، وبسقي من أراد حوض نبيه محمد ﷺ ، وبجوار النبيين في أعلى عليين في الجنة. فقد أعلمتك يا بني مجملًا جميع ما كنت سمعت من مشايخي متفرقًا في هذا الباب، فأقبل الآن على ما قصدتني له، أو دَع.

стр. 4

قال: فهالني قوله، وسكتُّ متفكرًا، وأطرقت نادمًا، فلما رأى ذلك مني، قال: فإن لا تُطِق احتمال هذه المشاق كلها؛ فعليك بالفقه الذي يمكنك تعلمه وأنت في بيتك قارٌّ ساكنٌ، لا تحتاج إلى بُعد الأسفار ووطي الديار، وركوب البحار، وهو مع ذا ثمرة الحديث، وليس ثواب الفقيه بدون ثواب المحدث في الآخرة، ولا عزه بأقل من عز المحدث. فلما سمعت ذلك نقص عزمي في طلب الحديث، وأقبلت على علم ما أمكنني من علمه بتوفيق الله ومنه، فلذلك لم يكن عندي ما أمليه على هذا الصبي يا أبا إبراهيم. فقال أبو إبراهيم: إن هذا الحديث الذي لا يوجد عند أحد غيرك خير من ألف حديث يوجد مع غيرك. اهـ كلامه. ساق هذه القصة بإسناده: القاضي عياض في الإلماع (٢٩ - ٣٤)، والمزي في التهذيب (٢٤/ ٤٦١ - ٤٦٤)، والسيوطي في تدريب الراوي (٢/ ١٥٦ - ١٥٨). ولهذه القصة معانٍ ودلالات، والذي قصدته من إيرادها: التنويه بشأن هؤلاء الأئمة، أئمة الحديث والأثر، ومدى اعتنائهم بحديث رسول الله ﷺ ، وبذل أعمارهم وأغلى ما لديهم للوقوف على طرقه وأسانيده، سواءً في ذلك المسند والمرسل والموقوف والمقطوع، مما به تتبين وتظهر علة الحديث، ويظهر صحيحه من سقيمه، ولذلك فقد اجتهدوا في جمع ما أمكن جمعه من حَمَلَته الذين يحملونه في زمانهم، حتى إن بعضهم كان يرحل الأيام والليالي في طلب حديث واحد [انظر في هذا: الجامع لأخلاق الراوي (٢/ ٢٢٥)]. وبعد جمعهم للأحاديث وطرقها وأسانيدها اجتهدوا في تمحيصها، وتمييز الصحيح منها من الضعيف، والمحفوظ من الشاذ، والمعروف من المنكر، وعرفوا بذلك الأفراد والغرائب والمناكير، بل وصنفوا فيها تمييزًا لها عن الصحاح والمشاهير، والحجة عندهم في ذلك: الحفظ والفهم والمعرفة [انظر: معرفة علوم الحديث (١٥١)]. وقد أعانهم على ذلك: معرفة الصحابة والتابعين وتابعيهم وأتباعهم وسائر العلماء والرواة، وأسمائهم وكناهم وألقابهم وطبقاتهم وأنسابهم وقبائلهم وبلدانهم وأزمنتهم، لتمييز الرواة بعضهم من بعض.

стр. 5

واهتموا بنقد الحديث سندًا ومتنًا، لم يكتفوا بالنظر في الإسناد وعلّله فحسب، بل نقدوا المتون، وعللوها ولو رُويت بسند صحيح كالشمس. • والحقيقة التي تغيب عن كثير من المشتغلين بطلب الحديث: أن حكم هؤلاء الأئمة على الرجال جرحًا وتعديلًا كان نابعًا من مرويات هؤلاء الرواة، فإنهم إذا وثقوا راويًا أو ضعفوه، فإن هذا الحكم الصادر من أحدهم كان بالنظر إلى مرويات هذا الراوي وسبرها واعتبارها بمرويات الثقات الحفاظ، فإن وافقهم دل ذلك على حفظه وضبطه، فذاك الحافظ الضابط الحجة، وإن خالفهم: نظروا في مقدار المخالفة فإن قلَّت بحيث يمكن احتمال ذلك من مثله من البشر، مما يقع لهم في العادة من السهو والغفلة والخطأ العارض؛ احتملوه ووثقوه في الجملة، فإن زادت أوهامه تكلموا فيه بما يقتضيه المقام، لذا ترى ابن معين مثلًا تختلف الروايات عنه في أمثال هؤلاء بحسب ما يحضره من مروياته وحاله في الضبط، فيوثقه تارة ويلينه أخرى، فإذا زادت أوهامه وكثر غلطه حتى غلب عليه الغلط والوهم؛ ضعفوه مع كتابة حديثه للاعتبار، فإن قل صوابه وموافقته للثقات، تركوه ورموا به، فإن ثبت عليه تعمد الكذب والوضع مزقوا حديثه، واتهموه وحذروا منه. وليس من شرط الثقة أن لا يهم، وإن كان الأصل قبول حديثه، حتى تدل قرينة على وهمه وخطئه، قال الإمام مسلم في التمييز (١٧٠): "فليس من ناقل خبرٍ وحامل أثرٍ من السلف الماضين إلى زماننا وإن كان من أحفظ الناس وأشدهم توقيًا وإتقانًا لما يحفظ وينقل؛ إلا الغلط والسهو ممكن في حفظه ونقله، فكيف بمن وصفتُ لك ممن طريقه الغفلة والسهو في ذلك"، وقال الترمذي في العلل الصغير (٥/ ٧٠٢ - الجامع): "وإنما تفاضل أهل العلم بالحفظ والإتقان والتثبت عند السماع؛ مع أنه لم يسلم من الخطأ والغلط كبير أحد من الأئمة مع حفظهم". وأما اليوم فإنا نرى بعض من يحكم على الأحاديث ومتونها وأسانيدها مستمسكين في ذلك بأقوال الأئمة في الرجال، فقلبوا الأمر؛ إذ كان الأئمة يحكمون على الرجال بأحاديثهم، واليوم يُحكم على الأحاديث برجالها، بغض النظر عن أقوال هؤلاء الأئمة في هذه الأحاديث بعينها، فكم من حديث عللوه، ولهم أقوال في توثيق رجاله، فإذا ببعض من له عناية بعلم الحديث اليوم يضربون بأحكام هؤلاء الأئمة في الأحاديث عُرض الحائط متذرعين بأقوالهم في الرجال، بدعوى عدم

стр. 6

توهيم الثقات، ولو أدى ذلك إلى توهيم الصحابة، وقد يترتب على قبول هذه الرواية بعينها القدح بوجه ما في الصحابي، أو قبول الباطل من الأحاديث؛ المخالف لصحيح الحديث والأثر، أو جعل ما ليس بدين دينًا، وما ليس بسُنَّة سُنَّة، وكم ترك الأول للآخر!، زعموا. وقد يحكم الأئمة على حديث ما بإعلاله بما لم تظهر لنا علته، أو يشيرون إلى علة خفية في الحديث يصعب إدراكها، فيجب حينئذ المصير إلى أقوالهم إذا اتفقوا، فإن اتفاق المحدثين على شيء يكون حجة [المراسيل لابن أبي حاتم (٧٠٣)] لا ينبغي لأحد مخالفتها كائنًا من كان، وأما إذا اختلفوا: فحينئذ نرجح بين أقوالهم، على مقتضى قواعدهم وطرقهم في الإعلال، ولا ينبغي لنا أن نحدث قولًا جديدًا لم نسبق إليه، فكما أن الصحابة ﵃ الذين عاينوا التنزيل، وكانوا أبر هذه الأمة قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلها تكلفًا، وأقومها هديًا، وأحسنها أخلاقًا، فكما أنهم إذا اختلفوا في مسألة لا ينبغي لنا أن نخرج عن أقوالهم، فنحدث قولًا جديدًا، فكذلك هؤلاء الأئمة النقاد الذين عاصروا التدوين وخبروا أحوال الرواة والمرويات لا ينبغي الخروج عن أقوالهم وإحداث قول جديد، بل نقول بقولهم إذا اتفقوا، ونرجح بين أقوالهم إذا اختلفوا، ولابن حجر في هذا كلام نفيس أسوقه لفائدته في هذا الموطن، فإنه لما نقل كلام الأئمة في إعلال حديث أبي هريرة في كفارة المجلس [مخرج في الذكر والدعاء برقم (٣٠٠)]، وهو حديث مروي بإسناد ظاهره الصحة، قال: "وبهذا التقرير يتبين عظم موقع كلام الأئمة المتقدمين، وشدة فحصهم، وقوة بحثهم، وصحة نظرهم، وتقدمهم؛ بما يوجب المصير إلى تقليدهم في ذلك، والتسليم لهم فيه، وكل من حكم بصحة الحديث مع ذلك إنما مشى فيه على ظاهر الإسناد" [النكت على ابن الصلاح (٢/ ٧٢٦)]. • ومما يجعلنا نسلم لهم في أحكامهم، ولا ننازعهم فيها: أ- اطلاعهم على أحوال الرجال، بشكل لا يتسنى لنا اليوم الوقوف عليه، لا سيما مع اختلاف البيئة والعادات وطرق سير الحياة اليومية. ب- أنهم ما قبلوا كل أحاديث الثقات، بل ردوا ما وهموا فيه، ولا ردوا كل أحاديث الضعفاء ممن خف ضبطهم، وهم في الأصل يشملهم اسم الصدق وتعاطي العلم، بل قبلوا ما حفظوه، فكيف يتساهل البعض بعد ذلك في قبول رواية الثقة

стр. 7

مطلقًا، وإن دلت القرائن على وقوع الوهم في روايته، وعدم قبول رواية من كثر وهمه، وإن دلت القرائن على أنه حفظ. ج- اطلاعهم على النسخ الحديثية أو الصحف أو الكتب الخاصة بحديث راوٍ معين، بحيث إذا لم يجدوا حديث الراوي في كتابه أو صحيفته دل ذلك على أنه ليس من حديثه، وأنه قد وهم عليه فيه من هو دونه، أو أنه أُدخل عليه، أو لُقِّنه، وليس من حديثه، ومثل هذا يصعب الوقوف عليه اليوم. د- فقدان بعض أو كثير من النسخ الحديثية والمصنفات الكبار والصغار، والتي حوت كثيرًا من الطرق التي تعين على بيان وجه الصواب، ومن اطلع على علل الدارقطني مثلًا يعلم ذلك يقينًا. هـ- كلما تأخر الزمان وامتد، كلما أصبح عندنا كمّ هائل من الأوهام والتصحيفات، الناشئة عن غفلة الراوة، أو قلة ضبطهم، أو عدم حفظ كتبهم عن أن يُدخل فيها ما ليس منها، أو انتقال البصر أثناء التحديث من الكتاب فيُدخل حديث في حديث ونحو ذلك، أو التغير والاختلاط بسبب الكبَر وغيره، أو التلقين، أو جمع الأسانيد المتعددة والتي روي بها متن واحد على لفظ واحد مع اختلاف ألفاظ الناقلين، أو سلوك الجادة والطريق السهل المشهور، أو من حمله التشهي على التحديث بحديث غيره ولم يسمعه، أو سرقة أحاديث الرواة، أو تفنن الواضعين في الوضع بطرق خفية، فما كان من هذا مما وقع في زمان الأئمة النقاد أو قبله؛ فإنهم بيَّنوه بيانًا شافيًا، وميَّزوا الصحيح من هذا كله، لكن يبقى قسم كبير مما وقع بعد زمانهم، فلم يدركوه، ولا شك أن كثيرًا مما نعانيه اليوم من مثل هذه الطرق المحدثة لم يكن موجودًا في أيامهم، بل وقع بعد عصرهم [انظر مثلًا: الحديث رقم (١٣٤) من السنن، حديث ابن عباس من الشواهد، الطريق الخامسة]، فيأتي بعد ذلك من يغتر بظاهر الإسناد، وصلاحيته للاحتجاج أو الاعتضاد، وما هو في الحقيقة إلا سراب بقيعة!. • وقد عمدت إلى تخريج سنن أبي داود، وذلك لمكانته المعروفة بين كتب السنن، حتى عده بعضهم كتاب الأحكام الذي حوى معظم أحاديث الأحكام فلم يفته منها إلا اليسير، قال الخطابي في المعالم (١/ ٦ - ٨): "واعلموا رحمكم الله أن كتاب السنن لأبي داود كتاب شريف، لم يصنف في علم الدين كتاب مثله، وقد

стр. 8

رزق القبول من الناس كافة، فصار حكمًا بين فرق العلماء وطبقات الفقهاء على اختلاف مذاهبهم، فلكلٍ فيه وِردٌ ومنه شِربٌ"، ثم أطال في الثناء عليه، وبيان فضله على غيره من الكتب، وأوضح أنه اتفق لأبي داود ما لم يتفق لغيره ممن سبقه من المصنفين: جمعُ أحاديث الأحكام والسنن، وتلخيصها، وترتيبها، واختصار مواضع الشاهد منها من أصولها الطوال، وحكى عن إبراهيم الحربي أنه قال: "ألين لأبي داود الحديث، كما أُلين لداود الحديد"، وحكى عن شيخه ابن الأعرابي أن رجلًا لو لم يكن عنده من العلم إلا المصحف وسنن أبي داود لكفاه، ثم ختم كلامه بقوله: "وقد جمع أبو داود في كتابه هذا من الحديث في أصول العلم وأمهات السنن وأحكام الفقه ما لا نعلم متقدمًا سبقه إليه، ولا متأخرًا لحقه فيه" [وانظر في مسألة استيعاب سنن أبي داود لأحاديث الأحكام: رسالة أبي داود إلى أهل مكة (٢٦)، روضة الطالبين (١١/ ٩٥)، البحر الذي زخر (٣/ ١١٣٨)]. وقال الحافظ زكريا الساجي: "كتاب الله أصل الإسلام، وكتاب أبي داود عهد الإسلام" [تاريخ دمشق (٢٢/ ١٩٧)، تذكرة الحفاظ (٢/ ٥٩٣)، السير (١٣/ ٢١٥)، تاريخ الإسلام (٢٠/ ٣٦٠)، ختم سنن أبي داود لعبد الله بن سالم البصري (٧٢)]. وقال الخطيب: "ويقال: إنه صنفه [يعني: كتاب السنن] قديمًا، وعرضه على أحمد بن حنبل فاستجاده واستحسنه"، قال أبو طاهر السِّلفي: "وحسبه ذلك فخرًا" [تاريخ بغداد (٩/ ٥٦)، تاريخ دمشق (٢٢/ ١٩٤)، السير (١٣/ ٢٠٩)، تاريخ الإسلام (٢٠/ ٣٥٩)، البداية والنهاية (١١/ ٥٥)، مقدمة السلفي على المعالم (٤/ ٣٢٨)]. وقال الذهبي في السير (١٣/ ٢١٥): "كان أبو داود مع إمامته في الحديث وفنونه من كبار الفقهاء، فكتابه يدل على ذلك، وهو من نجباء أصحاب الإمام أحمد، لازم مجلسه مدة، وسأله عن دقاق المسائل في الفروع والأصول، وكان على مذهب السلف في اتباع السُّنَّة والتسليم لها وترك الخوض في مضائق الكلام. روى الأعمش عن إبراهيم عن علقمة، قال: كان عبد الله بن مسعود يشبَّه بالنبي ﷺ في هديه ودَلِّه، وكان علقمة يشبه بعبد الله في ذلك، قال جرير بن عبد الحميد: وكان إبراهيم النخعي يشبه بعلقمة في ذلك، وكان منصور يشبه بإبراهيم، وقيل: كان سفيان الثوري يشبه بمنصور، وكان وكيع يشبه بسفيان، وكان أحمد يشبه بوكيع، وكان أبو داود يشبه بأحمد" [انظر: تاريخ بغداد (٩/ ٥٦ - ٥٨)].

стр. 9

وقد اعتنى أبو داود بتصنيف السنن عناية كبيرة، حيث انتقاها من خمسمائة ألف حديث، كان يذاكر بمائة ألف منها، قال أبو داود: "كتبت عن رسول الله ﷺ خمسمائة ألف حديث، انتخبت منها ما ضمنته هذا الكتاب -يعني: كتاب السنن-، جمعت فيه أربعة آلاف حديث وثمانمائة حديث، ذكرت الصحيح وما يشبهه، وما يقاربه" [تاريخ بغداد (٩/ ٥٧)، طبقات الحنابلة (١/ ٤٣١)، تاريخ دمشق (٢٢/ ١٩٦)، شروط الأئمة الستة (٦٨)، السير (١٣/ ٢٠٣)، البدر المنير (١/ ٢٩٩)، ختم سنن أبي داود لعبد الله بن سالم البصري (٦٥)]. وقد اجتهد في إخراج أصح ما عنده في الباب [رسالة أبي داود إلى أهل مكة (٢٢ و ٢٦)، البدر المنير (١/ ٣٠٠)]. وقال أبو داود: "ما كان في كتابي من حديث فيه وَهَنٌ شديد فقد بيَّنته، وما لم أذكر فيه شيئًا فهو صالح، وبعضها أصح من بعض" [رسالة أبي داود إلى أهل مكة (٢٧)، البدر المنير (١/ ٣٠٠)، النفح الشذي (١/ ٢٤)، التقييد والإيضاح (٥٢)، تدريب الراوي (١/ ١٦٧)، وانظر: رسالة أبي داود إلى أهل مكة (٢٥)]. قال الذهبي في السير (١٣/ ٢١٤): "قلت: فقد وفَّى ﵀ بذلك بحسب اجتهاده، وبيَّن ما ضعفُه شديدٌ، ووهنُه غير محتمل، وكاسَرَ عن ما ضعفه خفيف محتمل، فلا يلزم من سكوته والحالة هذه عن الحديث أن يكون حسنًا عنده، ولا سيما إذا حكمنا على حد الحسن باصطلاحنا المولَّد الحادث، الذي هو في عرف السلف يعود إلى قسم من أقسام الصحيح الذي يجب العمل به عند جمهور العلماء، أو الذي يرغب عنه أبو عبد الله البخاري ويمشيه مسلم وبالعكس، فهو داخل في أداني مراتب الصحة، فإنه لو انحط عن ذلك لخرج عن الاحتجاج ولبقي متجاذبًا بين الضعف والحسن. فكتاب أبي داود أعلى ما فيه من الثابت: ما أخرجه الشيخان، وذلك نحو من شطر الكتاب، ثم يليه: ما أخرجه أحد الشيخين ورغب عنه الآخر، ثم يليه: ما رغبا عنه وكان إسناده جيدًا سالمًا من علة وشذوذ، ثم يليه: ما كان إسناده صالحًا وقبله العلماء لمجيئه من وجهين لينين فصاعدًا يعضد كل إسناد منهما الآخر، ثم يليه: ما ضعُف إسناده لنقص حفظ راويه فمثل هذا يمشيه أبو داود ويسكت عنه غالبًا، ثم يليه: ما كان بَيِّن الضعف من جهة راويه فإذا لا يسكت عنه بل يوهنه غالبًا، وقد

стр. 10

يسكت عنه بحسب شهرته ونكارته، والله أعلم" [وانظر: تاريخ الإسلام (٢٠/ ٣٦٠)]. ولابن حجر في تفسير عبارة أبي داود كلام نفيس أسوقه بتمامه لفائدته، فإنه يغني عن كلام كثير غيره، قال في النكت (١/ ٤٣٥ - ٤٤٥): "وفي قول أبي داود: "وما كان فيه وهن شديد بينته": ما يُفهِم أن الذي يكون فيه وهنٌ غير شديد أنه لا يبينه، ومن هنا يتبين أن جميع ما سكت عليه أبو داود لا يكون من قبيل الحسن الاصطلاحي بل هو على أقسام: ١ - منه ما هو في الصحيحين أو على شرط الصحة. ٢ - ومنه ما هو من قبيل الحسن لذاته. ٣ - ومنه ما هو من قبيل الحسن إذا اعتضد، وهذان القسمان كثير في كلتابه جدًّا. ٤ - ومنه ما هو ضعيف؛ لكنه من رواية من لم يُجمَع على تركه غالبًا. وكل هذه الأقسام عنده تصلح للاحتجاج بها، كما نقل ابن منده عنه: أنه يخرج الحديث الضعيف إذا لم يجد في الباب غيره، وأنه أقوى عنده من رأي الرجال. وكذلك قال ابن عبد البر: "كل ما سكت عليه أبو داود فهو صحيح عنده، لا سيما إن كان لم يذكر في الباب غيره". ونحو هذا ما روينا عن الإمام أحمد بن حنبل فيما نقله ابن المنذر عنه: أنه كان يحتج بعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده إذا لم يكن في الباب غيره، وأصرح من هذا ما رويناه عنه فيما حكاه أبو العز ابن كادش، أنه قال لابنه: "لو أردت أن أقتصر على ما صح عندي لم أرو من هذا المسند إلا الشيء بعد الشيء، ولكنك يا بني تعرف طريقتي في الحديث أني لا أخالف ما يضعف إلا إذا كان في الباب شيء يدفعه"، ومن هذا ما روينا من طريق عبد الله ابن الإمام أحمد بن حنبل بالإسناد الصحيح إليه، قال: سمعت أبي يقول: "لا تكاد ترى أحدًا ينظر في الرأي إلا وفي قلبه دغل، والحديث الضعيف أحب إليَّ من الرأي"، قال: فسألته عن الرجل يكون ببلد لا يجد فيها إلا صاحب حديث، لا يدري صحيحه من سقيمه، وصاحب رأي، فمن يسأل؟ قال: "يسأل صاحب الحديث، ولا يسأل صاحب الرأي". فهذا نحو مما حكي عن أبي داود، ولا عجب فإنه كان من تلامذة الإمام

стр. 11

أحمد، فغير مستنكر أن يقول قوله، بل حكى النجم الطوفي عن العلامة تقي الدين ابن تيمية أنه قال: "اعتبرت مسند أحمد فوجدته موافقًا لشرط أبي داود". وقد أشار شيخنا في النوع الثالث والعشرين إلى شيء من هذا، ومن هنا يظهر ضعف طريقة من يحتج بكل ما سكت عليه أبو داود، فإنه يخرج أحاديث جماعة من الضعفاء في الاحتجاج ويسكت عنها، مثل: ابن لهيعة، وصالح مولى التوأمة، وعبد الله بن محمد بن عقيل، وموسى بن وردان، وسلمة بن الفضل، ودلهم بن صالح، وغيرهم. فلا ينبغي للناقد أن يقلده في السكوت على أحاديثهم، وينابعه في الاحتجاج بهم؛ بل طريقه أن ينظر هل لذلك الحديث متابع فيعتضد به، أو هو غريب فيتوفف فيه، ولا سيما إن كان مخالفًا لرواية من هو أوثق منه؛ فإنه ينحط الى قبيل المنكر. وقد يخرِّج لمن هو أضعف من هؤلاء بكثير: كالحارث بن وجيه، وصدقة الدقيقي، وعثمان بن واقد العمري، ومحمد بن عبد الرحمن البيلماني، وأبي جناب الكلبي، وسليمان بن أرقم، وإسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، وأمثالهم من المتروكين. وكذلك ما فيه من الأسانيد المنقطعة، وأحاديث المدلسين بالعنعنة، والأسانيد التي فيها من أبهمت أسماؤهم، فلا يتجه الحكم لأحاديث هؤلاء بالحسن من أجل سكوت أبي داود؛ لأن سكوته تارة يكون اكتفاء بما تقدم له من الكلام في ذلك الراوي في نفس كتابه، وتارة يكون لذهول منه، وتارة يكون لشدة وضوح ضعف ذلك الراوي واتفاق الأئمة على طرح روايته، كأبي الحويرث، ويحيى بن العلاء، وغيرهما. وتارة يكون من اختلاف الرواة عنه وهو الأكثر؛ فإن في رواية أبي الحسن بن العبد عنه من الكلام على جماعة من الرواة والأسانيد ما ليس في رواية اللؤلؤي وإن كانت روايته أشهر، ومن أمثلة ذلك: ما رواه من طريق: الحارث بن وجيه، عن مالك بن دينار، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: حديث "إن تحت كل شعرة جنابة … " الحديث، فإنه تكلَّم عليه في بعض الروايات، فقال: "هذا حديث ضعيف، والحارث: حديثه منكر"، وفي بعضها اقتصر على بعض هذا الكلام، وفي بعضها لم يتكلم فيه.

стр. 12

وقد يتكلم على الحديث بالتضعيف البالغ خارج السنن، ويسكت عنه فيها، ومن أمثلته: ما رواه في السنن من طريق: محمد بن ثابت العبدي، عن نافع، قال: انطلقت مع ابن عمر رضي الله تعالى عنهما في حاجة إلى ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، فذكر الحديث في الذي سلَّم على النبي ﷺ فلم يرد عليه، حتى تيمم ثم رد السلام، وقال: "إنه لم يمنعني أن أرد عليك إلا أني لم أكن على طهر"، لم يتكلم عليه في السنن، ولما ذكره في كتاب التفرد قال: "لم يتابع أحدٌ محمد بن ثابت على هذا" ثم حكى عن أحمد بن حنبل أنه قال: "هو حديث منكر". وأما الأحاديث التي في إسنادها انقطاع أو إبهام: ففي الكتاب من ذلك أحاديث كثيرة، منها: وهو ثالث حديث في كتابه: ما رواه من طريق: أبي التياح قال: حدثني شيخ، قال: لما قدم ابن عباس البصرة كان يحدِّث عن أبي موسى رضي الله تعالى عنه، فذكر حديث: "إذا أراد أحدكم أن يبول فليرتد لبوله": لم يتكلم عليه في جميع الروايات، وفيه هذا الشيخ المبهم، إلى غير ذلك من الأحاديث التي يمنع من الاحتجاج بها ما فيها من العلل. فالصواب عدم الاعتماد على مجرد سكوته؛ لما وصفنا أنه يحتج بالأحاديث الضعيفة، ويقدمها على القياس إن ثبت ذلك عنه، والمعتمد على مجرد سكوته لا يرى الاحتجاج بذلك فكيف يقلده فيه. وهذا جميعه إن حملنا قوله: "وما لم أقل فيه شيئًا فهو صالح" على أن مراده: أنه صالح للحجة، وهو الظاهر، وإن حملناه على ما هو أعم من ذلك، وهو الصلاحية للحجة أو للاستشهاد أو للمتابعة: فلا يلزم منه أنه يحتج بالضعيف. ويحتاج إلى تأمل تلك المواضع التي يسكت عليها وهي ضعيفة: هل فيها إفراد أم لا؟ إن وجد فيها إفراد: تعين الحمل على الأول، وإلا حمل على الثاني، وعلى كل تقدير: فلا يصلح ما سكت عليه للاحتجاج مطلقًا. وقد نبَّه على ذلك الشيخ محيي الدين النووي رحمه الله تعالى، فقال: "في سنن أبي داود أحاديث ظاهرة الضعف لم يبينها؛ مع أنه متفق على ضعفها، فلا بد من تأويل كلامه"، ثم قال:"والحق: أن ما وجدناه في سننه مما لم يبيِّنه، ولم ينصَّ على صحته أو حسنه أحد ممن يعتمد: فهو حسن، وإن نصَّ على ضعفه مَن يعتمد، أو رأى العارف في سنده ما يقتضي الضعف ولا جابر له: حكم بضعفه، ولم يلتفت إلى سكوت أبي داود".

стр. 13

قلت: وهذا هو التحقيق، لكنه خالف ذلك في مواضع من شرح المهذب وغيره من تصانيفه، فاحتج بأحاديث كثيرة من أجل سكوت أبي داود عليها؛ فلا يغتر بذلك والله أعلم" انتهى كلام ابن حجر بنصه من النكت [وانظر: البحر الذي زخر (٣/ ١٠٧٥ - ١١٠٨)، ختم سنن أبي داود لعبد الله بن سالم البصري (٧٨)]. • وأما طريقتي التي اتبعتها في التخريج والحكم على الحديث، فهي كالآتي: ١ - حذفت من آخر إسناد أبي داود من لدن شيخه إلى من عليه مدار الحديث عند من ذكرت كتبهم من المصنفين، تسهيلًا واختصارًا في ذكر من خرَّج هذا الحديث من طريق هذا الراوي، مثاله: (٦٨) … سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: اغتسل بعض أزواج النبي ﷺ في جفنة … الحديث، فعنيت بذلك أن كل المصنفين الذين ذكرتهم في التخريج إنما أخرجوه من طريق سماك بن حرب، إذ عليه مدار الحديث عندهم، وقد أخرجوه من طرق متعددة عن سماك، رواه عنه: شعبة، وسفيان الثوري، وأبو الأحوص، وحماد بن سلمة، وإسرائيل، وشريك، وغيرهم، وقد فعلت ذلك بعد التأكد من تعدد الطرق إلى هذا الراوي، بحيث تكون ثابتة إليه في الجملة، لا أن يتوارد على روايتها عنه الضعفاء والمتروكون فلا تثبت عنه حينئذ. وقد أذكر الإسناد كاملًا بلا حذف؛ إما لأني لم أقف عليه إلا من طريق أبي داود، أو لعلة أخرى، فأقول: قال أبو داود: حدثنا مسدد … مثلًا، فأسوقه بتمامه. ٢ - وأما الطرق التي أوردتها في أثناء التخريج، فإما أن تكون متعددة الطرق إلى راوٍ معين فابدأ بمن عليه مدار الإسناد، على ما ذكرت آنفًا، أو يكون مرويًا بإسناد فرد: فإما أن أذكره بتمامه دونما حذف من آخره، أو أحذفه من لدن شيخ المصنف إلى راوٍ معين يكون هو علة الإسناد، أو لكونه مرويًا بإسناد صالح للاحتجاج إلى من ذكرته. ٣ - أجمع طرق الحديث من المصادر المتوافرة لدي قدر الاستطاعة، ثم أقوم بتصنيف هذه الطرق حسب اتفاق الرواة واختلافهم على راوٍ معين. ٤ - أجمع أقوال الأئمة على الحديث سواء من مصادر التخريج، أو من كتب الرجال والعلل، أو من غيرها.

стр. 14

٥ - أسترشد بأقوال الأئمة في استنباط العلة، محاولًا تفسير كلامهم ليظهر مقصودهم، إن كان فيه خفاء. ٦ - إذا اتفقت أقوال الأئمة على حديث وجب المصير إلى قولهم، كما قررته آنفًا. ٧ - إذا اختلفوا حاولت الجمع بين أقوالهم، فإن لم يتيسر ذلك، رجحت أحد الأقوال مستعينًا في ذلك بطرائقهم في التصحيح والإعلال حسب ما يظهر من قرائن الترجيح، والله أعلم. وقد سميته: "فضل الرحيم الودود تخريج سنن أبى داود". وقبل أن أختم كلامي أتمثل بقول الشاطبي رحمه الله تعالى: وظُنَّ به خيرًا وسامح نسيجه … بالإغضاء والحسنى وإن كان هَلهلا وسلِّم لإحدى الحسنيين: إصابةٌ … والأُخرى اجتهادٌ رام صوبًا فأمحلا وإن كان خرقٌ فادَّركْه بفضلةٍ … من الحلم وليُصلحه من جاد مِقْوَلا وقل صادقًا لولا الوئامُ وروحُه … لطاح الأنام الكلُّ في الخُلف والقِلا وعشْ سالمًا صدرًا وعن غِيبة فَغِبْ … تحضَّر حِظارَ القُدس أنقَى مُغَسَّلا والله تعالى أسأل أن يوفقني للصواب، إنه سميعٌ مجيب الدعاء، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. حرره: أبو عمرو ياسر بن محمد فتحي آل عيد الرياض ١٥ شعبان ١٤٢٨ هـ fathy.yaser@gmail.com

стр. 15

١ - كتاب الطهارة ١ - باب التخلي عند قضاء الحاجة ١ - . . . محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن المغيرة بن شعبة: أن النبي ﷺ كان إذا ذهب المذهب أبعد. • حديث صحيح أخرجه الترمذي (٢٠)، والنسائي (١/ ١٨/ ١٧)، وابن ماجه (٣٣١)، والدارمي (١/ ١٧٦/ ٦٦٠)، وابن خزيمة (٥٠)، وابن الجارود (٢٧)، والحاكم (١/ ١٤٠)، وأحمد (٤/ ٢٤٨)، وابن المنذر في الأوسط (١/ ٣٢١)، والطبراني في الكبير (٢٠/ ٤٣٦ - ٤٣٧/ ١٠٦٢ - ١٠٦٥)، والبيهقي (١/ ٩٣)، والبغوي في شرح السُّنَّة (١٨٤). وزاد عند النسائي: … قال: فذهب لحاجته وهو في بعض أسفاره فقال: "ائتني بوَضوء"، فأتيته بوضوء فتوضأ ومسح على الخفين. قال الترمذي: "حسن صحيح". وقال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم". قلت: هو كما قال الترمذي، وليس كما قال الحاكم، فإن مسلمًا لم يخرج شيئًا بهذا الإسناد. ومحمد بن عمرو: هو ابن علقمة بن وقاص الليثي: وهو صدوق، حسن الحديث، مكثر عن أبي سلمة بن عبد الرحمن [انظر: التهذيب (٧/ ٣٥٢)، الميزان (٣/ ٦٧٣)]. ومما يدل على أنه حفظ هذا الحديث، ولم يهم فيه أمور: الأول: أنه لم يسلك فيه الجادة، فلم يقل: عن أبي هريرة. الثاني: أنه لم ينفرد بهذا المتن عن المغيرة بن شعبة، فقد تابعه عليه: ١ - أبو معاوية، عن الأعمش، عن مسلم، عن مسروق، عن المغيرة بن شعبة، قال: كنت مع النبي ﷺ في سفر فقال: "يا مغيرة! خذ الإداوة" فأخذتها ثم خرجت معه، فانطلق رسول الله ﷺ حتى توارى عني، فقضى حاجته … الحديث. أخرجه البخاري (٣٦٣)، ومسلم (٢٧٤/ ٧٧)، وأبو عوانة (١/ ١٦٦/ ٤٨٨) و (١/ ٢١٦/ ٧٠٣)، وأبو نعيم في مستخرجه على مسلم (١/ ٣٢٨/ ٦٣٠)، والنسائي في

стр. 16

الكبرى (٥/ ٤٨١/ ٩٦٦٤)، وأحمد (٤/ ٢٥٠)، وابن أبي شيبة (١/ ١٠١ و ١٦٢)، والطبراني (٢٠/ ٣٩٨/ ٤٤)، وغيرهم. ٢ - عامر الشعبي قال: أخبرني عروة بن المغيرة، عن أبيه، قال: كنت مع النبي ﷺ ذات ليلة في مسير، فقال لي: "أمعك ماء؟ " قلت: نعم، فنزل عن راحلته، فمشى حتى توارى في سواد الليل، ثم جاء … الحديث. أخرجه البخاري (٥٧٩٩)، ومسلم (٢٧٤/ ٧٩)، وأبو عوانة (١/ ١٦٦ و ٢١٥/ ٤٨٩ و ٦٩٩)، وأبو نعيم (١/ ٣٢٩/ ٦٣١)، والنسائي (١/ ٦٣/ ٨٢)، والدارمي (١/ ١٩٤/ ٧١٣)، وأحمد (٤/ ٢٥١ و ٢٥٥)، والطبراني (٢٠/ ٨٦٤ و ٨٦٨ و ٨٧٠)، والبيهقي (١/ ٢٨١)، وغيرهم. ٣ - عبيد الله بن إياد قال: سمعت إيادًا يحدث عن قبيصة بن برمة، عن المغيرة، بنحوه، وفيه موضع الشاهد. أخرجه أحمد (٤/ ٢٤٨)، ورجاله ثقات. ٤ - ابن سيرين، عن عمرو بن وهب، عن المغيرة بن شعبة، قال: "كان النبي ﷺ إذا تبرز تباعد". أخرجه الدارمي (٦٦١)، والطبراني في الأوسط (٧/ ٣٥٦/ ٧٧١٦). - وفي سنده اختلاف. انظر: النسائي (٨٢)، والطبراني. وله شواهد: منها حديث عبد الرحمن بن أبي قراد: أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٥/ ٢٤٤)، والنسائي (١/ ١٧/ ١٦)، وابن ماجه (٣٣٤)، وابن خزيمة (٥١)، وأحمد (٣/ ٤٤٣) و (٤/ ٢٢٤ و ٢٣٧)، وابن قانع في المعجم (٢/ ١٤٦). وشاهده: "وكان إذا أراد الحاجة أبعد". ورجاله ثقات. * * * ٢ - . . . إسماعيل بن عبد الملك، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله: أن النبي ﷺ كان إذا أراد البراز انطلق حتى لا يراه أحد. • حديث منكر أخرجه ابن ماجه (٣٣٥)، ولفظه: خرجنا مع رسول الله ﷺ في سفرٍ، وكان رسول الله ﷺ لا يأتي البَرازَ حتى يتغيَّبَ فلا يُرَى، والدارمي (١/ ٢٣/ ١٧) مطولًا، وأوله بنحو لفظ ابن ماجه. وابن أبي شيبة (١/ ١٠١) مختصرًا و (٦/ ٣٢١) مطولًا، وعبد بن حميد (١٠٥٣) مطولًا، وأبو العباس السراج في مسنده (١٦)، وابن عبد البر في التمهيد (١/ ٢٢٣) مطولًا، والبغوي في شرح السُّنَّة (١٨٥).

стр. 17

وهذا قد تفرد به إسماعيل بن عبد الملك بن أبي الصفيراء، والأكثر على تضعيفه، وهو ممن يكتب حديثه كما قال البخاري وابن عدي [التهذيب (٣٢٧/ ١)]؛ تفرد به عن أبي الزبير دون بقية أصحابه على كثرتهم. والمحفوظ في ذلك: ما رواه مسلم في صحيحه (٣٠١٢ - ٣٠١٤) من طريق يعقوب بن مجاهد أبي حزرة، عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت، عن جابرٍ، فلم يذكر فيه قصة الصبي والطير والجمل، وإنما ذكر قصة الشجرتين وفوران الماء من بين أصابعه ﷺ . والشاهد منه قوله: سرنا مع رسول الله ﷺ حتى نزلنا واديًا أفيح، فذهب رسول الله ﷺ يقضي حاجته، فاتبعته بإداوة من ماء، فنظر رسول الله ﷺ فلم ير شيئا يستتر به، فإذا شجرتان بشاطئ الوادي … فذكر قصة الشجرتين وفيه قوله: فخرجتُ أُحضِرُ مخافةَ أن يُحِسَّ رسولُ الله ﷺ بقربى فيبتعد [وفي رواية: فيتبعَّد] … الحديث. وانظر: تخريج الذكر والدعاء (٤/ ١٢٧٩). قال ابن المنذر في الأوسط (١/ ٣٢١): "ثابت عن رسول الله ﷺ أنه كان اذا أراد حاجته أبعد في المذهب. وثبت عنه أنه أراد البول فلم يتباعد عنهم. والذي يستحب: أن يتباعد من أراد الغائط عن الناس، وله أن يبول بالقرب منهم". • والحديث الذي أشار اليه: حديث حذيفة بن اليمان، قال: كنت مع النبي ﷺ فانتهى إلى سُباطة قومٍ، فبال قائمًا، فتنحَّيْتُ، فقال: "ادنه" فدنوت، حتى قمتُ عند عقبيه، فتوضأ، فمسح على خفيه. أخرجه البخاري (٢٢٤ و ٢٢٥ و ٢٢٦ و ٢٤٧١)، ومسلم (٢٧٣)، وأبو عوانة (١/ ١٦٩/ ٤٩٨ - ٥٠٤)، وأبو نعيم (١/ ٣٢٦/ ٦٢٥ و ٦٢٦)، وأبو داود (٢٣)، والترمذي (١٣)، والنسائي (١/ ١٩ و ٢٥/ ١٨ و ٢٦ - ٢٨)، وابن ماجه (٣٠٥ و ٣٠٦ و ٥٤٤)، والدارمي (١/ ١٧٩/ ٦٦٨)، وابن خزيمة (٦١)، وابن حبان (٤/ ٢٧٢ - ٢٧٧/ ١٤٢٤ - ١٤٢٩)، وابن الجارود (٣٦)، وأحمد (٥/ ٣٨٢ و ٣٩٤ و ٤٠٢)، والطيالسي (٤٠٦)، والحميدي (٤٤٢)، والبيهقي (١/ ١٠٠ و ١٠١ و ٢٧٠ و ٢٧٤)، والبغوي في شرح السُّنَّة (١٩٣)، وغيرهم. • وفي الباب: ١ - قال ابن ماجه (٣٣٣): حدثنا يعقوب بن حميد بن كاسب: حدثنا يحيى بن سليم، عن ابن خثيم، عن يونس بن خباب، عن يعلى بن مرة: أن النبي ﷺ كان إذا ذهب الى الغائط أبعد. وهدا إسناد ضعيف؛ لضعف يونس بن خباب. ويحيى بن سليم: سيئ الحفظ؛ إلا أنه كان قد أتقن حديث ابن خثيم. ويعقوب بن حميد: كان كثير الغرائب.

стр. 18

٢ - عبد الله بن كثير بن جعفر: ثنا كثير بن عبد الله المزني، عن أبيه، عن جده، عن بلال بن الحارث المزني: أن رسول الله ﷺ كان إذا أراد الحاجة أبعد. أخرجه ابن ماجه (٣٣٦)، والطبراني في الكبير (١/ ٣٧١/ ١١٤٢ و ١١٤٣)، وابن عدي (٦/ ٦٢). وهذا إسناد واهٍ جدًّا؛ كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف: متروك [التهذيب (٦/ ٥٥٨)، الميزان (٣/ ٤٠٦)، المغني (٢/ ٢٢٧)]. وأبوه: ليس له راوٍ إلا ابنه هذا [الميزان (٢/ ٤٦٧)، التهذيب (٤/ ٤١٧)]. وعبد الله بن كثير بن جعفر: روى عنه جماعة ولم يوثق. قال ابن عدي بعد أن أورد هذا الحديث في ترجمة كثير بن عبد الله: "وعامة أحاديثه التي قد ذكرتها، وعامة ما يرويه: لا يتابع عليه". ٣ - عمرو بن هاشم الحراني: ثنا عثمان بن عبد الرحمن الطرائفي، عن عبد الله بن العلاء بن زَبَر، عن يونس بن ميسرة، عن عبد الملك بن مروان، أنه قال وهو على المنبر: سمعت أبا هريرة يقول: كان رسول الله ﷺ إذا أراد الحاجة أبعد. أخرجه الطبراني في مسند الشاميين (١/ ٧٩٧/٤٥١). وإسناده ليس بذاك عبد الملك بن مروان، وعثمان الطرائفي، وعمرو بن هاشم: متكلم فيهم. ٤ - سعد بن طريف الإسكاف، عن عكرمة، عن ابن عباس، بمثل الذي قبله، مرفوعًا، وفيه قصة منكرة. أخرجه الطبراني في الأوسط (٩/ ١٢١/ ٩٣٠٤). وهو حديث منكر؛ لتفرد سعد بن طريف به عن عكرمة. وسعد هذا: متروك، ورماه ابن حبان بالوضع [التقريب (٣٦٩)]. ٥ - عن ابن مسعود بنحوه، وفيه قصة الشجرتين والبعير. أخرجه الطبراني في الأوسط (٩/ ٨١/ ٩١٨٩). وفي إسناده: يونس بن خباب، وزمعة بن صالح، وأبو قرة، ولا يصح هذا. ٦ - روى الحاكم (٤/ ٧٠)، وابن سعد في الطبقات (١/ ١٥٧) و (٨/ ٢٤٦): عن محمد بن عمر الواقدي: حدثني علي بن محمد بن عبيد الله العموي: حدثني منصور بن عبد الرحمن، عن أمه صفية، عن برَّة بنت أبي تجراة، قالت: إن رسول الله ﷺ حين أراد الله كرامته وابتداءه بالنبوة؛ كان إذا خرج لحاجته أبعد حتى لا يَرَى بيتًا، ويفضي إلى الشعاب، وبطون الأودية، فلا يمر بحجرٍ ولا بشجرةٍ إلا قالت: السلام عليك يا رسول الله، وكان يلتفت عن يمينه وعن شماله وخلفه فلا يرى أحدًا. وهذا إسناد واهٍ؛ الواقدي: متروك، وعلي بن محمد العمري: لم أر من ترجم له. ورواه الفاكهي في أخبار مكة (٥/ ٩٥/ ٢٩٠٢) عن الربعي عبد الله بن شبيب [وهو

стр. 19

واهٍ أيضًا، كان ممن يسرق الأخبار. الميزان (٢/ ٤٣٨)، اللسان (٤/ ٤٩٩)،: ثنا ابن أبي أويس: ثني مسلم بن خالد، عن داود بن عبد الرحمن، عن منصور، بنحوه. * * * ٢ - باب الرجل يتبوأ لبوله ٣ - قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل: حدثنا حماد: أخبرنا أبو التياح، قال: حدثني شيخ قال: لما قدم عبد الله بن عباس البصرة، فكان يحدث عن أبي موسى، فكتب عبد الله إلى أبي موسى يسأله عن أشياء، فكتب إليه أبو موسى: إني كنت مع رسول الله ﷺ ذات يوم، فأراد أن يبول فأتى دَمِثًا في أصل جدارٍ، فبال، ثم قال ﷺ : "إذا أراد أحدُكم أن يبولَ؛ فلْيَرْتَدْ لبوله موضعًا". • حديث منكر أخرجه من طريق أبي داود: البيهقي في سننه الكبرى (١/ ٩٣). ورواه شعبة بن الحجاج، عن أبي التياح: حدثني رجل أسود طويل -قال: جعل أبو التياح ينعته-، أنه قدم مع ابن عباس البصرة، فكتب إلى أبي موسى، فكتب إليه أبو موسى: أن رسول الله ﷺ كان يمشي فمال إلى دَمِثٍ في جنب حائطٍ فبال، ثم قال: "كان بنو إسرائيل إذا بال أحدهم؛ فأصابه شيء من بوله؛ يتبعه، فقرضه بالمقاريض" وقال: "إذا أراد أحدكم أن يبول فليرتد لبوله". أخرجه الحاكم (٣/ ٤٦٥ - ٤٦٦)، وأحمد (٤/ ٣٩٦ و ٣٩٩ و ٤١٤)، والطيالسي (٥١٩)، والروياني (٥٥٨)، وابن المنذر في الأوسط (١/ ٣٢٩)، والبيهقي (١/ ٩٣). وهذا إسناد ضعيف؛ لأجل شيخ أبي التياح المبهم؛ فإنى لإسناده الصحة التي وصفه بها الحاكم حيث قال: "صحيح الإسناد". • والمحفوظ عن أبي موسى: هو ما رواه منصور، عن أبي وائل، قال: كان أبو موسى يشدد في البول، ويبول في قارورة، ويقول: إن بني إسرائيل كان إذا أصاب جلدَ أحدِهم بولٌ قرضه بالمقاريض. فقال حذيفة: لوددت أن صاحبكم لا يشدد هذا التشديد، فلقد رأيتني أنا ورسول الله ﷺ نتماشى، فأتى سُباطةً خلف حائطٍ، فقام كما يقوم أحدكم فبال، فانتبذت منه، فأشار إليَّ فجئت فقمت عند عقبه حتى فرغ. أخرجه البخاري (٢٢٦)، ومسلم (٢٧٣/ ٧٤)، وأبو نعيم (٦٢٦)، وابن حبان (١٤٢٩)، وابن أبي شيبة (١/ ١١٥)، والروياني (٢٥٩) وغيرهم. وقد تقدم تخريجه قريبًا. فحكاية فعل بني إسرائيل: موقوف من كلام أبي موسى، وقد ورد مرفوعًا فيما رواه الأعمش، عن زيد بن وهب، عن عبد الرحمن بن حسنة، قال: انطلقت أنا وعمرو بن

стр. 20

العاص إلى النبي ﷺ ، فخرج ومعه درقة، ثم استتر بها، ثم بال، فقلنا: انظروا إليه يبول كما تبول المرأة، فسمع ذلك، فقال: "ألم تعلموا ما لقِيَ صاحبُ بني إسرائيل؟ كانوا إذا أصابهم البولُ قطعوا ما أصابه البولُ منهم، فنهاهم، فعذب في قبره". أخرجه أبو داود (٢٢)، والنسائي (١/ ٢٧/ ٣٠)، وابن ماجه (٣٤٦)، والحاكم (١/ ٢٩٤)، وأحمد (٤/ ١٩٦)، والحميدي (٨٨٢)، وابن أبي شيبة (٣/ ٥١)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٥/ ٥٢/ ٢٥٨٨)، وأبو يعلى (٩٣٢)، والبيهقي (١/ ١٠٤). وهذا إسناد صحيح، إن كان زيد بن وهب سمعه من عبد الرحمن بن حسنة، فإن زيدًا: ثقة مخضرم. • وأما الاستتار من البول: فثابت في أحاديث، منها: حديث ابن عباس: قال: مر رسول الله ﷺ على قبرين فقال: "إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة، وأما الآخر فكان لا يستتر من بوله". متفق عليه [البخاري (٢١٦ و ٢١٨ و ١٣٦١ و ١٣٧٨ و ٦٠٥٢ و ٦٠٥٥)، مسلم (٢٩٢)]. * * * ٣ - باب ما يقول الرجل إذا دخل الخلاء ٤ - قال أبو داود: حدثنا مُسدَّد بن مُسَرْهَد: ثنا حماد بن زيد وعبد الوارث، عن عبد العزيز بن صُهَيْب، عن أنس بن مالك، قال: كان رسول الله ﷺ إذا دخل الخلاء -قال عن حماد-: قال: "اللَّهُمَّ إني أعوذ بك -قال عن عبد الوارث-: قال: أعوذ بالله من الخُبُث والخبائث". • متفق عليه أخرجه من طريق حماد بن زيد: مسلم (٣٧٥)، وأبو عوانة (١/ ١٨٤/ ٥٧٧)، وأبو نعيم في مستخرجه (١/ ٤٠٨/ ٨٢٤)، والترمذي (٦)، والدارمي (١/ ١٨٠/ ٦٦٩)، وأبو يعلى (٧/ ٣٤/ ٣٩٤٠)، وأبو العباس السراج في مسنده (٢٧)، وفي حديثه بانتقاء الشحامي (٤٦٦ و ١٨٩٦)، وأبو القاسم البغوي في مسند ابن الجعد (١٤٢٧)، وابن المنذر في الأوسط (١/ ٣٢٤/ ٢٥٨)، والطبراني في الدعاء (٣٥٩)، والبيهقي في السنن (١/ ٩٥)، وفي الدعوات الكبير (٥٥)، والرافعي في التدوين (٣/ ٢٢٣). قال الترمذي: "حسن صحيح". وأخرجه من طريق عبد الوارث بن سعيد: النسائي في الكبرى (٧/ ٧٦١٧/١٢٥) و (٩/ ٩٨١٩/٣٤)، وأبو علي الطوسي في مختصر الأحكام (٥)، والطبراني في الدعاء (٣٥٩)، والبيهقي في السنن (١/ ٩٥). * * *

стр. 21

٥ - . . . شعبة، عن عبد العزيز -هو: ابن صهيب-، عن أنس، بهذا الحديث، قال: "اللَّهُمَّ إني أعوذ بك" وقال شعبة مَرَّة: "أعوذ بالله". وقال وهيب عن عبد العزيز: "فليتعوذ بالله". • متفق عليه أخرجه من طريق شعبة: البخاري (١٤٢ و ٦٣٢٢)، وأبو عوانة (١/ ١٨٤/ ٥٧٦)، والترمذي (٥)، وأبو علي الطوسي في مستخرجه عليه "مختصر الأحكام" (٦)، وابن حبان (٤/ ٢٥٣/ ١٤٠٧)، وابن الجارود (٢٨)، وأحمد (٣/ ٢٨٢)، وأبو يعلى (٧/ ١٩/ ٣٩١٤)، وأبو العباس السراج في مسنده (٢٦)، وأبو القاسم البغوي في مسند ابن الجعد (١٤٢٦ و ٣٣١٨)، والطبراني في الدعاء (٣٥٩)، وابن السني في عمل اليوم والليلة (١٧)، وابن المقرئ في الأربعين (١٢)، والبغوي في شرح السُّنَّة (١/ ١٨٦/٣٧٦)، والذهبي في السير (١١/ ٤٦٧). قال الترمذي: "حديث أنس أصح شيء في هذا الباب وأحسن". ولم أقف على من وصله من طريق وهيب. • ورواه أيضًا عن عبد العزيز بن صهيب: إسماعيل بن علية، وسعيد بن زيد، وهشيم بن بشير، وحماد بن سلمة، ومعمر بن راشد، وزكريا بن يحيى بن عمارة [وهم: ثقات]، وحماد بن واقد [ضعيف]: أخرجه البخاري في الأدب المفرد (٦٩٢)، وعلقه في الصحيح (١٤٢)، ومسلم (٣٧٥)، وأبو نعيم في مستخرجه (١/ ٤٠٨ و ٤٠٩/ ٨٢٤ - ٨٢٦)، والنسائي (١٩)، وابن ماجه (٢٩٨)، وابن حبان (٤/ ٢٥٣/ ١٤٥٧)، وأحمد (٣/ ٩٩ و ١٠١ و ٢٨٢)، وابن أبي شيبة (١/ ١١/ ١) و (٦/ ٢٩٨٩٨/١١٤)، وأبو علي الطوسي في مختصر الأحكام (٤)، وأبو يعلى (٧/ ١٠ و ١٩ و ٢٠ و ٢٩/ ٣٩٠٢ و ٣٩١٤ و ٣٩١٥ و ٣٩٣١)، وأبو العباس السراج في مسنده (٢٨ و ٢٩)، وأبو القاسم البغوي في مسند ابن الجعد (١٤٢٧ و ٢٤٦٧ و ٣٣١٨)، والطبراني في الدعاء (٣٥٩)، وابن السني في عمل اليوم والليلة (١٧)، وابن المقرئ في الأربعين (١٢)، والبيهقي في السنن (١/ ٩٥). ولفظ إسماعيل: كان رسول الله ﷺ إذا دخل الخلاء قال: "أعوذ بالله من الخبث والخبائث"، وفي لفظ: "اللَّهُمَّ إني أعوذ بك". ولفظ هشيم: أن رسول الله ﷺ كان إذا دخل الكنيف قال: "اللَّهُمَّ إني أعوذ بك من الخبث والخبائث". ولفظ سعيد: كان النبي ﷺ إذا أراد أن يدخل الخلاء قال:"اللَّهُمَّ إني أعوذ بك من الخبث والخبائث".

стр. 22

وشذ معمر، فقال في أوله: "إن هذه الحشوش محتضرة"، ودخل له متن حديث زيد بن أرقم الآتي في حديث أنس. والحديث مخرج في الذكر والدعاء برقم (٥٢) فليراجع. * * * ٦ - . . . قتادة، عن النصر بن أنس، عن زيد بن أرقم، عن رسول الله ﷺ قال: "إن هذه الحشوشُ محتضرةٌ، فإذا أتى أحدُكم الخلاء فليقل: أعوذ بالله من الخبث والخبائث". • حديث صحيح اختلف فيه على قتادة: ١ - فرواه شعبة عنه، واختلف عليه: أ- فرواه عبد الرحمن بن مهدي، وغندر محمد بن جعفر، وخالد بن الحارث، ومحمد بن أبي عدي، وأبو داود الطيالسي، والنضر بن شميل، ويزيد بن هارون، وعمرو بن مرزوق، وحجاج بن محمد الأعور: تسعتهم [وهم ثقات، وفيهم أثبت أصحاب شعبة: ابن مهدي وغندر وخالد بن الحارث]: عن شعبة، عن قتادة: سمعت النضر بن أنس، عن زيد بن أرقم، به مرفوعًا. أخرجه أبو داود (٦)، والترمذي في العلل الكبير (٣)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (٧٥)، وابن ماجه (٢٩٦)، وابن خزيمة (٦٩)، وابن حبان (١٤٠٨)، والحاكم (١/ ١٨٧)، وأحمد (٤/ ٣٦٩ و ٣٧٣)، والطيالسي (٦٧٩)، والبزار (١٠/ ٢٢٣/ ٤٣١٢)، وأبو يعلى (١٣/ ١٨٢/ ٧٢١٩)، وأبو بكر الدينوري في المجالسة وجواهر العلم (٣٤٨٨)، والطبراني في الكبير (٥/ ٢٠٤/ ٥٠٩٩)، وفي الدعاء (٣٦١)، والبيهقي (١/ ٩٦)، والخطيب في تاريخ بغداد (٤/ ٢٨٧)، وغيرهم. ب- وخالفهم: عيسى بن يونس [وهو: ثقة]: فرواه عن شعبة، عن قتادة، عن القاسم الشيباني، عن زيد بن أرقم، به مرفوعًا؛ فشذ بذلك عن الجماعة. أخرجه ابن حبان (١٤٠٦). ورواية الجماعة هي الصواب. تابع شعبة على هذا الوجه: سعيد بن بشير في رواية عنه: قال ابن بشران في الأمالي (٧٨١): أخبرنا أبو سهل أحمد بن محمد بن عبد الله بن زياد: ثنا عبيد بن عبد الواحد البزار: ثنا أبو الجماهر: ثنا سعيد بن بشير، عن قتادة، عن النضر بن أنس، عن زيد بن أرقم به مرفوعًا. وإسناده حسن إلى أبي الجماهر محمد بن عثمان، عبيد بن عبد الواحد بن شريك

стр. 23

البزار: قال الدارقطني وابن المنادي: "صدوق"، وقال أبو سعيد السمعاني: "وهو صدوق، أحد الثقات"، وذكره ابن حبان في الثقات [سؤالات الحاكم (١٥٤)، الثقات (٨/ ٤٣٤)، تاريخ بغداد (١١/ ٩٩)، الأنساب (١/ ٣٣٧)، السير (١٣/ ٣٨٥)، اللسان (٥/ ٣٥٥)]، وأبو سهل أحمد بن محمد بن عبد الله بن زياد القطان: قال البرقاني والخطيب: "صدوق"، ونعته الذهبي بالإمام المحدث الثقة مسند العراق [تاريخ بغداد (٥/ ٤٥)، السير (١٥/ ٥٢١)]، وقد اختلف فيه على أبي الجماهر، ويأتي ذكر الوجه الثاني بعد حديث ابن أبي عروبة. ٢ - ورواه سعيد بن أبي عروبة، واختلف عليه: أ- فرواه إسماعيل ابن علية [ثقة حافظ، ذكر العجلي أنه سمع من ابن أبي عروبة في الصحة. شرح العلل (٢/ ٧٤٥)]، عن سعيد، عن قتادة، عن النضر، عن زيد، به مرفوعًا. أخرجه النسائي (٧٦)، والطبراني في الكبير (٥١٠٠)، وفي الدعاء (٣٦٢). ب- وخالفه: يزيد بن زريع [ثقة ثبت، سمع من سعيد بن أبي عروبة قبل اختلاطه، وهو من أثبت الناس فيه. الكواكب النيرات (٢٥)، سؤالات ابن بكير (٥٥)، شرح العلل (٢/ ٧٤٣)]، وعبد الوهاب بن عطاء الخفاف [صدوق ربما أخطأ، وهو من أروى الناس عن ابن أبي عروبة. وممن سمع منه قبل الاختلاط وبعده، ولم يميز بينهما. التقريب (٦٣٣)، الكواكب (٢٥)، شرح العلل (٢/ ٧٤٧)]، وعبدة بن سليمان [ثقة ثبت. وهو أثبت الناس سماعًا من ابن أبي عروبة، قاله ابن معين، وقال أحمد: "سماع عبدة منه جيد"]، وعبد الأعلى بن عبد الأعلى [ثقة. قال ابن عدي بأنه أروى الناس عن ابن أبي عروبة]، وأسباط بن محمد [ثقة، وهو: أحبُّ إلى أحمد من الخفاف، في ابن أبي عروبة]، ومحمد بن بكر البرساني [صدوق يخطئ، روى له مسلم عن ابن أبي عروبة، وجوَّد أحمد سماعه من ابن أبي عروبة]، وعلي بن عاصم [صدوق يخطئ ويصر]: سبعتهم [وفيهم أثبت أصحاب ابن أبي عروبة ممن سمع منه قبل الاختلاط]، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن القاسم بن عوف الشيباني، عن زيد بن أرقم، به مرفوعًا. أخرجه النسائي (٧٧ و ٧٨)، وابن ماجه (٢٩٦ م)، والحاكم (١/ ١٨٧)، وأحمد (٤/ ٣٧٣)، وابن أبي شيبة (١/ ١١/ ٢) و (٦/ ١١٤/ ٢٩٨٩٩)، والبزار (١٠/ ٢٢٣/ ٤٣١٣)، وأبو يعلى (١٣/ ١٨٠/ ٧٢١٨)، والطبراني في الكبير (٥١١٥)، وفي الدعاء (٣٦٣)، والخطيب (١٣/ ٣٠١). ورواية الجماعة هي الصواب، والله أعلم. وتابعه على هذا الوجه: سعيد بن بشير؛ وهو ضعيف. أخرجه الطبراني في الكبير (٥١١٤)، وفي مسند الشاميين (٢٦٩٤)، وفي الدعاء (٣٦٤).

стр. 24

قال: حدثنا الحسن بن جرير الصوري [روى عنه جماعة من الأئمة والمصنفين، ولم يُذكر بجرح، بل نعته الذهبي بالإمام المحدث. إكمال ابن ماكولا (٤/ ٢٧٧)، تاريخ دمشق (١٣/ ٤٢)، الأنساب (٣/ ١٦٨)، السير (١٣/ ٤٤٢)]: ثنا أبو الجماهر محمد بن عثمان التنوخي: ثنا سعيد بن بشير، عن قتادة، عن القاسم بن عوف الشيباني، عن زيد به مرفوعًا. وأبو الجماهر: ثقة، فلا أدري ممن الوهم، لكن الدارقطني لما ذكر رواية سعيد بن بشير هذه في العلل (١٢/ ١٣١) جعله متابعًا لشعبة في قوله: عن النضر بن أنس، عن زيد، والله أعلم. • وحاصل ما تقدم: أن المحفوظ عن شعبة: قتادة، عن النضر بن أنس، عن زيد بن أرقم. والمحفوظ عن ابن أبي عروبة: قتادة، عن القاسم بن عوف الشيباني، عن زيد بن أرقم. قال الترمذي في العلل الكبير:"سألت محمدًا [يعني: البخاري] عن هذا الحديث؟ وقلت له: روى هشام الدستوائي مثل رواية سعيد بن أبي عروبة: عن قتادة، عن القاسم بن عوف الشيباني، عن زيد بن أرقم، أن النبي ﷺ قال: "أن هذه الحشوش محتضرة". ورواه معمر مثل ما روى شعبة: عن قتادة، عن النضر بن أنس، عن زيد بن أرقم. قلت لمحمد: فأي الروايات عندك أصح؟ قال: لعل قتادة سمع منهما جميعًا عن زيد بن أرقم، ولم يقضِ في هذا بشيء". وقال في الجامع (٥):"وحديث زيد بن أرقم: في إسناده اضطراب، روى هشام الدستوائي وسعيد بن أبي عروبة عن قتادة، فقال سعيد: عن القاسم بن عوف الشيباني عن زيد بن أرقم، وقال هشام الدستوائي: عن قتادة عن زيد بن أرقم، ورواه شعبة ومعمر عن قتادة عن النضر بن أنس، فقال شعبة: عن زيد بن أرقم، وقال معمر: عن النضر بن أنس عن أبيه عن النبي ﷺ ، قال أبو عيسى: سألت محمدًا عن هذا؟ فقال: يحتمل أن يكون قتادة روى عنهما جميعًا". قلت: إذا أمكن ترجيح رواية الأكثر والأحفظ، أو الجمع بين الروايات؛ فلا اضطراب حينئذٍ، فقد اتفق شعبة وابن أبي عروبة ومعمر وسعيد بن بشير على الواسطة، وأسقطها الدستوائي، وعليه فرواية من أثبت الواسطة أصح، ومعمر وسعيد بن بشير: ليسا بذاك في قتادة، فيبقى الترجيح بين رواية شعبة وابن أبي عروبة، وكلاهما حافظ ثبت في حديث قتادة، وعلى هذا فقول البخاري هو الصواب. وقد قدَّم أبو زرعة الرأزي حديث عبد العزيز بن صهيب، عن أنس، على حديث زيد بن أرقم للاختلاف فيه، وقال بأن حديث أنس أشبه عنده [العلل لابن أبي حاتم (١/ ١٧/ ١٣)]. وقال البزار:"وهذا الحديث قد اختلفوا في إسناده عن قتادة، فقال شعبة: عن قتادة

стр. 25

عن النضر عن زيد، وقال معمر: عن قتادة عن النضر بن أنس عن أبيه، وقال ابن أبي عروبة: عن قتادة عن القاسم بن عوف الشيباني عن زيد، وقال حسام بن مِصَك: عن قتادة عن القاسم بن ربيعة عن زيد بن أرقم". وذكر الدارقطني الاختلاف فيه في العلل (١٢/ ١٣١/ ٢٥٢٠)، ثم قال: "ويشبه أن يكون القول: قول شعبة ومن تابعه". قلت: الأشبه عندي قول البخاري، فقد اختلف فيه حافظان لحديث قتادة، على قتادة، وهو ثقة ثبت حافظ، يحتمل من مثله التعدد في الأسانيد، وعليه: فكلا الإسنادين محفوظ، إسناد شعبة، وإسناد ابن أبي عروبة، والله أعلم. • وروي عن منصور بن المعتمر، عن قتادة، عن النضر بن أنس، عن زيد بن أرقم به مرفوعًا، أخرجه أبو الشيخ في طبقات المحدثين (٣/ ١٦٢)، بإسناد غريب جدًّا عن منصور، ولا يثبت عنه. ٣ - ورواه معمر، عن قتادة، عن النضر بن أنس، عن أنس بن مالك، به مرفوعًا. أخرجه أبو العباس السراج في مسنده (٢٩)، والطبراني في الدعاء (٣٥٥)، وعلقه العقيلي في الضعفاء (٣/ ٣٧١)، والبيهقي في السنن (١/ ٩٦). قال البيهقي: "وهو وهم". قلت: فإن معمرًا جلس إلى قتادة وهو صغير، فلم يحفظ عنه الأسانيد، قال الدارقطني: "معمر: سيئ الحفظ لحديث قتادة" [علل الدارقطني (٤/ ق ٤٠)، شرح العلل (٢/ ٦٩٨)]. ٤ - ورواه قطن بن نسير: ثنا عدي بن أبي عمارة، عن قتادة، عن أنس بن مالك، به مرفوعًا. أخرجه العقيلي (٣/ ٣٧١)، والطبراني في الأوسط (٣/ ١٦١/ ٢٨٠٣)، وفي الدعاء (٣٥٦). زاد في أول الدعاء: "بسم الله" وفي آخره: "ومن الشيطان الرجيم". قال العقيلي: "وتابعه إسماعيل بن مسلم على هذه الرواية، وإسماعيل دونه"، وتأتي روايته بعد هذه. وقال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن قتادة عن أنس: إلا عدي، تفرد به قطن". وقال في الدعاء: "لم يقل أحد ممن روى هذا الحديث عن قتادة في متنه: "بسم الله" إلا عدي بن أبي عمارة". وقال الدارقطني في الأفراد [أطرافه (٢/ ١٦٣)]: "غريب من حديث قتادة عنه، تفرد به عدي عنه". وقال ابن حجر في نتائج الأفكار (١/ ١٩٥): "هذا حديث غريب من هذا الوجه". قلت: وهدا منكر من حديث قتادة، سلك فيه الجادة والطريق السهل، وعدي بن أبي

стр. 26

عمارة الذارع الجرمي القسام: قال فيه الإمام أحمد: "شيخ"، وقال ابن معين وأبو حاتم: "ليس به بأس"، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال العقيلي: "في حديثه اضطراب"، وعدَّ الدارقطني هذا الحديث من أوهامه، وعدَّه ابن حجر من أغلاطه [تاريخ ابن معين للدوري (٤/ ٣١٦/ ٤٥٧٤)، الجرح والتعديل (٧/ ٤)، ضعفاء العقيلي (٣/ ٣٧٠)، الثقات (٧/ ٢٩٢)، تاريخ أسماء الثقات (١٠٧٢)، علل الدارقطني (١٢/ ١٣٠/ ٢٥٢٠)، الأنساب (٤/ ٤٩٦)، اللسان (٤/ ١٨٥)]، والمعروف في هذا عن قتادة: ما رواه أثبت الناس فيه: شعبة وابن أبي عروبة. ٥ - ورواه إسماعيل بن مسلم المكي، عن الحسن وقتادة، عن أنس، عن رسول الله ﷺ أنه كان يقول إذا دخل الخلاء: " [بسم الله]، اللَّهُمَّ إني أعوذ بك من الرجس النجس الخبيث المخبث الشيطان الرجيم". وفي رواية: أن النبي ﷺ قال: "إذا دخل أحدكم الخلاء فليقل: اللَّهُمَّ إني أعوذ بك من الخبث والخبائث". أخرجه البزار (١٣/ ٢٢٠/ ٦٧٠٢)، وابن جرير الطبري في التفسير (٨/ ٣٢)، والطبراني في الأوسط (٨/ ٣٤٥/ ٨٨٢٥)، وفي الدعاء (٣٦٥)، وابن السني في عمل اليوم والليلة (١٨). قال البزار: "وهذا الحديث لا نعلم رواه عن الحسن عن أنس إلا إسماعيل بن مسلم". وقال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن الحسن وقتادة إلا إسماعيل بن مسلم، تفرد به: عبد الرحيم بن سليمان"، قلت: تابعه: عبد الرحمن بن محمد المحاربي عند الطبري. وخالفهما: علي بن مسهر، وأبو معاوية الضرير، وعبد الله بن نمير [وهم ثقات]: فرووه عن إسماعيل بن مسلم، عن الحسن، عن أنس به، ولم يذكروا قتادة فيه. ذكره الدارقطني في العلل (١٢/ ١٣٠/ ٢٥٢٠). وخالفهم: محمد بن فضيل [صدوق]: حدثنا إسماعيل بن مسلم، عن الحسن، قال: كان النبي ﷺ إذا دخل الخلاء قال: "اللَّهُمَّ إني أعوذ بك من الرجس النجس الخبيث المخبث الشيطان الرجيم". أخرجه ابن فضيل في الدعاء (٣٧). قلت: وهذا اضطراب من إسماعيل بن مسلم المكي في إسناد هذا الحديث ولفظه، وهو: ضعيف، عنده عجائب، ويروي عن الثقات المناكير [العلل ومعرفة الرجال (٢/ ٣٥٢/ ٢٥٥٦)، ضعفاء العقيلي (١/ ٩٢)، الكامل (١/ ٢٨٣)، التهذيب (١/ ١٦٧)]. وقد تابع ابن فضيل على الوجه الأخير مرسلًا، وهو المحفوظ عن الحسن: هشام بن حسان [ثقة، من أصحاب الحسن]، عن الحسن؛ أن النبي ﷺ كان إذا دخل الخلاء، قال: "اللَّهُمَّ إني أعوذ بك من الخبيث المخبث الرجس النجس الشيطان الرجيم".

стр. 27

أخرجه أبو داود في المراسيل (٢). قال الدارقطني في العلل (١٢/ ١٣٠/ ٢٥٢٠) لما سئل عن حديث قتادة، عن أنس: قال رسول الله: "إن هذه الحشوش محتضرة، فإذا دخل أحدكم، فليقل: اللَّهُمَّ إني أعوذ بك من الخبث والخبائث"؟ فقال: "اختلف فيه على قتادة: فرواه عديّ بن أبي عمارة، عن قتادة، عن أنس. وتابعه إسماعيل بن مسلم -من رواية المحاربي، وعبد الرحيم بن سليمان-، فإنهما روياه عن إسماعيل، عن الحسن وقتادة، عن أنس. وخالفهما: علي بن مسهر، وأبو معاوية الضرير، وعبد الله بن نمير: فرووه عن إسماعيل بن مسلم، عن الحسن، عن أنس، ولم يذكروا: قتادة فيه. ورواه هشام بن حسان، عن الحسن مرسلًا، وهو الصحيح عن الحسن. فأما قول عدي بن أبي عمارة، وإسماعيل بن مسلم المكي: عن قتادة، عن أنس؛ فإن ذلك وهم منهما؛ لأن قتادة لم يسند هذا الحديث عن أنس، وإنما أسنده عن زيد بن أرقم، واختلف عليه فيمن بينه وبين زيد". قال ابن أبي حاتم لأبي زرعة الرازي: "فحديث إسماعيل بن مسلم، يزيد فيه: "الرجس النجس"؟ قال: وإسماعيل ضعيف، فأرى أن يقال: الرجس النجس الخبيث المخبث الشيطان الرجيم؛ فإن هذا دعاء" [علل ابن أبي حاتم (١٣)]. وانظر: غريب الحديث لأبي عبيد القاسم بن سلام (١/ ٤١٥). • وحاصل ما تقدم: أن الذي يظهر لي -والله أعلم-: أن إسناد شعبة وابن أبي عروبة: كلاهما محفوظ، والأمر كما قال الحاكم: "كلا الإسنادين من شرط الصحيح"، وكما قال البخاري: "يحتمل أن يكون قتادة روى عنهما جميعًا"، وفي رواية: "لعل قتادة سمع منهما جميعًا". وقد تكلمت على إسناديهما بالتفصيل في تخريج أحاديث الدعاء برقم (٥٢)، فليراجع، إلا أن ثمة خطأ وقع هناك فليصحح من هنا، وهو المحفوظ عن شعبة، وعن ابن أبي عروبة، ومما يؤيد ما ذهبت إليه هنا: المساجلة العلمية التي وقعت بين يحيى بن سعيد القطان وعلي بن المديني [انظر: الجرح (١/ ٢٤٠)، وغيره]. * * * ٤ - باب كراهية استقبال القبلة عند قضاء الحاجة ٧ - . . . إبراهيم [النخعي]، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن سلمان، قال: قيل له: لقد علَّمَكم نبيُّكم كلَّ شيءٍ حتى الخِرَاءَةَ! قال: أجل، لقد نهانا ﷺ أن

стр. 28

نستقبلَ القبلةَ بغائطٍ أو بولٍ، وأن لا نستنجيَ باليمين، وأن لا يستنجي أحدُنا بأقلَّ من ثلاثة أحجار، أو يستنجي برجيعٍ أو عظمٍ. • حديث صحيح أخرجه مسلم (٢٦٢)، وأبو عوانة (١/ ١٨٥/ ٥٧٩ - ٥٨٢)، وأبو نعيم (١/ ٣١٩/ ٦٠٦ و ٦٠٧)، والترمذي (١٦)، والنسائي (٤١ و ٤٩)، وابن ماجه (٣١٦)، وابن خزيمة (٧٤ و ٨١)، وابن الجارود (٢٩)، وأحمد (٥/ ٤٣٧ و ٤٣٨ و ٤٣٩)، والطيالسي (٦٥٤)، وابن أبي شيبة (١/ ١٣٩ و ١٤٠ و ١٤٣) و (٧/ ٣٠٥)، والبزار (٦/ ٤٧٠/ ٢٥٠٢)، والطحاوي في شرح المعاني (١/ ١٢١)، والطبراني في الكبير (٦/ ٦٠٧٩ - ٦٠٨٢)، والدارقطني (١/ ٥٤)، والبيهقي (١/ ٩١ و ١٠٢ و ١١٢)، وابن عبد البر في التمهيد (١١/ ١٨) و (٢٢/ ٣١٣)، والحازمي في الاعتبار (٣٨)، وغيرهم. قال الترمذي: "حسن صحيح". * * * ٨ - . . . محمد بن عجلان، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "إنما أنا لكم بمنزلة الوالد أعلمكم؛ فإذا أتى أحدُكم الغائطَ فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها، ولا يستطب بيمينه" وكان يأمر بثلاثة أحجار، وينهى عن الرَّوْثِ والرِّمَّة. • حديث صحيح أخرجه النسائي (٤٠)، وابن ماجه (٣١٣)، والدارمي (١/ ١٨٢/ ٦٧٤)، وابن خزيمة (٨٠)، وابن حبان (٤/ ٢٨٤ و ٢٨٨/ ١٤٣٥ و ١٤٤٠)، وأبو عوانة (١/ ١٧٠ و ١٧١/ ٥٠٩ و ٥١١)، والشافعي في المسند (١٣)، وفي الأم (١/ ٢٢)، وأحمد (٢/ ٢٤٧ و ٢٥٠)، والحميدي (٩٨٨)، وابن المنذر في الأوسط (١/ ٣٥٥)، والطحاوي في شرح المعاني (١/ ١٢١ و ١٢٣) و (٤/ ٢٣٣)، وابن عدي في الكامل (٦/ ٤٦٥)، والبيهقي (١/ ٩١ و ١٠٢ و ١١٢)، وابن عبد البر في التمهيد (١١/ ١٨) و (٢٢/ ٣١٢) وصححه. والبغوي في شرح السُّنَّة (١٧٣)، والرافعي في التدوين (١/ ٢٦٦) و (٤/ ٦٤). وهذا إسناد مدني حسن. وأصل الحديث في صحيح مسلم (٢٦٥) من رواية: سهيل بن أبي صالح، عن القعقاع، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ قال: "إذا جلس أحدكم على حاجته؛ فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها". * * *

стр. 29

٩ - . . . الزهري، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن أبي أيوب -روايةً- قال: "إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة بغائطٍ ولا بول، ولكن شرَّقوا أو غرِّبوا". فقدمنا الشام، فوجدنا مراحيض قد بنيت قبل القبلة، فكنا ننحرف عنها، ونستغفر الله. • متفق عليه أخرجه البخاري (١٤٤ و ٣٩٤)، ومسلم (٢٦٤)، وأبو عوانة (١/ ١٧٠/ ٥٠٥ - ٥٠٨)، وأبو نعيم (١/ ٣٠٢/ ٦٠٩)، والترمذي (٨)، والنسائي (٢١)، وابن ماجه (٣١٨)، والدارمي (١/ ١٧٨/ ٦٦٥)، وابن خزيمة (٥٧)، وابن حبان (٤/ ٢٦٣ - ٢٦٥/ ١٤١٦ و ١٤١٧)، والشافعي في المسند (١٨٣)، وفي الرسالة (٢٩٢)، وأحمد (٥/ ٤١٦ و ٤١٧ و ٤٢١)، والحميدي (٣٧٨)، وابن أبي شيبة (١/ ١٣٩)، وابن المنذر في الأوسط (١/ ٣٢٤)، والطحاوي (٤/ ٢٣٢)، والطبراني في الكبير (٤/ ١٤١ - ١٤٤/ ٣٩٣٥ - ٣٩٤٨)، والبيهقي (١/ ٩١)، والبغوي في شرح السُّنَّة (١٧٤)، والحازمي في الاعتبار (٣٧)، وغيرهم. ولفظه عند مسلم: عن أبي أيوب أن النبي ﷺ قال: "إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها ببولٍ ولا غائطٍ، ولكن شرِّقوا أو غرِّبوا". قال أبو أيوب: فقدمنا الشام، فوجدنا مراحيض قد بنيت قبل القبلة، فننحرف عنها ونستغفر الله. • وله طرق أخرى منها: ما رواه مالك في الموطأ (١/ ٢٦٨/ ٥١٩)، والنسائي (٢٠)، وأحمد (٥/ ٤١٤ و ٤١٥ و ٤١٩)، والطحاوي (٤/ ٢٣٢)، والطبراني في الكبير (٣٩٣١)، والجوهري في مسند الموطأ (٢٨٨)، وغيرهم. وانظر: علل الدارقطني (٦/ ٩٧ و ١١٥). * * * ١٠ - . . . عمرو بن يحيى، عن أبي زيد، عن معقل بن أبي معقل الأسدي، قال: نهى رسول الله ﷺ أن نستقبل القبلتين ببول أو غائط. قال أبو داود: وأبو زيد هو مولى بني ثعلبة. • حديث منكر أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٧/ ٣٩١)، وابن ماجه (٣١٩)، وأحمد (٤/ ٢١٠)، وابن أبي شيبة في المصنف (١/ ١٣٩ و ١٤٠)، وفي المسند (٧٧٢)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٢/ ٢٩٥ و ٢٩٦/ ١٠٥٧ و ١٠٥٨)، والطحاوي في شرح المعاني (٤/ ٢٣٣)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٥/ ٢٥١٣/ ٦٠٩١)، والبيهقي (١/ ٩١)، والخطيب في الموضح (٢/ ٤٧٥)، والحازمي في الاعتبار (٣٨).

стр. 30

قال مغلطاي في شرح سنن ابن ماجه (١/ ١١٤): "وهذا حديث: إسناده ضعيف؛ للجهل بحال راويه أبي زيد؛ فإنه لم يرو عنه غير عمرو، وينضم إلى جهالته: انقطاع حديثه؛ فيما ذكره العسكري: من أن معقلًا مات في أيام النبي ﷺ ، فإذا كان كذلك؛ فيكون حديثه عنه منقطعًا؛ لأنه ليس صحابيًّا، ولا ذكره منهم أحد؛ فتعين انقطاع حديثه"، وقال أيضًا: "ولم أر أحدًا -فيما أعلم- تعرض لمعرفة حاله"، وقال أيضًا: "وليس بكاف سكوت أبي داود عنه، … ، وكذا سكوت المنذري عنه" [وانظر: فيض القدير (٦/ ٣٤٣)]. وقال الذهبي في الكنى (٢/ ٨٩): "لم يصح". وقال في تهذيب السنن الكبرى للبيهقي (١/ ٩٨/ ٣٨٧) في أبي زيد هذا: "لا يدرى من هو". وقال ابن حجر في الفتح (١/ ٢٤٦): "وهو حديث ضعيف؛ لأن فيه راويًا مجهول الحال". وقال الصنعاني في سبل السلام (١/ ٧٨): "وهو حديث ضعيف، لا يقوى على رفع الأصل". وقال الشوكاني في السيل الجرار (١/ ٦٩): "وفي إسناده: أبو زيد، الراوي له عن معقل، وهو: مجهول؛ فلا تقوم به حجة، ولم يرِد في بيت المقدس غيره". قلت: وهو كما قالوا؛ فإن أبا زيد هذا لم يرو عنه سوى عمرو بن يحيى، قال عنه ابن المديني: "ليس بالمعروف" وقال في التقريب (١١٥٠): "مجهول" [وانظر: الاستغناء (٧١٨)، فتح الباب (٢٩١٩)، كنى مسلم (٣٩٤)، التهذيب (١٠/ ١١٦)]. وبهذا تعرف ضعف ما ذهب إليه النووي في المجموع (٢/ ٩٩) حين قال في هذا الحديث: "وإسناده جيد، ولم يضعفه أبو داود". • ومتنه منكر بذكر القبلتين، والمعروف في الأحاديث الصحيحة بذكر القبلة على الإفراد. • ووجدت له شاهدًا -ولا يصح أيضًا-: يرويه: عبد الله بن نافع [منكر الحديث]، عن أبيه، قال: سمعت عبد الرحمن بن عمرو العجلاني [وفي رواية: عبد الله بن عمرو العجلاني] يحدث ابن عمر، عن أبيه، أنه سمع النبي ﷺ ينهى أن يُستقبل شيءٌ من القبلتين بغائط أو بول. أخرجه الفسوي في المعرفة والتاريخ (١/ ١٥٣)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٤/ ٦٥/ ٢٠١١)، والطبراني في الكبير (١٧/ ١٢/ ١)، وابن عدي في الكامل (٤/ ١٦٥)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٤/ ١٩٩٨/ ٥٠١٧)، وابن بشكوال في الغوامض (٢/ ٦٨٦)، وعلقه ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٦/ ٢٧٠). وانظر أيضًا: الكامل لابن عدي (٤/ ١٦٥)، المطالب العالية (٢/ ١٦٩). قال ابن السكن: "لم يرو عمرو هذا عن النبي ﷺ غير هذا الحديث، وهو مما ينفرد به: عبد الله بن نافع".

стр. 31

وقال أبو نعيم: "رواه جماعة، عن أيوب، عن نافع، قال: سمعت رجلًا يحدث ابن عمر، عن أبيه نحوه". قلت: رواه إسماعيل ابن علية، وسفيان بن عيينة: عن أيوب، عن نافع، عن رجل من الأنصار، عن أبيه: أن رسول الله ﷺ نهى أن نستقبل القبلتين ببول أو غائط. أخرجه أحمد (٥/ ٤٣٠)، وابن أبي شيبة في المسند (٧١٩). وهو: ضعيف؛ لإبهام التابعي، واختلف في لفظه: فقد رواه مالك، عن نافع مولى ابن عمر؛ أن رجلًا من الأنصار أخبره عن أبيه، أن رسول الله ﷺ نهى أن تُستقبل القبلةُ بغائط أو بول. هكذا بالإفراد؛ وهو: الصواب. أخرجه مالك في الموطأ (٢٨٤ م- موطأ القعنبي) (٥٠٨ - موطأ أبي مصعب الزهري) (١٦٤ - موطأ الحدثاني)، ومن طريقه: الطحاوي (٤/ ٢٣٢)، والجوهري في مسند الموطأ (٧٢٧)، وابن عبد البر في التمهيد (١٦/ ١٢٦). واختلف فيه على مالك، وهذا هو: الصواب، وانظر: موطأ يحيى بن يحيى الليثي (١/ ٢٦٨/ ٥٢٠)، أحاديث الموطأ للدارقطني (٥٤٥)، مسند الموطأ (٧٢٧)، التمهيد (١٦/ ١٢٥). وبهذا تعلم أنه لم يصح شيء في النهي عن استقبال بيت المقدس، بل قد صح عنه ﷺ من فعله أنه استقبل بيت المقدس حال قضاء الحاجة، وسيأتي برقم (١٢)، والله أعلم. * * * ١١ - . . . صفوان بن عيسى، عن الحسن بن ذكوان، عن مروان الأصفر، قال: رأيت ابن عمر أناخ راحلته مستقبل القبلة، ثم جلس يبول إليها، فقلت: يا أبا عبد الرحمن أليس قد نهي عن هذا؟ قال: بلى، إنما نهي عن ذلك في الفضاء، فإذا كان بينك وبين القبلة شيء يسترك فلا بأس. • حديث حسن أخرجه ابن خزيمة (٦٠)، وابن الجارود (٣٢)، والحاكم (١/ ١٥٤)، والدارقطني (١/ ٥٨)، وابن شاهين في الناسخ (٨٤)، والبيهقي في السنن الكبرى (١/ ٩٢)، وفي الصغرى (٥٩)، وفي المعرفة (١/ ١٩٤)، وفي الخلافيات (٢/ ٦٤ - ٦٦/ ٣٤٧ و ٣٤٨)، والحازمي في الاعتبار (٤٠). قال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط البخاري، فقد احتج بالحسن بن ذكوان، ولم يخرجا". وقال الدارقطني: "هذا صحيح، كلهم ثقات". وقال الحازمي: "هذا حديث حسن".

стр. 32

وصححه ابن خزيمة وابن الجارود. وسكت عليه أبو داود والمنذري والبيهقي وابن حجر في التلخيص (١/ ١٨٣) إلا أنه قال في الفتح (١/ ٢٩٨): "رواه أبو داود والحاكم بسند لا بأس به". فلولا أقوال هؤلاء الأئمة، لكان من الممكن أن يوصف هذا الإسناد بالضعف؛ لأمرين: • الأمر الأول: الحسن بن ذكوان: فإنه وإن ضعفه أحمد وابن معين وأبو حاتم والدارقطني وأبو زرعة الرازي، فقد قال النسائي وأبو حاتم أيضًا: "ليس بالقوي"، وقال ابن المديني: "حدث يحيى [يعني: القطان] عن الحسن بن ذكوان بأحرف ولم يكن عنده بالقوي"، وقال أحمد أيضًا في سؤالات المرُّوذي:"ليس بذاك"، وقد ذكره ابن حبان في الثقات، وروى عنه يحيى بن سعيد القطان وعبد الله بن المبارك قال ابن عدي: "وللحسن بن ذكوان أحاديث غير ما ذكرت وليس بالكثير، وفي بعض ما ذكرت لا يرويه غيره، على أن يحيى القطان وابن المبارك قد رويا عنه كما ذكرته، وناهيك للحسن بن ذكوان من الجلالة أن يرويا عنه، وأرجو أنه لا بأس به" [انظر: التاريخ الكبير (٢/ ٢٩٣) و (٦/ ٥٦)، الضعفاء الصغير (٢٢٩)، الجرح والتعديل (٣/ ١٣) و (٦/ ٢٣)، الثقات (٦/ ١٦٣)، الكامل (٢/ ٣١٧)، ضعفاء العقيلي (١/ ٢٢٣)، علل الدارقطني (٣/ ٣٨)، سؤالات البرذعي (٢/ ٣٩٣)، سؤالات الآجري (٣/ ٢٦٥)، تاريخ الدوري (٤/ ٣٤١ و ٣٥٢)، ضعفاء النسائي (١٥٢)، علل ابن أبي حاتم (٢٣٠٨)، سؤالات المروذي لأحمد (١٧٧ و ٢٠٩)، التهذيب (٢/ ٢٥٧)، الميزان (١/ ٤٨٩)]. ويبدو أن تضعيف الذين ضعفوه يرجع إلى سببين: أحدهما: رواية الحسن عن عمرو بن خالد الواسطي وعبد الواحد بن قيس، أما عمرو بن خالد فهو: متروك؛ بل كذاب، كذبه أحمد وابن معين وأبو داود وغيرهم، ورماه غيرهم بالوضع؛ كإسحاق بن راهويه وأبي زرعة ووكيع وغيرهم [التهذيب (٦/ ١٣٨)]، وكان الحسن بن ذكوان يسقط عمرو بن خالد من الإسناد ويدلسه، ولأجل ذلك وصف بالضعف وبالتدليس [انظر: المراسيل (١٥٧)، طبقات المدلسين (٧٠)، التبيين لأسماء المدلسين (١٤) وغيرها]. وأما عبد الواحد بن قيس [وهو أحسن حالًا من الحسن] فقد قال ابن المديني: عن يحيى بن سعيد: "كان شبه لا شيء، كان الحسن بن ذكوان يحدث عنه بعجائب" [انظر: المراجع السابقة. والتهذيب (٥/ ٣٣٩)]. والسبب الثاني: ما ذكره أبو داود من أنه كان قدريًّا، ومن المعلوم أن العبرة بصدق الراوي وضبطه. وعلى هذا فإنه يجتنب من رواية الحسن بن ذكوان ما كان عن حبيب بن أبي ثابت؛ فإن أحاديثه عنه أباطيل، كما قال الإمام أحمد؛ فإنه لم يسمعها من حبيب وإنما هي

стр. 33

أحاديث عمرو بن خالد الواسطي الكذاب، وكذا ما كان من روايته عن عبد الواحد بن قيس فإنه يحدث عنه بالعجائب، والثالث ما رواه بصيغة من صيغ التدليس [انظر: هدي الساري (٤١٦)]. وعلى ذلك فلا عتب على البخاري حين احتج بالحسن بن ذكوان فيما رواه يحيى بن سعيد القطان عن الحسن بن ذكوان قال: حدثنا أبو رجاء [العطاردي] حدثنا عمران بن حصين عن النبي ﷺ قال:"يخرج قوم من النار بشفاعة محمد ﷺ فيدخلون الجنة يسمون الجهنميين". أخرجه البخاري (٦٥٦٦)، وأبو داود (٤٧٤٠)، والترمذي (٢٦٠٠)، وابن ماجه (٤٣١٥)، وابن خزيمة في التوحيد (٢٧٦)، وأحمد (٤/ ٤٣٤)، وغيرهم. قال الترمذي: "حسن صحيح". فقد انفرد به الحسن هذا عن أبي رجاء العطاردي، ولم يتابع عليه، إلا أن الحديث له شواهد كثيرة -كما قال الحافظ في هدي الساري (٤١٦) - تُبيِّن حفظ الحسن لهذا الحديث وأنه لم يهم فيه، كما أنه صرح فيه بالتحديث وبسماعه من العطاردي. فصح الحديث والحمد لله. ومن شواهده: حديث أنس: أخرجه البخاري (٦٥٥٩ و ٧٤٥٠). وحديث جابر: أخرجه البخاري (٦٥٥٨)، ومسلم (١٩١)، وغيرهما. [انظر: النكت الجياد (١٨٠)]. ولذلك فقد لخص ابن حجر القول في الحسن بقوله: "صدوق يخطئ، ورمي بالقدر، وكان يدلس" [التقريب (٢٣٧)]، وقال الذهبي في الميزان:"صالح الحديث"، وصحح له حديث ابن عمر هذا: الحاكم والدارقطني وابن خزيمة وابن الجارود، وحسنه الحازمي وابن حجر؛ وكفى باتفاقهم حجة، لا سيما مع عدم المعارض لهم. • وأما الأمر الثاني: فهو التدليس، والحسن هنا لم يصرح بالسماع؛ وهي علة قادحة؛ إلا أن للحديث ما يشهد لصحته؛ ولكون الحسن حفظه عن مروان الأصفر، والله أعلم. وشاهده الحديث الآتي: * * * ٥ - باب الرخصة في ذلك ١٢ - . . . محمد بن يحيى بن حَبَّان، عن عمه واسع بن حَبَّان، عن عبد الله بن عمر، قال: لقد ارتقيت على ظهر البيت، فرأيت رسول الله ﷺ على لَبِنَتَين مستقبِلَ بيتِ القدس لحاجته. • متفق عليه أخرجه البخاري (١٤٥ و ١٤٨ و ١٤٩ و ٣١٠٢)، ومسلم (٢٦٦)، وأبو عوانة (١/ ١٧١/ ٥١٢ - ٥١٤)، والترمذي (١١) وقال: "حسن صحيح"، وأبو علي الطوسي في

стр. 34

مستخرجه عليه (١٠)، والنسائي (٢٣)، وابن ماجه (٣٢٢)، والدارمي (١/ ١٧٩/ ٦٦٧)، وابن خزيمة (٥٩)، وابن حبان (٤/ ٢٦٩/ ١٤٢١)، وابن الجارود (٣٠)، ومالك في الموطأ (١/ ٢٦٩/ ٥٢١)، والشافعي في المسند (١٨٣)، وفي السنن (١/ ٢٢٣/ ١١٣)، وفي الرسالة (٨١٢)، وفي اختلاف الحديث (٢٢٦)، وأحمد (٢/ ١٢ و ١٣ و ٤١)، وأبو يعلى (١٠/ ١٠٨/ ٥٧٤١)، والطحاوي في شرح المعاني (٤/ ٢٣٣)، وابن المنذر في الأوسط (١/ ٣٢٧)، والدارقطني (١/ ٦١)، والجوهري في مسند الموطأ (٨١٨)، والبيهقي في السنن (١/ ٩٢)، وفي الخلافيات (٢/ ٦٢ و ٦٣/ ٣٤٥ و ٣٤٦)، وابن عبد البر في التمهيد (١/ ٣٠٥ و ٣٠٦)، والخطيب في الفقيه والمتفقه (١/ ٥٤٠)، والبغوي في شرح السُّنَّة (١٧٥ - ١٧٧)، والحازمي في الاعتبار (٤٠)، وغيرهم. ولفظ مالك، ومن طريقه البخاري: عن عبد الله بن عمر؛ أنه كان يقول: إن ناسًا يقولون: إذا قعدت على حاجتك فلا تستقبل القبلة ولا بيت المقدس! فقال عبد الله بن عمر: لقد ارتقيت يومًا على ظهر بيتٍ لنا، فرأيت رسول الله ﷺ على لبنتين مستقبلًا بيت المقدس لحاجته. وفي لفظ للبخاري ومسلم: رقيتُ على بيت أختي حفصة، فرأيت رسول الله ﷺ قاعدًا لحاجته مستقبل الشام مستدبر القبلة. * * * ١٣ - . . . محمد بن إسحاق، يحدث عن أبان بن صالح، عن مجاهد، عن جابر بن عبد الله قال: نهى نبي الله ﷺ أن نستقبلَ القبلةَ ببولٍ، فرأيته قبل أن يُقبضَ بعامٍ يستقبلها. • قال البخاري: هذا حديث صحيح أخرجه الترمذي في الجامع (٩)، وفي العلل الكبير (٥)، وابن ماجه (٣٢٥)، وابن خزيمة (٥٨)، وابن حبان (٤/ ٢٦٨/ ١٤٢٠)، وابن الجارود (٣١)، والحاكم (١/ ١٥٤)، وأحمد (٣/ ٣٦٠)، والطحاوي (٤/ ٢٣٤)، والدارقطني (١/ ٥٨ - ٥٩)، وابن شاهين في الناسخ (٨٢)، والبيهقي في السنن (١/ ٩٢)، وفي الخلافيات (٢/ ٦٦/ ٣٤٩)، والحازمي في الاعتبار (٣٩)، وغيرهم. وفي رواية إبراهيم بن سعد [وهو ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف: ثقة حجة، من أثبت الناس في ابن إسحاق]، عن ابن إسحاق: حدثني أبان بن صالح، عن مجاهد بن جبر، عن جابر بن عبد الله: قال: كان رسول الله ﷺ قد نهانا عن أن نستدبر القبلة أو نستقبلها بفروجنا إذا أهرقنا الماء. قال: ثم رأيته قبل موته بعام يبول مستقبل القبلة. قال الترمذي: "حديث حسن غريب". وقال في العلل الكبير: "سألت محمدًا -يعني: البخاري- عن هذا الحديث؟ فقال:

стр. 35

هذا حديث صحيح، ورواه غير واحد عن محمد بن إسحاق" [ليس في المطبوع، انظر: الخلافيات. الأحكام الوسطى (١/ ١٢٩)، الإمام (٢/ ٥٢٠)، نصب الراية (٢/ ١٠٥)، البدر المنير (٢/ ٣٠٨)]. وصححه ابن خزيمة وابن حبان وابن الجارود وقال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم"، وقال الدارقطني: "كلهم ثقات"، وصححه أيضًا: ابن السكن، وحسنه البزار [البدر المنير (٨/ ٣٠٢)، التلخيص (١/ ١٨٢)]، وقال ابن الملقن في البدر المنير (٢/ ٣٠٧): "هذا الحديث صحيح". قك: إسناده حسن، رجاله ثقات؛ غير محمد بن إسحاق فإنه: صدوق يدلس، وقد صرح بالسماع فانتفت شبهة تدليسه، وليس على شرط مسلم كما قال الحاكم؛ فإنه لم يخرج شيئًا بهذا الإسناد، وأبان بن صالح ليس من رجال مسلم، ولم يحتج مسلم بابن إسحاق، وإنما أخرج له في المتابعات. وأما تضعيف ابن حزم وابن عبد البر لهذا الحديث بأبان بن صالح فقول ضعيف لا يلتفت إليه. قال ابن حزم في المحلى (١/ ١٩٨): "وأما حديث جابر فإنه من رواية أبان بن صالح وليس بالمشهور". وقال ابن عبد البر في التمهيد (١/ ٣١٢): "وليس حديث جابر بصحيح عنه فيعرج عليه؛ لأن أبان بن صالح الذي يرويه ضعيف … وهو حديث لا يحتج بمثله". قال ابن الملقن في البدر المنير (٢/ ٣٠٩): "وهذا تعليل ساقط؛ فإن أبان هذا لم يضعفه أحد … "، ثم ساق أقوال أهل العلم في توثيقه. وقال الحافظ ابن حجر في التهذيب (١/ ١١٩): "وهذه غفلة منهما، وخطأ تواردا عليه؛ فلم يضعف أبان هذا أحد قبلهما، ويكفي فيه قول ابن معين ومن تقدم معه، والله أعلم"، وانظر: التلخيص (١/ ١٨٢). وأبان: وثقه ابن معين وأبو زرعة وأبو حاتم والعجلي ويعقوب بن شيبة وابن حبان، وقال النسائي: "ليس به بأس". ويكفي تصحيح البخاري ومن معه للحديث. • ورواه ابن لهيعة، عن أبي الزبير، عن جابر، عن أبي قتادة: أنه رأى النبي ﷺ يبول مستقبل القبلة. أخرجه الترمذي في الجامع (١٠)، وفي العلل (٤)، وأحمد (٥/ ٣٠٠)، والطحاوي (٤/ ٢٣٤). وهدا إسناد ضعيف؛ لضعف ابن لهيعة وتدليسه. قال الترمذي في الجامع: "وحديث جابر عن النبي ﷺ أصح من حديث ابن لهيعة، وابن لهيعة ضعيف عند أهل الحديث، ضعفه يحيى بن سعيد القطان وغيره من قبل حفظه".

стр. 36

وقال في العلل: "حديث جابر عن أبي قتادة: ليس بمحفوظ". وقال الدارقطني في العلل (٦/ ١٦٦): "وليس بمحفوظ، والحديث مشهور عن جابر بن عبد الله … ". • وفي الباب: عن عائشة قالت: ذُكِر عند رسول الله ﷺ قومٌ يكرهون أن يستقبلوا بفروجهم القبلة، فقال: "أراهم قد فعلوها، استقبلوا بمقعدتي القبلة". يرويه خالد الحذاء، واختلف عليه: ١ - فرواه هشيم بن بشير [ثقة ثبت]، وحماد بن سلمة [ثقة]، وعلي بن عاصم [صدوق يخطئ ويصر]، وعبد العزيز بن المغيرة [صدوق]، وخالد بن يحيى السدوسي [صويلح، قواه ابن عدي، وله إفرادات وغرائب. الكامل (٣/ ٩)، المغني (١/ ٢٠٧)، اللسان (٣/ ٣٤٤)]: خمستهم: عن خالد الحذاء، عن خالد بن أبي الصلت، عن عراك بن مالك، عن عائشة به. وألفاظهم متقاربة. قال خالد بن يحيى في روايته: عن رجل يقال له: خالد، عن عراك بن مالك قال: ذُكِر عند عمر بن عبد العزيز استقبال القبلة لغائطِ أو بولٍ، فقال عراك: قالت عائشة وقال علي بن عاصم في روايته: عن خالد بن أبي الصلت قال: كنت عند عمر بن عبد العزيز في خلافته، وعنده عراك بن مالك، فقال عمر: ما استقبلت القبلة ولا استدبرتها ببولِ ولا غائطٍ منذ كذا وكذا، فقال عراك: حدثتني عائشة … الحديث. ورواه جماعة من أصحاب حماد بن سلمة الثقات [مثل: وكيع، وأبي الوليد الطيالسي، وأبي داود الطيالسي، ويحيى بن إسحاق السيلحيني]، فقالوا في روايتهم عنه: عن خالد بن أبي الصلت، عن عراك بن مالك، عن عائشة به. فلم يذكروا القصة، ولا سماع عراك من عائشة. ورواه جماعة من أصحاب حماد بن سلمة الثقات [مثل: بهز بن أسد، ويزيد بن هارون، وحجاج بن المنهال، وأبي كامل الفضيل بن حسين، وأسد بن موسى]، فقالوا في روايتهم عنه: عن خالد بن أبي الصلت قال: كنا عند عمر بن عبد العزيز، فذكروا استقبال القبلة بالفروجِ، فقال عراك بن مالك: قالت عائشة … الحديث. هكذا بالقصة، ولم يذكروا سماعًا. [تنبيه: وقع تصحيف في بعض الروايات عن يزيد بن هارون وأبي كامل؛ جعلت البعضَ يذهب إلى أن ثمة اختلاف وقع في إسناديهما، وأن عمر بن عبد العزيز هو أحد رواة هذا الإسناد، وليس كذلك؛ بل تصحفت "عند عمر" إلى "عن عمر"، وكذلك زيدت "عن" في قوله: "فحدث عراك بن مالك عن عائشة" فأصبحت: "فحدث عن عراك بن مالك عن عائشة" والصواب: ما ذكرت، وانظر: الإتحاف (١٧/ ١٠٧/ ٢١٩٥٥).

стр. 37

وأما رواية يزيد بن هارون -عند الطحاوي (٤/ ٢٣٤) - والتي زيد فيها: عروة بن الزبير بين عراك وعائشة، فهي رواية شاذة، وهم فيها علي بن شيبة [قال الخطيب البغدادي: "روى عنه المصريون أحاديث مستقيمة"، انظر: تاريخ بغداد (١١/ ٤٣٦)، الأنساب (٤/ ٢٠٤)، تاريخ الإسلام (٢٠/ ٤٠٣)، مغاني الأخيار (٢/ ٧٣٩)] وخالف فيها رواية الإمام الحافظ الحجة الثقة الثبت الفقيه: أحمد بن حنبل، فقد رواه عن يزيد بن هارون بمثل رواية الجماعة]. وخالفهم: أبو سلمة موسى بن إسماعيل [ثقة ثبت] فرواه عن حماد بالقصة؛ إلا أنه ذكر السماع من عائشة؛ فوهم. أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٣/ ١٥٦)، وابن ماجه (٣٢٤)، وأبو الحسن القطان في زوائده على ابن ماجه (٣٢٤)، وأحمد (٦/ ١٣٧ و ١٨٤ و ٢١٩ و ٢٢٧ و ٢٣٩)، وإسحاق بن راهويه (٢/ ٥٠٧ و ٥٠٨/ ١٠٩٥ و ١٠٩٦)، والطيالسي (٣/ ١٢٨/ ١٦٤٥)، وابن أبي شيبة (١/ ١٤٠)، وابن المنذر في الأوسط (١/ ٣٢٦)، والطحاوي (٤/ ٢٣٤)، والدارقطني (١/ ٩ ٥ و ٦٠)، وابن شاهين في الناسخ (٨٣)، والبيهقي في السنن (١/ ٩٢ - ٩٣)، وفي الخلافيات (٢/ ٦٩ - ٧١/ ٣٥٠ - ٣٥٢ و ٣٥٤)، وابن عبد البر في التمهيد (١/ ٣١٠ - ٣١١)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (١٦/ ١١٧ و ١١٨)، والحازمي في الاعتبار (٣٩)، والمزي في التهذيب (٨/ ٩٣). ولا عبرة بما رُوي من سماع عراك من عائشة، فإن علي بن عاصم ممن لا يحتج به في ذلك، فكيف وقد رواه الحفاظ بدون ذكر السماع. قال الإمام أحمد لما سأله أبو بكر الأثرم عن حديث خالد بن أبي الصلت عن عراك عن عائشة؟ قال: "مرسل"، ثم قال الأثرم: "قلت له: عراك بن مالك قال: سمعت عائشة ﵂؟ فأنكره، وقال: عراك بن مالك! من أين سمع عائشة؟ ما له ولعائشة؟ إنما يروى عن عروة، هذا خطأ. قال لي: من روى هذا؟ قلت: حماد بن سلمة عن خالد الحذاء. فقال: رواه غير واحد عن خالد الحذاء، ليس فيه: سمعت، وقال غير واحد أيضًا: عن حماد بن سلمة، ليس فيه: سمعت" [المراسيل لابن أبي حاتم (٦٠٦)، وانظر: الإمام (٢/ ٥٢٢)، المغني (١/ ١٠٧)، نصب الراية (٢/ ١٠٦)، التهذيب (٣/ ٨٩)]. وقال إبراهيم بن الحارث: "أنكر أحمد قول من قال: عن عراك سمعت عائشة، وقال: عراك من أين سمع من عائشة؟! " [التهذيب (١/ ٥٢٢)]. وقال أبو طالب عن أحمد: "إنما هو عراك عن عروة عن عائشة، ولم يسمع عراك منها" [التهذيب (١/ ٥٢٢)]. وقال أبو الفضل ابن عمار الشهيد في كتابه علل الأحاديث (٣٠) فيما أخرجه مسلم من طريق عراك بن مالك عن عائشة قالت: جاءتني مسكينة … ، قال: "وهذا عندنا حديث مرسل، وذكر أحمد بن حنبل أن عراك بن مالك عن عائشة: مرسل. سمعت موسى بن

стр. 38

هارون يقول: عراك بن مالك لا نعلم له سماعًا من عائشة"، وانظر: غرر الفوائد المجموعة (١٩). ٢ - وتابعهم: عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي [ثقة تغير قبل موته بثلاث سنين. التقريب (٦٣٣)]؛ إلا أنه أبهم خالد بن أبي الصلت فقال: عن رجل. أخرجه أحمد (٦/ ١٨٣)، وإسحاق (١٠٩٣)، وابن أبي شيبة (١/ ١٤٠)، والباغندي في مسند عمر بن عبد العزيز (٩٥)، والدارقطني (١/ ٦٠)، وابن عساكر (١٦/ ١١٨). ٣ - وخالفهم: وهيب بن خالد [ثقة ثبت لكنه تغير قليلًا بآخره. التقريب (١٠٤٥)] فرواه عن خالد، عن رجل؛ أن عراكًا حدث عن عمرة، عن عائشة، عن النبي ﷺ . أخرجه البخاري في التاريخ (٣/ ١٥٦)، ومن طريقه: ابن عساكر (١٦/ ١١٨). ٤ - وخالفهم: أبو عوانة [ثقة ثبت. التقريب (١٠٣٦)]. والقاسم بن مطيب [قال ابن حبان: "يخطئ عمن يروي؛ على قلة روايته؛ فاستحق الترك"، المجروحين (٢/ ٢١٣)، وقال الدارقطني: "ثقة" العلل (٥/ ١٤٣)، وقال ابن حجر في التقريب (٧٩٥): "فيه لين"، والراوي عنه: حجاج بن نصير: ضعيف، كان يقبل التلقين. التقريب (٢٢٥)]. ويحيى بن مطر [لم أر من تكلم فيه بجرح أو تعديل، وله ترجمة في تالي تلخيص المتشابه (٢/ ٤٢٢)، وهو غير يحيى بن مطر اليمامي الذي ترجم له البخاري وابن أبي حاتم وابن حبان. انظر: التاريخ الكبير (٨/ ٣٠٥)، الجرح والتعديل (٩/ ١٩١)، الثقات (٧/ ٦٠١)]: ثلاثتهم: عن خالد الحذاء، عن عراك بن مالك، عن عائشة به مرفوعًا. أخرجه الترمذي في العلل (٦)، وإسحاق (١٠٩٤)، والدارقطني (١/ ٥٩). وانظر: الخلافيات (٢/ ٧٢/ ٣٥٥). * وقد اختلف العلماء في الترجيح بين هذة الوجوه: أما الدارقطني فرجح رواية حماد بن سلمة ومن معه، وقال: "بين خالد وعراك: خالد بن أبي الصلت". ثم قال بعد رواية علي بن عاصم: "هذا أضبط إسناد، وزاد فيه: خالد بن أبي الصلت، وهو: الصواب". وتابعه على ذلك: البيهقي؛ حيث رأى أن حماد بن سلمة وعلي بن عاصم قد أقاما إسناده. وأما البخاري فحكم عليها بالاضطراب فقال: "هذا حديث فيه اضطراب" [علل الترمذي (٦)]. وقول البخاري أقرب إلى الصواب؛ فإن الخلاف دائر بين ثقات أثبات، وإن كان لقول الدارقطني والبيهقي حجة قوية جدًّا؛ لكونها رواية جماعة الثقات، ولاشتمالها على زيادة في الإسناد بين الحذاء وعراك، والذي أبهم ابن أبي الصلت لم يعارض من صرح باسمه؛ فمن حفظ حجة على من لم يحفظ.

стр. 39

وأيًّا كان فإن خالد بن أبي الصلت: لا يكاد يعرف [الميزان (١/ ٦٣٢)]. وروايته عن عراك مرسلة [قاله البخاري. التاريخ (٣/ ١٥٥)]. ثم إن روايته هذه منكرة؛ فقد خالف فيها من هو أوثق منه وأحفظ لحديث عراك: جعفر بن ربيعة [ثقة. التقريب (١٩٩)]، فقد رواه عن عراك بن مالك، عن عروة، أن عائشة كانت تنكر قولهم: لا تستقبل القبلة. موقوف عليها. أخرجه البخاري في التاريخ (٣/ ١٥٦)، وابن أبي حاتم في العلل (١/ ٢٩/ ٥٠)، وابن عساكر (١٦/ ١١٨). قال البخاري في التاريخ: "هذا أصح"، وقال في علل الترمذي الكبير (٦): "والصحيح عن عائشة قولها". وقال أبو حاتم: "وهذا أشبه". وتقدم قول أحمد، قال: "عراك بن مالك! من أين سمع عائشة؟ ما له ولعائشة؟ إنما يروى عن عروة، هذا خطأ". وقال ابن المنذر في الأوسط (١/ ٣٢٧): "ودفع أبو ثور حديث عائشة بأن قال: خالد بن أبي الصلت: ليس بمعروف". وقال ابن حزم في المحلى (١/ ١٩٦): "وأما حديث عائشة، فهو: ساقط؛ لأنه من رواية خالد الحذاء -وهو: ثقة- عن خالد بن أبي الصلت -وهو: مجهول لا يدرى من هو". وقال عبد الحق الإشبيلي في الأحكام الوسطى (١/ ١٢٩): "وخالد بن أبي الصلت: ضعيف". وقال ابن القيم في تهذيب السنن (١/ ٢٢): "هذا الحديث: لا يصح، وإنما هو موقوف على عائشة"، ثم بيَّن علته فقال: "وذلك أن خالد بن أبي الصلت: لم يحفظ متنه، ولا أقام إسناده؛ خالفه فيه: الثقة الثبت صاحب عراك بن مالك المختص به الضابط لحديثه: جعفر بن ربيعة الفقيه فرواه عن عراك عن عروة عن عائشة: أنها كانت تنكر ذلك، فبيَّن أن الحديث لعراك عن عروة، ولم يرفعه ولا يجاوز به عائشة؛ وجعفر بن ربيعة: هو الحجة في عراك بن مالك، مع صحة الأحاديث عن النبي ﷺ وشهرتها بخلاف ذلك"، وانظر أيضًا: زاد المعاد (٢/ ٣٨٤). وقال الذهبي في الميزان (١/ ٦٣٢) بعد ما أورد الحديث في ترجمة ابن أبي الصلت: "لا يكاد يعرف، تفرد عنه به خالد الحذاء، وهذا حديث منكر"، وانظر وجه نكارة متن هذا الحديث: في السلسلة الضعيفة (٩٤٧). • وخلاصة الكلام في فقه هذا الباب: أن استقبال القبلة أو استدبارها ببولٍ أو غائطٍ: يجوز في البنيان، وفي الصحراء مع وجود حائل؛ فإن عُدِم الساتر فلا يجوز. ويحمل حديث أبي أيوب وسلمان وأبي هريرة وغيرهم على الصحراء [الفضاء] بدون

стр. 40

حائل، ويحمل حديث ابن عمر وجابر على البنيان، يوضح ذلك فعل أبن عمر. انظر: المدونة (١/ ٧)، اختلاف الحديث (١٠/ ٢١٩ - الأم)، الرسالة (٢٩٢)، مسائل إسحاق بن منصور الكوسج (١/ ١١٩/ ١٤٧)، الأوسط لابن المنذر (١/ ٣٢٨)، التمهيد (١/ ٣٠٩)، الإنصاف (١/ ١٠١)، المغني (١/ ١٠٧)، المجموع (٢/ ٩٧)، الفتح (١/ ٢٩٦)، نيل الأوطار (١/ ١٣٠ - ١٤٠)، وغيرها كثير. * * * ٦ - باب كيف التكشف عند الحاجة ١٤ - قال أبو داود: حدثنا أبو خيثمة زهير بن حرب: ثنا وكيع، عن الأعمش، عن رجل، عن ابن عمر: أن النبي ﷺ كان إذا أراد حاجةً لا يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض. قال أبو داود: عبد السلام بن حرب رواه عن الأعمش، عن أنس بن مالك، وهو: ضعيف. قال أبو عيسى الرملي: حدثناه أحمد بن الوليد: حدثنا عمرو بن عون، أخبرنا عبد السلام، به. • حديث ضعيف أخرجه من طريق أبي داود: البيهقي (١/ ٩٦). ورواه ابن أبي شيبة (١/ ١٠١) قال: حدثنا وكيع قال: حدثنا الأعمش قال: قال عبد الله بن عمر: كان رسول الله ﷺ إذا أراد الحاجة برز حتى لا يرى أحدًا، وكان لا يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض. وهكذا علقه الترمذي في الجامع (١٤)، وفي العلل (٨): عن وكيع، عن الأعمش قال: قال ابن عمر، ولم يذكر بينها أحدًا. وقال: "وتابعه الحماني" يعني: تابع وكيعًا عن الأعمش به بدون ذكر الواسطة. ووكيع بن الجراح ثقة ثبت، من أثبت أصحاب الأعمش [شرح علل الترمذي (٢٩٥)، سؤالات ابن بكير (٣٨)]. • إلا أنه اختلف على وكيع فيه: أ- فرواه ابن أبي شيبة [وهو: ثقة حافظ، صاحب تصانيف. التقريب (٥٤٠)] عن وكيع به؛ فلم يذكر واسطة بين الأعمش وابن عمر. وتابع وكيعًا على هذا الوجه: أبو يحيى الحماني، عبد الحميد بن عبد الرحمن: صدوق يخطئ ورمي بالإرجاء [التقريب (٥٦٦)].
следующие страницы →